Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ بحث أنه لا يجب أداء الزكاة إلى جميع الأصناف وفی الباب عن الصنابحی . قال أبوعیسی : حديث ابن عباس حدیث حسن صحيح . وأبو معبد مولى ابن عباس ، اسمه : نافذ . إلى صنف واحد ، وهو مذهب أحمد وأبى عبيد والثورى والجمهور . والشافية يقولون بوجوب أدائها إلى ثلاثة أفراد من كل صنف . قال الشيخ : وما زعم صاحب " شرح الوقاية" من استدلال الشافعية: بأن أقل الجمع ثلاثة ، فليس كذلك عندى ، فإن مدار الخلاف بيننا وبينهم هو اختلاف التفقه فى المسألة . فتفقه الشافعى : أن الأصناف المذكورين فى الآية مستحقون لأموال الصدقات . وتفقه أبى حنيفة : أن الأصناف المذكورين مصارف بينتها الآية دون أنهم مستحقون ، فهذا هو منشأ الخلاف لا غير . أشار إليه صاحب "الهداية"، وأوضحه صاحب "العناية". أقول: فى مذهب الشافعى أمران ، أحدهما : التقسيم على الأصناف الباقية . والثانى: صرفها إلى ثلاثة من كل صنف ، فدليل صاحب "شرح الوقاية" للثانى لا للأول ، ودليل صاحب "الهداية" الأول لا الثانى، فذكر كل ما لم يذكره الآخر ، وكلام الشافعى فى "الأم" صريح فى اشتراط كل من الأمرين. وقالت الشافعية أيضاً : أنه لو لم يجد الأصناف كلها فى بلده جاز أداء الصدقة إلى من وجد منهم فى البلد ، وكذلك فى " الأم" (٢ - ٦٨ ) وغيره من كتبهم . تنبيه : فى حديث الباب فوائد ومسائل وأبحاث استوفاها البدر العينى، فراجع " العمدة" من الجزء الرابع من (ص ٢٥٩ إلى ٢٦٤). ( م - ٢٦ ) ٢٠٢ معارف السنن ج - ٥ ( باب ما جاء فى صدقة الزرع والثمر والحبوب ) حدثنا : قتيبة نا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن يحى المازنى عن أ عن أبى سعيد الخدرى قال: إن النبى حَ ﴾﴾ قال: ((ليس فيما دون خمسة فود صدقة، وليس فى ما دون خمسة أواق صدقة ، وليس فى ما دون خمسة أوسق صدقة )) . وفى الباب عن أبى هريرة وابن عمر وجابر وعبد الله بن عمرو . -: باب ما جاء فى صدقة الزرع والثمر والحبوب :- قوله : خمسة ذود. خمسة ذود فيه تركيب إضافى أو توصيفى، وفى "العمدة" : ٤ - ٢٨٦ ) : ثم الرواية المشهورة بالإضافة ، وروى بتنوين خمس، ويكون دلاً منه اهـ. وقال: وزيادة التاء فى "خمس" نظراً إلى أن الذود يطلق على الذكر والأنثى، وتركوا القياس فى الجمع ، كما فى ثلاثمائة ، وقيل : لأنه فى عنى الجمعية اهـ ملخصاً . وذود يقال : لطائفة من الإبل من الثلاثة إلى العشرة ، والذود : الدفع، .قيل : لها ذود لأنها تدفع الفقر، ذكر مثله القرطبى ، كما فى " الفتح ". ثم لمذ كور فى تفسير " الذود" هو المشهور، وعليه أكثر اللغويين، وفيه أقوال عديدة فى "العمدة" و "الفتح" . قوله : وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة . قال الحجازيون وصاحبا أبى حنيفة بحديث الباب ، فلا صدقة عندهم فما أخرجته الأرض ما لم يبلغ إلى خمسة أوسق . وقال أبو حنيفة: فى كل ما أخرجته الأرض صدقة قل أو كثر. قال العينى: سواء سفى سيحاً أوسقته السماء إلا القصب الفارسى والحطب والحشيش، وذكر أن ذلك مذهب عمر بن عبد العزيز ٢٠٣ مسألة صدقة الزرع والثمر واختلاف الأئمة فيها حدثنا: محمد بن بشار نا عبد الرحمن بن مهدى نا سفيان وشعبة ومالك ابن أنس عن عمرو بن بحى عن أبيه عن أبى سعيد الخدرى عن النبى معَّ اه نحو ومجاهد وابراهيم النخعى، أخرج ذلك عنهم عبد الرزاق وابن أبي شيبة والطحاوى، وهو قول زفر من أصحاب الإمام . وحجة ذلك هو حديث عام عند "مسلم": ((فيما سقت الأنهار والغيم العشر، وفيما سقى بالسانية نصف العشر)). رواه من حديث جابر فى ( باب ما فيه الزكاة من الأموال ) وأخرجه الطحاوى . وكذلك احتج له بحديث ابن عمر رواه البخارى ومسلم: ((فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر وما سفى بالنضح نصف العشر)) ، وبحديث معاذ عند ابن ماجه من طريق أبى وائل عن مسروق عن معاذ قال: ((بعثنى رسول اللّهِ حَّ لي إلى اليمن فأمرنى أن آخذ مما سقت السماء وما سفى بعلا العشر، وما سفى بالدوالى نصف العشر)) ؛ وبحديث أبى مطيع البلخى عن أبى حنيفة عن أبان بن أبى عياش عن رجل عن رسول اللّه عَ لٍ قال: ((فيما سقت السماء العشر، وفيما سقى بنضح أو غرب نصف العشر فى قليله وكثيره))، وجهالة الصحابى لا يضر . علا أنه أخرجه ابن خسرو بهذا الإسناد عن أنس مرفوعاً فزالت الجهالة . وأبو مطيع وثقه العقيلى فقال: كان مرجئاً صالحاً فى الحديث، إلا أن أهل السنة أمسكوا عن روايته ، كما فى " اللسان ". قال الراقم : كونه صالحاً فى الحديث يكفى ، واتهامهم إياه بالإرجاء : " تلك شكاة ظاهر عنك عارها". وكان مثل ابن المبارك يجله لدينه ولعلمه. وأبان وإن كان متكلماً فيه ولكنه يصلح مثله شاهداً . علا أنه تابعه قتادة عن أنس عند البزار ، وقال : رواه الحفاظ عن قتادة ، كما فى "عقود الجواهر". فهذه المرفوعات من أحاديث ابن عمر وجابر وأنس ومعاذ ، والموقوفات ٢٠٤ معارف السنن ج - ٥ حدیث عبد العزيز عن عمرو بن یحی . قال أبو عيسى : حديث أمیسعید حدیث حسن صحيح . وقد روى من غير وجه عنه . والعمل على هذا عند أهل العلم : من الآثار عن التابعين كعمر بن عبد العزيز ومجاهد والنخعى ، وبالأخص لفظه من طريق أبى يوسف عن أبى حنيفة عن حماد عن ابراهيم أنه قال: ((فى كل ما أخرجته الأرض من قلیل و کثیر زکاة الخ ، کما فى "آثار أبی یوسف"، فهل مثل النخعى يقول مثله بالرأى ؟ ! ويقول فيه الأعمش : كان إبراهيم صيرفى الحديث . وأضف إلى ذلك ما فى "كتاب الأموال" لأنى عبيد (ص ٤٨٦ ) بإسناده صحيح عن بسر بن سعيد قال: ((فرض رسول اللّه بِّلت الزكاة فيما سقت السماء؛ وفى البعل وفيما سقت العيون العشر، وفيما سقت السوانى نصف العشر))، وعنده من حديث جرير بن عبد الحميد عن منصور عن الحكم بن عتيبة قال : ((كتب رسول اللّه عَ ل إلى معاذ بن جبل وهو باليمن))، فذكر معنى حديث ابن ماجه ، فانجبر به علة عدم سماع مسروق من معاذ ، وإن كان الظن فيه أن المتروك صائی أو من كبار التابعين . وعنده بإسناده الصحيح فی کتاب عمر فى الصدقة: (( ما كان عثرياً تسقيه السماء والأنهار وما كان يستقى من بعل ففيه العشر، وما كان يسقى بالنواضح ففيه نصف العشر)) . وعنده من موقوف ابن عمر على معنى مرفوعه ، وعنده عن على من طريق عاصم بن ضمرة: ((فيما سقت السماء العشر، وفيما سقى بالدوالى والنواضح نصف العشر)). ثم أضف إلى تلك الأخبار والآثار آيات التنزيل العزيز : (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبم، ومما أخرجنا لكم من الأرض)، وقوله تعالى: (وآنوا حقه يوم حصاده) . وقوله تعالى: ( خذ من أموالهم صدقة ) . وما إلى ذلك من آيات بينات مطلقة عامة لا تقييد فيها ولا تخصيص ، بل بلغ هذا العموم والإطلاق مبلغ التواتر . فلابد أن يكون المخصص يبلغ هذا المبلغ ، وادعاء الإجمال فى الآية ثم تفسيرها ٢٠٥ مذهب أبى حنيفة أصبح أقرب حل لمشكلة اقتصادية أن ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ، والوسق ستون صاعاً ، وخمسة أوسق ثلاثمائة صاع. وصاع النبى حَّله خمسة أرطال وثلث، وصاع أهل الكوفة وبيانها بالآحاد بمثل حديث الباب معارض بالبيان العام فى تلك الأخبار والآثار بالعموم والإطلاق من غير فصل وثنيا . وضم إلى ذلك الحكمة من جهة مصلحة الفقراء والمساكين ، وكونه أحوط عند المعارضة . وبالجملة فهذه وما يأتى ملاحظات الحنفية فى صدقة الحبوب والثمار، وأصبحت ميزة المذهب الحنفى من الأخذ بعمومات الوحى المتلو ، والتواتر فى الوحى الغير المتلو فيما يعم به البلوى ، ومن شدة رعاية ملاحظ الورع والتقوى فى كثير من مسائل العبادات والمعاملات، وأصبح اليوم أصلح مذهب لنظام العالم، وبالأخص مذهبه فى نظام الصدقات الزرعية أصبح أقرب حل لمشكلة اقتصادية شوشت أفكار كثير من علماء المعاشيات ، ويكادون يخرجون إلى نظام الكفر من نظام البلاشفة الاشتراكية الملاعنة، فلماذا لا يفزعون إلى هذا المذهب الحق أمامه كتاب الله العليم وخلفه سلف فى كبار الأمة التى هى نجوم ثاقبة فى عصرهم وبلادهم ، فمن كإبن عبد العزيز والزهرى بالمدينة ؟ وكمجاهد بمكة ؟ وكإبراهيم بالكوفة ؟ كل هذا يرمى إلى التعامل فى تلك العصور المزدهرة بالعلم والتقوى، فرحم الله المستعان من أنصف وعدل كفتى الميزان . وقال علماؤنا الحنفية : إن دليلهم دليل الخصوص ، ودليل أبى حنيفة دليل العموم ، فتعارض خاص وعام ، فيطلب الترجيح إن لم يعرف التاريخ ، وإن عرف فالمتأخر ناسخ ، وههنا لم يعرف، فالعام يجعل آخراً احتياطاً، كذا فى "نصب الرأية " و"الفتح" وغيرهما. وأصله من عيسى بن أبان ومحمد بن شماع الثلجى ، كما فى "نصب الرأية" نقلاً عن " الفوائد الظهيرية". ويقول ٢٠٦ معارف السفن ج - ٥ ثمانية أرطال ، وليس فيما دون خمسة أواق صدقة . والوقية : أربعون درهماً ، و خمسة أو اق مائتا درهم ، وليس فیما دون خمس ذود یعنی لیس فيما دون خمس المحقق ابن الهمام فى "الفتح": ولولا خشية الخروج عن الغرض لأظهرنا صحته أى إظهار مستعيناً بالله تعالى. قال الراقم: وقد أشرت إلى أمور من مثل ذلك نظراً إلى الظروف التى أحاطتنا فالحمد لله. وراجع كلام الحافظ أبى بكر الرازى فى "أحكام القرآن" (٣ - ١٦) من " سورة الأنعام". قال الشيخ: وما قالوه من تعارض العام والخاص ففيه : أن الأقوى الإحتجاج برواية خاصة فى مقابلة رواية خاصة . وقال البخارى فى "صحيحه": والمفسر يقضى على المبهم ، والزيادة مقبولة . وأجاب صاحب " الهداية " من حديث الباب بحمله على زكاة التجارة ؟ لأنهم كانوا يتبايعون بالأوساق ، وقيمة الوسق أربعون درهماً. أقول: ويخالفه ما رواه " الطحاوى" (١ - ٣١٥) من طريق سليمان بن داؤد عن الزهرى عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده: ((أن رسول اللّه ◌َالجل كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن ، فكتب فيه : ما سقت السماء أو كان سيحاً أو بعلا فيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق الخ)، ومن طريقه رواه ابن حبان والحاكم كما فى "نصب الرأية"، ولكن تكلم فى إسناده المحدثون لأجل سلمان بن داؤد . وقيل : هو ابن أرقم وهو متروك، وقيل: غيره راوٍ آخر. ويظهر من "نصب الرأية" أن ابن داؤد أيضاً متكلم فيه . ثم إنه : ابن داؤد ، أو : ابن أبىداؤد ؟ فكلماتهم مضطربة، أنظر " نصب الرأية" و"التهذيب" من: ابن أرقم، ومن : ابن داؤد، و "النسان". قال الشيخ : ثم رأيت فى " كتاب الديات" لأبى بكر بن عاصم الظاهرى: ٢٠٧ دلائل أبى حنيفة فى المسألة الإختلافية من الإبل صدقة ، فإذا بلغت خمساً وعشرين من الإبل ففيها ابنة مخاض ، وفما دون خمس وعشرين من الإبل فى كل خمس من الإبل شاة . أنه غيره ، فالسند إذن قوى. وأحال عليه الشيخ فى "مذكرته" كما فى تعليقات "فيض البارى " على ( ص ٣٤ ) من " كتاب الديات" لأبى بكر الضحاك : وحقق أن الراوى فى الصدقات هو: الحولانى، وهو صدوق . وأما الحرانى فهو ضعيف . وكلام الشيخ فى "مذكرته" أيضاً مضطرب. أنظر تعليقات " فيض البارى" (٣ - ٣٢ و٣٣). فلم يتنقح الأمر بعد والله أعلم. وبالجملة مثله لا يكون حجة فى معرض الخصام ، فهذه الزيادة من طريقه، والروايات البقية بذلك السياق خالية عن هذه الزيادة، وهى مصيحة ألبتة . ثم التأويل زكاة التجارة ذكره الرازى الجصاص فى "أحكامه " إحتمالاً. والبدر العينى قد أطال الكلام فيه فى "العمدة" فى أبواب ثلاثة (٤ - ٢٨٩ و٣٤٦ و٤٢٨)، واكتفى بجواب صاحب "الهداية". قال الشيخ: والذى تحقق عندى فى ذلك فأقول: أما أولاً : فإن ما اختاره أبو حنيفة لم ينفرد هو به ، وإنما هو شىء جرى به تعامل السلف ، وإليه ذهب مجاهد والزهرى وابراهيم النخعى ، وإليه ذهب الإمام الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ، كما فى "نصب الراية". أقول : أخرجه الزيلعى منهم جميعاً غير الزهرى ، فلم أر من أخرج منه ، غير أن شيخنا العثمانى فى " فتح الملهم" ينقله عنه عن " مصنف ابن أبى شيبة"، والطحاوى يرويه عن مجاهد وابراهيم. قال الشيخ : وبذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى البلدان: أن يؤخذ العشر فى كل قليل وكثير، ولم ينقل أنه أنكر أحد على عمر بن عبد العزيز فى ذلك ، فعلم منه أنه تلقاه الأمة بالقبول . وعمر بن عبد العزيز أفضل التابعين عند البعض ، وقيل : أويس القرنى ، وقيل : زين العابدين، ويذكر القاضى أبوبكر ابن العربى المالكى: أن ظاهر القرآن يؤيد ٢٠٨ معارف السنين ج - ٥ ۔ كذا فى " العرف الشذى" أبا حنيفة ، كقوله تعالى: (وآتوا حقه يوم حصاده ) وغيرها من الآيات . أقول : وههنا مسألتان خلافيتان : الأولى : مسألة نصاب ما خرج من الأرض ، وهى موضوع هذا الباب، والقاضى لم يذكر ذلك فى تأييد هذه المسألة، لا فى "العارضة" ولا فى "الأحكام"، وإنما هو فى هذه المسألة مع الجمهور . والثانية : مسألة تعيين المخرجات من الأرض للتعشير، ويأتى ذلك فى باب مستقل بعد خمسة أبواب ، وفيها قول القاضى فى "أحكامه" و "عارضته" ، وفى هذا الصدد نقله الحافظ في "الفتح" (٣ - ٢٧٧ )، والعينى فى "العمدة" ( ٤ - ٤٢٨) فقال: وأقوى المذاهب فى المسألة مذهب أبى حنيفة دليلا ، وأحفظها للمساكين ، وأولاها قياماً بشكر النعمة ، وعليه يدل عموم الآية والحديث . ثم ردّ على الجوينى فى هذا الصدد فى ردّه على أبى حنيفة فانتصر لأبى حنيفة ، فراجع "العارضة" و "الأحكام" له، و "العمدة " للعينى. وأما من جهة النظر والتفقه فهو أن العشر نظير الجراج ، والخراج فى كل ما خرج، قل أو كثر، فليكن العشر مثله. وذكر الطحاوى والجصاص فى وجه النظر اتفاق الجميع على سقوط اعتبار الحول فيه ، فوجب أن يسقط اعتبار المقدار كالركاز والغنائم اهـ بلفظ الجصاص . قال الشيخ : وأما ثانياً : فالحديث لا حجة لهم فيه ، فإن محمله عندى "العرّيّة"، ولى فى ذلك قرائن، منها: أن رسول اللّه ◌َّ رخض فى بيع العرايا فيما دون خمسة أوسق ، فالرجل صاحب النخل لما عرى أحداً من الفقراء نخلة ثم استبدلها بتمر فلا يلزم فيها فما دون خمسة أوسق صدقة ، ويأتى تفسير العربة ٢٠٩ العرایا هی محمل حديث الباب عند شيخنا والاختلاف فيه فى ( باب العرايا ) من أبواب البيوع إن شاء الله تعالى . وبدل عليه ما أخرجه الطحاوى فى "شرح معاني الآثار" (٢ - ٢١٣) ( باب العرايا) من طريق محمد بن اسحاق من حديث جابر بن عبد الله: ((إن رسول اللّه عَّلج رخص فى العرية فى الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة، وقال: فى كل عشرة أقناء قنو، يوضع فى المسجد للمساكين)). ورواه الشافعى وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم، كما فى "الفتح"، وفيه صرّح ابن اسحاق بالتحديث . قال الشيخ : وهذا الحديث لم يتمسك به أحد منا لهذا الغرض ، والحديث قوى ، وأخرجه الحافظ فى " الفتح" فى موضعين، منها : ( ٤ - (٣٢٤) من "الفتح"، وذكر أن ابن خزيمة صححه. قال الراقم: ورواه البيهفى فى "الكبرى" (٤ - ٣١١) ولفظه: قال: ((نهى رسول اللّه عَلّ عن المحاقلة والمزابنة، وأذن لصاحب العرايا أن يبيعوها)) بمثل خرصها، ثم قال: (( الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة)). وذكر فى "الجوهر النقي"، وذكر معناه ابن المنذر، وصححه الخطابى اهـ . فالحاصل أن الحديث رواه الشافعى وأحمد وابن المنذر والطحاوى وابن أبي يعلى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقى ، وصححه ابن خزيمة والخطابى ، وعزاه الحافظ إلى ابن خزيمة أيضاً ، ولم يذكر فيه هذه القطعة الأخيرة ، وهى: ((فى كل عشرة الخ ))، وأخرجه أبوداؤد فى "سننه" فى (باب حقوق المال) واختصره، فقال: عن جابر بن عبد اللّه: ((إن النبي ◌َّ ◌ُلّ أمر من كل جاذ" عشرة أوسق من التمر بقنو يعلق فى المسجد للمساكين ))، واللفظ غير واضح، فاختلفوا فى المراد به . قال الشيخ : وعندى يحمل على ما فى رواية (م - ٢٧) ٢١٠ معارف السنن ج - ٥. الطحاوى ، فإنه صريح فى المقصود صحيح فى اللفظ ، أخرجه من طريق محمد ابن اسحاق بعين إسناد الطحاوى وغيره ممن سبق ، وهو فى "زوائد الهيثمى" (٤ - ١٠٣)، ولفظه: ((إن رسول اللّه حَلّ رخص فى العرايا بالوسق والوسقين والثلاثة والأربعة ، وقال: فى كل آحاد عشرة أوسق ، وما بقى يوضع فى المسجد للمساكين ))، قال محمد: وهم اليوم يشترطون ذلك على التجارة . قال الهيثمى: رواه أبو يعلى ، وفيه محمد بن اسحاق ، وهو ثقة ، ولكنه مدلس، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ . وبالجملة الحديث هو هو أخرجه من سبق ذكره من: أحمد، والشافعى، وابن خزيمة . ووقع غلط فى حملته الأخيرة ، و "الآحاد" تصحيف "جاذ"، كما فى "سنن أبى داؤد"، و"عشرة أوسق" الصحيح فيه "عشرة أقناء"، كما فى رواية الطحاوى . فالحديث إذن واضح المبنى والمعنى لا غبار عليه ، فلله در شيخنا رحمه الله، ما أوسع بحثه وأبلغ فهمه ! ثم إنه رواه ابن اسحاق بالتحديث عند الآخرين ، فارتفع علة العنعنة فى رواية المدلس ، ثم بحثت عنه فهو فى "المسند" لأحمد (٣ - ٣٦٠) على لفظ أبى داؤد، والشطر الأول منه كما فى الطحاوى أيضاً عنده بذلك الإسناد . قال الشيخ : ویئیده حدیث الصحیحین ، رویاہ فى البيوع من حديث أبى هريرة: ((إن رسول اللّه فَ ل رخص فى بيع العرايا فى خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق)) . ووجه التأييد أنه ثبت الرخصة فى العربة إلى خمسة أوسق ، فكأن حديث الباب ينفى الصدقة من أوسق العربة . ومنها : ما أخرجه الطحاوى فى "شرح معانى الآثار" (٢ - ٢١٥) من طريق أبى بكرة عن أبى عمر عن جرير بن حازم عن قيس بن سعد عن مكحول ٢١١ بقية بحث العرايا الشامى مرسلاً عن رسول اللّه حَ ﴾ أنه قال: ((خففوا فى الصدقات، فإن فى المال العربة والوصية)»، وسنده قوى . ورواه أبو عبيد فى " الأموال" (ص ٤٨٧) عن مكحول من طريق جرير بن حازم: ((كان رسول اللّه عَل} إذا بعث الخراص قال : خففوا فإن فى المال العربة والوطية))، ورواه ابن أبى شيبة بلفظ: ((خفف على الناس فإن فى المال العارية والوصية))، ورواه أبو عبيد أيضاً عن عمر بن الخطاب قال: ((خففوا على الناس فى الخرص فإن فى المال العرية والواطئة والآكلة)). ورواه أبو داؤد فى " مراسيله" بلفظ: ((فإن فى المال العربة والواطئة))، ورواه أبو عمر ابن عبد البر من طريق ابن لهيعة عن أبى الزبير عن جابر مرفوعاً، ولفظه: (( خففوا فى الخرص فإن فى المال العرية والواطئة والآكلة)) الحديث. أخرجه الحافظ فى " التلخيص " (ص ١٨٢) . وبالجملة فروى مرفوعاً وموقوفاً ومرسلاً. والواطئة ، والوطية : سقاطة التمر ، تقع فتوطأ بالأقدام ، كما فسره به فى "النهاية" فى أحد الأقوال، وذكر أولاً: الواطئة : المارة والسابلة ، سموا بذلك لوطئهم الطريق . وقال : وقيل : هى من الوطايا جمع وطيئة ، وهى تجرى مجرى العرية ، سميت بذلك لأن صاحبها وطأها لأهله ، أى ذللها ومهدها ، فهى لا تدخل فى الخرص اهـ. وقال أبو عبيد فى " الأموال": وفى بعض الحديث: "الوطأة"، وبعضهم يقول: "الوطئة"، فأما الوطئة فليس بشىء ، وأما الواطئة والوطأة فهما جميعاً : السابلة، سموا بذلك لوطئهم بلاد الثمار مجتازين اهـ. قال الشيخ: وظنى أن الصحيح فى الرواية: ((الوصية)) كما فى رواية الطحاوى ، وبقية الألفاظ من تصحيف الرواة . ومنها : ما فى " سنن الكبرى " للبيهفى : أن أبا بكر وعمر كانا بأمران السعاة: أن لا يخرصوا فى العرايا. أقول: لم أجده فى "سنن البيهقى" فى الزكاة ٢١٢ معارف السفن ج - ٥ والبيوع، وكذا فيما عندى من "الأسفار" مع فحص بليغ، وتقدم عن عمر آنفاً ما فى " كتاب الأموال": ((خففوا على الناس فى الخرص فإن فى المال العربة الخ))، وفى "شرح الآثار" للطحاوى (١ - ٣١٧) فى (باب الخرص من الزكاة ) بإسناد قال: ((بعث عمر بن الخطاب سهل بن أبى حثمة يخرص على الناس فأمره: إذا وجد القوم فى نخلهم أن لا يخرص عليهم ما يأكلوا اهـ)). قال : وأما ثالثاً: فأقول: ولو سلمنا أن لا صدقة فيما دون خمسة أوسق فالمراد من هذه الصدقة ما كان تلزمهم أن يرفعوها إلى بيت المال وما يأخذها السعاة من أرباب الأموال ، فالغرض أن صدقة ما دون خمسة أوسق إنما يؤدونها إلى الفقراء ديانةً فيما بينه وبين الله تعالى، وإذا أعرى رجلا ذلك المقدار فأداه إلى المعرى له فأديت صدقته فى ضمن ذلك فلا تجب عليه إذن صدقته . قال الشيخ : ثم رأيت بعد برهة من الدهر فى كلام أبى عبيد فى " كتاب الأموال": أن حكم عدم الصدقة إنما هو فى العربة ، فإذن يكون الجواب نفسه فى كلام أبى عبيد، والا يستدل به من رواية الطحاوى وغيره. أقول: لم أقف عليه فى کتابه لا صراحة ولا إشارةً ، وإنما هو ليستدل بحديث أبی سعید حديث الباب النصاب الصدقة فيما خرج من الأرض على وفق مسلك الجهور ، فيقول فى ( ص ٤٧٩ ) من " كتاب الأموال": وإنما يجب على هذا العشر أو نصف العشر بعد بلوغ ما تخرج الأرض خمسة أوسق فصاعداً ، بذلك جاءت السنة والآثار، ثم ساق حديث أبى سعيد وغيره من الآثار. وما ذكره فى (ص ٤٨٩) من بيان السنة: ((أن لا صدقة فى أقل من خمسة أوسق، وأن لا صدقة فى العرابا)) فإنما يريد أنه: لا صدقة فى العرايا ، وأنه لا صدقة فى غيرها أيضاً فيما دون خمسة أوسق، لا أن عدم الصدقة فى خمسة أوسق إنما هو فى العربية فقط، وربما يستأنس لذلك بما أخرجه أبو عبيد فى "كتاب الأموال" ( ص ٤٨٦) قال: حدثنا حجاج ٢١٣ المذاهب المتبوعة أقدم تاريخاً من كتب الحديث عن ابن جريج عن عمرو بن يحى بن عمارة عن أبيه عن أبى سعيد الخدرى عن النبى محمد لي قال: ((ليس فى العرايا صدقة)). ثم بهذا الإسناد نفسه سرد حديث أبى سعيد فى (ص ٤٧٩ ): قال رسول اللّه مَ ل: (( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة الخ))، ولا يذكر فيه العربة أصلاً، فكأن الحديث هو هو لإتحاده سنداً ومخرجاً . فيحتمل أنه ربما يكون دليل الآخر وتكملة له ، فلقائل أن يقول : أنه ليس فما دون خمسة أوسق صدقة ، وذلك لأنه فى العرايا ، وليس فى العرايا صدقة . ويمكن أن الشيخ رحمه الله أراد هذا المربى فى كلامه وعلى كل حال ليس هو دليل قاطع على أنه أريد ذلك فى الرواية ، فضلاً أن يكون أبو عبيد أراده فى كلامه . وغاية ما يلزم من كون الحديث واحداً أنه حذف منه جزءً فى كل مقام. علا أنه ليس المدار على هذا القدر ، بل روى عدم الصدقة فيما دون خمسة أوسق عن أبى سعيد بغير هذا الإسناد فى "الصحيحين"، وعن غير أبى سعيد عند غيرهما. والرخصة فى العربة إنما جاء عند الجمهور استثناء عن بيع المزابنة ، فإنه منهى عنه عندهم أيضاً. وقد جمع هذا النهى والرخصة جميعاً فى روايات ، ولا داعية إلى تفصيلها . نعم لا مانع أن يكون هذا الذى أراده الشيخ من المحمل سائغاً وإن لم يذكره أحد ، ولا حجة فى ذكر حديث فى باب خاص أن يكون هو فى نفس الأمر من ذلك الباب ، فكم من أحاديث تختلف أذواقهم فى سياقها ، فطائفة يجعلونها من باب وأخرى من باب آخر. وإنما الحجة فى قول رسول الله صَلجهله، نعم التبادر أمر آخر ، ولا ريب أن المذاهب المتبوعة أقدم تاريخاً من تدوين كتب الحديث ، وهؤلاء أرباب التأليف بضوء أرباب المذاهب قسموا الأحاديث إلى تلك الأبواب ، والفضل فى جعل كل حديث من باب كذا إنما يرجع إلى أرباب الإجتهاد السابقين، الأقدم فالأقدم، وليس هذا موضع بسط البحث فى ذلك ٢١٤ معارف السنن ج - ٥ والذى أقول: إن تأويل الشيخ غير بعيد بل هو أقرب من تأويل الجصاص وغيره بتأويله بزكاة التجارة ، وإن شواهد ما ذكره وقرائنه أوفر من كل تأويل غيره . علا أن الشيخ لم يخرجه بالتأويل عن ظاهره ، فإن ذوق الشيخ كان ينبو عن مثل تلك التأويلات التى راحت بين كثير من العلماء ، وإنما بين ما هو أقرب محمل إلى ظاهر الحديث وأوفق بمذهب أبى حنيفة الإمام المنبى عن التعامل . ولا ريب أن كل ما يمتد الزمان يحمل التعامل ويناط الأمر على الروايات؛ وليس هذاموضع تفصيله)، واللّه سبحانه ولى التوفيق والهداية والتحقيق. وأبو عبيد إمام غريب الحديث، وينقل فى كتابه فى "غريب الحديث" عن الإمام محمد بن الحسن الشيبانى ، وهو من معاصرى يحى بن معين وأحمد بن حنبل ، قاله الشيخ أقول: هو : الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام بن ابراهيم البغدادى ، المولود سنة ١٥٤ هجرية، وقيل: ١٥٠ هـ، والمتوفى سنة ٢٢٤ مجربة، كان أعلم أهل عصره بأيام الناس والنحو والغريب والفقه ، وفيه يقول اسحاق بن راهويه : أبو عبيد أوسعنا علماً، وأكثرنا أدباً، وأجمعنا جمعاً. وقال: إنا نحتاج إلى أبى عبيد وأبو عبيد لا يحتاج إلينا. وقال: إن الله لا يستحى من الحق، أبو عبيد أعلم منى ومن أحمد بن حنبل والشافعى . وفيه يقول أحمد بن حنبل : أبو عبيد يزداد كل يوم عندنا خيراً . وله تآليف كثيرة ، منها : " كتاب الأموال" ، وطبع بمصر، وله كتاب "غريب الحديث"، وبقى فى تأليفه أربعين سنة. وأول ما سمعه منه ابن معين ، ووقف عليه عبد اللّه بن طاهر وقال : إن عقلاً دعا صاحبه ، لمثل هذا حقيق على أن لا يحوج إلى طلب المعاش ، وأجرى له كل شهر عشرة آلاف درهم، كما فى "الشذرات" و "ابن خلكان" وغيرهما . ومن شيوخه: شريك بن عبد الله النخعى وابن عيينة وابن المبارك واسماعيل بن عياش ٢١٥ بيان الأقوال الثلاثة فى صدقة الخيل ( باب ما جاء ليس فى الخبل والرقيق صدقة ) حدثنا : محمد بن العلاء أبو كريب ومحمود بن غيلان قالا نا وكيع عن سفيان وشعبة عن عبد الله بن دينار عن سليمان بن سيار عن عراك بن مالك عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه عَلَةٍ: ((ليس على المسلم فى فرسه ولا عبده صدقة)). وفى الباب عن عبد الله بن عمرو وعلى . قال أبو عيسى: حديث أبى هريرة حديث حسن صحيح . والعمل عليه عند أهل العلم : أنه ليس فى الخيل السائمة صدقة ، ولا فى الرقيق إذا كانوا للخدمة صدقة ، إلا أن يكونوا للتجارة ، فإذا كانوا للتجارة ففى أثمانهم الزكاة إذا حال عليها الحول . وطبقتهم . وترجمة الخطيب فى " تاريخه" من الجزء الثانى عشر، والذهبى فى عدة كتبه ، وياقوت فى "معجم الأدباء" وابن خلكان وغيرهم من لا يحصون. تكملة : بقى فى الباب البحث عن الصاع وبيان الاختلاف فى مقداره ، وقد تقدم كل ذلك مستوفىَ فى الطهارة فلا نعيده . -: باب ما جاء ليس فى الخيل والرقيق صدقة :- الأقوال فى صدقة الخيل ثلاثة : ١ - وجوب الصدقة فيها إذا كانت للتجارة ، وذلك بالتقويم ، وهو مذهب الجمهور من السلف والخلف، بل انعقد عليه الإجماع، كما نقله ابن المنذر، حكاه فى " الفتح". ٢٠ - وجوبها أيضاً إذا كانت سائمة متناسلة ، وهو مذهب أبى حنيفة وحماد ابن أبى سليمان وابراهيم النخعى ، وذكر السرخسى أنه مذهب زيد بن ثابت . ٢١٦ معارف السنن ج - ٥. ( باب ما جاء فى زكاة العسل ) حدثنا : محمد بن يحى النيسابورى نا عمرو بن أبى سلمة التنيسى عن صدقة ابن عبد الله عن موسى بن يسار عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه ج (« فى العسل فى كل عشرة أزق زق)). ٣- لا صدقة فيها مطلقاً، سواء كانت للتجارة، أو سائمة، أو الخدمة، وهو مذهب الظاهرية ، وهو قول مخالف منابذ للإجماع ، فلا عبرة به ، وراجع "العمدة" ( ٤ - ٣٨٣ و ٣٨٤) للتفصيل . وتقدم بعض البيان فيه فى زكاة الذهب والورق قبل أربعة أبواب فلا نعیده . وبالجملة حديث الباب مؤول عند الجمهور أيضاً ، حيث خصصوه بما إذا لم تكن التجارة ، فلم يكن على ظاهره عندهم أيضاً . وذكر الزيلعى قصتين من أخذ عمر الفاروق زكاتها ، ولنا ظاهر ما فى حديث " مسلم" (١ - ٣١٩): ((ثم لم ينس حق الله فى ظهورها ولا فى رقابها، . فالظاهر أن الحق فى رقابها ليس إلا صدقتها، وهم يتأولون فيه . والجواب عن حديث الباب بأن المراد: خيل الركوب، وقد سلم سائر الأئمة فى العبد بأن المراد منه عبيد الخدمة ، فإذا كان العبد مخصوصاً بعبد الخدمة فى عدم الصدقة فجعل أبو حنيفة الخيل أيضاً خيل الخدمة والركوب ، لتكون القرينتان متناسبتين . -: باب ما جاء فى زكاة العسل :- قال أبو حنيفة: فى العسل العشر إذا أخذ من أرض العشر، قل أو كثر. وحديث الباب حجة فى ذلك. وتكلم فيه الترمذى لأجل " صدقة بن عبد الله السمين الدمشقى " وهو ضعيف عند الأكثر ، غير أنه وثقه أبو حاتم ودحيم وأبو زرعة . أنظر " الميزان" و " التهذيب"، فمثله يتحمل ، خصوصاً إذا ٢١٧ تحقيق حديث أبى سيارة المتعى وأقوال الأئمة فى زكاة العسل وفى الباب عن أبى هريرة وأبى سيارة المتعى وعبد الله بن عمزو . قال أبو عيسى: حديث ابن عمر فى إسناده مقال، ولا يصح عن النبي(جَ لٍ فى هذا كانت له شواهد. وقول البخارى : لا يصح فى هذا الباب شىء ، وكذا قول الترمذى : لا يلزم منه أن لا يحتج به ، كيف وقد ذهبوا إلى أقوال مع ضعف الأحاديث؟! وأيضاً يكفى للاحتجاج الحسن ولا يشترط له الصحيح . ولنا حديث آخر ذكره الحافظ الزيلعى فى "تخريج أحاديث الهداية" وابن الحمام فى " الفتح"، وهو حديث أبى سيارة التعى، أخرجه ابن ماجه وأحمد والطيالسى والبيهقى من طريق سليمان بن موسى عن أبى سيارة . قال : ((قلت: يا رسول الله إن لى نحلاً؟ قال: أد العشور، قلت: يا رسول الله أهمها لى؟ فحماها لى))، ولكنه ليس بمرسل بالمعنى المعروف وإنما هو منقطع بأن سليمان لم يدرك أبا سيارة ولا غيره من الصحابة ، وإن عبر عنه البخارى بالمرسل، كما فى "نصب الراية" (٢ - ٣٩١). وقول ابن الحمام فى " الفتح": " والمرسل بانفراده حجة" ليس فى مجمله، فإنما الحجة بانفراده هو المرسل بالمعنى المعروف دون المرسل بمعنى المنقطع والله أعلم. ثم إن فى الحديث هذا الأمر بأداء العشر مقدم على سؤاله الحمى. فالقول بكونه فى مقابلة الحمى - كما يقوله الحافظ ابن حجر - يرده هذا الحديث، وأكثر أهل العلم وأحمد من الأئمة موافقون لأبى حنيفة فى صدقة العسل، كما يقوله الترمذى . قال فى "المغنى" (٢ - ٥٧٧): قال: ويروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز ومكحول والزهرى وسليمان بن موسى والأوزاعى واسعاق . قال: وقال مالك والشافعى وابن أبى ليلى والحسن بن صالح وابن المنذر: لا زكاة فيه الخ . وما قاله الترمذى عارضه العراقى بقول ابن المنذر : بأنه ليس فى ( ٢ - ٢٧ ) ٢١٨٠ معارف السين ج - ٥ الباب كبير شىء. والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم . وبه يقول أحمد واسحاق . وقال بعض أهل العلم: ليس فى العسل شىء . العسل خبر يثبت ولا إجماع، وهو قول الجمهور، كما فى "العمدة" و "الفتح". قال الراقم : وليس قول ابن المنذر أوثق نقلا من قول الترمذى فى " منه" و" جامعه"، ويكفى ثبوت الخبر عند القائلين به ، ونحن أيضاً لا ندعى الإجماع فى جانب ، فالحكم خلافى . وإدعاء أنه قول الجمهور غير مقبول لما عرفت من نقل ابن قدامة من فقهاء البلاد ما يوافق أحمد وأبا حنيفة وبالله التوفيق. والعسل الذى يؤخذ من المفاوز والجبال ففيه أيضاً عشر. ونقل فی " البدائع" الوجوب فى رواية محمد عن أبىحنيفة ، وعدمہ فی رواية أصحاب الإملاء عن أبى يوسف . ثم هذا كله فى دار الإسلام ، وأما فى دار الحرب فلا عشر ولا خراج فائدة : قال الشيخ : إعلم أن أراضى بلاد الهند ليست بعشرية ، لأنها أصبحت من دار الحرب، وهكذا تحقق عندى من كتب الفقه ، وكذا صرح مولانا الشيخ رشيد أحمد الكنكوهى بأن أراضيها أراضى دار الحرب . أقول : وكذا صرح قبله الشيخ الشاه عبد العزيز الدهلوى فى " فتاواه". قال: وذكر الشيخ مولانا محمد أعلى التهانوى فى رسالة له : بأن أراضى الهند ليست بعشرية ولا خراجية ، وإنما هى الأراضى المملكة وأراضى الحوزة ، وهى أراضى بيت المال . أقول : حكاه الشاه عبد العزيز فى " فتاواه"، وكذا حكى رسالة أُخرى فى مثله للشيخ جلال الدين التهايسرى . ثم وقفت على رسالة الشيخ الجلال التهانيسرى ، وهى قد طبعت سنة ١٣٠٣ هـ بالهند فى " مطبعة أحمد حسن خان "، وذكر فيها : أن أراضى ولاية الهند ليست على سفن واحد . ٢١٩ تحقيق أراضي الهند تم ذكر منها أنواعاً شتى ، وذكر من جملتها : ما أعطى الإمام بأول الفتح لبعض الغانمين أو لبعض المستحقين من العلماء أو غير العلماء من المسلمين فأحياها بإذن الإمام أو فتح بعض الداخلين مع الإمام فى دار الحرب بلدة من البلاد فأقر الإمام عليهم فأحيوها بإذنه ، فمثل هذه الأراضى تدخل فى ملك هؤلاء بلا خلاف ، وتصير الأراضى عشرية قطعية ، إلى أن قال : إن الأراضى إذا كانت على هذه الأنواع المختلفة التى سبق ذكرها لا يجوز الحكم بملكيتها أو بعدم ملكيتها ما لم يعلم أنها من أى الأنواع ، فإذا علم على وجه اليقين على نوع معين من أنواع حكم على ذلك النوع المعين . وأما قبل العلم بذلك فلا يبادر إلى الفتوى آهـ . وراجعها من (ص - ١١ إلى ص ١٤). قال الشيخ. وبلغنى عن الشيخ الكنكوهى: أنه أفتى بأن مالك الأرض إذا لم يعلم أن أرضه انتقلت إليه من أيدى الكفار وكانت فى يده فعليه العشر فيها والله أعلم ثم إن دار الحرب هى التى يكون فصل الخصومات فيها بأيدى الكفار ، وهو أحد الشروط الثلاثة لتحقق دار الحرب . والثانى : أن لا يبقى فيها مسلم ولا ذمى آمناً بالأمان الأول على نفسه الذى كان ثابتاً قبل استيلاء الكفار . والثالث : أن لا تكون متصلة بدار الإسلام. ووقع تقييدها فى " الدر المنتقى" وشرحه : بما يرجى منها إنقاذها من أيدى الكفار ، فإذن هذه الثلاثة كلها موجودة فى بلاد الهند كما حقق شيخنا أيضاً فى خطبته التى ألقاها فى حفلة "جمعية العلماء " السنوية المنعقدة فى بشاور سنة ١٣٤٦ - مجربة. وراجع " رد المحتار " من كتاب الجهاد قبيل ( باب العشر والخراج ) . وليس الإصطلاح على أنها هى التى يمنع فيها المسلمون من إقامة العبادات الصلاة والصيام كما يظنه البعض ، فإنه لا أصل فى كتب الفقهاء لهذا التعريف أصلاً، فالبلاد التى يقدر فيها المسلمون على أن ينصبوا القضاة ، ويجعلون فصل قضاياهم بأيديهم فهى دار الإسلام ، كبلاد الأفغان . نعم إذا لم يجعل هؤلاء ذلك ولم ينفذوا الحدود والشرائع كانوا آثمين . ٢٢٠ معارف السنن ج - ٥ وأما الأراضى المملكة فهى أراض لا مالك لها ، ودفعها السلطان إلى قوء ليعطوا الخراج، فهى الأراضى المملكة ، وتسمى أراضى الحوزة ، فهى لا عرية ولا خراجية. وحكمها: أنه يجوز للإمام دفعها إلى الناس الزراع بأحد طريمين إما بإقامتهم مقام الملاك فى الزراعة وإعطاء الخراج ، وإما بإجارتها لهم بقدر الخراج ، فيكون المأخوذ فى حق الإمام خراجاً ، كذا ذكره ابن عابدين عن "التتار خانية" و"الدر المنتقى" فی کتاب الجهاد، وفى كتاب الزكاة من " رد المختار" . وذكر فى كتاب الجهاد: إن أراضى بيت المال المملكة إذا كانت فى أيدى الزراع لا تنزع من أيديهم ما داموا يؤدون ما عليها ، ولا تورث ولاتباع. ولكن مما ينبه عليه ههنا أنه لا تتحقق هذه الصورة فى أراضى الهند التى هى فى أيدى المسلمين بعد استيلاء النصارى ، حيث ليس هنا بيت المال ولا إمام المسلمين، والناس ملكوها شراءً أو إرثاً، طبقةً بعد طبقة ، وهم يتصرفون فيها تصرف الملاك ، ومضى على ذلك زمان ، وإن اليد والتصرف من أقوى أمارات الملك ، فهى مملوكة لهم ، ولم يعرف أنها كانت ملكاً لبيت المال . وقد صرح الجصاص فى "أحكامه" من الجزء الثانى: أن أراضى الخراج مملوكة عندنا لأهلها ، وأبطل القول بأنها غير مملوكة ، وأنها مبقاة على حكم الفئ . ولو سلمنا أنها كانت لبيت المال لكنها لم يبق بيت المال ولا ولاة المسلمين بل لم تبق الدار دار الإسلام ، فعدم وجوب العشر قضاءً لأنها من دار الحرب وصرح ابن عابدين فى الركاز من "رد المحتار": أن أراضى دار الحرب لا عشرية ولا خراجية. والحكومة المسيطرة تأخذ منها الخراج موظفاً ولكن هذا الخراج لا يوضع فى مواضعها الشرعية الإسلامية من بناء القناطر وسد الثغور وأرزاق المقاتلة ، فلم يصح هذا الخراج أيضاً.