Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
الكلام فى ابن أبىليلى - والجمع بين الصلاتين
ونافع عن ابن عمر .
حدثنا محمد بن عبيد المحاربى نا على بن هاشم عن ابن أبى ليلى عن عطية
ونافع عن ابن عمر قال: ((صليت مع النبى ◌َّ لِ الحضر والسفر، فصليت
معه فى الحضر الظهر أربعاً وبعدها ركعتين ، وصليت معه فى السفر الظهر
ركعتين وبعدها ركعتين ، والعصر ركعتين ولم يصل بعدها شيئاً، والمغرب
فى الحضر والسفر سواء ثلاث ركعات لا ينقص فى حضر ولا سفر، وهى وتر
النهار وبعدها ركعتين )).
قال أبوعيسى : هذا حديث حسن سمعت محمداً يقول : ما روى ابن
أبى ليلى حديثاً أعجب إلى من هذا .
( باب ما جاء فى الجمع بين الصلاتين)
ابن أبی لیلی، وهو صدوق سیئی الحفظ جداً کما فى" التقریب"، وابن أبی لیلی
يطلق على أربعة : عليه ، وعلى أخيه عيسى، وعلى أبيه عبد الرحمن ، وابن أخيه
عبد الله بن عيسى . وعبد الرحمن بن أبى ليلى ثقة أخرج له الجماعة ، وقد تقدم
بيانه أيضاً. ومحمد بن أبى ليلى ضعفه البخارى إلا فى هذا الحديث ، حيث
قال : ما روى ابن أبى ليلى حديثاً أعجب إلى من هذا ، والحديث يفيدنا فى
مسألة الوتر ثلاث ركعات بتسليمة حيث سميت صلاة المغرب وتر النهار ، وإنها
ثلاث بسلام ، فالمشاكلة تقتضى ذلك فى وتر الليل أيضاً .
-: باب ما جاء فى الجمع بين الصلاتين :-
قد تقدم بيان المذاهب فيه فى المواقيت فى ( باب الجمع بين الصلاتين ) .
قال الراقم : وتلخيص القول فى بيانها بأن الأقوال ستة :
( ٢ - ٦١ )

٤٨٢
معارف السنن
ج - ٤
الأول : جواز الجمع مطلقاً تقديماً وتأخيراً، سائراً أو نازلاً ، مجداً
أو غير مجد ، وروى ذلك عن كثير من الصحابة والتابعين ، وهو مذهب
الثورى والشافعى وأحمد وأشهب من المالكية .
والثانى : عدم الجواز مطلقاً إلا بعرفة ومزدلفة ، وهو قول الحسن وابن
سيرين والنخعى والأسود وأبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد ، وهو رواية ابن
القاهم عن مالك واختيار ابن القاسم ، وروى عن ابن مسعود وسعد بن
أبى وقاص وابن عمر وجابر بن زيد ومكحول وعمر بن عبد العزيز وعمرو بن
دينار وسالم والليث بن سعد .
والثالث : أن الجواز مختص بمن يجد فى السير ، وهو القول المشهور عن
مالك ، وروى عن الليث .
والرابع : يختص بالسائر دون النازل ، وهو قول ابن حبيب من المالكية .
والخامس : يختص بمن له عذر ، حكى عن الأوزاعى .
والسادس: يختص بجمع التأخير دون التقديم، وهو مروى عن مالك وأحمد
واختيار ابن حزم .
وههنا قول سابع : أن الجمع مكروه، وهو رواية المصريين عن مالك .
هذا ملخص ما فى "العمدة" و"الفتح" و"المغنى". ومنشأ اختلافهم فى تأويل
الأخبار والآثار ، لأنها كلها أفعال وليست أقوالاً ، والأفعال يتطرق إليها
الإحتمال كثيراً أكثر من تطرقه إلى اللفظ ، وكذا اختلافهم فى تصحيح بعضها،
وكذا اختلافهم فى إجازة القياس فيه ، فهى ثلاثة أسباب ذكرها ابن رشد فى
"قواعده" .
والأحاديث على أقسام ثلاثة : فبعضها يدل على الجمع الفعلى ، وبعضها
يوهم الجمع الوقتى ، وبعضها يدل على مطلق الجمع . وكان الشوكانى بذهب
إلى القول بالجمع الوقتى ، ثم رجع عنه وألف رسالة فى الرد على هذا القول

٤٨٣
بحث الجمع بين الصلاتين وتحقيق ما ورد فيه
سماها : "تشنيف السمع بإبطال أدلة الجمع"، ذكره فى "شرح المنتى" (٣
- ١٨٥) فى ( باب جمع المقيم لمطر أو غيره ).
حديث الباب مع كون رجاله ثقات وكونه أعلى ما فى الباب للقائلين
بجواز الجمع مطلقاً فى وقت إحداهما شأنه عجيب ، فالترمذى قال فيه : حسن
غريب ، وأشار إلى إعلال الحديث . وقال البخارى : قلت لقتيبة بن سعيد :
مع من كتبت عن الليث بن سعد حديث زيد بن أبى حبيب عن أبى الطفيل؟
فقال : كتبته مع خالد المدائنى . قال البخارى: وكان خالد المدائى يدخل
الأحاديث على الشيوخ . وقال الحاكم: إنه موضوع. كما حكى العينى فى
" العمدة " ( ٣ - ٥٧٤ ) قول البخارى والحاكم، وقال أبو دائد : منگر،
وقال ابن حزم : إنه منقطع، وقال ابن حبان : محفوظ صحيح ، حكاه الشوكانى
عن "البدر المنير" . فالأقوال فيه ستة: من أقوال الترمذى والبخارى وأبى داؤه
والحاكم وابن حبان وابن حزم ، وخالد المداثنى هو: أبو الهيثم ابن القاسم .
قال ابن راهويه : كان كذاباً ، وقال الأزدى: أجمعوا على تركه ، وقال
يعقوب : متروك الحديث ، وأحرق ابن معين ما كان كتبه عن خالد. ذكره
الذهبى فى الميزان . وليث من مشاهير الفقهاء وحفاظ الحديث ، وله أصحاب
يبلغون مائتين ، ثم لا يروى منه إلا قتيبة بن سعيد وحده .
وبالجملة حديث الباب بدل على الجمع الوقتى تقديماً وتأخيراً ، وبقول
أبو داؤد: ليس فى جمع التقديم حديث قائم ، كما حكاه الحافظ فى " التلخيص"
(ص - ١٣٠)، وكذا أعله ابن أبى حاتم بأنه مدخول، وراجع "التلخيص"
التفصيل . وأخرج الحاكم فى " أربعينه " نظیر حديث الباب من حديث أنس ،
كما ذكره الحافظ فى " الفتح" (٣ - ٤٧٩).
وبالجملة هؤلاء جهابذة الحديث عرفت أقوالهم وآرائهم ، وأما علماءنا
من مشائخ الحنفية فيحملوا حديث الباب. وأمثاله بعد تسليم صحته على الجمع فعلاً

٤٨٤
معارف السنن
ج - ٤
بتأخير الأولى إلى آخر الوقت وتعجيل الأخرى أول الوقت، وأول من أجاب
به الإمام أبو جعفر الطحاوى ، ثم تبعه من بعده . ثم إنه تارة يعبرون عنه
بالجمع الصورى ، كما فى عامة الكتب ، وأخرى بالجمع الفعلى، كما فى
" البدائع" و" العمدة" وغيرهما. وقد صرح من المالكية أبو الوليد الباجى
فى جمع التأخير بالجمع الصورى فى "شرح الموطأ"، وكذا صرح به فى
"شرح مختصر الخليل"، فارتفع الخلاف بيننا وبينهم فى جمع التأخير. وصرح
أنس بالجمع الصورى فى رواية البزار كما فى "زوائد الهيشمى" (٢ -
١٦٠) ونجوه عند الدار قطنى، وكذا عن ابن مسعود عند الطبرانى، كما فى
" الزوائد"، وكذا عند الطيالسى، ويميل إلى الجمع الصورى ما فى "المدونة"
(١ - ٥٦) حيث قال: وكان ابن عمر يؤخرها فى السفر قبل5 اهـ. وهذا
ينافى التأخير إلى ربع الليل كما مر عنه، أفاده إمام العصر فى "تعليقاته على الآثار".
فإن قيل : توزيع الراوى ارتحاله إلى بعد الزوال وقبل الزوال ، وذكره
قسمى الجمع يدل على جمع التقديم فى العصر كما بدل على جمع التأخير فى الظهر
وهو المتبادر من سياقه. قال الشيخ: يمكن أن يراد: أنه حَلّ لما كان أراد أن
يرتحل بعد الزوال كان يجلس وينتظر حتى يكاد ينتهى وقت الظهر فيصلى الظهر ثم
العصر ثم ير تحل، ولو کان قبل الزوال فکان یسافر و یسیر حتی یکاد ینتهى وقت
الظهر فيجمع بينها، فهذا هو الجمع بينها فعلاً وصورة، لا حقيقةفى وقت واحد .
فالحاصل أنه ما كان يسافر بعد الزوال إلا إذا صلى الظهر والعصر جميعاً
بحيث ينتظر تأخير الظهر . وفائدة مثل هذه الصورة ظاهرة فى حق المسافر، لا
يخفى على من كابد مشاق الأسفار أو لاحظها فى تلك الظروف والأعصار .
قال الراقم : ومما يؤيد حمل الحديث هذا على الجمع الصورى أنه صرح
بالجمع الصورى فى رواية الطبرانى فى " الأوسط " كما فى " زوائد الهيثمى"
(٢ - ١٦٠) ففيه: عن معاذ بن جبل قال: ((خرجنا مع رسول اللّه عَلَّه فى

٤٨٥
تحقیق أن الجمع بين الوقتين فعلى وصورى
غزوة تبوك فجعل يجمع بين الظهر والعصر: بصلى الظهر فى آخر وقتها ويصلى
العصر فى أول وقتها حين يغيب الشفق الخ)) . . قال الهيثمى: رواه الطبرانى
فى "الأوسط" وقال: لم يروه إلا غصن بن اسمعيل، تفرد به محمد بن غالب.
قلت : ولم أجد من ذكر غصناً هذا اهـ.
قال الراقم : وغصن هذا من رجال " لسان الميزان" فقال: غصن بن
إسماعيل من أهل إنطاكية، بروى عن ابن وهب، وعنه محمد بن غالب الأنطاكى
ربما خالف، قاله ابن حبان فى "الثقات" اهـ .. ولعله محمد بن غالب بن تمتام،
وهو حافظ مكثر من أصحاب شعبة ، وهو ثقة مأمون ، كما قاله الدار قطنى ،
حكاه الحافظ فى "اللسان"، وذكره ابن حبان فى "الثقات" . ومما يؤيده أن
جمع التقديم فى روايته ليس عند مالك . قال الحافظ فى " التهذيب" فى ترجمة
قتيبة بن سعيد ( ٨ - ٣٦١): أن يزيد بن أبى حبيب غلط من قتيبة ، وأن
الصحيح عن أبى الزبير، وكذلك رواه مالك وسفيان عن أبى الزبير عن أبى الطفيل
لكن فى متن الحديث الذى رواه قتيبة التصريح بجمع التقديم فى وقت الأولى ،
وليس ذلك فى حديث مالك ، وإذا جاز أن يغلط فى رجل من الإسناد فجائز.
أن يغلط فى لفظة من المتن آهـ .
قال الشيخ: وعندى توجيه آخر لهذا الحديث، ويؤيده بعض الأحاديث.
قال الراقم : وبالأسف أنه لم يبينه الشيخ ، ولا الحديث المؤيد له ، ولعله
يريد به حمل الجمع على القول باشتراك الوقت بين الصلاتين ، وهو المثل الثانى
عقيب الزوال، فالجمع بينهما وقع فى المثل الثانى فى السفر ، وذلك الوقت وقت
الظهر والعصر جميعاً للمسافرين والمرضى وأصحاب الأعذار، وربما يؤيده حديث
جبريل فى بعض طرق الحديث، وقد سلف بعض بيان ذلك فى أبواب المواقيت
قال الشيخ: ويؤيد التوجيه الأول حديث فى " مسند أحمد"، ولكن
إسناده ضعيف. أقول: لعله يريد ما فى "المسند" (١ - ٣٦٧ و٣٦٨)

٤٨٦
معارف السنن
ج - ٤
من طريق حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس الهاشمى عن عكرمة وكريب
أن ابن عباس قال: ((ألا أحدثكم عن صلاة رسول اللّه فَّامٍ فى السفر؟ قال؟
قلنا بلى ! قال : كان إذا زاغت الشمس فى منزله جمع بين الظهر والعصر قبل
أن يركب ، وإذا لم تزغ له فى منزله سار حتى إذا حانت العصر نزل فجمع بين
الظهر والعصر الخ)). ورواه الدارقطنى وغيره، وفى لفظ الدار قطنى (ص ـ-١٤٩):
((كان النبي صَل﴾ إذا نزل منزلا" فزالت الشمس لم يرتحل حتى يصلى العصر، وإذا
ارتحل قبل الزوال صلى كل واحدة لوقتها)). وبالجملة فليس فيه أية حجة على جمع
التقديم والجمع الوقتى صريحاً كما يزعمون . بل يدل على أنه ما كان يسافر بعد
الزوال إلا إذا صلى الظهر والعصر ، وأما قبل الزوال فيسافر ثم ينزل لهما ،
فلعله كان يمكث فى الأول وينتظر حتى يفرغ منها جميعاً والله أعلم .
قال : ويؤيده حديث آخر من طريق أبي قلابة ذكره الحافظ فى " الفتح"
(٢ - ٤٨٠)، أخرجه من طريق حماد عن أيوب عن أبى قلابة عن ابن عباس
لا أعلمه إلا مرفوعاً: ((أنه كان إذا نزل منزلاً" فى السفر فأعجبه أقام فيه حتى يجمع
بين الظهر والعصر ثم برتحل، فإذا لم يتهيأ له المنزل مد فى السير فسار حتى ينزل
فيجمع بين الظهر والعصر)). قال: أخرجه البيهقى، ورجاله ثقات . قال
الراقم: وهو فى "المسند" (١ - ٢٤٤) بلفظ: ((إذا نزل منزلاً" فأعجبه.
المنزل أخر الظهر حتى يجمع بين الظهر والعصر الخ )) . وفى " الفتح": أخرج
عن عبد بن حميد بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير مرعلا: ((أن النبي صَلَ}
كان إذا نزل منزلاً لم يرتحل منه حتى يصلى فيه الخ». ومن أمعن فى هذه
الروايات كلها وعلم أنها تعبيرات من واقعة جزئية خاصة فى غزوة تبوك تبين
له أن غرضها ومرماها ليس إلا تأخير الظهر والمكث فى المنزل إلى قرب العصر
حتى يصلى الظهر ثم العصر لاغير، وليس من التحقيق فى شتى أن يقتنع برواية
واحدة ، ولفظة خاصة فى مسألة مهمة ، ويغمض عن بقية الألفاظ الواردة فى

٤٨٧
تحقيق أن حديث الترمذى فى الجمع يعارض حديث الشيخين
حدثنا : قتيبة نا الليث بن سعد عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى الطفيل عن
معاذ بن جبل: ((أن النبى ◌ُّ لّ كان فى غزوة تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس
أخر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعاً، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس
الباب ، فإذن لا حاجة إلى إعلال حديث معاذ فى الباب ، بل له مغزى آخر
صحيح لا يخالف بقية الروايات، وهو الذى أشار إليه الشيخ ، والله ولى التوفيق،
وله الحمد والمنة على التحقيق .
ثم إن حديث الباب يعارض ما رواه الشيخان البخارى فى بابين و"مسلم"
(١ - ٢٤٥) عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: ((كان النبي (عَل إذا
ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ، ثم نزل فجمع بينهما،
وإن زاغت الشمس قبل أن يرتجل صلى الظهر ثم ركب)). قال شيخنا : فإما
أن يكون مناط المسألة عليه وهو أصح من حديث الباب ، وليس فيه أية لفظة
توهم جمع التقديم ، وإما أن يوفق بينهما بأن كلاً منهما ثابت بالمعنى الذى بيناه
فى حديث الباب حتى لا يخالف ما هو أصح منه فى الباب .
قوله: أبى الطفيل. أبو الطفيل هذا صحابى صغير رأى النبى عَلَّ ، وهو
آخر من مات من الصحابة، اسمه: عامر بن واثلة، رأى النبي صَلّ وهو
شاب، وحفظ عنه أحاديث، وقيل: لم يثبت سماعه منه ◌َّظَامِ، وفى تاريخ موته
أقوال من مائة إلى مائة وعشر، وذكر مسلم أنه آخر من مات من الصحابة، ومات
. بمكة اه ملخصاً من "الإصابة". ومات أنس بن مالك رضى الله عنه سنة
ثلاث وتسعين على أكثر ما قبل، وجابر بن عبد الله بن عمرو رضى الله عنه
مات على الأكثر سنة ثمان وسبعين، وهو آخر أصحاب رسول اللّه عَ المُ موتاً
بالمدينة ، كما فى " الإصابة". وبالجملة فآخرهم موتاً على الإطلاق أبو الطفيل
رضى الله عنه ، والله أعلم .

٤٨٨
معارف السنن
ج - ٤
مجل العصر إلى الظهر وصلى الظهر والعصر جميعاً ثم سار ، وكان إذا ارتحل قبل
المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء ، وإذا ارتحل بعد المغرب مجال
العشاء فصلاها مع المغرب)).
وفى الباب عن على وابن عمر وأنس وعبد الله بن عمرو وعائشة وابن عباس
وأسامة بن زيد وجابر . قال أبو عيسى : وروى على بن المدينى عن أحمد بن
حنبل عن قتيبة هذا الحديث .
وحديث معاذ حديث حسن غريب تفرد به قتيبة ، لا نعرف أحداً رواه
عن الليث غيره . وحديث الليث عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى الطفيل عى
معاذ حديث غريب، والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ من حديث أبى الزبير
عن أبى الطفيل عن معاذ: ((أن النبي ◌ِّلي جمع فى غزوة تبوك بين الظهر والعصر
وبين المغرب والعشاء)). ورواه قرة بن خالد وسفيان الثورى ومالك وغير واحد
عن أبى الزبير المكى . وبهذا الحديث يقول الشافعى. وأحمد وإسحاق يقولان:
لا بأس أن يجمع بين الصلاتين فى السفر فى وقت إحداهما .
حدثنا: هنادنا عبدة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: ((أنه
استغيث على بعض أهله فجد به السير، وأخر المغرب حتى غاب الشفق ثم نزل
قوله: والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ الخ. أخرجه مسلم فى صحيحه"
( ١ - ٢٤٦ ) .
قوله : حتى غاب الشفق الخ. استدل به النووى فى "شرح مسلم" (١ -
٢٤٥) على الجمع الوقتى الحقيقى فى وقت إحدى الصلاتين، ولا يصح استدلاله
بهذا اللفظ بهذا القدر ، فقد وقع عند أبى داؤود بسند قوى (١ - ١٧١ )
( باب الجمع بين الصلاتين ) من طريق محمد بن فضيل عن أبيه عن نافع ،

تحقيق حديث ابن عمر فى الجمع بين الصلاتين وأن الواقعة واحدة ٤٨٩
فجمع بينهما ثم أخبرهم : (( أن رسول الله كان يفعل ذلك إذا جد به السير.»
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح .
وهو إسناد صحيح ، وبه رواه الدارقطنى فى " سننه"، وفيه: (( حتى
إذا كان قبل غيوب الشفق نزل فصلى المغرب ثم انتظر حتى غاب الشفق ، ثم
قال: إن رسول اللّه بَلٍ كان إذا جل به أمر صنع مثل الذى صنعت اهـ)).
وهذا يدل على أن الراوى بالغ فى قوله : "حتى غاب الشفق" فى رواية الترمذى
فى الباب بل معناه : كاد أن يغيب ، فإن رواية أبى داؤد صريحة لا يتطرق إليه
تأويل ، فليرجع رواية مسلم والترمذى المحتملة إلى الغير المحتملة . قال الشيخ :
ومن العجيب أن الحافظ لما رآى فى رواية : « حتى ذهب هوى من الليل »
ومثله أوله بتعدد الواقعة فقال : لا تعارض بينه وبين ما سبق ، لأنه كان فى
واقعة أخرى اهـ. وهذا لا يتم له فإن الواقعة واحدة، وهو مرض صفية بن
أبى عبيد حين أرسلت إلى ابن عمر: بأنى فى آخر يوم من الدنيا وأول يوم من
الآخرة، فعجل ابن عمر السیر، ثم إن اللّه شفاها حتى عاشت بعد ابن عمر رضى
الله عنهما ، فالواقعة واحدة والروايات وقعت بألفاظ مختلفة معبرة عنها . أنظر
"الفتح" (٢ - ٤٧٨ و٤٧٩) و(٢ -٤٧٢)، فوقع فى رواية عبد الرزاق
عنده: (( حتى ذهب هوى من الليل)).
ووقع فى رواية الدارقطنى مرفوعاً: ((جمع بين المغرب والعشاء إلى ربع
الليل))، والحق أن الزيادة فى المرفوع وهم ، وأما فى الموقوف فمضطربة
بألفاظ شتى ، ولا يستقيم إلا بحمل المبالغة فى بعضها كما فى رواية النسائى فى
"سننه" فى تعجيل الظهر فى السفر: ((كان النبي ◌َّ إذا نزل منزلاً لم يرتجل
حتى يصلى الظهر، فقال رجل: وإن كانت بنصف النهار؟ قال: وإن كانت
(٠ - ٦٢ )

٤٩٠
معارف السنن
ج - ٤
بتصف النهار ١ هـ».
فلا ريب أن هذا نحو تعبير فى المبالغة فى التعجيل ، وله نظائر فى التأخير
أيضاً ، فليكن ذاك من هذا القبيل ألبتة .
نعم الجمع بين الصلاتين لا يصدق إلا إذا صلى العشاء متصلاً بصلاة
المغرب ، ولعل لفظ الجمع فى الرواية أشكل على الحافلة . ويقول الشيخ فى
" تعليقاته على الآثار" (٢ - ٧٣): وما ذكر الحافظ من تعدد الواقعة فى
(٢ - ٤٧٢ و٤٧٨) فليس بظاهر لإتحاد السبب. قال أبو دائرد: وهذا يروى
عن أيوب عن نافع عن ابن عمر موقوفاً على ابن عمر أنه لم ير ابن عمر جمع بينهما
قط إلا تلك الليلة ، بعنى ليلة استصرخ على صفية ، ونافع عند النسائى يقول :
خرجت مع عبد الله بن عمر فى سفر يريد. أرضاً له فأتاه آت فقال: ((إن
صفية بنت أبى عبيد لما بها، فانظر إن تدركها الخ)، وهو القائل: ((أن ابن عمر
استصرخ على صفية وهو بمكة الخ)). كما عند أبى داؤد، وهو القائل: ((إنه
لم ير ابن عمر جمع بينهما قط إلا تلك الليلة)»، فأين التعدد؟ نعم وقع تعدد بإعتبار
العصرین والعشائین ، کما عند أبى دائد أيضاً انتهى كلامه . وهذا يكفى ويشفى .
فائدة : الجمع الوقتی أیضاً مجتهد فيه عندنا، كما يستفاد مما ذكره صاحب
"البحر" فى قصة السفر، (فإذن يصح اقتداءً بالإمام الذى رآه صبحاً عنده
على مذهبه ) حيث قال فى آخر المواقيت قبيل الأذان : وقد شاهدت كثيراً من
الناس فى الأسفار خصوصاً فى سفر الحج ماشين على هذا تقليداً للإمام الشافعى
فى ذلك، إلا أنهم يخلون بما ذكرت الشافعية فى كتبهم من الشروط له، فأحببت
إيرادها إبانة لفعله على وجهه لمريده الخ . قال الراقم: وأذكر أثرين لابن عمر
فى الجمع فى هذا الصدد، فربما يضطر الإنسان إلى الجمع مخافة فوت إحدى
الصلاتين فى بعض الأسفار لأسباب كثيرة . ففى " الكنز" (٤ - ١١٧ ) :

٤٩١
بيان شرائط جمع التقديم عند الشافعية وصلاة الاستسقاء
( باب ما جاء فى صلاة الاستسقاء )
حدثنا : يحى بن موسى نا عبد الرزاق نا معمر عن الزهرى عن عباد بن
تميم عن عمه :
إذا حضر أحدكم الأمر يخشى فوته فليصل هذه الصلاة ، يعنى الجمع بين الصلاتين
( ن عن ابن عمر ). وفيه: إذا بادر أحدكم الحاجة فشاء أن يؤخر المغرب
ويعجل العشاء ثم يصليهما جميعاً فعل. ( ابن جرير عن ابن عمر ) .
ثم شرائط جمع التقديم عند الشافعية :
(١) البداءة بالأولى .
(٢) نية الجمع عند تحريمة الأولى أو فى الأثناء ، وقيل: عند السلام أيضاً .
(٣) والموالاة .
ولجمع التأخير نية الجمع يكفى .
-: باب ما جاء فى صلاة الإستسقاء :-
الإستسقاء لغة: طلب السقيا، وهو المطر ، أو طلب السّى ، وهو
الإرواء. وشرعاً : طلب السقيا على وجه مخصوص من اللّه تعالى لإنزال الغيث
على العباد ودفع الجدب والقحط من البلاد . قال فى " البحر": وقد ثبت ذلك
بالكتاب والسنة والإجماع .
أما الكتاب فقوله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام حين أجهد قومه
القحط والجدب : ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم
مدراراً ) .
وأما السنة فصح فى الآثار الكثيرة: ((أن النبى عّ لّ استسقى مراراً)).
وكذا الخلفاء بعده، والأمة أجمعت عليه خلفاً عن سلف من غير نكير اهـ .

٤٩٢
معارف السنن
ج - ٤
وقال النووى فى "شرح مسلم": أجمع العلماء على أن الاستسقاء سنة، واختلفوا:
هل تسن صلاة أم لا؟ الخ ، وقال: ولا خلاف فى جوازه من غير صلاة .
قال مالك: الصلاة فى الاستسقاء سنة عند الجمهور، وإليه ذهب مالك والأوزاعى
والشافعى وأحمد ، كما فى " المغنى" و"العمدة"، وإليه ذهب أبو يوسف ومحمد
من أصحاب الإمام. والاستسقاء على أنواع ثلاثة، أحدها: الاستسقاء بالدعاء
من غير صلاة . الثانى: الاستسقاء فى خطبة الجمعة أو فى أثر صلاة مفروضة،
وهو أفضل من النوع الذى قبله . والثالث : وهو أكملها أن يكون بصلاة
ركعتين وخطبتين، وبتأهب قبله بصدقة وصيام وتوبة وإقبال على الخير ومجانبة
الشر آه. ذكرها النووى فى "شرح مسلم" (١ - ٢٩٢)، وكذا فى "شرح
المهذب" له عن " الأم"، وعامة الأعصاب، وسمى الأول فى " شرح المهذب".
الأولی پالأدنى، والثانی بالأوسط، والثالث بالأفضل. قال: ويستوى فى استحباب
هذه الأنواع أهل القرى والأمصار والبوادى والمسافرون الخ . والأول فى
حديث آبى الحم ، والثانى فى حديث أنس فى الصحيحين ، والثالث فى حديث
عبد الله بن زيد .
وقال أبو حنيفة: الصلاة ليست بسنة كما فى " مختصر القدورى" وغيره،
واستدل له فى "الهداية": بأنه فعله مرة وتركه أخرى فلم يكن سنة اهـ. قال
شيخنا : يربد أنها ليست بسنة مؤكدة ، فلا ينكر نفس سنيتها وندبها ، حيث
قال : فعله مرة ، ويكفى هذا للندب والاستحباب، وإنما السنة تستدعى المواظبة
وقد رد الشيخ بن الهمام فى " الفتح" (١ - ٤٣٧) على الحافظ الزيلعى فى فهمه
نفى الصلاة عن كلام "الهداية" بأنه لو تعدى بصره إلى قدر سطر ... لم يحمله
على الثفى مطلقاً آهـ. واستدل ابن عابدين لتدب الصلاة من كلام " الهداية"
أيضاً. وكذلك صرح المحقق ابن أمبر الحاج فى " الحلية" وغيره أن أبا حنيفة

٤٩٣
تحقيق المذاهب فى سنية الصلاة فى الاستسقاء
قائل بالجواز ، ورد على نقل بعض المتعصبين بأنها بدعة ، كما حققه ابن عابدين
فى "رد المحتار"، وكذلك صرح ابن عابدين بجواز الجماعة فيها، قال: وهو
الموافق لما ذكره شيخ الإسلام، وجزم به فى "غاية البيان" معزياً إلى شرح
الطحاوى .
فتلخص أن الصلاة فى الاستسقاء بجماعة مندوبة عند الحنفية أو مشروعة على
الأقل ، وليست بسنة مؤكدة ، فصار الخلاف بين الأئمة فى تأكد الصلاة فيه
وكونها بجماعة، فعندهم يجوز الاستسقاء بغير صلاة كما عندنا يجوز بصلاة. أريد
أن الأصل عندهم فيه الصلاة والجواز بغيرها ، وعندنا الأصل فيه الدعاء ،
ويظهر بعد البحث والفحص أن الدعاء عليه المدار عند الكل، فهو الأصل،
وهل الصلاة سنة مؤكدة لكماله أم لا ؟ موضع خلاف ، فمناط الخلاف أمر
اجتهادى محض، لأنه ثبت عنه عَل لٍّ دعاء فقط، ودعاء وصلاة وخطبة ، فهل
المناط على أمر واحد أو على الأمور معاً ؟ فقال أبو حنيفة باستنان الدعاء فقط،
وقال أحمد باستنان الصلاة والدعاء دون الخطبة ، وقال مالك والشافعى يجميعها،
وقال أبو يوسف وأحمد باستنان خطبة واحدة ، وقال محمد والشافعى بخطبتين .
ثم الخطبة هل هى قبل الصلاة أو بعدها؟ فيه أيضاً خلاف بناءً على
اختلاف الروايات فيه ، ولعل الكل واسع .
فهذا هو منشأ الخلاف فليحفظ . ثم ما ذهب إليه أبو حنيفة هو مذهب
ابراهيم النخعى كما فى «العمدة" (٣ - ٤٢٩). وقال شيخنا رحمه الله فى تعليقاته
على "الآثار": أجمل أصحابنا صورها، ومنها الإكتفاء بالدعاء ، فحكموا
باستحباب الصلاة، كما فى " رد المحتار"، وفصلها الشافعية فأفردوا قسماً بحكم
السنية ، ونظير ذلك جماعة الصلاة مع أعذار تركها ، فمن فصل أوجبها ، ومن
أجمل حكم بكونها سنة، ولها خطبة فى " الكنز" (٤ - ٢٩٠) ورجاله ثقات
١هـ. ثم رأيت فى "المغنى" لابن قدامة (١٢٩٤٠١): فإذا خرجوا بغير

٠٤٩٤
معارف السنن
ج - ٤
إذن الإمام دعوا وانصرفوا بلا صلاة وخطبة ، نص عليه أحمد انتهى . فعلم أن
الصلاة والخطبة عنده عند وجود الإمام أو إذنه، وعنه الصلاة من غير جماعة عند
عدم إذن الإمام .
قال الشيخ : ويستفاد من كلام ابن الهمام فى " فتح القدير" تضييق فى
مشروعية الصلاة على نقل بعض المشائخ ، والأولى فيه التوسعة ، كما يستفاد من
نقول غيره . واحتج الحنفية لمذهبهم بالتنزيل العزيز فى "سورة نوح" حيث علق
إنزال المطر ودفع الجدب بالدعاء والاستغفار. وبما فى " سنن سعيد بن منصور"
بسند جيد عن الشعبى رضى الله عنه قال: (( خرج عمر يستسقى فلم يرد على
الاستغفار ، فقالوا : ما رأيناك استسقيت؟ فقال: لقد طلبت الغيث بمجاديح
السماء الذى يستنزل به المطر ، ثم قرأ: ( استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل
السماء عليكم مدراراً واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه ))). أخرجه أبو البركات ابن
تيمية فى "المنتقى" فى ( باب الاستسقاء) بذوى الصلاح ، وذكره الزبيدى فى
" الإتحاف" مسنداً من طريق وكيع عن سفيان عن مطرف عن الشعبى الخ، وهو
إسناد صحيح ، وأخرجه العينى فى "العمدة" (٣ - ٤٤١) وقال بسند جيد إلى
الشعبى، وقد احتج البدر العينى بنحو ستة عشر حديثاً لمذهب أبى حنيفة فى عدم
سنية الصلاة فيه فى "العمدة" (٣ - ٤٤٠ و٤٤١) من شاء فليراجعها . ورواه
ابن أبى شيبة مختصراً عن وكيع عن عيسى بن حفص بن عاصم عن عطاء بن أبى
مروان الأسلمى عن أبيه قال: (( خرجنا مع عمر بن الخطاب يستسقى فما زاد
على الاستغفار)). ذكره فى "العمدة" (٣ - ٤٢٩).
قال الراقم: وهو إسناد صحيح. والمجاديح جمع مجدح كمنبر، ومجاديح
السماء أنواؤها كما فى "القاموس" .
واعلم أن الشافعية لم يلاحظوا نوعى الاستسقاء بغير الصلاة، فحكموا بسنية
الصلاة فيه اعتباراً للنوع الثالث الذى فيه الصلاة، والحنفية لاحظوا الأنواع كلها

بيان منشأ اختلاف حكم الصلاة فى الاستسقاء والقراءة سراً وجهراً ٤٩٥
((أن رسول اللّه بَّكالج خرج بالناس يستسفى فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة
فلم يمكنهم الحكم إلا بالندب فقط .
. وهذا بعكس ما يقع فى حكم صلاة الوتر، فنظر الشافعية إلى جميع أنواعها
فحكموا بالسنية ، والحنفية اعتبروا منها قسماً خاصاً فحكموا بالوجوب . ونظير
ذلك ما سلف عن الشيخ الجماعة للمكتوبات، فمن راعى فيها أعذار الترك خفف
فى حكمها ، ومن لاحظ جهة واحدة فى الأحاديث من الأمر والوعيد للتارك
شدد فى حكمها فأوجبها . وهذه مرحلة من مدارك الإجتهاد تختلف فيها الأفكار
والآراء .
ثم القراءة فيها سرية عند أبى حنيفة وجهرية عند صاحبيه ومالك والشافعى
وأحمد ، كما فى كتب مذاهبهم من " المغنى" و"المجموع" وغيرهما ، والجهر
سنة عندهم ، وكذا قال محمد بالخطبتين فيه بعد الصلاة وبتحويل الرداء للإمام
فقط، كما فى "مختصر القدورى" و"الهداية". وقول أبى يوسف مضطرب
نقله ، فذكره الحاكم فى "الكافى" مع أبى حنيفة والكرخى مع محمد ، كما فى
"العناية" . ثم مالك والشافعى وأحمد يقولون بتحويل الرداء للإمام والقوم
جميعاً ، ومحمد بن الحسن والليث وبعض أصحاب مالك للإمام دون القوم ، كما فى
"بداية المجتهد"، وهو قول سعيد بن المسيب وعروة والثورى أيضاً، كما فى
"العمدة" و"المغنى" (٢ - ٢٨٩). وذكر فى " العمدة" (٣ - ٤٢٩):
وقت التحويل عند مضى صدر الخطبة ، وبه قال ابن الماجشون ، وفى رواية
ابن القاسم بعد تمامها : وقيل بين الخطبتين ، والمشهور عن مالك بعد تمامها ،
وبه قال الشافعى اهـ. وفى كيفية التحويل وجوه ذكرها فى "العمدة"
و "الفتح". والوجه فى تشريعه التفاؤل، وقد جاء مصرحاً فى " المستدرك" من
حديث جابر وصححه ، وكذا فى حديث أنس ذكرهما ابن الهمام فى "الفتح".
٣٢

٤٩٦
معارف السنن
ج - ٤:
فيها وحول رداءه ورفع يديه واستسقى واستقبل القبلة )) .
وفى الباب عن ابن عباس وأبى هريرة وأنس وآبى اللحم . قال أبو عيسى :
قوله : ورفع يديه الخ. ذكر صاحب " البحر" وغيره: أن يجعل بطون
اليدين إلى الأرض وظهورهما إلى السماء كما فى دعاء الرهبة ، وتقدم تفصيله فى
( باب صفات الدعاء الأربع ) عن محمد بن الحنفية منقولاً عن " النهاية "
و "البحر" و"شرح المنية" وغيرها فى (باب الإشارة) فراجعه. وروى عن
مالك هذه الكيفية أيضاً . قال فى "العمدة" (٣ - ٤٥٧ ): وكان مالك يرى
رفع اليدين فى الاستسقاء وبطونها إلى الأرض ، وذلك العمل عند الاستكانة
والخوف وهو الرهب ، وأما عند الرغبة والسؤال فيسط الأيدى وهو الرغب،
وهو معنى قوله تعالى: (ويدعوننا رغباً ورهباً) آهـ. وفى " المرقاة" (٢
- ٢٨٤): وروى عن أحمد: ((أنه عليه الصلاة والسلام كان يفعل الأول
إذا استعاذ، والثانى إذا سأل اهـ. وفيه ابن لهيعة كما فى " التلخيص" ( ص
- ١٥١ ) .
قال النووى فى "شرح مسلم" (١ - ٢٩٣): قال جماعة من أصحابنا
وغيرهم: السنة فى كل دعاء - لرفع بلاء كالقحط ونحوه - أن يرفع يديه ويجعل
ظهر كفيه إلى السماء، وإذا دعا لسؤال شئ وتحصيله جعل بطن كفيه إلى السماء ،
واحتجوا بهذا الحديث اهـ. ويريد به حديث مسلم عن أنس بن مالك: ((أن
النبى حَ لّ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء)) وفى رواية: ((كان النبي وَهُ
لا یرفع یدیه فی شئ من دعائه إلا الاستسقاء ، فإنه رفع بدیه حتی یری بیاض
إبطيه)). رواه الشيخان من حديث أنس.
وقيل: النفى وارد على الرفع البليغ لا مطلق الرفع . قال النووى فى " شرح
مسلم": هذا الحديث ظاهره أنه لم يرفع ◌ٍَّ إلا فى الاستسقاء، وليس الأمر

٤٩٧
بيان سبب رفع الأيدى فى الاستسقاء
حديث عبد الله بن زيد حديث حسن صحيح . وعلى هذا العمل عند أهل العلم ،
وبه يقول الشافعى وأحمد واسمق .
واسم عباد بن تميم هو : عبد اللّه بن زيد بن عاصم المازنى .
حدثنا : قتيبة نا اللیث عن خالد بن یزید عن سعيد بن أبى ملال عن زید
كذلك بل قد ثبت رفع يديه عَّله فى الدعاء فى مواطن غير الاستسقاء، وهى
أكثر من أن تحصى، وقد جمعت منها نحواً من ثلاثين حديثاً من " الصحيحين"
أو أحدهما ، وذكرتها فى أواخر (باب صفة الصلاة) من "شرح المهذب" اهـ.
قال الراقم : وهو فى المطبوع فى الجزء الثالث ( ص - ٥٠٧) وما بعدها .
وما أول به النووى بمثله أول التوربشى والطيق والعينى وابن حجر وغيرهم .
فقال الطیی : أی رفع کل الرفع حتى تتجاوز رأسه ویری بیاض
إبطيه إذا لم يكن عليه ثوب الخ . وقال: قالوا: فعل ذلك تفاؤلاً بتقليب الحال
ظهراً لبطن ، وذلك نحو صنيعه فى تحويل الرداء ، وإشارة إلى ما يسأله ، وهو
أن يجعل بطن السحائب إلى الأرض لينصب ما فيه من الأمطار (١ - ٥٧٠ )
مخطوط . ومثله فى "شرح التوربشتى على المصابيح" كما فى "التعليق الصبيح".
ومثله فى " فتح الحافظ" وغيره.
و کذلك هو فی " مراسیل أبی دائد" . وقوله: فإنه يرفع بدیه حی ری
بياض إبطيه" قرينة على ذلك الرفع البليغ .
قوله: واسم عم عباد بن تميم هو: عبد الله بن زيد بن عاصم المازنى. وكذلك
صرح به مسلم لكنه ليس أخاً لأبيه وإنما قيل له عمه ، لأنه كان زوج أمه ،
وقيل : كان تميم أخا عبد اللّه لأمه، أمهما أم عمارة نسبية، قاله الحافظ فى
"التلخيص" ( ص - ١٤٩).
( ٢ - ٦٣ )

٤٩٨
معارف السنن
ج - ٤
ابن عبد الله عن عمير مولى آبى اللحم عن آبى اللحم: ((أنه رأى رسول اللّه ◌َلاهه
هند أحجار الزیت یستسقى وهو مقنع بكفیه يدعو » .
قال أبو عيسى : كذا قال قتيبة فى هذا الحديث عن آبى اللحم ، ولا نعرف
له عن النبى معٍَّ إلا هذا الحديث الواحد. وعمبر مولى آبى الحجم قد روى عن
النبى ◌َِّّج أحاديث ، وله صحبة.
قوله : عند أحجار الزيت . أحجار الزيت موضع بالمدينة ، وسمى بها
لسواد أحجارها كأنها طلبت بالزيت، كما فى "القاموس" وغيره . ثم إنه وقع
فى حديث عبد الله بن زيد فى الصحيح فى ( باب تحويل الرداء فى الاستسقاء )
خروجه فَرٍّ إلى المصلى والمصلى كان صحراء لا بناء فيه على ما صرح به السمهودى
وهو غربى المدينة ، وهل هو مصلى العيد أو غيره؟ وهل المصلى كان واحداً
أو متعدداً؟ راجع لذلك " تاريخ السمهودى"، وكان الخروج فى الاستسقاء فى
رمضان سنة ست من الهجرة على ما صرح به ابن حبان ، ذكره الحافظان ،
وثبت استسقاءه فى بعض الغزوات ، كما فى بعض كتب السيرة النبوية . ثم إن
استسقاءه عَلَّهُ وقع ست مرات، كما ذكره صاحب "المواهب اللدنية؟"، وثبتت
صلاته فىواحدة منها دون خمسة أخرى إلا أن يقال باجتزاء ركعتى الجمعة بدل ركمتى
الاستسقاء فى واحدة أخرى ، وهذا أيضاً بدلك على عدم تأکد الصلاة فيه بل
على المشروعية أو الندب فحسب ، كما اختاره إمامنا فقيه الأمة رحمه اللّه تعالى ،
وفيما ذكرنا كفاية فى البحث والله سبحانه ولى التوفيق .
والإمام عند الدعاء يستقبل القبلة ، ويجوز أن يستقبل القوم ، وأما القوم
فيستقبلوا القبلة . المذكور فى كتب الفقهاء من المذاهب الأربعة استقبال الإمام
القبلة عند الدعاء ، وهو المرئ ى فى الأحاديث، وهو أمر مندوب، ويجوز غيره
والله أعلم

٤٩٩
الإختلاف فى الاستسقاء كالإختلاف فى صلاة العيدين
حدثنا: قتيبة نا حاتم بن اسماعيل عن هشام بن اسحاق وهو: ابن عبد الله بن
كنانة عن أبيه قال : أرسلنى الوليد بن عقبة وهو أمير المدينة إلى ابن عباس
أسأله عن استسقاء رسول اللّه عَّ الجهل، فأتيته فقال: ((إن رسول اللّه عَلَ﴾ خرج
.متبدا" متواضعاً متضرعاً حتى أنى المصلى فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل
فى الدعاء والتضرع والتكبير ، وصلى ركعتين كما كان يصلى فى العيد )).
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .
حدثنا : محمود بن غيلان نا وكيع عن سفيان عن هشام بن اسحاق بن عبد الله
ابن كنانة عن أبيه، فذكر نحوه، وزاد فيه: ((منخشعاً)).
قوله : كما كان يصلى فى العيد . التشبيه عندنا فى كون الصلاة ركعتين وفى
وقت صلاة العيدين ، وقال الشافعى فيها بالتكبيرات مثل العيدين ، وهو رواية
عن أحمد ، وهو قول ابن المسيب وعمر بن عبد العزيز ومكحول وابن جرير ،
و ذهب جمهور العلماء إلى أنه یکبر فیھا کسائر الصلوات تكبيرة واحدة للإفتتاح،
وهو قول مالك والثورى والأوزاعى وأحمد واسماق وأبى ثور وأبى يوسف ومحمد
فى المشهور عنه ، وغيرهما من أصحاب أبي حنيفة، كما فى "العمدة" و"المغنى".
قال العينى : كما يصلى فى العيدين ، يعنى فى العدد والجهر بالقراءة، وكون
الركعتين قبل الخطبة، وما ذكروا فيه من رواية ابن عباس عند الدار قطنى والحاكم
والبيهقى من سبع تكبيرات فى الأولى وخمس فى الثانية فضعيف بمحمد بن عبد العزيز
وبأبيه عبد العزيز ، ومعارض بحديث أنس عند الطبرانى ، وفيه : لم یکبر فيهما
إلا تكبيرة . أنظر تفصيله فى "نصب الرأية" و"العمدة"، وروى عن محمد بن
الحسن أيضاً ، رواه ابن كأس عنه كما فى "رد المحتار"، وقال: والمشهور
عنها أنه لا يكبر كما فى "الحلية" اهـ. وابن كأس ثقة وإن كان غير مشهور، ومن

٥٠٠
معارف السنن
ج - ٤
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ، وهو قول الشافعى . قال :
يصلى صلاة الاستبقاء نحو صلاة العيدين: يكبر فى الركعة الأولى سبعاً ، وفى
الثانية خمساً ، واحتج بحديث ابن عباس .
قال أبو عيسى: وروى عن مالك بن أنس أنه قال: ((لا يكبر فى صلاة
الاستسقاء كما يكبر فى صلاة العيدين)) .
طريقه إسنادنا إلى محمد فى "مؤطئه". وابن كأس هو: أبو القاسم على بن محمد
ابن الحسن بن كأس النخعى القاضى الكوفى، روى عن محمد بن على بن عثمان،
وروى عنه أبوالقاسم المطرزى والمسكى أستاذ أستاذ الصيمرى ، وله " الأركان
الخمس" مات سنة ٣٢٤ - هـ. كذا فى " الجواهر" القرشى .
هذا ختام الجزء الرابع من "معارف السنن" شرح جامع الترمذى،
ويليه الجزء الخامس وأوله : "باب ما جاء فى صلاة الكسوف"
وذلك يوم الجمعة، الثانى من شعبان المعظم سنة ١٣٨٨ هـ
والحمد لله أولاً وآخراً