Indexed OCR Text

Pages 461-480

()
صيام داود عليه السلام وكراهية صوم الفطر والأضحى
٤٦١
حدثنا هناد نا وكيع عن مسعر وسفيان عن حبيب بن أبى ثابت عن أبى
العباس عن عبد الله بن عمرو قال، قال رسول اللّه عَّ الي: ((أفضل الصوم صوم
أخى داود، كان يصوم يوماً وبفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى )).
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن صحيح ، وأبو العباس هو الشاعر
الأعمى ، واسمه: السائب بن فروخ. قال بعض أهل العلم : أفضل الصيام أن
يصومه يوماً ويفطر يوماً، ويقال : هذا هو أشد الصيام)).
( باب ما جاء فى كراهية الصوم يوم الفطر ويوم النحر)
حدثنا قتيبة نا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبى سعيد
الخدرى قال: نهى رسول اللّه وَله عن صيامين صيام يوم الأضحى ويومَ الفطر)).
-: باب ما جاء فى كراهية صوم يوم الفطر ويوم النحر :-
صيام يومى الفطر والأضحى منهى عنهما بإجماع الأمة ، وإنما الخلاف فى
انعقاد نذر صيامها مع وجوب الإفطار فيهما بعد النذر وقضائها ، فاختار
أبو حنيفة وأصحابه صحة النذر ثم وجوب القضاء ، وروى ذلك عن الأوزاعى ،
وهى رواية عن مالك إن نوى القضاء، كما فى " فتح البارئ" (٤ - ٢٠٨).
وأما أيام التشريق فاختلفوا فى صيامها على تسعة أقوال ذكرها البدر العينى
فى "العمدة" (٥ - ٣٤٢)، فكان الأولى الفصل فى حكمها فى هذا الباب .
وبالجملة فصيام الأيام الخمسة -يومى العيد وأيام التشريق-مكروه تحريماً عندنا، ثم
المكروه تحريماً قريب من الحرام. وقال محمد: هو حرام، كما ذكره أبو البركات
التسفى فى "الكنز". ثم إن شرع الصوم فيها يجب عليه أن يفطر ولا قضاء عليه ولو
أتمها صيامها وكره تحريماً ، ثم فى حصول الثواب مع الكراهة تحريماً قولان كما

٤٦٢
معارف السنن
ج -٥
وفى الباب عن عمر وعلى وعائشة وأبى هريرة وعقبة بن عامر وأنس . قال
أبو عيسى : حديث أبى سعيد حديث حسن صحيح . والعمل عليه عند أهل العلم .
تقدم فى المواقيت والصلاة وغيرهما فى مواضع. نعم إذا نذر الصيام فيها فيجب
إفطارها ويلزم قضاؤها .
وبالجملة فرق أثمتنا بين النذر وبين صيامها من غير نذر ، فقالوا بالقضاء
فى النذر دون ما عداه ، وفى رواية عن زفر عدم القضاء من شرع الصلاة فى
الأوقات المكروهة ثم أفسدها مثل الصيام ، وهى رواية عن أبى حنيفة كما فى
"البدائع"، وهناك روايات ثلاثة فى الباب:
١- ظاهر الرواية الفرق بين الصوم فى الأيام المنهى عنها والصلاة فى
الأوقات المكروهة، فيجب القضاء فى الثانى إن أفسدها، ولا يجب فى الأول إن
. أفطرها .
٢- القول بالقضاء فيهما عند الإفساد ، وهى رواية أبى يوسف ومحمد فى
" النوادر".
٣- القول بعدم القضاء فيها ، وبه قال زفر، وهى رواية عن الإمام كما
فى "البدائع" و "الهداية" وغيرهما. قال الشيخ: واختار تلك الرواية ابن الحمام
فى "تحرير الأصول"، وكذا فى " فتح القدير"، فقال فى " الفتح "
و "التحرير": فالوجه أن لا يصح الشروع لانتفاء فائدته من الأداء والقضاء،
ولا مخلص إلا يجعل الكراهة تنزيهية اهـ. قال الشيخ: وينعقد النذر بقوله :
"لله على" أو بكلمة الشرط والجزاء ، وفى جزئية فقهية عن السرخسى ما يدل
على اكتفاء لفظ "على" من غير كلمة "للّه" أيضاً. يريد ما حكاه ابن الهمام فى
"التحرير" وابن نجيم فى "البحر" من النذر من المسألة المسدسة فى قوله: وإن

٤٦٣
بيان حكم النذر فى صوم يوم النحر
قال أبوعيسى : وعمرو بن يحيى هو : ابن عمارة بن أبى الحسن المازنى المدينى)،
وهو ثقة ، روى عنه سفيان الثورى وشعبة ومالك بن أنس .
نوى يميناً كفر أيضاً، فقال فى "البحر": واختار شمس الأئمة السرخسى فى
الجواب أنه أريد بلفظ اليمين "لله" (كذا)، وأريد النذر بـ "على أن أصوم" الخ.
ثم فى النذر عن أبى يوسف: أنه إن عين يوم النحر لم يصح، وإن لم يعين
وقال: غداً فوافق يوم النحر صح، والمسألة مذكورة فى " الفتح" عن
أبى يوسف، وفى "عمدة القارى" و"رد المحتار" عن الحسن. وفى ظاهر
الرواية: لا فرق فى التعيين وعدمه كما فى "البحر". وراجع "شرح التحرير"
لابن أمير الحاج (١ - ٣٣٢). ثم قال الشيخ: إنى كنت متردداً فى الوجه
الذى ذكروه فى الفرق بين شروع الصلاة فى الأوقات المكروهة والصوم فى
الأيام المنهى عنها فقالوا: أن وجوب القضاء يبتنى على وجوب الإنمام ، فإذا
قوته وجب جبره بالقضاء ، ووجوب الإتمام بالشروع فى الصوم منتف ، بل
المطلوب بمجرد الشروع قطعه ، لأنه بمجرده مرتكب للنهى لصدق اسم الصوم
الشرعى على مجرد الإمساك بنيته ، ولا يصير بمجرد التلفظ بلفظ النذر ولا
بمجرد الشروع فى الصلاة مرتكباً للنهى حتى يتوجه إليه طلب القطع ، لأن
المنهى الصلاة ، والصلاة عبارة عن مجموع أركان معلومة ، فما لم يفعلها لا
تتحقق ، لأن وجود الشئ بوجود جميع حقيقته ، فإذا قطعها فقد قطع ما لم
يطلب منه بعد قطعه، فيكون مبطلا للعمل قبل الأمر بالإبطال، فيلزم به القضاء .
أقول: وذكره صاحب "الهداية"، وأوضحه ابن الهام وغيره، وبلفظ
ابن الهام ذكرته ، ثم تعقب ابن الهام بقوله : إلا أن يقتضى أنه لو قطع بعد
السجدة لا يجب قضاؤها، والجواب مطلق فى الوجوب اهـ . وأجاب عنه ابن
٣٠

٤٦٤
معارف السنن
ج -٥
حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبى الشوارب نا يزيد بن زريع نا معمر عن
النجم فى "البحر" بأن يقال: لما شرع فى الصلاة لم يكنى مرتكباً للمنهى عنه
فوجب عليه المضى وحرم القطع بقوله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم ) فلما قيدها
بسجدة حرم عليه المضى فتعارض محرمان : ومع أحدهما وجوب ، فتقدم حرمة
القطع واللّه سبحانه أعلم اهـ.
قال الشيخ : ولم يكن هذا شافياً عندى حتى رأيت فى " بدائع الصنائع"
عن أبى أحمد العياضى فى الفرق بين المسألتين ما ملخصه : بأن النهى عن الصلاة
فى تلك الأوقات ثبت بخبر الواحد ، فكان فيه شبهة العدم، فالعمل بمثله فى إيجاب
القضاء من أجل الإحتياط ، وأما حديث النهى عن الصوم فى تلك الأيام ثبت
بالحديث المشهور، وتلقته أئمة الفتوى بالقبول ، فكان النهى ثابتاً من جميع الوجوه،
فلم يجب القضاء ، وأيضاً إن الصوم وجوبه بالمباشرة أى فعل الصوم المنهى عنه،
والصلاة وجوبها بالتحريمة، وهى قول وليست من الصلاة ، فكانت بمنزلة النذر
اهـ. أقول: ذكره فى " البدائع" (١ - ٢٩١) فى بحث صلاة التطوع عن
أبى أحمد العياضى عدة وجوه ، والمذكور هنا وجهان فاكتفينا بها الإشارة الشيخ
إليها . وأبو أحمد العياضى وأخوه أبو بكر العياضى إبنا أبى نصر العياضى ، قال
صاحب " الجواهر المضيئة" ناقلاً قول أبى القاسم السمر قندى فيه: ما خرج
من خراسان إلى ما وراء النهر منذ مائة سنة مثل الفقيه أبى أحمد العياضى علماً
وفقهاً ولساناً وتديناً ونزاهة وتقىّ، وكذا أخوه أبوبكر العياضى آهـ. ولد
سنة ٤١٩ - هـ بـ "هراة" وتوفى بها سنة ٥١١ - ٨ يوم الإثنين ٧ من شعبان
رحمه الله تعالى.
قال الشيخ : وههنا بحث طويل الحافظ ابن تيمية ما ملخصه : إن نهى
الشارع عن أمر يقتضى بطلان ذلك ، ولا يمكن اجتماع صحة مع ورود النهى عنه

٤٦٥
تحقيق اجتماع الصحة والكراهة
الزهرى عن أبى عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف قال: ((شهدت عمر بن الخطاب
فى يوم نحر بدأ بالصلاة قبل الخطبة ثم قال: سمعت رسول اللّه عَّ الهل ينهى عن
لاشرعاً ولا عقلاً. وقال أيضاً ما حاصله: إن الشارع يسد باب المعاصى بالنهى ،
والذين يقولون بالصحة مع وجود النهى يفتحون بابها . ويدعى أن الاستقراء
دل على أن النهى الوارد على كل من التصرفات يقتضى البطلان أعم من أن
يكون بعض جزئياته مشروعة أولا . ولا يترتب الحكم عليها، ويرد عليه الصلاة
فى أرض المغصوبة، وهى صحيحة عند الثلاثة باطلة عند أحمد ، فيقول ابن تيمية:
أن النهى عنها إنما هو لتعلق حق الغير بها ، والصلاة صحيحة ، ويقول فی تلقى
الجلب: أن النهى عنه لتعلق حق الناس، فلو تلفى أحد الجلب صح بيعه ، وقال
ببطلان البيع عند أذان الجمعة خلافاً للحنفية والشافعية ، ويدعى أن السلف كانوا
يحكمون ببطلان شيئ دائماً متمسكين بلفظ النهى فقط .
أقول : ذلك البحث فى مواضع من " فتاواه"، وبالأخص فى بحث
الطلقات الثلاث بكلمة واحدة ، وليس عندى " فتاواه" حتى أحكى نصه،
وصاحبه ابن القيم تصدى لذلك، فذكر كل ذلك فى " الهدى" من الجزء الرابع
فى بحث الطلقات فليراجعه من شاء . قال الشيخ : أقول :
أما أولاً : فإن مسألة النهى فيه تفصيل عند علماء الأصول من الحنفية
والشافعية ، ولهم تعبيرات مختلفة فيها ، منها : ما فى كتب الحنفية : إن النهى
لا ينافى الصحة إلا لداع ، وفى كتب الشافعية: النهى يقتضى البطلان إلا لمانع،
ثم قل علماؤنا : إن الأفعال قسمان : حسية كالزنا وشرب الخمر ، وشرعية
كالصلاة والصيام ؛ فالنهى فى الحسية يدل على البطلان ، وفى الشرعية لا ينافى
المشروعية والصحة ، واستدلوا بوجوه أحسنها : أن النهى فى الحسية يكون

٤٦٦
معارف السنن
ج -٥
صوم هذين اليومين، أما يوم الفطر ففطركم من صومكم وعيد للمسلمين ، وأما
يوم الأضحى فكلوا من لحم نسككم » .
منسحباً على جميع الجزئيات فلا يخرج منها شئ، وأما فى الشرعية فلا بل جزئيات
منها تكون خارجة عنه وتكون هى مشروعة ، فالصلاة مكروهة فى أوقات
الكراهة دون غيرها ، وكذا الصيام فى أيام مخصوصة لا مطلقاً ، فلا يقتضى
البطلان . أقول : يكاد يكفى فيها ما فى " التحرير" وشرحه، فراجعه (١ -
٣٣٠ وما بعدها). قال العينى فى "العمدة" (٥ - ٣٣٨): والأصل عندنا
أن النهى لا ينفى مشروعية الأصل، وقال صاحب "المحصول"، أكثر الفقهاء على
أن النهى لا يفيد الفساد . وقال الرازى : لا يدل النهى على الفساد ، وأطال فيه .
قال العينى : وعلى هذا الأصل مشى أصحابنا فيما ذهبوا إليه الخ . قال الحافظ فى
"الفتح" (٤ - ٢٠٨) بعد نقل الخلاف فى مسألة صيام المنهى عنها : وأصيل
الخلاف فى هذه المسألة أن النهى هل يقتضى صمة المنهى عنه؟ قال الأكثر:
لا ، وعن محمد بن الحسن: نعم الخ .
قال الراقم : وربما يكون أصل منشأ الخلاف أن النهى عن صيام يومى
العيد هل هو لذاته أو لغيره؟ فعند المانعين لعينه ، وعند المجوزين مع كراهة
التحريم لغيره، وهو الإعراض عن ضيافة الله، وهؤلاء قد صحوا الصلاة فى
الأرض المغصوبة مع الكراهة لأجل النهى فيها لغيره ، والحافظ قد تسامح فى
النقل فى كلا الشقين ، فإن القول بعدم الدلالة على الفساد قول أكثر الفقهاء كما
فى "المحصول" و "الأسنوى" على " المنهاج"، وهو قول المحققين، كما
نقله الآمدى فى "الأحكام"، ودلالته على الفساد قول طائفة من الأصوليين،
وللبسط مجال آخر . ثم إن الفساد والبطلان واحد عند الشافعية، ومتعدد عندنا فى .
العبادات ، فليتنبه .

٤٦٧
بحث أن النهى لا ينافى المشروعية
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ، وأبو عبيد مولى عبد الرحمن
ابن عوف اسمه : سعد، ويقال له : مولى عبد الرحمن بن أزهر أيضاً ، عبدالرحمن
ابن أزهر هو: ابن عم وعبد الرحمن بن عوف .
قال : وبالجملة دار النهى على نظر المجتهد ، وما وقع فى بعض الكتب
من التعبير بقوله : "النهى يقتضى المشروعية" فشكل، والصواب أن يقال: أن
النهى لا ينافى المشروعية ، وفى بعض كتب الشافعية : إن النهى فى العبادات
يقتضى البطلان ولا يقتضيه فى المعاملات فإن فيها جهتين : الدنيوية والأخروية،
وأما فى العبادات فليس فيها إلا الثانية، فإذا انتفى الثواب لم يبق هناك شئ .
ذكره ابن الحمام فى "التحرير". قال الشارح: وعليه أبو الحسين البصرى
والغزالى والرازى. قال الأسنوى فى "شرح المنهاج": وقال أبو الحسين البصرى:
يدل على الفساد فى العبادات دون المعاملات ، واختاره الإمام فى " المحصول "
و "المنتخب"، وكذلك أتباعه، ومنهم صاحب "الحاصل" اهـ. واختاره ابن
الهمام فى "التحرير"، أنظر " شرح التحرير" (١ - ٣٣١). وربما يتوهم
على هذا ارتفاع باب مكروهات الصلاة التحريمية . قال الشيخ : ولم يتوجه
الشيخ ابن الهمام إلى دفعه، لا فى "التحرير" ولا فى " الفتح"، ولا صاحبه المحقق
فى "شرح التحرير"، وظهر لى أنه لا يرد هذا الاعتراض ولا يرتفع باب
الكراهة ، فإن هناك فرقاً بين مكروهات الصلاة وبين الصلاة فى الأوقات
المكروهة ، فإذا كانت الصلاة فى الوقت المكروه انسحبت الكراهة عليها تماماً
فكانت باطلة ، وأما إذا اشتملت الصلاة على كراهة كانت الكراهة فى بعض
أجزائها ولم تنسحب عليها جمعاء ، فلا تبطل بل تصح مع الكراهة ، وتارة يعبرون
(م - ١٩)

٤٦٨
معارف السنن
ج -۵
بأن المنهى عنه إما أن يكون قبيحاً لعينه أو قبيحاً لغيره ، والغير إما لازم أو مجاور،
ففى الأول النهى يقتضى بطلان المنهى عنه، وفى الثانى فقال ابن الهمام بالتحريم
أو كراهته بحسب الطريق الموصلة من قطع أو ظن، وهو أن نافى الحكم الشرعى
للنهى معه فباطل كذلك كنكاح المحارم ، وأما القسم الثالث فيقتضى الكراهة
فقط دون البطلان ، ولو ثبت قطعياً كالبيع وقت النداء لصلاة الجمعة فإن
النهى وقع لأمر مجاور للبيع قابل للانفكاك عنه ، فربما يوجد البيع من غير إخلال
بالسعى ، كان يتبايها فى الطريق ساعين إليها ، وتجد هذا كله فى " التحرير "
. و " شرحه" .
قال الشيخ : ولى فيه نظر، فإن النهى ههنا وإن اتفقوا على أنه لأمر مجاور
ينفك لكن صرّح صاحب " الهداية" فى موضع - أى الجمعة - على حرمة
البيع عند الأذان، وصرح فى البيع بالكراهة تحريماً ، وأيضاً قال القدورى فى
" مختصره" ومثله فى " متن الهداية": ومن صلى الظهر فى منزله يوم الجمعة
قبل صلاة الإمام ولا عذر له كره له ذلك وجازت صلاته . وصرّح ابن الهمام
بأنه حرام ، والظهر صيحة، قاله فى " الفتح" ، وأول كلام صاحب "الهداية"
فجعل المراد منه أنه حرام . وكذلك فى بعض كتبنا: إن أخذ مال من الزوجة فى الخلع
إذا كان النشوز من الزوج حرام وصح الخلع وملك المال الرجل، وأصل المسألة
فى أكثر المتون ، ولكنها صرحت بالكراهة ، وصرح ابن الحمام وابن نجيم وغيرهما
بالحرمة القطعية، وراجع "رد المحتار" من الخلع. وغرض الشيخ من هذا البحث
إظهار اجتماع الحرمة مع الصحة وإظهار حكم الحرمة مع أن النهى لأمر نجاور ،
فإطلاق قول ابن الهمام بالكراهة إذا كان لأمر مجاور محل نظر فافهم .
والحاصل أن مسألة النهى فيها تفاصيل، ولا بد من القول بعدم البطلان فى
عدة صور ، ألا ترى أن الطلاق حالة الطمث منهى عنه، ومع هذا إذا طلق

٤٦٩
بحث أن النهى يقتضى الفساد أم لا ؟
إمرأته فى الطمث يقع الطلاق ، وقد طلق ابن عمر امرأته فى الطمث واعتبر
طلاقة ، وابن تيمية ينكر وقوع الطلاق فى الطمث ويقول: إنه باطل مع أن لفظ
البخارى ومسلم صريح فى أنها عدت عليه تطليقة واحدة، وأنه عَّالّ أمر بمراجعتها،
ويتغامض عنه ابن تيمية وكذا يتأول فى قول ابن عمر : " فمه أرأيت إن عجز
واستحمق" بأنه كيف تتغير أحكام الشرع وإن عجز واستحمق ، فلا يقع الطلاق .
وقال الجمهور فى شرحه: كيف ؟ وهل تتعطل أحكام الشريعة ؟ لا بل يقع الطلاق
ولا يندفع . قال الشيخ : لما ثبت وقوع الطلاق واحتسابه بطلقة واحدة فتأويل
ابن تيمية إنكار للحديث .
قال : وأما ثانياً : فيرد على ابن تيمية قوله تعالى : (وإنهم ليقولون منكراً
من القول وزوراً ) ، فسمى الله سبحانه الظهار منكراً فى الشرع ، ومع هذا
رتب القرآن على مرتكبه الحكم من الحرمة والكفارة . ويجيب عنه ابن تيمية بأن
الكفارة شرعت زجراً وليس ذلك من جهة التسبيب كرجم المحصن بالزنا .
قال الشيخ : هذا فى غاية الخفاء ، فإن المؤثر فى حرمة المسيس قول المظاهر
لا الزجر، ويؤيده ما فى كتاب "الهداية" من كتب الفقه الحنفى: " إن
الظهار كان طلاقاً فى الجاهلية، فقرر الشارع أصله ونقل حكمه إلى تحريم موقت
بالكفارة غير مزيل للنكاح" آهـ. ومثله فى بعض عبارات الإمام الشافعى فى
«الأم» . فدل ذلك على أن الحرمة من أجل الظهار لا لأجل الزجر. قال الشافعى
فى "الأم" (٥ - ٢٦١): إن أصل الظهار كان طلاق الجاهلية، فحكم الله
فيه بالكفارة ، فحرم الجماع على المتظاهر بتحريمه للظهار حتى يكفر اهـ. وكذلك
ابن القيم يصرح به فى " الهدى". وأيضاً يرد على ابن تيمية ما فى " جامع
الترمذى" من حديث عائشة مرفوعاً: ((لا نذر فى معصية وكفارته كفارة يمين))
أخرجه فى النذور والأيمان ، وأخرجه بقية السنن ما عدا النسائى، ورواته ثقات،

1
٤٧
معارف السنن
ج -٥
ولكنه معلول بالانقطاع، وهو عدم سماع الزهرى عن أبى سلمة إياه ، وإنما هو
عن الزهرى عن سليمان بن أرقم عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة ، فدلسه
بإسقاط إثنين ، والقول بوجوب الكفارة فيه مذهب أبى حنيفة وأحمد وإسماق
خلافاً لمالك والشافعى وغيرهما، ويأتى تفصيله فى محله إن شاء الله تعالى .
فنهى الشارع عن النذر فى معصية ، ومع هذا من نذر فعليه كفارة ،
فترتب الحكم مع وجود التحريم والنهى. قال الشيخ: وتكلموا فى سنده ، منهم
الترمذى. أقول : قد أخرجه الطحاوى فى " مشكل الآثار" بسند قوى نقله
الحافظ علاء الدين المارديني . أقول: نقله فى "الجوهر النقي" (١٠ - ٧١ )
فى ذيل "البيهقى"، وأيضاً قد قوى الماردينى حديث عمران بن حصين فى
الباب ، وكذلك وثق الحافظ فى " الفتح" (١١ - ٥٠٩ ) حديث ابن عباس
فيه عند أبى داود ، ويأتى البيان الشافى فى موضعه إن شاء الله تعالى .
والمسألة عندنا أنه لا نذر فى معصية ، ولكن من نذر فيحنث به وكفارته
كفارة يمين ، ولا يوفى النذر فى معصية ، وقيل : الناذر بالمعصية يكفر . أنظر
"فتح البارى" (١١ -٥٠٢)، يستفاد منه هذه الكلمة فى سياق آخر والله أعلم.
ومسألة الكفارة فى النذر بالمعصية مصرحة فى " فتح القدير" نقلاً عن
الطحاوى فى بحث الصيام قال : قال الطحاوى رحمه الله: لو أضاف النذر إلى
سائر المعاصى كقوله: " الله على أن أقتل فلاناً" كان يميناً، ولزمته الكفارة
بالحنث ، وراجعه للتفصيل. وكذا (٤ - ٢٦) من الإيمان من "الفتح" و
"التحرير" من بحث النهى. وثابتة بنص الحديث وإلا فلا مناص من نص الحديث.
قال : وأما ثالثاً : فما يدعيه ابن تيمية بأن السلف كانوا يتمسكون على
النهى للبطلان . أقول : هذا ليس بمطرد بل ثبت عنهم القول بصحة المنهى عنه

٤٧١
مسألة الطلقات الثلاث بلفظ واحد
مع وجود النهى فى الباب ، مثاله : اختلف السلف فى نكاح الشغار، فقد ذهب
بعضهم إلى صحته مع وجود النهى عنه ، فيصح النكاح ويرتفع اشتراط عدم
الصداق . وقد اختلفوا فى صصة نكاح الشغار بعد الاتفاق بأنه منهى عنه وإنه
لا يجوز، فذهب الزهرى ومکحول وعطاء بن أبي رباح والثوری ولیث وأبو حنيفة
وأحمد فی - روایة ۔ واسماق وأبو ثور والشافعى فى وجه إلى صحته ، ووجوب
مهر المثل كما فى "الفتح" وغيره . وعلى أصله ذهب ابن تيمية فقال بعدم صحة
الطلقات الثلاث بإيقاعها مرة واحدة وعدم صحة الطلاق فى الطمث ، والقول
فى الطلقات الثلاث طويل. وقد ذهب الأئمة الأربعة والبخارى إلى وقوعها ،
وخالف فيها ابن تيمية إمامه أحمد بن حنبل واختار مذهب داود الظاهرى .
ثم إن مذهب أبى حنيفة وأحمد أن جمعها مرةً بدعة ، ومذهب الشافعى
إيقاعها مرة بدعة فى الحيض دون الطهر . وظاهر القرآن المجيد: (الطلاق مرتان)
أى مرةً بعد مرة يؤيد القول الأول . واستدل ابن تيمية بحديث " مسلم "
(١ - ٤٧٧) عن ابن عباس قال: ((كان الطلاق على عهد رسول اللّه عَلَال
وأبى بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة ، فقال عمر بن الخطاب:
إن الناس قد استعجلوا فى أمر كانت لهم أناءة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم)).
وفى رواية: ((إن أبا الصهباء قال لإبن عباس: إنما كانت الثلاث تجعل واحدة
على عهد النبي عَ لٍ وأبى بكر وثلاثاً من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم)).
ومراد الحديث عند الجمهور أن المعتاد فى العهد الأول كان طلاقاً واحداً ، أى
كان الناس يطلقون واحدة بدل الثلاث ويكتفون بواحدة للتطليق ، وكانوا
لا يطلقون ثلاثاً خلاف السنة ، وهم كانوا على ذلك إلى خلافة عمر حتى صاروا
فى عهده يطلقون ثلاثاً دفعة خلاف السنة ، فأمضاه عمر عليهم ، وهذا أحد
معنى الحديث ، ذكره النووى فى "شرح مسلم". فعلى هذا يكون إخباراً عن
اختلاف عادة الناس لا عن تغير حكم المسألة .

٤٧٢
معارف السنن
ج -٥
ويقول ابن تيمية: هذا تأويل، وبدعى صاحبه ابن القيم: أنه إذا بلغ التأويل
هذا الحد صار تحريفاً . قال الشيخ: شرح الجمهور شرح لطيف من غير شك ،
ونظير هذا التعبير بعينه قوله سبحانه وتعالى حكاية : (أجعل الآلهة إلهاً واحداً)
فهم لم يريدوا بقولهم هذا أنه مَّاللّ آمن بآلهة ثم جعلهم واحداً، وإنما يريدون
أنه جعل إلها واحداً بدل آلهة، ونظيره فى الحديث قوله حَ له: ((من جعل
الهموم هماً واحداً هم آخر ته كفاه الله هم دنياه الخ )» أخرجه ابن ماجه من حديث
ابن مسعود مرفوعاً والبيهقى فى الشعب موقوفاً من كلام ابن عمر كما فى " مشكاة
المصابيح " من كتاب العلم. فليس المراد اختيار الهموم ثم جعلها واحداً ، وإنما
المراد أنه اختار هماً واحداً بدل هموم كثيرة .
والحاصل : أن الطلقات الثلاث المنهى عنها لما ارتكبه الناس خلاف السنة
أمضاه عليه الفاروق ونفذه عليهم حيث استعجلوا فى الأمر ، وكان يكفى لهم
الأناءة بطلاق واحد . ويقول ابن تيمية : هذا تعزير من عمر. قال الشيخ :
لا يوجد فى الشرع نظير لمثل هذا التغليظ والتشديد من تحريم أبضاع الناس
عليهم . ثم نقول: إن اجتماع النهى عن شئ مع صحته معقول لغةً وعقلاً، فإنه
إذا قيل مثلاً: لا تصم يوم النحر ولو صمت لعصيت وصح صومك ، فهذا
معقول بلا ريب .
والحاصل أنه ليس مقتضى النهى إلا الإثم فقط إذا كان النهى للتحريم أو
الكراهة تحريماً ، لا ما إذا كان نهى إرشاد وتأديب، فثبت أن النهى لا يقتضى
البطلان إلا لداع . وأما الأفعال الحسية ففيها داع ، وينبغى إجراء هذه القاعدة
فى مسائل النهى فإنها نافعة فى مواضع ، وهكذا يفهم هذا المقام فإنه دقيق .
تكملة للبحث : قال الراقم عفا الله عنه : شذوذ ابن تيمية فى مسائل
الطلاق نظير شذوذه فى مسائل أخرى أصولاً وفروعاً، وهى كثيرة جداً

٤٧٣
بحث وقوع الثلاث بكلمة واحدة
ومشائخنا مع الاعتراف بسعة علمه واستبحاره المدهش يردون عليه فى شواذه
ولا يسايرون معه فى شئ ، وقد قام عصبة من أجلة أهل عصره ومن بعده
بالرد عليه فى هذه المسائل وغيرها ، كالحافظ تقى الدين أبى الحسن السبكى ،
والكمال الزملكانى ، وابن جهبل ، وابن الفركاح ، والعز بن جماعة ، والصلاح
العلائى ، والتفى الحصنى وغيرهم من الأعلام .
ومسألة الطلقات الثلاث مجموعة تكاد تكون كلمة إجماع بين جمهرة الأمة
سلفاً وخلفاً ، وقد وقعت الثلاث فى عهد النبوة فصحت ، ووقع الطلقة فى
الحيض فنفذت ، وإنما الخلاف فى الإثم ، وقامت عليها نصوص من الكتاب
والسنة وآثار من سلف الأمة ، فنظراً إلى هذه الجهة لا يحتاج إلى كثير بحث.
وبيان وقياس ، ولكنها نظراً إلى إنكار الرافضة ومن انخدع بهم من الإمامية ثم
إفراد بعض المتأخرين كإبن القيم إياها بالتأليف وتوسيع دائرة البحث فيها فى
التآلیف کابن تيمية وابن القيم وأتباعها من بعدهما کالشو کانی وصديق حسن خان
القنوجی لکی یتمکنوا من اختلاب انظار العامة، ولکی یروج عليهم ما يحاولون کثر
شغبها وعظم خطبها ، فتصدى طائفة من المنتصرين الحق فأفردوها بالتأليف، كالحافظ.
ابن رجب الحنبلى، والحافظ ابن عبد الهادى الحنبلى وغيرهما، وآخر من قام للرد على
هذه المسألة هو: الأستاذ الكبير البحاثة المحقق الشيخ محمد زاهد الكوثرى ، فألف
كتابه " الإشفاق على أحكام الطلاق" نقض به كتاب " نظام الطلاق" القاضى
أحمد شاكر المصرى ، ورد رداً متيناً بليغاً من كل جهة ، فشفى وكفى ع :
" .. شفى وكفى ما فى الصدور ولم يدع. لذى إربة فى القول جداً ولا هزلاً"
فساق أقوال كبار الأئمة من أتباع الأئمة المتبوعين فى إنعقاد الإجماع بالمسألة،
وسرد الأخبار والآثار عليها بكل تنقيح وتحقيق لأسانيدها ورجالها ما عدا

٤٧٤
معارف السفن
ج -٥
فوائد شتى، وهى فى غاية من الأهمية لمن عنى بالبحث والتحقيق ، وفيها
يقول : قال أبوبكر الرازى الجصاص فى "أحكام القرآن" بعد أن سرد ما بدل
على وقوع الثلاث من الآيات والأحاديث وأقوال السلف: فالكتاب والسنة
وإجماع السلف توجب إيقاع الثلاث معاً وإن كان معصية إهـ . وقال أبو الوليد
الباجى فى "المنتقى": فمن أوقع الثلاث بلفظة واحدة لزمه ما أوقعه من الثلاث،
وبه قال جماعة من الفقهاء . والدليل عليه إجماع الصحابة ، لأن هذا مروى عن
ابن عمر ، وعمران بن حصين ، وعبد الله بن مسعود ، وابن عباس ، وأبى هريرة،
وعائشة رضى الله عنهم، ولا مخالف لهم اهـ. وقال أبو بكر ابن العربى عند
الكلام فى حديث ابن عباس فى إمضاء الثلاث : هذا حديث مختلف فى صحته ،
فكيف يقدم على الإجماع ، ويعارضة حديث محمود بن لبيد ؛ فإن فيه التصريح
بأن الرجل طلق ثلاثاً مجموعةً ولم يرده النبي ◌َّلامُ بل أمضاه اهـ.
يقول الكوثرى: لعله يزبد رواية غير النسائى ، وأبوبكر ابن العربى
حافظ واسع الرواية جداً، أو أراد أنه لو كان رده لذكر فى الحديث، وغضبه
حَوهم أيضاً يدل على وقوعها، وكفى هذا فيما يريده. وابن عبد البر توسع جداً
فى " التمهيد" و"الإستذكار" فى سرد الأدلة على المسألة وإثبات الإجماع فيها .
وقال ابن الحمام فى "فتح القدير": لا تبلغ عدد المجتهدين الفقهاء من الصحابة
أكثر من عشرين كالخلفاء ، والعبادلة ، وزيد بن ثابت ، ومعاذ بن جبل ،
وأنس ، وأبى هريرة رضى الله عنهم ، وقليل سواهم والباقون يرجعون إليهم
ويستفتونهم . وقد أثبتنا النقل عن أكثرهم صريحاً بإيقاع الثلاث، ولم يظهر لهم
مخالف ، فماذا بعد الحق إلا الضلال ، وعن هذا قلنا أو حكم حاكم بأن الثلاث
يغم واحد واحدة لم ينفذ حكمه ، لأنه لا يسوغ الاجتهاد فيه ، فهو خلاف
لا اختلاف ، والرواية عن أنس بأنها ثلاث أسندها الطحاوى وغيره اهـ.

٤٧٥
بيان أن الطلقات الثلاث محل إجماع واتفاق
وفيها بنقل كلام ابن رجب الحنبلى فى كتاب " بيان مشكل الأحاديث الواردة
فى أن الطلاق الثلاث واحدة ": لم يثبت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين
ولا من أئمة السلف المعتد بقولهم فى الفتاوى فى الحلال والحرام شى صريح فى
أن الطلاق الثلاث بعد الدخول بحسب واحدة إذا سبق بلفظ واحد ، وفيها يقول:
وابن حزم الظاهرى على افتتانه فى الشذوذ فى المسائل لم يسعه إلا أن يسلك سبيل
الجمهور ، بل أفاض فى " المحلى" فى التدليل على وقوع الثلاث بلفظ واحد
بتوسع يجب الإطلاع عليه ليعلم مبلغ زيغ من يزعم خلاف ذلك الخ .
وفيها يقول: وقال ابن حجر فى آخر كلامه على الطلاق الثلاث فى " فتح
البارى": فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له ، والجمهور على عدم اعتبار من
أحدث الإختلاف بعد الاتفاق اهـ . فوصل إلى نتيجة أن وقوع الثلاث مجموعة
على المدخول بها مسألة إجماعية ، كتحريم المتعة على حد سواء ، وكلامه هذا
يدل على أنه لا يرى أن هناك خلافاً يعتد به، وإلا لما أمكنه أن يدعى الإجماع
فى المسألة عند ما يختم تحقيقه ، فاعتراضه على قول ابن التين: " لا خلاف فى
الوقوع، وإنما الخلاف فى الإثم" ... إنما هو اعتراض صورى ، وكيف لا!
وهو يعلم جيداً أنه لى يثبت عن هؤلاء الأربعة من الصحابة ولا عن هؤلاء الثلاثة
من أصحاب ابن عباس شيئ ينافى ما عليه الجمهور من وقوع الثلاث مجموعةٌ
على المدخول بها ، ولو لا رغبته الشديدة فى جمع كل ما قيل لما أباح لنفسه ...
أن ينقل عن مثل ابن مغيث كل غث وسمين انتهى مختصراً .
وفيها يقول: قال الخطابي: القول بعدم وقوع الطلاق البدعى قول الخوارج
والروافض، وقال ابن تعبد البر: لا يخالف فى ذلك إلا أهل البدع والضلال اهـ .
( ٢ - ٢٠ )

٤٧٦
معارف السنن
ج -٥
وفيها يقول نقلا عن "الروض النضير": إن وقوع الثلاث بلفظ واحد هو مذهب
جمهور أهل البيت ، كما حكاه محمد بن منصور فى " الأمالى" بأسانيده عنهم،
وروى فى "الجامع الكافى" عن الحسن بن يحيى أنه قال: رويناه عن النبى وَ ل}
وعن على، وعلى بن الحسين ، وزيد بن على ، ومحمد بن على الباقر ، ومحمد
ابن عمر بن على، وجعفر بن محمد، وعبد الله بن الحسن، ومحمد بن عبد الله،
وخيار أهل بيت رسول اللّه وَّ ل﴾. ثم قال الحسن أيضا: أجمع آل الرسول على
أن الذى يطلق ثلاثاً فى كلمة واحدة أنها قد حرمت عليه سواء كان قد دخل
بها الزوج أو لم يدخل ، ورواه " البحر " عن ابن عباس وابن عمر وعائشة
وأبى هريرة وعن على كرم الله وجهه والناصر والمؤيد ويحيى ومالك وبعض
الإمامية ١ هـ. وقد سرد الأدلة من الأحاديث والآثار على وقوع الثلاث دفعة،
فذكر فيها حديث على مرفوعاً عند البيهقى والطبرانى ، وحديث ابن عمر مرفوعا
عند الطبرانى والدارقطنى والبيهقى وأبى بكر الرازى ، وحديث عبادة مرفوعاً
عند عبدالرزاق والطبرانى، واستدل بحديث الملاعنة فى "الصحيحين"، وبحديث
العسيلة فى الصحاح، قال: قد روينا الإفتاء بوقوع ما أوقع من الطلاق فى الحيض
والطهر بدون أى فرق بين الواحدة والإثنتين والثلاث فى وقوعها إلا من جهة
الإثم عن عمر فى "سنن سعيد بن منصور"، وعثمان بن عفان فى " محلى ابن
حزم "، وعلى وابن مسعود فى " سنن البيهقى"، وابن عباس وأبى هريرة وابن
الزبير وعائشة وابن عمر فى " مؤطأ مالك" وغيره ، ومغيرة بن شعبة والحسن
ابن على فى "سنن البيهقى"، وعمران بن الحصين فى " مفتفى الباجى" و"فتح
ابن الهمام "، وأنس فى "آثار الطحاوى" وغيرهم بدون أن تصح مخالفة أحد
من الصحابة لهم آهـ .

٤٧٧
تحقيق أن إمضاء عمر للثلاث كان أمراً شرعياً
وفى هذه الرسالة : وقال ابن رجب : لا نعلم من الأمة أحداً خالف فى
هذه المسألة مخالفة ظاهرة، ولا حكماً، ولا قضاءً، ولا علماً، ولا إفتاء ،
ولم يقع ذلك إلا من نفر يسير جداً، وقد أنكره عليهم من عاصرهم غاية
الإنكار ، وكان أكثرهم يستخفى بذلك ولا يظهره ، فكيف يكون إجماع الأمة
على إخفاء دين الله الذى شرعه على لسان رسوله ، واتباع اجتهاد من خالف
برأيه فى ذلك ، هذا لا يحل اعتقاده ألبتة اهـ.
فيقول الكوثرى: ولعله ظهر بهذا البيان أن إمضاء عمر الثلاث حكم شرعى
مستمد من الكتاب والسنة مقارناً لإجماع فقهاء الصحابة فضلاً عن التابعين ومن
بعدهم، وليس بعقوبة سياسية ضد حكم شرعى، فالخارج على إمضاء معمر خارج
عن ذلك كله اهـ .
وقد أفاض فى حديث ابن عباس عند مسلم الذى هو أقوى حجة لهؤلاء
الشذاذ، فبحث عنه بحثاً دقيقاً سنداً ومتناً ومراداً ، وحلل مراده تحليلاً باحتمالات
ناهضة لا يمكن أن يبقى محملا للتمسك أمام نصوص أقوى منه فى الباب رواية"
وتعاملا وتوارثاً وتفقهاً، فذكر بعد تسليم : أن الثلاث ليس على العموم ، وأنها
ثلاث غير مفرقة على الأطهار ، وأنها فى حق المدخول بها ، وأن إيقاعها
بألفاظ غير متعاقبة أو بلفظ واحد ، فيدور أمره بين أن يكون بمعنى أن الثلاث
الجارى إيقاعها الآن كان يجرى إيقاع واحدة بدلها عهد الرسالة وعهد
أبى بكر وأوائل عهد عمر رضى الله عنهما، وكان الناس يراعون السنة فى تفريق الطلقات
على الأطهار فى تلك العهود ، ثم تتابعوا فى إيقاعها جميعاً فى حيض أو طهر واحد
بلفظ واحد أو بألفاظ غير متعاقبة، وبين أن يكون بمعنى أن الثلاث الجارى إيقاعها
اليوم بلفظ واحد أو ألفاظ غير متتابعة فى طهر واحد أو حيض كان كذلك
فى تلك العهود ، وكانوا يعدونها واحدة ، فهل تخالفهم فى ذلك ونعتبرها ثلاثاً

٤٧٨
معارف السنن
ج -٥
على خلاف ما كان يعد فى تلك العهود ؟ فالاحتمال الأول من الاحتمالين الذين
انتهى إليها السبر والتقسيم ليس هناك شئى يضاده أو يخالفه الخ .
قال الراقم: وهذا الذى اختاره شيخنا رحمه اللّه فى إملائه على "الترمذى"
كما ذكرته، ولا يبعد أن يكون أصل اللفظ فيه : كانت الثلاث تجعل واحدة
الخ. والباقى رواية بالمعنى، فإذن يكون نظيره ما استشهد به الشيخ من قوله
تعالى: (أجعل الآلهة إلها واحداً) وقوله بَلّ: (( من جعل همومه هما واحداً))
ويكون فى غاية التوفيق والمطابقة .
ثم قال الشيخ الكوثرى: وأما الاحتمال الثانى منهما ففيه مخالفة لرأى الراوى
الصحابى ، فكم رد النقاد أحاديث بمخالفتها لآراء رواتها ، كما بسط ابن رجب
فى شرح "علل الترمذى"، وهو مذهب يحيى بن معين ويحيى بن سعيد القطان وأحمد
ابن حنبل وابن المدينى، وإن رآى بعض أهل العلم الاعتداد بالمروى ... ولكن .
هذا فيما إذا كان نصاً أو احتمل احتمالاً غير مرجوح .... ، وقد تواتر عن
ابن عباس أنه يرى أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد يقع ثلاثاً ، وقد سبق
رواية ذلك عنه بطريق عطاء وعمر و بن دینار وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم، بل
بطريق طاؤس نفسه ، ثم علله بانفراد طاؤس على خلاف رواية الآخرين ، وإن
أبا الصهباء إن كان مولى ابن عباس فهو ضعيف ، وإن كان غيره فمجهول ،
وذكر عللا معنوية قادحة فى صحته وأبلغ التعليلات إلى عشرة .
وملخصه : أن الحديث معلول بعشر علل قادحة ، وعلى تقدير صحته تعين
الاحتمال الأول من الاحتمالين ، ثم ساق كلام ابن رجب من كتابه السابق ذكره،
وهو كلام متين ، ومما قال : وقد صح عن ابن عباس وهو راوى الحديث
أنه أفتى بخلاف هذا الحديث ولزوم الثلاث المجموعة ، وقد علل بهذا أحمد

بحث الطلقات الثلاث وإجراؤها فى عهد عمرلم يكن تعزيراً سياسياً ٤٧٩
والشافعى كما ذكره الموفق ابن قدامة فى "المغنى"، وهذه أيضاً علة فى الحديث
بانفرادها ، فكيف وقد انضم إليها علة الشذوذ - أى شذوذ طاؤس بروايته
خلاف بقية أصحاب ابن عباس - والإنكار وإجماع الأمة على خلافه. وقال القاضى
إسماعيل فى "أحكام القرآن": طاؤس مع فضله وصلاحة بروى أشياء منكرة ،
منها هذا الحديث ، وعن أيوب: أنه كان يتعجب من كثرة خطأ طاؤس . وقال
ابن عبد البر: شذ طاؤس فى هذا الحديث ..... آهـ. وحكى أيضاً عن
ابن رجب حمل اسحاق بن راهويه ومن تابعه هذا الحديث على غير المدخول بها ،
وأنه أشار الحوفى إليه فى "الجامع"، وبوب عليه أبو بكر الأثرم فى "سننه"،
وأبوبكر الخلال يدل عليه. وإنه ثبت ذلك فى " سنن أبى داود" من رواية
حماد بن زيد عن أيوب عن غير واحد عن طاؤس عن ابن عباس: ((كان الرجل
إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوه واحدةً على عهد رسول اللّه صَلا؟
وأبى بكر وصدر من إمارة عمر، فلما رآى الناس قد تتابعوا فيها قال : أجيزوهن
عليهن))، وأيوب إمام كبير ، فإن قيل: تلك الرواية مطلقة ، قلنا : نجمع بين
الدليلين ونقول: هذا قبل الدخول اهـ.
وقال شيخنا الكوثرى فيها أيضاً: وأما عد ذلك عملاً سياسياً يسوغ لعمر
عمله تعزيراً، فحاشاه عن ذلك ، فمن ذا الذى يبيح الخروج على الشرع سياسة"
اهـ. وقال أيضاً: فكيف يتصور أن يقدم أى شخص على إلغاء حكم شرعى
تعزيراً؟ وأين هذا من التعزير المعروف فى الشرع المعترف به عند فقهاء الأمة؟
وليس لذلك نظير واحد فيما أطال ابن القيم الكلام به ، بل فتح هذا الباب فتح
لباب إلغاء الشرع كله بمثل هذه التعليلات الواهية ، كما استرسل الطوفى الحنبلى
فى المصلحة المرسلة فتحاً لمثل هذا الباب ، فلا ينطوى مثل هذا التعليل إلا على
خبث نحو سيدنا عمر ، ونحو جمهور الأصحاب الذين وافقوه ، ونحو الشرع الأخر
نفسه، كما لا يخفى على من غاض فى المسألة ، وقتلها بحثاً من جميع نواحيها الخ .
٣

٤٨٠
معارف السنن
ج -۵
وأما الطلاق فى الحيض فهو كذلك كلمة إجماع بين الأئمة والأمة ، وقد
نقل عليه الإجماع النووى فى "شرح مسلم"، ولم يخالفه إلا الظاهرية، ونصوص
أحاديث " الصحيحين" صريحة فى وقوعه وصحته وإن كان حراماً منهياً عنه .
وبالجملة فالخلاف فى الإثم نظير المسألة الأولى ، وأما رواية أبي الزبير عند
أبى داود: ((فردها ولم يرها شيئاً)).
ففيه: وأما أولاً : قول أبى داود: الأحاديث كلها على خلافها، ويقول
ابن عبد البر: لم يقل أحد غير أبى الزبير، وقد رواه جماعة جلة ، فلم يقل واحد
منهم ، وقال بعض أهل الحديث : لم يرو أبو الزبير حديثاً أنكر من هذا حتى
أن أبا الزبير لو لم يكن مدلساً وخالفه هؤلاء رواة حديث ابن عمر فى
"الصحيحين" وغيرها لكان خبره هذا منكراً، فكيف وهو مدلس مشهور؟
وأما ثانياً : فهو لفظ مجمل يحتمل أن يراد منه أنه لم يرها شيئاً يعتد به فى
البينونة، وذلك ظاهر، فإن البينونة لم تقع بالطلاق الرجعى، وبهذا المعنى يكون
راجعاً إلى ما يفيده سائر الروايات، والجمع أولى إذا أمكن ، وأما رواية محمد
ابن عبدالسلام الخشنى عند ابن حزم. قال ابن عمر: "لا يعتد بذلك" وجب تأويله
بأنه لا يعتد بذلك فى البينونة المطلقة فى الحال ، وإن النكاح باق ما دامت العدة
باقية ، وراجع " الإشفاق" فإنها رسالة كلها فى غاية من النفاسة ، نظير سائر
تأليف الشيخ الكوثرى ، وقد التقطت منها كلمات بترتيب ملائم لهذه التعليقات
يكاد يكون فيها مقنع للناظرين .
وبالجملة: تلخص أن أقوى حجة لهم فى الباب كيف أصبح أوهن مسكة
عند أولى الألباب، وتبين أن فيه مغامز وعللا لفظية ومعنوية وليس يغنيها رواية
مسلم إياها فقط، وعلى تقدير صحته أنى يقاوم خبر واحد أمام قواطع النصوص