Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
حمّل قبل النبوة وقبل الهجرة غير مرة
بيان حجة النبي
حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعد ما هاجر، ومعها عمرة ، فساق ثلاثة
وستين بدنة ، وجاء على من اليمن ببقيتها، فيها حمل لأبى جهل، فى أنفه برة من
رسول اللّه ◌َا﴾ واقفاً مع الناس بعرفة، فقلت: والله إن هذا لمن الحمس، فما
شأنه ههنا ؟ وكانت قريش تعد من الحمس. قال الشيخ: ولعل عمله مح 9$ هذا
من الوقوف بعرفات كان بمقتضى فطرته السليمة. قال القرطبى فى " تفسيره"
(٤ - ١٤٣): وقد حج النبى بَّ اللّ قبل حج الفرض، وقد وقف بعرفة ولم يغير
من شرع ابراهيم ماغيروا حتى كانت قريش تقف بالمشعر الحرام الخ ، يريد
أنه مُّل له لم يتبع قريشاً فى ذلك بل اقتفى شرع ابراهيم عليه السلام وفاق بقية
الناس من العرب ، فإن القريش كانوا يحجون كل عام ، وكانوا يكتفون
بالوقوف على مزدلفة ولا يخرجون منها إلى عرفات ، والناس كلهم من عدا
قريش يبلغون عرفات ويقفون بها
ثم إن قوله: " معها عمرة" فى حديث جابر فى الباب بدل صراحةً على
أنه محَّجلٍّ كان قارناً فى حجة الوداع ، وهذا يفيدنا فى مسألة أفضلية القران كما
سباتی قريباً
قوله : فساق ثلاثةً وستين بدنة .
والسر فى نحره بَ الٍّ ثلاثاً وستين بدنة ما ذكروا: أن عمره الحَخلي كان بلغ
ثلاثاً وستين سنةً، وكان على واله جاء من اليمن بسبع وثلاثين تتمة المائة،
ونحر منها على اثنتين وثلاثين بدنة، قيل: وكان عمره الته إذ ذاك اثنتين
وثلاثين عاماً، وخمس منها نحرها التى حَ دّج. وثبت فى الصحيح فى ( باب من
يتصدق بجلال البدن) من حديث على: ((أن النبى مَ الٍ أهدى مائة بدنة الخ))،
وثبت فى حديث جابر الطويل عند "مسلم": ((فنحر ثلاثاً وستين بيده ثم

٢٢
معارف السنن
ج - ٦
أعطى علياً فنحر ما غبر)) الحديث. ووقع فى رواية ابن اسحاق عن ابن أبى نجيح
عن مجاهد عند أبى داود فى حديث على: ((نحر النبى بجَّ لّ ثلاثين بدنة وأمرنى
فنحرت سائرها ، وكذا فى حديث ابن أبى ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن
عباس عند أحمد ( ١ - ٣١٤)، وبإسناد آخر عنده (١ - ٢٦٠) مثله ،
وكلاهما ضعيف
وطريق الجمع على ما ذكره البدر العينى والحافظ العسقلانى: ((إن النبى
مَّ الج نحز ثلاثين ثم أمر علياً أن ينحر فنحر سبعاً وثلاثين مثلاً، ثم نحر النبى
عَ لّ ثلاثاً وستين، هذا طريق يتأتى ذلك، قالا: وإلا فالذى رواه مسلم أصح،
واللّه أعلم. أنظر "العمدة" (٤ - ٧٣٠) و "الفتح" (٣ - ٤٤٣).
وكونها على وفق عمره حَ لّ ذكره ابن حبان وغيره، كمافى " تاريخ ابن
كثير" (٥ - ٨٨). وكون البدن التى نحرها على رضى الله عنه كانت وفق
عمره لم أقف على من ذكره . وولادة على رضى الله عنه على الصحيح كما فى
" الإصابة " بعشر سنين قبل البعثة، فيكون عمره رضى الله عنه فى حجة
الوداع ثلاثاً وثلاثين سنةً، وتوفى سنة أربعين من الهجرة، فوافق عمره عمر
رسول اللّهِ مَُّ﴾. واختار ابن القيم منحى آخر فى حديث أحمد وأبي داود
فقال : هذا غلط، انقلب على الراوى، فإن الذى نحر ثلاثين هو على ، فإن
النبى عَِّ نحر سبعاً بيده لم يشاهده على ولا جابر، ثم نحر ثلاثاً وستين أخرى،
فبقى من المائة ثلاثين فنحرها على الخ، وكانت البدن يز دلفن إليه عّ لّ النحر
ویتسابقن ، کما ثبت ذلك فی حدیث عبد الله بن قرط عند أبى داود فى ( باب
الهدى إذا عطب قبل أن يبلغ) وفيه: ((وقرب لرسول اللّهِ فَ ا﴾ بدنات خمس
أوست فطفقن زدلفن إليه بأيتهن يبدأ)) الحديث. فيتحمل أن تكون تلك الحال فى
سائر البدن، ولم أره صريحاً والله أعلم. وهذا من جملة معجزاته حَاجٍ. وفى

٢٣
بقية بحث نحره حَ لي البدن بيده
فضة فنحرها، فأمر رسول اللّه حل﴾ من كل بدنة ببضعة، فطبخت وشرب من
مر قها ،
رواية لأبى داود: «إنه حَلّ بحر خمس بدنة))، وتعرض المحدثون إلى
إعلالها .
قال شيخنا : ومحمله عندى أنه نحر ثلاثاً وستين فى مجلس ثم فى آخر نحر
حمساً فلا منافاة بين الروايتين. ويقول صاحب "الحدى": فإن المائة لم
تقرب إليه جملة، وإنما كانت تقرب إليه إرسالاً، فقرب منهن إليه خمس بدنات
رسلاً، وكان ذلك الرسل يبادرن ويتقرين إليه ليبدأ بكل واحدة منهن اهـ .
ولم أقف على من أعل الحديث، والله أعلم
قوله : وشرب من مرقها
هذا بدل صراحةً على أنه بَّنِ﴾ كان قارناً، فإنه لا يجوز للمهدى أن
يأكل من دم الجناية ، ويؤيد الحنفية فى أن دم القران والتمتع دم شكر ،
ويجوز له الأكل منه لا دم جبر كما يقوله الشافعى، ولا يجوز عنده أن يأكل
من دم الجبر .
واعلم أن الدماء نوعان: (١) دم المتعة والقران والأضحية وهدى التطوع
إذا بلغ محله . (٢) دم النذر والكفارات والإحصار .
فالأول: يجوز له الأكل منه بل يستحب، والثانى: لا يأكل منه، هذا
هو تنقيح مذهب إمامنا . وقد استدل بهذا الحديث صاحب " الهداية "
(٢ - ٣٣ )

٢٤
معارف السنن
ج - ٦
قال أبو عيسى : هذا حديث غريب من حديث سفيان ، لا نعرفه إلا
من حديث زيد بن حباب، ورأيت عبد الله بن عبد الرحمن روى هذا الحديث
فی کتبه عن عبد الله بن أبی زیاد .
وسألت محمداً عن هذا فلم يعرفه من حديث الثورى عن جعفر عن أبيه
عن جابر عن النبى حَّ امٍ، ورأيته لا يعد هذا الحديث محفوظاً، وقال : إنما
يروى عن الثورى عن أبى اسماق عن مجاهد مرسل :
للمذهب، وأما عند الشافعى فيجب الدم فى التمتع والقران ، وذلك الدم دم
جبران لسقوط الميقات وبعض الأعمال كما فى " شرح المهذب (٧ - ١٦٣).
ثم الأصح عند الشافعية أنه كان قارناً فى آخره ، فكيف أكل من هداياه وكان
فيها دم القران أيضاً ، فلم يكن إذن كلها هدايا تطوع وأضحية حتى يستحب
الأكل منها جميعاً والله أعلم .
فائدة : البدنة بفتحتين وجمعها : بدن، بالضم ، ولا يختص عندنا بالإبل
كما هو عند الشافعى بل يعم البقر أيضاً . والبدن التى جاء بها على من اليمن
كان اشتراها، ولعله بأمره حّ الج ، ولم تكن من الصدقة، نبه عليه النووى.
والبرة - بضم الباء وفتح الراء المهملة المخففة - : الحلقة فى أنف البعير ،
وأصلها بروة مثل فروة ، جمعها : برى، وبراة ، وبرين . وفى البرة يشد
الخطام .
وقوله : من فضة، وقع البيهقى كما فى "قوت المغتذى": ((من ذهب))،
فيحتمل إن صح أن يكون بعضها منه ، وهو اختلاف بين ابن اسحاق وابن
المنهال فى الرواية فىحديث ابن عباس عند أبى داود . ثم إن فى حديث ابن عباس

٢٥
بحث الأكل من الهدايا وعمرات النبى
حدثنا : اسحاق بن منصور نا حبان بن هلال نا همام نا قتادة قال : قلت
لأنس بن مالك: «كم حج النبىِ نَّ ل﴾؟ قال: حجةً واحدةً، واعتمر أربع
عمر، عمرة فى ذى القعدة ، وعمرة الحديبية ، وعمرة مع حجته، وعمرة الجعرانة
إذ قسم غنيمة حنين)).
عند أبي داود فى (باب الهدى): ((إن رسول اللّه عَ ل أهدى عام الحديبية
فى هدايا رسول اللّه جملا كان لأبى جهل الخ)) فعلم منه أنه لم يبق إلى حجة
الوداع حيث نحر فى جملة هدى الحديبية، وأيضاً جمل أبى جهل يصل إلى اليمن،
وهذا بعيد والله أعلم .
وقوله: ((فشرب من مرقها))، قال النووى: لما كان الأكل من كل
واحدة سنة وفى الأكل من كل كلفة جعلت فى قدر لتطبخ ويؤكل من مرق
كلها اه ملخصاً . والبضعة - بفتح الباء لا غير - : قطعة من اللحم . وعبد الله
ابن عبد الرحمن هو: أبو محمد التميمى الدارمى السمرقندى صاحب " المسند "،
المتوفى سنة ٢٥٥ - هـ، رحل وطوف وسمع النضر بن شميل ويزيد بن
هارون وطبقتها ، وفيه يقول رجاء بن مرجى : ما أريت أعلم بالحديث منه ،
ولما نعى إلى الإمام البخارى استرجع وبكى وأنشد :
·· وبقاء نفسك لا أبالك أفجع
إن عشت تفجع بالأحبة كلهم
يروى عنه. البخارى خارج " الصحيح"، ومسلم والترمذى وأبو داود
ومن أصحاب الأمهات، وكان يضرب به المثل فى الحلم والدراية والحفظ والعبادة
والزهد، وراجع ترجمته من "تاريخ الخطيب" و" التهذيب" .
قوله : أربع عمر . ثلاث منها كانت فى ذى القعدة إحرامها وأفعالها ،

٢٦
معارف السنن
ج .- ٦
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وحبان بن هلال أبوحبيب
البصرى هو جليل ثقة ، وثقه يحيى بن سعيد القطان.
( باب ما جاء: كم اعتمر النبى صلى الله عليه وسلم؟)
حدثنا: قتيبة نا داود بن عبد الرحمن العطار عن عمرو بن دينار عن
عكرمة عن ابن عباس: ((إن رسول اللّه ◌ُجَّلج اعتمر أربع عمر: عمرة
وأما التى فى حجة الوداع فكان إحرامها فى ذى القعدة وأعمالها فى ذى الحجة ،
وفيه أيضاً حديث عائشة عند ابن ماجه بإسناد صحيح: (( لم يعتمر رسول الله
192 إلافى ذى القعدة))، وجدت أنس عند الترمذى متفق عليه من رواية
الشيخين، وحديث أبى هريرة عند البيهقى وغيره مثله ، وراجع لمزيد البحث
والتفصيل " العمدة" (٥ - ٧ إلى ١٠) و"الفتح" (٤ - ٤٧٧) و " فتح
القدير" من ( باب الفوات) .
-: باب ما جاء: كم اعتمر النبى صلى الله عليه وسلم ؟ :-
خرج رسول اللّه وَ ه معتمراً عام الحديبية فأحصر عنها فنحر الهدى
هناك وحلق وأحل ، وفى مثله يقول الحنفية : من أحرم بالعمرة فأحصر
فيهدى وينحر ويقضى من العام المقبل . وقال الحجازيون: لا قضاء إذا أحصر
بالعذر السماوى، واختلف فيه العلماء سلفاً وخلفاً فيما يقع به الإحصار، فقال
أبو حنيفة وأصحابه أبو يوسف ومحمد وزفر وسفيان الثورى ، أنه يقع بكل
حابس من مرض أو عدو أو كسر أو عرج أو ذهاب نفقة ونحوها مما يمنعه عن
الوصول إلى البيت الحرام ، وروى ذلك عن ابن مسعود وزيد بن ثابت وابن
عباس وابن الزبير وعلقمة وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير ومجاهد والنخغى

٢٧
بيان المذاهب فى إحصار الحج - وبحث عمرة القضاء
الجديبية ، وعمر الثانية من قابل : عمرة القصاص فى ذى القعدة، وعمرة الثالثة
من الجعرانة، والرابعة التى مع حجته )).
وفى الباب عن أنس وعبد الله بن عمرو وابن عمر . قال أبو عيسى :
حديث ابن عباس حديث غريب . وروى ابن عيينة هذا الحديث عن عمرو بن
وعطاء ومقاتل بن حيان ، وقال مالك والشافعى وأحمد والليث: أنه لا يكون
إلا بالعدو، وفى قوله تعالى: ( فإن أحصر تم، الآية ) وقع التعبير بالإحصار ،
وقد ذكر أئمة اللغة كالفراء والكسائى والأخفش وأبى عبيدة وابن السكيت
والقتبى وغيرهم : أن الإحصار المنع بالمرض ، بل يقول أبو جعفر النحاس:
على ذلك جميع أهل اللغة، وليراجع لأدلة الفريقين " العمدة" (٥ - ٣٨)
و "أحكام القرآن" للجصاص و "فتح القدير" لابن الهام، وليس هذا موضع
إنهاء البيان . والذى تقدم من الشافعى القول بالقضاء فى الحج والعمرة إذا
شرع فيها نفلاً ولم يتمهما فإنما ذلك بعد الشروع فيها ، ثم إنها سميت عمرة
القضاء عند العراقيين بالقضاء لأجل أنها كانت قضاء من العام الماضى ، وقال
الحجازيون لوقوع القضاء أى الصلح فيها، ويفيدهم لفظ البخارى: ((إنه
عَليقاضاهم الخ)) أى صالحهم ، وهذا اللفظ رواه البخارى فى حديث ابن
عمر فى المغازى (باب عمرة القضاء) وفى كتاب الصلح (باب الصلح مع المشركين)،
وفى حديث البراء فى المغازى .
قوله : عمرة القصاص الخ وتسمى : عمرة القضاء ، كما ذكر آنفاً ، قال
البدر العينى فى " العمدة" (٥ - ٨): وتسمى. عمرة القضاء، وعمرة
القضية، وعمرة القصاص، فسميت: بالقضاء والقضية لأنه يجَّ الّ قاضى أهل

٢٨
معارف السنن
ج - ٦
اعتمر أربع عمر)) ولم يذكر فيه عن
دينار عن عكرمة: ((إن النبى
ابن عباس .
حدثنا : بذلك سعيد بن عبد الرحمن المخزومى نا سفيان بن عيينة عن عمرو
ابن دينار عن عكرمة عن النبى حمّ له فذكر نحوه.
مكة على الاعتمار من قابل، ولأن المسلمين قضوها عن عمرة الحديبية . وسميت:
عمرة القصاص إذ فيها نزل: (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص 0)
أو من القصاص بمعنى: أخذ الحق ، كأنهم اقتصوا حقهم فى العام القابل انتهى
ملخصاً. ووقع فى رواية أبى داود فى هذا الحديث: (( والثانية حين تواطئوا على
عمرة من قابل))، وفى لفظ ابن ماجه: ((وعمرة القضاء من قابل))، والأسانيد
كلها جياد ، واختلف تعبير الرواة فى هذه الثانية
ثم إن ابن الهمام يقول: عمرة القضاء هى قضاء عن الحديبية، هذا مذهب
أبى حنيفة ، وذهب مالك إلى أنها مستأنفة لا قضاء عنها ، وتسمية الصحابة
وجميع السلف إياها بـ: "عمرة القضاء" ظاهر فى خلافه، والتسمية بـ "عمرة
القضية " لا ينفيه فإنها كانت نتيجة للمقاضاة فى الأولى، فيصح كل تعبير، غير
أن التعبير بالقضاء يثبت كونها قضاءً بلا معارض انتهى ملخصاً ومختصراً بلفظى
وراجعه ، وكانت فى السنة السابعة .
وعمرة الجعرانة وقعت بعد الرجوع من حنين فى الثامنة ، فهذه ثلاث
عمر متواليات، ولم يخرج حلّ ل فى التاسعة بل أمر أبا بكر بالخروج وجعله
أميراً للحج .

٢٩
تحقيق معنى الإحرام وحديث احرامه بحي الج فى ذى الحليفة
( باب ما جاء: فى أى موضع أحرم
النبى صلى الله عليه وسلم )
حدثنا : ابن أبى عمرنا سفيان بن عيينة عن جعفر بن محمد عن أبيه من
-: باب ما جاء: فى أى موضع أحرم النبى صلى اللّه عليه وسلم ؟ :-
اعلم: إن حقيقة الإحرام عندنا ليس مجرد النية بالقلب ، بل يجب معها ضم
القول بالتلبية أو الفعل بسوق الهدى للقران والتمتع أودم الجزاء ، فإذا لحقه
صار محرماً. قال فى متن "الهداية". ولا يصير شارعاً فى الإحرام بمجرد النية
مالم يأت بالتلبية اهـ. وفى "البحر": والمراد بالتلبية شرط من خصوصيات
الفسك سواء كان تلبيةً أو ذكراً يقصد به التعظيم أو سوق الهدى أو تقليد البدن
اهـ. وأما حكم التلبية ففيها أقوال فى المذاهب، وراجعها من " فتح البارى "
(٣ - ٣٢٦) و " العمدة" (٤ - ٥٣٢)
وملحص ذلك أنها سنة عند الشافعى وأحمد ، واجبة عند مالك وأصحابه ،
يجب بتركها الدم . فرض عند أبى حنيفة والثورى غير أنه يكفى الذكر المشعر
بالتعظيم بدله عندنا ، وفى "قواعد ابن رشد": مذهب مالك كالشافعى فى
إجزاء النية من غير التلبية، وشرح " المهذب" (٧ - ٢٢٥): ولا يجب فى
التلبية ذكر الحج والعمرة أو أحدهما. فإذن جاز للقارن أن يذكرها فيها أو أحدهما
أولا يذكرهما فيها ، وليحفظ هذا فإنه يفيدنا فى الجمع بين كونه قارناً وبين
روايات إهلاله بالحج ، بل لولم بذكرهما أصلاً فيها أجرأه اعتباراً بالصلاة ،
كما فى "الهداية"، وكذا النووى فى شرح المهذب" (٧ - ٢٢٥): قال
الشافعى والأصحاب: الإعتبار بالنية ، فلو أبى بحج وقوى عمرة فهو معتمر ،

٣٠
معارف السنن
ج .- ٦
وإن لى بعمرة ونوى حجاً فهو حاج ، وإن لى بأحدهما ونوى القران
فقارن آمـ
ثم السنة فى صيغة التلبية ما هو المأثور فى حديث ابن عمر المخرج فى
الأمهات الست: (( لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد
والنعمة لك والملك ، لاشريك لك)). وفى حديث عائشة عند البخارى وحديث
عبد الله عند النسائى من غير: " الملك، لاشريك لك". وجازت الزيادة عليها
عندنا بماثبت عن الصحابة كما فى "الهداية"، وراجع لتفصيل المذاهب فيه
"العمدة" (٤ - ٥٣٣) و"الفتح" (٣ -٣٢٥) ويأتى فى بابها انشاء اللّه تعالى.
ويسى الوقف فى المواضع الأربعة . قال الشيخ : أقول : وقد أشرت
إليها برمز الفصل، وهكذا المتوارث سماعاً ، ولم أر التصريح هكذا فى كتاب
غير أنه ذكر القارى فى شرح المناسك . ويستحسن الوقف على "والملك". ويكفى
فى التلبية كل ذكر مشعر بالتعظيم كما فى " الهداية" مع زيادة تعميمها بالفارسية
والعربية، لأن باب الحج أوسع من باب الصلاة حتى يقام غير الذكر مقام
الذكر كتقليد البدن ، فكذا غير التلبية وغير العربية ، كما فى " الهداية".
نعم لا يتأدى به السنة . وأما حقيقة الإحرام عند الشافعية فكلماتهم فيها مضطربة
لا يمكن تنقيحها ، واعترف به الإمام الشيخ عزالدين بن عبد السلام الشافعى
سلطان العلماء (١)، فيقول ابن دقيق العيد كما فى "الفتح" (٣ -٣١٨): إن
(١) هو: شيخ الإسلام سلطان العلماء عبد العزيز بن عبد السلام السلمى
الدمشقى ثم المصرى الشافعى ، المولود سنة ٥٧٨ - هـ والمتوفى سنة ٦٦٠ - هـ،
وهو كما يقول فيه ابن السبكى فى "طبقاته": لم يرمثل نفسه، ولارآى من
رأى مثله علماً وورعاً وقياماً فى الحق وشجاعةً وقوة جنان وسلاطة لسان.

٣١
بيان المذاهب فى فرائض الحج
ابن عبد السلام كان يستشكل معرفة حقيقة الإحرام يعنى على مذهب الشافعى
ويرد على من يقول : أنه النية ؟ لأن النية شرط فى الحج الذى إحرامه ركنه
وشرط الشئى غيره ، ويعترض على من يقول : إنه التلبية بأنها ليست ركاً ...
قال الحافظ : والذى يظهر أنه مجموع الصفة الحاصلة من تجرد وتلبية ونحو
ذلك اهـ .
ثم الحج فرائضه عندنا ثلاثة : الإحرام وهو شرط، ووقوف عرفات ،
وطواف الإفاضة ، أى أكثره، وهو أربعة أشواط ، وبقية الثلاثة واجبة
يجبر تركها بالدم ، كما فى كتب فروعنا ، وهماركنان ، وقال الشافعية كما فى
" منهاج النووى": أركان الحج خمسة: الإحرام، والوقوف ، والطواف
والسعى ، والحلق ، إذا جعلناه نسكاً . وذكر فى شرح " المهذب" قولين فى
مبيت مزدلفة سنة ووجوباً ، ثم فى قول الوجوب يجبر تركه بالدم ، فلم يكن
فرضاً عندهم. أنظر شرح " المهذب" (٨ - ١٢٤). وعند مالك أربعة
بريادة السعى كما فى " إرشاد السالك"، وبه قال أحمد واسماق.
ويقول فيه ابن الحاجب : هو أفقه من الغزالى ، ويقول غيره : بلغ رتبة
الإجتهاد. ومن أصحابه الحافظ ابن دقيق العيد ، وهو الذى لقبه: سلطان
العلماء ، وكان صاحب مكاشفات وكرامات ، كان بايع على بد الشيخ شهاب الدين
السهروردى ، وهو الذى حث ملك مصر على محاربة التتار ، وقال : أخرجوا
وأنا أضمن لكم النصر على الله، كما ذكره ابن السبكى ، وقد توسع فى ترجمته
بما يستحقه فى "طبقاته" فى الجزء الخامس ، وأثنى عليه الذهبى فى " العبر "
وابن كثير فى "البداية والنهاية
( م - ٣٤ )

٣١
معارف السنن
ج - ٦
جابر بن عبد الله قال: ((لما أراد التى حدّل الحج أذن فى الناس، فاجتمعوا،
فلما أتى البيداء أحرم)).
وفى الباب عن ابن عمر وأنس والمسور بن مخرمة . قال أبو عيسى :
حديث جابر حديث حسن صحيح
وأما الواجبات عندنا فكثيرة تزيد على عشرين استوفاها من المتون
"نور الإيضاح" للشرنبلالى، ومن الشروح "رد المحتار" لابن عابدين.
وكتب المناسك المفردة
وما عداها سنن وآداب، والشافعية أثبتوا الواجبات فى الحج وأنكروها
فى الصلاة حيث أطلقوا فى كثير من الصور الوجوب ، ثم قالوا بجرانها بالدم
المالكية والشافعية والحنابلة كلهم، كذلك أثبتوا هذه المرتبة بين الفرض والسنة
وقد سبق تفصيل ذلك أيضاً .
قوله : فلما أتى البيداء أحرم
اعلم : إنه يلى بعد ركعتى الطواف متصلاً فى موضع صلاته، كما ذكره
فى "العمدة" (٤ -٥٢٠٠) من مذهب الأئمة الأربعة وأصحابهم جميعاً : أن
يهل أثر ركعتى الطواف فى مصلاه . وفى "قواعد ابن رشد". واستحب
العلماء أن يكون ابتداء المحرم بالتلبية بإثر صلاة يصليها ، فكان مالك يستحب
ذلك بإثر نافلة والمسألة خلافية قديمة بين الصحابة، فقال طائفة: أهل{g فى
مصلاه ، وطائفة : حين استوت به راحلته ، وطائفة : حين علا البيداء ، وقد
أزال الإشكال مارواه أبو داود والحاكم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس
كما يأتى .

٣٣
بحث الإختلاف فى وقت التلبية عند الإحرام
وقد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك ، وإنما الخلاف فى
الأفضل كما فى "الفتح" (٣ - ٣١٨). ثم رأيت فى " المواهب" وشرحه:
والصحيح من مذهب الشافعى ومالك والجمهور أن الأفضل أن يحرم إذا انبعثت
به راحلته آهـ. واختلفت الروايات فى موضع التلبية ، وحديث جابر فى الباب
يخالفه حديث ابن عمر فی الباب ، وحديث ابن عباس عند أبى داود فى ( باب
وقت الإحرام) (١ - ٢٤٦) وفيه: ((وأيم الله لقد أوجب فى مصلاه،
وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا على شرف البيداء ». فجاء
اختلاف الصحابة على حسب علمهم وسماعهم ، وكان ابن عباس أعلمهم بذلك .
فحديث ابن عباس يفيد زيادة علم ليس عند غيره ، وهو مثبت فيقدم على
سائر الروايات المختلفة فى وقتها ، ورواه الحاكم كما فى "الفتح"، كلاهما
من طريق سعيد بن جبير عنه ، وأخرجه الحاكم من وجه آخر من طريق عطاء
عن ابن عباس نحوه دون القصة كما فى " الفتح". قال الطحاوى بعد رواية
حديث ابن عباس : فبين ابن عباس الوجه الذى جاء فيه اختلا فهم ، وأن إهلال
النبى فِيَّ الذى ابتدأ الحج ودخل فيه كان فى مصلاه ، فبهذا نأخذ
وهو قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى. وحديث ابن عباس
رواه الترمذى أيضاً ، ورواه أحمد وأبوداود والطحاوى والحاكم والبيهقي ،
ورواه الترمذى مختصراً كلهم من طريق خصيف وهو ابن عبد الرحمن الجزرى
بالخاء المعجمة مصغراً . قال فى " التقريب": صدوق سيفى الحفظ، وهو
من رواة الأربعة ، وفى شرح " المواهب": ضعفه الجمهور ووثقه ابن معين
وأبو زرعة ، وراجع كلمات الجرح والتعديل فيه من " الميزان" و"التهذيب"،
وربما يكون القول الوسط ما يقوله الشيخ من تحسين روايته ، ويضعفه المنذرى
والنووى ، ولكن سكوت أبى داود دليل صلاحيت للعمل ، ونقل الحافظ إياه
فى "الفتح" من غير كلام ، بل فى موضع الاحتجاج على الأقل دليل تحسينه ،
٣

٣٤
معارف السنن
ج - ٦
معى قُنا : قتيبة بن سعيد نا حاتم بن اسماعيل عن موسى بن عقبة عن سالم
ابن عبد الله بن عمر عن ابن عمر قال: ((البيداء التى يكذبون فيها على رسول الله
حَّالِ، واللّه! ما أهل رسول اللّه فَ ﴾ إلا من عند المسجد من عند الشجرة)).
قال أبو عيسى : وهذا حديث حسن صحيح
وفيه ابن اسحاق أيضاً ، لكنه صرح بالسماع عند أبى داود والحاكم ، وقد رواه
الواقدى بإسناد له عن ابن عباس ، كما فى "البداية والنهاية" (٥ -١١٨)
عن البيهقى، والواقدى ربما يصلح للمتابعة ، علا أن احتجاج مثل أبى حنيفة
ومحمد والطحاوى أضمن لتقويته عند هؤلاء الأئمة.
ثم إن المسألة بسيطة فى نفسها ، وقال محمد فى "مؤطئه": والكل
حسن اهـ. وقد يظهر بعد إمعان النظر أن ابن عمر إنما ينفى تأخير الإهلال إلى
البيداء ، ومحط كلامه: أنه مَلالٍ أهل حين استقلت به راحلته قبل وصوله إلى
البيداء ، فإن كان أهل قبل انبعاث راحلته فلا ينافى ذلك ، فالحاصل أنه ينفى القول
بالتأخير إلى الوصول إلى البيداء ، ولا ينفى القول بالتقديم والله أعلم.
ثم إن حديث خصيف هذا سكت عليه أبو داود ، وصححه الحاكم على
شرط مسلم، وقرره الذهى فى " تلخيصه"، واحتج به الحافظ فى " الفتح "،
فإذن أقل أحواله أن يكون حسناً.
و "البيداء" قال البدر والشهاب: البيداء هذه فوق علمى ذى الحليفة لمن
صعد من الوادى، قاله أبو عبيد البكرى اهـ . وقال النووى: سميت " بيداء"
لأنه ليس فيها بناء ولا أثر ، وكل مفازة تسمى : بيداء
و "الشجرة" اسم بالغلبة لذى الحليفة على قرب ستة أميال من المدينة، قال

٣٠
بيان أن إحرامه حَلٍّ فى ذى الحليفة، وهى بتر على
النووى فى شرح " مسلم" فى بيانها: التى كانت هناك وكانت عند المسجد،
وحققه السمهودى فى "الوفاء" (٢ - ١٦٢) بما ملخصه: أن المراد بالشجرة
هى السمرة التى ذكر فى حديث ابن عمر: ((إن النبي ح له كان ينزل تحتها
بذى الحليفة)) فى الصحيح ، وكان يصلى إليها ، ثم بنى هناك مسجد سمى :
بـ "مسجد الشجرة"، وهى: " مسجد ذى الحليفة"
ثم إن تسمية ابن عمر قولهم بالكذب لزعمه خلاف الواقع ، والكذب عند
أهل السنة إخبار خلاف الواقع ، سواء كان عن تعمد أوغلط أوسهو، ومثله
ما فى الحديث: ((كذب أبو عبادة)) فى حديث أبى داود. وحديث ابن عمر
هذا أصله فى " الصحيحين"، ورواه مسلم أيضاً بإسناد الترمذى ونحو لفظه،
غير أنه زاد: (( حين قام به بعيره))، فإذن لم يكن حجة إلا للقائلين بالتلبية حين
انبعثت به راحلته ، دون القائلين بها فى المصلى عقيب الصلاة . ثم رأيت فى
"العمدة" (١ - ٦٣٢) فى كتاب العلم نقلا عن الكرمانى الحنفى فى المناسك:
وهى - أى ذو الحليفة - الشجرة اهـ. وتسمى اليوم: " بئر على" كما فى "الوفا"
(٢ - ١٦٢). وقال الحافظ فى "الفتح" (٣ - ٣٠٤): وبها مسجد
- يعرف بـ: "مسجد الشجرة" - خراب، وبها بثر يقال لها: بئر على اهـ.
وهى نسبة إلى على من الأعراب البدويين ، دون على كرم الله وجهه
ثم إنهكم كانت الصحابة فى حجة الوداع؟ فقال القسطلافى فى " المواهب"
وخرج معه عليه الصلاة والسلام تسعون ألفاً ، ويقال: مائة ألف وأربعة عشر
ألفاً، ويقال : أكثر من ذلك كما حكاه البيهقى . قال شارحه الزرقانى: وهذا
كما ترى فى عدة من خرج معه. وأما الذين حجوا فأكثر كالمقيمين بمكة .
والذين أتوا من اليمن مع على وأبى موسى آهـ . وفى " اللمعات" على ما فى
" التعليق الصبيح": ويروى: ((مائة وأربعة عشر ألفاً)) ، وفى رواية :

٣٦
معارف السنن
ج - ٦
( باب ما جاء: متى أحرم النبى صلى الله عليه وسلم؟)
حدثنا : قتيبة بن سعيد نا عبد السلام بن حرب عن خصيف عن سعيد بن
جبير عن ابن عباس: ((إن النبيِ مَّ له أهل فى دبر الصلاة)).
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرف أحداً رواه غير عبد السلام
ابن حرب، وهو الذى يستحبه أهل العلم: أن يحرم الرجل فى دبر الصلاة.
(( مائة وأربعة وعشرون ألفاً)). وفى " المرقاة": وقيل: مائة وثلاثون ألفاً
اهـ. وسميت حجة الوداع: حجة الإسلام، وحجة البلاغ، وحجة الكمال ،
وحجة التمام ، كما فى "العمدة" ( ٨ - ٤١٤) والزرقانى على " المواهب"
• " تاريخ ابن كثير" وغيرها
-: باب ما جاء: متى أحرم النبى صلى الله عليه وسلم؟ :-
حديث الباب فيه مقال من جهة خصيف بن عبد الرحمن الجززى، وقد
وثقه جماعة كما فى " التهذيب" وغيره، وصححه الحاكم على شرط مسلم فى
" المستدرك" ( ١ - ٤٥١ )، وسكت عليه الذهبى فى " تلخيصه"،
وأخرجه النسائى فى " صفراء " فى الجزء الثانى فى (باب العمل بالإهلال)
مختصراً بإسناد الترمذى ومتنه ، وفى شرح "المهذب": قد خالف البيهقى فى
خصيف كثيرون من الحفاظ والأئمة المتقدمين فى هذا الشأن ، فوثقه يحى بن
معين إمام الجرح والتعديل ، وأبو حاتم وأبو زرعة ومحمد بن سعد ، وقال
النسائى: صالح اهـ. حكاه الحافظ علاء الدين فى "الجوهر النقي"، وعبد السلام
ابن حرب ثقة من رجال الشيخين ، فلا يضر تفرده بالرواية عن خصيف ،
وقال ابن عدى كما فى "التهذيب": ولخصيف نسخ وأحاديث كثيرة ، وإذا

٣٧
بيان معنى الإفراد فى الحج وأقسام الحج
( باب ما جاء فى أفراد الحج )
حدثنا: أبو معصب قراءةً عن مالك بن أنس عن عبد الرحمن بن القاسم
عن أبيه عن عائشة: ((إن رسول اللّه ◌ُ لا أفرد الحج))
حدث عن خصيف ثقة فلا بأس بحديثه ورواياته آهـ .
وبالجملة فالحديث صالح للاحتجاج إن شاء الله، وقد حكى البيهقى فى
"سننه" (٥ - ٣٧) متابعة الواقدى له أيضاً ، كما قدمناه أيضاً عن ابن
كثير ، وفى هذا القدر كفاية ، وتقدم بحث ما يتعلق به فى الباب السابق .
تنبيه: هذا الباب لم يتعرض إليه فى " العرف الشذي".
-: باب ما جاء فى إفراد الحج :-
اعلم أن الإحرام الحج والعمرة على أقسام كثيرة مذكورة فى كتب الفقه .
قال فى " العمدة" ( ٤ - ٥٦٠): والمحرمون عشرة: مفرد بالحج، مفرد
بالعمرة ، قارن متمتع، قارن مطلق ، متطوع بحج ، متطوع بعمرة ، متطوع
بقران ، متمتع، مطلق ، معلق يعنى كإحرام فلان ، والكل جائز عند أهل
العلم كافةً إلا ما روى عن أميرى المؤمنين عمر وعثمان: أنهما كانا ينهيان عن
التمتع، وقيل: كان نهى تنزيه، وقيل: إنما نهبا عن فسخ الحج إلى العمرة بأن
ذلك كان خاصاً بالصحابة اهـ. وقد ذكر الشيخ فى إملائه على "جامع الترمذى»
منها ثمانية ، وهى: قسم للعمرة، وقسمان للإفراد ، وثلاثة أقسام للقران، وقسمان
للتمتع. وتفاصيلها وأحكامها وشرائطها محلها كتب الفقه وكتب المناسك . فقال:
فمنها العمرة المفردة، ومنها الحج المفرد. ومنها الحج ثم العمرة بعده فى ذلك
السفر، وهذه صورة حج الإفراد أيضاً، ومنها القران، وهو المقارنة فى الإحرام

٣٨
معارف السنن
ج - ٦
بين العمرة والحج من الميقات، ولو أدخل العمرة على الحج بعد ما أحرم للحج
فقط كان قراناً ولكنه مكروه ، قال فيه فى "البحر الرائق": قارن مسيّى
وللقران قسم آخر ، وهو أن يدخل الحج على العمرة بعد ما أحرم للعمرة
فقط، ثم الإحلال منهما للقارن بالإحلال من الحج اتفاقاً.
ثم قال الشافعية بتداخل أفعال العمرة فى أفعال الحج من السعى والطواف،
فلم يبق فرق فى أفعال القارن وغيره إلا فى النية ، بل قالوا : إن تعدد السعى
للقارن بدعة خلاف السنة ، وعندنا للقارن يجب السعيان والطوافان . نعم لم
يقولوا بالبدعة فى تعدد الطواف . واختلف فى صحة عمرة القارن قبل أشهر
الحج وعدمها ، والصحيح صحتها، فروى عن محمد كما فى "الفتح" و"البحر"
و "رد المحتار": أنه لو طاف لعمرته فى رمضان فهو قارن ولا دم عليه إن
لم يطف لعمرته فى أشهر الحج. وفى " المحيط" على ما حكاه ابن عابدين أنه
لا يشترط فى القران فعل أكثر أشواط العمرة فى الجج اهـ. ومال إليه شارح
"الباب"، كما فى " منحة الخالق"، ووجه عدم وجوب الهدى بعدم
وقوعه على الوجه المسنون ، ولكن بحث فيه المحقق فى "الفتح" وقال: إن
الحق اشتراط فعل أكثر العمرة في أشهر الحج . والله أعلم .
ومنها التمتع : والشرط فيه أن تقع العمرة أو أكثر أشواطها فى أشهر
الحج، وهو قسمان : بسوق الهدى ، ومن غير سوق الهدى. فالمتمتع السائق
الهدى لا يتحلل بعد الفراغ من أفعال العمرة وإنما يتحلل يوم النحر . هذا
مذهب أبى حنيفة وأحمد ، وعند مالك والشافعى: فالسائق وغيره سواء فى التحلل
كما فى شرح "مسلم" وغيره. وأما غير السائق الهدى فيتحلل بعد العمرة ولا يبقى
محرماً ، ثم يحرم بالحج. ثم ظاهر ما فى " الهداية " وعامة كتبنا أن التحلل فى
الوسط بعد الفراغ منها واجب ، فظاهر المنون كلها عدم التخيير فى بقائه

٣٩
القران والتمتع والإفراد ، وأيها أفضل
محرماً، ولكن نبه الشارحون - كابن الهام وابن نجم - بأنه ليس الأمر كذلك ،
وإنه مخير بينه وبين بقائه محرماً بها إلى أن يدخل إحرام الحج ، وحكاه صاحب
" العناية على الهداية " عن شيخ الإسلام خواهر زاده .
قم ههنا خلاف آخر مشهور : وهو أن القران والتمتع والإفراد كلها
عبادات متفق عليها بين الأمة ، وإنما الخلاف فى الأفضلية . فالأفضل على ما
قال أبو حنيفة : القرآن، ثم التمتع ، ثم الإفراد . وقال مالك والشافعى :
الإفراد ، ثم التمتع، ثم القران. وقال أحمد: التمتع بغير سوق الحدى ثم
الإفراد، ثم القران . وصرح العلماء بأن الخلاف فى الأفضلية ، والوفاق فى جواز
الكل ، منهم ابن قدامة فى " المغنى"، والنووى فى شرح " المهذب" وغيره،
والعينى فى " العمدة" والحافظ فى "الفتح" وغير واحد. ثم المذكور هنا من
المذاهب والترتيب هو المشهور عند أربابها ، فعن الشافعى رواية أفضلية
التمتع كما فى شرح " المهذب"، وكذا عن مالك رواية التمتع، وعن الشافعى
أفضلية القران فى قول ، كما فى شرح "مسلم" للنووى، وعن مالك رواية
أن القران أفضل من التمتع، بل ذكر الزرقانى أنه المعتمد من مذهب مالك .
وعن أحمد فى رواية المروزى أن القرآن إن ساق الهدى، وإن لم يسق الهدى فالتمنع
أفضل، كما فى "المغنى" (٣ - ٢٣٢). ومذهب أبى حنيفة هو مذهب
سفيان الثورى واسماق والمزنى وابن المنذر وأبى اسماق المروزى كما فى شرح
"الهذب" (٧ - ١٥٢)، واختاره ابن حزم كما فى شرح " المهذهب"
(٧ - ١٥٩). وحكى القاضى عياض عن بعض العلماء أن الأنواع الثلاثة
سواء فى الأفضلية ، والخلاف قديم من عهد الصحابة والتابعين .
ثم ههنا بحث آخر : أن الإفراد الذى هو أفضل من القران عند الشافعى
وغيره هل هو الحج المفرد فقط ، أوحج وبعده عمرة ؟ وهذا أيضاً يسمى :
(م - ٣٥

٤٠
معارف السنن
ج -٦٠
إفراداً فى الإصطلاح ، فالتحقيق على أن الثانى هو المراد ، وممن صرح بذلك
النووى فى شرح "المهذب" فى موضعين، وصرح بأن القران أفضل من
إفراد الحج من غير عمرة بلاتخلاف. قال: ولو جعلت حجته وَالله مفردة
لزم منه أن لا يكون اعتمر تلك السنة، ولم يقل أحد أن الحج وحده أفضل من
القران. أنظر شرح "المهذب" (٧ - ١٦٠) ومثله فى " الفتح" (٣ -
٢٤٠). ويقول المحقق ابن الحمام فى " الفتح" فى (باب القران): المراد بالإفراد
فى الخلافية أن يتأتى بكل منهما منفرداً .... أما مع الإقتصار على إحداها
فلا شك أن القران أفضل بلا خلاف اهـ. قال فى "العناية": وجعل نظير
هذا الاختلاف اختلافهم فى أن يصلى أربع ركعات بتحريمة واحدة أفضل أم
بتحريمتين أفضل ؟ اهـ . وأما الإفراد بأن يحج ويعتمر فى عام واحد فى سفرين
فنص الإمام محمد بن الحسن فى "مؤطئه" بأن هذا أفضل من القران كما صرح
به فى آخر ( باب القران ) . وقال أيضاً : حجة كوفية وعمرة كوفية أفضل ،
حكاه المحقق فى "الفتح" وكذا صاحب "العناية" وغيرهما. ثم خاض فيه
المصنفون هل هو مختاره فقط ، أوهو قوله وقول شيخيه أبى حنيفة وأبى يوسف
أيضاً ؟ ولکن وقع فى روايته تصريح بقوله : أفضل عندی ، واحتج به صاحب
" العناية" بأنه عنده خاصة .
ومناط الخلاف فى الأولوية إنما هو اختلاف الروايات فى حجته وعَا﴾ ،
هل هو كان مفرداً، أو قارناً، أو متمتعاً؟ كما صرح به ابن الهام فى " الفتح" ،
والنووى فى " المجموع " وشرح " مسلم"، وابن رشد فى " قواعده"،
وغير واحد ، بعد الاتفاق على أن الصحابة كان من كل قسم ، وادعت كل
طائفة أن حجته بَلهم كانت كذلك مما رجحت فقال مالك والشافعى: إنه مَاه
كان مفرداً بصحته، وقال أبو حنيفة: إنه كان قارناً، وقال أحمد بن حنبل: إنه عَّه