Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
تحقيق بعض ألفاظ الحديث
خمسون درهماً أو أكثر، وهو محتاج، له أن يأخذ من الزكاة . وهو قول الشافعى
وغيره من أهل الفقه والعلم .
( باب ما جاء من لا تحل له الصدقة )
حدثنا محمد بن بشار نا أبو داود الطيالسى ناسفيان .
ح : وثنا محمود بن غيلان نا عبد الرزاق ناسفيان عن سعد بن ابراهيم
عن ريحان بن يزيد عن عبد الله بن عمرو عن النبى عَ لٍ قال: ((لا تحمل الصدقة
لغنى ، ولا لذى مرة سوى )) .
وفى الباب عن أبى هريرة وحبشى بن جنادة وقبيصة بن المخارق . قال
أبو عیسی: حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن . وقد روى شعبة عن سعد
ابن ابراهيم هذا الحديث بهذا الإسناد ولم يرفعه، وقد روى فى غير هذا الحديث
عن النبى معَّجُلٍّ: ((لا تنحل المسألة لغنى ولا لذى مرة سوى))، وإذا كان الرجل
قوله : وهو قول الشافعى الخ. أقول: وهو قول أبى حنيفة ومالك،
ورواية عن أحمد ، واختاره أبو الخطاب وابن شهاب العكبرى من الحنابلة، حكاه
ابن قدامة .
-: باب ما جاء من لا تحل له الصدقة :-
المرة - بالكسر -: القوة. والسوى: معتدل الخلق. وذو المرة السوى.
الرجل القوى القادر على الاكتساب. وأول الترمذى قوله عَ ل: ((لا تحل
الصدقة )) بأنه لا تحل المسألة، نظراً إلى بقية الأحاديث التى تخالفها ، فالقوى
القادر على الإكتساب إذا كان فقيراً لا يملك نصاباً يحل له أخذ الصدقة وأن

٢٦٢
معارف السنن
ج - .
قوياً محتاجاً ولم يكن عنده شئ فتصدق عليه أجزأ عن المتصدق عند أهل العلم ،
ووجه هذا الحديث عند بعض أهل العلم على المسألة
حدثنا على بن سعيد الكندى نا عبد الرحيم بن سليمان عن مجالد عن عامر
عن حبشى بن جنادة السلولى قال: ((سمعت رسول اللّه عَلٍله فى حجة الوداع،
وهو واقف بعرفة أتاه أعرابى فأخذ بطرف ردائه فسأله إياه فأعطاه وذهب فعند
ذلك حرمت المسألة، فقال رسول اللّه عَ ل: إن المسألة لا تحل لغنى ولا لذى مرة
سوى إلا لذى فقر مدقع أو غرم مفظع، ومن سأل الناس ليثرى به ماله كان خوشاً
فى وجهه يوم القيامة ورضفاً بأكله من جهنم، فمن شاء فليقل، ومن شاء فليكثر)).
حدثنا محمود بن غيلان نا يحيى بن آدم عن عبد الرحيم بن سلمان ، قال
أبوعيسى : هذا حديث غريب من هذا الوجه .
لم يحل له المسألة، فكونه مصرفاً للصدقة وكونه بحيث يجوز له السؤال أمران مفترقان .
والمدقع من الإدقاع، وهو: الإلحاق بالدقعاء ، وهى أرض لا نبات بها،
كأنه يريد فقيراً بالغاية لا يكون له فراش غير الأرض .
والغرم: بضم المعجمة : الحاجة اللازمة من غرامة مثقلة .
والمفظع: فاعل من الإنظاع، والفظاعة : الشناعة ، وفى رواية أنس عند
أبى داؤد وابن ماجه زيادة: ((أولذى دم موجع))، يريد به الكفارات من
الدبات والمغارم
والرضف . بالفتح : الحجر المحمى .
قوله : غريب . وذلك لتفرد مجالد ، وهو ابن سعيد الكوفى ، وهو

٢٦٣
تحقيق " الغارم " والاختلاف فى شرحه
( باب من نحل له الصدقة من الغارمين وغيرهم)
حدقنا قتيبة نا الليث عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن عياض بن عبدالله
ضعيف . فالحديث مع غرابته ضعيف ، ولكن له شواهد كثيرة صحيحة
وتواترت به الأخبار . و"عامر" فى السند هو: الإمام الشعبى ابن شراحيل من
كبار التابعين بالكوفة .
تنبيه : هذا الباب لم يتعرض إليها فى " العرف الشذى
-: باب من تحل له الصدقة من الغارمين وغيرهم :-
الغارم : المديون عند أبى حنيفة. قال فى " البدائع" (٢ - ٤٥): الغارم
الذى عليه الدين أكثر من المال الذى فى يده أو مثله أو أقله ، لكن ما وراءه
ليس بنصاب اهـ. وقال الشافعى: هو من تحمل دية مقتول أو مالاً فى غير
قتل لإصلاح ذات البين ، كذا فى " المهذب" وشرحه (٦ - ٢٠٥ )، ولفظ
"الهداية" من كتبنا، وقال الشافعى رحمه الله: من تحمل غرامةً فى إصلاح
ذات البين وإطفاء النارة بين القبيلتين، وكلا المعنيين صحيح من جهة اللغة . قال
فى "اللسان" (١٥ - ٣٣١): والغريم: الذى له الدين والذى عليه الدين جميعاً،
والجمع: غرماء . قال كثير ع :
وعزة ممطول معنى غريمها
قضى كل ذى دين فوفى غريمه
وذكر فى " شرح المهذب": وأصل الغرم فى اللغة: اللزوم، وسمى كل
واحد منهما غريماً لملازمة صاحبه آهـ .
قال الشيخ: ثم ليعلم أن الاختلاف هل منشأ الإختلاف فى تفسير اللغة
وهو مقتصر على ذلك ، أو أن ذلك اختلاف معنوى مؤثر فى الحكم؟ قال: ولعل

٢٦٤
معارف السنن
ج - ٥
عن أبى سعيد الخدرى قال: ((أصيب رجل فى عهد رسول الله صَ لّ فى ثمار
ابتاعها فكثر دينه ، فقال رسول اللّه عَ ليه : تصدقوا عليه ، فتصدق الناس عليه ،
فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول اللّهِ حَلالٍ لغرمائه: خذوا ما وجدتم،
وليس لكم إلا ذلك » .
وفى الباب عن عائشة وجويرية وأنس . قال أبوعيسى : حديث أبى سعيد
حديث حسن صحيح .
الاختلاف فى الأحكام إنما يكون باعتبار القول الجديد للشافعى حيث يقول فى
الجديد: من تحمل غرامة وعنده مال تستغرقه الغرامة فعليه زكاة . وقال أبو حنيفة:
لا زكاة عليه . قال فى " الهداية": ومن كان عليه دين يحيط بماله فلا زكاة
عليه . وقال الشافعى : تجب لتحقيق السبب وهو ملك نصاب تام . ولنا أنه
مشغول بحاجته الأصلية فاعتبر معدوماًآه . ويجوز صرف سهم الغارمين إلى من
عليه الدين عند الشافعية كما فى "المجموع" (٦ - ٢١٠).
واعلم أن المصارف المذكورة فى التنزيل العزيز مرجعها كلها إلى أمرين :
الفقر والسفر، وذلك بتحقيق المناط فيها ، وهذا ما عدا المؤلفة فإنه لم تبق عندنا .
قوله : أصيب رجل . قيل: هو " معاذ بن جبل"، حكاه النووى فى
" شرح مسلم" (٢ - ١٦). اختلف العلماء فى الثمرة إذا بيعت بعد بدو
الصلاح وسلمها البائع إلى المشترى بالتخلية بينه وبينها ثم أصيبت وضاعت ؟
فقال مالك : إن كانت دون الثلث لم يجب وضعها ، وإن كانت الثلث أو أكثر
وجب وضعها وكانت من ضمان البائع . وقال أبو حنيفة والشافعى : هى من
ضمان المشترى ولا شئ على البائع ، المذاهب ذكرها النووى كذلك فى "شرح
مسلم" (٢ - ١٦) فى (باب وضع الحوائج) . والدليل على ذلك حديث الباب.
وقوله فَج: ((وليس لكم إلا ذلك)) كأنه إبقاء على هذا الرجل من

٢٦٥
من هم بنو هاشم ؟
(باب ما جاء فى كراهية الصدقة للنبى 9﴾
وأهل بيته و مواليه )
حدثنا بندار نا مكى بن ابراهيم ويوسف بن سعيد الضبعی قالا : نا بهز بن
حكيم عن أبيه عن جده قال: ((كان رسول اللّه مَلٍ إذا أتى بشئ سأل: أصدقة
جانبه مَر ◌ّ ورضى بذلك الغرماء ، أو ذلك من قبيل من يفصل بين المتخاصمين
بالتحكيم بأن يضع شيئاً عن أحدهما ورضى به الآخر ، أفاده الشيخ . وقال
النووى : أى وليس لكم الآن إلا هذا ، ولا تحل لكم مطالبته ما دام معسراً
بل ينظر إلى ميسرة والله أعلم اهـ .
-: باب ما جاء فى كراهية الصدقة للنبى ◌ّالج وأهل بيته ومواليه :-
مسألة حديث الباب متفق عليها ، وبنو هاشم هم : آل علی وآل عباس
وآل جعفر وآل عقيل وآل الحارث بن عبد المطلب ومواليهم، كما فى "البدائع"
و "الهداية" وغيرهما، احتجاجاً بحديث أبي رافع ثم الإتفاق بين الأئمة الأربعة،
وذلك فى الواجباب فقط . وانظر "البنابة" . ثم إن كون الموالى منهم فى تحريم
الصدقة مذهب أبى حنيفة وأحمد ، وهو الصحيح من مذهب الشافعى، واختاره
بعض المالكية. والحارث عمه حمّله، وكذا عباس رضى الله عنه، والثلاثة أبناء
أبىطالب ، ۔ أى أبناء عمه - .
وفى كتبنا : أن الهاشمى لو كان عاملا على الصدقة لا يأخذ عمالته من
مال الصدقة ، ويجوز له الأخذ من مال الوقف بلا خلاف . قال ابن الهمام فى
( ٢ - ٣٤)

٢٦٦
معارف السنن
ج - ٥
هى أم هدية؟ فإن قالوا: صدقة ، لم يأكل، وإن قالوا: هدية ، أكل )).
وفى الباب عن سلمان وأبي هريرة وأنس والحسن بن على وأبى عميرة ۔ جد
"الفتح": وصرح فى " الكافى" بدفع صدقة الوقف إليهم، على أنه بيان المذهب
من غير نقل خلاف آهـ. وذكر ابن الهمام قبله وبعده الخلاف فيه ، ثم قال :
والحق الذى يقتضيه النظر إجراء صدقة الوقف مجرى النافلة، فإن ثبت فى النافلة
جواز الدفع يجب دفع الوقف وإلا فلا الخ . ثم ذكر قول شارح " الكنز " فى
عدم الفرق بين الواجبة والتطوع، ومال إليه ابن الحمام. أنظر " الفتح" ( ٢ -
٢٤ ) و "البناية شرح الهداية" للعينى (١ - ١٢٧٠) و " العمدة" (٤ -
٤٣٣ ). وذهب الطحاوى إلى أخذ العمالة الهاشمى . ونقل ابن عصمة رواية
شاذة فى جواز أخذ الزكاة الهاشمى عند انقطاع الخمس من بيت المال - كما فى
"الفتح" و " البحر" وغيرهما - من رواية أبى عصمة عن أبى حنيفة ، ورواها
الطحاوى عن محمد عن أبى يوسف عنه فى " شرح الآثار"، وهو وجه لبعض
الشافعية، وقول لبعض المالكية. أنظر " فتح البارى" (٣ - ٢٨٠). وحكاه
الطحاوى من " أمالى أبى يوسف" واختاره (١ - ٣٠١) من "شرح الآثار"
فى ( باب الصدقة على بنى هاشم). واختاره فخر الدين الرازى من الشافعية.
وأما رسول اللّه ◌َ ل فلا تحل له النافلة أيضاً. كما ذكره الطحاوى فى
"شرح الآثار"، وعن أحمد: حل صدقة التطوع له عَلّ ، حكاه فى " العمدة"
( ٤ - ٤٣٣ ) ..
قوله : أم هدية الخ .
الصدقة : ما كانت فيها نية الأجر والثواب ابتداءً ، والهدية: ما كان فيها
قصد الإكرام وتطبيب القلب والإرضاء إبتداءً وإن كانت لا تخلو من الأجر

٢٦٧
بيان الفرق بين الصدقة والهدية
معرف بن واصل ، وإسمه رشيد بن مالك - وميمون بن مهران وابن عباس
وعبد الله بن عمرو وأبى رافع وعبد الرحمن بن علقمة . وقد روى هذا الحديث
أيضاً عن عبد الرحمن بن علقمة عن عبد الرحمن بن أبى عقيل عن النبى ◌َله .
وجد بهز بن حكيم اسمه: معاوية بن حيدة القشيرى .
قال أبو عيسى : حدیث بهز بن حكيم حديث حسن غريب .
حدثنا محمد بن المثنى نا محمد بن جعفر نا شعبة عن الحكم عن ابن أبى رافع
عن أبي رافع: ((إن رسول اللّه ◌ُّ له بعث رجلاً من بني مخزوم على الصدقة،
فقال لأبى رافع: اصمبنى كما تصيب منها ، فقال: لا، حتى آتى رسول الله
عَّ الِ فأسأله، وانطلق إلى النبى حَ له فسأله؟ فقال: إن الصدقة لا تحل لنا،
وإن موالى القوم من أنفسهم » .
قال: وهذا حديث حسن صحيح، وأبو رافع مولى النبى عَُّلّ اسمه: أسلم،
وابن أبي رافع هو: عبيد الله بن أبى رافع كاتب على بن أبى طالب .
مالاً، كما فى "العمدة" (٤ - ٤٤٣). وقال أبو الطيب: لأن الصدقة منحة
لثواب الآخرة
والهدية: تمليك الغير شيئاً تقرباً إليه وإكراماً له ، ففى الصدقة نوع ترحم
وذل للآخذ، فلذلك حرمت الصدقة عليه فَّالسجل دون الهدية الخ. ومثله قاله
الطيبى فى شرح "المشكاة". قال الإمام خليفة الرشد أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز
الأموى: كانت الهدية فى عهده ◌َّله، وصارت الهدية رشوةً فى عهدنا هذا.
قال ابن كثير فى " البداية والنهاية" (٩ - ٢٠٢): وأهدى له رجل من أهل
بيته تفاحاً فاشتمه ثم رده مع الرسول وقال له: قل له: قد بلغت محلها . فقال له رجل:
يا أمير المؤمنين إن رسول اللّه فَ لو كان يقبل الهدية، وهذا رجل من أهل بيتك!
فقال: إن الهدية كانت لرسول اللّه يَ الٍ، فأما نحن فهى لنا رشوة اهـ.

٢٦٨
معارف السنن
ج - ٥
( باب ما جاء فى الصدقة على ذى القرابة )
حدثنا قتيبة نا سفيان بن عيينة عن عاصم عن حفصة بنت سيرين عن
الرباب عن عمها سلمان بن عامر يبلغ به النبى معَّلي قال: ((إذا أفطر أحدكم
فليفطر على تمر ، فإنه بركة ، فإن لم يجد تمراً فالماء ، فإنه طهور)) . وقال :
((الصدقة على المسكين صدقة، وهى على ذى الرحم ثنتان: صدقة وصلة)).
وفى الباب عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود وجابر وأبى هريرة . قال
أبوعيسى : حديث سلمان بن عامر حديث حسن. والرباب هى: أم الرائح
ابنة صليع . وهكذا روى سفيان الثورى عن عاصم عن حفصة بنت سيرين عن
الرباب عن عمها سلمان بن عامر عن النبى حلّله نحو هذا الحديث.
وروى شعبة عن عاصم عن حفصة بنت سيرين عن سلمان بن عامر ، ولم
بذكر فيه عن الرباب. وحديث سفيان الثورى وابن عيينة أصح . وهكذا
روی ابن عون وهشام بن حسان عن حفصة بنت سيرين عن الرباب عن سلمان
ابن عامر .
-: باب ما جاء فى الصدقة على ذى القرابة :-
قال أبو حنيفة : الزكاة لا تتأدى بدفعها إلى من انتسب إليه بالولاد أو
الزواج . قال ابن الهمام : الأصل أن کل من انتسب إلى المزکی بالولاد أو انتسب
هو له به لا يجوز صرفها له . فلا يجوز لأبيه وأجداده وجداته من قبيل الأب
والأم وإن علوا ، ولا إلى أولاد وأولاد أولادهم وإن سفلوا ، ولا يدفع إلى
، وسائر
..
المخلوق من مائه بالزنا ، ولا إلى ولد أم ولده الذى نفاه ..
القرابات غير الولاد يجوز الدفع إليهم ، وهو أولى لما فيه من الصلة مع الصدقة،

٢٦٩
تحقيق أن فى المال حقاً سوى الزكاة
( باب ما جاء أن فى العال حقاً سوى الزكاة )
حدثنا محمد بن مدويه فا الأسود بن عامر عن شريك عن أبى حمزة عن
الشعبى عن فاطمة ابنة قيس قالت: «سألت أو سئل النى عَلّ عن الزكاة؟
فقال: إن فى المال لحقاً سوى الزكاة، ثم تلا هذه الآية التى فى "البقرة": (ليس
البر أن تولوا وجوهكم الآية ))).
كالأخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والحالات اهـ . وفى " المهذب"
وشرحه : ولا يجوز دفعها إلى من تلزمه نفقته من الأقارب والزوجات من سهم
الفقراء ؛ لأن ذلك إنما جعل الحاجة ولا حاجة بهم مع وجوب النفقة اهـ .
وقريب منه ما فى "المغنى" من مذهب أحمد (٢ - ٥٤٨). وراجع "العمدة"
( ٤ - ٣٧٨ ) .
وأما الصدقات النافلة فجاز صرفها إليهم، وفيها أجران: أجر القرابة وأجر
الصدقة . والغزالى قد بسط فى اختيار المستحقين الزكاة بسطاً شافياً ذوقياً على
دأبه. ذكره فى "الإحياء" فى الآداب الباطنة فى الزكاة، فذكر فيها ثمانية
وظائف، فذكر فى الوظيفة الثامنة منها: أن يطلب لصدقته من تزكو به الصدقة ،
وراعا فيها ستة أوصاف: كونه من أهل التقوى، وكونه من أهل العلم ، وكونه
صادقاً فى تقواه ، وكونه مستتراً حاجته ، وكونه معيلاً أو محبوساً بمرض أو
سبب ، وكونه من أهل القرابة والرحم . وراجعه إن شئت .
-: باب ما جاء أن فى المال حقاً سوى الزكاة :-
قال الشيخ: إن فى المال حقاً سوى الزكاة ولكنه غير منضبط، وإليه ذهب
بعض السلف ، منهم : أبوذر رضى اللّه عنه. قال ابن عبد البر: وردت عن

٢٧٠
معارف السفن
ج - ٥
حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن نا محمد بن الطفيل عن شريك عن أبى حمزة
عن عامر عن فاطمة بنت قيس عن النبى معَّامٍ قال: ((إن فى المال حقاً سوى
الزكاة)) .
أبى ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب إلى كل مال مجموع بفضل عن القوت
وسداد العيش ، فهو كنز بذم فاعله ، وإن آية الوعيد نزلت فى ذلك ، وخالفه
جمهور الصحابة ومن بعدهم ، وحملوا الوعيد على مانعى الزكاة ، حكاه فى
"الفتح" (٣ - ٢١٦). وقال فى "الفتح" نقلاً عنه: ولم يخالف فى ذلك
إلا طائفة من أهل الزهد ، كأبى ذر . قال : والجمهور على أن الكنز المذموم
ما لم تؤد زكاته اهـ. وراجع للتفصيل " الفتح" و "العمدة" (٤ - ٢٧٥ )
وكان أبوذر بالشام ، فاختلف هو ومعاوية فى قوله تعالى : ( والذين يكنزون
الذهب والفضة، الآية) ، قال معاوية: نزلت فى أهل الكتاب ، وقال أبوذر:
نزلت فينا وفيهم ، فجرى بينهما النزاع ، فشكاه معاوية إلى عثمان رضى الله عنه،
فأمره بالقدوم إلى المدينة خشية الفتنة ، ثم نزل بالربذة وسكن بها إلى أن توفى
رحمه الله ورضى عنه . ونفس القصة هذه مذكورة فى رواية زيد بن وهب فى
"صحيح البخارى" فى ( باب ما أدى زكاته فليس بكنز) فراجعه، وراجع
"العمدة " لتفصيل أطرافها. والربذة: موضع على ثلاثة مراحل من المدينة
ولما حضرته الوفاة أخذت امرأته تبكى، فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: مالى لا أبكى
وأنت تموت بفلاة من الأرض ، وليس عندى ثوب يسعك كفناً لى ولا لك ،
ولابد من القيام بجهازك ، قال : لا تبكى وأبصرى الطريق ، قالت : فكنت
أشتد إلى الكثيب فأنظر ثم أرجع إليه ، فبينا هو وأنا كذلك إذ أنا برجال
على رحالهم تحث بهم رواحلهم حتى وقفوا على ، فأخبرتهم بالقصة ، وكان
فيهم ابن مسعود ، فكفنه فى ردائه وثوبين له وصلى عليه . والقصة طويلة

٢٧١
بیان الشواهد لحديث الباب
قال أبوعيسى : هذا حديث إسناده ليس بذاك، وأبوحمزة ميمون الأعور
يضعف . وروى بيان واسماعيل بن سالم عن الشعبى هذا الحديث وقوله :
وهذا أصح .
ذكرها ابن عبد البر وغيره. ومن لفظ ابن عبد البر فى " الإستيعاب" لخصتها
بزيادة قليلة من لفظ الشيخ رحمه الله. وقال ابن كثير فى " تاريخه" ( ٧ -
١٦٥): ثم نزل الربذة فأقام بها حتى مات فى ذى الحجة من هذه السنة ـ أى سنة
ٹنتین و ثلاثین - وليس عنده سوى إمرأته وأولاده ، فبينا هم كذلك لا يقدرون
على دفنه إذ قدم عبد الله بن مسعود من العراق فى جماعة من أصحابه فحضروا
موته ، وأوصاهم کیف یفعلون به آهـ .
قوله: وهذا أصح. يريد أن الصحيح وقفه . قال الشيخ: وعندى
ذخيرة فى مسألة الباب مرفوعة ، منها: حديث ابن عمر بسند صحيح قوى . قال
الراقم: لم أقف على حديث ابن عمر هذا، وقد أخرج عنه أبو عبيد فى "الأموال"
(ص - ٣٥٧): ((فى مالك حق سوى الزكاة)). وأخرج عنه: ((من أدى
الزكاة وقرى الضيف وأعطى فى النائبة فقد برئ من الشح)) ، ثم ذكر عن ابن
عمر وأبى هريرة والشعبى وطاؤس: إن فى المال حقوقاً سوى الزكاة ، مثل بر
الوالدين ، وصلة الرحم ، وقرى الضيف ، مع ما جاء فى المواشى من الحقوق .
ثم أسند عن ابن عباس فى قوله تعالى: (وآتى المال على حبه، الآية) قال: نزلت
بالمدينة حين نزلت الفرائض وحدت الحدود وأمروا بالعمل، ونقل عن ابن جريج
قريباً منه ، وذكر أبو الطيب فى شرحه فى أمثلتها : مثل: أن لا يحرم السائل
والمستقرض ، وأن لا يمنع متاع بيته من المستعير كالقدر والقصعة وغيرهما ،
ولا يمنع أحداً الماء والنار . وعند أبى داؤد فى حقوق المال بإسناده عن عبد الله
قال: ((كنا نعد الماعون على عهد رسول اللّه عَّالج عارية الدلو والقدر)). وعنده
١٨

٢٧٢
معارف السنن
ج - ٥
( باب ما جاء فى فضل الصدقة )
حدثنا قتيبة نا الليث بن سعد عن سعيد المقبرى عن سعيد بن يسار: أنه سمع
أبا هريرة يقول: قال رسول اللّه عَل: ((ما تصدق أحد بصدقة من طيب
- ولا يقبل الله إلا الطيب -
عن أبى هريرة مرفوعاً: ((ومن حقها حلبها يوم ورودها)). وعنه حين قيل
له: ((فما حق الإبل؟ قال: تعطى الكريمة، وتمنح الغزيرة، وتفقر الظهر، وتطرق
الفحل، وتسقى اللبن))، وعنده من حديث جابر بن عبد الله مرفوعاً: ((أمر من
كل جاد عشرة أوسق من التمر بقنو يعلق فى المسجد المسكين )). وعنده من
حديث أبى سعيد فى الباب، ثم رأيت فى "الكنز" حديثاً لابن عمر برمز"الطبرانى":
((إن لله عباداً اختصهم لحوائج الناس يفزع الناس إليهم فى حوائجهم، أولئك الآمنون
من عذاب الله ) فلعله أراده الشيخ رحمه الله ، ويؤيد ما مر فى حديث أبىذر فى
( باب إذا أدبت الزكاة فقد قضيت ما عليك) فى أوائل أبواب الزكاة : «إلا
ومن قال هكذا وهكذا وهكذا ، فحتى بين يديه وعن يمينه وعن شماله الخ ))
وليس هذا شأن الصدقة الواجبة .
-: باب ما جاء فى فضل الصدقة :-
قوله: و"لا يقبل الله إلا الطيب"، وفى رواية للبخارى: ((ولا يصعد إلى
الله إلا الطيب))، وهى معترضة بين الشرط والجزاء تقريراً وتأكيداً للمطلوب
فی التفقة، والطيب: الحلال، والحرام لا يملك فکیف یتصرف فيه، و کیف يؤجر
به؟! وجرى ذكر اليمين ليدل على حسن القبول، ولأن الأيمان فى العرف مرصدة
لما عز من الأمور ، وأيضاً لما قيد الكسب بالطيب اتبعه اليمين لمناسبة بينهما فى

٢٧٣
تحقيق بعض ألفاظ الحديث
إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرةً تربو فى كف الرحمن حتى تكون
أعظم من الجبل كما يربى أحدكم فلوه أو فصيله )) .
الشرف . ثم لما كان الشمال عادةً تنقص عن اليمين فى القوة والبطش عرَّفنا
الشارع بقوله: ( وكلتا يديه يمين ) فانتفى النقص ، والجارحة على الرب محال كما
عرفت . هذا ملخص ما قاله الخطابى والقرطبى والطبى .
قوله : بيمينه . ورد فى حديث صحيح رواه مسلم فى " صحيحه" من
حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً، قال: ((المقسطون عند الله يوم القيامة على
منابر من نور على يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين )). وفى "كتاب الأسماء
والصفات" للبيهقي ( عى - ٣٢٥) فى حديث أبى هريرة: (( وكلتا يدى ربى
بعين مباركة ،
ثم إن المستفاد من آيات التنزيل وروايات الأحاديث: أن الصدقات تأخذ
فى الزيادة إذا تصدق بها المتصدق فتربو يوماً فيوماً إلى يوم القيامة ، لا أنها
تزاد فى المحشر مرةً واحدةً، والتشبيه فى التنزيل العزيز بـ "السنبلة" يؤمى إلى ذلك
أيضاً ، ومن هذا القبيل إزدياد الحسنة بعشر أمثالها .
قوله: "فلوه أو فصيله". كلمة "أو" للشك، وفى رواية: ((أو مهره)):
وفى أخرى: ((أورضيعه أو فصيله)). والفلو -بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو -:
مهر الفرس، والجمع: أفلاء، كعدو وأعداء . وراجع لتحقيق اللغة
"العمدة" ( ٤ - ٢٩٩). قال القاضى أبو بكر فى "العارضة": وجه
ضرب المثل فى التشبيه بتربية الفلو : أن الولد لا يخلق كبيراً من حين ولادته ،
ولكن ينمى بنجع الأم به وتفقدها له بالإرضاع ما تركه معها صاحبها، وبالقيام
( ٢ - ٣٥)

٢٧٤
معارف السنن
ج - •
وفى الباب عن عائشة وغدى بن حاتم وأنس وعبد الله بن أبى أوفى وحارثة
ابن وهب وعبد الرحمن بن عوف وبريدة . قال أبو عيسى: حديث أبى هريرة
حديث حسن صحيح .
حدثنا محمد بن اسماعيل نا موسى بن اسماعيل نا صدقة بن موسى عن ثابت عن
أنس قال: ((سئل النبي ◌َّامٍ: أى الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: شعبان، لتعظيم
رمضان . قال : فأى الصدقة أفضل؟ قال : صدقة فى رمضان )).
قال أبوعيسى : هذا حديث غريب ، وصدقة بن موسى ليس عندهم
بذلك القوى .
على مصالحه إن حوله عنها والرفق به ، وكذلك صاحب الصدقة إن أتبعها بأمثالها
وصانها عن آفاتها وقرنها بالطاعات نمت ، وإن اعترض عنها بقيت وحيدة .
وقريب منه ما فى "الفتح" (٣ - ٢٢٢)، وهو منقول عن كلام الحافظ
التوربشى . قال الراقم : ولعل وجه التشبيه بالفلو دون ابنه وولده أن الغرض
فى تربية الفلوّ هو تكسب الريح بنمائه وتربيته، ويجتهد المرأ فى ترشيحه لهذا
الغرض . وأما الولد فلا يريد به المرأ التجارة والريح ، وإنما يربيه لأجل عاطفة
طبيعية لا لغرض آخر والله أعلم .
قوله فى حديث أنس: أى صوم أفضل الخ؟. ظاهره بنافى قوله عَاجِ:
((أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم)) كما سبق فى صلاة الليل. فإما أن
يقال: حديث أنس هذا ضعيف وذلك الحديث صحيح أخرجه مسلم أيضاً، أو يقال:
أن الأفضلية مقيدة بما إذا كان الصيام فيه لتعظيم رمضان لا مطلقاً، واللفظ يدل
عليه . فإذا كان القصد توطئة النفس وتمرينها للتهيأ لمكابدة صيام رمضان لكى
يقوم بواجب حقه من الآداب. لا ريب أن ذلك مما يورث فضيلة خاصة فى

٢٧٥
شرح قوله : ((أمروها بلاكيف ))
حدثنا عقبة بن مكرم البصرى نا عبد الله بن عيسى الجزاز عن يونس بن
عبيد عن الحسن عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه لَالٍ: ((إن الصدقة
لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء)).
قال : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه .
حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء نا وكيع نا عباد بن منصور نا القاسم بن
محمد قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول اللّه عَلَ﴾: ((إن الله يقبل
الصدقة ، ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربى أحدكم مهره ، حتى إن اللقمة
لتصير مثل أحد . وتصديق ذلك فى كتاب الله عز وجل: (وهو الذى يقبل
التوبة عن عباده، ويأخذ الصدقات ) و(يمحق اللّه الربا ويربى الصدقات))).
قال: هذا حديث صحيح. وقد روى عن عائشة عن النبى عّ لّ نحو
هذا . وقد قال غير واحد من أهل العلم فى هذا الحديث وما يشبه هذا من
الروايات من الصفات ، ونزول الرب تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا ،
قالوا: قد تثبت الروايات فى هذا ونؤمن بها ولا يتوهم ، ولا يقال : كيف ؟
هكذا روى عن مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك ، إنهم
قالوا فى هذه الأحاديث: أمرّوها بلاكيف . وهكذا قول أهل العلم من أهل
السنة والجماعة .
شعبان دون غيره . الجواب الأول للسيوطى ، والثانى ملخص ما أفاده أبو الطيب
السندى فى شرحه .
قوله : أمرّوها بلاكيف. أى أجروها على ظواهرها من غير أن يتأول.
فتأويل اليد بالقدرة أو القوة هو مذهب الجهمية على نظر الترمذى ، ولا يقال:
أن اليد واليمين والوجه وأمثالها صفات له تعالى من غير أن ندرى كيفيتها ، فإنه

٢٧٦
معارف السنن
ج - ٥
يلزم منه أن تكون اليد والوجه ونحوهما زائدةً على الذات ؛ فإن صفاته تعالى
ليست عين ذاته ولا غير ذاته ، فالذى ينبغى أن تعبر عنها بما لا يلزم منه
الزيادة على الذات ، والبخارى فى "صحيحه" يعبر عنها بالنعوت . ومذهب
السلف فيها: أن يحمل على ظاهرها من غير تأويل ولا تشبيه، ويفوض كيفيتها إلى
الله سبحانه وتعالى، ولا يطلق عليها لفظ الصفات. وقد ذكر فى " فتح البارى"
(١٣ - ٣٤٣) فى ضمن البحث على الإستواء عن محمد بن الحسن عين مذهب
السلف فقال : وأسند اللالكائى عن محمد بن الحسن الشيباني قال : اتفق الفقهاء
كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن وبالأحاديث التى جاءت بها الثقات
عن رسول اللّه عَ ل فى صفة الرب من غير تشبيه ولا تفسير، فمن فسر شيئاً منها
وقال بقول جهم فقد خرج عما كان عليه النبى ◌ّ له وأصحابه وفارق الجماعة،
لأنه وصف الرب بصفة لا شئ اهـ. يريد أن وصف الرب بصفة منبثة عن
الانفصال عن الذات مع أن الأفعال قائمة به تعالى وليس محملاً لحوادث ، وقد
سبق بعض البيان فيه فى حديث النزول . وراجع ما تقدم فقد فصلت القول
فيه تفصيلاً .
ثم إن القول بتسميتها صفات بعد القول بأن صفاته تعالى غير مدركة الكنه
قول موجه ، والہیھی فى كتاب " الأسماء والصفات" یذ کر اليدين بأنها صفتين
لا من حيث الجارحة . ويقول القاضى أبو بكر ابن العربى فى " القواصم
والعواصم": قال علمائزنا المتقدمون: إن اليدين صفة ثابتة فى القرآن ، ليس لها
كيفية ، وحملها المتأخرون من أصحابنا على القدرة . والذى قال فى آدم : ( لما
خلقت بيديّ)، وقال: (تبارك الذى بيده الملك)، وقال: (بل يداه مبسوطعان)،
وقال: ( والسماوات مطويات بيمينه)، وفى الحديث الصحيح: ((وكلعا يديه
يعين ، والذى خلق به آدم وتطوى به السماوات ، وهو الذى به الملك ، وهو
يقبض به الأرض .... ،، وذلك كله عبارة عن القدرة ، وضرب الله اليد مثلاً

٢٧٧
بيان أن السلف الصالحون يأبون الخوض فى أحاديث الصفات
وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا : هذا 7 وقد ذكر
إذ هى آلة التصرف عندنا والمحاولة اهـ . حكاه الشيخ الكوثرى فى تعليقات
"كتاب الأسماء". وقد ذكر البيهقى من معانى "اليد" الواردة فى " القرآن المجيد"
من : الملك ، والقدرة ، والنعمة ، والصلة ، والجارحة ، وما يستحيل معنى
الجارحة بل يحمل على كونها صفةً، فراجعه من (ص ٣١٩). وبالجملة فالسلف
الصالحون يأبون الخوض فى معانى أحاديث الصفات والخلف حسماً لمادة التشبيه،
يحملونها على معان لائقة به تعالى، يتحملها اللغة السائرة والعرف الشائع مع إتفاق
السلف والخلف جميعاً على تنزيه الله سبحانه عن مشابهة صفات الخلق ، فليس
هناك إلا التنزيه مع التفويض، أو التنزيه مع التأويل عند أهل الحق سلفاً وخلفاً،
فمن ثلج صدره بفهم الحقائق الإلهية الربانية هان عليه ما يطنطنه صاحب "الجيوش
الإسلامية على غزوة المعطلة والجهمية" و"الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة"
من مغالاة وإفراط واستنتاج من كلام السلف بما لم بريدوه . وللإمام البيهفى
صاحب " السنن الكبرى" و"الصغرى" و"الأوسط" كتاب: "الأسماء
والصفات" فى هذا الموضوع، كتاب جليل جم الفوائد حافل بالروايات مما أثنى
عليه الذهبى فقال : عمل كتباً لم يسبق إلى تحريرها، منها "الأسماء والصفات"،
وقال فيه التاج السبكى: "لم يؤلف مثله" فراجعه، فشفى وكفى، وطبع
بالقاهرة قبل سنوات مع مقدمتين وتعليقات بعد ما طبع بالهند سقياً .
قوله : وأما الجهمية فأنكرت الخ. قال القاضى أبوبكر ابن العربى :
كان أبو عيسى من أهل العلم بالحديث لم يتحصل له قول الجهمية فوهم فى
الجهمية أصحاب جهم، وهو مبتدع أنكر صفات البارى تعالى وتقدس عن قولهم،
فقالوا : ليس الله قدرة ولا قوة ولا علم ولا سمع ولا بصر، وقالوا : إن اليد
بمعنى النعمة ، والنعمة مخلق من خلق الله ، خلق به آدم وما شاء من المخلوقات .

٢٧٨
معارف السنن
ج - .
وأما الذين يقولون : إن اليد هى القدرة فهم طائفة من أهل السنة . وقالت
طائفة : إنها صفة زائدة على القدرة ، والأثران معلومان عندهم . ومذهب
مالك : أن كل حديث منها معلوم المعنى ، ولذلك قال للذى سأله : الإستواء
معلوم والكيفية مجهولة . وقال الأوزاعى: وقد قيل: ما معنى قوله "ينزل ربنا
إلى السماء الدنيا"؟ فقال: يفعل الله ما يشاء، فجعله صفة فعل، فمن عجز عن فهم
هذه الأحاديث فليروها كما جاءت، ويسلم لله مع اعتقاد أنه موجود لا مثل له
ولا كيفية ، ومن قدر على فهمها فأمرها قريب بما نزل القرآن بلغة العرب ،
ولو جاء رسولنا ورسولهم بأمر مشكل مع عداوتهم له وحرصهم على الطعن
عليه لبادروا إلى إنكاره عليه ، ولأظهروا التبريح به ، ولكنه لما كان أمراً بيناً
ومعنى مفهوماً بديعاً أذعنوا اهـ .
وقال أيضاً: اعلموا وفقكم الله أنه من التأويل فى هذه الأحاديث ، فإنه
قد يأتى منها ما لا سبيل إلى حمله على ظاهره ، ولا إلى الإيمان به ، كما ورد :
كقوله: وجاء ربك، وقوله: فأتى اللّه بنيانهم من القواعد، وكقوله: مرضت
فلم تطعمنى وعطشت فلم تسقنى ؛ فلو قال قائل : إنه مرض كالمرض وعطش
كالعطش كفر ، والأمر فى تنزيه البارى عن التشبيه والتعطيل واحد ، فإنه
لا يجوز عليه شىء من ذلك ، بيد أن الله تعالى بين الناس بلسانهم وعرفهم المعانى
بلياتهم . والعربى يقول للذى يريد قتله: أنا الموت، وليس به ولكنه لما كان ينزل
الموت بسببه ويجرى على يديه عبر عن فعله بنفسه . وكذلك إمحبار البارى سبحانه
عن فعله فى السقف من الهدم والعذاب الذى يأتيه من قبله، وتسميته بنفسه و إعظاماً
للأمر وتشديداً فى الوعيد، كما كان إخباره عن عبده مرض وعطش لنفسه
إكراماً له وتأكيداً على العبد الآخر الصحيح الراوى من الماء فى عيادته ومعونته
وبل خليله اهـ .

٢٧٩
شئ من ترجمة جهم بن صفوان وبعض عقائده
الله تبارك وتعالى فى غير موضع من كتابه: اليد والسمع والبصر، فتأوَّلت الجهمية
هذه الآيات ، وفسروها على غير ما فسر أهل العلم .
وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا: إنما معنى اليد: القوة. وقال
اسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال: يدكيد أو مثل يد، أو سمع كسمع
أو مثل سمع ، فإذا قال : سمع كسمع أو مثل سمع فهذا تشبيه .
قوله : فتأولت الجهمية . الجهمية منسوبة إلى: جهم بن صفوان الترمذى،
وكان جهم ينكر ثبوت الصفات له تعالى ويقول : إنها تنافى بساط الذات وتنزيه
الله تعالى، وكان فى آخر عهد التابعين
والجهم هو : الجهم بن صفوان أبو محرز مولى بنى راسب ، ترمذى ،
وأصله من الكوفة ، تستر فى أول أمره بالدعوة إلى الكتاب والسنة شأن سائر
أهل الإلحاد، وآل أمره إلى ما يرده الشرع والعقل. ومما قال جهم بن صفوان:
القول بالإجبار والإضطرار إلى الأعمال ونفى الصفات، وبالغ فى نفيها حتى قال:
لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره. وزعم أن كلام اللّه حادث. وكان
جهم يحمل السلاح ويقاتل ، وخرج مع الحارث بن سريج ، وكان يأخذ عن
الجعد بن درهم، وقتل فى سنة مائة وثمان وعشرين فى معركة . أنظر التفصيل
فى "فتح البارى" (١٣ - ٢٩٠) و " تاريخ ابن كثير" (١٠ - ٢٦).
وراجع لتفصيل بعض عقائده: " التبصير فى الدين" لأبى المظفر الإسفر البنى
( ص ٦٣)، ولتفصيل أحواله وعقائده: "لفت الحظ إلى ما فى الإختلاف فى
اللفظ" للشيخ الكوثرى ( ص ٥٦). ويأتى كلام القاضى أبوبكر فيه. ونقل
الشيخ ابن الهام مناظرةً له مع الإمام أبى حنيفة، ونقل عن أبى حنيفة قوله لجهم:
أخرج عنى يا كافر ، قاله فى كتابه " المسايرة" فى أصول الدين ، وحكاه عنه

٢٨٠
معارف السنن
ج - ٥
وأما إذا قال كما قال الله: بد وسمع وبصر، ولا يقول: كيف، ولا يقول:
مثل سمع ولا كسمع ، فهذا لا يكون تشبيهاً ، وهو كما قال الله تبارك وتعالى
فى كتابه: ( ليس كمثله شئ ، وهو السميع البصير ) .
ابن نجيم فى "البحر" فى ( باب الإمامة) أيضاً. فمن غاية عنان النواب صديق
حسن خان القنوجى رمى الإمام أبى حنيفة بالجهمية - والعياذ بالله منه -. وراجع
لكشف هذا العوار "لفت الحظ" ( ص - ٥٧). وتقابل الجهمية الكرامية،
والمشهور فيها فتح الكاف وتشديد الراء ، وقيل بالكسر والتخفيف ، استشهاداً
بقول الشاعر :
الفقه فقه أبى حليفة وحده . والدين دين محمد بن كرام
والفرق بين الجهمية والكرامية : أن الجهمية كالباطنية، والكرامية
كالظاهرية ، وخير الأمور أوساطها ، أفاده الشيخ . أقول: الكرامية نسبة إلى
محمد بن كرام السجستانى شيخ الكرامية المجسمة . قال الحافظ فى " اللسان»:
وكرام مثقل قيده ابن ماكولا وابن السمعانى وغير واحد ، وهو الجارى على
الألسنة ، وحكى ابن الهيثم: كرام بالتخفيف والفتح ، وزعم أنه بمعنى كرامة،
أو أنه كرام - بالكسر- جمع كريم، ورجح الأول الحافظ أبو عمرو ابن الصلاح.
وذكر السمعالى: أن والده يحفظ الكروم، فقيل له: الكرام . وادعى ابن الوكيل
الثالث مستنداً إلى قول الشاعر ، وهو أبو الفتح البستى . هذا ملخص ما فى
"اللسان". والشيخ الكوثرى حقق فى بعض تعليقاته: إن الشاعر لم يرد ذلك
الزائغ الملحد، وإنما عنى به محمداً وَاجٍ، والكرام هو: جمع كريم . ثم محمد
ابن كرام شيخ المجسمة، كان له فى خراسان وفلسطين آلاف من الأتباع الزائغین،
وراجع لمعتقداته " التبصير فى الدين " للإسفرالينى ( ص - ٦٥).