Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
حديث الرخصة فى الإفطار الحامل والمرضع
(باب ما جاء فى الرخصة فى الافطار للحبلى والمرضع)
حدثنا أبو كريب ويوسف بن عيسى قالا نا وكيع نا أبو هلال عن عبد الله
ابن سوادة عن أنس بن مالك - رجل من بنى عبد الله بن كعب - قال: « أغارت
علينا خيل رسول اللّه عَ ل﴾ فَأتيت رسول اللّه عَ ل فوجدته يتغدى فقال: أدن
فكل ، فقلت: إنى صائم ، فقال : أدن أحدثك عن الصوم ، أو الصيام ، إن
الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة ، وعن الحامل أو المرضع الصوم ،
أو الصيام، والله لقد قلها النبى معَّ الج كليهما أو إحداهما، فيا لهف نفسى أن لا أكون
طعمت من طعام النبي صَلَمْ)).
-: باب ما جاء فى الرخصة فى الإفطار للحبلى والمرضع :-
أنس بن مالك هذا غير الأنصارى الخزرجى خادم رسول اللّه ◌َ اله ، بل
هو: الكسبى أبوأمية ، أو أبوأميمة ، أو أبومية ، نزل البصرة ، وحديثه هذا
أخرجه بقية أصحاب السنن وأحمد ، ووقع فى رواية "ابن ماجه": أنس بن مالك
رجل من بنى عبد الأشهل ، وهو غلط كما فى "الإصابة"، روى عنه:
أبو قلابة وعبد اللّه بن سوادة القشيرى، كما فع "الإستيعاب".
قوله : علينا . أى على قومنا، لأنه كان أسلم ، وهذا من جملة نظائر ما
قدمناه فى حدیث ذى اليدين من نحو عشرين نظيراً .
قوله : فيالهف على نفسى الخ . أى فكان يتأسف على ما فاته من البركة
وامتثال أمر النبي ◌َُّّ فى التغذى معه فَالجُ، وكان غرضه ◌ِّ بيان الرخصة
له فى إباحة الإفطار من أول الأمر لا بيان الرغبة فى الإفطار بعد مانوى
الصوم والله أعلم .

٣٨٢
معارف السنن
ج -٥
وفى الباب عن أبى أمية . قال أبو عيسى: حديث أنس بن مالك الكعبى
حديث حسن، ولا نعرف لأنس بن مالك هذا عن النبى عَ لَّ غير هذا الحديث
ثم الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أفطرتا وقضتا ولا فدية عليهما ،
كالمريض الخائف على النفس، وهذا لا خلاف فيه، كما فى "المغني" (٣ -
٧٧ ) و "شرح المهذب" (٦ - ٢٦٨). وأما إذا خافتا على الجنين والرضيع
فاتفقوا على الإفطار لهما حالاً ، واختلفوا مآلاً على أربعة مذاهب ، فقال
أبو حنيفة وأصحابه : يقضيان فحسب ، وإليه ذهب الأوزاعى والثورى وأبو عبيد
وأبوثور، وهو مذهب عطاء والحسن والزهرى وربيعة والنخعى والضحاك وسعيد
ابن جبير ، وحجة هؤلاء حديث الباب، فلم يأمر فيه بفدية طعام . وقال الشافعى
وأحمد : تقضیان وتفدیان ؛ ویروی عن ابن عمر ومجاهد ، وإليه ذهب مالك
فى رواية . وقال الليث ومالك فى رواية : الحامل تقضى ولا تفدى والمرضع
تقضى وتفدی . وقال اسماق : تطعمان ولا تقضیان ، وروى عن ابن عمر وابن
عباس وابن جبير . هذا ملخص ما فى " المغنى" و "شرح المهذب" و" قواعد
ابن رشد" وغيرها . فعلم أن فى نقل الترمذى تسامحاً أو اختصاراً .
ثم اعلم : أن المشهور فى الناس أن آية الفدية منسوخة . قال الشيخ :
لو قيل بنسخها فكيف يقال بالفدية فى مواضع الفدية ، وهى ثابتة عند الكل ؟!
وعندنا هى فى ستة مواضع ، وسيأتى البحث عنها فى (باب ما جاء على الذين
يطيقونه) . قال الراقم : فيجب على الشيخ الفافى ، وعلى من نذر صوم الأبد
ثم عجز ، ويجب عمن أوصى من صلاة وصيام، أو كفارة يمين ، أو قتل ،
أو تبرع عنه الولى فيها. ولعل هذه المواضع يريدها الشيخ رحمه الله، وقد
استقريتها من فروعهم المنتشرة والله أعلم .
قوله : وفى الباب عن أبى أمية. اختلف فى هذه الكنية ، فقيل : أبو أميمة،

٣٨٣
بقية بحث الفدية للمرضع والحامل والصوم عن الميت
الواحد . والعمل على هذا عند بعض أهل العلم. وقال بعض أهل العلم : الحامل
والمرضع يفطران ويقضيان ويطعمان . وبه يقول سفيان ومالك والشافعى وأحمد ،
وقال بعضهم : يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما ، وإن شاءتا قضتا ولا إطعام
عليهما . وبه يقول اسماق .
( باب ما جاء فى الصوم من الميت )
حدثنا أبو سعيد الأشج نا أبو خالد الأحمر عن الأعمش عن سلمة بن، کهيل
ومسلم البطين عن سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد عن ابن عباس قال : جاءت
امرأة إلى النبى معَّل فقالت: إن أختى ماتت وعليها صوم شهرين متتابعين؟
وصوبه الدولانى فى: "الكنى" (١ - ١٤)، وقيل: أبو تميمة . قال ابن
عبد البر: لا يصح، واختلف فى اسمه ، فقيل: هو عمرو بن أمية ، وقيل :
هو أنس بن مالك القشيرى. واختلف فى نسبه، فقيل: الجعدى ، وقيل :
الضمرى، وقيل: القشيرى . أنظر "الإصابة" من الكنى فى أبى أميمة، وحديثه
عند النسائى فى " السنن" (١ - ٣١٥) فى وضع الصيام عن المسافر. والحافظ
فى "الإصابة" عزاء إلى ابن منده وابن أبى خيثمة والدولابى والطبرانى، ولم
بعزه إلى النسائى والله.
ث -: باب ما جاء فى الصوم عن الميت :-
غداً) قد تقدم مباحثه فى (باب ما جاء فى المتصدق يرث صدقته ) فى قوله :
"صومى عنها" فراجعه تجد ما يكفى ويشفى إن شاء الله تعالى. ورواية الأعمش
عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير أخرجه البخارى فى "الصحيح".
٢۵

٣٨٤
معارف السنن
ج -٥
قال : أرأيت لو كان على أختك دين ، أكنت تقضينه؟ قالت : نعم ، قال :
فحق الله أحق)
وفى الباب عن بريدة وابن عمر وعائشة . قال أبوعيسى : حديث ابن
عباس حديث حسن صحيح .
حدثنا أبو كريب نا أبوخالد الأحمر عن الأعمش بهذا الإسناد نحوه . قال
محمد: وقد روی غیر أبىخالد عن الأعمش مثل رواية أبىخالد. قال أبو عيسى :
وروى أبو معاوية وغير واحد هذا الحديث عن الأعمش عن مسلم البطين عن
سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبى مع509َ ولم يذكروا فيه عن سلمة بن كهيل
ولا عن عطاء ولا عن مجاهد
(باب ما جاء فى الكفارة )
حدثنا قتيبة نا عبثر عن أشعث عن محمد عن نافع عن ابن عمر عن النبى
قال: ( من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه مكان كل يوم مسكيناً)).
قال أبو عيسى : حديث ابن عمر لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه .
-: باب ما جاء فى الكفارة :-
حديث الباب حجة الجمهور أبى حنيفة ومالك والشافعى فى عدم النيابة فى
الصوم نفسه عن الميت ، وإنما بصار إلى الفدية بدلاً عن الصوم ، واختلف فيه
رفعاً ووقفاً، والترمذى بصوب وقفه ولا يضر، فإن الوقف فى مثله له حكم
الرفع ، وقد تقدم أثره عند مالك بلفظ : "لا يصوم أحد عن أحد ولا يصلى
أحد عن أحد"، وهو بلاغ عند مالك، ووصله عبد الرزاق فى " مصنفه"
كما تقدم ، والجزم فى حديث الباب بكون محمد هو ابن أبى ليل لا محمد بن

٣٨٥
بحث القئ فى الصوم
والصحيح عن ابن عمر موقوف. قوله: " واختلف أهل العلم فى هذا" فقال
بعضهم : يصام عن الميت ، وبه يقول أحمد واسحاق قالا: إذا كان على الميت
نذر صيام يصام عنه ، وإذا كان عليه قضاء رمضان أطعم عنه ، وقال مالك
وسفيان والشافعى: لا يصوم أحد عن أحد ، وأشعث هو: ابن سوار . ومحمد
هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى .
( باب ما جاء فى الصائم بذرعه القيىء)
حدثنا محمد بن عبيد المحاربى نا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن
عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول اللّه حَخالٍ: ((ثلاث
لا يفطرن الصائم : الحجامة ، والقئ، والاحتلام)).
قال أبو عيسى: حديث أبى سعيد الخدرى غير محفوظ. وقد روى عبدالله
سيرين ، تقدم بيانه بأن للبحث فيه مجالاً ، فإن كان هو ابن سيرين كما وقع
مصرحاً عند ابن ماجه فالحديث صحيح ، وتقدم كل ذلك بما فيه مقنع وكفاية ،
فلا داعية إلى الإعادة
تنبيه : هذان البابان لم يتعرض إليها فى " العرف الشذى"
-: باب ما جاء فى الصائم يذرعه القيى :-
فى ظاهر الرواية لنا : أن الصائم إذا ذرعه القئ لا يفسد صومه ، وإذا
استقاء يفسد. ثم أخذ المصنفون فى تفصيل صور القئ فبلغت اثنى عشرة
صورة ، لأنه لا يخلو إما إن ذرعه القئ أو استقاء؟ وكل منها إما أن يملأ
الفم أو لا؟ وكل من الأربعة إما عاد بنفسه ، أو أعاده ، أو خرج، وأحكامها
مذكورة فى "البحر" وغيره من المبسوطات. قال فى "البحر" بعد الصور

٣٨٦
معارف السنن
ج - ٥
ابن زيد بن أسلم وعبد العزيز بن محمد وغير واحد هذا الحديث عن زيد بن
أسلم مرسلا، ولم يذكروا فيه عن أبى سعيد ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم
يضعف فى الحديث .
الإثنى عشربة: إن صومه لا يفسد على الأصح فى الجميع إلا فى مسألتين فى
الإعادة بشرط ملأ الفم ، وفى الاستقاء بشرط ملأ الفم ، وذكر أن وضوءه
ينتقض إلا فيما إذا لم يملأ الفم ، وأما الصلاة فراجعه للتفصيل . ثم إن الصور
كلها إما أن تكون مع تذكر صومه أو عدم تذكره، فتتفرع إلى أربعة وعشرين .
والفساد فى الصورتين الإعادة والإستقاء بشرط الملأ مع التذكر، كما فى "الدر
المنتفى" حكاه فى " المنحة". ثم إن كون القي غير مفطر وكون الإستقاء مفطر
هو مذهب الأئمة الأربعة. ونقل ابن المنذر الإجماع على كل كما فى "العمدة"
(٥ - ٢٥٧) و "الفتح" (٤ - ١٥١). غير أنه ينقل عن الأوزاعى وعطاء وأبى ثور
القضاء إذا قاء ، ويحكى عن ابن مسعود وابن عباس عدم الإفطار مطلقاً ، وهى
إحدى الروايتين عن مالك . أنظر " العمدة" و "الفتح".
وحديث الباب ضعيف بعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وهو سي الحفظ ،
وأخوه عبد الله بن زيد ثقة، كما قاله الترمذى. وراجع للتفصيل " التهذيب "
من ترجمة : "عبد الله بن زيد"، ولهما أخ آخر: أسامة ضعفوه أيضاً. وقيل:
ثلاثتهم ضعفاء ، وتكلم فى حديث الخدرى الإمام أحمد ومحمد بن يحيى الذهلى
وابن خزيمة والدارقطنى، كما فى "نصب الرأية" (٢ - ٤٤٨)، وراجعه
لمزيد البيان والتحقيق . ومرسل عبد الله بن زيد وغيره يفيدنا فى عدم فساد الصوم
بالحجامة ، ويأتى بيانه فى بابه بعد عدة أبواب .
وحديث: ((إن النبى حَال قاء فأفطر)) رواه الترمذى وبقية السنن والطحاوى

٣٨٧
بحث وجه نسبة أبى داود بـ "السجزى" أو " السجستانى"
سمعت أبا داود السجزى يقول : سألت أحمد بن حنبل عن عبد الرحمن بن
زيد بن أسلم ؟ فقال : أخوه عبد الله بن زيد لا بأس به . وسمعت محمداً يذكر
عن على بن عبد الله قال: عبد الله بن زيد بن أسلم ثقة ، وعبد الرحمن بن زيد بن
أسلم ضعيف . قال محمد : ولا أروى عنه شيئاً .
من حديث أبى الدرداء ، وروى من حديث ثوبان وفضالة بن عبيد أيضاً ، كما
أشار إليه الترمذى فى الباب الذى بعده وكذا أوله، فقيل فى تأويله: لعله كان متطوعاً
فقاء فضعف ثم يقضيه .
قوله : أبا داود السجزى . يريد به أبا داود صاحب "السنن"، والسجزى
نسبة إلى : " سجستان" غير قياسية، ذكره صاحب "القاموس " فى مادة
"سجز" "سجز"، وحكاه السيوطى فى " القوت" عن ابن مأكولا، وصاحب
" القاموس" فيه كسر السين وفتحها، وسمستان معرب: " سيستان"، ويقال
لها : زابلستان، وهى التى ولد بها الشجاع المشهور: "رستم". وما ذكر ابن
خلكان فى : أن سمستان هذه قرية بالبصرة فهو خطأ ، كما يقول المحدث الشاه
عبد العزيز فى " بستانه"، ولكن يقول ابن خلكان فى " تاريخه": هذه النسبة
إلى " سمستان " الإقليم المشهور، وقيل: بل نسبته إلى سمستان أو سمستانة ، قرية
من قرى البصرة ، والله أعلم اهـ .
قال الراقم : وذلك القول حكاه ياقوت فى " معجم البلدان " أيضاً عن
· أبى الفضل المقدسى ومحمد بن أبى نصر وغيرهما ، ثم زيفه بأنه لا يعرف بالبصرة
قرية أو كورة يقال لها: سجستان أو سمستانة: راجع "المعجم" من الجزء الخامس،
ويقال لسيستان : "سكز" أيضاً، وفى النسبة " سكرى"، وسيستان هذه يقال
( م - ٩)

٣٨٨
تعارف السنن
ج - ٥
-
استقاء عمداً )
(باب ما جاء فيمن
حدثنا على بن حجر نا عيسى بن يونس عن هشام بن حسان عن ابن سير ين
عن أبى هريرة أن النبى فَ ﴾ قال: ((من ذرعه القئ فليس عليه قضاء ، ومن
استقاء عمداً فليقض )) .
وفى الباب عن أبى الدرداء وثوبان وفضالة بن عبيد . قال أبوعيسى :
حديث أبى هريرة حديث حسن غريب ، لا نعرفه من حديث هشام عن ابن
سيرين عن أبى هريرة عن النبى عَ لٍ إلا من حديث عيسى بن يونس. وقال
محمد : لا أراه محفوظاً .. قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث من غير وجه
عن أبى هريرة عن النبى عَّ اللّ، ولا يصح إسناده.
وروى عن أبى الدرداء وثوبان وفضالة بن عبيد: ((إن التى عِ لِ قاء
فأفطر)) وإنما معنى هذا الحديث: أن النبى معَّ لّ كان صائماً متطوعاً، فقاء فضعف
فأفطر لذلك . هكذا روى فى بعض الحديث مفسراً. والعمل عند أهل العلم
لها فى العجم : طبرستان ، وإليها نسب الإمام أبو جعفر ابن جرير الطبرى.
وأما الطبرانى فمنسوب إلى قرية بالشام ، كما يقول ابن خلكان فى ترجمة ابن
جرير الطبرى، وفى ترجمة أبى القاسم سليمان الطبرانى صاحب المعاجم الثلاثة.
وفى ترجمه أبى على الحسن بن القاسم الطبرى الفقيه الشافعى .
-: باب ما جاء فى من استقاء عمداً :-
حديث أبى هريرة أخرجه أحمد وبقية السنن وابن حبان والحاكم وصححه
على شرطها ، وابن جارود فى "المنتقى" والدار قطنى وقال: رواته كلهم
ثقات،" حكاه الزيلعى، وله طرق أخرجها الزيلعى فى " نصب الرأية". ومعنى

٣٨٩
حديث أكل الصائم ناسياً
على حديث أبى هريرة عن النبى و39: ((إن الصائم إذا ذرعه القئ فلا قضاء
عليه، وإذا استقاء عمداً فليقض)). وبه يقول الشافعى وسفيان الثورى وأحمد
واسحاق .
( باب ما جاء فى الصائم بأكل أو شرب ناسياً )
حدثنا أبو سعيد الأشج نا أبو خالد الأحمر عن حجاج عن قتادة عن ابن
سيرين عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه عَلالي: ((من أكل أو شرب ناسياً
فلا يفطر ، فإنما هو رزق رزقه الله)).
حدثنا أبو سعيد نا أبو أسامة عن عوف عن ابن سيرين وخلاس عن أبى هريرة
عن النبىِ حَ ﴾ مثله، أو نحوه.
وفى الباب عن أبى سعيد وأم اسحاق الغنوية . قال أبو عيسى : حديث
"ذرعه ": غلبه ، وبه قيد البيهفى حديث عبد الله بن زيد بن أسلم جمعاً بين
الأخبار كما فى "نصب الرأية"، وتقدم ما يتعلق به من أبحاث.
تنبيه : هذا الباب لم يتعرض إليه فى " العرف الشذى"
-: باب ما جاء فى الصائم يأكل ويشرب ناسياً :-
قال أبو حنيفة والشافعى وأحمد : إذا أكل الصائم ناسياً أو شرب فضومه
باق لا يفطر ، وبه قال مالك فى صوم النفل ، وقال فى الفرض : عليه القضاء،
فعدم الإفطار هو مذهب كافة فقهاء الأمصار ما عدا مالك ، قال ابن العربى :
تمسك جميع فقهاء الأمضار بظاهر حديث الباب ، وتطلع مالك إلى المسألة من
طريقها فأشرف عليه لأن الفطر ضد الصوم والإمساك ركن الصوم فأشبه ما لونسى

٣٩٠
معارف السنن
ج - ٥
أبى هريرة حديث حسن صحيح. والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم . وبه
يقول سفيان الثورى والشافعى وأحمد واسحاق . وقال مالك بن أنس : إذا أكل
فی رمضان ناسياً فعليه القضاء ، والأول أصح
ركعة الصلاة الخ .
وحمل الحديث ابن شعبان وابن القصار من المالكية على صوم التطوع، وابن
المهلب والقرطبى منهم على رفع الإثم ، وإنه لم يذكر فيه إثبات القضاء فيحمل
على سقوط الكفارة. قال الحافظ فى "الفتح" (٤ - ١٣٥): والجواب عن
. . بلفظ :
ذلك كله بما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدار قطنى
من أفطر فى شهر رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة اهـ. قال الراقم :
ولا يخفى عدم اعتبار التطلع والإشراف أمام النص الصريح الصحيح الغير
المحتمل للتأويل .
وفى كتبنا : أن من رآى صائماً بأكل ناسياً إن رآى قوة تمكنه أن يتم
صومة بلا ضعف المختار أنه يكره أن لا يخبره ، وإن كان بحال يضعف بالصوم
ولو أكل يتقوى على سائر الطاعات يسعه أن لا يخبره ، قاله ابن الحمام فى
"الفتح" فى أوائل ( باب ما يوجب القضاء والكفارة )، وراجع " منحة
الخالق" لبعض التفاصيل. وروى: ((أن إنساناً جاء إلى أبى هريرة فقال :
أصبحت صائماً فنسيت فطعمت؟ قال : لا بأس ، قال : ثم دخلت على إنسان
فنسيت وطعمت وشربت ؟ قال: لا بأس ، أللّه أطعمك وسقاك، ثم قال :
دخلت على آخر فنسيت فطعمت؟ فقال أبو هريرة: أنت إنسان لم تتعود الصيام)).
رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن دينار ، ذكره الحافظ فى "الفتح"
( ٤ - ١٣٦) قال : ومن المستطرفات ما رواه عبد الرزاق الخ .

٣٩١
تعمد الإفطار وكفارته
( باب ما جاء فى الافطار متعمداً )
حدثنا بندار نا يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدى قالانا سفيان عن
حبيب بن أبى ثابت نا أبوالمطوس عن أبيه عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه فَتجاجٍ:
-: باب ما جاء فى الإفطار متعمداً :-
موضوع ترجمة الترمذى وحديث الباب زجر تارك صوم رمضان ، فإليك
استيفاء شرحه محرراً فأقول : إن من أفطر عمداً وترك صوماً من رمضان فيجب
عليه القضاء عند الأئمة الأربعة وجمهرة الأمة وكافة الفقهاء ، وبالقضاء يفرغ
ذمته عن الفريضة وإن فاتته الفضيلة ، ويروى عن على وابن مسعود وأبى هريرة
على أنه لا قضاء عليه لأنه يفرغ به ذمته ، ولعل البخارى أيضاً اختاره كما
يستفاد من صنيعه فى "صحيحه" . وحجتهم حديث أبى هريرة فى الباب، وفيه
مغامز فقد أخرجه الترمذى وبقية أصحاب السنن من طرق ، ومدارها على أبى
المطوس وهو مجهول ، وفيه الاختلاف على سفيان وشعبة فى ابن المطوس وأبى
المطوس ، وفيه الاختلاف على حبيب بن أبى ثابت فى روايته عن أبى المطوس
بواسطة أو بغير واسطة ؟ ثم الإختلاف فى رواية أبى المطوس عن أبى هريرة
بواسطة أبيه أو من غير واسطة ؟ ثم الشك فى سماع أبيه عن أبى هريرة ؟ فهذه
خمسة وجوه يكفى بعضها لضعف الحديث . نعم إن الخامس على طريق البخارى
فى اشتراط اللقاء وعدم كفاية المعاصرة ، فهو ألزم على البخارى منه على غيره،
فإذن لا عبرة بتصحيح ابن خزيمة بعد ثبوت هذه العلل حيث رواه صححه من
طريق سفيان وشعبة عن حبيب بن أبى ثابت عن عمارة بن عمير عن أبى المطوس
عن أبيه عن أبى هريرة ، وما يقوله الترمذى : لا نعرفه إلا من هذا الوجه ففيه
ما يقوله الحافظ العراقى: إنه رواه الدارقطنى من غير طريق أنى المطوس ، ولكنه

٣٩٢.
معارف السنن
ج -٥
ومن أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة ولاء رض لم يقض عنه صوم الدهر
کله وإن صامه
قال أبو عيسى: حديث أبى هريرة حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
لا ينفع فإن فيه عمار بن مطر وهو ضعيف أيضاً لا يصلح للمتابعة . نعم روی
موقوفاً على أبى هريرة من غير طريق أبى المطوس عند النسائى بإسناد صالح .
وبالجملة كافة الفقهاء وجمهور العلماء لم يقولوا بعدم القضاء بظاهر حديث
الباب، وإنما هده عندهم: أن الثواب التى فاته بعدم الصوم فى رمضان لا يمكن
أن بدر که طول عمره بالصيام فى غير رمضان وإن كانت نفس ذمته تفرغ بنفس
القضاء، وبه حمله ابن المنير المالكى كما فى "فتح البارى" وأبو الحسن الطيبى
فى شرح " المشكاة" . ويقول الراقم: ويحتمل أن يقال فى معناه : أن الإثم لهذا
التقصير لا يرفع بنفس القضاء وإن كان أصل الفرض يسقط فى الدنيا بالقضاء،
فهناك شيئان: بدل الأفطار والإثم ، فالأول يرفع بالصيام ، والثانى بالتوبة، أو
يقال بالتفويض فيه إلى الله سبحانه فى الآخرة إن شاء عذبه بهذا التأخير وإن شاء
غفر له ، لا أنه لا قضاء عليه أصلاً، وهذا أقرب نظراً إلى الآثار المروية عن
ابن مسعود وأبى هريرة وعلى والله أعلم. وراجع لتفصيل بعض الأطراف :
"العمدة" (٥ - ٢٤٢ و٢٤٣) و " الفتح" (٤ - ١٣٩) و " شرح
المهذب" (٦ - ٣٢٩ ).
ثم إنه قال أبو حنيفة ومالك : إن الأكل والشرب عمداً يوجبان الكفارة
كالجماع. وقال الشافعى وأحمد: تختص الكفارة بالجماع ، والمذاهب كذلك
ذكرها ابن رشد فى "قواعده"، ومذهب أبى حنيفة هو مذهب الثورى أيضاً،
ومذهب الشافعى وأحمد هو مذهب الظاهرية . قال ابن رشد : والسبب فى

٣٩٣
بحث وجوب القضاء على من لم يصم
وسمعت محمداً يقول: أبو المطوس اسمه : يزيد بن المطوس ، ولا أعرف له غير
هذا الحديث
اختلافهم: اختلافهم فى جواز قياس المفطر بالأكل والشرب على المفطر بالجماع أن
شبههما واحد، وهو انتهاك حرمة الصوم جعل حكمها واحداً ومن رآى أنه وإن كانت
الكفارة عقاباً لانتهاك الحرمة فإنها أشد مناسبةً جماع منها لغيره ، وذلك أن العقاب
المقصود به الردع، والعقاب الأكبر قد يوضع لما إليه النفس أميل وهو لها أغلب
من الجنابات إلی آخر ما قال . ويقول البخاری - کما يستفاد من سباق كلامه فى
(باب إذا جامع فى رمضان) -: لا قضاء ولا كفارة فى الأكل والشرب عمداً ،
ويتمسك بحديث الباب بأنه لا يجب عليه شئ فى الدنيا وأمره إلى الله .
قال الشيخ : والحديث محمول عند جمهرة الأمة على أنه لا يستدرك فضل
رمضان ولا يحرز أجره بالقضاء، لا أنه لا يقضى أصلاً. قال : وتفقه البخارى
فى المسألة: بأن الكفارة ليست بدلاً عن الجناية حتى تتعدى إلى غير الجماع ،
بل هى عتاب وزجر من الشارع ، ومن المعلوم الجماع فيه من جماع النفس
وانقيادها للبهيمة ما ليس فى الأكل والشرب . ويقول داود الظاهرى بعدم
القضاء على تارك الصلاة عمداً، ويقول: إنما القضاء على من تركها ناسياً ،
وإليه ذهب ابن تيمية ، ولم يذهب إليه أحد من الأئمة الأربعة . وتمسك داود
وأتباعه بدليل الخطاب أى المفهوم المخالف فى حديث أنس فى " الصحيحين" :
( من نسى صلاة فليصلها إذا ذكرها)»، والتمسك بالمفهوم ضعيف عنيد
الجمهور، والشافعية أيضاً فيدوا القول به بشروط ، ولذا لم يقولوا به هنا .
راجع "العمدة" ( ٢ - ٦٠٨ )، فإن قيل: القياس لا يثبت به الحدود فكيف
أثبتم به الكفارة فى الأكل والشرب والكفارة من الحدود ؟ قال شيخنا : قلت :

٣٩٤
معارف السنن
ج -٥
أما أولاً: فإنا لم نثبت الكفارة فيهما بالقياس، وإنما أثبتناها بتنقيح المناط،
وتنقيح المناظ غير القياس ، وقد صرح :، غير واحد من الأعلام ، ولذا يقول
الظاهرية بتنقيح المناط مع إنكارهم عن القياس ، وكذلك صرح بالفرق بينهما
ابن تيمية فى " فتاواه"، وقد فصلنا القول فيه تفصيلاً فى حديث: « تحريمها
التكبير )) فى أوائل أبواب الطهارة .
ت
وأما ثانياً : فليس المراد بالحدود التى لا تثبت بالقياس بمعنى الزواجر
الشرعية، وإنما المراد بها الحدود الشرعية التى تكون فاصلةً فى الشيئين المتجانسين،
ويدل على ذلك بعض فروعهم فى الفقه ، فمنها قول شمس الأئمة الحلوانى فى
تفسير العمل الكثير: بأن الأقرب إلى مذهب أبى حنيفة التفويض إلى رأى المصلى
والمبتلى به، فما استكثره فكثير وإلا فلا. والأقوال فيه خمسة ذكرها ابن الهمام
وابن نجيم وابن عابدين وغيرهم ، وصرحوا بأنه لم ينقل فيه عن الإمام شئ ،
ولذا كثرت فيه أقوالهم . قال صاحب " البحر": ولقد صدق صاحب
"الفتاوى الظهيرية" حيث قال فى الفصل الثالث فى قراءة القرآن: إن كل ما
لم يرو عن أبى حنيفة فيه قول بقى كذلك مضطرباً إلى يوم القيامة ، كما حكى عن
أنى يوسف أنه كان يضطرب فى بعض المسائل ، وكان يقول : كل مسألة ليس
لشيخنا فيه قول فنحن فيها هكذا اهـ. ومنها ما يقوله فى مسألة تعيين أجل
السلم: أن الأشبه بمذهب أبى حنيفة ما عينه رب المال والمشترى بالتراضى بينهما .
قال الشيخ: جاز السلم على أجل ثلاثة أيام أيضاً . أقول: والقولان هذان من
جملة الأقوال المذكورة فى " الفتح" و"البحر"، والقول بثلاثة أيام منقول عن
أحد شيوخ الطحاوى القاضى ابن أبى عمران . ومنها : ما يقوله فى تعريف
اللقطة: بأن مدة تعريفها مفوضة إلى رأى المتبلى بها ، كما ذكره فى "الهداية"،
وعزاه ابن الهمام فى " الفتح" إلى السرخسى.
فبالجملة المراد بالحدود الشرعية هذه الحدود دون الحدود بمعنى الزواجر

٣٫٩٥
حديث الكفارة لمن أفطر فى رمضان وبيان المذاهب
( باب ما جاء فى كفارة الفطر فى رمضان )
حدثنا نصر بن على الجهضمى وأبو عمار - المعنى واحد واللفظ لفظ أبى عمار.
قالا نا سفيان بن عيينة عن الزهرى عن حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة قال :
(( أتاه رجل فقال: يا رسول الله هلكت؟ قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت
-: باب ما جاء فى بكفارة الفطر فى رمضان :-
قوله : أتاه رجل . اختلف فى تعيينه، فقيل: هو أوس بن الصامت صاحب
واقعة الظهار فى رمضان ، فتكون قصة حديث الباب وقصة الظهار واحدة .
وقيل : هو سلمة بن صفر ، وواقعة حديث الباب غير واقعة الظهار ، وهو
الصواب . وقصة أوس فى الظهار عند أحمد وأبى داود وغيره ، ووقع عند
الترمذى فى الظهار: سلمان بن صخر ، أو سلمة بن صخر البياضى ، ولم يقع فى
شئ من روايات كفارة الصيام تسمية الرجل ، ثم جزم عبد الغنى فى "المبهات"
وتبعه ابن بشكوال بأنه : سلمان ، أو سلمة بن صخر البياضى ، كما فى "الفتح"
و "العمدة". ورجح الحافظان تعدد الواقعة ، وراجعهما لمزيد البيان.
ثم اختلفوا فى حكم حديث الباب ، فقال الثلاثة والجمهور: بوجوب
الترتيب فى الخصال الثلاثة وفق حديث الباب ، وقال مالك : بالتخيير بينها ،
وهى رواية عن أحمد كما فى " المغنى"، حكاه العينى، وعن ابن أبى ليلى: التخيير
بين العتق والصيام ولا سبيل إلى الإطعام إلا عند العجز عنها ، وإليه ذهب ابن
جرير كما فى "العمدة" (٥ - ٢٤٩). ووقع فى " المدونة": ولا يعرف
مالك غير الإطعام ، ولا يأخذ بعتق ولا صيام. قال ابن دقيق العيد : وهى
(م - ١٠)

٣٩٦
معارف السنن
ج -٥
على امرأفى فى رمضان، قال: هل تستطيع أن تعتق رقبة؟ قال: لا، قال : فهل
تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا ، قال: فهل تستطيع أن تطعم ستين
مسكيناً؟ قال: لا، قال: اجلس، فجلس، فأتى النبي صَّ ل﴾ بعرق فيه تمر،
- والعرق : المكتل الضخم - قال: فتصدق به ، فقال: ما بين لابتيها أحد
أفقر منا، قال: فضحك النبىِ عَّ حتى بدت أنيابه، قال: خذه فأطعمه
:أهلك )).
وفى الباب عن ابن عمر وعائشة وعبد الله بن عمرو. قال أبو عيسى :
حديث أبى هريرة حديث حسن صحيح. والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم
فى من أفطر فى رمضان متمعداً من جماع ، وأما من أفطر متعمداً من أكل أو شرب
فإن أهل العلم قد اختلفوا فى ذلك. فقال بعضهم: عليه القضاء والكفارة ، وشبهوا
الأكل والشرب بالجماع ، وهو قول سفيان الثورى وابن المبارك واسحاق: وقال
معضلة لا يهتدى إلى توجيهها مع مصادمة الحديث الثابت ، غير أن بعض
المحققين من أصحابه حل هذا اللفظ وتأوله على الاستحباب فى تقديم الطعام على
غيره من الفحصال الخ - حكاه البدر العينى فى "العمدة" (٥ - ٢٥٥). وتعجب
المحدثون من قول مالك مع وجود نص صريح فى الباب. قال الشيخ : يمكن أن
يقال : إن الترتيب وقع فى الذكر دون الحكم ، فلا يلزم خلاف النص أصلاً.
وراجع التفصيل " العمدة" (٥ - ٢٥٥) و " الفتح" (٤ - ١٤٥). ويستفاد
مما ذكرا أن مالكاً وابن جريج وفليح بن سليمان وعمر بن عثمان رووا التخيير فى
روايتهم ، والذين رووا الترتيب عن الزهرى ثلاثون نفساً أو أكثر .
قوله : شهرين متتابعين. وقع فى رواية: ((وهل لقيت ما لقيت إلا من
الصيام))، وهى رواية محمد بن اسماق عن الزهرى كما فى "العمدة" و"الفتح"،
رواها البزار كما فى "التلخيص". ويؤيده ما فى حديث سلمة بن صخر عند

٣٩٧٠
ـشو
بحث من أفطر فى رمضان ووجوب الكفارة
بعضهم: عليه القضاء ولا كفارة عليه، لأنه إنما ذكر عن النى مح له الكفارة فى
الجماع ولم يذكر عنه فى الأكل والشرب، وقالوا : لا يشبه الأكل والشرب
الجماع، وهو قول الشافعى وأحمد. وقال الشافعى: وقول التى حَ الم للرجل
الذى أفطر فتصدق عليه: " خذه فأطعمه أهلك" يحتمل هذا معانى، يحتمل
أن تكون الكفارة على من قدر عليها، وهذا رجل لم يقدر على الكفارة، فلما
أعطاه النبى بِّله شيئاً وملكه قال الرجل: ما أحد أفقر إليه منا، فقال النبى
2 °9: خذه فأطعمه أهلك، لأن الكفارة إنما تكون بعد الفضل عن قوته.
واختار الشافعى لمن كان على مثل هذا الحال أن يأكله وتكون الكفارة
عليه ديناً ، فمتى ما ملك يوماً ما كفر .
أبى داود فى المظاهر زوجته: ((وهل أصبت الذى أصبت إلا من الصيام)»،
فاقتضت أن عدم استطاعته الصيام لشدة شبقة وعدم صبره عن الوقاع ، وهل
یکون ذلك عذراً؟ قال الشيخ : فالصحیح عند الشافعية أن ذلك عذر ، وليس
بعذر عند الحنفية ، ولم يجب الجنفية عن هذا الإشكال . قال: يحمل هذا على
خصوصية هذا الرجل . قال: وأخذت هذا من أن كل فريق من الحنفية والشافعية
مضطرون إلى دعوى الخصوصية ، فاضطر الشافعية إليها فى إجزاء الكفارة بأداء
الطعام إلى أهله فى وجه عندهم خصوصيةً لذلك الرجل ، ولا تتأدى الكفارة
بمثل هذا عند بعضهم ، وإن الكفارة دين على ذمته يؤخر إلى حين مقدرته .
ووقع عند أبى داود - فى كتاب الصيام فى كفارة من أنى أهله فى رمضان -
والدار قطنى: وزاد الزهرى إنما كان هذا رخصة له خاصة الخ . فإذا جاز لهم
ادعاء الخصوصية فى مسألة جاز لنا ادعاؤها فى مسألة أخرى ، وهى العدول عن
الصيام إلى الإطعام لشدة شبقه وعدم صبره عن الجماع. نعم إن ادعاء الخصوصية
ليس له ضابطة معينة ، وإنما يعرف ذلك بالذوق السليم ، ومن الخصوصية

٣٩٨
معارف السنن
ج -٥
( باب ما جاء فى السواك للصائم )
جدڤنا محمود بن بشارنا عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان عن عاصم بن عبيد الله
عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال: ((رأيت النبى حَ لّ ما لا أحصى
يتسوك وهو صائم)) .
وفى الباب عن عائشة . قال أبو عيسى : حديث عامر بن ربيعة حديث
جواز تضحية أبى بردة بن نيار بالجذع حين أمره النبى معَّ له، وقال: ((ولا تجزئ
عن أحد بعدك)) رواه البخارى فى "صحيحه" فى الأضاحى من حديث البراء،
وعند مسلم فى حديث عقبة بن عامر: ((إن رسول اللّه ◌َ الّ أعطاه غنماً يقسمها
على أصحابه ضحايا فبقى عتود فذكره لرسول اللّه عَلٍّ فقال: ضحَ به أنت)).
قال فى "التلخيص" (ص ١٩٦ ): قال الإمام : وكثيراً ما كان يفعل ذلك
رسول اللّه عَلٍَّ كما فى الأضحية وإرضاع الكبير ونحوهما، ومراده بالأضحية قصة
أبى بردة بن نيار، وبإرضاع الكبير قصة سالم مولى أبي حذيفة ، وهى فى "صحيح
مسلم" عن عائشة آهـ .
تنبيه : حديث المجامع فى رمضان قد أفرده بعض المتأخرين بالتأليف ،
فتكلم عليه فى مجلدين جمع فيها ألف فائدة وفائدة ، كما فى " الفتح"، وتجد
معظم مباحثه وفوائده فى " الفتح" و " العمدة" .
-: باب ما جاء فى السواك للصام
الأقوال فى استباك الصائم ستة:
الأول : أنه يستحب السواك بعد الزوال أيضاً للصائم كما هو قبل الزوال
من غیر فرق ، وهو قول أبى حنيفة وأصحابه والثورى والأوزاعى ، ورواية عن

٣٩٩
بيان المذاهب فى السواك للصائم
حسن ، والعمل على هذا عند أهل العلم : لا يرون بالسواك للصائم بأساً ، إلا
أن بعض أهل العلم كرهوا السواك للصائم بالعود الرطب ، وكرهوا له السواك
آخر النهار .
أحمد كما فى "المغنى"، وبه قال المزنى وأكثر العلماء، كما فى "شرح المهذب".
قال : وهو المختار. وحديث الباب حجة لأبى حنيفة ، واختاره البخارى .
والثانى : أنه يكره بعد الزوال ، وهو قول الشافعى ، ولم يدل حديث
صحيح على كراهته بعد الزوال . وروى فيه أحاديث ضعاف أخرجها الزيلعى
والعينى وغيرهما .
والثالث : كراهة الرطب دون اليابس من غير فرق بين أول النهار
وآخره ، وإليه ذهب مالك كما فى " العمدة ".
والرابع: التفرقة بين صوم الفرض والنفل ، فيكره فى الفرض دون
النفل ، حكى ذلك عن أحمد وعن القاضى حسين من الشافعية .
والخامس : الكراهة بعد العصر فقط ، ويروى عن أبى هريرة .
والسادس : كراهة الرطب بعد الزوال ، وروى عن أحمد .
وحديث: ((لخلوف فم الصائم أطيب الخ)) لا يدل على النهى عن السواك،
وإنما هو ترغيب إلى الصيام وفضل مخصوص للصائم . والحديث رواه الشيخان
من حديث أبى هريرة . والخلوف - بالضم - : تغير رائحة الفم ، وبابه نصر ،
وفى معناه : أخلف يخلف من الإفعال ، وذكر البدر العينى فى " العمدة"
(٥ - ٢٣٢): إنما مدح النبي عّ لّ الخلوف نهياً للناس عن تعزز مكالمة
الصائمين بسبب الخلوف لا نهياً للصوام عن السواك واللّه غنى عن وصول الرائحة
الطيبة إليه ، فعلمنا يقيناً أنه لم يرد بالنهى استبقاء الرائحة وإنما أراد نهى الناس

٤٠٠
معارف السنن
ج ـ-٥
ولم ير الشافعى بالسواك بأساً أول النهار وآخره . وكره أحمد واسماق
السواك آخر النهار .
( باب ما جاء فى الكحل للصائم )
حدثنا عبد الأعلى بن وصل فا الحسن بن عطية نا أبو عاتكة عن أنس بن
عن كراهتها اهـ . وقال ابن الحمام: وأما المعنى فلا يستلزم كراهة الاستياك لأنه
بناءً على أن السواك يزيل الخلوف وهو غير مسلم بل إنما يزيل أثره الظاهر على
ألسن من الإصفرار ، وهذا لأن سفيه خلو المعدة من الطعام والسواك لا يفيد
شغلها بطعام يرتفع السبب آه .
قوله : ولم ير الشافعى بالسواك بأساً، هذا خلاف ما فى عامة كتب الشافعية
حيث فيها كراهية السواك بعد الزوال ، ولعل ما ذكره الترمذى رواية عن
الشافعى. قال النووى فى "شرح المهذب" (١ - ٢٧٦) بعد نقل قول الترمذى:
وهذا النقل غريب وإن كان قوياً من حيث الدليل ، وبه قال المزنى وأكثر
العلماء ، وهو المختار .
اعلم : إن حديث عامر بن ربيعة حسنه الترمذى، ومداره على عاصم
ابن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوى المدنى ، ضعفه الجمهور ،
ولكن قال العجل : لا بأس به . قال المزى: وهو أحسن ما قيل فيه. وقال
ابن عدي: وهو مع ضعفه يكتب حديثه ، وشعبة والثورى يرويان عنه ، ولذا
أخرجه ابن خزيمة في " صحيحه" .
-: باب ما جاء فى الكحل للصائم :-
لا بأس لكحل للصائم وإن ظهر أثره فى البزاق، كما فى " فتح القدير"
وغيره. قال فى "الفتح": ولو اكتحل لم يفطر سواء وجد طعمه فى حلقه