Indexed OCR Text
Pages 1-20
( باب فى صلاة الكسوف ) حدثنا محمد بن بشار نا يحيى بن سعيد عن سفيان عن حبيب بن أبى ثابت عن طاؤس عن ابن عباس عن النبى حَر الجمع: ((أنه صلى فى كسوف فقرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم سجد سجدتين والأخرى مثلها )» . -: باب فى صلاة الكسوف :- قال طائفة من أهل اللغة : الكسوف يستعمل فى الشمس ، والخسوف فى القمر، وهو المشهور فى ألسنة الفقهاء ، واختاره الفراء وثعلب ، وادعى الجوهرى أنه هو الأفصح ، وقيل : هو المتعين ، وقيل : هو بالعكس ، وقيل بالترادف فى الإستعمال لا فى أصل اللغة . والكسوف فى الأصل التغير ، وانظر للتفصيل "لسان العرب" مادة (خ س ف) من العاشر ، و (ك س ف) من الحادى عشر. وشرحى "الصحيح" "العمدة" و" الفتح" . ثم إن الجماعة فى صلاة الكسوف سنة عندنا بشرط وجود من يقيم الجمعة والأعياد، وإلا صلوا فرادى . وذهب بعض فقهاء الحنفية إلى وجوب الجماعة ، ٢ معارف السنن ج - ٥ وفى الباب عن على وعائشة وعبد الله بن عمرو والنعمان بن بشير والمغيرة كما فى "البحر" وغيره عن "السراج الوهاج". ثم اختلف فى حكمها ، فالجمهور على أنها : سنة مؤكدة، وذهب مشائخ الحنفية إلى وجوبها ، ونص به صاحب " الأسرار "، وصرَّح به أبو عوانة ؛ وعن مالك : أنه أجراها مجرى الجمعة ، وقيل : فرض كفاية . كذا فى "العمدة" ، واستبعد الأخير . ثم إن صلاة الكسوف عند أبى حنيفة ركعتان کسائر الصلوات، كل ركعة بركوع واحد . وفى " البدائع" (١ - ٢٨١): " ركعتان أو الأربع. قال: فإن لم يقمها الإمام حينئذ صلى الناس فرادى، إن شاءوا ركعتين وإن شاءوا أربعاً، والأربع أفضل اه". ومثله فى "رد المحتار" عن "المعراج"، ولكن هذا فى صورة أداء صلاته انفراداً لاجماعةً. نعم فى " الدر المختار" عن " المجتبى" مطلقاً : " وإن شاء أربعاً أو أكثر، كل ركعتين بتسليمة أو كل أربع اه ". لكن صرح فى " شرح المنية" بأن هذا غير ظاهر الرواية ، وظاهر الرواية هو الركعتان ثم الدعاء إلى أن تنجلى ، كما فى "رد المحتار"، وفى " العمدة" (٣ - ٤٦٩): وفى "البدائع": وإن شاءوا أكثر من ذلك، هكذا رواه الحسن عن أبى حنيفة اهـ. ولم أجده هكذا فى "البدائع"، وحكاه فى (٣ - ٤٧٣) عن "المحيط" وغيره والله أعلم. وقال مالك والشافعى وأحمد : ركعتان كل ركعة بركوعين، وقال بعض أصحابهم بجواز الركوعات إلى أربع فى ركعة واحدة أيضاً . قال فى "العمدة" (٣ - ٤٦٨ وما بعدها): فعند الليث بن سعد ومالك والشافعى وأحمد وأبى ثور : صلاة الكسوف ركعتان فى كل ركعة ركوعان وسجودان ....... ، وعند طاؤس وحبيب بن أبى ثابت وابن جريج : ركعتان فى كل ركعة أربع ركوعات ........ ، وعند قتادة وعطاء بن أبي رباح واسماق ٣ المذاهب فى صلاة الكسوف والأحاديث فيها ابن شعبة وأبى مسعود وأبى بكرة وسمرة وابن مسعود وأسماء ابنة أبى بكر ........ ، وعند سعيد بن جبير وابن المنذر : فی کل رکعة ثلاث ركوعات واسحاق بن راهويه - فى رواية - ومحمد بن جرير وبعض الشافعية: لا توقيت فيها بل يطيل أبداً ويسجد إلى أن تنجلى الشمس ..... ، وعند ابراهيم النخعى وسفيان الثوری وابن أبىليلى وأبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد : ركعتان كسائر صلوات التطوع، فی کل ر کعة رکوع واحد وسجدتان ، ویروی ذلك عن ابن عمر وأبى بكرة وسمرة بن جندب وعبد الله بن عمرو وقبيصة الهلالى والنعمان بن بشير وعبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن الزبير ، ورواه ابن أبى شيبة عن ابن عباس اهـ مختصراً . قال ابن عبد البر : وإنما يصير كل عالم إلى ما روى عن شيوخه ورآی عليه أهل بلده ، وقد يجوز أن يكون ذلك اختلاف إباحة وتوسعة . قال البيهقى : وبه قال ابن راهویه وابن خزيمة وأبو بكر بن اسحاق و الخطابى، و استحسنه، وابن المنذر ، ونحا نحوه ابن حزم . وقال ابن قدامة : مقتضى مذهب أحمد أنه تجوز أن تصلى صلاة الكسوف على كل صفة اهـ . والأحاديث الواردة فى صلاة الكسوف على ستة وجوه : أحد ! : ركعتان بركوع واحد فى نجل ركعة ، وسنذكر أحاديثه . والثانى : بركوعين فى كل ركعة ، وذلك فى أحاديث "الصحيحين" . والثالث : بثلاث ركوعات فى ركعة . والرابع : بأربع ركوعات فى ركعة ، وأحاديثها عند "مسلم" و " أبى داؤد". والخامس : بخمس ركوعات فى ركعة عند أبى داؤد بسند لين فإن فيه أبا جعفر الرازى . قال الشيخ : وبسند قوى فى "تهذيب الآثار" لابن جرير. ثم إن حديث الركوعين ثبت من حديث عائشة عند الشيخين ، وابن عباس عندهما ، ج - ٥ معارف السنن وابن عمر وقبيصة الهلالى وجابر بن عبد اللّه وأبى موسى وعبد الرحمن بن سمرة وأبى بن كعب . و کذا عبد الله بن عمرو عندهما ، وحدیث جابر عند مسلم وأبی داؤد ، وحديث ثلاث ركوعات ثبت من حديث ابن عباس وعائشة عند مسلم ، وحديث أربع عند «مسلم" عن ابن عباس، وحديث خمس عند أحمد وأبى داؤد والحاكم والبيهقى من حديث أبي بن كعب من طريق أبى جعفر الرازى. قال فى " التقريب": وهو صدوق سيفى الحفظ اهـ. وقواه ابن السكن كما فى " شرح المنتقى " (٣ - ٢٨١). والحاكم يقول: رواته صادقون. وقال ابن حزم فى "المحلى" بعد أن روى أحاديث الركوع والركوعين إلى خمس : كل هذا فى غاية الصحة عن رسول اللّه عَّه وعمل من صاحب أو تابع اهـ. ثم لهذه الوجوه المذكورة أحاديث أخرى مذكورة فى "الفتح" و "التلخيص" و"العمدة" و "نصب الرأية "، وما ذكره الشيخ حديث خمس من "تهذيب الآثار" فرواه ابن جرير من حديث على كما فى "آثار السنن" للنيموى قال: وصححه، ورواه البزار ، قال الهيثمى : ورجاله رجال "الصحيح " اهـ . وبالجملة فحديث خمس صححه ابن السكن والحاكم وابن حزم من حديث أبي بن كعب ، ومصحه ابن جرير والهيشمى من حديث على ، وروى عن على موقوفاً أيضاً عند الشافعى فى "الأم" (٧ - ١٥٦)، وابن جرير . والسادس : أن يصلى ركعتين ثم يسأل : هل انجلت الشمس ؟ وهكذا يصلى ويسأل إلى أن تنجلى . وذلك عند النسائى فى حديث أبى بكرة مرفوعاً قولاً، وفى طريق آخر عنده فعلا فى (باب الأمر بالصلاة عند الكسوف حتى تنجلى) بسند جيد. ثم إن هذا الاختلاف فى فعله بمَّلهم فى قصة واحدة، بل قد اختلف على مصابى تحقيق أن الكسوف وقع مرة واحدة بالمدينة واحد ، فإبن عباس يروى عنه الصلاة بركوعين كمارواه الترمذى ، وعنه بأربع كما هو عند مسلم وأبي داؤد، ومن أجل ذلك ذهبت طائفة من المحدثين إلى القول بتعدد القصة ، منهم: ابن اسحاق وابن المنذر وابن جرير وابن خزيمة ، كما حكاه النووى فى "شرح مسلم"، ثم قال: وهذا قوى، وتقدم من نقل "العمدة": من ذهب إلى جواز كل صفة بناءً منهم على تعدد الواقعة ، وذكره الحافظ فى "الفتح" أيضاً (٢ - ٤٤١)، ومأخذ هؤلاء " السنن الكبرى" للبيهفى (٣ - ٣٣١)، وجنح الحافظ ابن حجر إلى اتحاد الواقعة دون التعدد. أنظر "الفتح" (٢ - ٤٤١). قال الشيخ: القول باتحاد القصة هو الحق، وكيف يقال بالتعدد فإنه ورد فى تلك الصفات المختلفة خطبته عليه السلام لرد مازعموا من أن كسوف الشمس بموت ابنه - عليه السلام - ابراهيم، فهل يمكن أن يقال أنه مات ابراهيم فى كل مرة من الكسوف على أن الكسوف وقع مرة واحدة فى عهده بَُّلّ، على ما حققه محمود باشا الفلكى المصرى فى رسالته " نتائج الأفهام فى تقويم العرب قبل الإسلام" ، وله حذاقة قامة فى العلوم الرياضية ، وموضوع رسالته تلك تحقيق طريقة تحويل الحساب القمرى إلى الحساب الشمسى، وذكر فيها: أن الكسوف فى عهده وَّ له وقع مرة يوم مات فيه ابراهيم - ابن النبى ◌َّ لهم - ساعة ثمانى ونصف ساعة على تحديد عرض المدينة ، وذلك فى السنة العاشرة من الهجرة ، وعلى ذلك جمهور أهل السير كما فى "الفتح" (٣ - ٤٣٨ و ٤٥٢)، ويراجع "نتائج الأفهام". وأما خسوف القمر فوقع سنة خمس على ما ذكره ابن حبان فى "سيرته"، كما حكاه الحافظ فى "الفتح" (٣ - ٤٥٣). وذكر ابن الجوزى أنه سنة أربع، كما فى "العمدة" (٣ - ٤٤). والظاهر تعدد الخسوف، وفيه ثبت صلاته بَّ له. قال فى "الفتح" (٣ - ٤٥٣): وقال صاحب " الهدى" - أى ابن القيم -: لم ينقل أنه صلى فى كسوف القمر فى جماعة لكن ابن حبان فى "السيرة" له: إن القمر خسفت فى السنة الخامسة فصلى النبى معَّ الله بأصحابه صلاة الكسوف اهـ. فالأول كما نرى صريح فى النفى كما أن ٦ معارف السنن ج - ٥ الثانى صريح فى الإثبات . وفى " شرح المواهب" عزاه لابن حبان والدار قطنى عن أبى بكرة، ولفظه: (أنه حَلٍّ صلى فى كسوف الشمس والقمر ركعتين بمثل صلاتكم))، وراجع "العمدة" (٣ - ٤٤ و٤٧٣ و٤٧٤) و"الوفا" (١ - ٢٢١ و٢١٤). وذكر صاحب "نتائج الأفهام": أن الخسوف فى عهده عَلّ} وقع يوم الأربعاء بالمدينة ١٤ جمادى الأولى سنة ٢ من الهجرة - ٢٠ نوفمبر سنة ٦٢٥ كما حكاه شيخنا العثمانى فى " شرح مسلم". استطراد : العرب كانوا يعلمون الحساب الشمسى والقمرى جميعاً، وكذلك يعملون بالكبيسة ، كما يستفاد من كلام الزمخشرى فى تفسير قوله تعالى : [إنما النسئء زيادة فى الكفر] حيث قال : وربما زادوا فى عدد الشهور فيجعلونها ثلاثة عشر أو أربعة عشر يتسع لهم الوقت الخ . ومثله فى "روح المعانى" وغيره ، وراجع " نتائج الأفهام". وفى "دائرة المعارف" للبستانى (١٠ - ١٤٣): وكانت سنة العرب فى أقدم زمان جاهليتهم سنة هلالية ، ثم وفقوا بينها وبين السنة الشمسية قبل الإسلام ، وبقوا على ذلك إلى أيام الهجرة النبوية، فكان لهم بعد الإسلام أحدها هلالية للفروض الدينية ، والأخرى سمسية للأمور الزمنية والسياسية ، كجباية الخراج وما أشبهه ، وتدعى: السنة الخراجية أيضاً . قال المقريزى : وكان يقع حج العرب فى أزمنة السنة كلها ، وهو أبداً عاشر ذى الحجة من عهد إبراهيم واسمعيل عليهما السلام ، فإذا انقضى موسم الحج تفرقت العرب ....... إمام أهل مكة بها فلم يزالوا على ذلك دهراً طويلاً إلى أن غيروا دين ابراهيم واسمعيل فأحبوا أن يتوسعوا فى معيشتهم ويجعلوا حجهم فى وقت إدراك شغلهم من الأدم والجلود والثمار ونحوها ، وأن يثبت ذلك على حالة واحدة فى أطيب الأزمنة وأخصبها، فتعلموا كبس الشهور من اليهود الذين نزلوا يثرب من عهد شمويل بى بنى اسرائيل وعملوا النسيىء، وكان الذى يلى النسئ يقال له : القلمس ، أى. الشريف ..... ، وهكذا حتى دار النسيىء فى الشهور الإثنى عشر وعاد إلى المحرم. ٧ بحث النسيئ والحساب الشمسى فى العرب فأعادوا فعلهم الأول ، وكانوا يعدون أدوار النسيئ ويحدّون بها الأزمنة ..... فلما جاء الله تعالى بالإسلام تحرز المسلمون من كبس السنين خشية الوقوع فى النسبى* الذى قال اللّه تعالى فيه: (إنما النسئ زيادة فى الكفر)، واستمر الحج على رؤية الأهلة ، ثم لما رأوا تداخل السنين القمرية فى السنين الشمسية أسقطوا عند رأس كل اثنتين وثلاثين سنة قمرية ، وسموا ذلك : الإزدلاق اهـ. واعترض رجل من أهل " حيدر آباد" بأن: عاشوراء لا يمكن عاشر المحرم، واحتج لذلك بأن بنى اسرائيل كان يعملون بالحساب الشمسى . ودل الحديث على أنهم كانوا يصومون عاشوراء لأجل أن موسى عليه السلام نجا من فرعون فى هذا اليوم ، والعرب ما كانوا يعلمون الحساب الشمسى، فكيف جعلوا عاشوراء عاشر المحرم . وهذا القول خطأ وجهل ، فإن العرب كانوا يعلمون السنين الشمسية والقمرية ، وكان عاشوراء اليهود عاشر تشرين الأول بالحساب الشمسى ، والشمسى يدور مع القمرى، فلعله وافق تشرين الأول المحرم عند قدومه حّ الج المدينة. وفى " معجم الطبرانى الكبير" حديث بسند حسن من رواية زيد بن ثابت يؤيد : أن اليهود يصومون العاشوراء بحسابهم الشمسى دون القمرى ، فعلم منه أيضاً أن الحساب الشمسى كان رائجاً فى العرب . وللبحث بقية تأتى فى صيام عاشوراء من أبواب الصوم، وهناك إشكال آخر أيضاً من أن حديث ابن عباس فى "البخارى" و"مسلم": ((قدم النبى عَّالِ المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء الخ)) وقدومه عَّ لِ المدينة كان فى ربيع الأول، وأجاب عنه الحافظ ابن حجر فى " الفتح" (٤ - ٢١٣) والعينى فى " العمدة" (٥ -٣٥٢)، وحديث الطبرانى أيضاً ذكره الحافظ ، وحكى عن أبى الريحان البيرونى فى كتاب له فى الآثار القديمة : أن جملة اليهود يعتمدون فى صيامهم وأعيادهم حساب النجوم ، فالسنة عندهم شمسية لا هلالية اهـ . وشيخنا رحمه اللّه قد أفرد هذا البحث بمقالة مستقلة رداً على من أنكر أن ٨ معارف السنن ج - ٥. عاشوراء لا يمكن أن يكون عاشر المحرم ، وقد شاعت تلك المقالة قبل نحو أربعين سنة فى مجلة شهرية كانت تصدر من دار العلوم الديوبندية بإسم بانيها "القاسم"، وحاصل ما ذكر فيها أن كون عاشوراء عاشر المحرم مذهب جمهور الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، وقدوم النبى عَّ لِّ المدينة كان ثامن ربيع الأول، ومصادفته ميلي اليهود صائمين فى عاشوراء عند القدوم لا يلزم منه أن يكون فى أول مقدمه بل عند ما دخل المحرم بعد ذلك، أو اتفق عاشوراؤهم يوم القدوم بسبب ما حصل من تغيرهم السنة القمرية الهلالية إلى الشمسية النجومية ، وكان اليهود غيروا ذلك ، وتعلم منهم العرب ، وأيد الشيخ ذلك ببعض الروايات وبعدة نقول من "العمدة" و"الفتح" وغيرهما، وفى هذا القدر كفاية ومقنع. وبالجملة وقعت صلاة الكسوف فى عهده جَ لّمٍ واحدة، واختلفت الروايات فى صفاتها، وأسانيدها قوية ، وأفرد الحافظ ابن تيمية صلاة الكسوف برسالة مستقلة، وجمع فيها الأحاديث المروية فى صفاتها المختلفة ، وأعلَّ الروايات ما عدا أحاديث الركوعين فى ركعة واحدة بوجوه ذكرها ، وقال : إن الشافعى وأحمد والبخارى والبيهقى كلهم أعلوها، ما عدا أحاديث الركوعين . وتجد ملخص هذه الرسالة فى " الهدى" لابن القيم ، فليراجع، ولحمته وسداه كله من كلام البيهقى فى "كبراء" فى الجزء الثالث فى كتاب صلاة الكسوف . وأجاب عنه الحافظ علاء الدين الماردينى فى " الجوهر النقي"، ومما قال: وفى ترجيح الشافعى الركعتين فى ركعة تخطئة بقية الرواة وفيما قاله أو لئك - أى ابن راهويه وابن خزيمة والصبغى وابن المنذر والخطابى -. وقال ابن رشد فى "القواعد": الأولى هو التخيير ، فإن الجمع أولى من الترجيح اهـ. ثم كلام الشافعى فهو كما ذكره ابن تيمية وكلام الشافعى فى " الأم" فى الجزء السابع فى (باب صلاة الآيات والقنوت) أيضاً بدل عليه خلا ما ذكره البيهقى وغيره ، وأما أحمد فيختار صفة الركوعين ويجوز البقية. قال ابن قدامة فى " المغنى" (٢ - ٢٧٩) ٩ بحث الركوعين فى صلاة الكسوف ، وأدلة الحنفية فى وحدة الركوع ومقتضى مذهب أحمد أنه يجوز أن يصلى صلاة الكسوف على كل صفة رويت عن النبى ◌َّ كقوله فى صلاة الخوف، إلا أن اختياره من ذلك الصلاة على الصفة التى ذكرنا. قال أحمد : روى ابن عباس وعائشة فى صلاة الكسوف أربع ركوعات وأربع سجدات الخ . فعلم منه أنه لا يعلّ البقية المروية من غيرهما ، وابن قدامة الموفق أعلم من ابن تيمية بمذهب أحمد ، وابن تيمية نفسه يقول فيه : ما دخل الشام بعد الأوزاعى مثله والله أعلم . وأما كلام البخارى فيما ذكره الترمذى فى العلل من أن أصحها حديث الركوعين لا يلزم إعلال البقية على ما قال ابن قدامة فى كلام أحمد. ويقول الحافظ فى "الفتح" (٢ - ٤٣٨): تنبيه: ابتداء البخارى أبواب الكسوف بالأحاديث المطلقة فى الصلاة بغير تقييد بصفة إشارة منه إلى أن ذلك يعطى أصل الإمتثال وإن كان إيقاعها على الصفة المخصوصة عنده أفضل ، وبهذا قال أكثر العلماء آهـ. وحكاه شيخنا فى مذكرته، وقال: والبخارى لم يبوب على الركوعين ، فكأنه فوَّض إلى النظر هذا ، وكأن الصلاة عند الكسوف صلاة الآيات كما صرح به الحديث ، ودل القرآن العزيز على الإنابة إلى الله عند الآيات ولو بالصلاة على المعهود. وعليه حديث عند الحاكم: ((كان إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة اهـ)). ثم إنه قال الشيخ: أعل البيهقى إياها ما عدا صورة واحدة فى "سننه الكبرى"، ويستفاد من صنيع البخارى فى " الصحيح" أيضاً التعليل حيث لم يخرج إلا أحاديث الركوعين فى ركعة ، ولعل مالك بن أنس أيضاً أعلها حيث اكتفى فى " مؤطئه" بأحاديث الركوعين فى ركعة . ولنا أدلة كثيرة فى وحدة الركوع ، منها صريحة ومنها غير صريحة ، ونذكر منها جملة : ١- فمنها: حديث ابن مسعود ، أخرجه ابن خزيمة فى "صحيحه" عنه : ((انكسفت الشمس فقال الناس: إنما انكسفت لموت ابراهيم ابنه عليه السلام، فقام ( ٢ - ٢) ١٠ معارف السنن ج - ٥ رسول اللّه مَ ل فصلى ركعتين))، ذكره البدر العينى فى "العمدة"، وهذا حديث فعلى . وعزاه فى "الزوائد" إلى البزار والطبرانى فى " الكبير"، قال: وفيه حبيب بن حسان وهو ضعيف اهـ . والله أعلم . ٢ - ومنها: حديث محمود بن لبيد، أخرجه أحمد فى " مسنده" قال: ((انكسفت الشمس يوم مات ابراهيم بن رسول الله فَلٍ ، فقالوا: كسفت لموت إبراهيم، فقال رسول اللّه بِّهِ: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عزّوجل، ألا وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته! فإذا رأيتموها كذلك فافزعوا إلى المساجد ، ثم قام فقرأ - فيما نرى - بعض آخر كتاب ، ثم ركع ثم اعتدل ثم سجد سجدتين ثم قام ففعل مثل ما فعل فى الأولى)). قال الهيثمى فى " الزوائد" (٢ - ٢٠٧): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح . ٣ - ومنها : حديث سمرة بن جندب ، أخرجه أبو داؤد والنسائى بإسناد قوى، وفيه: ((فصلى فقام بنا كأطول ما قام بنا فى صلاة قط لا نسمع له صوتاً، قال : ثم ركع بنا كأطول ما ركع بنا فى صلاة قط ، قال : ثم سجد بنا كأطول ما سجد بنا فى صلاة قط ، لا نسمع له صوتا ، ثم فعل فى الركعة الأخرى مثل ذلك ))، وأخرجه أحمد (٥ - ١٦)، والترمذى فى الباب الذی بعده وصححه ، والحاكم مطولاً، وقال : على شرطهما . وأقره الذهبي فى " تلخيصه "، قال فى " التلخيص": وصحه الترمذى وابن حبان والحاكم. وأعله ابن حزم بجهالة ثعلبة بن عباد الراوى عن سمرة ، وقد ذكره ابن حبان فى الثقات اه ملخصاً . وقال الراقم : ولو سلم ذلك فمثله يكفى شاهداً ، علا أن لصحته شواهد صحيحة . وأحاله الطحاوى على سياق حديث عبد الله بن عمرو سواء ، وأخرجه البخارى فى " خلق أفعال العباد" (ص - ٨٧) مختصراً مجملا. ٤ - ومنها : حديث قبيصة بن مخارق الهلالى ، أخرجه أبو داؤد والنسائى، ١١ الأحاديث فى وحدة الركوع فى الكسوف وفيه: ((فصلى ركعتين فأطال فيه القيام ثم انصرف وانجلت فقال: هذه الآيات يخوف الله عز وجل بها ، فإذا رأيتموها فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة » . ورواه أحمد والحاكم بسند أبىداؤد من طريق موسى بن اسمعيل وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، والحديث أسانيد ، أنظر "نصب الرأية" (٢ - ٢٣٠) و "العمدة" (٣ - ٤٧٠). وفى " نصب الرأية" قال البيهقى بعد أن رواه بالسند الأول : سقط بين أبى قلابة وقبيصة رجل ، وهو هلال بن عامر . قال النووى فى "الخلاصة": وهذا لا يقدح فى صحة الحديث، فإن هلالاً ثقة اهـ. وفى لفظ أبى القاسم البغوى فى "معجم الصحابة" على على ما ذكره البدر العينى فى "العمدة": ((فصلوا كأخف صلاة صليتموها من المكتوبة)) . وأضف إلى هذا التشبيه سياق "صحيح البخارى" فى (باب الجهر بالقراءة فى الكسوف) وفى (باب خطبة الإمام فى الكسوف): قال الزهرى: فقلت - أى لعروة - : ما صنع أخوك ذلك عبد الله بن الزبير ، ما صلى إلا ركعتين مثل الصبح إذا صلى بالمدينة؟ قال : أجل ، إنه أخطأ السنة اهـ. قال الراقم: وعبد الله بن الزبير صمابی وعروة تابعی ، ورأى التابعی وإن كان مستنداً إلى مرفوع - كما قيل - كيف يكون حجة على رأى الصحابى وعمله ؟ علا أن عروة أراد بالسنة الفعلية ، ولعل ابن الزبير اعتمد السنة القولية ، وفوق ذلك لا ينكر أن هناك تنازع الفعلين وعمل جر الجوار من الأوامر القولية ، وهم يفعلون ما يؤمرون ، ويؤيده تأييداً مؤزراً سنة الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضى الله عنه ، فى " الزوائد " عن أبى شريح الخزاعى قال : كسفت الشمس فى عهد عثمان فصلى بالناس تلك الصلاة ركعتين وسجد سجدتين فى كل ركعة آهـ. قال الهيثمى : رواه أحمد وأبو يعلى والطبرانى فى "الكبير" والبزار، ورجاله موثقون اهـ. ثم إن قبيصة الهلالى هل هو البجلى أيضاً أو هو إثنان ؟ وهل الرواية من أحدهما أومنها جميعاً ؟ راجع له " العمدة" (٣ - ٣٧٠ و ٣٧١). ١٢ معارف السنين ج - ٥ ٥ - ومنها : حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، أخرجه أبوداؤد والترمذى فى "الشمائل" والطحاوى، قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله وَلِ فقام رسول اللّه عَّله لم يكد يركع ثم ركع فلم يكد يرفع ثم رفع فلم يكد يسجد ثم مسجد فلم يكد يرفع ثم رفع وفعل فى الركعة الأخرى مثل ذلك)). ورواه أحمد والنسائى والحاكم ، وصححه كل من طريق عطاء بن السائب ، فأبوداؤد من طريق حماد بن سلمة، والنسائى من طريق شعبة، والترمذى فى "الشمائل" من طريق جرير ، وأحمد والطحاوى والحاكم من طريق سفيان الثورى ، والطحاوى أيضاً من طريق حماد بن سلمة وخالد بن عبد الله أيضاً ، فهؤلاء شعبة وسفيان وحماد ابن سلمة وجرير بن عبد الحميد وخالد بن عبد الله كلهم يروى عن عطاء بن السائب وشعبة والثورى وزهير بن زائدة وحماد بن زيد وأيوب ، سماعهم منه قديم صحيح بالإتفاق ، وسماع حماد بن سلمة أيضاً قديم على الراجح . قال أحمد: من سمع منه قديماً فسماعه صحيح، ومن سمع منه حديثاً لم يكن بشئء؛ سمع منه قديماً سفيان وشعبة آه. وعد ابن معين منهم شعبة والثورى وأبو حاتم مثله ، وقال النسائى: ورواية حماد بن زيد وشعبة وسفيان عنه جيدة . وقال ابن الجارود : حديث سفيان وشعبة وحماد بن سلمة عنه جيد . وقال : إذا حدث عنه سفيان وشعبة فإن حديثه مقام الحجة . أنظر "التهذيب" (٧ - ٢٠٤ وما بعدها). وفى " نكت العراقى على مقدمة ابن الصلاح" عن ابن معين : حديث سفيان وشعبة وحماد بن سلمة عن عطاء بن السائب مستقيم اه. وفى "الفتح" (٣ - ٣٦٩): وحماد بن سلمة ممن سمع من عطاء قبل الاختلاط اهـ. قال الشيخ رحمه الله: وتابع عطاءً أبو اسحاق عند أحمد فى "المسند" (٢ - ٢٢٣)، ولعله السبيعى ، وأبوبكر فيه ابن عياش ، كذا وقع فى إسناد عند الترمذى فى الثناء على الله والصلاة على النبي حَ لي قبل (١ - ٧٦)، وكذا عند ابن أبى شيبة فى حديث: ((ليس فى البقر العوامل شئ، كما فى "نصب الرأية"، ١٣ تحقيق بعض مستدلات الحنفية وكذا عند أحمد فى عدة أسانيد (١ - ٧ و١٣٢ و١٣٣ )، وعند " النسائى" (١ - ٥٤ و٢٤٦)، وعند "الترمذى" (١ - ١١٣). وراجع كلامه فى "العمل"، وعند " الدار قطنى" (ص - ١٩٥)، وفى إسناد البخارى فى "الصحيح" (ص - ١٠٥٢ من كتاب الفتن)، وهو كوفى كما يستفاد ذلك أيضاً من "الفتح" (٤ - ٢٤٥) و (١٣ - ٤٧) وأما أبوبكر عند البخارى فى الإفراد بالظهر، فهو ابن أبى أنيسة ، لأن الإسناد مدنى، وما نحن فيه فهو من رجال كوفة . والحديث أيضاً أخرجه ابن أبى شيبة عن ابن مهدى عن سفيان عن أبى اسماق عن السائب بن مالك مرسلا اهـ. قال الشيخ: وهو وإن اختلط فى آخر عمره لكنه قد روى عنه البخارى مقروناً مع أبى بشر فى حديث الحوض، كما فى "التهذيب" و"التخريج" الزيلعى عن المنذرى، وهو فى " الصحيح" (٢ - ٩٧٤)، وهو تابعى - أى عطاء - لكن الرواية عند أبى داؤد بطريق حماد بن سلمة عنه ، واختلف فى أنه هل أخذ عنه قبل تغيره أو بعده ؟ والأرجح أنه قبل التغير ، واختاره ابن معين والنسائى والطحاوى ، وكذا سماع حماد بن زيد منه قديم قبل التغير . قال : والتحقيق أن عطاء دخل بصرة مرتين وسمع منه حماد بن زيد مرتين . أقول : وكذلك قال الدار قطنى كما فى "التهذيب" ، ورواية أبى داؤد هذه أخرجها ابن خزيمة فى "صحيحه" ، فيكون صحيحاً على شرطه. قال الحافظ فى "الفتح" (٣ - ٦٧): أخرجه أحمد، وصححه ابن خزيمة والطبرى وابن حبان من طريق عطاء بن السائب ..... أخرجه ابن خزيمة من رواية سفيان الثورى عنه ، وهو ممن سمع منه قبل اختلاطه اهـ . وقال فى (٣ - ٤٤٧): لفظ ابن خزيمة من طريق الثورى عن عطاء بن السائب .. . فالحديث صحيح ، وأخرجه النسائى من طريق شعبة عنه ، وسماعهما قديم باتفاق المحدثين ، وأخرجه الطجاوى من طريق سفيان ، وكذا ابن خزيمة كما فى "الفتح" من ( باب ما يجوز من البصاق والنفخ فى الصلاة ) ، وسماع سفيان منه أيضاً. ١٤ معارف السنن ج - ٥ قبل الإختلاط . ٦ - ومنها : حديث النعمان بن بشير، رواه النسائى وأبو داؤد وابن ماجه والطحاوى وابن خزيمة . قال فى " التلخيص" (ص ١٤٦): وأخرجه أحمد والحاكم، وصحه ابن عبد البر. وفى "العمدة" (٣ - ٤٧٠): وصرح ابن عبد البر بصحة الحديث ، وقال : من أحسن حديث ذهب إليه الكوفيون حديث أبى قلابة عن النعمان اهـ. وصححه ابن خزيمة وابن حبان كما فى " شرح المنتفى " للشوكانى . وبالجملة فقد صححه ابن خزيمة وابن حبان وابن عبد البر ، وصححه الحاكم على شرطهما ، وأقره الذهبى فى " تلخيص المستدرك". ولفظ "أبى داؤد": ((كسفت الشمس على عهد رسول اللّه عَ ل﴾ فجعل يصلى ركعتين ركعتين ويسأل عنها حتى انجلت)). ولفظ "النسائى": إن النبي ◌َِّ لّه قال: (((إذا خسفت الشمس والقمر فصلوا كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة)). وأعله البيهقى بالإنقطاع بين أبى قلابة والنعمان . قال فى "الكبرى": هذا مرسل أبى قلابة ، لم يسمعه عن النعمان بن بشير ، إنما رواه عن رجل عن النعمان ، وليس فيه اللفظة الأخيرة اهـ. قال فى "الجوهر النقى": وصرح صاحب "الكمال" بسماعه من النعمان، وقول البيهقى: "لم يسمعه" منه دعوى بلا دليل، ولو صح الطريق الذى ذكره البيهقى - وفيه عن أبى قلابة عن رجل عن النعمان - لم يدل على أنه لم يسمعه من التعمان بل يحتمل أنه سمعه منه ثم من رجل عنه ، قال ابن حزم : أبو قلابة أدرك النعمان فروى هذا الخبر عنه ، ثم رواه عن آخر فحدث بكلتا روايتيه . وصرح ابن عبد البر فى " التمهيد " بصحة هذا الحديث اهـ ، وقال : ثم رواية من نقص ليست بحجة بل من زاد الذى زاد مثبته. اهـ. وقال ابن أبى حاتم فى " العلل": قال أبى : قد أدرك أبو قلابة النعمان ابن بشير الخ . وفى " شرح المنتقى" من كتاب العيدين: وقد قال أبو حاتم . إن أبا قلابة لا یعرف له تدلیس اهـ. قال الشيخ: إن کان بينهما رجل فهو ملال ین. ١٥ بقية بحث ترجيح أدلة الحنفية عامر ، وهو ثقة ، فالرواية جيدة . أقول : ذكر ذلك البيهقى فى رواية قبيصة الهلالى بينه وبين أبي قلابة ، وكذا ابن القطان . أنظر " نصب الرأية " (٢ - ٢٣٠). وقال النووى: وهذا لا يقدح فى صحة الحديث، فإن هلالاً" ثقة اهـ. وتقدم أيضاً. وتأول الحافظ فى " الفتح" (٢ - ٤٣٦) فيه بأن .. وأن يكون السؤال وقع بالإشارة ، معنى قوله : ركعتين : ركوعين فلا يلزم التكرار ، واحتج الجزء الأول بأثر ابن عباس ، أخرجه الشافعى : (((فصلى ركعتين فى كل ركعة ركوعان)). قال الراقم: ليس فيه إطلاق الركعة على الركوع ، ويتعجب من مثل الحافظ مثل هذا الاحتجاج . قال الشيخ : وتأويله هذا غير نافذ، فإن المسجد كان غاصاً بالناس، وتزاحم الناس من الكثرة حتى غشى على بعضهم ، وصب على رأسه الماء . "الغشى" و"صب الماء" ورد فیحدیث أسماء فى "الصحیح" فى(باب صلاة النساء مع الرجال فی الکسوف) وفيه: «فقمت حی نجلانی الغشی فجعلت أصب فوق رأسی الماء الخ)). و کذا فی حدیث عائشة عند أبى داؤد: ((حتى إن رجالاً" يومئذ لمغشى عليهم مما قام بهم حتى إن سجال الماء لينصب عليهم ١ هـ) . فالتأويل بأن السؤال كان بالإشارة والحالة هذه بعيدة غاية البعد، علا أن الحافظ نفسه قد أخرج عن أبي قلابة عند "عبد الرزاق" وقال بإسناد صحيح: ((أنه فَّلي كان كلما ركع ركعة أرسل رجلاً ينظر هل انجلت)) فهذه مرسل ، والحافظ يصححه. فالمرسل الصحيح مقبول عند الجمهور، فأين الإشارة ؟ وبالجملة حديث النعمان بن بشير حديث جيد ، ورواه أبو داؤد عن أبى قلابة عنه متصلاً وسكت عليه ، فلعل القول بالإنقطاع عنده غير صحيح . ٧ - ومنها حديث عبد الرحمان بن سمرة ، أخرجه مسلم والنسائى ، وفيه: ((فقرأ سورتين وركع ركعتين)). فهذه سبعة أدلة مروية عن ابن مسعود ومحمود ١٦ معارف السنن ج - ٥ ابن لبيد وسمرة بن جندب وقبيصة بن المخارق وعبد الله بن عمرو والنعمان بن بشير وعبد الرحمن بن سمرة. وأضف إلى ذلك حديث أبى بكرة فى " الصحيح" فى "باب الصلاة فى كسوف الشمس" قال: ((كنا عند النبى ◌َّ لّ فانكسفت الشمس فقام رسول اللّه حول٣ يجر رداءه حتى دخل المسجد فدخلنا فصلى بنا رکعتین حتی انجلت الشمس» . ورواه النسائی وزاد : ((مثل ما تصلون))، ورواه ابن حبان والحاكم، ولفظها: ((فصلى بهم ركعتين مثل صلاتكم)) كما فى "التلخيص. الجبير" و"نصب الرأية"، ورواه الطحاوى وفيه: ((فصلى كما تصلون))، وكذلك حديث بلال: ((كسفت الشمس على عهد رسول اللّه عَّ الجٍ فقال: إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله، فإذا رأيتم ذلك فصلوا كأحدث صلاة صليتموها))، قال الهيثمى: رواه البزار والطبرانى فى "الأوسط" و"الكبير"، وعبد الرحمن بن أبى ليلى لم يدرك بلالاً"، وبقية رجاله ثقات اهـ. وأشار إليه فى " الفتح" (٢ - ٤٥١) ، وعزاه فى "الكنز" (٤ - ١٧٧) إلى النسائى، ولعله فى " الكبرى". ولا يضر هذا الانقطاع للشواهد المتصلة التى سبقت، علا أن الغالب أن الواسطة صحابى وعلى الأقل. من كبار التابعين ، فلا يضر مثل هذا الانقطاع أصلاً عند التحقيق . وأضف إليها أيضاً عمل عثمان وعمل عبد الله بن الزبير، وتقدم بيانها وتخريجها ، وعند ابن. أبى شيبة بسند صحيح - كما فى "العمدة" - عن ابراهيم النخعى: ((كانوا يقولون: إذا كان ذلك فصلوا كصلاتكم حتى تنجلى)). وهذا يبين التعامل المتوارث فيهم والسنة السائرة بينهم ، فإذن هذه إثنا عشر دليلاً وحجة على أن ركعنى الكسوف. مثل سائر الصلوات المعهودة . وبالجملة فهذه الروايات والأدلة احتج بها أبو حنيفة وأصحابه ، وأجاب الشافعية عنها : بأن هذه الروايات ساكتة عن الركوع الثانى، ورواياتنا مثبتة ناطقة وفيها الزيادة ، والمثبت مقدم على النافى. وأجاب عنه الطحاوى فى "شرح معانى ١٧ الأجوبة عن مستدلات الشافعية الآثار" (١ - ١٩٥ و ١٩٦) بما ملخصه: إن أكثر الأخبار موافقة لمذهب أبى حنيفة، وحديث النعمان بن بشير: ((فجعل يصلى ركعتين ويسلم ويسأل حتى انجلت)) دل على السجود بعد كل ركوع ، وهو علمه وعلم من وافقه، وخالفه من لم يعلمه ، فاكتفى بالركوعين أو الركوعات ليس بعدها سجدات ، فكان حديث النعمان ومن وافقه مثبتاً لما لم يثبته آخرون ، فالتمسك به أولى دون غيره. وأجاب عنه البدر العينى فى "العمدة" (٣ - ٤٨١) بما حاصله : إن كان المدار على قبول زيادة الثقات فثبت عند مسلم ثلاث ركوعات وأربع . وعند أبى داؤد وغيره أربع وخمس . فما كان جوابهم فى هذه فهو جوابنا فى تلك . وقال فى (٣ - ٤٧٢) بما ملخصه : إن الأخذ عند الاختلاف بما يوافق الأصول أولى وأعجب اهـ. قال الراقم: وجوابه الأول إلزامى كما أن الثانى تحقيقى ، والله ولى التوفيق والتحقيق. وأخرج العينى فى "العمدة" (٣ - ٤٧١) رواية الركوع الواحد عن "مسند أحمد". قال الشيخ: ولم أجده فى "المسند"، وإنما وجدت فيه حديث الأربع ، وفى سنده حنش بن ربيعة ، أخرجه فى "الزوائد" (٢ - ٢٠٧)، قال: ورجاله ثقات ، وهو فى " المسند" (١ - ١٤٣). وحنش فيه لعله ابن ربيعة بن المعتمر، أو ابن المعتمر بن ربيعة . قال فى "التقريب": صدوق له أوهام آه. وهل هما واحد أو إثنان ؟ راجع له "التهذيب"، ويحتمل أن يكون حنش بن عبد الله، وهو من رواة الجماعة إلا البخارى ، وكلاهما يروى عن على. والله أعلم . قال الشيخ: ونسخة "العمدة" المطبوعة وكذا نسخة "المسند" كلتاهما مشحونة بأغلاط الناسضين ، غير أن رواية " المسند" كذلك وجدته عن على عند غيره أيضاً . أقول: عند مسلم فى "صحيحه" (١ - ٢٩٩): عن ابن عباس قال : ( ٢ - ٣) ١٨ معارف السنن ج - ٥ ((صلى رسول اللّه عَ لهيل حين كسفت الشمس ثمان ركعات فى أربع مسجدات))، وعن على مثل ذلك اهـ. وتقدم رواية الخمس عنه، ولكن فى " البدائع " (١ - ٢٨١): وروى الجصاص عن على والنعمان بن بشير وعبد الله بن عمر وسمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة رضى الله عنهم: ((إن النبى عّ لّ صلى فى الكسوف ركعتين كهيئة صلاتنا)) اهـ. فهذا يدل على أن لرواية علىّ أصلاً، فإن منزلة الجصاص فى الحديث معروفة ، والله أعلم . قال الشيخ : وتأوَّل بعض الحنفية فى أحاديث الخصوم بما هو معروف . أقول: يريد به ما فى "المبسوط" (٢ - ٧٥) ثم "البدائع" (١ - ٢٨١) ثم "فتح القدير" وغيره: ((إن رسول اللّه عَ لّ طوَّل الركوع فيها فإنه عرض عليه الجنة والنار فى تلك الصلاة، فلَّ بعض القوم فرفعوا رؤوسهم، وظن من خلفهم أن النبي ◌ِّج رفع رأسه فرفعوا رؤسهم، ثم عاد الصف المتقدم إلى الركوع اتباعاً لرسول اللّه بمؤ لي فركع من خلفهم أيضاً وظنوا أنه ركع ركعتين فى كل ركعة الخ )). قال الشيخ: والجواب عندى ما أفاده شيخنا شيخ الهند مولانا محمود الحسن الديوبندى أن الأحسن أن يقال: أن رسول اللّه حَ لّ ركع ركوعين، وهذا التعدد فى الركوع جاء لدواع خارجة وأحوال طارئة لم تكن فى عامة الأحوال ، فكان يشاهد ما لا يشاهدون، غير أن هذا فعله مَّل له نفسه، وأما الأمة فأرشدهم إلى ما هو المعهود من الصلاة، وأمرهم بأن يصلوا عند ذلك كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة، كما فى حديث قبيصة عند أبى داؤد، فهو عَ ل٣ قد صلى بتعدد الركوع على أعين الناس ورؤس الأشهاد ، فلو كان هذا تشريعاً عاماً لهم أيضاً كان الأولى بهم أن يرشدهم إلى تلك الصلاة دون أحدث الصلاة غيرها ، فترك الإحالة والتشبيه لما شاهدوا وصلوا معه وعدل إلى التشبيه بصلاة الصبح ، فهذا . أوضح دليل على أن التعدد كان لعارض مختص به بحجاج. وبالجملة فالتشريع تحقيق أن تعدد الركوعات إنما هو من قبيل التخشع عند رؤية الآيات الإلهية ١٩ القولى العام للأمة هو حجة الحنفية . ثم رأيت بعد برهة من الدهر فى "البدائع" بمثل ما أفاده شيخنا رحمه اللّه، فعرضته على حضرته فسر به جداً. ولعل أبا عبد الله البلخى أخذه عن الإمام محمد بن الحسن نفسه أقول: وإليك نص ما فى "البدائع" (١ - ٢٨١): "عن الشيخ أبى منصور عن أبى عبد الله البلخى أنه قال: إن الزيادة ثبتت فى صلاة الكسوف لا للكسوف ، بل لأحوال اعترضت حتى روى: «أنه آځ تقدم فى الركوع حتى كان كمن يأخذ شيئاً، ثم تأخر كمن ينفر عن شئ))، فيجوز أن تكون الزيادة منه باعتراض تلك الأحوال ، فمن لا يعرفها لا يسعه التكلم فيها ، ويحتمل أن يكون فعل ذلك لأنه سنة، فلما أشكل الأمر لم يعدل عن المعتمد عليه إلا بيقين اه" قال الشيخ فى "مذكرته": ولم يتعرض فى القولى للتعدد أصلاً ، وهذا أمر، ثم إذا تعرض تعرض لأحدث صلاة ، وهذا أمر، فهما ملحظان ، فلم يقل : ((صلوا كما رأيتمونى أصلى)) اهـ. وقال رحمه الله فى "مذكرته" و "تعليقاته" على "آثار السنن" ما لفظه: والتحقيق أن هذا الركوع ركوع خشوع لا ركوع صلاة من تلقاء أن الله عز وجل إذا بدأ لشئ من خلقه خشع له ، ويدل عليه ما فى "الصحيح" (١ - ١٦١) فى "باب إذا انفلتت الدابة فى الصلاة": ((ثم استفتح سورة أخرى ثم ركع))، ولما لم يكن أصلياً اختلفت ملاحظ الرواة فى نقله ، وثبت عن ابن عباس من عمله تعدده فى الأولى لا الثانية ، وهكذا صلاة الآيات. وراجع "الطحاوى" وما رواه الترمذى (٢ - ٢٢٩): قال رسول اللّه مَا}: ((إذا رأيتم آية" فاسجدوا)). وقد روى الحاكم بسند جيد قوى عن أنس قال: ((لما دخل رسول الله عَ ليه مكة يوم الفتح استشرفه الناس فوضع رأسه على رحله متخشعاً ، ولما مر بالحجر سجى ثوبه على وجهه واستحث راحلته ، ثم قال: لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا أنفسهم إلا وأنتم باكون)) . وذلك كالسجود عند ٢٠ معارف السنن ج - . كشف الساق، ونحو ما ورد: ((فكان إذا أتى على آية فيها ذكر الجنة والنار وقف فسأل وتعوذ اهـ)). فتبين من كلامه رحمه الله أن هذه الركوعات ركوعات خشوع لا ركوعات صلاة نظير السجدات عند مشاهدة الآيات ويأتى . وأجاب الشافعية عن التشبية فى قوله: ((كأحدث الصلاة)): أن التشبيه فى كون الصلاة ركعتين دون ركوعات الصلاة . قال شيخنا: قال شيخنا المحمود: إن هذا جعل البديهى نظرياً لا غير ، ولا يقبله عاقل. أقول: يريد رحمه الله لو كان الغرض فى التشبيه ما ذكروا من كونها ركعتين فقط دون التشبيه فى تعدد الركوع ولم يكن وجه التشبه الصلاة بهيأتها جمعاء كان ينبغى أن يقول مَّ الج: (( كما صليت بكم)). وهؤلاء الشافعية التزموا أنه ﴾ صلى ركعتين فى كل ركعة ركوعان، فكانت صلاته ركعتين كل. ركعة بركوعين ، فلماذا عدل عن أمر قريب ظاهر شاهدوه رأى العين إلى أمر بعيد أريد به التشبيه فى البعض دون المجموع ؟ وهذا شئ بعيد عن منهج إرشاده وتعليمه عَلم الأمة كل البعد ، وتعسف ظاهر وتأويل غير مستساغ ، ولمثل هذا يقال فى مصطلح أهل النظر: مكابرة جلية وإنكار من البداهة الظاهرة . فرحم الله من أنصف . ولاريب أن الأحاديث القولية منها ما هى ناطقة بالأمر بمطلق الصلاة كحديث أبى مسعود ، وحديث المغيرة بن شعبة ، وحديث أبى بكرة ، كلها فى "الصحيح" عند البخارى وفيها جميعاً: ((فإذا رأيتموها فصلوا)). وليس فيها أى تقييد بهيئة خاصة ، ومنها ما هى ناطقة بالتقييد بأحدث صلاة صليتموها فى حديث قبيصة عند أحمد والنسائى وأبى داؤد والطحاوى والحاكم وصححه ، وأقره الذهبى " أو بأخف الصلاة" عند أبى القاسم البغوى فى " معجم الصحابة " فى حديث قبيصة . ولفظ حديث قبيصة عند أبى داود والنسائى هو لفظ حديث