Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١
بحث خروج النساء إلى الصلوات فى عهد النبوة
وإن كان الخروج للعبادة والطاعة ، فعليهن الإستيذان وعليهم الإذن . وأين هذا
من خروج النساء سافرات متبرجات إلى الحفلات أو المتنزهات ؟ وإلى معاهد
الفسق والفجور الذى حرمه الله لهن فى قعر بيوتهن ، وإلى الأسواق والمتاجر ؟
وأين هذا من إذن الشريعة لهن بالخروج عند أمور شرعية أبيحت لمن ضرورة؟
وأين دورفتن مظلمة عهد كل ضلالة وفساد من عهد النبوة عهد الج، وعهد
الصلاح والخشية الإلهية ؟ وأين مجامع الشر من محافل الخير؟ (وما يستوى الأعمى
والبصير، ولا الظلمات ولا النور ، ولا الظل ولا الحرور ، وما يستوى الأحياء
ولا الأموات ، إن اللّه يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من فى القبور) (القرآن الكريم
"الفاطر"). وراجع "العمدة" (٣ - ٢٣٠) و "الدر المنثور" من قوله
تعالى: (وقرن فی بیوتكن). وما فى "الفتح" (٧ - ١٢) و (٢ - ٣١٨ و
٤٥٠) و (١ - ١٦٥)، وما فى "المدونة" (١ - ٨٢)، وما عند " النسائى"
(١ - ٢٢٢)، وما فى "خلاصة الوفا" (ص - ١٢٧) و"الوفاء" (١ - ٣٦٦)،
وراجع "العمدة" (٢ - ٩٩ و١٣٦). وفى منع النساء من الخروج إلى الجمع
والأعياد كما فى "رد المحتار" و"البرهان" عن أبى حنيفة لطيفة عند السفاريني
(٢ - ٢٣٧) كذا فى مذكرة الشيخ رحمه الله. والغرض من حديث الباب أنه
إن أردن الخروج إلى المساجد فليس للرجال منعهن ، وإذا كان الأمر أمراً اجتماعياً
فالشريعة تراعى كل جانب ، فرغبهن إلى عدم الخروج وأباح لهم الإذن به إذا
استأذن، نظير ما قلت فى حديث: ((ولا يؤم الرجل فى سلطانه)) أن الحديث
لاحظ كل جهة من الحقوق . قاله الشيخ .
٦٢
معارف السنن
ج - ٥.
فقال ابنه: والله لا نأذن لهن، يتخذِفه دغلاً! فقال: فعل الله بك وفعل! أقول:
قوله : فقال ابنه الخ . ابنه هذا : بلال، كما فى رواية، أو: واقد ، كما
فى رواية أخرى ، وكلتا الروايتين عند مسلم، ورجح الحافظ فى "الفتح "
(٢ - ٢٨٩): أن صاحب القصة بلال ، لورود ذلك من رواية نفسه ، ومن
رواية أخيه سالم، ولم يختلف عليها اهـ. وفى رواية: ((إنه ما كلمه عبد الله
ابن عمر حتى مات)). هى رواية ابن أبى نجيح عن مجاهد عند أحمد، كما فى "الفتح"
ثم إن ابن عبد الله بن عمر ما كان يريد أن يقابل حديث رسول اللّه علّ له برأيه،
وإنما كان غرضه صحيحاً، غير أن تعبيره لم يكن مناسباً، يوهم المعارضة
والمخالفة، فلذا غضب به عبد الله بن عمر ، أفاده الشيخ. وقال الحافظ فى
"الفتح" (٢ - ٢٨٩): وإنما أنكر عليه ابن عمر لتصريحه بمخالفة الحديث .
وإلا فلو قال مثلاً: إن الزمان تغير ..... لكان يظهر أن لا ينكر عليه الخ .
قال الشيخ: ونظيره ما فى "تكملة البحر" للطورى: إن الإمام.
أبا يوسف كان يمدح الدباء، وروى فيه حديث الدباء: ((إن رسول اللّه عَ لى
كان يحب الدباء)) فقال رجل: لا أحبه ، فأمر أبويوسف بقتله، فتاب الرجل.
من فور ، فغرض ذلك الرجل وإن كان صحيحاً غير أن التعبير كان سيئاً أوهم.
المعارضة. أقول: لم أقف عليه فى "تكملة الطورى"، وذكر طرفاً فى "البحر"
نفسه من كتاب المرتدين ، والقصة بتمامها فى "المرقاة" وتقدمت فى أوائل الطهارة .
قوله : دغلاً. الدغل هو: الإصطياد وراء الشجر الملتف ، يستعمل فى
هذا المعنى بصلة " فى". وأصل الدغل الشجر الملتف، كما فى " النهاية ".
و "اللسان" و "المجمع" و "الفتح" وغيرها. ثم استعمل فى المخادعة، لكون
المخادع يلف" ضميره أمراً ويظهره غيره، قاله فى "الفتح" (٢ - ٢٨٩).
قوله : فعل الله بك ما فعل. ومثله عن ابن نمير عن الأعمش ، وفى
بيان وجوه كراهية البزاق نحو القبلة
قال رسول الله
وسية
ـيبـ
: وتقول: لا نأذن؟)) .
وفى الباب عن أبى هريرة ، وزينب امرأة عبد الله بن مسعود ، وزيد بن
خالد . قال أبو عيسى : حديث ابن عمر حديث حسن صحيح .
(باب فى كراهية البزاق فى المسجد)
حدثنا محمد بن بشار نا يحيى بن سعيد عن سفيان عن منصور عن ربعی بن
رواية بلال عند مسلم: ((فأقبل عليه عبد اللّه فسَّبه سباً سيئاً ما سمعته يسبّه مثله
قط))، وفسر عبد الله بن هبيرة فى رواية الطبرانى السب المذكور باللعن ثلاث
مرات، وفى رواية زائدة عن الأعمش: ((فانتهره وقال: أف لك))، وفى رواية
عند مسلم وأبى داؤد: ((فسبَّه وغضب)) كذا فى "الفتح" (٢ - ٢٨٩) وراجعه
لمزيد إيضاح الأطراف والأبحاث .
-: باب فى كراهية البزاق فى المسجد :-
قال شيخنا: اعلم أن مناط النهى عن البزاق نحو القبلة فيه تسعة وجوه كلها
تستنبط من الأحاديث الواردة فى هذا الباب ، والراجح عندى : أنه لأجل
احترام المواجهة الحاصلة بين المصلى وبين اللّه ، وبقية الوجوه راجعة إليه. أقول:
الوجوه المذكورة صراحة أو إشارة ، منها مناجاة المصلى ربه ، ومنهاكون اللّه بينه
وبين القبلة ، ومنها تعظيم شأن القبلة، ومنها أن التوجه إلى القبلة بالقصد مفض
إلى الرب، ومنها كون عظمة اللّه، ومنها كون ثواب الله، ومنها الإيذاء لله
وللرسول ، ومنها كون تفله بين عينيه يوم القيامة ، ومنها تلويث جدار القبلة
وتقذيره. فهذه تسعة وجوه وقفت عليها. أنظر "الفتح" (١ - ٤٢٨ وما
بعدها). ويكتفى لتخريجها الأحاديث المذكورة فى "الصحيح" فى أبواب المساجد،
٦٤
معارف السنن
ج - ٥
حراش عن طارق بن عبد الله المحاربى قال: قال رسول اللّهَ حَلٍّ: ((إذا كنت
فى الصلاة فلا تبزق عن بمينك ، ولكن خلفك ، أو تلقاء شالك ، أو تحت
قدمك اليسرى)).
وفى الباب عن أبى سعيد ، وابن عمر ، وأنس وأبى هريرة ، قال أبو
عيسى : حديث طارق حديث حسن صحيح ، والعمل على هذا عند أهل العلم .
ثم رأيت فى مذكرة للشيخ رحمه الله: وأما حديث: ((إذا كنت فى الصلاة
فلا تبزق عن يمينك ولكن خلفك ا ه)) ، فهل المثار فيه احترام القبلة، أو احترام
المسجد ، أو احترام كاتب الحسنات عند الصلاة ، أو شغل الصلاة فيدخل فى
باب مكروهات الصلاة ، أو وصلة المناجاة فيدخل فى باب السترة ، أو إيذاء
المصلين ، أو تشريف قبالة الوجه ، أو اليمين ، أو احترام جدار القبلة ؟ وإن
برق عليه على غير سمتها فيقع قبالة الأخيرين أو المجموعة ، فيتغاير الأحكام
المناسبة لهذه الأوصاف جمعاً وفرقاً. والظاهر أن المثار احترام القبلة عند الصلاة،
ووصلة المناجاة، واحترام كاتب الحسنات ، فإن الحديث ورد فيما ألجئ إلى
البزاق ولو فى المسجد ، وإن ورد فى الباب ما ينزع إلى كل باب سوى قبالة
الوجه. ثم رأيت الباجى قد أجاد فيه (١ - ٣٣٧)، وقال أيضاً: والأقرب
أن المناط : التأدب وتحصيل سمت حسن فى وجه معظم ، ومنه احترام الكاتب،
والقبلة إتفاقى . والحاصل أنه احترام ربه تعالى اهـ .
قوله : ولكن خلفك . لم يرد هذه الزيادة إلا فى رواية الترمذى .
قوله : أو تلقاء شالك . أی : إن كان فارغاً ، کما فى رواية لأبىداؤد
فی " سننه" فى ( باب كراهية البزاق فى المسجد ) (١ - ٦٨) فی نفس حديث
الباب من طريق أبى الأحوص عن منصور عن ربعى الخ . ولعبد الرزاق من
٦٥
بحث البزاق فى المسجد ودفنها واختلاف القاضى عياض والنووى
وسمعت الجارود يقول : سمعت وكيعاً يقول: لم يكذب ربعى بن حراش فى
الإسلام كذبة . وقال عبد الرحمن بن مهدى: أثبت أهل الكوفة منصور بن المعتمر.
حدثنا قتيبة نا أبو عوانة عن قتادة عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله
عَظّ: (( البزاق فى المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها)).
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .
طريق عطاء عن أبى هريرة نحوه ، كما فى "الفتح"، وقال: ولو كانت تحت
رجله مثلا شئ مبسوط أو نحوه تعين الثوب ، ولو فقد الثوب مثلاً فلعل بلعه
أولى من ارتكاب المنهى عنه اهـ .
ثم إذا جمعت الروايات كلها فى الباب فقدرها المشترك دل على عدم التوسع
فى البزاق فى المسجد ، وكذا فى الصلاة . واتفقوا على أن حكم البزاق والإذن
به فى الحديث لمن اضطر إليه . وههنا خلاف بين القاضى عياض والنووى ،
فيقول النووى : إن البزاق خطيئة ، أراد دفنه أو لم يرد . ثم إذا بزق فكفارته
دفنه . وقال القاضى عياض : إن البزاق خطيئة إذا لم يدفنه ، وأما إذا أراد
دفنه فلا. وجنح الحافظ إلى قول القاضى. قال فى "الفتح" (١ - ٤٢٨ ):
وحاصل النزاع أن ههنا عمومين متعارضين ، وهما قوله: البزاق خطيئة ، وقوله:
وليبصق عن يساره أو تحت قدمه ، فالنووى يجعل الأول عاماً ويخص الثانى بما
إذا لم يكن فى المسجد . والقاضى بخلافه يجعل الثانى عاماً ويخص الأول بمن لم
يرد دفنها ، وقد وافق القاضى جماعة ، منهم : ابن مكى فى "التنقيب"،
والقرطبى فى "المفهم"، وغيرهما. ويشهد لهم ما رواه أحمد بإسناد حسن من
حديث سعد بن أبى وقاص مرفوعاً، قال: (( من تنخم فى المسجد فيغيب نخامته
أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه)). وأوضح منه فى المقصود ما رواه أحمد
( م - ٩)
ج - ٥
معارف السنن
( باب فى السجدة فى "اذا السماء أنشقت"
و "اقرأ باسم ربك الذي خلق")
حدثنا قتيبة بن سعيد نا سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن عطاء
والطبرانى بإسناد حسن من حديث أبى أمامة مرفوعاً، قال: ((من تنجع فى
المسجد فلم بدفنه فسيئة ، وإن دفنه فحسنة )) ، فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم
الدفن الخ . والبدر العينى صحح قول النووى فى موضع ، ورده فى موضع، راجع
"العمدة" (٢ - ٣٢٦) و (٢ - ٣٣٠).
قال الراقم : لا تظهر ثمرة الخلاف فيمن يبزق ثم دفنه ، وإنما تظهر فيمن
بزق وأراد أن بدفنه ثم لم يقدر على الدفن لعذر صحيح ، فهى خطيئة عند النووى
دون القاضى والله أعلم . قال الشيخ : وإنى أتوقف فيه .
تنبيه : وقع فى النسخة المطبوعة بالهند - وهى نسخ بعضها من بعض -
هذان اليابان ، باب كراهية البزاق ، وباب خروج النساء ، بين أبواب سجود
القرآن ، وهو خزف تناسب الأبواب ، وخلاف دأب المؤلف فى تناسق
الأبواب وترتيبها ، والمناسب ذكرهما فى أبواب المساجد بعد أبواب القراءة . فلا
ندرى من أين هذا حدث ؟ وليس عندى أصل صحيح مخطوط لكى نرجع إليه،
والله أعلم .
-: باب فى السجدة فى "إذا السماء انشقت" :-
و "اقرأ باسم ربك الذي خلق "
أراد المصنف فى هذا الباب الرد على مالك بن أنس حيث قال بعدم السجود
فى "المفصل"، وحديث الباب حجة عليه. وأحاب المالكية عنه بالنسخ
٦٧
بيان سجدة التلاوة فى " المفصل "
ابن ميناء عن أبى هريرة قال: ((سجدنا مع رسول اللّه عَلَ له فى "اقرأ باسم ربك"
و "إذا السماء انشقت")).
حدثنا قتيبة نا سفيان عن يحيى بن سعيد عن أبى بكر بن محمد بن عمرو
ابن حزم عن عمر بن عبد العزيز عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام
عن أبى هريرة عن النبى حَلّ: مثله.
وفى الحديث أربعة من التابعين بعضهم عن بعض : قال أبوعيسى : حديث
أبى هريرة حديث حسن صحيح . والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم: يرون
السجود فى "إذا السماء انشقت" و"اقرأ باسم ربك" .
بالمدينة ، وإن السجدة كانت بمكة ، ويلزمهم الدليل البين على هذا . والنسخ
لا يجوز إثباته بالإحتمال . وراوى الحديث أبو هريرة، وإسلامه ولقاؤه رسول الله
عَّ الّ كان بالمدينة قبل وفاته فضَّ لّ بثلاث سنين. فدل على ضعف ما قالته المالكية.
ولفظ حديث أبى هريرة فى "صحيح البخارى " أصرح من لفظ الترمذى،
وفيه: ((فقلت يا أبا هريرة: ألم أرك تسجد؟ قال: لولم أر النبى حَ له مسجد لم
أسجد)) اهـ. وحديث ابن عباس فى عدم السجود فى "المفصل" عند أبى داؤد
من طريق أبى قدامة من مطر الوراق . قال ابن عبد البر : حديث منكر ،
وأبو قدامة ليس بشئ ، وكذا ضعفه عبد الحق وابن القطان وغير واحد . أنظر
" العمدة" و" نصب الرأية" و " الفتح "
قوله : أربعة من التابعين الخ .
وهم يحى بن سعيد الأنصارى ، وأبو بكر بن محمد، وعمر بن عبدالعزيز،
وأبو بكر بن عبد الرحمن ، والأنصارى ، قال فيه الثورى : كان أجل عند أهل
المدينة من الزهرى . وأبوبكر بن محمد بن عمرو ولى القضاء ، والامرة والموسم
٦٨
معارف السنن
ج - ٥
(باب ما جاء فى السجدة فى "النجم")
حدثنا هارون بن عبد الله البزار نا عبد الصمد بن عبد الوارث نا أبى عن أيوب
عن عكرمة عن ابن عباس قال: ((سجد رسول اللّه ◌َ لٍ فيها، يعنى "النجم"،
والمسلمون والمشركون
لسلمان بن عبد الملك . وابن عبد العزيز فقيه عابد ، وهو ممن كتب إليه ابن
عبد العزيز بجمع الحديث . وأما عمر ، فعمر ! وأبوبكر بن عبد الرحمن ، فمن
الفقهاء السبعة، واسمه كنيته على الصحيح ، كما أن كنية أبى بكر بن محمد اسمه ،
فالإسناد فى غاية الجلالة .
-: باب ما جاء فى السجدة فى " النجم" :-
قصة حديث الباب وقعت بمكة ، والحديث من مراسيل ابن عباس ، فإن
الواقعة حين لم يولد هو، وكان ابن اثنتى عشرة سنة حين توفى رسول اللّه عَ لَّم .
وفى " الفتح" (٨ - ٣٣٤): هذه القصة وقعت بمكه قبل الهجرة اتفاقاً اهـ.
وفى "الفتح" (٢ - ٤٥٧) و "العمدة" (٣ - ٥١٢): زاد الطبرانى فى
" الأوسط " من هذا الوجه - أى عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس -:
" بمكة". ويستفاد من ذلك أن قصة ابن عباس وابن مسعود متحدة اهـ. وفى
عمره عين وفاة النبى حَ لّ خلاف، والأثبت: أن عمره كان عند ذلك: ثلاث
عشرة سنة . أنظر " الإصابة" (٢ - ٣٣٠).
قوله : والمشركون الخ .
اختلفوا فى وجه سجدة المشركين؟ فقيل: إن النبي ◌َُّلٍ قرأ "النجم"، فلما
بلغ: (أفرأيتم اللأَّت والعزّى ومناة الثالثة الأخرى) ألقى الشيطان على لسانه : تلك
٦٩
تحقيق سجدة المشركين فى "الحج"
الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، فلما بلغ آخرها سجد وسجد المسلمون والمشركون :
فأنزل الله تعالى: ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا بنى إلا إذا تمنى ألفى
الشيطان فى أمنيته. الآية) . وهذا قول باطل عند الحذاق ، مخالف لعصمة النبى
وَالج المجمع عليها، والإلقاء فى الأمنية لا تنحصر فى مثل هذا. وقيل: إن
إبليس لعنه الله هو الذى قال ذلك حين وصل النبى حَلّ إلى تلك الآية، ونطق
بها محاكياً نغمته بحيث سمعها من دنى إليه. ولعل معنى الإلقاء على لسانه أنه كان
تكلم موهماً أنه من كلامه فّ ، ثم رواه بعضهم على فهمه فى المعنى، وهذا
أيضاً بعيد عن الصواب ، يختل بمثله العصمة فى التبليغ ، وقيل إن تلك الكلمات
أنزلت فى " النجم"، والمراد بالغرافيق الملائكة دون أصنامهم ، وظنّها قريش
أصناماً لهم فسجدوا ثم نسخت .
قال الشيخ بعد نقل الأقوال : وهذا القول أقرب إلى التحقيق ، وتشبيه
الملائكة بالغرانیق یلائم دون تشبيه الأصنام بها . ويدل عليه حديثان مرسلان كلاهما
بإسناد صحيح، ذكرهما البدر العينى والحافظ ابن حجر. أقول : الأقوال المذكورة
وغيرها ذكرها فى "العمدة" (٣ - ٥١٠ وما بعدها) و (٩ - ٤٧) و
"الفتح" (٨- ٣٣٣). ومن الذين بالغوا فى ردتلك الأقوال والروايات الدالة
عليها : القاضى أبو بكر ابن العربى ، والقاضى عياض ، والذهبى ، والبدر
العينى، وغيرهم. والروايتان ذكرهما الحافظ فى "الفتح" (٨ - ٣٣٣) وقال:
رجالهما على شرط «الصحيحين»، وذكرهما العينى بأسانيد غيرها وردها :
والحافظ جنح إلى صحتها .
ثم أول "الإلقاء" بوجوه، فذكر منها: أن المراد بالغرافيق الملائكة ....
فنسخ اللّه تلك الكلمتين وأحكم آياته اهـ. وذكر العينى: أن الكلبى فسر فى
فعلى هذا فلعله كان
روايته الغرائقة العلى بالملائكة لا بآلهة المشركين
٧٠
معارف السنن
ج - ٥
قرآناً ثم نسخ اهـ. وراجعهما للتفصيل. وقد استوفى الكلام فى الآيات الآلوسى
فى تفسيره من سائر الأطراف ، ولصاحب "الإبريز" فيها كلام متين فليراجعه
من شاء . والبحث طويل . ووقع فى "العرف الشذى" مرفوعتين بدل مرسلتين
خطأ فى الضبط ، وكثير فى ضبطه من مثل هذه المسامخلت ، التى الشيخ رحمه الله
برئ منها ، فشغب صاحب " التحفة" أثر سخطه الكامن يترقب فرصة تسنح له
لإظهاره كعادته ، فرحم الله من أنصف واستقام .
والغرفوق فى اللغة: الشاب الأبيض ، الناعم الجميل ، والطير الأبيض ،
وطير الماء ، أو الذكر من طير الماء ، أو الكركى. واستشهد لكل فى " لسان
العرب " فراجعه .
وذكر الشاه ولى الله رحمه الله: أن سجود المشركين كان لغلبة جلاله عليهم
فاضطروا إلى السجود من غير أن يبقى لهم فيه الاختيار ، كما ذكره فى شرح
تراجم "البخارى"، وفى "حجة الله البالغة"، ولفظه فى "الحجة": إن فى ذلك
الوقت ظهر الحق ظهوراً بيناً ، فلم يكن لأحد إلا الخضوع والاستسلام ؟ فلما
رجعوا إلى طبيعتهم كفر من كفر وأسلم من أسلم ، ولم يقبل شيخ من قريش
تلك الغاشية الإلهية لقوة الختم على قلبه إلا بأن رفع التراب إلى الجبهة ، فجعل
تعذيبه بأن قتل ببدر اهـ .
قال الشيخ: ويؤيد القول الثالث أن دهماء أهل مكة انقادوا له حَلٍ، وكان
رؤساؤهم فى الطائف ، فلما رجعوا إلى مكة ارتدوا على أدبارهم وكفروا من بعد
ذلك، ومن أجل ذلك شاع خبر إسلام أهل مكة، وبلغ إلى أصحاب النبي صَلجه
الذين هاجروا إلى الحبشة . ويؤيده ما فى "تاريخ ابن معين" وفى " شرح معانى
الآثار" (٢ - ١٩٦) بإسناد فيه ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن صاحب
" كتاب المغازى"، ورواية العبادلة عنه قوية، وكتابه صحيح؛ ولعل عنده
٧١
سجود "النجم" والسجود من غير وضوء ومن سحد من الجن
والجن والإنس)).
وفى الباب عن ابن مسعود وأبىهريرة . قال أبو عيسى : حديث ابن عباس
حديث حسن صحيح . والعمل على هذا عند بعض أهل العلم : يرون السجود فى
كتاب محمد بن عبد الرحمن ، فيكون روايته عنه معتبرة ، فإن الكلام فى حفظه .
وبالجملة فروايته هذه فيه نحو قوة من حديث مخرمة بن نوفل . وهذه الرواية
يرويها عن ابن لهيعة: عبد الله بن صالح، ويحيى بن عبد الله بن بكير ؛ والعبادلة
الذين ذكروهم ابن المبارك وابن وهب وابن يزيد وابن مسلمة ، كما فى "ميزان
الذهبى " . فهل عبد الله بن صالح أبو صالح المصرى كاتب الليث منهم ؟
والظاهر عدمه ، فليحقق والله أعلم .
ومحمد بن عبد الرحمن هو : ابن نوفل ، من رجال الجماعة . وحديث
الطحاوى أخرجه الطبرانى فى " الكبير"، كما فى "العمدة" و "الفتح".
وغمزه العراقى بـ "إبن لهيعة"، وسكت عليه الحافظ ابن حجر من جهة السند.
أنظر "العمدة" (٣ - ٩٠٥) و "الفتح" (٢ - ٤٦٢) و (٢ - ٤٥٥).
ثم إن المشركين هل سجدوا على وضوء أو غير وضوء ؟ ليس هذا موضع بيانه.
واستدل البخارى به على جواز السجود من غير وضوء. وروى ذلك عن ابن عمر
والشعبى وأبى عبدالرحمن السلمى بالاستدلال بذلك الحديث، لأنهم كانوا مشركين،
والمشرك لا يصح وضوؤه. راجع " العمدة " للبحث والبسط (٣ - ٥٠٩ و
٥١٠)، و "الفتح" (٢ - ٤٥٧).
قوله: والجنّ. ذكر البدر العينى اسم بعض الجن الساجدين وهو: عمرو بن
طلق الجنى. قال: أخرج حديثه الطبرانى آهـ. أنظر "العمدة" (٣ - ٥١٣).
قال الراقم : وفى إسناده من لا يعرف ؛ وفيه انقطاع ، كما فى "الزوائد"
ص
٧٢
معارف السنن
ج - ٥
"سورة النجم". وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ◌ٍَّ وغيرهم: ليس
فى "المفصل" سجدة. وهو قول مالك بن أنس، والقول الأول أصح. وبه يقول
الثورى ، وابن المبارك ، والشافعى ، وأحمد ، واسحاق .
لم يسجد فيه )
(باب ما جاء
حدثنا يحيى بن موسى نا وکیع عن ابن أبي ذئب عن يزيد بن عبد الله بن
(٢ - ٢٨٥). ولعله كان من جن نصيبين ونينوى ، والمؤلفون يذكرون الجن
من الصحابة فى تأليفهم فى الصحابة ، ومنهم أبو موسى ، والذهبى ، كما فى
" العمدة " .
-: باب ما جاء من لم يسجد فيه :-
حديث الباب حجة الحجازيين فى عدم وجوب السجدة ، فإنها لو كانت
واجبة لما تركها رسول اللّه عَ ليه، وكذلك احتج به المالكية فى عدم السجدة فى
"النجم"، وهو قول طائفة من الصحابة والتابعين، كما فى "العمدة" وغيرها .
وأجاب الحنفية بأن السجدة غير واجبة على الفور فى ظاهر الرواية ، فلا يلزم
من تركها على الفور عدمها مطلقاً، كما ذكره فى "العمدة" (٣ - ٥١٥).
وذكر الطحاوى أربعة احتمالات غيرها . أنظر " شرح الآثار" و "العمدة" .
ورواية أدائها على الفور دون التراخى رواية شاذة عن أبى حنيفة فى " التاتار
خافية " . قال الشيخ: والتوفيق بين روايتى أبى حنيفة بأن ظاهر الرواية فيمن
لا يخاف فواتها ، والشاذة فيمنى يخاف فواتها . وهاتان الروايتان عن أبى حنيفة
ذكرهما صاحب " العناية" وشارح "الدر"، وذكر صاحب " النهر " ثمرة
الخلاف فى الإثم وعدمه ، وإنها أداء فى كل حال ، كما فى " المنحة" لإبن
٧٣
بحث وجوب السجدة على السامع والمستمع
قسيط عن عطاء بن يسار عن زيد بن ثابت قال: ((قرأت على رسول الله
علنا
" النجم " فلم يسجد فيها )) ..
وسيرو
قال أبوعيسى : حديث زيد بن ثابت حديث حسن صحيح . وتأول بعض
أهل العلم هذا الحديث فقال: إنما ترك النبى معَّ ◌ُّ السجود، لأن زيد بن ثابت
حين قرأ فلم يسجد لم يسجد النبى عَ﴾ . وقالوا: السجدة واجبة على من
سمعها ، ولم يرخصوا فى تركها . وقالوا: إن سمع الرجل وهو على غير وضوء
فإذا توضأ سجد . وهو قول سفيان وأهل الكوفة، وبه يقول اسحاق . وقال بعض
أهل العلم: إنما السجدة على من أراد أن يسجد فيها والتمس فضلها ، ورخصوا
عابدين ، " وشرح الدر" له، وما ذكره الشيخ من ثمرة الخلاف جيّد جداً،
كما لا يخفى على المتأمل .
قوله : وتأول بعض أهل العلم الخ .
السجود على المستمع بشرط مجود القارى ، هو : مذهب أحمد ، واختاره
القفال من الشافعية ، وعامة الشافعية ، والمالكية ، والحنفية على سجود المستمع
وإن لم يسجد القارى مع الخلاف بينهم فى الوجوب والسنية .
قال الشيخ : قد تأولنا بما ذكرت فلا حاجة إلى مثل هذا التأويل ، ويمكن
أن يقال فى نكتة تأخير السجدة : أن التالى إذا تلا آية السجدة وسجد فالمستمع
يتبعه على سورة الاقتداء ، كما ذكر فى " فتح القدير": أن السنة أن يتقدم
التالى ويصف القوم خلفه ، ويستحب أن لا يسبقوه بالوضع والرفع ، وليس
هذا اقتداء حقيقة بل صورة فقط ، فلو فسدت سجدة التالى بسبب لا يسرى
الفساد إلى سجدة الباقين اهـ. قاله فى (١ - ٣٩٣) فى أواخر (باب سجود
(٢ - ١٠)
٧٤
معارف السنن
ج - ٥
فی تر کها ، قالوا: إن أراد ذلك . واحتجوا بالحديث المرفوع ، حدیث زید بن
ثابت، قال: ((قرأت على النبى حَاج " النجم" فلم يسجد)). فقالوا: لو كانت
السجدة واجبة لم يترك النبى حَّ﴾ زيداً حتى كان يسجد ويسجد النبى حَكَ} .
واحتجوا بحديث عمر: ((أنه قرأ سجدة على المنبر ، فنزل فسجد ، ثم
التلاوة ). وفى (١ - ٣٨٣): ويؤيده أثر ابن مسعود فى "صحيح البخارى":
((أسجد فإنك إمامنا فيه)). وانظر " العمدة" (٣ - ٥١٧). فوقع التأخير هنا
من جهة أن التالى لم يسجد ، وكان هو الإمام فيها صورة ، فكان ينبغى تقدم
سجدته على سجدة السامع .
قوله : واحتجوا بحديث عمر الخ . حديث عمر هذا ليس مرفوعاً، وإنما
هو أثره الموقوف ، وبه تمسك الحجازيون فى عدم وجوب السجدة . وما أجاب
به الحنفية عنه بأن هذا أثره الموقوف لا يفيد ، فإنه قاله بمحضر جماعة من
الصحابة فلم ينكروا عليه، فيسوغ لهم أن يقولوا أنه قريب من إجماع جمهور
الصحابة . قال الحافظ فى " الفتح" (٢ - ٤٦١): واستدل بقوله : " إلا
أن نشاء" على أن المرأ مخير فى السجود ، فيكون ليس بواجب اهـ. فكان مفعول
"نشاء" المحذوف السجدة عنده، وذكر أنه استثناء منقطع بأن المعنى أن ذلك
موكول إلى مشيئة المرأاهـ. وذكر البدر العينى فى " العمدة" (٣ -٥٢٣):
أن المفعول المحذوف يحتمل أن يكون القراءة ، ويحتمل أن يكون السجدة ، فلا
يترجح أحد الإحتمالين إلا بمرجح، والأحاديث الواردة فى الباب تنفى التخيير،
فيترجح المعنى الآخر .
قال الشيخ : الاستثناء متصل على كل حال ، وليس حد المتصل والمنفصل
ما هو المعروف . أقول : أى المعروف أن المتصل ما كان المستثنى من جنس
٧٥
بحث السجود فى "النجم " وعدم سجود عمر مرة
قرأها فى الجمعة الثانية ، فتهيأ الناس للسجود فقال: إنها لم تكتب علينا إلا أن
نشاء ، فلم يسجد ولم يسجدوا )).
المستثنى منه ، والمنقطع بخلافه ، ورده المحقق الرضى أيضاً فى " شرح الكافية" .
قال : وإنما هو ما ذكره صاحب "قطر الندى"، وما ذكره الشيخ محمود
الآلوسى فى "شرح المقدمة الأندلسية". أقول: ويكفى ما ذكره الرضى ،
وليس عندى " القطر" و"شرح الأندلسية"، وراجع "جمع الجوامع"
وشرحه، كلاهما للسيوطى. وذكر بعض المحققين : أن الإستثناء فى قوله تعالى :
( إلا خطأ) استثناء متصل، كما فى "روح المعاني" (٥ - ١١٢) " سورة
النساء" ( آية - ٩١) خلاف ما قالوا : أنه منقطع . قال الشيخ : وعلى كل
حال يخالف تأويل العينى قوله فى الحديث المذكور: ((ومن لم يسجد فلا إثم
عليه"، وقوله: ((ولم يسجد عمر مبالله))، وقد ثبت القراءة والتلاوة فى القصة
المذكورة ، ولم يسجد السجدة . وبالجملة للمحافظين كلام فى "شرح الصحيح"،
لم أر جواباً شافياً لعلمائنا الحنفية عن أثر عمر ، ولا يكفى قولهم : إن الوجوب
ليس على الفور ، لأنه لم يكن عذر ، ولا يوجد نكتة التأخير ، كما كانت فى
قصة النبى عَّ فى حديث زيد بن ثابت. قال: والذى عندى فى هذا الباب
أن يقال: أن مراد عمر بالله أن السجدة بخصوصها لم تكتب علينا ، وإنما يكفى
الركوع والإيماء والإنحناء أيضاً ، ويجوز عندنا أيضاً الإكتفاء بالركوع وإن كان
خارج الصلاة فى رواية ذكرها صاحب " الفتاوى الظهيرية" ، ونقلها صاحب
"الدر المختار" أيضاً، وكذلك ذكر الإمام الرازى فى " تفسيره الكبير "
الإكتفاء عند أبى حنيفة بالركوع بدل السجود، استدلالاً بقوله تعالى : (وخرَّ
راكعاً وأناب). وتخصيصه بداخل الصلاة غير لازم. ويجوز عندنا الركوع بدل
السجود قائماً وقاعداً ، ولكن قائماً مندوب . وفى " مصنف ابن أبى شيبة " عن
٧٦
معارف السنن
ج - ٥
وذهب بعض أهل العلم إلى هذا ، وهو قول الشافعى وأحمد .
أبى عبد الرحمن السلمى ، وهو من القراء صاحب عمر الفاروق : أنه كان يقرأ
السجدة وهو يمشى فيؤمى برأسه إيماء" .
قال الراقم: ذلك تقدم تخريجه فی الکسوف فلا نعید ، وتقدم شئ فى أوائل
أبواب سجود القرآن فراجعه . قال الشيخ فى "مذكرته": والمراد بأثر عمر أنه
لا يحتاج إلى النزول والاصطفاف ، وصورة الجماعة ، كما كان يتوهم من فعله
الأول ، وليس ببعيد من مشاهدة تلك الهيأة هذه الأمور ، وكذا أداؤها على
الفور . ثم ذكر الشيخ: أن أثر عمر هو عن عمر عند مالك والطحاوى ، وعن
ابن عمر لا عمر عند البخارى ، فهو عن كليهما لتغاير الإسناد والمتن. وصَّوب
الشيخ بحث "العمدة" فى كونه قول عمر. أنظر " العمدة" و"الفتح". ونيابة
الركوع عن السجود فى غير الصلاة ذكرها السرخسى فى "مبسوطه" (٢ -٩)،
وذكر جوازها بالقياس دون الاستحسان ، ورجح القياس ، وأطال فيه ابن الهمام
فى "الفتح" فراجعه. ويؤيده ما ذكره الحافظ فى " الفتح" (٢ - ٤٥٧) فى
سبب اختلاف الأئمة فى "ص": إن سبب ذلك كون السجدة التى فى " ص"
إنما وردت بلفظ الركوع، فلولا التوقيف ما ظهر أن فيها سجدة . واستدل بعض
الحنفية من مشروعية السجود عند قوله: (وخَّر راكعاً وأناب ) : بأن الركوع
عندها عن السجود ، فإن شاء المصلى يركع بها وإن شاء سجد ، ثم طردوه فى
جميع سجدات التلاوة ، وبه قال ابن مسعود اهـ .
وبالجملة ظهر من هذا أن الركوع عند بعض السلف ينوب مقام السجود،
فعلى هذا يحمل الخلاف بين الحنفية والشافعية فى السجود وعدمه . قال الشيخ :
ولم أر أثراً من أحد من السلف أنه قرأ آية السجدة فلم يسجد أو لم يركع أو
تحقيق عدم سجود عمر فى " النجم" ومحمل قوله
لم يؤم برأسه . فالحاصل : أن مراد عمر رضى الله عنه أن السجدة بخصوصها
لم تكتب علينا. وأيضاً كان وقع من النبى محمدالج مثل هذا فى سجدة "ص"، كما
عند أبى داؤد. أخرجه (١ - ٢٠٠) (باب السجود فى " ص" ) من حديث
أبى سعيد الخدرى أنه قال: ((قرأ رسول اللّه عَلجه - وهو على المنبر - "ص" ،
فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه ، فلما كان يوماً آخر قرأها ، فلما
بلغ السجدة تشزن الناس للسجود، فقال رسول اللّه ◌َ له: إنما هى توبة فى
ولكنى رأيتكم تشزنتم للسجود، فنزل فسجد وسجدوا)). وإسناده صحيح ، رواه
البيهقى فى "الكبرى" (٢ - ٣١٨)، وصححه، ولكن ذكر له ابن خزيمة علة،
كما فى "الجوهر النّى"، فراجعه، وأخرجه الحاكم فى تفسير سورة "ص"، وصححه
على شرط الشيخين ، وصصحه النووى فى "الخلاصة" على شرط البخارى كما فى
"نصب الرأية"، ورواه الدارمى والدار قطنى وابن خزيمة ، ورواه الطحاوى
مختصراً ، كلهم من طريق سعيد بن أبى هلال عن عياض بن عبد الله ، ولم يكن
التزم السجدة فيها بعد . ثم التزمها كما عند الحاكم وغيره من حديث أبى سعيد
قال: ((رأيت رؤياً وأنا أكتب " سورة ص"، فلما بلغت السجدة رأيت الدواة
والقلم، وكل شئ يحضرنى انقلب ساجداً، قال: فقصصتها على رسول اللّهِ وَلَمٍ،
فلم يزل يسجدها))، رواه "أحمد" (٣ - ٨٤)، واللفظ له ؛ ورواه
الحاكم فى "المستدرك" (٢ - ٤٣٢)، والذهبى صححه على شرط " مسلم" ،
ورواه البيهفى فى "سننه" (٢ - ٣٢٠)، وفيه: ((فأخبرته فأمر بالسجود
(هـ))، كلهم من طريق حميد الطويل عن بكر بن عبد الله ، وذ کره ابن کثیر فی
" تفسيره" (٨ - ٢٩٢ المبرية). وقال: تفرد به أحمد اهـ. قلت: وليس الأمر
كذلك ، فقد رواه الحاكم والبيهقى من غير طريقه .
وبالجملة فكان آخر الأمرين من رسول اللّه عَ لَه الأمر بالسجود فيها،
٧٨
معارف السنن
ج - ٥
وروى البيهفى عن جماعة من الصحابة أنهم سجدوا فيها ، ولعل عمر رضى الله عنه
اقتدى مرةً تلك السنة التى فى حديث الخدرى عند أبى داود وغيره ، واكتفى
بالإيماء نظراً إلى أداء أصل السنة به عنده ، فعمل بالسنتين معاً فى وقت واحد،
والله أعلم. وراجع "فتح الملهم" (٢ - ١٦٤ ) من تنبيه الشيخ الأنور.
وبالجملة فلعل عمر رضى الله عنه اقتدى تلك السنة التى شاهدها مرة عنه عَ لَّه .
مسألة : اختلف الحنفية فى شرط وجوب السجدة على السامع ، فقيل :
يجب عليه إذا قصد الاستماع ، وقيل: لا يشترط ، وتجب على كل حال قصد
أو لم يقصد ، وهو المختار ، وهو المذكور فى "الهداية" قولاً واحداً. وفى
"رد المحتار": أنه اختلف فى السماع، فقيل: هو شرط فى حق السامع لاسبب،
وصصحه فى " الكافى" و"المحيط" و"الظهيرية"، وقيل: هو سبب ثان فى
حقه ، وإليه ذهب فى "الهداية" و "البدائع" اهـ. وشرط قصد الاستماع أصح
الوجهين عند الشافعية ، وهو مذهب المالكية والحنابلة ، كما فى " العمدة" ( ٣
- ٥١٥ )، وكذا اشترط مالك سجود القارى ، كما فى " بداية المجتهد".
قلبيه : ذكر البدر العينى: أنه روى عن مالك أنه قال: إن ذلك مما لم يتبع
عليه عمر ولا عمل به أحد بعده اهـ. وكذا ذكر الشيخ عبد الحق فى "اللمعات"،
كما فى " حاشية الترمذى" - المطبوع بالهند - ما لفظه: ولم يعلم اتفاق من عداه
من الصحابة سوى من كان معه فى المجلس اهـ . قال الشيخ: نسبته إلى مالك غير
صحيحة ، فإن المذكور فى "مؤطئه" ( ص - ٧٢) فى سجود القرآن: قال
مالك: ليس العمل على أن ينزل الإمام إذا قرأ السجدة على المنبر فيسجد، وهذا
يدل على أن مراد مالك نفى الأداء على المنبر على شاكلة الجماعة لا غير، وعلى كل
حال لا يلزم من قول مالك نفى السجود مطلقاً والله أعلم. وربما يخال أنه يستفاد
٧٩
بحث سجدة " ص" ومعنى: أنها ليست من العزائم
( باب ما جاء فى السجدة فى «ص")
حدثنا ابن أبى عمر نا سفيان عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال :
((رأيت رسول اللّه حَ الٍ يسجد فى " ص". قال ابن عباس: وليست من
وسكو
عزائم السجود ) .
من قول مالك أنه لا ينزل فى مثل تلك الحال للسجود فيحتمل أنه يريد السجود
فى وقت آخر ، أو يريد الإكتفاء بالركوع فوق المنبر دون الحاجة إلى النزول .
-: باب ما جاء فى السجدة فى " ص" :-
قوله : حدثنا ابن أبى عمر . هذا هو الصحيح ، وما وقع فى بعض النسخ:
ابن عمر فهو خطأ ، وابن أبىعمر هذا : محمد بن یحی بن أبىعمر العدنی ، منسوب
إلى الجد. أنظر ترجمته فى " التهذيب" (٩ - ٥١٨ ) وما بعدها.
قوله : وليست من عزائم السجود .
العزائم جمع عزيمة ، وهى التى أكدت على فعلها مثل صيغة الأمر مثلاً ،
فعزائم السجود : حقوقه وواجباته ، والعزيمة فى الأصل عقد القلب على الشئ
انتهى ملخصاً من "العمدة". وظهر منه أن هناك عزائم السجود المأمور بها
لا تترك على حال ، وروى عن على بإسناد حسن عند ابن المنذر والطبرانى ،
قال: ((عزائم السجود أربع: "آلم تنزيل السجدة" و"حم السجدة" و"النجم"
و"اقرأ")). وفى رواية غيره: (("الأعراف" و"سبحان" و"حم" و"آلم")).
فكانت ست سجدات من العزائم ، ومفهوم العدد غير معتبر بالاتفاق ، فلا ينافى
كون غيرها أيضاً من العزائم .
٨٠
معارف السنن
ج - .
قال أبوعيسى: هذا حديث حسن صحيح . واختلف أهل العلم من أصحاب
النبى معَّ ◌َّ وغيرهم فى هذا. فرأى بعض أهل العلم: أن يسجد فيها ، وهو
استدل به الشافعية على عدم السجود فيها ، وجمع الحافظ الزيلعى طرق
حديث ابن عباس ، وذكر أنه حجة لنا . قال الشيخ: نعم هو حجة لنا، ويؤيد
ذلك سياقه فى "صحيح البخارى" فى كتاب التفسير (ص - ٧٠٩ ) عن ابن
عباس قال: ((أولئك الذين هدى اللّ فبهداهم اقتده))، وكان ابن عباس يسجد
فيها، ولفظه فى الأنبياء ( ص ـ ٤٨٦): عن مجاهد قال: قلت لابن عباس:
أنسجد فى " ص"؟ فقرأ: (ومن ذريته داؤد وسليمان) حتى أتى: ( فبهداهم
اقتده)، فقال ابن عباس: نبيكم محّ} ممن أمر أن يقتدى بهم اهـ. وكذا ما فى
"البخارى" (١ - ٤٨٦) عن ابن عباس قال: ((ليس "ص" من عزائم السجود،
ورأيت النبى ◌َ اءٍ يسجد فيها)).
فيعلم من هذه الروايات أن ابن عباس يقول بالسجدة فيها ، غير أنه يبين
حقيقة سجدتها: بأنها سجدة شكر لنا ، كما أن سجدة توبة لداؤد عليه السلام ، كما
فى "سنن النسائي" مرفوعاً من حديث ابن عباس: ((إن رسول اللّه ◌َّ له سجد
فى " ص" وقال: جدها نبى الله داؤد توبةً ونسجدها شكراً اهـ)). قال
الحافظ فى "الدراية": رواته ثقات اهـ. وقال فى "التلخيص": صححه ابن
السكن . وكذلك لفظ الطحاوى فى حديث ابن عباس يفيدنا فليراجع ، أخرجه
من طريق العوام بن حوشب ، قال: سألت مجاهداً عن السجود فى " ص "؟
فقال : سألت عنها ابن عباس ؛ فقال: أسجد فى "ص"، فتلا على هؤلاء
الآيات من "الأنعام" الخ. كما تقدم من لفظ " البخارى" آنفاً، وبنحوه عند
البخارى فى " الأنعام" و"ص". وربما يقال: يمكن أنها ليست من عزائم
السجود ، وإنما يكفى لها الركوع .