Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
شرح ألفاظ حديث أبى ذر رضى الله عنه
(باب ما جاء عن رسول اللهنَّ﴾ فى منع الزكاة من التشديد)
حدثنا هناد بن السرى نا أبو معاوية عن الأعمش عن معرور بن سويد عن
أبى ذر قال: ((جئت إلى رسول اللّه فَلَمُ وهو جالس فى ظل الكعبة، قال:
فرآنى مقبلاً، فقال: هم الأخسرون ورب الكعبة يوم القيامة! قال: فقلت :
العلماء فى تعيينها ، فقال قوم : هى جزء من المال مقدر معين ، وبه قال مالك
والشافعى ، وقال قوم : هى جزء من المال مقدر غير معين ، قال : وحكمتها
شكر نعمة المال كما أن حكمة الصلاة شكر نعمة البدن اهـ. وفى حكمتها وجوه
غيرها أيضاً فى "العمدة"، ولها ركن وسبب وشرط وحكم وحكمة ، وليس
هذا موضع بيانها .
-: باب ما جاء عن رسول اللّه عَلّ فى منع الزكاة من التشديد :-
قوله : فی ظل الكعبة. وحديث أبىذر عند البخاری فی الزكاة فی زكاة البقر ،
وليس فيه تعيين المكان ولا الزمان، وأخرجه فى النذور وفيه: ((فى ظل
الكعبة )). وأما لفظ: (( فی ظل القمر ، فوقع فى حديث أبىذر عند البخارى
فى الرقاق فى (باب المكثرون هم المقلون) قال: ((خرجت ليلة من الليالى
فإذا رسول اللّه عَلّ يمشى وحده وليس معه إنسان، قال: فظننت أنه يكره
أن يمشى معه أحد ، قال : فجعلت أمشى فى ظل القمر، فالتفت فرآنى الخ ،،
وفى رواية ذكرها الحافظ: ((كنت أمشى مع رسول اللّه فَلٍ فى حرة المدينة
عشاء))، قال الحافظ : فأفادت تعيين الزمان والمكان . ثم ذكر أول حديث
( ٢ - ٢١ )

١٦٢
معارف السنن
ج - ٥
مالى؟! لعله أنزل فيَّ شئ. قال: قلت : من هم - فداك أبى وأمى -؟. فقال
رسول اللّه فَله: هم الأكثرون، إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا، فحثا بين
يديه وعن يمينه وعن شماله ، ثم قال : والذى نفسى بيده ! لا يموت رجل ،
فيدع إبلا أو بقراً ، لم يؤد زكاتها ، إلا جاءته يوم القيامة أعظم ما كانت
وأسمنه ، تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها، كلما نفدت أخراها عادت عليه أولا ها
حتى يقضى بين الناس)).
أبى ذر حديث الباب ، وقال : هى قصة أخرى مختلفة الزمان والمكان والسياق
اهـ. أنظر " الفتح" (١١ - ٢٢٢). وبالجملة حديث "ظل القمر" لا علاقة
له بحديث الباب ، غير أنهما من رواية أبى ذر جميعاً .
قوله : فيدع. صيغة المضارع هذه إما بالرفع أو بالنصب ، وبينها فرق .
وراجع له ما تقدم فى كتاب الطهارة فى حديث: ((لا يبولن أحدكم الخ))،
وما ذكر من الوجوه الأربعة فى قولهم : "ما تأتينا فتحدثنا". والمشهور فى مثله
النصب بتقدير "أن" جواباً للنفى.
قوله : وأسمنه . الضمير راجع إلى المصدر المنسبك دون كلمة "ما" فإنه
حرف. وذكر الرضى فى بحث الإضافة من المجرورات: أن زيداً أفضل رجل،
معناه: أفضل كل رجل ، والزيدين أفضل رجلين، أى أفضل هذا الجنس إذا
كان كل قسم رجلين ، والزبدون أفضل رجال ، أى أفضل هذا الجنس إذا
كان كل قسم رجال الخ . وجمهور النحاة وأرباب الأصول والمعانى يصرحون
بأن الجمع معناه واحد ، وأحد لا المجموع من حيث المجموع ، قاله الشيخ .
قوله : كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها الخ . وقع فى رواية "مسلم":
((كلما مر عليه أولاها رد عليها أخراها)) فى (باب إثم مانع الزكاة ) فى حديث

٠١٦٣
تحقيق قول ضحاك بن مزاحم: "الأكثرون أصحاب عشرة آلاف"
وفى الباب عن أبى هريرة مثله . وعن على بن أبى طالب قال: ((لعن مانع
الصدقة))، وعن قبيصة بن هلب عن أبيه، وجابر بن عبد اللّه، وعبد الله بن
مسعود . قال أبوعيسى : حديث أبى ذر حديث حسن صحيح . واسم أبى ذر:
جندب بن السكن ، ويقال : ابن جنادة .
حدثنا عبد الله بن منير عن عبيد الله بن موسى عن سفيان الثورى عن حكيم
إبن الديلم عن الضحاك بن مزاحم قال: ((الأكثرون أصحاب عشرة آلاف)).
أبى هريرة من طريق زيد بن أسلم عن ذكوان عنه ، وعنده من طريق سهيل
عن أبيه عنه مثل ما عند الترمذى ، وكذا ما عنده من حديث أبى ذر يوافق ما
عند الترمذى. أما اللفظ الأول عند مسلم فقال المحدثون: هو تغيير وتصحیف،
وصوابه: "كلما مر عليه أخراها رد عليه أولاها"، كما فى بقية الروايات، وقيل فى
توجيهه ما ملخصه : أنه على صورة الحلقة والتدوير ، والحق أنه تصحيف من
الراوى ووهم منه. القول الأول للقاضى عياض، حكاه النووى وأقره ولم يذكره
غيره . والقول الثانى أبداه احتمالاً القرطبى ثم الطيبى، ذكره الحافظ فى "الفتح"
(٣ - ٢١٣) وراجعه للتفصيل.
قوله : الأكثرون الخ. ذكر فى حاشية "جامع الترمذى" المطبوعة بالهند:
إن هذا التفسير من الضحاك لحديث آخر: (( من قرأ ألف آية كتب من المكثرين
المقنطرين))، وفسرهم بأصحاب عشرة آلاف درهم ، وأورده الترمذى لمناسبة
ضعيفة اهـ. قال الراقم : ولعل الضحاك نقل عنه ذلك فى تفسير "القنطار" فى
قوله تعالى : ( والقناطير المقنطرة ) من " آل عمران"، وعنه فيها أقوال أخر
ذكرها القرطبى فى "تفسيره" (٤ - ٣١). ثم لفظ الحديث: ((ومن قام
بألف آية كتب من المقنطرين)) رواه أبو داود فى "سننه" وابن حبان فى "
صحيحه".

١٦٤
معارف السنن
ج - ٥
(باب ما جاء اذا أدبت الزكاة فقد قضيت ما عليك)
حدثنا عمر بن حفص الشيبانى نا عبد الله بن وهب نا عمرو بن الحارث
﴿ قال: (( إذا أديت
ـلا
عن دراج عن ابن حجيرة عن أبى هريرة : إن النبى
زكاة مالك فقد قضيت ما عليك)) .
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب . وقد روى عن النبى
من غير وجه: ((أنه ذكر الزكاة، فقال رجل: يا رسول اللّه! هل علىّ غيرها؟
فقال: لا، إلا أن تتطوع)). وابن هبيرة هو: عبد الرحمن بن حجيرة البصرى.
حدثنا محمد بن اسماعيل ثنا على بن عبد الحميد الكوفى نا سليمان بن المغيرة
عن ثابت عن أنس قال: (( كنا نتمنى أن يبتدى الأعرابى العاقل فيسأل النبى
من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، ووقع فى "تفسير القرطبى": عبد الله
ابن عمر، وهو خطأ من الناسخ بإسقاط الواو .
-: باب ما جاء إذا أديت الزكاة فقد قضيت ما عليك :-
قوله : فقد قضيت ما عليك . أى قضيت ما عليك من الواجب الذى
وجب ذمتك من هذا النوع، فيؤول به أو بمثله، ثم الجمهور ذهبوا إلى أنه لا حق
فى المال بعد أداء الزكاة، وبعض السلف يرى أن فى المال حقاً سوى الزكاة، ولكنه
غير منضبط مفوض إلى رأى المبتلى به وهو المختار، ويأتى تفصيله فى (باب ما جاء
أن فى المال حقاً سوى الزكاة )
قوله : نتمنى الخ. كان الصحابة رضى الله عنهم نهوا عن السؤال بقوله
تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسوءكم الآية) واختلف

قال ابن عباس: ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب محمد عَّله الخ ١٦٥
جلالله
حَكُلٍّ ونحن عنده ، فبينا نحن كذلك إذ أتاه أعرابى فجثا بين يدى النبى
فقال : يا محمد ! إن رسولك أتانا فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك؟ فقال
النبى ◌َّلج: نعم، قال: فبالذى رفع السماء وبسط الأرض ونصب الجمال
اللّه أرسلك؟ فقال النبى بَّجُ: نعم. قال : فإن رسولك زعم لنا أنك تزعم
أن علينا خمس صلوات فى اليوم والليلة؟ فقال النبى عَ لج: نعم. قال: فبالا"
أرسلك! آلله أمرك بهذا؟ قال نعم . قال: فإن رسولك زعم لنا أنك تزعم أ.
علينا صوم شهر فى السنة؟ فقال النبى ◌َّالج: صدق. قال: فبالذى أرسلك
اللّه أمرك بهذا؟ فقال النى حَ له: نعم. قال: فإن رسولك زعم لنا أنك زعم
أن علينا فى أموالنا الزكاة؟ فقال النبى فضَّل: صدق. قال: فبالذى أرسلك .
اللّه أمرك بهذا؟ قال النبى عَّ: نعم. قال: إن رسولك زعم لنا أنك تزعم
الروايات فى شأن نزوله ، راجع لها "الدر المنثور" (٢ - ٣٣٤). وأخرج
السيوطى فى "الدر المنثور" (١ - ٢٤٤) برواية الدارمى والبزار وابن المنذر
والطبرانى عن ابن عباس قال: (ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب محمد
عَ ل ، ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن فى القرآن ،
منهن: يسألونك عن الخمر والميسر ، ويسألونك عن الشهر الحرام ، ويسألونك عن
اليتامى الخ، وفى آخره : ما كانوا يسألون إلا عما كان ينفعهم اهـ)).
قوله : إذ أتاه أعرابى. الأعرابى: ضمام بن ثعلبة، ومثل هذه القصة فى
"الصحيحين" من طلحة بن عبيد الله قال: ((جاء رجل إلى رسول اللّه عَ لَّه من
أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوى صوته ولا نفقه ما يقول الخ )) جزم ابن بطال
وآخرون بأنه : ضمام بن ثعلبة ، وتعقبه القرطبى بأن سياقهما مختلف وأسئلتهما
متبائنة ، ودعوى اتحادهما تكلف من غير ضرورة ، وإليه يظهر جنوح الحافظ
فى "الفتح" (١ - ٩٨). راجعه، وراجع " العمدة" (١ - ٣١٠).

١٦٦
معارف السنن
ج - ٥
أن علينا الحج إلى بيت الله من استطاع إليه سبيلا؟ فقال النبى وحَّّ: نعم.
قال: فبالذى أرسلك! آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم . فقال : والذي بعثك
بالحق لا أدع مثهن شباً، ولا أجاوزهن، ثم وثب. فقال البى حَاجٍ: إن
صدق الأعرابى دخل الجنة )) .
قوله: أن علينا الحج. أشكل عليهم ذكر الحج فى هذا الحديث، فإن الحج
فرض فى السادسة أو التاسعة، وقدوم ضمام بن ثعلبة وافداً كان فى السنة الخامسة،
فإن كان الوافد غير ضمام فلا إشكال أصلاً ، وإن كان هو، فالجواب أن المحقق أن
قدوم ضمام بن ثعلبة كان فى سنة تسع، وبه جزم ابن اسحاق وأبو عبيدة والطبرى
وغيرهم، واختاره البدر العينى وابن حجر العسقلانى. أنظر " الفتح" (١ )
١٤٠) و "العمدة" (١ - ٤٠٣)، فقد أيدا ذلك بوجوه. وفرض الحج فى
السادسة عند الجمهور، كما فى "الفتح" (٣ - ٣٠٠).
قوله : دخل الجنة . أشكل فيه عدم ذكر السنن الرواتب . قال الشيخ:
لعلها ليست عليه، ولكنه من خصوص هذا الأعرابى، لأنه حضر رسول اللّه عَ لَه
وتلقى ذلك القدر شفاهاً ، فلم يلزم عليه غيره . نعم لا يجوز ترك الرواتب
لغيره، وأوله بعضهم: بأن مراد الرجل "بأن لا أدعهن الخ" مع أداء السنن من
غير تغيير فى الصفة والهيئة . قال الشيخ: يرده ما فى "صحيح البخارى" فى
رواية: ((والذى أكرمك لا أتطوع شيئاً ولا أنقص مما فرض الله تعالى على شيئاً)).
أخرجه فى الصيام. وراجع "العمدة" (١ - ٣١٢) للتأويلات فى قوله :
((لا أزيد الخ)) فى حديث ضمام بن ثعلبة. وكذلك أشكل عدم ذكر كثير من
الأحكام فى هذا الحديث مثل فرضية الوضوء وغيره ، فكيف يكون ناجباً مع
ترك الفرائض . قال الشيخ: قد ذكر كثير من الأحكام فى عدة طرق حديث

١٦٧٠٠٠
بيان أن المنسوب إلى " الحميدى" اثنان
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه . وقد روى من
غير هذا الوجه عن أنس عن النبى وَ﴾ .
سمعت محمد بن اسماعيل يقول : قال بعض أهل الحديث : فقه هذا
الباب . أقول: وقع فى "الصحيح" من كتاب الصيام فى حديث ضمام: ((فأخبره
رسول اللّه عَ لٍ بشرائع الإسلام)). قال الحافظ: فدخل فيه باقى المفروضات، بل
والمندوبات اهـ. وأوضحهه العينى، وذكر أن فى بعض طرقه ذكر صلة الرحم ،
وفى بعضها أداء الخمس الخ، فراجعه من (١ - ٣١٢ و٣١٣). قال الشيخ:
وكذا عند أحمد فى " مسنده" فى بعض طرقه. قلت: ولم أقف عليه .
وأما مسألة الإثم على ترك السنن فليس هذا محل ذكرها فإنها طويلة البحث
صعبة المنال ، وتقدم نبذ منه فى أوائل الطهارة فى حديث: (( تحريمها التكبير
الخ)) فراجعه . قال الشيخ: وظنى أن تركها بقدر ما ثبت تركها من حضرة
الرسالة لا يترتب عليه الإثم والله أعلم.
قوله : قد روى الخ. رواه أحمد والبخارى ومسلم وآخرون .
قوله: وقال بعض أهل الحديث الخ. أراد به الحمیدی شیخ البخاری وصاحب
الشافعى، وليس هو الحميدى صاحب «الجمع بين الصحيحين"، فالحمیدی الأول
هو: أبو بكر عبدالله بن الزبير بن عيسى، منسوب إلى حميد بن أسامة ، قريشى
إمام كبير ، رافق الشافعى فى طلب الحديث عن ابن عيينة وطبقته ، وأخذ عنه
الفقه ، ورحل معه إلى مصر ، ورجع بعد وفاته إلى مكة ، ومات بها سنة
تسع عشرة ومائتين (٢١٩ - هـ). وأما الثانى: فهو: أبوعبد الله محمد بن
أبى نصر الجميدى الأندلسى ، حافظ جليل القدر ، وكان ظاهرياً على ما يقال ،

١٦٨
معارف السنن
ج - ٥
الحديث أن القراءة على العالم والعرض عليه جائز، مثل السماع، واحتج بأن الأعرابى
عرض على النبى حَكِ، فأقرَّ به النبى ◌َّه
صلا
( باب ما جاء فى زكاة الذهب والورق)
حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبى الشوارب نا أبو عوانة عن أبى إسحاق عن
عاصم بن ضمرة عن على قال: قال رسول اللّه حَ لالٍ: ((قد عفوت عن صدقة
الجيل والرقيق ،
توفى سنة ( ٤٨٨ - هـ)، ترجم له الذهبى فى "طبقاته" من الجزء الرابع
وغير واحد .
قوله : جائز مثل السماع الخ . كان فيه بعض الخلاف فى القديم فى العراق
ثم انقطع، فاتفقوا على جوازه. أنظر له " الفتح" و"العمدة" من كتاب العلم،
وتقدم تفصيل صيغ الأداء ومراتبها وخلاف العلماء فيها فى أوائل الكتاب .
- باب ما جاء فى زكاة الذهب والورق :-
الورق - بكسر الراء - : الفضة غير مضروبة ، هذا أشهر اللغات فيه ،
وثبت بسكون الراء وبكسر الواو ، كما فى "الفتح". وفى موضع آخر من
" الفتح": أنها أعم من أن تكون مضروبة أو غير مضروبة
قوله : قد عفوت عن صدقة الخيل الخ . قال مالك والشافعى وأحمد :
لا زكاة فى الخيل ، هو قول أكثر أهل العلم ، كما فى " مغنى ابن قدامة"،
وإليه ذهب صاحبا أبى حنيفة . وفى " فتاوى قاضيخان": قالوا: والفتوى على
قولها ، وكذا ر. قولهما فى "الاسرار"، ورجح شمس الأئمة وصاحب

١٦٩
تحقيق مسألة زكاة الخيل
"التحفة" قول أبى حنيفة، حكاه ابن الهمام، وقال: أجمعوا على أن الإمام
لا بأخذ صدقة الخيل جبراً اهـ. ومذهب أبىحنيفة هو مذهب حماد بن أبى سليمان ،
وصح ذلك عن الفاروق رضى الله عنه . وقال أبو حذيفة: فيها أيضاً صدقة إذا
كانت ذكوراً وإناثاً، وإذا كانت إناثاً منفردة ففيه عنه روايتان ، والراجح
الوجوب . وكذلك فى الذكور المنفردة روايتان ، والراجح عدم الوجوب ،
کما قاله ابن هام ، وهی عن کل فرس دينار، أو التقويم بدرهم من كل أربعين
درهماً بشرط بلوغها إلى النصاب أى: مأتى درهم . واستدل الحجازيون بحديث
الباب ، وذكر الزيلعى واقعتين أخذ فيها عمر الفاروق رضى الله عنه صدقة
الخيل. الأولى: واقعة ناس من أهل الشام، أخذ منهم من كل فرس عشرة دراهم
بعد الاستشارة من الصحابة ، عزاه الزيلعي إلى " الدار قطنى" . وقد أخرجه
أحمد والطحاوى والطبرانى والحاكم وصححه ، وقال الهيثمى : ورجاله ثقات .
والثانية: ما أخرجه الدار قطنى أيضاً عن جويرية عن مالك عن الزهرى: ((إن
السائب بن يزيد أخبره قال : رأيت أبى يقيم الخيل ثم يرفع صدقتها إلى عمر
رضى الله عنه))، وأخرجه الطحاوى والحافظ علاء الدين فى "الجوهر" بلفظ:
(((يقوّم)). وفى "البناية" للبدر العينى: وقال أبو عمر: الخبر فى صدقة الخيل عن
عمر صحيح من حديث الزهرى عن السائب بن يزيد: ((أن عمر رضى الله عنه
أمر أن يؤخذ عن الفرس شاتان أو عشرون درهماً))، وقال ابن رشد المالكى
فى " القواعد": قد صح عن عمر رضى الله عنه أنه كان يأخذ الصدقة عن
الخيل اهـ. وراجع " فتح ابن الهام" و"نصب الرأية" .. قال الشيخ: إن
الخيل كانت فى عهده عَلّ الركوب لا للتجارة أو التناسل، ولأبى حنيفة رحمه الله
استنباط من حديث «الصحيحين"، ثم لم ينس حق الله فى رقابها ولا فى ظهورها.
( ٢ - ٢٢ )

١٧٠
معارف السين
ج - ٥
فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهماً درهم ، وليس لى فى تسعين ومائة
شئ، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم » .
البخارى فى (باب شرب الناس والدواب من الأنهار) (١ - ٣١٩)، ومسلم
فى ( باب إنم مانع الزكاة ) من حديث أبى هريرة ، واستدل به ابن الجوزى فى
"التحقيق " وابن دقيق العيد فى "الإمام" لأبى حنيفة كما فى "نصب الرأية"
(٢ - ٣٥٨) وتأول فيه آخرون .
وذكر ابن الهمام فى "فتح القدير": أنه لا يأخذ الإمام صدقة الخيل جبراً،
فاستفاد منه أن أداء صدقتها ووجوبها ديانة فيما بينه وبين الله تعالى، فالأموال
عندنا ظاهرة وباطنة ، والظاهرة : مثل الإبل والبقر والغم ، فتجب صدقتها
ظاهراً، وللمساعى أن يأخذها جبراً من أصحابها إذا منعوها، والباطنة: ليس له فيها
الأخذ جبراً ، وإنما هى مفوضة إلى صاحبها ، فكان صدقة الخيل مثل الأموال
الباطنة ، ليس فيها الأخذ قهراً ، وأما التعزير فهو أمر آخر . وثبت عن عمر
أخذ زكاة النقدين ووضعها فى بيت المال ، كما فى كتاب الطحاوى من " شرح
الآثار " فى (باب الزكاة هل يأخذها الإمام؟ ) من سنة عمر ، قال : خذ من
المسلمين من كل أربعين درهماً درهماً الخ ، فدل على أن الخليفة حقاً فى الأموال
الباطنة أيضاً
قوله : من كل أربعين درهماً درهم . اتفقوا على أنه لا شئ فى أربعين
درهماً حتى يبلغ مائتى درهم ، ففيها خمسة دراهم والأربعون ، ذكرها الحساب
والتقدير، وإذا زاد على المائتين فلا شى فيه حتى يبلغ إلى أربعين درهماً ، ففيه
درهم عند أبى حنيفة وعند صاحبيه، ففى الكسور بحسابها وإن لم تبلغ إلى أربعين،
وأما كسور السوائم فالخلاف فيه بالعكس، وخلافية كسور السوائم من "الهداية"

بيان أن المعتبر فى نصاب الذهب والفضة هو قول القاضى ثناء الله ١٧١
وفى الباب عن أبى بكر الصديق وعمرو بن حزم . قال أبوعيسى : روى
هذا الحديث الأعمش وأبو عوانة وغيرهما عن أبى إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن
على. وروى سفيان الثورى وابن عيينة وغير واحد عن أبى إسحاق عن الحارث
عن على. قال: وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: كلاهما عندى
صحيح عن أبى اسحاق يحتمل أن يكون منها جميعاً .
من زكاة البقر، وكسور النقدين فى زكاة المال منها . وأفى أرباب الفتوى على
قولهما ، أى فى كسور السوائم فقط ، فلا تجب فی الکسور ، وعليه الفتوی کما
فى "الينابيع"، وتصحيح "القدورى" و "الأسبيجانى" و "المحيط" و"البحر"
و "النهر" وغيرها، كما فى "رد المحتار". وأما تفصيل مقدار الدرهم الشرعى
فقد فرغنا عن بيانه فى كتاب الطهارة ، والمعتبر فى نصاب الذهب والفضة هو
قول القاضى ثناء الله البانى بتى دون مولانا الشيخ عبد الحتى اللكنوى . ومنشأ
الخلاف أن مولانا عبد الحى اعتبر فى حسابه بأحمر الأطباء، وهى أربع شعيرات،
والأخر فى حساب الفقهاء أصغر منه ، وقدر بثلاث شعيرات إلا ربع شعيرة ،
والتفصيل فى رسالة الشيخ المخدوم هاشم بن عبد الغفور السندى ، وتقدم بيانه .
وتقدم أن النزاع بين القاضى والفاضل اللكنوى نزاع لفظى .
ثم إن التولجة الرائجة اليوم فى الهند عند الصاغة والأطباء كافة هى التى اعتبر
فيها الأحمر بثلاث شعيرات إلا ربع شعيرة، وهو المستعمل اليوم عند الكل كما حققه
بعض الأعلام، فيؤخذ الزكاة على حساب القاضى موافقاً للوزن الرائج . ثم إن الدرهم
الشرعى سبعون شعيرة عند الحنفية، وخمسون شعيرة وخمساها عند الشافعية . . دكر
ابن الهام: أن المعتبر درهم كل بلد ما لم ينقص من درهم النبى عَلَه .
قوله : كلاهما عندى صحيح . قال الشيخ : الظاهر أنه يريد صحة سماع أبى

١٧٢
معارف السنن
ج - ٥
( باب ما جاء فى زكاة الابل والغنم )
حدثنا زياد بن أيوب البغدادى وابراهيم بن عبد الله الهروى ومحمد بن
اسحاق هذا الحديث من الحارث وعاصم بن ضمرة جميعاً، لا صحة كلتا الروايتين
بالصحة المصطلحة بينهم ، فإن الحارث الأعور لم يصحح له أحد . وأما عاصم
فصحح له بعضهم بعض رواياته كابن القطان المغربى الفاسى فى كتاب " الوهم
والإيهام"، وحكى فى "التهذيب" توثيقه عن ابن المدينى والعجلى وغيرهما .
وقال فى "التقريب": صدوق، وحسن الحافظ فى "الفتح" هذه الرواية عن
عاصم ، وكذا حسن روايته عن على: ((إذا ركعت فإن شئت قلت هكذا،يعنى
وضعت بدیك على ركبتيك وإن شئت طبقت))، رواه ابن شيبة . قال الحافظ :
وإسناده حسن. ثم رأيت فى "التخريج" (٢ - ٣٦٠) فى زكاة العوامل نقل
تصحيح حديث عاصم عن ابن القطان . وحسن له الترمذى كما تقدم قريباً فى
حديث التطوع بالنهار . وما قيل: أن الحارث کذاب فلست أسلمه، فإنه تابعی،
وليس فى التابعين كذاب ، كما صرح به الذهبى فى بعض كتبه غير "الميزان"،
قاله الشيخ . أقول : القائل الشعبى كما فى " التهذيب»، ولكن تأول فيه بأن
الكذب فى الرأى لا فى الحديث ، كما فى "التهذيب" ، وفيه عن ابن عبد البر
لما حكى عن ابراهيم أنه كذب الحارث ، أظن أن الشعبى عوقب بقوله فى
الحارث: كذاب ، ولم يبين من الحارث كذبه ، وإنما نقم عليه إفراطه فى حب
على اهـ. وانظر ترجمته فى " الميزان".
-: باب ما جاء فى زكاة الإبل والغنم :-
الضأن يختص بذات الوبر ، والمعز بذات الشعر ، والشاة والغنم أعم منها،

١٧٣
شرح بعض ألفاظ الحديث
كامل المروزى ( المعنى واحد ) قالوا : نا عباد بن العوام عن سفيان بن حصين
عن الزهرى عن سالم عن أبيه: ((أن رسول اللّه ◌َ اجٍ كتب كتاب الصدقة فلم
يخرجه إلى عماله حتى قبض ، فقرنه بسيفه ، فلما قبض عمل به أبوبكر حتى
قبض وعمر حتى قبض ، وكان فيه : " فى خمس من الإبل شاة، وفى عشر
ذكراً كان أو أنثى . وتقدم تحقيقه فى الطهارة فى ترك الوضوء مما غيرت
النار ، فراجعه .
وأما "بنت المخاض" من النوق، فهى التى تمّ عليها الحول ودخلت فى الثانية.
و "بنت البون" هى التى تمت لها سنتان ودخلت فى الثالثة .
و "الحقة" التى أتى عليها ثلاث سنين ودخلت فى الرابعة.
و "الجذعة" فى أصل اللغة للفتى من الحيوان والإنسان. ومن النوق التى طعنت
فى الخامسة . ووجه التسمية فى بنت المخاض أن أمها استعدت للمخاض أى الحمل
أو حملت ، وفى بنت اللبون أن أمها أصبحت ذات لبن للآخر ، والحقه سميته
بها لاستحقاقها أن تركب ويطرقها الفحل ، والجذعة لأنها تجذع أسنان اللبن
أى تقلعها ، كما فى كتب اللغة وشروح الحديث والفقه. وراجع لتفصيل أسنان
الإبل " سنن أبى داؤد" و " مختصر ابن الأجدابى".
والمراد فى الكل أنثى، فإنها التى تجب فى الزكاة ، ويجوز الذكر تقويماً .
وقال أبو حاتم السجستانى : الجذعة اسم للزمن يختلف إطلاقه فى الأنعام ، وليس
من الأسنان ، والذى يولد فى غير حينه يسمى الهبع، كما قال الشاعر :
فابن الليون الحقَّ والحقّ جذع
إذا سهيل أول الليل طلع
لم يبق من أسنانها غير المبع .

١٧٤
معارف السنن
ج - ٥
شاتان ، وفى خمس عشرة ثلاث شياء، وفى عشرين أربع شياء، وفى خمس وعشرين بنت
مخاض إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت
ففيها حقة إلى ستين، فإذا زادت ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت ففيها
ابنتا لبون إلى تسعين ، فإذا زادت ففيها حقتان إلى عشرين ومائة ، فإذا زادت
وهذا ملخص ما فى " سنن أبى داؤد" فى (باب تفسير أسنان الأبل )
(١ - ٢٢٥). والشعر للرياشى.
قوله : إلى عشرين ومائة . اتفق الأئمة الأربعة على هذا القدر مع خلاف
فيه من بعض غيرهم، قاله الشيخ . وذكر ابن رشد فى "قواعده" إجماع المسلمين
بذلك، وكذلك ابن المنذرى ، كما فى "المغنى". ولعل الشيخ أراد بالخلاف
ما نسب إلى على: ((أن فى خمس وعشرين خمس شياه))، كما أخرجه ابن أبى شيبة،
كما فى "الفتح" (٣ - ٢٥٢). غير أن ابن المنذر يدعى عدم صحته عن على،
كما حكاه ابن قدامة . وكذلك ينكره أبو عبيد فى "كتاب الأموال"، ويحكى
إنكاره عن سفيان الثورى أيضاً. أنظر " كتاب الأموال" (ص ٣٦٣) . واختلفوا
فيما بعد العشرين والمائة على أقوال ، وهى تبلغ إلى ستة ، ذكرها البدر العينى
فى "العمدة" (٤ - ٣٦٥). فقال أبو حنيفة: إذا زادت على مائة وعشرين
تستأنف الفريضة ، ففى كل خمس ذود شاة ، وفى العشرة شاتان ، وفى خمس
عشرة ثلاث شياه ، وفى العشرين أربع شياه ، فإذا بلغ خمساً وعشرين ،
والكل مائة وخمساً وأربعين ففيها حقتان وبنت مخاص ، وإذا صارت
مائة وخمسين ففيها ثلاث حقاق فى كل خمسين حقة ، ثم تعاد الفريضة إلى
أولها ، فإذا بلغت مائتين ففيهما أربع حقاق ، ثم تعاد وهلم جراً. فالخمسينات
مدار عنده بدور الحساب عليها. ومذهب أبى حنيفة هو مذهب أصحابه ، وإليه
ذهب سفيان الثورى والنخعى وأهل العراق ، وهو قول ابن مسعود . وذكر

١٧٥
تحقيق مسألة زكاة الإبل إذا زادت على العشرين والمائة
على عشرين ومائة ففى كل خمسين حقة ، وفى كل أربعين ابنة لبون ، وفى الشاء
فى كل أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة ، فإذا زادت فشاتان إلى مائتين، فإذا
السفاقسى أنه قول عمر رضى الله عنه، ولكنه غير مشهور عنه ، كما فى "العمدة"
وقول أبى حنيفة رواية عز منك، كما ذكره الزيلعى فى " نصب الرأية"
والله أعلم .
وقال الشافعى: إذا زادت على العشرين والمائة تغير الحساب الأول ولا شىء
فى الزائد حتى يبلغ عشرة ، وفى كل أربعين بنت لبون ، ففى مائة وعشرين
وما فوقها ما لم يبلغ إلى مائة وثلاثين ثلاث بنات لبون ، فإن فى كل أربعين
بنت لبون ، وإذا بلغت إلى مائة وثلاثين ففيها حقة وبنتا لبون ، وفى أربعين
ومائتين حقتان وبنت لبون ، وهكذا ، فكان مدار الحساب عنده على الأربعينات
والخمسينات ، فى كل أربعين بنت لبون، وفى كل خمسين حقة . وقول
الشافعى هو مذهب اسحاق ورواية عن أحمد ، كما فى " العمدة" . وبه قال ابن
القاسم من أصحاب مالك ، كما فى "قواعد ابن رشد". وإليه ذهب الأوزاعى
والزهرى وأبو ثور . وقال مالك : لا يتغير الفرض إلى مائة وثلاثين ، فيكون
فيها حقة وبنتا لبون، ومثله مذهب أحمد، وإليه ذهب محمد بن اسحاق وأبو عبيد،
وهى رواية ابن الحكم عن مالك، وهو قول ابن الماجشون من أصحابه كما فى
"بداية ابن رشد" وغيرها . فهذه ثلاثة أقوال . والقول الرابع: التخيير
للساعى بين الحقتين وبين ثلاث بنات لبون إذا زادت على مائة وعشرين .
والخامس: التخيير بين الإستيناف وعدمه ، وإلى الرابع ذهب اصبغ وابن دينا،
ومطرف ، وإلى الخامس ابن جرير .
وههنا قول سادس روى عن حماد بن أبي سليمان وغيره: أن فى مائة وخمس
وعشرين حقتين وبنت مخاض، ذكره فى " شرح المهذب" و "العمدة "
١٢

١٧٦
معارف السنن
ج - ٥
زادت فثلاث شياه إلى ثلاثمائة شاة ، فإذا زادت على ثلاثمائة شاة ففى كل مائة
شاة شاة . ثم ليس فيها شئ حتى تبلغ مائة .
وغيرهما . ولا فرق بين قول مالك والشافعى إلا أنه يتغير الفرض السابق بزيادة
واحدة عند الشافعى ، ولا يتغير عند مالك ما لم يبلغ إلى مائة وثلاثين .
وبالجملة فحديث الباب أقرب إلى مذهب الحجازيين بل مطرد على وفق
مذهبهم . وملخص الفرق بين المذاهب أن ماعد العراقيين اتفقوا على أن ما زاد
على المائة والثلاثين ففى كل أربعين بنت لبون ، وفى كل خمسين حقة . ولذا
صدق الحديث على مذهبهم من غير تأول ، واتفقوا كذلك على عدم استيناف
الفريضة . فالأقوال الستة المذكورة ترجع إلى ثلاثة :
١- الإستيناف إلى الأول بعد المائة والعشرين.
٢ - عدم الإستيناف .
٣- الخيار بينهما للمصدق. فالأول: مذهب أبى حنيفة وأصحابه والثورى
وكافة العراقيين، وهو مذهب علىّ، كما فى " كتاب الأموال" لأبى عبيد (ص
٣٦٤)، وعبد الله بن مسعود، وروى عن عمر الفاروق. والثانى : مذهب
الثلاثة . والثالث : مذهب ابن جرير الطبرى ، فاحفظه وكن من الشاكرين .
والحديث يصدق على مذهبنا بعد مائة وخمسين، ثم تكون الخمسينات عليها
المدار عندنا دون الأربعينات ، فإنا إذا قلنا : أن فى ستة وثلاثين بنت لبون
إلى خمسة وأربعين بعد المائة والخمسين صدق عليه فى كل أربعين بنت لبون ،
لكنه فى ضمن الحساب شمله الحكم، ولم يكن الأربعين مداراً فى الباب كما كان
عندهم . والحاصل : أن قوله : "ففى كل خمسين حقة" يصدق على مذهبنا

١٧٧
دلائل الحنفية فى المسألة الخلافية
أيضاً مطرداً مع كونه لطيفاً . وأما قوله : " فى كل أربعين بنت لبون" وإن
كان يصدق فى الجملة لوقوعه فى البين ، غير أنه ليس تعبيره لطيفاً ، وأما على
مذهب الثلاثة فكل قطعة من القولين لها محلها لطيف تعبيرها صادقة مطردة ،
ومع هذا لا يمكن أن يدعى أن الحديث نص فى خلاف مذهبنا ، وكيف يكون
نصاً ؟ ألا ترى أن قوله فى صدقة الرقة: "من كل أربعين درهماً درهم" لم يرد
أنه تجب الصدقة فى كل أربعين، بل أريد بيان الحساب وتبيين المقدار، فلا شىء
فى الأربعين حتى يبلغ إلى المائتين . وكذلك قوله فى صدقة الشاة: " فإذا زادت
فثلاث شیاہ إلی ثلاثمائة شاة " كان فى كل مائة شاة إذا كان ثلاث مائة ليس
كل مائة من الشاة مدار فى الباب حيث تجب الثلاث بعد المائتين إلى تسع وتسعين
وثلاثمائة شاة ، فلم يكن ثلاثمائة شاة إلا أنه وقع فى البين وسط الحساب. وعلى
كل حال الحديث فى الباب يصدق على مذهبنا . نعم لطيف فى جزء غير لطيف
فى آخر ، ومع كل هذا ليس مدار مذهبنا على هذا القدر . وإنما هناك أدلة
صريحة نذكرها :
فمنها : ما أخرجه الطحاوى فى "شرح معاني الآثار" (٢ - ٤١٧) عن
حماد بن سلمة قال : قلت لقيس بن سعد : أكتب لى كتاب أبى بكر بن محمد
ابن عمرو بن حزم، فكتبه لى فى ورقة ، ثم جاء بها وأخبرنى أنه أخذه من كتاب
ملاټے کتبه لجده عمرو
أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، وأخبرنى: أن النبى ثَـ
ابن حزم رضى الله عنه فى ذكر ما تخرج من فرائض الإبل ، فكان فيه : ((أنها
إذا بلغت تسعين ففيها حقتان إلى أن تبلغ عشرين ومائة ، فإذا كانت أكثر من
ذلك ففى كل خمسين حقة، فما فضل فإنه يعاد إلى أول فريضة الإبل الخ)) . ورواه
الطحاوى من طريق الخصيب بن ناصح عن حماد بن سلمة . ثم من طريق أبي عمر
(٢ - ٢٣ )

١٧٨
معارف السنن
ج - ٥
الضرير عن حماد ، وهذا أقوى من طريق الخصيب ، فإن الخصيب فيه لين ،
مع أنه أخرج له أصحاب السنن، وكان رسول اللّه عَل لٍ أرسل عمرو بن حزم جد
أبى بكر بن محمد إلى نجران لأخذ الصدقات ، فكتبه له الكتاب ، فهذا الكتاب
حجة لأبى حنيفة ، وليس فيه ذكر : "فى كل أربعين بنت لبون"، بل فيه
استيناف الفريضة ، وفيه المدار على الخمسينات ، كما هو مذهب أبى حنيفة .
والحديث صحيح، وعلى الأقل حسن لذاته. وعزاه الزيلعى فى "تخريج الهداية"
(٢ - ٣٤٣) والعينى فى "العمدة" ( ٤ - ٣٦٥) إلى " مراسيل أبى داؤد "
و " مسند اسحاق بن راهوية" و"مشكل الآثار" للطحاوى. وأخرجه ابن حزم
فى "المحلى" (٦ - ٣٣)، وأخرجه أبو عبيد فى " الأموال" (ص ٣٦١)
مختصراً من طريق ابن جريج ، قال : ((أعطانى عثمان بن عفان كتاباً كتب به
عبد الله بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم إلى محمد بن هشام ، وهو عامل
أهل مكة الخ)) وتعرض إلى إسقاطه البيهقى فى " المعرفة" بما ملخصه : بأن
حماد بن سلمة ضاع عنده كتاب قيس بن سعد ، فكان يحدث من حفظه ، فأوهم
فى الرواية ، وإن حماداً اختلط فى آخر عمره ، نقله الزيلعى مفصلاً ، وكذا
ذكره فى "السنن الكبرى" (٤ - ٩٤). وحكاه الزبلعى أيضاً، وكذلك تعرض
إليه ابن الجوزى فى " التحقيق"، وأيده بكلام هبة الله الطبرى، وأجاب عنه
الحافظ علاء الدين الماردينى فى "الجوهر النفى" والبدر العينى فى " العمدة"
( ٤ - ٣٦٦ ).
قال الشيخ: أكثر المحدثين يوثقونه مطلقاً ويصححون رواياته أو بحسنونه
من غير فرق بين السماع القديم عنه والآخر ، وقد أخرج له مسلم فى "صحيحه"
فى الأصول لكنه من حديث ثابت . نعم أخرج له فى الشواهد من حديث غيره،
ويكفى هذا القدر لتقويته وتوثيقه عند مسلم . ولا يقال: أنه يروى من الكتاب،

١٧٩
بيان أن حديث على المرفوع حجة لأبى حنيفة
فإن مثل هذه الكتابة حجة. وذكر صاحب " الميزان" و"التهذيب" عن
أبی داؤد أنه قال : لم يكن لحماد بن سلمة كتاب غير كتاب قيس بن سعد يعنى
كان يحفظ علمه اهـ. وهذا الكلام يرشد إلى تقوية كتابه ، وأنه حفظه ، فلا
يضر ضياعه عنه. وفى رواية عن أحمد ترجيح حماد بن سلمة بن دينار على حماد
ابن زيد بن درهم مثل ترجيح الدينار على الدرهم كما فى "الميزان". وبالجملة
فالحديث صحيح ، وعلى الأقل أنه حسن لذاته .
ومنها: أثر عبد الله بن مسعود، أخرجه محمد فى "كتاب الآثار"
والطحاوى فى " شرح معانى الآثار"، أخرجه الطحاوى عن ابن مسعود من
طريق خصيف عن أبى عبيدة وزياد بن أبى مريم عنه (٢ - ٤١٨). وأما
فى "الآثار" لمحمد وكذا فى "آثار أبى يوسف"، فهو عن ابراهيم النخعى.
واعترض البيهقى أثر ابن مسعود بخصيف ، وبالانقطاع بين ابن مسعود وبين
الراويين عنه . قال الراقم : وخصيف وثقه ابن معين وأبو زرعة وغيرهما كما
فى "الميزان"، وأثبت بعضهم سماع أبى عبيدة عن أبيه ، وبأن سنه يحتمله ،
وقد تقدم بيانه ، فالإسناد حسن إن لم يكن صبحاً ، وأثر النخعى يشهد له .
ومتنه: ((فإذا بلغت العشرين ومائة استقبلت الفريضة بالغنم الخ ))، وهو مذهب
سفيان الثورى، وكذا هو مذهب علىّ ، أخرجه ابن أبى شيبة، كما عزاه الزبلعى
إليه ، وقد أخرجه أبو عبيد فى "كتاب الأموال" والبيهقى ، كلهم من طريق
أبى إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن على رضى الله عنه قال: ((إذا زادت الإبل
على عشرين ومائة يستقبل بها الفريضة )) .
قال الشيخ : وإذن أقول : إن حديث على المرفوع عند " أبى داؤد"
( ١ - ٢٢١) أيضاً حجة لأبى حنيفة، فإن تبادره لمذهبنا ، وأما مذهب
الشافعية فيحتمله فقط، وإذا صح أثر على الموقوف موافقاً لمذهب أبى حنيفة فليكن

١٨
معارف السنن
ج - ٥
حديثه المرفوع كذلك ، ولم يتمسك به أحد من الحنفية ، إلا أنه ورد فيه :
(( وفى خمس وعشرين خمسة من الغنم، فإذا زادت واحدة ففيها ابنة مخاض الخ))
فيخالف مذهب أبى حنيفة : فإن فى خمس وعشرين بنت مخاض . قال الشيخ:
يحمل على أنه باعتبار التقويم ، والتقويم جائز عندنا فى كل شئ غير الهدايا
والضحايا . علا أنه قد حكى عن سفيان الثورى: أنه كان ينكر أن يكون هذا
من كلام علىّ، ويقول: كان علىّ أفقه من أن يقول ذلك اهـ. ذكره أبوعبيد فى
"الأموال" (ص - ٣٦٣)، والحافظ أبوبكر الرازى فى " أحكام القرآن"
(٣ - ١٨٥ طبع القاهرة)، وذكر أيضاً - كما قال شيخنا -: ويجوز أن يكون
على بن أبى طالب أخذ خمس شياه عن قيمة بنت مخاض ، فظن الراوى أن ذلك
فرضها اهـ . ورواية أبى داؤد تلك صححها ابن القطان فى " كتاب الوهم والإيهام"،
ذكره الزيلعى فى " نصب الرأية" (٢ - ٣٦٠) والعينى فى " العمدة "
(٤ - ٣٦٧ ) . وتصحيح ابن القطان على قاعدته فى توثيق عاصم بن ضمرة
وعدم التعليل بالاختلاف فى الوقف والرفع بلفظ كما فى "عقود الجواهر"
(ص - ٧٩) الزبيدى . ثم فى حديث على هذا ليس ذكر: " فى كل أربعين
بنت لبون"، وإنما فيه: " فى كل خمسين حقة" فقط. والشافعية تزعم أنه
موافق لهم ، وإنما هو يؤيد مذهبنا دون مذهبهم .
ومما يؤيد حجتنا : أن علياً رضى الله عنه كان عنده كتاب فيه نصب
الصدقات ، ولما تبين من الخارج أن مذهبه كما ذهب إليه أبو حنيفة فى صدقات
الإبل ، فإذن لابد أن يكون مذهب علىّ على وفق صحيفته . وأوضحه أبوبكر
الرازى فى "أحكامه"، وقال: ولما ثبت قول على باستيناف الفريضة وثبت
أنه أخذ أسنان الإبل عن النبى حَ لّ صار ذلك توقيفاً، لأنه لا يخالف النبى معَا؟
آهـ. فما يذكره الحافظ فى "الفتح" (١٢ - ٣٦): أن فيها أسنان الإبل ،