Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
معارف السفن
ج -٥
عن أبيه عن عائشة قالت: ((كان رسول اللّه عَلٍّ يجاور فى العشر الأواخر من
رمضان ويقول : تجروا ليلة القدر فى العشر الأواخر من رمضان » .
"فى فتوحاته" (١ - ٦٥٨) طبعة " دار الكتب العربية الكبرى"
واختلف الناس فى ليلة القدر أعنى فى زمانها ، فمنهم من قال : هى فى السنة
كلها تدور ، وبه أقول ، فإنى رأيتها فى شعبان ، وفى شهر ربيع ، وفى شهر
رمضان، وأكثر ما رأيتها فى رمضان، وفى العشر الآخر منه - إلى أن قال - :
فأنا على بقين من أنها تدور فى السنة فى وتر وشفع من الشهر الذى ترى فيه
آهـ. وقال فى (١ - ٦٦٠): ثم جعلها عَ ل فى الوتر من الليالى دون
الشفع .... ولكن فى تلك السنة لورود النص، فإنها قد تكون فى الأشفاع
إلا فى تلك السنة الخ. وفى "الصحيحين" وغيرهما: ((خرج النبى وَ لّ ليخبرنا
بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فقال : خرجت لأخبركم بليلة القدر
فتلاحى فلان وفلان فرفعت ، وعسى أن يكون خيراً لكم فالتمسوها فى
التاسعة والسابعة والخامسة)). رواه البخارى ومسلم من حديث أنس عن عبادة
ان الصامت قال: ((خرج النبى معٍَّ)) واللفظ للبخارى فى (باب رفع معرفة
ليلة القدر بتلاحى الناس). ورواه مالك عن أنس، ولم يقل عن عبادة . قال
ابن عبد البر : والصواب إثبات عبادة وإن الحديث من مسنده حكاه الحافظ فى
"الفتح" والعينى فى "العمدة". وهذه الرواية وأمثاله لا تدل على أنه رفع علمها
فى رمضان الذى خرج فيه عليه الصلاة والسلام أو علمها فى كل رمضان إلى
، يوم القيامة، ومثله يقول الحافظ: تقرر أن الذى ارتفع على تعيينها تلك السنة آهـ
قوله : يجاور فى العشر الأواخر الخ. أى يعتكف فيها ، والمجاورة بمعنى
الاعتكاف لغة أهل المدينة، كما أن البيع بمعنى الإجارة فى حديث نهى عن بيع
الأرض أى كرائها . والمعاملة بمعنى المساقاة. والمخابرة بمعنى المزارعة،

٥٢٢
معارف السين
ج -٥
وروى عن أبى قلابة أنه قال: ((ليلة القدر تنتقل فى العشر الأواخر،
أخبرنا بذلك عبد بن حميد نا عبدالرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة بهذا .
حدثنا : واصل بن عبد الأعلى الكوفى نا أبو بكر بن عياش عن عاصم
عن زر قال: قلت لأبى بن كعب: أنى علمت، أبا المنذر! أنها ليلة سبع وعشرين؟
قال: بلى أخبرنا رسول اللّه مَاج: (( أنها ليلة صبيحتها تطلع الشمس ليس لها
شعاع))، فعددنا وحفظنا، والله لقد علم ابن مسعود أنها فى رمضان وأنها ليلة صبع
وعشرين ولكن كره أن يخبركم فتتكلوا.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح .
حدثنا : حميد بن مسعدة نا يزيد بن زريع نا عيينة بن عبد الرحمن قال :
حدثنى أبى قال : ذكرت ليلة القدر عند أبى بكرة فقال: ما أنا ملتمسها اشى
سمعته من رسون اللّه فَ ج إلا فى العشر الأواخر، فإنى سمعته يقول: ((التمسوها
فى تسع يبقين، أو سبع يبقين، أو خمس يبقين، أو فى ثلاث أواخر ليلة))، قال:
وكان أبو بكرة يصلى فى العشرين من رمضان كصلاته فى سائر السنة، فإذا دخل
.
العشر اجتهد
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح
عن قوم : إن الأشجار فى تلك الليلة تسقط إلى الأرض ثم تعود إلى منابتها ،
وإن كل شى يسجد فيها، وروى البيهقى فى فضائل الأوقات من طريق
الأوزاعى عن عبدة بن أبى لبالبة أنه سمعه يقول: ((إن المياه المالحة تعذب
تلك الليلة))، وروى أبو عمر ابن عبد البر من طريق زهرة بن معبد نحوه آهـ .
قوله : فى تسع بيقين الخ . إن كان الشهر تسعة وعشرين يوماً فلا إشكال فى

٥٢٣
بيان روايات ليلة القدر
صحة هذا التعبير وإطلاقه على الأوتار، فإن الحادية والعشرين تصدق عليها
" تسع يبقين" إذا كان الشهر تسعة وعشرين، وهكذا : الثالثة والعشرون
تصدق عليها: " سبع يبقين" الخ ، نعم إذا كان الشهر ثلاثين يوماً فيصح هذا
التعبير فى الأشفاع دون الأوتار، ولم يقل أحد بأن الأشفاع مظنة بدل الأوتار،
فاضطروا إلى تأويلات ، فقيل : إنه أريد فى الحديث حكم شهر يكون تسعة
وعشرين ، وقيل : إن الحديث وارد على المقطوع المحقق بيقين، وهى تسعة
أيام بعد العشر .
قال الشيخ: إن النكتة فى هذا التعبير أن أكثر رمضان صامه النبى عليه
كان تسعة وعشرين كما فى شرح "الزرقانى على المواهب اللدنية " للقسطلانى
(٨ - ٩٧) من حديث ابن مسعود: ((صمنا مع النبى حَ ل تسعاً وعشرين
أكثر مما صمنا ثلاثين))، رواه أبو داود والترمذى من حديث ابن مسعود،
وأحمد من حديث عائشة بإسناد جيد ، كما فى شرح " المواهب".
ثم إن التأويل الثانى جنح إليه صاحب " العمدة" (٥ - ٣٦٧) ،
ويقول صاحب "الفتح" (٤ - ٢٢٧): والذى يظهر أن فى التعبير بذلك
الإشارة إلى الاحتمالين ، فإن كان الشهر مثلاً ثلاثين فالتسع معناه غير الليلة،
وإن كان تسعاً وعشرين فالتسع بانضمامها والله أعلم .اهـ. والذى حكى من
كلام الشيخ رحمه الله فى. " فيض الهارى" فما أملاه فى درس "صحيح البخارى"
(٣ -١٨٢): إن التعبير بناءً على اختلاف تعديدها؛ فإن عدت من المبدأ
إلى المنتهى كانت هذه أشفاعاً، وإن عدت من المنتهى إلى المبدأ كانت أوتاراً اهـ
ملخصاً. ولعل هذا قوله الأخير واستقر عليه رأيه. وجميع ما صامه وعَّ تسع
رمضانات .
( ٢ - ٢٦ )

٥٢٤
معارف السنن
ج -٥
( باب منه )
حدثنا: محمود بن غيلان ناوكيع نا سفيان عن أبى اسماق عن هبيرة بن
يريم عن على: (إن النبى معَّلهم كان يوقظ أهله فى العشر الأواخر من رمضان)).
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .
حدثنا : قتيبة نا عبد الواحد بن زياد عن الحسن بن عبيد اللّه عن إبراهيم
عن الأسود عن عائشة قالت: ((كان رسول اللّه عَ لٍ يجتهد فى العشر الأواخر
ما لا يجتهد فى غيرها )) .
قال أبو عيسى : هذا حديث غريب حسن صحيح .
قال الشيخ : وربما يظهر أن الحديث محط نظره هو القيام فى هذه الليالى
والتماسها فيها ، فيريد الحث على قيام العشر الأواخر منه أو تسع أو سبع أو
خمس وهكذا ، فيراد من حديث الباب جميع الليالى المذكورة أشفاعاً كانت أو
أوتاراً. ولفظ: "يبقين" بصيغة الجمع يؤيده نوع تأييد، ولكن فى لفظ ورد
بالإفراد : "تاسعة تبقى" و "سابعة تبقى" الخ، كما فى الصحيح من حديث
ابن عباس .
-: باب منه :-
أخرج فيه حديثى على وعائشة ، أما حديث على فأخرجه أحمد وابن أبى
شيبة وأبو يعلى أيضاً ، وراوية هبيرة الكوفى - بضم الهاء - ابن يريم على وزن
عظيم، كان ممن أعان مختار بن أبى عبيد الثقفى لماغلب على الكوفة فى خلافة عبد الله
ابن الزبير، ولعل من أجل هذا اتفى الشيخان من حديثه ، وليس هذا القدر
يجرحه أصلاً عند بعضهم .

٥٢٥
ھتص م
القيام ليلا فى العشر الأواخر والصوم فى الشتاء
( باب ما جاء فى الصوم فى الشتاء )
حدثنا: محمد بن بشار نا يحيى بن سعيد نا سفيان عن أبى اسحاق عن نمير
ابن عريب عن عامر بن مسعود عن النبى معَّ الله قال: ((الغنيمة الباردة الصوم
فى الشتاء )).
قال أبوعيسى : هذا حديث مرسل ، عامر بن مسعود لم يدرك النبى
حَّ الّ، وهو والد ابراهيم بن عامر القرشى الذى روى عنه شعبة والثورى.
وبالجملة فالترمذى صحح حديثه لتوثيقه عنده ، وحديث عائشة صححه
الترمذى كما فى هذه النسخة المطبوعة بالهند ، والذى فى "الفتح" عنه أنه قال:
حسن غريب فقط، ومثله حديث مسروق عن عائشة فى "الصحيح": ((كان
النبى عّ لّ إذا دخل العشر شد مئزره وأحى ليله وأيقظ أهله))، وروى محمد
ابن نصر من حديث زينب بنت سلمة: ((لم يكن النبى فَ ﴾ إذا بقى رمضان
عشرة أيام يدع أحداً من أهله يطبق القيام إلا أقامه)) .
-: باب ما جاء فى الصوم فى الشتاء :-
أخرج فيه حديث عامر بن مسعود، وذكر أنه لم يدرك النبى حَجِ ،
وقال فى " العلل الكبير" : قال محمد ۔ یعنی البخاری ۔ : لا صحبة له ولا سماع،
وكذلك يقول ابن حبان وأحمد وابن السكن ، فحديثه مرسل عندهم جميعاً ،
وروى عن ابن معين أنه له صحبة كما فى " الإصابة"، وذكر ابن عبد البر
في "الإستيعاب"، وكذا أورده ابن منده فى الصحابة ، فالحديث عنده مسند
متصل ، وإسناد الترمذى صحيح كما فى "الإصابة"، ومعنى الحديث واضح.
يقول الزمخشرى فى " الفائق" فى مادة " برد": الغنيمة الباردة هى التى تجئى

٥٢٦٠
معارف السنين
ج -٥
(باب ما جاء : ("وعلى الذين يطيقونه،،)
حدثنا : قلبية نا بكر بن مضر عن عمرو بن الحارث عن بكير عن زيد
عفواً من غير أن يصطلى دونها بنار الحرب ويباشر حر القتال ، وقيل : الثابتة
الحاصلة من برد لى عليه حق ، وقيل : الهنيئة الطيبة من العيش البارد الخ .
وبالجملة معناه: أن فيه الأجر والثواب من غير أن يمسه ألم الجوع أو يصيبه
حرارة الظمأ. قال العراقى: هذا مثل من أمثاله بَّامٍ، وقد ذكره فى الأمثال
أبو الشيخ ابن حيان وأبو عرابة الحرانى وغيرهما ، كذا فى " القوت".
-: باب ما جاء: "وعلى الذين يطيقونه" :-
: قال الشيخ: المشهور أن هذه الآية كانت نزلت فى صيام رمضان بالتخيير
بين الصيام والإطعام ثم نسخت بآية: (شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن ٥
الآبة)، واحتج له بأثر سلمة بن الأكوع هذا فى الباب، وقد أخرجه الشيخان .
وقال بعضهم : إن الآية محكمة غير منسوخة .
أقول : ههنا بحثان : الأول : هل الآية متعلقة بصيام رمضان أو بصيام
غيره؟ والثانى: هل هى منسوخة أو محكمة؟ فالشيخ رحمه الله بصدد تحقيق البحث
الأول دون البحث الثانى فإنه مفروغ عنه فى كتب القوم ، وإنما تعرض إليه
ضمناً بالإجمال ، واختار فى الأول تعلقها بغير رمضان كما يأتى بيانه ، والجمهور
على أن الآية فيها حكم رمضان، وإنها منسوخة بآية: ( شهر رمضان )، وإليه
ذهب الأكثر، كما فى " الفتح" من التفسير، واستدل له بأثر سلمة بن الأكوع
وأثر ابن عمر، أخرجها البخارى فى "صحيحه" من الصيام والتفسير وصلاً
وتعليقاً، ويؤيده ظاهراً قراءة الجمهور: (يطيقونه) أى يقدرون عليه، وقراءة

٥٢٧
تحقيق قوله : " يطيقونه"
مولى سلمة بن الأكوع عن سلمة بن الأكوع قال: ((لما نزلت: (وعلى الذين
يطيقونه فدية طعام مسكين) كان من أراد منا أن يفطر ويفتدى حتى زلت
الآية التى بعدها فنسختها )).
ابن عباس المشهورة ، وكذا قراءة عائشة وعكرمة وابن المسيب: ( يطوقونه )
من التطويق ، كما فى " أحكام الجصاص"، وعن ابن عباس كقراءة الجمهور
كما فى "أحكام القرطبى"، وحملت المشهور عن ابن عباس على الشيوخ والعجائز،
وإنها محكمة ثابتة. والحق كما يقوله المحقق الآلوسى فى "الروح": إن كلاً
من القراءات يمكن حملها على ما يحتمل النسخ وعلى ما لا يحتمله آهـ . ثم قال
الشيخ : على تقدير كونها محكمة قال بعضهم : بتقدير " لا" النافية فى قوله:
( يطيقونه )، ( حكاه صاحب "المدارك" وغيره عن بعضهم، وقيل:
بهمزة الإفعال للسلب كما حكاه الآ لوسى عن " الكشف") قال : ولكن القول
بتقدير " لا" النافية غير صحيح عندى، فإنه ليس لمثل هذا التقدير ضابطة
وليس هناك عليه قرينة ، وإن كلمة " لا" النافية تقدر فى جواب القسم إذا
كان مضارعاً مثبتاً مجرداً عن التأكيد وغيره من طلائع القسم، كما فى قوله ع
بمشمخر به الظیان والآس
تالله ییقی علی الأيام ذوحيد
ذكره الرضى ، واستشهد الرضى بقوله أيضاً ع: [ فقلت يمين الله
أبرح قاعداً]. وغيره استشهد بقوله تعالى: ( تالله تفتأ تذكر يوسف). ثم
البيت المذكور لمبالك بن خالد الخناعى، وقبله :
والغفر والأدم والآرام والناس
با مى إن سباع الأرض هالكة
ووقع فى "اللسان" بعده فى مادة: "ظيا": [ والجيش لن يعجز
٣٢

٥٢٨
معارف السنن
ج -٥
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب ، ويزيد هو : ابن
أبى عبيد مولى سلمة بن الأكوع
الأيام ذوحيد الخ]. وذكره فى " حيد" على الوجه الأول المعروف. وراجع
لمعنى البيت " اللسان " من "ظيا". قال الشيخ: علا أنه لا حاجة عندى فى
تقدير كلمة " لا" فى سياق القسم فى مثله أيضاً، فإنه أريد بذلك المثبت المنفى
لإخراجه بصورة الإنكار .
ثم إن منشأ من ذهب إلى التقدير فى الآية عدم إدراك ما فسر بعض
المفسرين - وهو الزمخشرى فى " الكشاف" - : "يطيقونه" أى يتكلفونه
ويتجشمونه على جهد منهم وعسر، يعنى يصومونه جهدهم ومبلغ وسعهم، فلم
يدرك مراده الصحيح، فتوهم تقدير النفى حتى يستقيم معنى عدم الإطاقة . قال
الشيخ : وذهب بعضهم إلى أن الآية فيها حكم صيام البيض وصيام عاشوراء ،
وكان ذلك التخيير حين فرض التخيير وعاشوراء ، ثم نزل حكم صيام رمضان
وارتفع التخيير أيضاً. قال: وهو الحق عندى، فالآية متعلقة بصيام البيض
وعاشوراء وكان فيها التخيير . و " أيام معدودات " حملها ألطف على البيض ،
وعاشوراء دون شهر رمضان ، فإن الأيام جمع قلة وغير معرف باللام .
والمعدودات بمعنى : عدة أيام وبضع أيام ، وكل هذا يلائم البيض الثلاث
وعاشوراء، فإنها عدة أيام ، وصدقها على صيام الشهر غير لطيف. ثم إن على
هذا لا يلزم التكرار فى الآية فى ذكر فرضية صيام رمضان ؛ ويشكل على أهل
المقالة الأولى المخلص منه . وأيضاً يفيد ذلك حديث معاذ عند "أبى داود" (١ -
٧٥) حيث قال فيه: ((فإن رسول اللّه عَل﴾ كان يصوم ثلاثة أيام من كل
شهر، ويصوم يوم عاشوراء ، فأنزل الله: (كتب عليكم الصيام الخ) ، فالمتبادر
أنه لا علاقة له برمضان .

٥٢٩
تحقيق أن الإختيار فى الإطعام والصيام كان فى رمضان
ثم إن حديث معاذ وإن كان موقوفاً غير أنه الراجح، فإن أثر سلمة بن
الأكوع موقوف أيضاً، ومعاذ أعلم بالحلال والحرام من سلمة . فإن قيل حديث
سلمة أخرجه الشيخان وحديث معاذ أخرجه أبو داود فكيف يقاومه ؟ قال
الشيخ : لاعبرة لمثل هذا بعد صحة الإسنادين ، فلا ينبغى الجمود على مثله فقط
من غير ملاحظة بقية الأمور الدائرة فى الباب . علا أن حديث معاذ قد أخرجه
البخارى أيضاً فى " صحيحه" من الصيام، ولكنه اختصره ، وساقه أبو داود
بطوله ، وفيه البيان الواضح .
قال الراقم : هذا تنقيح ما أفاده الشيخ فى " العرف الشذى"، ومثله فى
إملائه على "صحيح البخارى" " فيض البارى" ، وقد أوغلت فى البحث من
طرق الحديث وألفاظه ، وقرأت كلمات المفسرين من ابن جرير إلى الآلوسى
فلم ينشرح لى صدرى بما يقوله الشيخ رحمه الله . وحديث معاذ أخرجه أحمد
وأبو داود فى الأذان والقبلة والصيام وابن جرير والحاكم والبيهقى ، وفى سياقه
اختلاف كثير، واختصره البخارى فى " صيحه " من طريق ابن نمير عن
الأعمش ، ويقول الحافظ فى " الفتح": وطريق ابن نمير هذه أرجحها ،
فسياق أحمد وأبى داود المطول فى بيان أحوال الصيام الثلاثة هكذا: ((فإن
رسول اللّه عَ ل قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وصيام
عاشوراء)). ثم إن الذى فرض عليه الصيام وأنزل اللّه تعالى: ( يا أيها الذين
آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم - إلى - : وعلى الذين
يطبقونه فدية طعام مسكينO) فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكيناً فأجزأ
ذلك عنه ، ثم إن الله عز وجل أنزل الآية الأخرى: ( شهر رمضان الذي أنزل
فيه القرآن الخ )))، واللفظ لأحمد على ما ساقه ابن كثير، فهو وإن كان فيه
بعض إجمال فى تعيين التخيير ، هل هو كان فى البيض وعاشوراء أو رمضان ؟

٥٣٠
معارف السنن
ج -٥
لكن المتبارد أنه كان فى رمضان ، وقد وقع التصريح به فى رواية البيهفى
(٤ - ٢٠٠) وابن جرير (٢ - ٧٧): أنه فى رمضان ، فلفظ البيهقى :
((قدم النبى معَّ (كذا فى " الفتح" عنه. وفى " البيهقى": ((قدم الناس)) )
.المدينة ولا عهد لهم بالصيام فكانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر حتى نزل:
( شهر رمضان ) فاستكثروا ذلك وشق عليهم ، فكان من أطعم مسكيناً كل
يوم ترك الصيام ممن يطيقه ورخص لهم فى ذلك ثم نسخه : ( وأن تصوموا
خير لكم إن كنتم تعلمون O))). ولفظ ابن جرير: ((إن رسول اللّه حَّ ﴾ قدم
المدينة فصام يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، ثم إن الله عزوجل فرض
شهر رمضان فأنزل الله تعالى ذكره : ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام
- حتى بلغ -: وعلى الذين يطبقونه فدية طعام مسكين٥)، فكان من شاء صام
ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً ، ثم إن الله عزوجل أوجب الصيام على الصحيح
المقيم ، وثبت الإطعام على الكبير الذى لا يستطيع الصوم فأنزل الله عز وجل: (فمن
شهد منكم الشهر فليصمه، ومن كان مريضاً أو على سفر، إلى آخر الآية) (هـ)).
وراية البخارى المختصر توافق سياقها، ولفظه: ((نزل رمضان فشق عليهم
فكان من أطعم كل يوم مسكيناً ترك الصوم الخ)) فكل هذه السياقات والألفاظ
صريحة فى أن التخيير وقع فى رمضان ، وأن الأيام المعدودات أريد بها شهر
رمضان دون الثلاثة من كل شهر. وظاهر أن المشقة اللاحقة بهم لأجل عدم
تعودهم بالعيام إنما يظهر فى شهر رمضان الكامل ، وليس الأيام الثلاثة مما يبلغ
بهم الجهد وإن لم يتعودوه ، وإذن يتطابق أثر حديث معاذ من غير اختلاف،
فرواية معاذ وابن الأكوع وابن عمر كل برمى عن قوس واحدة ، وهى أن
الأيام المعدودات هى رمضان ، وأن الثلاثة من كل شهر لم يكن فيه التخيير،
وأن التخيير كان فى رمضان ، وهى الحالة الثانية من الأحوال الثلاثة . ولفظة
" أيام" وإن كانت جمع قلة ولكنها المستعملة لجمع الكثرة ، فإن " اليوم "

٥٣١
بحث أن الإختيار بين الصوم وتركه كان فى رمضان
ليس له جمع كثرة، كما صرح به فى "اللسان"، فلا بعد فى إطلاقه على
أيام الشهر. وفى التنزيل العزيز وقع إطلاق الأيام المعدودات على الأربعين
يوماً فى قوله تعالى: (لن تمسنا النار إلا أيام معدودات) "آل عمران"، وقوله:
( إلا أياماً معدودة) " بقرة" على أرجح الأقوال، وكذا قوله: ( فى الأيام
الحالية ) وقوله: ( عدة من أيام أخر) وقوله : ( وتلك الأيام) وغيرها .
والحاصل : أن حديث معاذ لا حجة فيه ، بل هو الموافق لرواية سلمة
وابن عمر فى الباب، ومن أجل هذا جمعها البخارى فى باب واحد وساقها لغرض
واحد. فأما ما روى عن عطاء وابن عباس عند ابن جرير من الأيام المعدودات
هى الثلاثة من كل شهر . وقال عطاء: ولم يسم الشهر أياماً معدودات، فلم يثلج
به صدرى أمام تلك الروايات السابقة، وتخالفها جمهرة الروايات . ثم إنه لم
يثبت عنهما أن قوله: ( وعلى الذين يطيقونه) فيه حكم التخيير فى هذه الأيام
الثلاثة إلا أن يقال أنه يلزم ذلك لأنه فى سياق ما قبله، ويحتمل أن يقال أنه غير
لازم ، ويمكن فرض رمضان فى عهد التخيير بالسنة
وبالجملة مسلك الجمهور فيه واضح، وهو الطريقة المثلى لا يحتاج فيه إلى
أى تكلف وتأول . علا أن ابن عباس رواياته الصريحة نص فى أن " يطيقونه"
فى باب صيام رمضان ، ويذهب إلى عدم نسخها نظراً إلى بقاء حكمها فى حق
العجائز والشيوخ، هذا ما عندى، واللّه سبحانه أعلم ، لعل الله يحدث بعد ذلك
أمراً، وهو ولى التوفيق والمنة .
فائدة: قال الشيخ رحمه الله: اعلم أن النسخ كثر استعماله فى كلام القدماء
وهو عندهم يطلق على تخصيص العام وتقييد المطلق ، وتأويل الظاهر أيضاً ،
( م - ٢٧ )

٥٣٢
معارف السنن
ج -٥
وأما المتأخرون فقصروه على ما لا يبقى مشروعاً ، ومن أجل هذا الفرق كثر
استعماله عند السلف وقل عند المتأخرين ، وكثيراً ما يطلق النسخ فى "القرآن"
على استعمال القدماء كما تقدم فى أوائل كتاب الطهارة ، ومحل بحثه كتب
الأصول ، ونبه على نسخ المتقدمين والمتأخرين الشاه ولى الله فى "الفوز الكبير"
مثله، والمتأخرون يسعون فى تقليل النسخ، فالسيوطى فى "الإتقان" جعل المنسوخ
فى التنزيل إحدى وعشرين آية، ذكره فى النوع السابع والأربعين من الجزء الثانى ،
فذكر احدى وعشرين مع خلاف فى بعضها ، ثم استثنى منها آية الاستيذان
والقسمة ، فصارت تسعة عشر ، ثم ضم إليها: (فأينما تولوا ثم وجه الله)
على رأى ابن عباس بأنها منسوخة بقوله : ( فول وجهك شطر المسجد الحرام)
فأصبحت عشرين ، ثم نظمها فى أبيات فراجعها. والشاه ولى اللّه فى
"الفوز الكبير" له نقل كلام صاحب "الإتقان" وتعقبه فى خمسة عشر، ثم قال:
"وعلى ما حررت لا يتعين النسخ إلا فى خمس آيات اه". والشاه ولى الله لم يقل
بالنسخ فى قوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكينO) ، بل حمله
على صدقة الفطر . قال فى "الفوز الكبير": قلت: عندى وجه آخر وهو أن
المعنى: وعلى الذين يطبقونه الطعام فدية هى طعام مسكين ، فأضمر قبل الذكر
لأنه متقدم رتبة ، وذكر الضمير لأن المراد من الفدية الطعام ، والمراد منه
صدقة الفطر، عقب اللّه تعالى الأمر بالصيام فى هذه الآية بصدقة الفطر كما عقب
الآية الثانية بتكبيرات العيد اهـ .
قال الراقم عفا الله عنه: إن كان هذا من باب الإشارة فى الآية يمكن
أن يكون لطيفاً ، ولكن باب الرواية يسد أمثال هذه المداخل ، وسياق
الآية بعده: ( فمن تطوع خيراً فهو خير له ، وأن تصوموا خير لكم 0)
لا يلائمه ، ولا سيما هذا الأخير ، وعلى ما قاله لا يكون هذا مرتبطاً فى النظم

بيان نكتة فى قوله : "وعلى الذين يطيقونه" ومسألة الافطار يوم الخروج ٥٣٣
( باب ما جاء فى من أكل ثم خرج بريد سفراً)
حدثناً: قتيبة قال نا عبد الله بن جعفر عن زيد بن أسلم عن محمد بن
المنكدر عن محمد بن كعب أنه قال : أتيت أنس بن مالك فى رمضان وهو
بما قبله فضلاً عن كونه خلاف رواية معاذ فى الصحيح كما تقدم والله سبحانه
وتعالى أعلم.
فائدة: قال الشيخ فى "مشكلات القرآن": قوله: (وعلى الذين يطيقونه آه)
يحتمل من المريض والمسافر إذا لم يصوموا حتى ماتوا ، فلم يذكر عدم الصيام
لأنه غير مطلوب وهو سنن القرآن فى الرخص كما فى "البدائع"، فليس المراد
فليفطروا أى بغير عذر فعدة وفدية ، والأيام لم تكن علينا تفوت بل لم يصوموا ،
وليس فى القرآن الإجازة بالإفطار للمطيق ، وإنما فيه لزوم الفدية عليه وإنما لم
يرجع الضمير إذن ليشمل الحبلى والمرضع، وجعله عمر فى غير رمضان مع الصوم
كما فى " الفتح" (٤ - ١٦٦) ولم يعلم وجه إطلاق الفداء عليه إذن. وعند
الشافعى الجمع بين الصيام والإطعام لها كما فى " الفتح"، وكتاب النحاس من
البقرة ، وكذا على من أخر قضاء رمضان إلى الثانى .
-: باب ما جاء فى من أكل ثم خرج يريد سفراً :-
قال أبو حنيفة : لا يجوز للصائم أن يفطر يوم خروجه من البيت . وهو
مذهب مالك والأوزاعى والشافعى وداؤد والطبرى والجمهور ، وقال أحمد
واسحاق بالجواز ، واختاره المزنى .
ثم من أفطر عند المانعين فقال مالك : عليه القضاء ولا كفارة فيه ، وبه
قال أبو حنيفة والشافعى ، وحجة الجمهور حديث ابن عباس فى " الصحيحين":

٥٣٤
معارف السنن
ج -۵
((إن رسول اللّه فَظَلّ خرج إلى مكة - وفى رواية: فى رمضان - من المدينة
فصام ، فلما بلغ الكديد أفطر فأفطر الناس))، وأيضاً عموم النصوص فى التنزيل
يؤيد إتمام الصوم لمن بيت من الليل ، واحتج أحمد واسحاق بحديث الباب ،
ورواه ابن أبى شيبة والبيهفى أيضاً كما فى "الفتح"، والحديث هذا بعد تسليم
أن يكون حسناً لايقاوم حديث " الصحيحين"، ويخالف عموم قواطع
النصوص . وغايته أن يكون العمل به جائزاً ، وإذا تعارض المبيح والمحرم
قدم المحرم رعاية للاحتياط ، علا أن الحديث مضطرب بين النفى والإثبات كما
يأتى، فلا يبقى فيه حجة بل ولا شبه حجة. وراجع ما فى "الفتح" (٤ - ١٥٧)
و "العمدة" (٥ - ٢٦٩) والله أعلم
ثم إن حديث الباب فيه عبد الله بن جعفر بن نجيح ضعيف بل متفق على
ضعفه كما فى "الميزان". نعم تابعه محمد بن جعفر فى الإسناد الثانى من رجال
السنة ثقة ، ولعل تحسين الترمذى لأجل المتابعة . قال الشيخ : وأجيب عن
حديث الباب بأن أنساً لعله صام ثم أفطر فى التبريز لا أفطر يوم الخروج
من البيت . والتبريز : هو الخروج إلى خارج البلدة قبل السفر لإعداد حوائج
السفر ، والتبريز عادة معروفة فى العرب، وعلى هذا يكون إفطار أنس بالتح
فى السفر دون يوم الخروج من البيت. قال الراقم : لم أقف لهذا على المأخذ ،
وكذا لم أجد معنى " التبريز" هذا فى معاجم اللغة التى عندى من " النهاية"
و "اللسان" وغيرها .
وقال الشيخ رشيد أحمد الكنكوهى فيما أملاه على "جامع الترمذى":
والجواب للجمهور : أن المراد فى الحديث بقوله: "وهو يريد سفراً" ليس الأخذ
فى السفر ابتداءً بل المراد أنه يسافر من قبل وكان قد نزل ههنا وبات ليلة
أو ليلتين، ثم أراد أن يسافر من هذا المنزل الذى نزل فيه، وبذلك بصح قوله:

٥٣۵
بحث الإفطار للمسافر يوم الخروج
يريد سفراً، وقد رحلت له راحلته، ولبس ثياب السفر فدعى بطعام فأكل فقلت
له : سنة ؟ فقال: سنة، ثم ركب)).
حدثنا: محمد بن اسماعيل نا سعيد بن أبى مريم نا محمد بن جعفر قال :
حدثنى زيد بن أسلم قال حدثنى محمد بن المنكدر عن محمد بن كعب قال :
أتيت أنس بن مالك فى رمضان فذكر نحوه .
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن ، ومحمد بن جعفر هو : ابن أبى كثير
مدينى ثقة ، وهو أخو اسماعيل بن جعفر، وعبد الله بن جعفر هو : ابن نجيح
والد على بن المديني، وكان يحيى بن معين يضعفه، وقد ذهب بعض أهل العلم
إلى هذا الحديث ، وقال : للمسافر أن يفطر فى بيته قبل أن يخرج، وليس له
أن يقصر الصلاة حتى يخرج من جدار المدينة أو القرية . وهو قول اسماق
ابن ابراهيم .
فقلت له : سنة؟ قال: سنة، ووجه ذلك أن النبى حَلّ لم يسافر فى رمضان
إلا فى سفر فتح مكة وغزوة بدر، وكان الإفطار فى بدر فى عين الحرب كما
نقل ، وفى سفر الفتح فى أثناء الطريق ، فكيف يصح الحكم بالسنية على ما إذا
أراد سفراً فأكل قبل أن يأخذ فيه ؟ فليس المراد إلا ما ذكرنا ، ووجه السؤال
أنهم كانوا يستبعدون أن يأكل الرجل فى الطريق وإن كان مسافراً لئلا يلزم
مخالفة الصائمين وهم بمحضر منه.اهـ.
قال الراقم : هذا أحسن ما وقفت عليه فى الجواب، والله أعلم بالصواب.
قوله : سنة . ربما يطلق الصحابى "السنة" على أمر لا يكون مرفوعاً وإنما
يقوله حسب ظنه ، ثم إن حديث الباب أخرجه أبو حاتم فى " كتاب العلل "،

٥٣٦
معارف السنن
ج -٥
( باب ما جاء فى تحفة الصائم )
حدثنا : أحمد بن منيع نا أبو معاوية عن سعد بن طريف عن عمير بن
مأمون عن الحسن بن على قال: قال رسول اللّه ◌َله: (( تحفة الصائم الدهن
والمجمر)».
قال أبو عيسى : هذا حديث غريب ليس إسناده بذلك . لا فعرفه إلا من
حديث سعد بن طريف، وسعد يضعف، ويقال :" عمير بن مأموم " أيضاً.
وفيه: ((قال: ليس بسنة))، فإذن تعارض رواية الترمذى ورواية " كتاب
العلل " ، ودعوى خطأ الناسخ بعيدة ، وقد رواه كذلك من لخصه أيضاً.
أقول: والأمر كما قال الشيخ رحمه اللّه ، فقال ابن أبى حاتم فى "كتاب العلل "
(١ - ٢٤٠): سألت أبي عن حديث رواه عبد العزيز الدراوردى عن زيد
ابن أسلم عن محمد بن المنكدر عن محمد بن كعب فذكره، وفيه: ((فقلنا :
أسنة؟ قال: ليس بسنة))، قال: ورواه محمد بن عبد الرحمن بن مجبر عن ابن
المنكدر ... فذكر الحديث . قال : فقلت: سنة ؟ فقال: نعم سنة ، قال
أبى: حديث الدراوردى أصح اهـ. فيذكر كلا اللفظين، ثم يصوب رواية النفى
دون الإثبات ، فهل يكون فى مثله حجة مع مخالفته بقية الروايات الصحيحة
ومصادمة عموم القواطع ومعارضته بما هو أصح منه ، ومخالفته الجمهور بعد كونه
مضطرباً من جهة اللفظ ومعللاً من جهة المعنى، وبالله التوفيق .
-: باب ما جاء فى تحفة الصائم :-
حديث الباب فى غاية من الضعف، وسعد بن طريف الإسكاف الحنظلى
الكوفى، فيه قال ابن معين: لا يحل لأحد أن يروى عنه، وقال أحمد وأبو حاتم:

٥٣٧
معنى حديث تحفة الصائم - والعيدان: الفطر والأضحى
(باب ما جاء فى الفطر والاضحى متى يكون؟)
حدثنا: يحي بن موسى نا يحيى بن اليمان عن معمر عن محمد بن المنكدر
عن عائشة قالت: قال رسول اللّه عَ ليه: ((الفطر يوم يفطر الناس والأضحى
يوم يضحى الناس)) .
قال أبوعيسى: سألت محمداً، قلت له: محمد بن المنكدر سمع من عائشة ؟
قال : نعم ، يقول فى حديثه : سمعت عائشة . قال أبو عيسى : وهذا حديث
حسن غريب صحيح من هذا الوجه .
ضعيف الحديث، وقال الدارقطنى: متروك ، كما فى " الميزان ".
و " التحفة ": طرفة الفاكهة ، ثم استعمل فى غير الفاكهة من الألطاف.
وقال الأزهرى: أصلها " وحفه"، ثم أبدلت الواو تاءً. والمحمر بالكسر
هو: المبخرة ، أى يوضع فيها النار البخور. ومعنى الحديث : أنه يذهب
عنه مشقة صومه وشدته .
-: باب ما جاء فى الفطر والأضحى متى يكون؟ :-
تقدم ما يتعلق به فى أوائل أبواب الصوم من حديث أبى هريرة فليراجع.
ثم إن الترمذى حكى عن البخارى سماع محمد بن المنكدر من عائشة ، وجنح
صاحب " التهذيب" إلى عدم سماعه منها حيث قال : وقد قال ابن معين
وأبو بكر البزار: لم يسمع من أبى هريرة ، وقال أبو زرعة لم يلقه ، وإذا كان
كذلك فلم يلق عائشة لأنها ماتت قبله وبالجملة قال الحافظ أيضاً : إن روايته
عن عائشة وأبى هريرة وأبى أيوب وأبي قتادة وسفيفة ونحوهم مرسلة . راجع
" تهذيب التهذيب" ( ٩ - ٤٧٤ )

٥٣٨
معارف السنن
ج -٥
( باب ما جاء فى الاعتكاف اذا خرج منه )
حدثنا : محمد بن بشار نا ابن أبى عدى أنهانا حميد الطويل عن أنس
ابن مالك قال: ((كان النبى بَلٍ يعتكف فى العشر الأواخر من رمضان فلم
يعتكف عاماً، فلما كان فى العام المقبل اعتكف عشرين)) .
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب صحيح من حديث أنس ،
واختلف أهل العلم فى المعتكف إذا قطع اعتكافه قبل أن يتمه على مانوى، فقال
أهل العلم : إذا نقض اعتكافه وجب عليه القضاء ، واحتجوا بالحديث : ((إن
النبي ◌ُّ الّ مخرج من اعتكافه فاعتكف عشراً من شوال))، وهو قول مالك. وقال
بعضهم : إن لم يكن عليه نذر اعتكاف أو شئ أوجبه على نفسه وكان متطوعاً
فخرج فليس عليه شتى أن يقضى إلا أن يحب ذلك اختياراً منه ، ولا يجب ذلك
عليه ، وهو قول الشافعى .
قال الشافعى: وكل عمل لك أن لا تدخل فيه ، فإذا دخلت فيه فخرجت
منه فليس عليك أن تقضى إلا الحج والعمرة .
وفى الباب عن أبى هريرة .
-: ( باب ما جاء فى الإعكاف إذا خرج منه :-
قد بين الترمذى خلاف مالك والشافعى فى المسألة ، ومذهب مالك هو
مذهب أبى حنيفة ، كما فى "البدائع" بناءً على أصل مشهور من لزوم النفل
بالشروع ، ولكن يعلم من كتبنا أنه يخرج عن عهدته بقضائه يوماً واحداً
أيضاً ، وراجع " البدائع" و"البحر" و"الدر" وشرحه لابن عايدين. ثم إنه
يقول ابن عبد البر بعد قول مالك : هذا قول جماهير العلماء ، لأن الإعتكاف

٥٣٩
باب خروج المعتكف وبيان بعض مسائل الاعتكاف
( باب المعتكف بخرج لحاجته أم لا؟)
حدثنا: أبو مصعب المدنى قراءة" عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن
عروة وعمرة عن عائشة أنها قالت: ((كان رسول اللّه عَّ امٍ إذا اعتكف أدنى إلى
رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان)) ..
وإن لم يكن واجباً إلا على من نذره فإنه يجب بالدخول فيه كالصلاة النافلة
والحج والعمرة اهـ. حكاه العينى فى "العمدة"، ومذهب الشافعى هو مذهب
أحمد كما فى "المغنى"، وظاهر الحديث حجة لأبى حنيفة ومالك، والشافعية
اضطروا للتأويل والله أعلم .
تنبيه : هذه الأبواب الثلاثة لم يتعرض إليها فى "العرف الشذى".
-: المعتكف يخرج لحاجته أم لا؟ :-
لا يخرج المعتكف من معتكفه إلالحاجة شرعية أو طبعية . وفى كتبنا
أنه إذا أراد أن يخرج لصلاة الجمعة فيخرج فى وقت يدركها مع أربع ركعات
سنة بعدها أو ست على الخلاف، ولو مكث أكثر لم يفسد ، وأما إذا خرج
من المسجد بغير حاجة شرعية أو طبعية فيفسد الإعتكاف . وعن أبى يوسف:
أنه لا يفد ما لم يمكث خارج المسجد أكثر من يوم ، كما فى " البدائع "
(٢ - ١١٥). قال محمد: قول أبى حنيفة أقيس وقول أبى يوسف أوسع آهـ.
وجعله فى " الهداية" مذهب أبى يوسف ومحمد ، ورجحه بأنه الاستحسان ،
وأقره ابن الهمام فى "الفتح"، وروى: أن المعتكف إذا اشترط الخروج لجنازة
أو عيادة مريض فله ذلك ، كما فى "الدر المختار" عن " التاتار خانية" نقلاً
عن "الحجة": لوشرط وقت النذر أن يخرج لعيادة مريض وصلاة جنازة
( ٢ - ٢٨)

٥٤٠
معارف السنن
ج -٥
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح. هكذا رواه غير واحد عن
مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة، ورواه بعضهم عن
مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عمرة عن عائشة ، والصحيح عن عروة وعمرة
عن عائشة . هكذا روى الليث بن سعد عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن
عائشة .
حدثنا : بذلك قتيبة عن الليث. والعمل على هذا عند أهل العلم : إذا
اعتكف الرجل أن لا يخرج من اعتكافه إلا لحاجة الإنسان ، وأجمعوا على هذا :
.أنه يخرج لقضاء حاجته الغائط والبول . ثم اختلف أهل العلم فى عيادة المريض
وحضور مجلس علم جاز ذلك ، فليحفظ اهـ . وليستفاد منه أن ذلك مذهب
أئمتنا جميعاً والله أعلم. وهو الذى ذكره الترمذى من مذهب الثورى وابن
المبارك ، لكن الذى فى " البدائع" وعنه فى شرح " الدر" لابن عابدين
أيضاً: وما روى عنه عَّ ﴾ من الرخصة فى عيادة المريض وصلاة الجنازة فقال
أبو يوسف : ذلك محمول على اعتكاف التطوع . ويجوز حمل الرخصة على
مالوخرج لوجه مباح كحاجة الإنسان أو الجمعة ، وعاد مريضاً ، أو صلى
على جنازة من غير أن يخرج لذلك قصداً ، وذلك جائز اهـ .
وبالجملة فتلخص أن هناك ثلاث روايات ، رواية فى الاشتراط فى
الاعتكاف المنذور ، ورواية فى الاعتكاف المندوب ، ورواية فى الاعتكاف
المسنون ، والله أعلم .
قوله : عيادة المريض الح . لا تجوز عندنا عيادة المريض وتشبيع الجنازة
للمعتكف، ولكن إذا خرج لحاجة طبعية ثم ذهب لعيادة مريض من غير أن
يكون خرج لذلك قصداً جاز، كما فى " البدائع" (٢ - ١١٤ ) مع تسوية
بين عيادة مريض وصلاة جنازة ، وتقدم لفظه قريباً ، وحكاه ابن نجيم وابن