Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
بيان ترجيح مذهب الحنفية حديثاً وفقهاً
أبى بكرة أيضاً عند النسائى. أفهلا يكون مثلها صريحاً فى إرشاد الأمة إلى الصلاة
بهيأة معروفة سائرة فى الشريعة؟ وقد استدل مالك فى عدم سنية الجماعة فى صلاة
خسوف القمر بأن الأمر مطلق ، فلم يلاحظ الأخبار الفعلية فى الكسوف . فهكذا
أبو حذيفة لم يجعل الفعلية بياناً للقولية فى الكسوف ، وليس الفرق بين المسألتين
إلا قليلاً . علا أن القولية سالمة من التعارض، والفعلية فيها من التعارض
المدهش . أفهلا يكون الرجوع فى مثلها إلى القولية المطابقة للأصول والموافقة
للقياس؟! والسالمة من التعارض أقرب إلى الصواب وأسكن للقلب. وهلا يكون
مثله فى هذا المعترك الطريقة المثلى والجادة القويمة ! ثم عمل عثمان وعبد الله بن
الزبير - كما تقدم - أيده . وأوضح أن التعامل فى عهد الصحابة كان بهذا لا بذاك.
وأى تعامل أقوى للفصل من عمل هذين الصحابيين الجليلين؟! ليس فيه أى تعارض
ولا إضطراب ، ولا يقاومه عمل ابن عباس بعد ما اضطرب مرفوعه وموقوفه
بين ركوع وركوعين وثلاث وأربع وخمس ، وكذا عمل على، اضطرب حديثه
كما تقدم ، وأثر ابراهيم النخعى بَّين تعامل أهل الكوفة وماتوارث فيهم ،
ولو صح عن على رضى الله عنه عملاً منضبطاً غير مضطرب كانوا أحق به
وأهله ، فإنهم الوارثون لعلم على وعبد الله، هذا والله ولى التوفيق . وحديث
قبيصة: ((كأحدث صلاة)، حمله الظاهرية على أقرب صلاة من المكتوبة عدداً
وجهراً وإخفاءً ، هذا ملخص ما ذكره فى "العمدة" (٣ - ٣٦٩) من مذهب
الظاهرية . قال الشيخ: وهذا أيضاً تأويل صرف ، ويرده لفظ الحديث فى
فى رواية البغوى: ((فإذا رأيتم ذلك فصلوا كأخف صلاة صليتموها من المكتوبة)).
وبالجملة فالحديث القولى صريح وصحيح باعتراف من المحدثين، فهو حجة لنا.
وليس علينا بيان حكمة أو نكتة فى تعدد ركوعاته فّظالم، بل يكفى لنا أن نقول:
إِن إرشاده القولی أفصح لنا بأن اتباع فعله الخاص لا یلزمنا فی ذلك ، ولو أردنا

٢٢
معارف السنن
ج - ٥
أن نتبرع فى إبداء نكتة التعدد لقلنا: إن هذا الركوع الزائد لم يكن ركوع صلاة
وإنما كان ركوعاً عند مشاهدة الآيات الإلهية ، كالسجود والتخشع عند الآيات،
ونجد لذلك نظائر، منها ما عند "الترمذى" (٢ - ٢٢٩) فى (باب فضل أزواج
النبى حَ ) وغيره من سجود عبد الله بن عباس عند سماعه خبر موت بعض
أزواج النبي ◌ِّ له، فقيل له: تسجد هذه الساعة؟ فقال: قال رسول اللّه عَلَّةٍ:
(إذا رأيتم آية فاسجدوا، وأى آبة أعظم من ذهاب أزواج النبى بَظلم؟))، ورواه
"أبوداؤد" (١ - ١٦٩) فى (باب السجود عند الآيات). وربما يكون من قبيل
السجود والركوع عند الآيات حديث أبى ذر عند الطحاوى وغيره : « جعل
رسول اللّه عَّ ه يقرأ آية من كتاب الله يركع وبها يسجد وبها يدعو)). وتقدم
لفظ الشيخ فى هذا الصدد فراجعه. ومن هذا القبيل سجوده فَل على الرحل عند
دخوله مكة يوم الفتح ، كما فى كتب السير عامة ، كما تقدم نقله من " مستدرك
الحاكم" من حديث أنس رضى الله عنه، وهو فى "شرح المواهب" (٢ - ٣٢٠)
أيضاً. وفى رواية: ((حتى أن رأسه لتكاد تمسه رحله شكراً وخضوعاً لعظمته
الخ))، وفى أخرى: ((وإن عثنونه ليمس واسطة رحله أو يقرب منها تواضعاً
لله)). أنظر " شرح المواهب". ومن هذا القبيل ما فى " الصحيحين" من
نزول رسول اللّه حز الحجر ديار ثمود وقنع رأسه وأسرع السير حتى جاوز
الوادى ، ونهاهم أن يشربوا من بئرها ، وأن أمرهم أن يستقوا من البئر التى
كان تردها ناقة صالح عليه السلام. هذا ملخص روايات كلها عن ابن عمر فى
"الصحيح" فى كتاب الأنبياء، وفى المغازى والتفسير وغيرها. أنظر "الصحيح".
(١ - ٤٧٨ و٤٧٩ و٦٣٨). ومن هذا القبيل ما ورد: ((أنه عَلَ﴾ لما رآى
نغاشياً فخر ساجداً ثم قال: أسأل الله العافية)). رواه الدارقطنى والبيهقى من
حديث جابر الجعنى عن أبى جعفر بن على مرسلا. وانظر "التلخيص" (ص -
١١٥) من محمود الشكر. وفى "النهاية" (٤ - ١٦٩) فى مادة "نغش": ((أنه

٢٣
نظائر التخشع والركوع عند مشاهدة الآيات
مر برجل نغاش فخر ساجداً ثم قال: أسأل الله العافية))، وفى رواية: ((مر برجل
نغاشى))، النغاش والنغاشى: القصير، أقصر ما يكون الضعيف الحركة الناقص
الخلق اهـ . ومثله فى "لسان العرب" من (الجزء الثامن) وزاد لفظاً آخر أيضاً:
((أنه رآى رجلاً نغاشياً فسجد لله شكراً))، والنغاش بالضم والتخفيف .
وبالجملة هذه وأمثال هذه كل ذلك سجود وركوع وخشوع عند مشاهدة
الآيات، فالنبى ◌َّ رأى الجنة مثلت له فى جدار القبلة، وكذا النار مثلت
أمامه ، كما ورد فى "الصحيحين"، وكل ذلك من آيات الله سبحانه وتعالى،
ودلت عليه خطبته ، فليحمل الركوع الزائد على ركوع عند الآيات . فإن
قيل : ورد الحكم فى الحديث على السجود عند الآيات فالركوع كيف يقوم
مقامه؟ قال الشيخ على حسب ما ضبط من "أماليه": الركوع والسجود
متقاربان ، ومن أجل هذا ذهب أبو حنيفة إلى جواز الركوع بدل السجود عند
آية سجدة التلاوة داخل الصلاة وكذا خارجها . أقول: وهذا فى غير ظاهر
الرواية ، وأما فى ظاهر الرواية فالجواز مختص بالصلاتية داخل الصلاة ، وإن
سبها فيه صاحب "الدر" تبعاً لسقط فى نسخة "البزازية" عنده، فعمم الجواز.
أنظر " رد المحتار" و"البدائع" (١ - ١٨٩). ولفظ الشيخ فى مذكرته :
والخلاف فى وجوب سجدة التلاوة نشأ من عدم اشتراط القيام لها وعدم اشتراط
الفور ، والاجتزاء بالركوع ولو خارج الصلاة على غير الظاهر عندنا ،
والإكتفاء بالتكبير والإيماء عند بعض السلف ، ولعل الإيماء هو الركوع ،
فتكون الرواية - أى عن أبى حنيفة - قوية ، واستدل عليه فى "التفسير الكبير"
لأبى حنيفة بقوله تعالى: (وخر راكعاً وأناب) اهـ. وقال فى موضع آخر
نقلا عن " فتح البارى": واستدل بعض الحنفية من مشروعية السجود عند
قوله : (وخر راكعاً وأناب ) : بأن الركوع عندها ينوب عن السجود ، فإن

٢٤
معارف السنن
ج - ٥
شاء المصلى ركع بها وإن شاء سجد ، ثم طردوه فى جميع سجدات التلاوة ، وبه
قال ابن مسعود اهـ. قال الشيخ: وقال جماعة من التابعين باجتزاء الركوع مقام
السجود فى سجدة التلاوة ، كما يستفاد من " مصنف ابن أبى شيبة". وفى
"المصنف" لابن أبى شيبة عن أبى عبد الرحمن السلمى: أنه كان يقرأ السجدة
ثم يسلم الخ. أريد به الركوع والانحناء ، كما ذهب إليه أبو حنيفة، قال فى "فتح
القدير" عن ابن مسعود وابن عمر : أنهما كانا أجازا أن يركع عن السجود فى
الصلاة ١ هـ. أقول: وأثر ابن مسعود رواه الطبرانى فى " الكبير"، ورجاله ثقات
كما فى "الزوائد"، ورواه البيهقى فى "الكبرى" (٢ - ٣٢٣٠) . ولم أقف
على تخريج أثر ابن عمر .. ورواية أبى عبد الرحمن السلمى ذكره فى " الفتح "
(٢ - ٤٥٧) عن "المصنف"، ولم يتبين لى وجه الاستدلال به والله أعلم .
ثم هذا كله كلام لا يخرج عن مذهب الإمام أبى حنيفة ، وأما الجمع بين
الروايات المختلفة فى تعدد ركوعاته ◌َ له. قال الشيخ: فليس عندى فى ذخيرة
النقل شئ يعتمد به، والاحتمالات لاتغنى عن شئ. والتأويل أن الركوعات
الثمانية کانت فى ثمان ركعات ، وصلاته کانت ثمانی ر کعات أيضاً لیس بشئ .
قال : والحق عندى أن الروايات فوق الركوعين فى ركعة معلولة كما أعلها
الأئمة . بقى الإشكال فى التوفيق بين وحدة الركوع وتثنيته فى الأحاديث الفعلية .
فكذلك لم أجد فيه شيئاً جيداً يذكر ويستند إلى نقل صحيح ، والاحتمالات
قلية غير متعسرة على من أراد أن يذكرها . وقال الشيخ فى " مذكرته" :
وإن ذهبنا نؤول هذه الأحاديث قلنا : اقتصر الراوى على ما يتعلق به غرضه
من بيان الطول وانتخب القيام ثم وثم . ونظيره فی السیاق ما عند أبي داود فى
تكبير العيدين عن أبى يعلى الطائفى وهو عبد الله بن عبد الرحمن فراجعه ،
وقد صحه البخارى ، ولعله حسن ، وأراد التصحيح باعتبار المسألة ، وكذا
ما فى "الجوهر النقي" (١ - ٢٤١) عن ابن عباس. ونحو هذا السياق عند

٢٥
بحت تعدد الركوعات فى ركعة فى رواية ابن عباس
قال أبو عيسى : حديث ابن عباس حديث حسن صحيح .
الطحاوى فى أثر على من طريق الحارث الأعور فى تكبيرات العيدين ، ويمكن
أن يكون نظيره أيضاً ما عند مسلم والنسائى سياق حديث حذيفة من باب
تسوية القيام والركوع اهـ ..
قوله : حديث ابن عباس حديث حسن صحيح.
قال الشيخ : الحديث هذا معلول ، فإنه أخرجه مسلم من هذا الطريق نفسه
- أى من طريق سفيان عن حبيب بن أبى ثابت عن طاؤس عن ابن عباس -
وكذا أبوداؤد فى "سننه"، وفى الكل: أربع ركوعات فى ركعة لا ثلاث ،
. وكذلك رواه أحمد والنسائى كل : ثمانى ركوعات فى ركعتين ، والزيلعى فى.
"التخريج" (٢ - ٢٢٦) يذكر فى حديث ابن عباس عند مسلم: ثلاث ركوعات
فى ركعة لا أربعاً، ويخرجه فى سياق الثلاث . فلا أدرى ماذا حدث فى النسخ ،
هل هناك اختصار أو حذف أو غلط ؟ قال الشيخ فى " مذكرته": والظاهر
أن روايات الأوتار عن ابن عباس فى الركوعات من الخمس والثلاث أوهام ،
والراجح عن ابن عباس رواية الثمان، وعن عائشة رواية الأربع، وراجع
صلاة ابن عباس من " الفتح" (٢ - ٤٤٧) وفيه: ست ركعات وأربع
سجدات موقوفاً. وعند ابن أبى شيبة (١ - ٥٢٧) فى صلاته بالبصرة ركوع
واحد ، وكذا نقله فى " العمدة" (٣ - ٤٧١). وقد يقال : إن الواقع هو
الثمان ، والباقى اختصار فى العبارات بحسب الاعتبارات المناسبة، والواحد أصلى
والباقى عارض ، ولم يثبت ذكر الفاتحة فى الركوع الزائد ، وهو مذهب محمد
ابن سلمة من المالكية ، ذكره فى "العمدة" و "المواهب" اهـ. وقال الشيخ فى
( ٢ - ٤)

٢٦
معارف السفن
ج - ٥
"مذكرته" فى حديث "الترمذى": هذا اختصار من محمد بن بشار فى رواية
الترمذى ، وأصل الحديث عند مسلم سنداً ومتناً ، وفيه أربع ركوعات فراجعه
وامض ، ولا تلتفت! وكذلك عند ابن أبىشيبة وأبىداؤد: ثم رأيت المدنى على
الترمذى ذكر مثل ذلك عن العراقى، ووقع عنده : ((ثم رفع ثم سجد سجدتين آه)).
ثم إن مسلماً ذكر بعد حديث ابن عباس: "وعن على مثل ذلك". قال الشيخ:
ولا أدرى ماذا أراد به : مرفوعاً أو موقوفاً؛ وقد أخرج ابن جرير فى "تهذيب
الآثار" عن على: ((أنه صلى بكوفة فى كسوف الشمس خمس ركعات فى الأولى
وكذلك فعل فى الثانية، وقال: ما صلاها أحد بعد رسول اللّهِ عَ لِ غيرى)).
والله أعلم. قال النيموى: رواه ابن جرير وصححه اهـ. وأخرجه الهيثمى عن
البزار، وقال: رجاله رجال الصحيح اهـ. وعزاه فى "الفتح أيضاً إلى البزار،
وقال : لا يخلو إسناد منها عن علة اهـ. ثم إن المتبادر من لفظ مسلم أنه يريد
المرفوع دون الموقوف، وقد أخرج أحمد والطحاوى وكذا جماعة كما فى "الكنز"
(٤ - ٢٨٧) عنه مرفوعاً: ((أربع ركوعات فى ركعة))، وقد تقدم بيانه أيضاً ،
وفى إسناده حنش بن ربيعة ، ويقال: ابن المعتمر، وضعفه بعض، فلا يكون صحيحاً
وإن صححه النيموى فى "آثار السنن"، وساقه البدر العينى فى أدلة المذهب، فلعل
فى نسخة أحمد عنده سقطاً ، وثبت من أثر ابن عباس عند الطحاوى فى "شرح
معانى الآثار" (١ - ١٩٤ ): ثلاث ركوعات فى الأولى وركوع واحد فى
الثانية ، واضطرب مرفوعه كما تبين من روايتى مسلم والترمذى ، فاختلف على
صحابى واحد حديثه عن فعله ح له$. يريد به ما عن ابن عباس: أنه قال: «لو
تجلت الشمس فى الركعة الرابعة لركع وسجد))، قال الطحاوى : والرابعة هى
الأولى من الركعة الثانية اهـ .

٢٧
بيان المذاهب فى القراءة فى الكسوف سراً وجهراً
وقد روى عن ابن عباس عن النبي صَ لّ: ((أنه صلى فى كسوف أربع ركعات
فى أربع سجدات)). وبه يقول الشافعى وأحمد واسحاق ، قال: واختلف أهل
العلم فى القراءة فى صلاة الكسوف ، فرأى بعض أهل العلم : أن يسرّ بالقراءة
فيها بالنهار ، ورأى بعضهم : أن يجهر بالقراءة فيها ، فنحو صلاة العيدين
والجمعة . وبه يقول مالك وأحمد وإسحاق : يرون الجهر فيها . قال الشافعى :
لا يجهر فيها. وقد صح عن النبي حَاجِ كلتا الروايتين، صح عنه: أنه صلى
أربع ركعات فى أربع سجدات ، وصح عنه: أنه صلى ست ركعات فى أربع
سجدات . وهذا عند أهل العلم جائز على قدر الكسوف ، إن تطاول الكسوف
فصلى ست ركعات فى أربع سجدات فهو جائز ، وإن صلى أربع ركعات فى
أربع سجدات وأطال القراءة فهو جائز .
قوله : وقد روى عن ابن عباس الخ .
رواه البخارى فى (باب صلاة الكسوف جماعة) ومسلم فى (كتاب الكسوف)
(١ - ٢٩٨) .
قوله : صلى أربع ركعات الخ .
فى حديث ابن عباس وعائشة وعبد الله بن عمرو، كلهم عند الشيخين .
وأما الست ففى حديث جابر عند مسلم ، وعائشة عند أحمد والنسائى والطحاوى،
وابن عباس عند الترمذى على كلام فيه كما سلف بيانه .
قوله : فهو جائز .
ذهب ابن المنذر وابن جرير وابن خزيمة وأبوبكر الصبغى وابن راهويه
وابن حزم وابن عبد البر إلى التخيير ، غير أن ابن راهويه يرى التخيير فيه إلى

٢٨
٠
معارف السنن
ج - ٥
ويرى أصحابنا أن يصلى صلاة الكسوف فى جماعة فى كسوف الشمس
والقمر .
حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبى الشوارب نا يزيد بن زريع نا معمر عن
الزهرى عن عروة عن عائشة أنها قالت: (( خسفت الشمس على عهد رسول الله
عٍَّ، فصلى رسول اللّه عَّله بالناس، فأطال القراءة، ثم ركع فأطال الركوع،
ثم رفع رأسه فأطال القراءة ، وهى دون الأولى ، ثم ركع فأطال الركوع ،
وهو دون الأول ، ثم رفع رأسه فسجد ، ثم فعل ذلك فى الركعة الثانية )).
أربع فى كل ركعة فحسب، وفيه: لو كان المدار على تعدد القصة فهو ضعيف؛
لأن التعدد لم يثبت بدليل نقلى ولا عقلى حسابى ، وإن كان لأجل أن الترجيح
مشكل فى الروايات المختلفة والكل صحيح ، فله وجه وجيه ، وعلى ما اختاره
الحنفية من التشريع القولى ينحلّ الإشكال بكل تقدير، وبالله التوفيق .
قوله : فى جماعة فى كسوف الشمس والقمر .
ذهب أبو حنيفة ومالك إلى: أنه لا جماعة فى كسوف القمر . وقال الشافعى:
فيه جماعة . وإليه ذهب أحمد ، وأبو ثور ، وأهل الحديث ، كما فى "العمدة".
وقال : أبو حنيفة لم ينف الجماعة فيه ، وإنما قال: الجماعة فيه غير سنة بل هى
جائزة ، وذلك لتعذر اجتماع الناس من أطراف البلد بالليل ..... وقال مالك:
لم يبلغنا ولا أهل بلدنا: أنه ◌َّلم جمع لكسوف القمر، ولا ينقل عن أحد من
الأئمة بعده: أنه حَ لِّ جمع فيه آه. وفى " العمدة" (٣ - ٤٤): وعند مالك
لا صلاه فيه اهـ. وتمسك الشافعى بالعموم فى الروايات ، وليس عنده دليل
خاص فيه .

٢٩
بيان الروايات فى القراءة وكميتها
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن صحيح ، وبهذا الحديث يقول الشافعى
وأحمد واسماق: يرون صلاة الكسوف أربع ركعات فى أربع سجدات. قال الشافعى:
يقرأ فى الركعة الأولى "بأم القرآن" ونحواً من " سورة البقرة" سراً إن كان
بالنهار، ثم ركع ركوعاً طويلاً نحواً من قراءته، ثم رفع رأسه بتكبير، وثبت قائماً
كما هو، وقرأ أيضاً "بأم القرآن" ونحواً من "آل عمران"، ثم ركع ركوعاً طويلاً
نحواً من قراءته، ثم رفع رأسه ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم سجد سجدتين تامتين،
ويقيم فى كل سجدة نحواً مما أقام فى ركوعه، ثم قام فقرأ "بأم القرآن" ونحواً من
من "سورة النساء" ثم ركع ركوعاً طويلاً نحواً من قراءته، ثم رفع رأسه بتكبير
وثبت قائماً ، ثم قرأ نحواً من "سورة المائدة"، ثم ركع ركوعاً طويلاً نحواً من
قراءته ، ثم رفع فقال: سمع الله لمن حمده ، ثم سجد سجدتين ، ثم تشهد وسلم.
(باب كيف القراءة فى الكسوف)
حدثنا محمود بن غيلان نا وكيع نا سفيان عن الأسود بن قيس عن ثعلبة
وخسوف القمر فى عهده بَ لّ ذكره ابن حبان فى " سيرته" كما تقدم
تخريجه . وانظر للتفصيل "العمدة" (٣ - ٤٧٤) و (٣ - ٤٤)، و " الفتح"
( ٢ - ٤٥٣ ) .
-: باب كيف القراءة فى الكسوف :-
قال أبو حنيفة والشافعى بإسرار القراءة فيها ، وذهب أحمد وأبو يوسف
ومحمد صاحباً أبى حنيفة إلى الجهر فيها .
الأول : هو مذهب مالك والليث بن سعد وجمهور الفقهاء ، وذكر عن
مالك، ابن المنذر فى "الإشراف" وابن عبد البرفى " الإستذكار"، وما ذكره

٣٩.
معارف السنن
ج - ٥
ابن عباد عن سمرة بن جندب قال: ((صلى بنا رسول اللّه ح له فى كسوف
لا نسمع له صوتاً)). وفى الباب عن عائشة.
الترمذى رواية شاذة عنه كما يقوله المازرى ، وقال ابن العربى : هى رواية
المدنيين عنه واختاره ، وقال القاضى عياض والقرطبى : هى رواية معن بن
عيسى والواقدى عنه ، ومشهور قول مالك : الإسرار .
والثانى: مذهب اسحاق، ويروى عن أبى حنيفة، وقال ابن جرير بالتخيير .
هذا ملخص ما فى " العمدة". ودليل القائلين بالجهر حديث عائشة، ورواية
الشيخين عنها صريحة فى الجهر ، وحديث ابن عباس فى "الصحيح" فيه أيضاً:
((فقام قياماً طويلا نحواً من قراءة سورة البقرة))، ومثله فى حديث أبى هريرة
عند أبى داؤد . وحجة القائلين بالإخفاء رواية سمرة ، وأجيب بأن سمرة كان
فى صف الرجال ولم يسمع ، فكيف سمعت عائشة فى أخربات الصفوف ؟ وفيه
نظر ، فلعل عائشة كانت فى الحجرة فى بيتها واقتدت من حجرتها فسمعت .
أنظر " الفتح" (٢ - ٤٥٠) من (باب صلاة النساء مع الرجال فى الكسوف).
قال الشيخ: والجواب أن عائشة قالت فى رواية: ((فحزرت قراءته فرأيت أنه
قرأ "سورة البقر")). هى رواية محمد بن اسحاق بإسناده عن عائشة عن أبى داؤد.
فهذا يدل على أنها حضرت قراءتها نحو "البقرة"، ولو كانت سمعت لم تحتج إلى
التقدير . ثم الراوى استنبط الجهر من تعبيرها ، فعبر فى روايتها بالجهر صراحة،
أو أنها سمعت بعض الآيات كجهره عَّالج ببعض الآيات فى الصلوات السرية،
كما ورد فى رواية: ((وكان يسمعنا الآية أحياناً، أو سمعت عنه فَّالجٍ: أف أف
ربّ ألم تعدنى أن لا تعذبهم وأنا فيهم الخ ))، كما فى " سنن أبىداؤد"
(١ - ١٦٩) من (باب من يركع ركعتين) فى حديث عبد الله بن عمرو من
كتاب الكسوف . وقال الحافظ الزيلعى فى حديث عائشة هذا : إن الحديث غير

٣١
بحث إسرار القراءة وجهرها فى الكسوف
قال أبو عيسى : حديث سمرة بن جندب حديث حسن صحيح غريب، وقد
ذهب بعض أهل العلم إلى هذا ، وهو قول الشافعى .
صريح فى الإخفاء وإن كان العلماء كلهم يحملونه عليه ، ولكن قد ينسى الإنسان
الشئ المقروء بعينه، وهو مع ذلك ذاكر لقدره فيقول : قرأ فلان نحو "سورة
البقرة"، وقد سمع ما قرأ ثم نسيه اهـ. ومثله فى " فتح ابن الهام" . ومما يؤيد
حديث ابن عباس عند الطبرانى فى " معجمه" قال: ((صليت إلى جنب
رسول اللّه مَّلي يوم كسفت الشمس فلم أسمع له قراءة))، رواه من طريق الحكم
ابن أبان ، ورواه أحمد من طريق ابن لهيعة ، وأبو نعيم من طريق الواقدى ،
ورواه البيهقى من الطرق الثلاثة ، واحتج به الشافعى . قال البيهقى : وهؤلاء
وإن كان لا يحتج بهم ولكنهم عدد. أنظر "نصب الرأية" (٢ - ٢٣٣).
والحافظان البدر العينى وابن حجر كلاهما مال إلى أحاديث الجهر مع خلاف
مذهبيها .
قوله : حديث حسن صحيح .
حسنه الترمذى مع أن فيه سفيان بن حسين وهو ضعيف فى روايته عن
الزهرى ، ولكن تابعه فى الجهر : عبد الرحمن بن نمر عن الزهرى عند الشيخين،
و : الأوزاعى عنه عند أبى داؤد ، و: سليمان بن كثبر عند أحمد والطبالسى،
و : عقيل بن خالد عند الطحاوى ، و: اسحاق بن راشد عند الدار قطنى .
فلعله نظراً إلى عدم تفرده بالرواية عنه حكم بصحته . ثم إن كون سفيان بن
حسين غير ثقة فى الزهرى مذكور فى " التهذيب " وغيره .
فائدة جليلة : قد قامت براهین قاطعة على أن الکسوف ناموس کونی من
النواميس الطبيعيّة، وقانون سائر من نظام الطبيعيَّة الكونية يجرى على سنن طبيعية

٣٢
معارف السنن
ج - ٥
حدثنا أبوبكر محمد بن أبان نا ابراهيم بن صدقة عن سفيان بن حسين عن
لا يتخلف عن مجراها على ما قدر الله سبحانه وتعالى فى ملكوته منذ خلق السماوات
والأرض ، ذلك تقدير العزيز العليم . وبالجملة فله مواعيد حسابية ومقادير
رياضية وأحيان معلومة من حيلولة القمر بين الشمس والأرض ، يعلمها الباحثون
عن الفنون الطبيعية والرياضية، والقائمون بهذه الاكتشافات الكوفية . فمن توغل
فى هذه الأسباب واستغرق فى تأثيراتها الطبيعية، وذهل عن كونها أسباباً عادية
وشروطاً فوقها قوة قاهرة ، ربما يحال أنه ما معنى الفزع إلى الصلاة؟ وما معنى
الإنابة إلى الله تعالى بالتوبة والذكر والاستغفار؟
فلا ريب أن هذا الزاعم فى سبات عميق وجهل بعيد ، لا هو يعرف
الشرع، ولا هو يعرف الطبيعة ، ولا يستند زعمه إلى ركن شديد ، غفل عن
القدرة المحيطة الإلهية بالأسباب العادية ، وكونها كل حين بأمر خالقها فإنها مع
ذلك كله من الآيات الإلهية الربانية يخوف الله بها عباده لكى ترق بها القلوب
القاسية التى بلغت فى قساوتها إلى حد بعيد ، وتزعج الأفكار الناسية التى تاهت
فى ضلال مبين . وجهل هذا الزاعم أثرات البدائع الكونية التى احتوى بها هذا
العالم الطبيعى من نظام السيارات والنجوم والشمس والقمر والأرض وما فيها من
تجاذب مغناطيسى ، وأثرات كهربائية دقيقة ، وأنها تتعرض بين حين وآخر
فى سننها الطبيعية إلى مواقف خطرة تكاد تتصادم وتندك فتصير هباءً فى جو
السماء ويفنى العالم كله ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام . فهذه الساعة هائلة
من كل ناحية ، بل تكاد تكون أهول لعلماء الطبيعة منها لغيرهم . وبالجملة :
فالذين قويت معرفتهم برب العالمين وعرفوا أن ذاك بتقدير العزيز العليم يشتد
خوفهم تذكراً لجلاله وسيطرته وجبروته فى ملكه ، والعارفون بالقوى الطبيعية

٣٣
بيان أن الكسوف ناموس طبيعى ومع هذا سبب للخوف
الزهرى عن عروة عن عائشة: ((إن النبي ◌َّ له صلى صلاة الكسوف وجهر
بالقراءة فيها)) .
يستشعرون بالهيبة لعلمهم باحتمال نتائج خطرة مهلكة فى تلك الساعة . فقوله
سبحانه وتعالى: (إنما يتذكر أولو الألباب)، وقوله تعالى: ( إنما يخشى الله
من عباده العلماء ) وما إلى ذلك من آيات الذكر الحكيم ، كل ذلك بصدق بكل
معنى الكلمة ، وإن كان لعلماء الآخرة ناحية، ولعلماء الدنيا العارفين بنظام الطبيعة
ناحية أخرى . فالكل متفقون ، وعقولهم خاضعة لما أرشده أعرف الناس باللّه
وأخشاهم الله صفوة الخلق سيد الأنبياء محمد رسول الله.
قال الحافظ الشيخ أبو الفتح تفى الدين ابن دقيق العيد رحمه الله فى " إحكام
الأحكام" (١ - ١٠٦): وقد ذكر أصحاب الحساب لكسوف الشمس والقمر
أسباباً عادية، وربما يعتقد معتقد أن ذلك ينافى قوله عليه السلام: ((يخوف الله بها
عباده))، وهذا الاعتقاد فاسد؛ لأن الله تعالى أفعالاً على حسب الأسباب العادية،
وأفعالاً خارجة عن تلك الأسباب ، فإن قدرته تعالى حا کمة علی کل سبب
ومسبب ، فيقتطع ما شاء من الأسباب والمسبيات بعضها عن بعض . فإذا كان
كذلك فأصحاب المراقبة لله تعالى ولأفعاله، الذين عقدوا أبصار قلوبهم بوحدانيته
وعموم قدرته على خرق العادية واقتطاع المسببات عن أسبابها إذا وقع شئ غريب
حدث عندهم الخوف لقوة اعتقادهم فى فعل الله تعالى ما شاء . وذلك لا يمنع
أن يكون ثمه أسباب تجرى عليها العادة إلى أن يشاء الله تعالى خرقها، ولهذا
صَلّ عند اشتداد هبوب الريح يتغير ويدخل ويخرج خشية أن تكون
کان النبى
كريج عاد، وإن كان هبوب الريح موجودة فى العادة، والمقصود بهذا الكلام أن
( م - ٥)

٣٤
معارف السنن
ج - ٥
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح . وروى أبو اسحاق الفزارى عن
ماذكره أهل الحساب من سبب الكسوف لا ينافى كون ذلك مخوفاً لعباد الله تعالى ،
وإنما قال النبى معَّل﴾ هذا الكلام لأن الكسوف كان عند موت ابنه ابراهيم، فقيل:
إنها كسفت لموت إبراهيم، فرد النبى حَ الجَ اه. وحكاه الحافظ فى " الفتح"
بتغییر بعض كلمات
وقال الشاه ولى اللّه فى "حجة الله البالغة": والأصل فيها أن الآيات إذا
ظهرت انقادت لها النفوس، والتجأت إلى اللّه ، وانفكت عن الدنيا نوع انفكاك،
فتلك الحالة غنيمة المؤمن، ينبغى أن يتبهل فى الدعاء والصلاة وسائر أعمال البر.
وأيضاً فإنها وقت قضاء الله الحوادث فى عالم المثال ، ولذلك يستشعر فيها
العارفون الفزع، وفزع رسول اللّه مَّ الم عندها لأجل ذلك، وهى أوقات سريان
الروحانية فى الأرض . فالمناسب للمحسن أن يتقرب إلى الله فى تلك الأوقات،
وهو قوله ◌َّله فى حديث النعمان بن بشير: ((فإذا تجلى اللّه لشئ من خلقه خشع
له)). وأيضاً فالكفار يسجدون للشمس والقمر ، فكان من حق المؤمن إذا
رآى آية عدم استحقاقها العبادة أن يتضرع إلى الله ويسجد له ، وهو قوله :
( لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذى خلقهن ) ليكون شعاراً للدين،
وجواباً مسكتاً لمنكريه آهـ .
وسمعت شيخنا إمام العصر رحمه اللّه حين سألته عن مسألة كونية ظاهرها كان
يخالف الشريعة جواباً كلياً أصولياً ، نفعنى الله بها فى مواضع، قال: إن الشريعة
تبين أسباباً باطنة تقصر عن إدراكها العقول ولا تنفى الأسباب العادية الطبيعية .
يريد أن الشريعة لا تتعرض إلى أسباب وحقائق كونية ، يستقل بإدراكها العقل
السليم ، فكان العقل الموهوب يكفى عن بيانها ، وإنما تتعرض إلى مغيبات ربما

٣٥
السبب الطبيعى للكسوف وكونه محملة الخطر العظيم
سفيان بن حسين نحوه ، وبهذا الحديث يقول مالك وأحمد وإسحاق .
تقصر العقول العامة عنها وعن نتائجها الخاصة وما يحتاج إليه فى مثل هذه الساعات،
ولا تهتدى إلى سبيل، فعلمها ما أهمتها غير معترضة إلى ما لا تهمها وما لا حرج
فيها أصابت أم أخطأت . وهى كلمة متينة يقدرها اللبيب ، فإنها تشفى الصدور.
وأما علماء الطبيعة من أهل الفلسفة الجديدة فهم حققوا بالبراهين فى ذلك
أموراً ، ومما هو جدير بالذكر ملخصاً : أن الشمس فيها قوة مقناطيسة تجذب
الأجرام كلها، وكذا الأرض لها قوة جاذبة، فإذا حال القمر فى دوره الخاص بين
الشمس والأرض أصبح القمر معمولاً للجذب بين الطرفين المتخالفين، فكل من
الشمس والأرض يجذب القمر إلى جهته ، فعند ذلك تبلغ الخطرة إلى غايتها ،
فإن غلب أحدهما فى الجذب لامحالة تقع مصادمة شديدة بين الكرتين العظيمتين،
وحدثت داهية عظمى وطامة كبرى فى نظام الكائنات . وتصبح البسيطة بما فيها
ومن عليها جمعاء ذرات من الهباء فى جو الفضاء أو القمر أو الكل ، وبالأخص
تتفاقم هذه الشدة إذا تكامل الكسوف وطال ، كما كان فى كسوف عهد النبوة .
فيا سبحان الله العظيم! أفهلا فى مثل هذه الساعة الهائلة الصعبة الشديدة
تضطر الخليقة إلى بارئها بالأدعية والاستغفار والصلوات والأذكار ؟! فأمام هذه
الحقائق الكونية والآيات الإلهية إقرأ ثانياً خطبة النبى عَّ ه التى اشتملت على
حقائق إلهية تجدها منثورة فى روايات كثيرة . وجمعها ابن القيم فى " الهدى".
ولاحظ ما ورد فى الأحاديث النبوية، كما ورد: ((خشى أن تكون)) وأنه قال:
((رب ألم تعدفى أن لا تعذبهم وأنا فيهم))، ((ألم تعدفى أن لا تعذبهم وهم
يستغفرون)). وإنه قال: ((إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان
لموت أحد ولا لحياته))، وقال: ((إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة)) وقوله:

٣٦
معارف السنن
ج - ٥
( باب ما جاء فى صلاة الخوف )
حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبى الشوارب نا يزيد بن زريع نا معمر عن
((فادعوا الله وكبروا وصدقوا))، و((مثلت له الجنة والنار فى عالم المثال وراء
الجدار))، وما إلى ذلك من حقائق كونية وكلمات نبوية حكيمة. فراع تلك الأفعال
النبوية والأقوال النبوية ، ثم انظر إلى ما ذكره أهل الهيئة الجديدة ، فهل زادوا
ذرة على ذلك ؟ وقايس بميزان الفكر تلك الخطرات الطبيعية المدهشة فى غايتها
ما يكاد يترتب عليها الآثار الكونية التى تفنى الخليقة والبسيطة جمعاء، نعم هؤلاء
يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون . هذا وصلى الله
على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه أجمعين .
-: باب ما جاء فى صلاة الخوف :-
اختلفوا فى تاريخ نزول الآية بها ، فالجمهور على أنه فى غزوة ذات
الرقاع ، وهى عند الجمهور سنة أربع ، واختاره ابن سعد ، وقيل : سنة
خمس، وقيل: سنة ست، وقيل: سبع، كما فى " العمدة" (٣ - ٣٤٠ و
٣٤١). قال شيخنا رحمه اللّه: وذات الرقاع كانت بعد أحد بسنة واحدة على
الصحيح، كما فى "الفتح" (٥ - ٢٣٥). وراجعه من ذات الرقاع ، فلابد من
تعددها، وفيها نزلت صلاة الخوف وتسمى: "غزوة أنمار" و"غطفان" على اتحادهما ،
أو يقال: أول ما صليت فى عسفان ثم ذات الرقاع على قول من جعلها بعد خيبر،
وأما من جعلها فى الرابعة فقد ذكر فيها الصلاة ، كإبن سعد وغيره . وذكر
الحلبى فى الحديبية : إن القرآن لم ينزل إلا بصفة صلاة ذات الرقاع . وعند
"النسائى" وغيره من حديث أبى عياش الزرقى: ((وصلى مرة بأرض بنى سليم)).
وهى عند علماء السير "غزوة قرقرة الكدر"، أو "غزوة نجران"، وكلاهما قبل

٣٧
تشريع صلاة الخوف وسنة تشريعها
الزهرى عن سالم عن أبيه: ((أن النبي ◌ُّ صلى صلاة الخوف بإحدى الطائفتين
"عسفان". وما فى "البخارى": صلى بأصحابه فى الخوف فى غزوة السابعة لا ينفى
كونها قبل ذلك أيضاً. وما ذكره فى " الفتح" ليس بمتجه، أو أراد فى
" الصحيح" الغزوة السابعة. وفى "المواهب" التزام أنه عَلَ﴾ صلاها بذى
فرد، الذى ذكره سلمة بن الأكوع على خلاف ما فى " الفتح"، انتهى كلام
الشيخ مختصراً وملتقطاً. وراجع "العمدة" (٣ - ٣٤٢) لتعديد مواطن صلاة
الخوف. وفى "مسند أحمد" فى حديث جابر من طريق ابن لهيعة: ((غزا رسول
اللّه عَ ل ست مرار قبل صلاة الخوف))، وكانت صلاة الخوف فى السنة السابعة،
وفيه إشكال من وجوه، ليس هذا موضع بيانها . ثم إنه لا تأثير الخوف فى عدد
الركعات عند الجمهور من أهل العلم ، منهم: ابن عمر ، والنخعى ،. والثورى،
والأئمة الأربعة ، وبقية علماء الأمصار . وروى عن ابن عباس وجابر وأبى
هريرة ومجاهد والحسن وقتادة وغيرهم ركعة واحدة عند القتال . وذكر ابن
كثير فى "تفسيره" جواز الركعة عند أحمد وابن حزم ، وليس ذلك فى " مغنى
ابن قدامة" وهو أعلم بمذهبه . وقال اسحاق: يجزيك عند الشدة ركعة تؤمى
إيماءً . وانظر للتفصيل " المغنى" و " العمدة"
ثم إن صلاة الخوف مشروعيتها محل اتفاق بين الأمة والأئمة، إلا ما روى
عن أبى يوسف: إنها كانت مختصة بعهده فحّ لهم على إحدى الروايتين عنه، كما
فى "فتح البارى" و"فتح القدير"؛ أو إحدى الروايات الثلاث ، كما فى
"أحكام الجصاص"؛ وإليه ذهب الحسن بن زياد اللؤلؤى وإبرهيم بن عليَّة
والمزنى ، صاحب الشافعى ، غير أن المزنى علله بالنسخ ، وأبا يوسف بقوله :
وإذا كنت فيهم . وردّ كل ذلك بإجماع الصحابة على العمل بها بعده

٣٨
معارف السنن
ج - ٥
ركعة والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا فقاموا فى مقام أولئك وجاء
ولا خصوصية فى الخطاب ، نظائر غيره فى الآيات كثيرة ، والتفصيل فى
"العمدة" و "الفتح" و"البدائع". ثم قول أبى يوسف هذا قال فى "البدائع" :
هو قوله الآخر، وذكر العينى فى "البناية" عن "المفيد والمزيد" و" شرح
مختصر الكرخى" لأبى نصر البغدادى: إن هذا قوله الأول وقد رجع عنه اهـ.
قال الشيخ : ولعل غرضه أنه يجوز تعدد الجماعة بتعدد الأئمة بعد عهده
عَّ لي . قال الراقم: لم أقف على ثمرة هذا التوجيه ، أللهم إلا أن يقال : إن
صلاة الخوف ليست بمتحتمة وإنما يجوز تعدد الجماعة من غير كراهة ، والجصاص
يعبر عن هذه الرواية بلفظ: أنه لا تصلى بعد النبى ◌َّ الِ بإمام واحد، وإنما
تصلى بإمامين كسائر الصلاة اهـ. وقال ابن الهمام وغيره: إن صلاة تلزم على
الصفة المذكورة إذا تنازع القوم خلف إمام ، وإذا لم يتنازعوا فالأفضل أن يصلى
كل طائفة بإمام انتهى ملخصاً . أقول : وكأنه رجوع إلى قول أبى يوسف
تقريباً، والله أعلم .
وبالجملة مشروعية صلاة الخوف موضع اتفاق بين جمهرة الأمة .
وأما صفاتها المروية فى الأحاديث فقد فصلها البدر والشهاب ، ومما ذكرا أن
أيا داؤد وابن المنذر سردا ثمانية وجوه ، وابن حبان فى " صحيحه" تسعة،
وابن حزم أربعة عشر وجهاً فى جزء مفرد ، وابن العربى قال فى " القبس":
أسمها ستة عشر رواية ولم يبيّناها ، وكذا النووى فى " شرح مسلم". وبين
أبو الفضل العراقى سبعة عشر وجهاً وقال : يمكن أن يتداخل . ثم ذكر الحافظ
كلام ابن القيم وهو فى "الهدى" ويقول ابن القصار المالكى: صلاها النبى وَا}
عشر مرات. وقال الخطابى: صلاها النبي ◌َّ المُ فى أيام مختلفة بأشكال متبائنة،

٣٩
بيان الكيفيات المأثورة فى الخوف وجوازها
أولئك فصلى بهم ركعة أخرى ثم سلم عليهم ،
يتحرى فيها ما هو الأحوط للصلاة والأبلغ للحراسة ، فهى على اختلاف صورها
متفقة المعنى اهـ . وبين ابن رشد سبع صفات مشهورة منها مع تخريجها بتفصيل
ومع بيان من ذهب إليها من الأئمة بتلخيص جيّد منقَّح على دأبه فى كتابه
"البداية". والخلاف فى الأولوية كما يأتى قريباً، والأشهر منها صلاة الرقاع،
وصلاة ببطن نخل، وصلاة بعسفان ، وصلاة بذى قرد . وقال أحمد : إن
الکل صیح، کما حكاه الترمذى، واختار منها واحدة ، وهی ما فى حديث سهل
ابن أبى حثمة المرفوع. وفى "المغنى" و "الفتح" عنه: أنه ثبت فى صلاة الخوف
أحاديث ستة أو سبعة أيها فعل المرأ جاز. ثم إن الشافعى ومالكاً أيضاً رجحا حديث
سهل ، وذكر عن مالك البخارى أيضاً فى " صحيحه" فى المغازى . وفى مغازى
"الفتح" (٧ - ٣٢٧): وظاهر كلام المالكية عدم إجازة الكيفية التى فى
حديث ابن عمر اهـ. وكذلك صرحوا عنه بجواز كل صورة ثابتة . قال فى
"العمدة " (٣ - ٣٤٢): وقال القدورى فى "شرح مختصر الكرخى" وأبو نصر
البغدادى فى "شرح مختصر القدورى": الكل جائز وإنما الخلاف فى الأولى اهـ.
ومثله فى "البناية" لصاحب "العمدة"، وكذا ذكر القارى فى "المرقاة"، حكاه
ابن عابدين فى "رد المحتار" عن "المستصفى". وفى "البحر الرائق" عن "المجتبى".
- شرح "القدورى" -: إن الكل جائز، وإنما الخلاف فى الأولى. وفى
" البدائع" فى سياق مسألة أخرى: ونحن نقول كل ذلك جائز اهـ . وقال
الشافعية أيضاً بجواز الكل كما تقدم فى "الفتح"، وحكاه فى " العمدة" من نص
الشافعى فى الجديد وفى "الرسالة" . وذكره النووى ، وذكر الشعرانى فى
"الميزان" أيضاً: إن الخلاف فى الترجيح
وبالجملة أجمع علماء المذاهب على جواز كل ، وإنما خلافهم فى الإختيار.

٤٠
معارف السنن
ج - ٥
وذهب اسحاق بن راهويه إلى التخيير ، ومثله ابن المنذر وأبو جعفر الطبرى
وغيرهم ، كما فى "الفتح" (٢ - ٣٥٩). فلم يرجحوا صفة على صفة للتوسعة.
قال السهيلى: اختلف العلماء فى الترجيح، فقالت طائفة : يعمل منها بما كان أشبه
بظاهر القرآن . وقالت طائفة : يجتهد فى طلب الأخير منها فإنه الناسخ .
وقالت طائفة: يؤخذ بأصحها نقلاً وأعلاها رواة . وقالت طائفة: يؤخذ بجميعها
على حسب اختلاف أحوال الخوف ، فإذا اشتد الخوف أخذ بأيسرها مؤنة والله
أعلم. حكاه فى " الفتح" (٧ - ٣٢٨). ويقول تقى الدين ابن دقيق العيد فى
كتابه " إحكام الأحكام": والفقهاء لما رجح بعضهم بعض الروايات على بعض
احتاجوا إلى ذكر سبب الترجيح ، فتارةَ يرجحون بموافقة ظاهر القرآن ،
وتارةً بكثرة الرواة، وتارةً بكون بعضها موصولاً وبعضها موقوفاً، وتارةً
بالموافقة للأول فى غير هذه الصلاة ، وتارةً بالمعانى . وهذا الرواية التى اختاره
أبو حذيفة - أى رواية ابن عمر - توافق الأصول فى أن قضاء الطائفتين بعد
سلام الإمام . وأما ما اختاره الشافعى ففيه قضاء الطائفنين معاً قبل سلام الإمام،
وأما ما اختاره مالك ففيه قضاء إحدى الطائفتين فقط قبل سلام الإمام اهـ .
وما ذكره من مذهب الشافعى فيه ما يتضح قريباً ، ثم الصفة المختارة عندنا ما
ذكره أصحاب المتون ، وفيها يكثر الإياب والذهاب ، ولكنها توافق الأصول ،
وفيها الترتيب فى فراغ الأولى قبل الثانية ، وكذا فى محل الصلاة ، وصفة
أخرى عندهم فى بعض الشروح وفيها فراغ الثانية قبل الأولى، فيفوت الترتيب،
وكذا قلَّ فيها المجئى والذهاب . وأكثر الأحاديث المرفوعة تؤيد الثانية دون
الأولى بل الأولى نادرة فى ذخيرة الروايات، واحتج لها بما فى كتاب لمحمد موقوفاً
على أبن عباس ، وبما فى "سنن أبى داؤد" من فعل عبد الرحمن بن سمرة فى غزوة
كابل فى صلاة الخوف فى ضمن سياق حديث ابن مسعود ، وتفصيل الصفتين
فى كتب الفقه .