Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
- بيان المذاهب فى وجوب صدقة الفطر
فتكلم ، فكان فيما كلم به الناس : أنى لأرى مدين من سمراء الشام تعدل صاعاً
من ثمر ، قال : فأخذ الناس بذلك. قال أبو سعيد : فلا أزال أخرجه كما
كنت أخرجه ».
فى " قواعده" بتلخيص على دأبه، وتلخص الخلافيات فى الخلاف فى الكيفية
والكمية والشرط والسبب والركن والوقت .
فأول الخلافيات هو الإختلاف فى كيفيتها ، وهى حكمها على أقوال
أربعة : ففرض عند مالك والشافعى وأحمد ، وواجبة عند أبى حنيفة، وسنة فى.
رواية عن مالك وعند طائفة من الحنفية ، وقيل : مندوبة ، كانت واجبة ثم
نسخت ، راجع "العمدة" ( ٤ - ٤٦٢ ).
أما الأول: فتجب على الحرّ المسلم المالك النصاب ولو كان غير نامٍ عندنا .
وقال الشافعى : تجب على من عنده فضل عن قوته وقوت من عليه نفقته ليلة
العيد ويومه . وهذا هو الذى ذكره الرافعى والنووى فى قدر اليسار للفطرة ،
وإليه ذهب مالك وأحمد كما فى " شرح المهذب" (٦ - ١١٣). واحتج
الحنفية بحديث: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)) رواه البخارى من حديث
أبى هريرة ، ومن حديث حكيم بن حزام كلاهما فى ( باب لا صدقة إلا عن
ظهر غنى) من كتاب الزكاة . ورواه مسلم من حكيم وحده ، أى يبقى المتصدق
غنياً بعد صدقته . قال الشيخ : هذا استدلال بالعموم ، والأحاديث الخاصة
لا تدل على اشتراط النصاب للأخية وصدقة الفطر .
قال الشيخ: وغاية ما يستدل لنا أن يقال : أن الشريعة سمتها : زكاةً ،
وروى خارج الصحاح أن قوله تعالى : ( قد أفلح من تزكى ) فى صدقة الفطر،
وقوله: ( وفكر اسم ربه فصلى ) فى صلاة العيد، والرواية مرضلة قوية. يريد

٣٠٢
معارف السنن
ج - ٥
قال أبوعيسى: هذا حديث حسن صحيح . والعمل على هذا عند بعض
أهل العلم: يرون من كل شئ صاعاً، وهو قول الشافعى وأحمد واسحاق .
به الشيخ مرسل أبى العالية ، أخرج عبد بن حميد والبيهقى عن أبى العالية رضى الله
عنه فى قوله : ( قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى ) قال : نزلت فى
صدقة الفطر، تزكى ثم تصلى ، أخرجه السيوطى فى "الدر المنثور"، وقد أخرجه
مرفوعاً من حديث عمرو بن عوف وأبى سعيد الخدرى، وموقوفاً عن ابن عمر وواثلة
ابن الأسقع ، ومقطوعاً عن عطاء وابن سيرين والنخعى ، فراجعه . قال فى
"الفتح" (٣ - ٢٩١): وثبت أنها نزلت فى زكاة الفطر اهـ. يريد قوله :
( قد أفلح من تزكى ) وراجعه من (٣ - ٢٩٧). وورد تلقيبها بـ " زكاة
الفطر" فی حدیث الباب وغيره من الأحاديث ، و ورد فی حدیث ابن عباس
عند أبى داؤد قال: ((فرض رسول اللّه عَّه﴾ زكاة الفطر طهرةً للصيام من اللغو
والرفث الخ )، وسنده حسن ، قاله النووى فى " شرح المهذب"، ولما كان
الصيام زكاة الجسد فإذن يمكن لنا أن نقول : أن الزكاة المعروفة زكاة الأموال
وهذه زكاة الأبدان ، فإذا كانت زكاة وجب فيها ما يجب لغيرها من الزكاة من
اشتراط النصاب ، ويشير إليه ما ذكره علماؤنا من أن عبيد التجارة فيها زكاة
لا صدقة الفطر ، قال عطاء والنخعى والثورى والحنفيون : إذا كان - العبيد -
للتجارة لا يلزمه فطرته، خلافاً لمالك والليث والشافعى وغيرهم، كما فى "العمدة"
(٤ - ٤٦٣). واستدل صاحب "البحر" بقوله: لأنه يؤدى إلى تعدد الوجوب
المالى فى مال واحد الخ . ويشير إليه ما فى حديث ذكره فى " فتح البارى":
«أمرنا رسول بَّجُ بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا
ولم ينهانا ونحن نفعله)»، قاله فى (٣ - ٢٩١ ) من حديث قيس بن سعد بن
عبادة ، وعزاه إلى النسائى ، وذكر : أن فى إسناده راوياً مجهولاً، وعزاه فى

٣٠٣
بيان من تجب عنه الصدقة
وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي صَ لّ وغيرهم: من كل شئ صاع إلا
من البر، فإنه يجزئ نصف صاع، وهو قول سفيان الثورى وابن المبارك وأهل
الكوفة : برون نصف صاع من بر .
"العمدة" إليه وإلى ابن ماجه وإلى الحاكم، ثم أخرجه من " مستدرك الحاكم "
من طريق آخر، وصححه على شرطهما . فالصحابى يشير إلى المعادلة بين الزكاة
وبينها، والحافظ أعله فى موضع وقواه فى موضع آخر .
وعلى كل حال ينبغى أن يضحى ويؤدى صدقة الفطر كل من تيسر له وإن
لم یکن له نصاب فاضل .
وأما الثانى: أى عمن تجب؟ فقال أبو حنيفة: تجب عليه عن أولاده الصغار
و عبیده للخدمة وإن كانوا كافرين ، کما یأتی بیان المذاهب والتحقيق فيه قريباً
آخر الباب ، واختاره البخارى كما يستفاد من تبويبه فى الصحيح ، فإنه بوّب
أولاً فقال : (باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين ) ، ثم ذكر
باباً آخر فقال: (باب صدقة الفطر على الحرّ والمملوك )، فلم يقيده بكونه من
المسلمين ، وتحيروا من تبويبه مرتين ، فقال ابن المنير المالكى - كما حكاه الحافظ
فى "الفتح" (٣ - ٢٩٨) -: أن غرضه من الترجمة الأولى: أن الصدقة
لا تخرج عن كافر، ولذا قيده بقوله: " من المسلمين"، وغرضه من هذه
تمييز من تجب عليه الخ . وقال ابن رشيد صاحب تراجم البخارى - كما فى
"الفتح" -: أراد تقوية معارضة العموم فى قوله: " والمملوك" لمفهوم قوله:
" من المسلمين"، أو أراد أن زكاة العبد من حيث هو مال لا من حيث هو
نفس ، وعلى كل تقدير فيستوى فى ذلك مسلمهم وكافرهم . وبالجملة فاعترف
ابن رشيد باختياره مذهب أبى حنيفة فى المسألة ، وهو قول شيخ البخارى اسحاق
٢٠

٣٠٤
معارف السنن
ج - ٥
حدثنا عقبة بن مكرم البصرى نا سالم بن نوح عن ابن جريج عن عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده: ((إن النبي ◌ُّ ل بعث منادياً فى فجاج مكة: ألا إن
صدقة الفطر واجبة على كل مسلم، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، صغير أو كبير ،
این راهویه ، ولا ییعد أنه ذهب فیھا إلی قول شیخه. و توجیه ابن رشید أقرب
عند شيخنا وأصوب من توجيه ابن المنير .
وأما الثالث : أى كم تجب ؟ فصاع فى بعض الأشياء ، ونصفه فى بعض
عند أبى حنيفة ، وعند الشافعى صاع من كل شىء ، ويأتى تفصيله قريباً .
وأما الرابع : أى مم تجب ؟ فتجب من الحنطة ، أو الشعير، أو الأقط ،
أو قيمتها عندنا . والخلاف فى الأجناس التى تخرج منها الصدقة طويل ، وفى
نفس مذهب الشافعى فيه خلاف مدهش، راجع له " شرح المهذب" (٦ -
١٢٩ وما بعدها ). ومن المنصوص: الشعير، والتمر، والزبيب، والأقط ،
وقاسوا عليها الأقوات وما هو غالب قوت البلد ، وخص بعضهم بما يعشر من
الجب، وما إلى ذلك من تفصيلات ليس هذا موضع إنجازها، وراجع "العمدة"
( ٤ - ٤٦٨ ) و "البداية" لإبن رشد.
وأما الخامس: أى منى تجب ؟ فعند أبى حنيفة بعد طلوع الفجر يوم العيد ،
وعند الشافعى بعد غروب الشمس من آخر يوم من رمضان ، كما سبق .
قوله : على كل مسلم الخ . إن كان المراد به ذكر من تجب عليه الصدقة
فالحديث لا يخالفنا ، وإن كان ذكر عمن تجب فيخالفنا ، والظاهر أنه أراد فى.
الحديث: " من تجب عليه" فى قوله: ((على كل مسلم))، وقوله: "عبد الخ"
فيه ذكر " عمن تجب" والله أعلم.

٣٠٥
بيان المذاهب فى صدقة الفطر
مدان من قمح ، أو سواه صاع من طعام )) .
قوله : مدان من قمح ، أو سواه صاع من طعام .
وبهذا قال أبو حنيفة : نصف صاع من القمح - أى الحنطة - ، وصاع من
التمر والشعير . وقال الشافعى: صاع من كل شىء فى صدقة الفطر. ومذهب
مالك وأحمد وإسحاق مثل مذهب الشافعى فى تقديره بالصاع فى البر . وقال
الأوزاعى : مدين من قمح بمد أهل بلده . وقال الليث : مدين منه بمد هشام،
كما فى "العمدة"، وذهب فى كفارة اليمين إلى مدين من كل شىء، كذا فى
"الغرف الشذى"، والمذكور فى " مختصر المزفى" وغيره من كتب الشافعية :
المد من غالب قوت البلد لكل مسكين ، وكذا قالوا بالمد من كفارة الظهار ،
وإليه ذهب مالك وأحمد . ثم رأيت فى "الهدى" لابن القيم ذكر مذهب الشافعى
فى نفقة المرأة على الزوج: مداً إذا كان معسراً، ومدين إذا كان مؤسراً ، ومداً
ونصف مد إذا كان متوسطاً واختلفت الرواية عن أبى حنيفة فى الزبيب ،
والمشهورة : نصف صاع ، والشاذة : صاع، وذكر العينى فى " العمدة":
أن الأولى هى رواية محمد عن أبى يوسف عن أبى حنيفة ، وهى رواية " الجامع
الصغير"، والثانية رواية الحسن عنه. أما الشاذة فقد مجمحها البهنسى، كما فى
" الدر المختار"، وقال ابن عابدين: حكى تصحيحها البهنسى، وليس هو من
أصحاب التصحيح ، وصححها أبو اليسر اليزدوى ، كما حكاه صاحب "البحر"،
ورجحها ابن الحمام من جهة الدليل . وفى " الحقائق" و "الشرنبلالية" عن
" البرهان": وبه يفتى، كما فى " الدر المختار".
قال الشيخ: والأولى عندى أن يجمع بين روايتى الإمام بحمل الاختلاف
( ٢ - ٣٩)

٣٠٦
معارف السنن
ج - .
على اختلاف القيمة . وبالجملة الخلاف بيننا وبين الشافعى فى الحنطة ، وبقية
الأجناس المذكورة فى حديث الباب وفاقية، ودليل الشافعى هو حديث أبى سعيد
الخدرى فى الباب وفيه: ((صاع من طعام)). وفسروا الطعام هنا بالبر. ورده
الزرقانى فى "شرح الموطأ" بأن المراد منه فى حديث أبى سعيد: "الذرة" (مكى)
دون "الحنطة"، فإنها كانت قليلة فى الحجاز فى عهد النبوة . قال الحافظ فى
"الفتح" (٣ - ٢٩٥): وقد رد ذلك ابن المنذر وقال : ظن أصحابنا أن قوله
فى حديث أبى سعيد: "صاعاً من طعام" حجة لمن قال: "صاعاً من طعام حنطة"،
وهذا غلط منه ، وذلك أن أبا سعيد أجمل "الطعام"، ثم فسره ثم أورد طريق
حفص بن ميسرة ... وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر ، ثم ذكر
الحافظ حديث ابن عمر عند ابن خزيمة قال: ((لم تكن الصدقة على عهد رسول
اللّه ◌ُمَّاءٍ إلا التمر والزبيب والشعير ولم تكن الحنطة))؛ ثم قال: وهذه الطرق
كلها تدل على أن المراد بالطعام فى حديث أبى سعيد غير الحنطة ، فيحتمل أن
تكون الذرة ، فإنه المعروف عند أهل الحجاز الآن ، وهى قوت غالب لهم ،
وقد روى الجوزقى من طريق ابن عملان عن عياض فى حديث أبى سعيد :
((صاعاً من تمر صاعاً من سلت أو ذرة آه)) ..
قال الشيخ: وفى "صحيح البخارى" (١ - ٣٠٤) ما يؤيده. أقول:
أراد به حديث أنس فى الإجارات، قال: ((حجم أبو طيبة النبى ◌ِّهِ فأمر له
بصاع أوصاعين من طعام الخ )) فالمتبادر من الطعام غير الحنطة . قال الشيخ:
وأيضاً فى " الصحيح" ما يرد تفسيرهم بالحنطة ، وهو فى حديث أبى سعيد
نفسه: ((وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر)). أقول: كما قدمته
آنفاً، والبخارى أخرجه فى (باب الصدقة قبل العيد) من طريق عياض بن عبد الله
عن أبى سعيد. ولمسلم من طريق آخر: (( كنا نخرج من ثلاثة أصناف صاعاً من

٣٠٧
بيان الأدلة على مذهب أبى حنيفة فى صدقة الفطر
تمر، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من شعير)). قال الحافظ: وكأنه سكت عن
الزبيب فى هذه الرواية لقلته بالنسبة إلى الثلاثة المذكورة آهـ .
وأما أدلتنا على نصف صاع من الحنطة فكثيرة ، وقد أخرج الطحاوى
فى "شرح معانى الآثار" فى (١ - ٣١٩ إلى ٣٢١) روايات صريحة فى ذلك،
منها مرفوعة ومنها موقوفة ، فذكر المرفوعات من حديث أسماء وحديث ابن
عمر وحديث ثعلبة بن أبى صغير ، وحمل الزيادة فى حديث أبى سعيد على التطوع
بدليل أن مروان بعث إلى أبى سعيد: "أن أبعث إلى" بزكاة رقيقك"، فقال أبو
سعيد للرسول : إن مروان لا يعلم أنما علينا أن تعطى لكل رأس عند كل فطر
صاعاً من تمر أو نصف من بر، قال: فدل على أن ما روى عنه مما زاد على ذلك
كان اختياراً منه ولم يكن فرضاً. وذكر حديثاً عن أبى هريرة موقوفاً ثم قال :
قال معمر: وبلغتنى عن الزهرى أنه كان يرفعه، فهذه ما أخرجه من المرفوعات،
وأخرج من الصحابة : عن الخلفاء الأربعة وعن ابن عباس ، ومن التابعين عن
أ کثر الفقهاء السبعة ، وعن عمر بن عبد العزيز وعن مجاهد والنخعى ، وروى
مرسلين عن ابن المسيب وآخر عنه وعن غيره معاً، وقال : فلا ينبغى لأحد أن
يخالف ذلك إذا كان قد صار إجماعاً فى زمن أبى بكر وعمر وعثمان وعلىّ إلى زمن
من ذكرنا من التابعين ، ثم ذكر وجه النظر . والبدر العينى فى " العمدة "
(٤ - ٤٦٨) قد استقصى مذاهب الصحابة والتابعين من أهل البلاد. وذكر
أنه مذهب الثورى والأوزاعى وابن المبارك ، ورواية عن مالك فراجعه. قال
الشيخ: وفى بعض الطرق: حجاج بن أرطاة ، وتكلموا فيه ، ولا يضر فإن
هناك طرق أخرى غير طريقه . علا أن الترمذى حسن له أحاديث ما يربوا على
عشرين حديثاً، وقد أسند فى "شرح معانى الآثار" ذلك عن الخلفاء الراشدين
أبى بكر وعمر وعثمان وعلى، وأسند عن عثمان أنه قال فى خطبته: «أدوا زكاة الفطرين
مدین من حنطة))، وقد أشار فى "الهداية" لرواية ثعلبة بن أبىصعیر، وأخرجها

٣٠٨
معارف السنن
ج - ٥
قال أبوعيسى : هذا حديث غريب حسن .
أبو داؤد بإسناد حسن فى الزكاة (باب من روى نصف صاع من قمح)، وأخرجه
أحمد والطحاوى والدارقطنى والحاكم وغيرهم ، واستوفى طرقه الزيلعى فى
"نصب الرأية" (٢ - ٤٠٦) وما بعدها .
قال الشيخ : ومن أدلتنا مرسل لسعيد بن المسيب أخرجه الزيلعى فى
"نصب الرأية" (٢ - ٤٢٢) وعزاه أولاً إلى مراسيل أبى داؤد ، وقد أخرجه
بذلك الإسناد الإمام الطخاوى فى "شرح معانى الآثار" (١ - ٣٢٠)، وأخرجه
بإسناد آخر من طريق المزنى عن الشافعى عن يحى بن حسان عن الليث بن سعد
عن عقيل بن خالد وعبدالرحمن بن خالد عن ابن شهاب عن ابن المسيب: ((إن رسول
اللّه عَل فرض زكاة الفطرين مدين حنطة)) معزواً إلى الطجاوى. قال الشيخ:
ولم أجده فى نسختنا فى "شرح معاني الآثار" بذلك الإسناد ، ولا بد أن يكون
فى نسخة الزيلعى، وحكى الزيلعى عن "التنقيح" لابن عبد الهادى الحنبلى أنه
قال : وهذا المرسل إسناده صحيح كالشمس، و کونه مرسلا لا يضر فإنه مرسل
سعيد، ومراسيل سعيد حجة انتهى . قال الشيخ : وقد أيدته مرفوعات وفتاوى
الصحابة والتابعين ، فمثله مقبول حجة بلا ريب .
ومن أدلتنا مرسل آخر أخرجه الطحاوى من طريق ربيع الجيزى عن أبى
زرعة عن حيوة عن عقيل عن ابن شهاب : أنه سمع سعيد بن المسيب وأبا سلمة
ابن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة يقولون: ((أمر رسول الله
بزكاة الفطر بصاع من تمر أو مدَّين من حنظة »
قوله : غريب حسن ، رجال الحديث ثقات ، وسالم بن نوح فيه أيضاً
من رجال مسلم ، وأعله ابن الجوزى فى " التحقيق" بـ: سالم بن نوح، فتعقبه

حديث ابن عمر فى صدقة الفطر وتحقيق أن نصف صاع من بر من عهد النبوة ٣٠٩
حدثنا قتيبة نا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: ((فرض
رسول اللّه عَ ل صدقة الفطر على الذكر والأنثى والحر والمملوك صاعاً من تمر
أو صاعاً من شعير ، قال : فعدل الناس إلى نصف صاع من بر)).
صاحب "التنقيح" بتوثيقه بأنه صدوق روى له مسلم، كما فى " نصب الرأية".
قوله : فعدل الناس إلى نصف صاع من بر .
هذا لا يدل على أنه محّله كان أمر بضاع من حنطة وعدل الناس عن
ذلك، وإنما يريد أنه كان أمر الحنطة لقلتها غير جار فى عهده بَّ له ثم لما كثرت
وشاعت عدل القوم أى الصحابة نصف صاع منها بصاع من غيرها . قال ابن
المنذر: لا نعلم فى القمح خبراً ثابتاً عن النبى معَّ لٍ يعتمد عليه، ولم يكن البر
بالمدينة فى ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه ، فلما كثر فى زمن الصحابة رأوا
أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعيرهم ، وهم الأئمة ، فغير جائز
أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم ، ثم أسند عن عثمان وعلى وأبى هريرة
وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبى بكر بأسانيد صحيحة : أنهم
رأوا أن فى زكاة الفطر نصف صاع من قمح انتهى ، حكاه الحافظ .
قال الراقم : روينا فى هذا الباب - كما تقدم ـ من حديث أسماء وابن عمر
وثعلبة ، كل مرفوعاً عند الطحاوى بأسانيد لا يعدل عن مجموعها إلا بحجة قوية
فوقها ، ثم أيدته مراسيل سعيد بن المسيب وأبى سلمة وعبيد الله، وهم من فقهاء
المدينة السبعة والعشرة ، ثم ثبت ذلك من الخلفاء الراشدين وابن أم عبد وحبر
الأمة وجابر بن عبد الله وابن الزبير ومعاوية وأبى هريرة ، وفقهاء المدينة السبعة
وعلقمة والأسود والشعبی وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وابن عبد العزيز وطاؤس

٣١٠
معارف السنين
ج - ٥
قال أبوعيسى: هذا حديث حسن صحيح . وفى الباب عن أبى سعيد وابن
عباس وجد الحارث بن عبد الرحمن بن أبى ذباب وثعلبة بن أبى صعيرَ وعبد الله
ابن عمرو .
حدثنا إسحاق بن موسى الأنصارى نا معن نا مالك عن نافع عن عبد الله
ابن عمر: ((أن رسول اللّه ◌َ ل فرض زكاة الفطر من رمضان صاعاً من تمر أو
صاعاً من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين )).
وأبى قلابة وغيرهم ، ولم يثبت عن أحد من الصحابة أو كبار التابعين أمثال
هؤلاء أثر صريح بخلافه، إلا ما ينقله الحافظ عن أبى سعيد وعن ابن عمر، ولم يقدر
على أن يثبت خلافه عن غيرهما، وأثر ابن عمر عند ابن خزيمة: ((لم تكن الصدقة
على عهد رسول اللّه عَّالج إلا التمر والزبيب والشعير)) يحتمل الحكم الأكثرى،
وقلة الحنطة أنزلت منزلة العدم. علا أنه لا ينافى بيان حكمه قولاً وإن لم تمض
فيه سنة فعلية . وحديث ابن عمر فى الباب - وأخرجه الطحاوى - يؤيد أن ابن
عمر قوله فيه كقول سائر الناس من الصحابة ، وأما أبوسعيد فقد أسند عنه
الطحاوى ما يدل على أن أداء الفرض بنصف صاع من البر كما تقدم ، ويحتمل
أنه أصر على الإخراج من الأجناس التى كانت عامة فى عهد النبوة صاعاً كاملاً،
ويكون هذا معنى قوله : أما أنا فلا أزال أخرجه أبداً ، أو قوله : لا أخرج
إلا ما كنت أخرج فى عهد رسول اللّه فَّلج ، فإذن دعوى الطحاوى الإجماع
يكاد يكون أمراً مقطوعاً. وبالجملة ترجيح ذلك أقل أحواله ، وراجع لتفصيل
الروايات " نصب الرأية"، وبالله التوفيق.
قوله : من المسلمين . قال الحجازبون : لا تجب صدقة الفطر على أحد
من عبده الكافر . وقال أبو حذيفة واسحاق بن راهويه : تجب من عبده الكافر

٣١١
المذاهب فى وجوب الصدقة من عبده الكافر
قال أبوعيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح ، رواه مالك عن
نافع عن ابن عمر عن النبى معَّ الله نحو حديث أيوب، وزاد فيه: ((من المسلمين)).
ورواه غير واحد عن نافع، ولم يذكروا فيه "من المسلمين". واختلف أهل العلم
أيضاً. والقول الأول : مذهب الثلاثة ، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن .
والثانى: مذهب أئمتنا الثلاثة والثورى وابن راهويه وابن المبارك ، وهو قول
عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز والنخعى ، وروى عن
أبى هريرة وابن عمر كما فى "العمدة" (٤ - ٤٦٥). وما ذهب إليه أبو حنيفة
اختاره البخارى كما تقدم من تصريح ابن رشيد. واحتج الحجازبون بلفظ :
"من المسلمين" ، وقيل: تفرد به مالك، وإليه يشير كلام الترمذى ، ولكن
ذكر ابن دقيق العبد: أنه تابع مالكاً على هذه اللفظة سبعة، ذكره فى كتابه "الإمام"
كما فى "نصب الرأية"، فذكر أنه رواه الليث عند مسلم، وعبيد الله ين
عمر عنده ، وأيوب عند البخارى ومسلم وغيرهم ، ولم يقولوا فيه : " من
المسلمين". وقال أبو قلابة: ليس أحد يقول فيه : " من المسلمين" غير مالك،
وتبعه على ذلك جماعة وليس بصحيح ، فقد تابع مالكاً سبعة من الثقات ، إلا
أن فيهم من مس ، وهم : عمر بن نافع والضحاك بن عثمان والمعلى بن اسماعيل
وعبيد الله بن عمر وكثير بن فرقد وعبد الله بن عمر العمرى ويونس بن زيد اهـ
ملخصاً . وأخرج الزيلعى رواياتهم فى " نصب الرأية" (٢ - ٤١٥ و٤١٦)،
وذكر هؤلاء الدارقطنى فى « سننه» (ص ٢١٩) أيضاً بزيادة . فعمر بن نافع
عند البخارى ، وضماك بن عثمان عند مسلم ، وذكرهما النووى فى "شرح مسلم"
(١ - ٣١٧) ، وزاد عليهم الحافظ فى "النكت على ابن الصلاح". قال
فى " التلخيص" ( ص ـ ١٨٦) بعد نقل كلام ابن دقيق العيد: قلت: وقد
أوردت طرقه فى " النكت على ابن الصلاح" وزدت فيه من طريق أيوب

٣١٢
معارف السنن
ج - .
فى هذا ، فقال بعضهم : إذا كان الرجل عبيد غير مسلمين لم يؤد عنهم صدقة
الفطر، وهو قول مالك والشافعى وأحمد. وقال بعضهم: يؤدى عنهم وإن
كانوا غير مسلمين ، وهو قول الثورى وابن المبارك واسحاق
السختياني أيضاً ويحيى بن سعيد وموسى بن عقبة وأيوب بن موسى اهـ .
قال الراقم: وذكر فى "الفتح" (٣ - ٢٩٣) عن الثانية الأول، ثم
قال : وذكر شيخنا سراج الدين بن الملقن فى شرحه تبعاً لمغلطاى : أن البيهنى
أخرجه من طريق أبوب بن مؤسى وموسى بن عقبة ويحيى بن سعيد ، ثلاثتهم
عن نافع ، وفيه الزيادة ، وقد تتبعت تصانيف البيهقى فلم أجد فيها هذه الزيادة
من رواية أحد من هؤلاء الثلاثة . وفى الجملة ليس فيمن روى هذه الزيادة
أحد مثل مالك ، لأنه لم يتفق على أيوب وعبيد الله فى زبادتها ، وليس فى
الباقيين مثل يونس ، لكن الراوى عنه - وهو يحى بن أيوب - فيه مقال
انتهى كلامه، فكأنه رجع عن قوله فى "النكت" و"التلخيص" من إثبات الزيادة
من الثلاثة المذكورين . وجنح أخيراً إلى أن من يرويه على وجه واحد بالزيادة
ممن ليس فيه كلام هو مالك وحده. وأجاب عنه الطحاوى فى "مشكل
الآثار" (ص - ٣٤٩) من الجزء الرابع. ولفظ صاحب "المعتصر":
وقوله " من المسلمين" فى حديث ابن عمر .... إنما يعود على من يخرجها
عن ملكه زكاةً له وتطهيراً ، وهم المسلمون القادرون عليها لا العبيد العاجزون
عنها الخ .
قال الشيخ : وهذا التوجيه صحيح من جهة العربية من غير تكلف .
ونقول أيضاً : أن راوى حديث الباب ابن عمر ، وكان هو يخرج صدقة الفطر
عن كل عبد كافر ومسلم، كما فى " فتح البارى" والله أعلم ، أخرجه من حديث
ابن اسحاق قال حدثنى نافع: ((أن ابن عمر كان يخرج عن أهل بيته حرهم وعبدهم

٣١٣
بقية بحث صدقة العبد الكافر، وحديث تقديمها قبل الصلاة
( باب ما جاء فى تقديمها قبل الصلاة )
حدثنا مسلم بن عمرو بن مسلم أبو عمرو الحذاء المدينى قال حدثنى عبد الله
صغيرهم وكبيرهم مسلمهم وكافرهم من الرقيق)) ، نقله عن ابن المنذر . ونقل
عنه عن بعضهم : وابن عمر راوى الحديث وقد كان يخرج عن عبده الكافر
وهو أعرف بمراد الحديث . قال الحافظ : وتعقب بأنه لوصح حمل على أنه كان
يخرج عنهم تطوعاً الخ . قال الراقم: ولا يخفى تكلفه والإسناد مصیح، وقد ثبتت
بهذه الرواية متابعة ابن اسحاق لعثمان بن عبد الرحمن الوقاصى عند الدار قطنى، فلا
بضر کونه متروكاً إذن ، حيث تابعه محمد بن اسحاق ، ورواه بالتحديث دون
العنعنة ، وقد تغاضى عنه الحافظ فى " التلخيص وأسقط رواية الوقاصى ولم
يذكر له متابعاً. أنظر "التلخيص" (ص - ١٨٦) و"الفتح" (٣ - ٢٩٤).
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس نحوه، والطحاوى فى "المشكل" عن أبى هريرة
مثله ، ولا يضر فيه ابن لهيعة فإنه يروبه عنه ابن المبارك ، ورواية العبادلة
عنه مقبولة لقدم رواياتهم ، كما فى "الميزان" و " التهذيب"، وراجع
" نصب الرأية " .
،
الزبيب: العنب اليابس ، بالفارسية: "كشمش". والأقط - بفتح الهمزة
وكسر القاف - : اللبن الحامض المجفف، وترجمته بالفارسية والهندية : " بنير"
غير صحيح، وهو الذى يقال له بالأفغانية والتركمانية والفارسية اليوم: قرط، أو:
قروط ، وبالتركية : قراقروط .
-: باب ما جاء فى تقديمها قبل الصلاة :-
يستحب أداؤها قبل الخروج إلى الصلاة ، وقد اتفق عليه الأربعة ، كما
( م - ٤٠)
٠

٣١٤
معارف السنن
ج - ٥
ابن نافع عن ابن أبى الزناد عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر : « إن
رسول اللّه عَلي كان يأمر بإخراج الزكاة قبل الغدو للصلاة يوم الفطر ".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح ، وهو الذى يستحبه
أهل العلم : أن يخرج الرجل صدقة الفطر قبل الغدو إلى الصلاة .
فى "العمدة"، وهو قول عامة أهل العلم، كما فى "معالم السنن"، ولذلك
لم يحك الترمذى فيه خلافاً ، واختلفوا فى تقديمها على يوم الفطر ، فعند
أبى حنيفة : يجوز لسنة أو سنتين، وعن خلف بن أيوب: لشهر . وعند الشافعية
وجوه ثلاثة :
١ - يجوز فى جميع رمضان .
٢ - يجوز فى جميع السنة .
٣- يجوز بعد طلوع الفجر من رمضان ولا يجوز فى الليلة الأولى منه .
وجمهورهم على تصحيح الأول كما فى " شرح المهذب" (٦ - ١٢٨)، وعند
أحمد يجوز تقديمها بيوم أو يومين لا أكثر كما فى "المغنى". ولو أداها بعد
الصلاة كان أداء لا قضاءً عندنا كما فى " البحر"، ويرتفع تأخير الإثم بالأداء.
وأما عند الشافعية فسموا إخراجها بعد يوم العيد قضاءً ، كما صرح به فى
" شرح المهذب" (٦ - ١٢٨ )، وكذا عند الحنابلة كما يظهر من كلام ابن
قدامة فى " المغنى"، ((وكان رسول اللّه عَ ل أجود ما يكون فى رمضان، وكان
أجود بالخير من الريح المرسلة))، كما فى حديث " الصحيحين» من حديث ابن
عباس رواه البخارى فى بدء الوحى والصوم وغيرهما ، ومسلم فى فضائل النبى
الكريم الخليج
عشيّـ
فدل على أن الصدقة فى رمضان أفضل . وفى حديث سلمان الفارسى عند

٣١٥
بيان أداء الزكاة فى رمضان ، وتعجيل الزكاة قبل الحول
( باب ما جاء فى تعجيل الزكاة )
حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن نا سعيد بن منصور نا اسماعيل بن زكريا عن
الحجاج بن دينار عن الحكم بن عتيبة عن حجية بن عدى عن على: ((أن العباس
سأل رسول اللّه صَل فى تعجيل صدقته قبل أن تحل؟ فرخص له فى ذلك)).
البيهفى فى شعب الإيمان: ((من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة
فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه الخ )) ،
وكذلك فى ذى الحجة . راجع فضيلة العشر الأول من ذى الحجة من " الدر
المنثور" . وكان السلف أيضاً يزكون فى رمضان .
-: باب ما جاء فى تعجيل الزكاة :-
جاز تعجيل أداء الزكاة لمن ملك نصاباً، وله شروط ، وبناء جواز تعجيل
الأداء على أنه إذا ملك نصاباً حصل نفس الوجوب .
إعلم : أن نفس الوجوب ووجوب الأداء شيئان عند طائفة من الفقهاء ،
وشئ واحد عند طائفة أخرى ، وإليه ذهب أهل التحقيق من مشائخ صاحب
" البدائع" بماوراء النهر، كما فى "البدائع" (٢ - ٨٨) من الصوم بتفصيل
شاف. قال: وهو اختيار أستاذى الشيخ ..... علاء الدين .... محمد
ابن أحمد السمرقندي رضى الله عنه .
والمسألة أصولية ذكرها علماء الأصول فى تآليفهم المبسوطة فى مباحث
الأمر فى تقسيم المأمور به إلى الوقت . فالعراقيون وأكثر أهل ما وراء النهر
يقولون: هناك أشياء ثلاثة : نفس الوجوب ، ووجوب الأداء ، ووجود

٣١٦
معارف السنن
ج -٥.
حدثنا القاسم بن دينار الكوفى نا اسحاق بن منصور عن اسرائيل عن الحجاج
ابن دينار عن الحكم بن حجل عن حجر العدوى عن على عن النبى محَّاءٍ قال
لعمر: (( إنا قد أخذنا زكاة العباس عام الأول للعام)).
وفى الباب عن ابن عباس ، لا أعرف حديث تعجيل الزكاة من حديث
الفعل . فنفس الوجوب بالسبب ، ووجوب الأداء بالخطاب ، ووجود الفعل
بإرادة الله تعالى، ويقولون: ليس من ضرورة الوجوب تعجل الأداء ، وخالف
الشافعى فيها فى العبادات البدنية ، فنفس الوجوب عندهم عبارة عن اشتغال
الذمة بوجود الفعل الذهنى، ووجوب الأداء عبارة عن وجوب إخراج ذلك الفعل
من العدم إلى الوجود الخارجى ، فهذا هو تلخيص الفرق بينهما ، وربما يتعذر
فى العبارة ، وراجع للتحقيق والتفصيل "كشف الأسرار" للشيخ عبد العزيز
البخارى ، فقد احتوفى مقاصد المسألة بما يشفى ويكفى .
ثم تعجيل الزكاة فجائز عند أبى حنيفة والشافعى وأحمد وإسحاق ، وهو
مذهب أكثر أهل العلم ، وغير جائز عند سفيان الثورى ، ومكروه عند مالك
والليث، كما فى "العمدة" (٤ - ٣٩٦). وذكر أبو عبيد فى " الأموال"
من مذهبه عدم الجواز ، وهو المذكور فى "قواعد ابن رشد" فهو الأصح.
قوله: قد أخذنا زكاة العباس. بعث رسول اللّه بحله عمر الفاروق ساعياً
على الصدقة، فذهب إلى العباس رضى الله عنه وإلى خالد بن الوليد وإلى ابن جميل
فلم يعطوه الزكاة، فشكاهم الفاروق إليه فَ له، فقال فَاجٍ: ((ما ينقم ابن
جميل إلا أنه كان فقيراً فأغناه الله ورسوله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً، قد
احتبس أدراعه وأعتده فى سبيل الله ، وأما العباس فقد أخذنا منه زكاة عامين))،

٣١٧
أحاديث فى تعجيل الزكاة
اسرائیل عن الحجاج بن دینار إلا من هذا الوجه . وحديث اسماعيل بن زکریا
عن الحجاج عندى أصح من حديث اسرائيل عن الحجاج بن دينار . وقد روى .
هذا الحديث عن الحكم بن عتيبة عن النبى فَلَّ مرسل. وقد اختلف أهل العلم
كذا أفاده الشيخ . أقول : هذه القصة مركبة من الحديثين ، الأول : حديث
أبى هريرة عند الشيخين، وبلفظ البخارى ذكر ههنا من قوله : "ما ينقم" إلى
"فى سبيل الله" وفيه: ((وأما العباس بن عبد المطلب فعم رسول اللّه عَلّ فهى.
عليه صدقة ومثلها معها )) . والثانى: حديث ابن عباس عند الدارقطنى وفيه :
((أن العباس قد أسلفنا زكاة ماله العام والعام المقبل))، وإسناده ضعيف، ونحوه
من حديث أبي رافع عند الطبرانى ، وعنده من حديث ابن مسعود مثله، والكل
ضعيف إسناداً. وأما فى الصحيح من ( باب قول الله: وفى الرقاب ) فلفظه :
((وأما العباس بن عبدالمطلب فعم رسول اللّه عَلَيٍ فهى عليه صدقة ومثلها معها))،
ووقع إختلاف فى هذا اللفظ وفى معناه جداً . أنظر " العمدة" ( ٤ -
٣٩٥) و"الفتح" (٣ - ٢٦٣ و٢٦٤). وأيضاً فى " سنن الدار قطنى" من
طريق موسى بن طلحة: أن النى بَلٍ قال: (( إنا كنا احتجنا فتعجلنا من
العباس صدقة ماله سنتين)) ، وهذا مرسل ؛ ورواه موصولاً بذكر طلحة
فیه ، وإسناد المرسل أصح کما فى"الفتح"، فحديث الباب أى حديث على وهذه
الأحاديث من حديث أبي رافع وابن مسعود وموسى بن طلحة بمجموعها تكاد
تصلح حجةً لو لم ينافى حديث الصحيح ، ولكن البدر العينى فى " العمدة "
(٤ - ٣٩٥) يفسر لفظ البخارى بقوله: ((أى فهى عليه صدقة واجبة فأداها
قبل محلها ومثلها معها أى قد أداها لعام آخر الخ)) . ولعل إلى هذا المعنى جنح
شيخنا رحمه الله فقال ما قال . وما أشار الترمذى إلى مرسل الحكم بن عتيبة فقد
رواه أبو عبيد فى "الأموال" (ص - ٥٨٩) رقم (١٨٨٤) من طريق "حجاج

٣١٨
معارف السنن
ج -٥
فى تعجيل الزكاة قبل محلها ، فرأى طائفة من أهل العلم : أن لا يعجلها ، وبه
يقول سفيان الثورى . قال : أحب إلى أن لا يعجلها . وقال أكثر أهل العلم:
إن جلها قبل محلها أجزأت عنه ، وبه يقول الشافعى وأحمد واسماق
ابن أرطاة"، ولفظه: قال: ((بعث رسول اللّه ◌ُحَل عمر على الصدقة فأتى
العباس يسأله صدقة ماله؟ فقال: قد عجلت لرسول الله بَ له صدقة سنتين،
فرفعه عمر إلى رسول الله منلا﴾ فقال: صدق عمی قد تعجلنا منه صدقة سنتین))،
وهذا بوافق الروايات السابقة . وأخرج أبو عبيد حديث أبى هريرة أيضاً ما
أخرجه الشيخان، وفيه: ((وأما صدقة العباس فهى علىَّ ومثلها معها)»،
وكذلك لفظ مسلم ، وحمل هذا الحديث على واقعة أخرى غير الواقعة الأولى
المذكورة ، فذكر أنه أخر زكاته فيها وتعجل فى تلك ، وقال : ولعل الأمرين
جميعاً قد كانا .
وبالجملة جمع أبوعبيد بين الحديثين بتعدد الواقعة ، فهذا يدل على أن
قصة الثلاثة فيها التأخير من العباس دون التعجيل ، ثم أحاديث التعجيل لا بد أن
تكون صحيحة حيث تلقاها فقهاء العراق والشام والشافعى وأحمد وعامة الفقهاء
والمحدثين بالقبول ، وهذا أمر فوق الإسناد والله أعلم .
ثم ابن جميل أتى بصدقته فلم يقبلها عنه رسول اللّه فَّ له، وكذلك لم يأخذ
عنه الشيخان فى عهد خلافتها ، قاله الشيخ . ولم أقف على تحقيقه إلا ما قال
الحافظ فى " الإصابة": وادعى القاضى حسين أنه كان منافقاً فقال: وإنه الذى
نزل فيه : (ومنهم من عاهد الله الآية)، والمشهور أنها نزلت فى ثعلبة ، وحكى
المهلب أنه كان منافقاً ثم تاب بعد ذلك اه. وقصة عدم قبول رسول اللّه عليه؟
وخليفتيه صدقة ثعلبة مذكورة فى كتب التفاسير مشهورة .

٣١٩
النهى عن المسألة وشرح كلمات الحديث
( باب ما جاء فى النهى من المسألة )
حدثنا هنادنا أبو الأحوص عن بيان بن بشر عن قيس بن أبى حازم عن
أبى هريرة قال: سمعت رسول اللّه حَل يقول: ((لأن يغدو أحدكم فيحتطب
على ظهره فيتصدق منه ويستغنى به عن الناس خير له من أن يسأل رجلً أعطاه
أو منعه ذلك، فإن البد العلياء خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول)).
-: باب ما جاء فى النهى عن المسألة :-
قوله: بغدو. من: الغدو"، وهو: الذهاب أول النهار، وضده: الرواح،
السير آخر النهار، كما فى قوله تعالى: ( غدوّها شهر ورواحها شهر) .
و ((الخطاب)) من عادته خروجه أول النهار، فلذا عبر عنه بالغدو ، ويطلقٍ
على السير مطلقاً توسعاً . والاحتطاب : جمع: الحطب . وفى المثل : كل
يحتطب فى حبله " على ظهره" حال مقدرة، أى حاملا على ظهره ، والتقيد
خرج مخرج الغالب . و"أن يغدو" مع معطوفاته مبتدأ خبره: " خير
له اخ " .
و ((تعول)» معناه: من تمونه وهم حالة عليك، والابتداء بهم لأنهم أقدم
منزلةً ، وفيهم أجران : أجر الصلة وأجر الرحم ، كما تقدم .
و « الكد » : الجهد والتعب ، وفى رواية أبىدائد: (( کلوح))، وهى:
الخدوش ، والكدح أيضاً بمعنى: الكد ، ورد فى التنزيل العزيز: (إنك كائح) .
وباللفظين معاً ورد عند أبى موسى المدينى فى ذيله على الغريبين .
قوله فإن اليد العلياء الخ. اختلفوا فى تفسير: اليد العلياء واليد السفلى
على أقوال سبعة مذكورة فى " العمدة" و" الفتح".
٢١

٣٢٠
معارف السنن
ج - ٥
وفى الباب من حكيم بن حزام وأبى سعيد الخدرى والزبير بن العوام
وعطية السعدى وعبد الله بن مسعود ومسعود بن عمرو وابن عباس وثوبان وزياد
ابن الحارث الصندائى وأنس وحبشى بن جنادة وقبيصة بن مخارق وسمرة وابن
عمر. قال أبو عيسى : حديث أبى هريرة حديث حسن صحيح غريب، يستغرب
من حديث بيان عن قيس .
فقيل: العلياء هى: المنفقة، والسفلى هى: السائلة، ويؤيده ما فى "الصحيحين"
من حديث ابن عمر، وفيه: «اليد العلياء خير من اليد السفلى، واليد العلياء
المنفقة والسفلى السائلة)، رواه البخارى فى ( باب خير الصدقة ما كان عن
ظهر غنى ) .
واختلفت الرواية فى ((المنفقة))، فرواه بعضهم كذلك ، وبعضهم :
(المتعففة))، ورجح الخطابى الثانى، وابن عبد البر الأول، كما فى " العمدة".
وذكر القرطبى : أنه نص يرفع الخلاف ويدفع تعسف من تعسف فى تأويله ذلك .
قال الحافظ فى "الفتح" بعد حكايته: لكن ادعى أبو العباس الدانى فى " أطراف
المؤطأ" : أن التفسير المذكور مدرج فى الحديث ولم يذكر مستنداً لذلك ، ثم
وجدت فى كتاب العسكرى فى الصحابة بإسناد له فيه انقطاع عن ابن عمر: أنه
كتب إلى بشر بن مروان أفى سمعت النبي ◌َّ الج يقول: ((اليد العلياء خير من
اليد السفلى ، ولا أحسب اليد السفلى إلا السائلة ولا العلياء إلا المعطية)). فهذا
يشعر بأن التفسير من كلام ابن عمر ، ويؤيده ما رواه ابن أبى شيبة من طريق
عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: ((كنا نتحدث أن العلياء هى المنفقة انتهى)).
ولهذا قال شيخنا رحمه الله: والمحدثون إلى أن هذا التفسير موقوف .
وقيل : العلياء هى المنطقة ، والسفلى الآخذة .