Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
الجواب عن حديث معاذ فى اقتداء المفترض خلف المتنفل
قال الراقم - وبالله التوفيق -: إن الحافظ نفسه يقول فى " الفتح" ( ١٢
- ١٨٣): هكذا وصله ابن عيينة عن عمرو بن دينار، وهو من أثبت الناس
فى عمرو آهـ. ويقول فى "مقدمة الفتح" (ص ٣٥٨): صرح ابن عيينة عن
عمرو بسماع طاؤس له من ابن عباس ، وهو أحفظ الناس لحديث عمرو اهـ .
فلابد أن يرجح رواية ابن عبينة على رواية ابن جريج هذه باعتراف الحافظ
نفسه ، وإن كان هو أجل وأسن . فالكلام ههنا فى حفظه حديث عمرو لا غير.
وذكروا أن ابن جريج مدلس كما قال القطان وغير واحد ، وتقوية الحافظ
روايته فى " الفتح": " بأنه صرح بسماعه فى رواية عبد الرزاق فانتفت تهمة
تدليسه " غير نافعة، حيث إن الحافظ نفسه فى "الفتح" (٨ - ٥١١)
يقول: وكان ابن جريج يستجيز إطلاق " أخبرنا" فى المناولة والمكاتبة اهـ.
فالحاصل أن ترجيح أبى جعفر الطحاوى رواية ابن عيينة على رواية ابن جريج
صحیح قوی،على أنه إن ثبتت هذه الزيادة من كلام ابن جريج أو عمرو بن دينار
أو جابر، فلا حجة لهم فيها على تعيين نية معاذ، بل ولو ثبتت عن معاذ لم يكن
فيه دليل أنه كان بأمره عّلّ، كما يقوله العينى والله أعلم. ثم لو سلمنا هذه
الزيادة قلنا: معناه أنه بطوع نفسه ، وإن خصلته هذه تطوع ، لا أن صلاته
كانت تطوعاً. ووقع عند الدار قطنى فى لفظ: "هى له قافلة"، ولفظ النافلة
ليس بنص فى التطوع ، بل ربما يطلق على الفرض ، كما تقدم بيانه فى بحث
صلاة أئمة الجور فى ( باب تعجيل الصلاة إذا أخرها الإمام ). وقال الشيخ فى
"مذكرته": وعند الدارقطنى فى لفظ: ((وهى له نافلة))، وفى " الأم":
((وهى لهم فريضة))، فيحتمل أن يتغاير المرجع وأن لا يتغاير، مثل: هى خمس
وهى خمسون، وأعنى بالتغاير أن صلاة معاذ مع النبى معَ تطوع، والثانية
له ولهم مكتوبة. ونظيره فى التركيب ما عند "مسلم" (١ - ٣١٩) "هى لرجل
وزر وهى لرجل ستر وهى لرجل ستر"، وما عند "أبى داؤد" (١ - ٦٢): ((فهى

١٠٢
معارف السنن
ج - ٥
لكم وهى عليهم)). وفى "الفتح" (٢ - ١٥٨): ((فهى لكم ولهم)) اهـ. ثم
كل ذلك بحث وتحقيق ، ونقض وإبرام على أسلوبهم ، والذى تنقح عند الشيخ
فى البحث أن معاذاً رضى الله عنه لم يكن يصلى خلفه وفعّ لّ العشاء ثم يؤم قومه
تلك العشاء ، بل كان. اتفق يوماً أن صلى خلفه العشاء ثم أمهم فى عشاء آخر فى
يوم آخر، فلم تكنى صلاته خلفه فَ لهل وصلاته إماماً لقومه فى عشاء واحد فى
ليلة واحدة .
قال الشيخ فى " مذكرته" على هامش " الآثار": وبالجملة كان معاذ
يصلى معه عَّ فى النهار أو المغرب ثم يرجع كآخرين من بنى سلمة ، وليس
هناك عادته الإعادة ، فإن كان وقع ففى العشاء مرة فقط. والذى تلخص من
الروايات غير رواية عمرو بن دينار أن معاذاً كان يصلى مع النبى ◌ّ الرّ المغرب
كما عند الترمذى، وكذلك آخرون أيضاً غير معاذ من بنى سلمة، كما فى "العمدة"
(٢ - ٥٦٥) و"الزوائد" و"الكنز" (٤ - ١٩٢) من وقت المغرب، ثم كان
معاذ يطيل المكث بعد المغرب عنده حيّالجٍ، كما فى "العمدة" (٢ - ٧٦٩).
عن "صحيح ابن خزيمة": قال الفتى: يا رسول الله يطيل المكث عندك ثم يرجع
فيطول علينا آه. فهذا ليس ساكتاً عن صلاة العشاء معه علّ له، بل لعله ناف،
وكذا فى "الزوائد" (ص - ١٩٤ طبع الهند) و (٢ - ١٣٣ طبع مصر)
قال: كان معاذ يتخلف مع رسول اللّه عَّ الج، فكان إذا جاء أم قومه الخ. ولو
كان عادته الصلاة معه لم يعبر بالتخلف، وفيه: ((إرجع إليهم فصل بهم قبل
أن يناموا الخ)). وكان يطيل المكث عنده فَّلهم حتى تحين العشاء ثم يرجع،
وهو عند النسائى فى اختلاف نية الإمام والمأموم: ((وإنك أخرت الصلاة
البارحة، فصلى معك ثم رجع الخ .... )) فمن ذكر التطويل فقط ذكر الأمر
بأوسط المفصل فقط، وهو فى أكثر الألفاظ، ومن ذكر إطالة المكث ثم الرجوع

١٠٣
حديث معاذ فى إعادة الصلاة والبحث قيه
كالفتى وهو سليم ذكر الأمر بأحد الأمرين أيضاً ، فشمل الإنكار العشاء ههنا
وهناك مرتين . ثم هو إن صح فإن فيه من تلامذة عمرو بن دينار اختلافاً ،
والواقعة فى تلك الليلة فقط، ولفظ منصور وأيوب عنه عند مسلم ليس بدلاً من
صدر الحديث ، بل فيه ترك الصدر ، وأخذ بما فى وسطه . وواقعة حزم بن
أبي بن كعب واقعة أخرى فى المغرب ، كما عند أبى داؤد ، أو العتمة كما فى
" المسند" إلى آخر ما قال رحمه اللّه.
وقال فى موضع آخر: والذى يظهر أن أحمد تكلم فى سياق ابن عيينة
أيضاً عند مسلم ، فإنه يفهم الوحدة ، ويبقى بعد رواية منصور عند مسلم (١
- ١٨٧ ). وبالجملة أحمد ينكر وحدة الصلاة. وصريح رواية حماد بن زيد
عن عمرو عند الترمذى: ((كان يصلى مع رسول اللّه عَّلجل المغرب ثم يرجع إلى
قومه فيؤمهم ))، وروايته عند " مسلم " مسوقة عن أبى الربيع وحده لا قتيبة ،
فيه عليه شارحه. ورواية ابن عيينة عنده لعله فى العشاء واقعة وفى غيرها متكرر
بلا إعادة ، وكذا رواية النسائى عنه فى اختلاف نية الإمام والمأموم . وكذا
أبى داؤد عنه فى تخفيف الصلاة . وقال أيضاً: وإذا كانت فى العشاء مرتين واقعة
فقط والتكرار بلا إعادة إنما وقع فى غيرها ، فحذف هذا من الصدر إنما
وقع من منصور عند مسلم وأبى الربيع عن حماد بن زيد عن أيوب عن عمرو
عنده ، فأوهم أنه فى العشاء عادة ، كما زعمه فى "الفتح" (٢ - ١٦٢ ): أنه
الصدر ، بل فيه حذف الصدر والعجز لرواية البخارى فى ( باب إذا صلى ثم
أم قوماً) ، وقوله عند النسائى: فأخر ذات ليلة الصلاة - أى فى مسجد قومه -
النسبة التأخير إلى معاذ وإنما ينبغى هناك وقوله: ((صلى مع النبى ◌َّ آلّ اهـ)) استيناف
بإعادة ما استونف عنه. وأوضح منه رواية " أبى داؤه" و"المسند" (٣ -
٣٦٩). ولفظه عن شعبة عن عمرو بن دينار قال سمعت جابراً يقول: ((كان

١٠٤
معارف السنن
ج -٥
معاذ بصلى مع رسول اللّه وَ له ثم برجع فيؤم قومه، قال: فيصلى بهم مرة العشاء
فقرأ " سورة البقرة" الخ)). وفيه: وأمره بسورتين من أوسط " المفصل ".
قال الشيخ: وبالجملة فالذى أوهمه لفظه في "البخاري" و"مسلم": ((فيصل
بهم تلك الصلاة))، ومراده عندى بتلك الصلاة مثلها فى طول القراءة وغيرها
فكأنه يصلى خلفه ◌َّلهم ويتعلم منه أدبه فى التأخير وأدبه فى القراءة ، ثم يؤم
قومه على تلك الصورة من التأخير فى الوقت والتطويل فى القراءة فى يوم آخر،
وليست كلمة " تلك" نصاً فى كون الصلاة بعينها التى صلاها فى ذلك اليوم ،
وإنما نظيرها كلمة " هذه" فى قوله: "ولم يخطب خطبتكم هذه" أى فى طولها
وإطنابها . أخرجه الترمذى وبقية السفن من حديث ابن عباس فى الاستسقاء ،
وأخرجه أيضاً أبو عوانة وابن حبان والحاكم والدار قطنى والبيهقى، كما فى "التلخيص
الحيير". وكذا رواية " سنن أبى داؤد" فى (باب تخفيف الصلاة) من حديث
جابر: ((فأخر النبى حلم ليلة الصلاة - وقال مرة: العشاء - فصل معاذ مع
النبى معَّله، ثم جاء يؤم قومه فقرأ " البقرة" الخ)، فراده أيضاً أنه صلى
خلفه ليلة العشاء ورآى تأخره فَ إياها، فكذلك أخرها ليلة أخرى إذ يؤم
قومه، ثم رأيت مثل هذا الجواب للقاضى أبى بكبر ابن العربى في "شرح الترمذى
بعد برهة من الدهر .
قال الشيخ في "مذكرته": وفى (ص ــ ١٩٤) من " الزوائد" - أى
طبع الهند -: ((تخلف معاذ عند رسول اللّه ◌َلالٍ لا صلاته هناك واحتباسه عنهم
ليلة، وصلاة سليم وحده قبل إتيانه، وأمر النبى عَلَّ: إرجع إليهم فصل
بهم قبل أن يناموا . وعلى هذا فالمراد بتلك الصلاة أى فى التأخير والتطويل ،
وإلا لكفى تلك فقط ، ولو لا هذا المراد لصار مقصوداً به التكرار أصالة .
والحال أنه فى ضمن سياق تبعاً لبيان أسباب تبرم الأنصاري . وفى رواية

١٠٥
تحقيق واقعة صلاة معاذ فى إعادة الصلاة
"الصحيح" فى (٢ - ٩٠٢): فيصلى بهم صلاة فقرأ بهم البقرة الخ . قال
الشن: ثم رأيت فى "العارضة" ما يؤيد كلامى فراجعه اهـ. قال الراقم:
ونصه: من المحتمل أن يكون النبى معَ لّ يصلى معه معاذ رضى الله عنه صلاة
النهار وتفوته صلاة الليل ، لأنهم كانوا أهل خدمة لا يحضرون صلاة النهار فى
منازلهم وقائلتهم ، فأخبر الراوى بحال معاذ رضى الله عنه معاً فى وقتين لا فى
وقت واحد ، وعن صلاتين لا عن صلاة واحدة اهـ. وهذا أحد الوجوه
الخمسة التى ذكرها فى الجواب من عدم العلم بنية معاذ ، كما قاله الطحاوى ،
وإنه حكاية حال غير معلومة الكيفية، وإنه معارض بقوله: ((إنما جعل الإمام
ليؤتم به)، والنية ركن، فأولى أن لا تخالفه فيها، وإنه معارض بحديث: ((الإمام
ضامن)) .
ثم إن لمعاذ وقائع متعددة، منها ما فى "صحيح البخارى" (ص - ٩٨ )
فى (باب تخفيف الإمام فى القيام) من حديث ابن مسعود: ((إن رجلاً قال :
والله يا رسول: إنى لأتأخر عن صلاة الغداة من فلان مما يطيل بنا الخ)). فقال
الحافظ فى "الفتح" (٢ - ١٦٧): وكأن البخارى حمل حديث الباب على
قصة معاذ ، ثم رده ، وذكر أن المراد به أبى بن كعب ، والواقعة فى مسجد
قباء فى الصبح : وقصة معاذ فى العشاء فى مسجد بني سلمة ، واستدل برواية
فيها عيسى بن جارية ، وهو ضعيف عند أكثر المحدثين . أنظر " التهذيب"
(٨ - ٢٠٧)، فقد حكى تضعيفه عن الأكثرين. قال فى "التقريب": فيه
لين، وحسن إسناده فى "الفتح". قال الشيخ: وعندى رواية صريحة فى إمامة
معاذ فى مسجد قباء ، فلابد أن يقال: أنه كان إماماً فى قباء فى وقت ما ، يريد
به ما فى "الكنز" (٤ - ٢٠١) فى الإسفار عن تميم بن زيد قال: دخلنا
(م - :

١٠٦
معارف السنن
ج - ٥
حدثنا قتيبة نا حماد بن زيد عنعمرو بن دينار عن جابر بن عبد اللّه:
((إن معاذ بن جبل كان يصلى مع رسول اللّه عَ لّ المغرب ثم يرجع إلى قومه
فيؤمهم )) .
مسجد قباء وقد أسفروا وكان النبي ◌َّلّ أمر معاذاً أن يصلى بهم ..... ابن
منده وأبو نعيم . اهـ. قال الشيخ: ثم أقول : إنه لم يثبت مثل تلك القصة فى
الفجر وغيره من صلاته خلف رسول اللّه عَّ له، ثم إمامته للقوم فى بنى سلمة
أو قباء ، فالظاهر أنه فى العشاء مثله ، أم قومه فى صلاة غير التى صلاها خلفه
ح له فى تلك الليلة والله أعلم.
قوله : المغرب .
أعلّ البيهقى فى كتابه "السنن الكبرى" (٣ - ١١٦ و١١٧) لفظ "المغرب"
فقال : كذا قال محارب بن دثار عن جابر: المغرب . وقال عمرو بن دينار
وأبو الزبير و عبيد الله بن مقسم عن جابر: العشاء، ثم ذ کر رواياتهم وذکر أنها
أصح، وكذا يقول الحافظ: معظم الروايات على العشاء . قال الراقم: ومحارب
ابن دثار ليس بمتفرد بل تابعه فيه أبو الزبير عند عبد الرزاق ، كما فى "الفتح"،
وطالب بن حبيب عند أبى داؤد فى ( باب تخفيف الصلاة ) ، والبيهقى فى
"الكبرى" ، كلهم عن جابر . واختلف على عمرو، فرواه حماد بن زيد عند
الترمذى وغيره عنه: المغرب ، ورواية محارب بن دثار أخرجه أبو عوانة وأحمد
والنسائى والطحاوى وابن حبان والبيهقى وغيرهم، ورجال أحمد (٣ - ٣٠٠)
والنسائى والطحاوى رجال الصحيح ، فلا وجه لإعلاله ، وكذا لا وجه لترجيح
رواية العشاء أيضاً . فالقول بتعدد القضية هو الصواب . قال الحافظ فى
"التلخيص": وممن جمع بينهما بذلك ابن حبان فى " صحيحه " اهـ. وقال فى

١٠٧
بقية البحث فى حديث معاذ فى الإمامة
قال أبوعيسى: هذا حديث حسن صحيح . والعمل على هذا عند أصحابنا:
الشافعى وأحمد واسحاق ، قالوا : إذا أم الرجل القوم فى المكتوبة ، وقد كان
صلاها قبل ذلك، إن صلاة من اثتم به جائزة . واحتجوا بحديث جابر فى قصة
معاذ . وهو حديث صحيح . وقد روى من غير وجه عن جابر .
وروى عن أبى الدرداء: ((أنه سئل عن رجل دخل المسجد ، والقوم فى
"الفتح" (٢ - ١٦٣ ): وجمع بعضهم بين هذا الاختلاف بأنها واقعتان ،
وأيد ذلك بالاختلاف فى الصلاة ، هل هى العشاء أو المغرب؟ وبالإختلاف فى
السورة ، هل هى " البقرة" أو "اقتربت"؟ وبالاختلاف فى عذر الرجل ،
هل هو لأجل التطويل فقط لكونه جاء من العمل .. ، أو لكونه أراد أن يسقى
نخله إذ ذاك، أو لكونه خاف على الماء فى النخل؟ اهـ. قلت: ولأجل الاختلاف
فى الرجل: هل هو سليم؟ أو حزم بن أبى كعب ؟ أو حرام بن ملحان ؟ وحرام
من أصحاب بئر معونة، وسليم من شهداء أحد ، ولأجل وقوع زيادة: فإنه يصلى
وراءك الكبير الخ ، وما إلى ذلك من اختلافات لا يمكن أن يجمع بينها ،
وأكثرها صجاح ، فلا وجه الترجيح ولا للاشقاط، فتعين التعدد والله أعلم.
ويشير صنيع البيهقى إلى أن إعلال المغرب متفق ، وتأولها بعضهم بالعشاء
مجازاً، وهذا التأويل يرده لفظ: ((العشاء الآخرة)) عند "مسلم" و"النسائى"
وغيرهما .
قوله : عن أبى الدرداء: أنه سئل عن رجل الخ .
هذا أثر أبى الدرداء ولم أقف على من وصله ، والشافعى فى " الأم "
(١ - ١٥٣) أشار إليه، وذكر مثله عن ابن عباس ووهب بن منبه والحسن
وأبى رجاء العطاردى وعطاء وغيرهم. والبيهقى فى "سننه الكبرى" (٣ - ٨٧)

١٠٨
معارف السنن
ج - ٥
صلاة العصر ، وهو يحسب أنها صلاة الظهر فائتم به ؟ قال: صلاته جائزة)).
وقد قال قوم من أهل الكوفة : إذا اثتم قوم بإمام وهو يصلى العصر ، وهم
يحسبون أنها الظهر فصلى بهم واقتدوا به فإن صلاة المقتدى فاسدة إذا اختلف
نية الإمام والمأموم
يحكى كلام الشافعى ولم يسند آثارهم ، وكأنه لم يقف عليها ، وإنه ترجم بالمسألة
فقال : باب الظهر خلف من يصلى العصر ، وأخرج فيه أثراً عن ابن عائذ من
طريق الوضين بن عطاء: ((إن ثلاثة من الأصحاب صلوا الظهر خلف من يصلى
العصر)) ، والوضين ذكر ابن الجوزى : أنه واهى الحديث ، وضعفه ابن سعد
وغيره ، كما فى "الميزان".
وبالجملة لا يكون مثله حجة ، وتلك الآثار لم يسندوها حتى نقف على
أسانيدها، وننظر هل تقوم بمثلها الحجة ؟ علا أن هذه آثار لهم لا تقوم بها حجة
على من تمسك بأقوى منها فى المرفوع ، ومن ذلك حديث أبى هريرة فى "السنن"
و "مسند أحمد" و"صحيح ابن خزيمة" و"صحيح ابن حبان". وغيرها: ((إذا
أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة))، ولفظه فى طريق عند أحمد: ((فلا صلاة
إلا التى أقيمت))، كما فى " الفتح" (٢ - ١٢٥). واستدل به بأن المأموم
لا يصلى فرضاً خلف من يصلى فرضاً آخر، كالظهر مثلاً خلف من يصلى العصر،
كما فى "الفتح" (٢ - ١٢٧) والله أعلم.
قوله : فإن صلاة المقتدى فاسدة الخ .
احتج بعض الحنفية على الفساد بحديث: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)).
قال الشيخ : والظاهر أن الإتمام فى أفعال الصلاة ، ولا دخل فيه للنية فلا حجة
فيه . قال الزيلعى : احتج به بعض أصحابنا ، وكذا استدل به ابن قدامة للمانعين،

١٠٩
بقية بحث اقتداء المفترض وراء المتنقل
واحتج به ابن العربى فى " العارضة"، كما تقدم، والشافعية يخصونه بالأفعال
بدليل قوله بعده: ((فإذا ركع فاركعوا الخ)). قال الراقم: يقول القاضى أبو بكر:
النية ركن ، وهى الأصل ، ألا ترى أنه لا يحل له مخالفة فى الزمان ، فلا يركع
قبله ولا يرفع قبله، وليس الزمان من أوصاف الصلاة، وإنما هو من مقتضائها ،
والنية هى ركن العبادة، ونفسها أولى واجب، فتصير مخالفته فى النية نظير مخالفة فى
الفعل الذى هو ركن ، فيقوم مع القاعد ويسجد مع الراكع . قال : وهذا
نفيس جداً آه
قال الراقم : وهذا التعليل يخالف الحنفية فى صحة اقتداء المتنفل بالمفترض
وفى قيام المأموم عند جلوس الإمام لعذر ، وإنما يوافق هذا التعليل مذهب
المالكية ، فإن فى الأولى لا جواز عند المالكية فى رواية ، وكذا فى الثانية قولاً"
واحداً، إلا أن يقال فى الأولى: أن المتنفل ينوى صلاة الإمام ، ثم تقع هى له
قافلة لسقوط الفريضة عن ذمته أوّلاً ، ويقال فى الثانية : نسخ هذا الجزء منه
بحديث الصلاة فى مرض الوفاة ، كما تقرر فى محله ، وتقدم بيانه والله أعلم . ثم
إن حدیث: «إنما جعل الإمام ليؤتم به» متفق عليه من حديث أبى هريرة وحديث
أنس وحديث عائشة ، ورواه مسلم من حديث جابر أيضاً .
فذلكة البحث : قد طال البحث جداً وانتشر ، فنظراً إلى سهولة الضبط
وددت تلخيص مقاصده فيما يأتى وبالله التوفيق .
الأول : إن مسألة اقتداء المفترض بالمتنفل من فروع اختلاف نية الإمام
والمأموم، مشهورة قديماً وحديثاً، فأبو حنيفة ومالك وأحمد فى رواية اختارها أكثر
أصحابه منعوه، وجوزوا عكسه، والشافعى وأحمد فى رواية والأوزاعى جوزوه
كما جوزوا عكسه، وإلى كل ذهب طائفة من التابعين، ومالك فى رواية والزهرى
ربيعة شيخ مالك منعوا العكس أيضاً ، فذهب أبى حنيفة وسط فى المذاهب

١١٠
معارف السنن
ج - ..
الثانى: احتج المجوزون بحديث جار فى قصة معاذ رضى الله عنهما وجعلوه
أصلاً فى الباب ، وأبو حنيفة ومالك وأصحابهما عارضوه بأحاديث هى قواعد
أساسية عندهم، منها حديث: ((الإمام ضامن))، ومنها حديث: ((إنما
جعل الإمام ليؤتم به))، وقوله عَله: ((فلا تختلفوا عليه)). وهذه الأحاديث
وإن کانت عامة ولکنها أشبه بالأصول ، وحديثهم و إن كان خاصاً لكنه واقعة
جزئية وحكاية حال لا عموم لها .
الثالث : إن قصة معاذ أجيب عنها بوجوه ثلاثة : بأنه لا دليل فيها على
نية معاذ ، ولم يشعر بها أحد ، وبأنه لو سلم فلا حجة فيها مالم يثبت أنه بأمره
أو علمه أو تقريره ح له، وبأنه لو سلم هذا فيحتمل أن القصة ربما تكون حين
جواز أداء الفريضة مرتين، کما يدل عليه حديث ابن عمر عند النسائى وأبىداؤد
وأحمد والطحاوى وغيرهم من النهى عنه ، وبالأخص سياق النسائى وأبى داؤد
مع قصة حديث البلاط ، وتبويهما ، وقصة معاذ قديمة استشهد صاحبها سليم
بأحد، فحديث معاذ بنسخه حديث ابن عمر لا كما قال الحافظ من عكس ذلك .
فإن حديث ابن عمر فى بلاط المدينة حدّث به بعد عهد النبوة ، فكان فيه
دليل التأخر .
الرابع : أنه أجاب المتمسكون بحديث معاذ عن الوجه الأول بأنه ثبت فى
رواية ابن جريج عن عمرو بن دينار: ((هى له تطوع ولهم فريضة))، فتعين
كون صلاة معاذ فى بنى سلمة تطوعاً، وهذا أسلم الأجوبة عندهم كما فى "الفتح".
ورد ذلك بأن سفيان بن عيينة أحفظ الناس لحديث عمرو باعتراف الحافظ فى
غير ما موضع ، ولا يذكر هذه الزيادة ، فإذا اختلفا فيه فالقول قول سفيان .
علا أنها قد أعلها أحمد ، ثم ابن العربى ، ثم ابن الجوزى وغيرهم ، فلا عبرة
بها ، والروايات المتضافرة فى الصحيحين والسنن والمسانيد خالية عنها ، فلو
ثبتت أيضاً لم تكن لها قوة أصل الحديث ، وأيضاً لو صحت فهى إما من جريج،

١١١
فذلكة البحث السابق فى حديث معاذ
أو ممن دونه ، أو فوقه ، وليست من معاذ ألبتة، ولا وسيئة لهم بإدراكها ما لم
يخبر بها معاذ ولم يثبت .
الخامس: إنهم أجابوا عن الوجه الثانى: بأن النبى حَ لّ وقف عليه وأجاز
له ذلك لقوله: ((إما أن تصلى معى، وإما أن تخفف عليهم)). بتأويل: إما أن
تصلى معى فقط إذا لم تخفف ، وإما أن تخفف بقومك فتصلى معى . ورد" بأن
الألطف فى التقدير : إما أن تصلى معى ولا تصل معهم ، وإما أن تخفف عليهم
إن صليت معهم، وحذف فى الكل قرينته على صنعة الإحتياك من صنائع البديع،
وأقيم التخفيف فى الصلاة مقام الصلاة إقامةً لللازم مقام الملزوم ، نظير قوله :
( افترى على الله كذباً أم به جنّة) فأقيم الجنة مقام: أم لم يفتر ، لأن الجنة
يلزمها عدم الافتراء، والتقدير ذلك هو المتعين أيضاً، لأن الشكوى وقعت من
التأخير كما وقعت من التطويل ، ويسدل عليه بعض روايات أحمد وغيره ،
وإذا هو صلى خلفه بَِّلّ فى مسجده ودأبه عٍَّ فى التأخير معروف فى العشاء،
ثم إذا يأتى بنى سلمة يزداد التأخير ألبتة . فكيف يمكن أن يأذن له فى الصلاة
معه ثم معهم والحال هذه؟ وكيف يمكن أن يشكى الشاكى من التأخير والتطويل
معاً ؟ ففى هذا التقدير مقابلة الصلاة مع عدم الصلاة . وبالجملة هذا التقدير مع
لطافته وحسنه متعين ، نظراً إلى مقتضى الحال وصورة الواقعة .
السادس: إنهم أجابوا عن الوجه الثالث: بأن محمل النهى أداء الفرض مرة
أخری بنية الفرض ، ورد بأنه لا دليل عليه ، وأيضاً ير ده قصة البلاط، وليس
فيه أىّ تفصيل، وإنما اعتذر ابن عمر من الصلاة مرة أخرى لأجل ذلك الحديث .
السابع: إنه ربما يظهر من البحث: أن صلاة معاذ خلفه بَ لٍ وصلاته
لقومه لم تكن فى ليلة واحدة، وإنما ذلك فى وقتين وصلاتين ، جمعهما الراوى
٨

١١٢
معارف السنن
ج - ٥
كأنه عادة له ، وإنما عادته وعادة قومه أنهم كانوا يصلون المغرب خلفه عن
وسيلة
ويرجعون لصلاة العشاء، ولعل معاذاً تخلف مرة وتأخر، وصلى العشاء خلفه عدّ ل}
مرة ، وعليها وقع الإنكار والنهى. وكلمة "تلك الصلاة" فى رواية مسلم إشارة
إلى هيئة الصلاة من طول القراءة وأدب الصلاة لا إلى نفس الصلاة نظراً إلى
عادته العامة ، ويحتمل إلى الصلاة نفسها فى تلك الواقعة الجزئية .
وبالجملة لو ثبتت ثبتت مرة ، وهی حکایة حال لم يثبت عنه فى غير تلك
الصلاة ولا عن غيره فيها وفى غيرها . ثم مع ذلك تحتمل محامل ، فأنىّ بمثلها
التمسك فى مقام معترك صعب أمام أحاديث قوية هى أشبه بالأصول . علا أن
فيها اضطرابات كثيرة : هل فى المغرب أو العشاء؟ ثم العشاء هل هى تلك الليلة
أو فى غيرها؟ وفى رواية علىّ عند ابن منيع القصة فى الفجر، كما فى "الكنز"
(٤ - ٢٤٨). وهل الرجل سليم ، أو سلم، أو حزم بن أبى كعب ، أو
حازم ، أو حرام بن ملحان ، أو غيرهم ؟ وهل قرأ فى الصلاة " البقرة" أو
"اقتربت"؟ وهل الشكاية وقعت من التأخير أو الطويل، أو منهما جميعاً؟ وهل هذا
الرجل كان عذره تعبه بالنهار أو شغله بنوبة شربه فى النخل بالليل؟ أو مخافته على
ناضح له ؟ وهل هى واقعة ، أو واقعتان ، أو ثلاث وقائع ؟ وما إلى ذلك من
اضطرابات فى كلماتها . وبالجملة ينبغى أن يكون المناط فى الباب على حديث
معلوم السبب معلوم الوجه واضح المقصد ناطق البيان، ثم فوق كل ذلك الأحوط
فى الباب مذهب أبى حنيفة ومالك ومن تبعهما، والله أعلم بالصواب . هذا ما تيسر
لى تنقيحه وتحقيقه بقول واضح وبيان ناصع . والله سبحانه ولى الهداية والإصابة
والتوفيق. ويراجع " فتح الملهم" من تنبيه الشيخ محمود حسن رحمه الله فى
تشريع آداب الإمامة التدريجى فإنه نفيس .

١١٣
الرخصة فى السجود على الثوب عند الحاجة
(باب ما ذكر من الرخصة فى السجود على الثوب
فى الحر والبرد)
حدثنا أحمد بن محمد نا عبدالله بن المبارك نا خالد بن عبدالرحمن قال حدثنى
غالب القطان عن بكر بن عبدالله المزنى عن أنس بن مالك قال: (( كنا إذا صلينا
خلف النبى حّل بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر)).
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح . وفى الباب عن جابر بن عبدالله
وابن عباس . وقد روى هذا الحديث وكيع عن خالد بن عبد الرحمن .
-: باب ما ذكر من الرخصة فى السجود على الثوب فى الحر والبرد :-
قال أبو حنيفة : تجوز الصلاةُ مع السجود على ثوب متصل بالمصلى. وقال
الشافعى : لا يجوز السجود على الثوب المتصل . وظاهر حديث الباب يؤيد
أبا حنيفة رحمه الله، وهو مذهب مالك، وأحمد ، والأوزاعى ؛ وهو قول عمر
الفاروق ، رواه ابن أبى شيبة ، وهو مذهب أكثر أهل العلم . وورد فى رواية:
((ثوبه)) بالإضافة، وهو صريح فى المتصل به ، وقد أطال فيه البدر العينى فى
"العمدة" (٢ - ٢٨٨). ورد كل ما استدل به للشافعى بما يشفى ويكفى
فليراجعها . وحمله الشافعى على الثوب المنفصل تأول وتكلف ، وتأييد البيهقى إياه
برواية الإسماعيلى: ((فيأخذ أحدنا الحصى فى يده ، فإذ برد وضعه وسجد عليه ))
تعقبه ابن حجر فى " الفتح" (١ - ٤١٤) باحتمال عدم كفاية ثوبه . والسجود
عليه فى البرد ، ألحقه الترمذى قياساً لاشتراك العلة ، ووقع صريحاً عند ابن
أبى شيبة: ((كنا نصلى مع النبى عَلِّ فى شدة الحر والبرد فيسجد على ثوبه))
( م - ١٥ )

١١٤
معارف السنن
ج - ٥
(باب ما ذكر مما يستحب من الجلوس فى المسجد
بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس)
حدثنا قتيبة نا أبو الأحوص عن سماك عن جابر بن سمرة قال: (( كان النبى
عَّ ل إذا صلى الفجر قعد فى مصلاه حتى تطلع الشمس)).
قال أبوعيسى: هذا حديث حسن صحيح .
حدثنا عبد الله بن معاوية الجمحى البصرى نا عبد العزيز بن مسلم نا
أبو ظلال عن أنس قال: قال رسول اللّه عَ لٍ: ((من صلى الفجر فى جماعة ثم قعد
كما فى " العمدة".
وفى الحديث دليل على أن العمل اليسير فى الصلاة عفو . والحديث
أخرجه الشيخان ، وبقية أرباب السفن ، والبخارى فى أوائل الصلاة
و أواخرها .
والظهائر جمع ظهيرة ، وهى وقت شدة الحر فى الهاجرة . ورواية وكيع
عن خالد ما أشار إليه الترمذى فى خارج الصحاح الستة حيث لم يروها عنه أحد
منهم من طريقه .
-: باب ما ذكر ما يستحب من الجلوس فى المسجد :-
بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس
قوله: كان النبى حَلاءِ الخ.
قال الشيخ : عبر الراوى كأنه عادة مستمرة له ، وإنما هو فعل نادر منه
ح ◌َلامٍ. وقد صرّح العلماء على أن لفظة " كان" فى الحديث لا تدل على الاستمرار.
وكم من أفعال جزئية فعلها مرة والراوى يعبر عنها بلفظة " كان " ، منها أفعاله

١١٥
حديث الجلوس فى المسجد إلى الشروق والركعتين وأجرهما
يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة)).
قال: قال رسول اللّه حَلٍّ: ((تامة تامة تامةً)).
فى حجة الوداع . يقول الراقم : وكأن الوجه فى مثلها الإشارة إلى أن حكمه
مستمر ، وأنه تشريع دوامى ، وعلى ذلك يختلف الأنظار وينشعب الاختلاف
بينهم ، وليس هذا موضع بسطه .
قوله : كأجر حجة وعمرة .
قيل: إن الغرض هو بيان إحراز الفضل والأجر، كمن أحرز الأجر بالحج
والعمرة، وعليه الشارحون . قال الشيخ : وعندى يحتمل أن التشبيه هو فى عبادة
صغيرة بعد عبادة كبيرة، فمن صلى ركعتين بعد طلوع الشمس بعد ما صلى مكتوبة
الفجر كان كمن اعتمر بعد الحج . وقال الطبى : هذا التشبيه من باب إلحاق
الناقص بالكامل ترغيباً للعامل ، أو شبه استيفاء أجر المصلى تاماً بالنسبة إليه
بإستيفاء أجر الحاج تاماً بالنسبة إليه. وأما وصف الحج والعمرة بالتمام فإشارة
إلى المبالغة والله أعلم، انتهى كلامه، حكاه على القارى فى " المرقاة"، ومثله
فى " التعليق الصبيح" وغيره . والحديث شواهد من حديث أبى أمامة عند
الطبرانى بإسناد جيد، كما فى "الزوائد" (١٠ - ١٠٤) وكذلك عن أبى أمامة
عند أحمد وأبي داؤد مرفوعاً: ((من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة
فأجره كأجر الحاج المحرم ، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه
فأجره كأجر المعتمر الخ)). قال الحافظ فضل الله التوربشتى الحنفى فى " شرح
المصابيح " - كما فى " تعليق الصبيح " -: وأمثال هذه الأحاديث ليست
للتسوية ، كيف ؟ وإلحاق الناقص بالكامل يقتضى فضل الثانى وجوباً ؛ ليفيد
المبالغة ، وإلا كان عبثاً ، فشبه حال المصلى القاصد إلى المكتوبة بحال الحاج

١١٦
معارف السنن
ج - ٥
قال أبوعيسى: هذا حديث حسن غريب .
وسألت محمد بن إسماعيل عن أبى ظلال ؟ فقال : هو مقارب الحديث ،
قال محمد : واسمه : هلال .
(باب ما ذكر فى الالتفات فى الصلاة) .
حدثنا محمود بن غيلان وغير واحد ، قالوا : نا الفضل بن موسى عن
المحرم فى الفضل مبالغةً وترغيباً للمصلى الخ. وقال فى قوله: ((فأجره كأجر
المعتمر)): إشارة إلى أن فضل ما بين المكتوبة والنافلة والخروج إلى كل واحد
منها كفضل ما بين الحج والعمرة والخروج إلى كل واحد منهما آهـ.
قال الراقم : وبالجملة کلام التوربشتى ثم الطیی کل ذلك يؤبد رأی شيخنا
رحمه الله ورجها. وعلى كل حال أستفيد من الحديث أن أداء العمرة بعد أداء الحج
أيضاً شاكلة العبادة فى المناسك بأن يكون الحاج مفرداً لا قارناً ولا متمتعاً ،
خلاف ما يقول ابن القيم فى " زاد المعاد": أن السنة تقديم العمرة على الحج .
وبالجملة الحديث القولى ثابت فى فضل القعود بعد مكتوبة الفجر إلى أن تطلع
الشمس، وأما فعله ◌ََّلِ فنادر، والله أعلم .
قوله : وهو مقارب الحديث .
تقدم فى أوائل الطهارة أنه من ألفاظ التوثيق فراجعه . وإعادة : " قال
رسول اللّه ◌َاجٍ " فى متن الحديث الثانى دفعاً لما يكاد يوهم أنه من كلام أنس.
-: باب ما ذكر فى الالتفات فى الصلاة :-
الإلتفات من اللفت، وهو ههنا: لىّ العنق . قال فى "اللسان": وأصل

١١٧
بحث الإلتفات فى الصلاة
عبد الله بن سعيد بن أبىهند عن ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس: ((إن
رسول اللّهِ عَ ه كان يلحظ فى الصلاة يميناً وشمالاً، ولا يلوى عنقه خلف ظهره ».
قال أبوعيسى : هذا حديث غريب ، وقد خالف وكيع الفضل بن موسى
فى روايته .
اللفت: لىّ الشئ عن الطريقة المستقيمة. وقال أيضاً: واللفست: لىّ الشئ عن
جهته كما تقبض على عنق إنسان فتلفته آهـ. قال الراقم: قال الحماسى ع :
وتلفت نحو الحى حتى وجدتنى - وجعت من الإصغاء ليتاً وأخدما .
والنظر بلحاظ العينين لا يكره عندنا ، وأما بلى العنق فيكره ، وأما
بتحويل الصدر فيفسد الصلاة . قال فى "المبسوط": حد الإلتفات المكروه
أن يلوى عنقه حتى يخرج من جهة القبلة ، والإلتفات يمنة ويسرة إنحراف عن
القبلة ببعض بدنه ، فلو انحرف بجميع بدنه تفسد صلاته ، ولو نظر بمؤخر عينيه
يمنة أو بسرة من غير أن يلوى عنقه لا يكره، كذا فى "العمدة" (٣ - ٥٢).
وذكر شارحا "الصحيح" الإجماع على أن الإلتفات مكروه كراهة تنزيه، خلافاً
للمتولى من الشافعية والظاهرية ، فذهبوا إلى تحريمه . والمذكور فى الحديث هو
النظر بمؤخر العينين مع لى العنق قليلة ، إذ لا يمكن الملاحظة بمؤق العينين إلا
ومعها شئ من الإلتفات ، قاله الحافظ الزيلعى فى "نصب الرأية" (٢ - ٩٠).
و وردت أحاديث كثيرة تدل على كراهة الإلتفات ، واستوفى أكثرها البدر
العينى فى "العمدة" (٣ - ٥٣).
قوله : وقد خالف وكيع الخ .
يريد أن وكيعاً أرسله، وأن الفضل بن موسى تفرد بإسناده ، قال الترمذى

١١٨
معارف السنن
ج - ٥
حدثنا محمود بن غيلان نا وكيع عن عبد الله بن سعيد بن أبى هند عن بعض
أصحاب عكرمة: ((أن النبى حَ لّ كان يلحظ فى الصلاة))، فذكر نحوه .
وفى الباب عن أنس وعائشة .
حدثنا مسلم بن حاتم البصرى أبو حاتم نا محمد بن عبد الله الأنصارى عن
أبيه عن على بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أنس قال قال لى رسول اللّه عَ لَاجٍ :
((يا بنيٍ، إياك والإلتفات فى الصلاة، فإن الإلتفات فى الصلاة هلكة،
فإن كان لا بد ففى التطوع لا فى فريضة » .
فى "العلل الكبير": ولا أعلم ممن روى هذا الحديث عن عبد الله بن سعيد
مسنداً مثل ما رواه الفضل بن موسى اهـ. ورواه الدارقطنى فى "سننه" وقال:
تفرد به الفضل بن موسى عن عبد الله بن سعيد به متصلاً وغيره يرسله . وقال
القطان فى "كتابه": هذا حديث صحيح وإن كان غريباً، لا يعرف إلا من هذه
الطريق، فإن عبدالله بن سعيد وثور بن زيد ثقتان، وعكرمة احتج به البخارى،
فالحديث صحيح اهـ. كذا فى " نصب الرأية.
قوله ((فإن كان لا بد ففى التطوع)).
قال الشيخ : دل على أن فى الفريضة والتطوع فرقاً ، وإن فى التطوع
توسعاً ليس فى الفريضة ، وكذلك فى الفقه ، ألاترى أن النافلة تجوز جالساً من
غير عذر دون الفرض .
و"الإختلاس" بالفارسية: "ربودن" والإختلاس: الاختطاف بسرعة،
كما فى "العمدة"، وفرق فى " فتح البارى" بين الاختلاس، والنهب،
والسرقة ، بأن الأول : الخطف من غير غلبة ومع هرب ولو بمعاينة المالك .

١١٩
بيان معنى اختلاس الشيطان عن الصلاة
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن .
حدثنا صالح بن عبد الله نا أبو الأحوص عن أشعث بن أبى الشعثاء عن أبيه
عن مسروق عن عائشة قالت: ((سألت رسول اللّه عليه عن الإلتفات فى الصلاة؟
قال : هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة الرجل )).
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن غريب .
والثانى: الأخذ بقوة. والثالث : الأخذ فى خفية. قال الطبى فى معنى الحديث:
من التفت ذهب عنه الخشوع ، فاستعير لذهابه اختلاس الشيطان تصويراً لقبح
تلك الفعلة ، أو أن المصلى مستغرق فى مناجاة ربه ، وإنه تعالى يقبل عليه ،
والشيطان كالراصد ينتظر فوات تلك الحالة عنه ، فإذا التفت المصلى اغتنم
الفرصة فيختلسها منه اهـ. حكاه فى "العمدة" (٣ - ٥٢). وأشار به إلى
نقصان الصلاة وذهاب بعض أجزائها ، کما فى " سنن أبى داؤد" فى ( باب
نقصان الصلاة) من حديث عمار بن ياسر مرفوعاً: ((إن الرجل لينصرف وما
كتب له إلا عشر صلاته تسعها فذكر إلى نصفها)».
قوله : هذا حديث حسن .
كذا فى المطبوعة ، وأخرجه الزيلعى عن الترمذى وقال : قال : حديث
حسن صحيح ، فلعله من اختلاف النسخ . وصاحب "المنتقى" أبو البركات ابن
تيمية ينقل عنه تصحيحه أيضاً ، والله أعلم .
قوله : حسن غريب . والحديث أخرجه البخارى فى "صحيحه" من طريق
مسدد ممن أبى الأحوص ، فهو صحيح ألبتة ، وعبد الله بن صالح بن ذكوان
شيخ الترمذى ثقة أيضاً . فهو على سنده أيضاً صحيح والله أعلم . وأخرجه النسائى
وأبو داؤد فى " سننيهما".

١٢٠
معارف السنن
ج - ٥
(باب ما ذكر فى الرجل بدرك الامام ساجدا
كيف يصنع)
حدثنا هشام بن يونس الكوفى نا المحاربى عن الحجاج بن أرطاة عن أبى اسحاق
عن هبيرة عن على، وعن عمرو بن مرة عن ابن أبى ليلى عن معاذ بن جبل قالا :
-: باب ما ذكر فى الرجل يدرك الإمام ساجداً كيف يصنع :-
مدرك الركوع مع الإمام مدرك الركعة عند جمهور الأمة ، ورى عن
أبى هريرة أنه لا تحسب له تلك الركعة ، كما ذكره البخارى فى "جزء القراءة".
وقد مر بعض البحث فيه فى بحث القراءة خلف الإمام . راجع أواخر بحث
القراءة خلف الإمام، وباب فضل التكبيرة ، وقد تقدم أنه شذوذ عن الجمهور ،
وثبت عنه خلافه . ويخالف ما ذكروا من مذهبه ما روى عنه فى "مؤطأ مالك"
(ص - ٤) فى من أدرك من الصلاة ركعة من بلاغاته .: أن أبا هريرة كان
يقول: ((من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة ومن فائه قراءة أم القرآن فقد فاته
خیر کثیر )» ، وتقدم البحث فى بلاغاته أيضاً ، ويؤيده أن أبا هريرة روی
عنه مرفوعاً: ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه)).
رواه ابن خزيمة في " صحيحه"، كما فى " التلخيص" (ص - ١٢٧)
والبخارى فى "جزء القراءة". وقد أعل البخارى زيادة: ((قبل أن يقيم الإمام
صلبه)). والزيادة فيه من طريق ابن وهب عن يحى بن حميد فقال: وأما يحى
ابن حميد فمجهول لا يعتمد على حديثه الخ .
قال الراقم : وذكره ابن حبان فى الثقات ، كما فى " لسان الميزان"،
وأخرج حديثه ابن خزيمة فى " صحيحه"، كما فى " التلخيص" و"اللسان".
وظهر بعد البحث أن تضعيفه عندهم إنما جاء من قبل هذه الزيادة فقط ، وبأنه