Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ بيان أداء الوتر أول الليل أو آخر الليل على اختلاف الأحوال ( باب ما جاء فى كراهية النوم قبل الوتر ) حدثنا : أبو كريب نا زكريا بن أبى زائدة عن إسرائيل عن عيسى بن أبى عزة عن الشعبى عن أبى ثور الأزدى عن أبى هريرة قال: ((أمرنى رسول الله حَ لّ أن أوتر قبل أن أنام)). كثير منه . والثانى : أن المراد " بالوتر" صلاة الليل مع الوتر ، فسماها بالخاتمة والعبرة الخواتيم والله أعلم . -: باب ما جاء فى كراهية النوم قبل الوتر :- ذكر فقهاؤنا رحمهم الله أن من يثق بالإنتباه يؤخر الوتر إلى آخر الليل ، ومن لم يثق فليصلها قبل النوم ، وقد أسلفنا بعض ما يتعلق بالمسألة فى ( باب ما جاء أن صلاة الليل مثنى مثنى) وذكر أن مذهب الشافعية فيه كمذهب الحنفية فالفقهاء رحمهم الله تعالى قد وفقوا بين الأحاديث المتعارضة بذلك وحملوا أحاديث الأمر بالإيتار آخر الليل لمن يثق بالإستيقاظ وحملوا الأمر على الندب . وجاء حديث جابر عند مسلم الذى ذكره الترمذى فى آخر الباب شارحاً للأحاديث المطلقة فى الباب. ((وكان أبو بكر الصديق يؤتر قبل النوم ، وعمر الفاروق بعد ما يستيقظ من النوم، فقال النبىٍٍّ لأبى بكر: ((أخذت بالحزم)) وقال لعمر: ((أخذت بالقوة)). رواه أبو داؤد فى "سننه" وكذا ابن خزيمة من حديث أبى قتادة كما فى "العمدة" (٣ - ٤١١) وكذا الحاكم وصححه والطبرانى . ورواه "ابن ماجه" و"ابن حبان" و "الحاكم" و"البزار" من حديث ابن عمر أيضاً، كما فى "التلخيص" ( ص - ١١٧). والحديث هذا أيضاً شارح للأحاديث المطلقة ومبين لأن الأمر بالإيتار آخر الليل كان للندب لا غير . وبعض هذا مروى فى " مؤطأ" مالك فى الأمر بالإيتار من طريق يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: ((كان أبو بكر الصديق إذا أراد أن يأتى فراشه أوتر . وكان ١٨٢ معارف السنن ج - ٤ قال عيسى بن أبى عزة : وكان الشعبى يؤثر أول الليل ثم ينام . وفى الباب عن أبى ذر ، قال أبو عيسى : حديث أبى هريرة حديث حسن غريب من هذا الوجه ، وأبو ثور الأزدى اسمه : حبيب بن أبى ملكية . وقد اختار عمر بن الخطاب يؤثر آخر الليل )) اهـ. وقد ذكر من يؤثر أول الليل ومن يؤتر آخره . وثبت أن النبى حَ﴾ أوصى أبا هريرة بالوتر قبل النوم، رواه البخارى ومسلم وأحمد وغيرهم من حديث أبى هريرة قال: (( أوصافى خليلى بثلاث: صيام ثلاثة أيام فى كل شهر ، وركعتى الضحى ، وأن أوتر قبل أن أنام )) . وفى لفظ للبخاری فی صلاة الضحى: « أوصافی خلیلی بثلاث لا أدعهن حتى أموت : صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى ، ونوم على وتر)). وبمثل هذه الوصية لأبى هريرة وصيته بَّم لأبى الدرداء فيما رواه "مسلم" قال: (( أو صافی حبیبی بثلاث لا أدعهن ما عشت الخ )) . وبمثل ذلك وصيته لأبى ذر فيما رواه "النسائى" قال: ((أوصانى خليلى بثلاث لا أدعهن إن شاء اللّه أبداً الخ)). وفى كل ذلك استحباب تقدم الوتر على النوم لكل من لم يثق بالإستيقاظ وتخصيص هؤلاء الثلاثة بهذه الثلاثة ، لأنهم لم يكونوا من أصحاب الأموال فأرشدهم إلى الصلاة والصيام لأنها أشرف العبادات البدنية . هذا ملخص ما فى "العمدة" (٣ - ٦٧١) و"الفتح" (٣ - ٤٧). قال الشيخ: فى أبى هريرة : وذلك لأنه كان يذاكر أول الليل الأحاديث التى حفظها ، فكان يحتمل أن لا يستيقظ آخر الليل . قوله : وأبو ثور الأزدى اسمه : حبيب الخ . فى كنى التهذيب : وجزم بذلك الترمذى ، وفرق الحاكم أبو أحمد وغيره بينهما ، ذكره ابن حبان فى "الثقات" اهـ. ومثله فيه (٢ - ١٩٢): قال: وفرق بينهما مسلم والحاكم ١٨٣ ثبوت وتره چځ أول الليل وآخره ◌َّ ومن بعدهم: أن لا ينام الرجل قوم من أهل العلم من أصحاب النبي حتى يؤتر . وروى عن النبى معَّ ال أنه قال: ((من خشى منكم أن لا يستيقظ من آخر الليل فليؤتر من أوله ، ومن طمع منكم أن يقوم من آخر الليل فليؤتر من آخر الليل ، فإن قراءة القرآن فى آخر الليل محضورة وهى أفضل )). حدثنا بذلك هناد قال نا أبو معاوية عن الأعمش عن أبى سفيان عن جابر عن النبى وجَّه . ( باب ما جاء فى الوتر من أول الليل وآخره ) حدثنا : أحمد منيع نا أبو بكر بن عياش نا أبو حصين عن يحيى بن وثاب أبو أحمد وغيرهما ، قال أبو زرعة : ثقة ، وأخرج له الترمذى هذا الحديث . وأبو داؤد حديثاً فى فضل عمان اهـ ملخصاً . قوله : محضورة . أى تحضرها ملائكة الرحمة . -: باب ما جاء فى الور من أول الليل وآخره :- ثبت إيتاره مَ الٍ فى كل جزء من أجزاء الليل، واستقر آخر أمره فى آخر الليل . ثم إن حديث عائشة هذا أخرجه الجماعة بألفاظ مختلفة تجد بعض تفصيلها فى "العمدة" ( ٣ - ٤١٠) . ودل الحديث على أن الليل كله وقت للوتر، لكن أجمعوا على أن ابتداءه مغيب الشفق بعد صلاة العشاء فلا يجوز تقديمه على صلاة العشاء على ما نقله ابن المنذر وغيره ، غير أن الحافظ فى " الفتح" يحكى عن بعضهم أنه يدخل وقته بدخول العشاء . قال البدر العينى : قد يكون أو تر من أوله لشكوى حصلت ، وفى وسطه لاستيقاظه إذ ذاك ، وآخره غاية له، ويقال فعله حَل ◌ٍّ أول الليل وأوسطه بيان للجواز، وتأخيره إلى آخر الليل تنبيه ١٨٤ معارف السنن ج - ٤ عن مسروق أنه سأل عائشة عن وتر النبي صَ لّ فقالت: ((من كل الليل قد أوتر، أوله، وأوسطه، وآخره ، فانتهى وتره حين مات فى وجه السحر )). قال أبو عيسى : أبو حصين اسمه : عثمان بن عاصم الأسدى . وفى الباب عن على وجابر وأبى مسعود الأنصارى وأبى قتادة . قال أبو عيسى : حديث عائشة حديث حسن صحيح ، وهو الذى اختاره بعض أهل العلم : الوتر من آخر الليل . على الأفضل لمن يثق بالإنتباه اهـ. وقال الشهاب العسقلانى : ويحتمل أن يكون اختلاف وقت الوتر بإختلاف الأحوال، فحيث أوتر فى أوله لعله كان وجعاً، وحيث أوتر وسطه لعله كان مسافراً ، وأما وتره فى آخره فكأنه كان أغلب أحواله لما عرف من مواظبته على الصلاة فى أكثر الليل والله أعلم اهـ. قوله : فى وجه السحر . السحر : آخر الليل قبيل الصبح . ومنه " والمستغفرين بالأسحار". قال الزجاج: السحر من حين يدبر الليل إلى أن يطلع الفجر الثانى . وقال ابن زيد : السحر هو سدس الليل الآخر ، حكاه القرطبى فى "تفسيره" (٤ - ٣٨). وقال الراغب فى "مفرداته": هو إختلاط ظلام آخر الليل بضياء النهار، وجعل اسماً لذلك الوقت اهـ. قال الراقم: هو اسم لوقت مخصوص بعده الفجر من أربعة وعشرين اسماً بأربعة وعشرين وقتاً فى يوم وليلة على ما ذكرها علماء اللغة ، وعلى كل حال ورد فى رواية لمسلم: ((فانتهى وتره إلى آخر الليل)) وهو المراد به فليكن فى آخره قبيل الفجر الصادق والأمر ظاهر . قوله : اختاره بعض أهل العلم . منهم : عمر ، وعلى ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وابن عمر ، وغيرهم من الصحابة والتابعين ، كما أسلفنا من قبل ، وبعض السلف كانوا يؤترون أول الليل ، منهم : أبوبكر ، وعثمان ، و بو هريرة وغيرهم كما فى "العمدة" وغيرها . ١٨٥ حديث الوتر بسبع من فعله علـ رسى (باب ما جاء فى الوفر بسبع) حدثنا : هنادنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الجزار عن أم سلمة قالت: ((كان النبي ◌َّ لم يؤثر بثلاث عشرة، فلم كبر و ضعف أوتر بسبع)) . وفى الباب عن عائشة . قال أبو عيسى : حديث أم سلمة حديث حسن . وقد روى عن النى حَ لّ: ((الوتر بثلاث عشرة، وإحدى عشرة، وتسع وسبع وخمس وثلاث وواحدة )) . -: باب ما جاء فى الوتر بسبع :- نقول فى السبع : أربع منها صلاة الليل وثلاث منها الوتر ، وتردد بعض المحدثين فى ثبوت سبع ركعات، والحق ثبوت ذلك، كما تقدم فى (باب ما جاء فى وصف صلاة النبي ◌ِّ بالليل) وليراجع هناك تفصيل البحث فلا نعيده. قوله : يؤثر بثلاث عشرة . تقدم أن الركعتين فيها ركعتا الفجر أو بعدية العشاء أو ركعتا افتتاح صلاة الليل بدليل روايات عائشة فى الصحيح كما سبق بيانها . قوله : كبر . كفرح ، كبراً كعنب: طعن فى السن ، وهو الذى أريد هنا كما فى رواية سعيد بن هشام عند مسلم وغيره: ((فلما أسن وأخذه اللحم أوتر بسبع ركعات)). وأما كبر كبراً وكبراً - بالضم - وكبارة - بالفتح - فمعناه: عظم، نقيض صغر كما فى "القاموس" وغيره . قوله: وواحدة، قال الشيخ: نسبة الإيتار إليه عَ ل﴾ بواحدة غير صحيح ( ٢ - ٢٤ ) ١٨٦ معارف السنن ج - ٤ قال اسحاق بن ابراهيم: معنى ما روى ((أن النبي ◌َّ كان يؤتر بثلاث عشرة)) قال: إنما معناه أنه كان يصلى من الليل ثلاث عشرة ركعة مع الوتر فنسبت صلاة الليل إلى الوتر .. وروى فى ذلك حديثاً عن عائشة. واحتج بما روى عن النبى حَ لّ قال: ((أوتروا يا أهل القرآن)) قال: إنما عنى به قيام الليل، يقول: إنما قيام الليل على أصحاب القرآن . فإنه لم يثبت عنه عَ لّ الوتر بركعة منفردة لا يكون قبلها شئ أصلاً، أى لم يثبت عنه بَ لٍ فعلاً، وأما قولاً فللخصم أن يستدل بما فى رواية عند أبى داؤد وغيره من حديث أبى أيوب: ((الوتر حق فمن شاء أوتر بخمس ، ومن شاء بثلاث ومن شاء بواحدة )) ويأتى تحقيق الكلام فيه . نعم ثبت ذلك عن بعض الصحابة من غير شك كما تجد تفصيل ذلك فى "قيام الليل" لا بن نصر. قوله : قال اسماق . بريد اسحاق أن حقيقة الوتر هو إيتار ما قبله ، وذلك لا يتحقق إلا بركعة واحدة ، لا أن الوتر ركعة واحدة ، ثم إن قوله يدل على إطلاق الوتر على تمام صلاة الليل . قوله : حديثاً عن عائشة . لعله يشير إلى حديث القاسم بن محمد عن عائشة رضى الله عنها قالت: ((كان النبي ◌ِّ ظلّ يصلى من الليل ثلاث عشرة ركعة ، منها الوتر وركعتا الفجر)). رواه البخارى فى "صحيحه". وفى رواية "مسلم" من هذا الوجه: ((كانت صلاته عشر ركعات ويؤثر بسجدة ويركع ركعتى الفجر))، فتلك صلاة ثلاث عشرة، فافهم والله أعلم . قوله : إنما عنى به الخ . دل ذلك على أن اسحاق يريد بـ " أهل القرآن" حفاظه . ٠ ١٨٧ حديث الوتر بخمس وتحقيق عدم الجلوس فيهن ( باب ما جاء فى الوثر بخمس ) حدثنا اسحاق بن منصور أنا عبد الله بن نمير نا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ((كانت صلاة رسول اللّه عَ لٍّ من الليل ثلاث عشرة ركعة"، يؤثر من ذلك بخمس لا يجلس فى شئ منهن إلا فى آخرهن ، فإذا أذن المؤذن قام فصلى ركعتين خفيفتين)). -: باب ما جاء فى الوتر بخمس :- قوله : لا يجلس فى شئ منهن إلا فى آخر هن . حدیث الباب مشكل ويستدعى بعض بسط فى حل الإشكال وتوضيح الغرض المطلوب . واستدل الشافعية بمثله مشياً على ظاهر اللفظ ، بأن من صلى خمساً أو سبعاً أو تسعاً بقعدة واحدة صح ذلك . قال النووى فى "شرح مسلم" : وإنه يجوز جمع ركعات بتسليمة واحدة ، وهذا لبيان الجواز ، وإلا فالأفضل التسليم من كل ركعتين، وهو المشهور من فعل رسول اللّه ◌َّ له الخ. وأشد اشكالاً منه ما عند مسلم فى "صحيحه" فی (باب صلاة الليل ) ( ١ - ٢٥٦) فی حديث طويل من طريق سعيد عن قتادة عن زرارة عن سعد بن هشام عن عائشة ، وفيه : ((أنبثينى عن وتر رسول اللّه حَال﴾ ؟ فقالت: كنا نعد له سواكه وطهوره فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل ، فيتسوك ويتوضأ ويصلى تسع ركعات لا يجلس فيها إلا فى الثامنة، فيذكر اللّه ويدعوه ويحمده ثم ينهض ولا يسلم ، ثم يقوم فيصلى التاسعة، ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم يسلم تسليماً اهـ)). فظاهر الحديث يدل على أنه فٍّ كان لا يسلم على الركعتين ولا على الأربع ولا على الست بل يقعد على الركعة الثامنة ويسلم على التاسعة . ولم يتصد إلى الجواب عنه إلا الحافظ البدر العينى فى " العمدة" (٣ - ٤٠٨ و ٤٠٩ ) فأجاب عنه غير أنه لم يذكر مأخذه وقال : هذا اقتصار منها على بيان جلوس الوتر ١٨٨ معارف السنن ج - ٤ وفى الباب عن أبىأيوب . قال أبوعيسى : وحديث عائشة حديث حسن صحيح. وقد رأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي وَيُّ وغيرهم: الوتر بخمس، وقالوا: لا يجلس فى شيئ منهن إلا فى آخر هن . وسلامه ، لأن السائل إنما سأل عن حقيقة الوتر ولم يسأل عن غيره ، فأجابت مبينة بما فى الوتر من الجلوس على الثانية بدون سلام والجلوس على الثالثة بسلام، وهذا عين مذهب أبى حنيفة ، وسكتت عن جلوس الركعات التى قبلها وعن السلام فيها ، كما أن السؤال لم يقع عنها فجوابها قد طابق سؤال السائل ، غير أنها أطلقت على الجميع وتراً فى الصورتين لكون الوتر فيها اهـ . قال الشيخ رحمه الله: الجواب صحيح ، وقد أشار الطحاوى إليه فى "شرح معاني الآثار" فى ( باب الور) (١ - ١٦٥) وذكر فى (١ - ١٦٩): غير أن ما رواه هشام ابن عروة عن أبيه فى ذلك: ((أن النبى معَةٍ كان يؤثر بخمس لا يجلس إلا فى آخرهن)) لم نجد له معنى ، وقد جاءت العامة عن أبيه وعن غيره عن عائشة بخلاف ذلك ، فما روته العامة أولى مما رواه هو وحده وانفرد به اهـ . قال الشيخ : ومأخذه عندى أن حديث الباب أخرجه النسائى فى " سنْنه" بنفس ذلك السند عن عائشة: ((إن رسول اللّه ◌َلخلي كان لا يسلم فى ركعتى الوتر)) أخرجه فى ( باب كيف الوتر بثلاث) (١ - ٢٤٨ ) من طريق سعيد عن قتادة الخ . وأخرجه الإمام محمد بن الحسن وابن نصر وابن أبى شيبة والطحاوى والبيهقى والدار قطنى كلهم من طريق "سعيد". فهذا يدل دلالة واضحة على أن المذكور فى حديث عائشة الطويل هو حال الوتر ، وسند الحديث فى غاية القوة ، فشيخ النسائى فيه هو : اسماعيل بن مسعود ، وهو أبو مسعود الجحدرى البصرى ثقة كما فى " التقريب". وشيخه بشر بن المفضل من رجال الجماعة ثقة ثبت عابد كما فى "التقريب". والبقية من رجال الشيخين. ١٨٩ تحقيق حديث: الوتر بثلاث لا يسلم إلا فى آخر هن وسعيد بن أبى عروبة وإن كان مدلساً لكنه صرح بالتحديث فى رواية يزيد عنه عند الدار قطنى ، ويزيد بن زريع من أثبت الناس فى سعيد ، كما فى " كتاب الضعفاء" للنسائى، كما حكاه الشيخ السهالوى فى " حاشية نصب الرأية" . وسعيد أثبت الناس فى قتادة كما قال ابن أبى خيثمة ، وقال أبو داؤد الطيالسى: وهو أحفظ أصحاب قتادة كما فى "التهذيب". ثم كل واحد منهم قد توبع كما فى " كشف الستر"، و" تعليق النيموى على آثار السنن" (٢ - ١١) وراجعهما للتفصيل . فإذن لا ريب أن الحديث صحيح ، وصححه ابن حزم والحاكم أيضاً كما سيأتى . وليضم هذه بما رواه مسلم ، ورواية النسائى هذه أخرجها محمد بن نصر فى "قيام الليل" (ص - ١٢٢ ) وتأول فيها ، فقال بعد ما رواها : فهذا عندنا قد اختصره سعيد من الحديث الذى ذكرناه ، ولم يقل فى هذا الحديث : ((إن النبى عَلّ أوتر بثلاث لم يسلم فى الركعتين))، فكان يكون حجة لمن أُوتر بثلاث بلا تسليم فى الركعتين، إنما قال: ((لم يسلم فى ركعتى الوتر))، وصدق فى ذلك الحديث : أنه لم يسلم فى الركعتين ، ولا فى الثلاث ، ولا فى الأربع ، ولا فى الخمس، ولا فى الست، ولم يجلس أيضاً فى الركعتين كما لم يسلم فيها اهـ. قال الشيخ : تأويله هذا ركيك جداً، فإن ألفاظ الحديث ترده ، وهى أربعة، منها : ما ذكرناه من لفظ " النسائى"، ورواه " الطحاوى" به (١ - ١٦٥) من "شرح معاني الآثار"، وبهذا اللفظ أخرجه ابن حزم فى " المحلى" (٣ - ٤٧) وصححه كما فى حاشية "نصب الرأية"، ومنها: ما فى "مستدرك الحاكم" (١ - ٣٠٤) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخر جاه، وأقره الذهبي فى "تلخيصه". ولفظه: ((كان رسول اللّه ◌َ لّ لا يسلم فى الركعتين الأوليين من الوتر))، ومنها: ما فى "المستدرك" أيضاً بلفظ: ((كان رسول اللّه ◌َ له يؤثر بثلاث لا يسلم إلا فى آخرهن))، أخرجه "الزيلعي" (٢ - ١١٨) بهذا اللفظ وعزاه إليه. وحكاه ١٩٠ معارف السنن ج - ٤ الحافظ ابن حجر فى "الدرابة" (ص - ١١٤) بلفظ الزبلعى ، وفى " الفتح " (٢ - ٤٠٠) بلفظ: ((يؤتر بثلاث لا يقعد إلا فى آخرهن)). قال الراقم: ومثله فى " التلخيص" له، ورواه " البيهقى" أيضاً بهذا اللفظ من طريق أبان عن قتادة (٣ - ٣١) وقال: ورواية أبان خطأ اهـ، ولعل منشأ التخطئة هو نفى القعود على الركعتين . وقد أخرج قبله رواية سعيد عن قتادة ، وفيها : "لا يسلم " بدل لا يقعد. وإذا كان تأويله على ما أفاده شيخنا صح الحديث من غير حاجة إلى القول بالتخطئة . قال الشيخ : وراجعت ثلاث نسخ "للمستدرك" فلم أجده فيها بلفظ الزيلعى، وإنما فيها: ((وكان لا يقعد الخ))، قال: وظنى أنه لابد أن يكون فى نسخة باللفظ الذى حكاه " الزيلعى" فإنه متثبت جداً فى النقل ينقل عن الأصل بلفظه ، وإن كان النقل بالواسطة فيذكرها . وقد فاق الحافظ ابن حجر فى التثبت والإحتياط فى النقل، والزيلعى قال بعد نقل حديث " المستدرك" هذا : انتهى . فهذا يدل على أنه حكاه بلفظه من غير واسطة . قال الراقم : وهو كذلك فى نسخة " المستدرك" المطبوعة بدائرة المعارف بالهند ، وكانت عند الطابعين أربع نسخ مختلفة ، واجتهدوا فى تصحيحها ولم ينبهوا هنا على الإختلاف ، فأصاب الشيخ رحمه الله فى ظنه . إذا قالت حذام فصدقوها - فإن القول ما قالت حذام . والمراد من نفى القعود هو قعدة الفراغ للتسليم دون التشهد . وبالجملة روايتا الحاكم نص فى الباب بأن : الوتر ثلاث لا يسلم إلا فى آخرهن . قال الشيخ فى " تعليقاته على الآثار": لم يقل: لا يتشهد - أى بدل لا يجلس - وكان هو المعروف، لأنه لم يرد نفيه ، وأراد جلوس تروح ولبث وقفة ، ولا يحسن التعبير بجلوس اهـ . ١٩١ تحقيق ثلاث الوتر من غير سلام قال الشيخ : فالحاصل أنه ورد بهذه الألفاظ الأربعة بل هناك لفظ خامس عند أحمد فى " مسنده " (٦ - ١٥٥ و١٥٦) من طريق يزيد بن يعفر عن الحسن عن سعد بن هشام عن عائشة: ((إن رسول اللّه ◌ُجَ لٍ كان إذا صلى العشاء دخل المنزل ثم صلى ركعتين ثم صلى بعدهما ركعتين أطول منها ثم أوتر بثلاث لا يفصل بينهن)) اهـ . وفيه يزيد بن يعفر متكلم فيه ؛ قال الذهبى فى "ميزانه" (٣ - ٣١٩): ليس بحجة، قال: وقال الدار قطنى: يعتبر به اهـ. وقال ابن حجر فى " لسانه" (٦ - ٢٩٦): وذكره ابن حبان فى "الثقات" اهـ . قنبيه : وقع فى " الميزان": يزيد بن يغفر بالغين المعجمة، وفى " اللسان" يزيد بن يعقوب، وكلاهما من خطأ الناسخ . والصحيح: يزيد ابن يعفر كما فى نسخة " المسند"، وكما فى "تعجيل المنفعة" (ص - ٤٥٥) وضبطه فقال : بفتح المثناة التحتانية وسكون المهملة وضم الفاء اهـ . وأخرجه مجد الدين ابن تيمية فى " المنتقى" ، ثم قال: إن أحمد ضعف إسناده. ويعارضه ما عنه فى "زاد المعاد": وقال حارث: سئل أحمد عن الوتر؟ قال : يسلم فى الركعتين ، وإن لم يسلم رجوت أن لا يضر إلا أن التسليم أثبت عن النبى حَلّ. قال الشيخ: ثم ظهر لى أن تضعيف أحمد إنما هو بإسناده الذى أخرجه هو به دون أسانيد أخرى، وصاحب "المنتقى" جعله حديثاً واحداً بألفاظ ثم نقل التضعيف ، وإنما يتمشى فى إسناد أحمد لا النسائى ، وهذه الكلمات ملفط الشيخ فى تعليقاته على " الآثار" . قال الراقم عفا الله عنه: وفى " مغنى ابن قدامة" (١ _٧٨٧ ) فإن أحمد قال : إنا نذهب فى الوتر إلى ركعة وإن أوتر بثلاث أو أكثر فلا بأس هـ . فزال ما يتوهم أن أحمد كيف يضعف إسناده وهو يقول يجواز الوتر ثلاثاً بتسليم . ١٣ ١٩٢ معارف السنن ج - ٤ وبالجملة إسناد النسائى حجة لا تفرد فيه ولاشذوذ ، وتأويل ابن نصر فيه غير نافذ . فإذن الحديث نص فى نفى التسليم على الركعة الثانية من ثلاث الوتر ، ويترك بمثله ظواهر الأخبار الدالة على السلام على الثانية ، كحديث : ((فأوتر بواحدة)) وغيره المتبادر من ظاهر اللفظ ما ذهب إليه الشافعية. ونحن لو لم نجد نصاً صريحاً يخالفه لعملنا به ، غير أنا وجدنا نصاً صريحاً كشف الستر عن الحقيقة فرجعنا إليه ، فالجواب فى نفى الجلوس فى حديث السبع عند مسلم وغيره ، وحديث التسع والخمس ، كله على شاكلة واحدة المذكور فيه حال الوتر دون الأشفاع التى قبلها . ويؤيد ذلك حديث آخر من حديث أبي بن كعب عند " النسائى" (١ - ٢٤٨) فى (باب كيف الوتر بثلاث) . قال أخبرنا يحيى بن موسى نا عبد العزيز ابن خالد ثنا سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن عزرة عن سعيد بن عبد الرحمن. ابن أبزى عن أبيه عن أبى بن كعب قال: ((كان رسول اللّه عَلّ يقرأ فى الوتر بـ "سبح اسم ربك الأعلى"، وفى الركعة الثانية بـ"قل يا أيها الكافرون "، وفى الثالثة بـ "قل هو الله أحد"؛ ولا يسلم إلا فى آخرهن)). وتخريج النسائى فى "صغراه" يدل على أنه صحيح عنده . قال الشيخ: وصححه الحافظ زین الدین العراقى . أقول: لم أقف على تصحيح العراقى مع بحث وفحص ، والشيخ النيموى يقول: إسناده حسن اهـ. قال الراقم: ويحيى بن موسى ثقة كما فى "التقريب" وهو البلخى ، لقبه " خت"، وعبد العزيز بن خالد الترمذى مقبول ، قاله فى " التقريب"، وسعيد وقتادة كلاهما من رجال الجماعة ، وعزرة لعله عزرة بن عبد الرحمن الخزاعى الكوفى ، دون عزرة بن تميم وإن كان يروى قتادة عنها جميعاً، فإن ابن عبد الرحمن الخزاعى هو الذى يروى عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى دون ابن تميم فهو ثقة . وذكره ابن حبان فى ١٩٣ بيان أن حديث عائشة فى الصحيح حجة فى الثلاث بغير سلام الثقات . ثم رأيت فى "التهذيب" (٣ - ٤٢٤ ) أن حديث الوتر هو لعزرة ابن عبد الرحمن. وبالجملة الحديث لا ينزل عن الحسن واللّه أعلم . فهذان حديثان مرفوعان صحيحان فى نفى السلام على ركعتى الوتر . وأما حديث "عائشة" حديث "الصحيحين " أخرجه الجماعة "البخارى" فى مواضع من "صحيحه"، منها: فى قيام النبى معَ لّ فى رمضان وغيره. و " مسلم" فى (باب صلاة الليل): ((يصلى أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلى أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلى ثلاثاً اهـ)). فيتبادر منه أفى السلام على الثانية . ومن أجل هذا بوب عليه النسائى فى "سننه" بقوله: ( باب كيف الوتر بثلاث ) ، وأخرج فيه حديث عائشة هذا ، وحديثها : ((كان لا يسلم فى ركعتى الوتر)). فالنسائى حملها على مورد واحد، وهو الوتر ثلاثاً بسلام واحد. وكذلك حديث عائشة عند " أبى داؤد" (١ - ١٩٣ ) ( باب فى صلاة الليل )، ورواه أحمد وغيره: (( يؤثر بأربع وثلاث ، وست وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث الخ))، يتبادر منه الثلاث بسلام واحد . قال الشيخ: فإذا اعتبرنا روايات عائشة كلها فى الباب ظهر محمل حديث الباب من غير تكلف ، واستقام الجواب الصحيح منه ومن حديث مسلم ، وما شاكله من الروايات . علا أن حديث عروة عن عائشة حديث الباب أعله مالك، وأنكر على هشام روايته ، وقال : منذ خرج هشام إلى العراق أتانا ما لا نعرف منه. كما فى "شرح المواهب" عن أبى عمر ابن عبد البر صاحب " التمهيد " ، ومالك يرويه عن عروة عن عائشة فى "مؤطئه" ( ص - ٤٢ ) ولا يذكر فيه هذه الزيادة أى قوله: ((ولم يجلس إلا فى آخرهن)). وليس إنكار مالك على ثلاث عشرة ركعة فإنه رواها كذلك هو نفسه ، ولا على الركعتين بعد الوتر ( م - ٢٥ ) ١٩٤ معارف السنن ج - ٤ فإنه لم يثبت ذلك عنده، ولم يكن فى رواية عروة ذكرهما . وبالجملة فليس النكير منه إلا على تلك الزيادة . ثم إن صاحب "مشكاة المصابيح" قد عزا حديث عائشة: (( كان يؤثر بخمس الخ)) إلى " الصحيحين"، وقد سها فيه فإنه لم يروه إلا مسلم أفاده الشيخ . وكذلك نبه عليه الشيخ النيموى فى "آثاره " ، نعم فى " سنن أبى داؤد" عن ابن عباس: (ثم أوتر بخمس لم يجلس بينهن))، وقد سها الحافظ فى "تلخيصه" فعزاه إلى البخارى، وإنما فيه فى الإمامة: ((فصلى خمس ركعات)) وليس فيه: ((ولم يجلس بينهن)) نبه عليه النيموى. قلت: وكذلك سها ابن قدامة فقال بعد ذكره: متفق عليه، أنظر " المغني" (١ - ٧٩٤) وهذا القدر يكفى ههنا للجواب عن حديث عائشة . وللشيخ رحمه الله فصل مستقل فىالبحث عن حدیثسعد بن هشام عن عائشة فى "كشف الستر"، وددت أن أذكره ملخصاً وملتقطاً لكى يتم البحث من نواحيه وتستنير منه زواياه كلها تكملة للشرح ولم أتحاش عن الإعادة فى بعض فإنها لا تخلو عن إفادة وبالله التوفيق . قال رحمه الله : حديث سعد بن هشام عن عائشة حديث كثير الطرق عندهم مطولاً ومختصراً، ومنها سياق مسلم فى "صحيحه" وفيه: ((ويصلى تسع ركعات لا يجلس فيها إلا فى الثامنة الخ )) ورواه "أحمد" و"أبو داؤد" و"النسائى" بهذا السياق أيضاً، وفى رواية لهم نحوه، وفيها: ((فلما أسن وأخذه اللحم أوتر بسبع ركعات لم يجلس إلا فى السادسة والسابعة ولم يسلم إلا فى السابعة))، وفى رواية " للنسائى" قالت: ((فلما أسن وأخذه اللحم صلى سبع ركعات لا يجلس إلا فى آخرهن)) كما فى "المنتقى". وبالجملة الحديث أخرجوه عن سعيد، و هو أبسط الطرق عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام عنها ، وعن غير سعيد ، وعن غير قتادة ، وعن غير زرارة ، أيضاً . وفى لفظ للنسائى من ١٩٥ البحث عن حديث عائشة من طريق هشام بن عروة (باب كيف الوتر بسبع) قالت: ((كان رسول اللّه عَ لّ إذا أوتر بتسع ركعات لم يقعد إلا فى الثامنة، فيحمد الله ويذكره ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم ، ثم يصلى التاسعة فيجلس فيذكر الله عزوجل ويدعو ، ثم يسلم تسليمة يسمعنا ثم يصلى ركعتين فصدرت بقولها: ((كان رسول اللّه عَ ل﴾ إذا أوتر بتسع ركعات)) وذكرت فعل شرط ، فدل على أن هناك صوراً أخرى أيضاً ، وإن الركعتين جالساً خارجتان من إطلاق الوتر على كل حال . وما ذلك إلا لمكان الجلوس فيهما ، فالوتر ما هو قائماً، وما هو فى آخر صلاة الليل ، وقولها فيه : ((وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتى عشرة ركعة ، كان لا يدع الوتر لا فى السفر ولافى المرض ))، وإذا صلى الوتر فى الليل ثلاثاً كان على هذا أن يكون قضاء صلاة الليل عشراً ، لأن أكثر صلاته بالليل ثلاث عشرة ركعة فقد يخال والله أعلم أن الشفع الموصول بالوتر له جهتان : صلاة ليل ، و جزء من الوتر، فإذا قضى فى وقته مع سائر صلاة الليل فذاك ولم تظهر جهتان ، وإذا فاتت صلاة الليل انفرزت الجهتان وأثرت كل. وهكذا يكون الأمر فى الحكم المجردة ، والمصالح المرسلة لا تظهر فى محل العمل ، وقد تظهر فى محل غيره ككون الصلاة ذكراً فى قوله تعالى: ( وأقم الصلاة لذكرى) ظهر فى محل التشبه بالمصلين وفى شدة الخوف ، ولا يخفى هذا على من له غور فى أصول الفقه ، وكما كان الحجازيون يقولون بالقول كثيراً أن الشفع للوتر لازم ، ومع هذا فقد خرجت الواحدة عند الأعذار كالمرض والسفر وظهرت عندهم ، وكما أن كون الفريضة مثنى قبل الهجرة ، ظهر الآن فى حالة السفر ، وهكذا حكم الجهات المتعددة فى الشئ تظهر فى محل لا فى محال . وعلى كل حال الجواب منه أن هذا الحديث قد أخرجه محمد بن الحسن فى "مؤطئه" و" ابن أبى شيبة" و"النسائى" و"الطحاوى" و" محمد بن نصر" و "الدار قطنى" و "الحاكم" و"البيهقى" فى " السنن" و"المعرفة" كلهم بعين هدا ١٩٦ معارف السنن ج - ٤ الإسناد عن سعيد عن قتادة عن زرارة عن سعد بن هشام ، أن عائشة حدثته : ((أن رسول اللّه عَ لٍّ كان لا يسلم فى ركعتى الوتر))، وفى لفظ عندهم: ((كان لا يسلم فى الركعتين الأوليين من الوتر))، وفى لفظ عند " الحاكم": ((كان يؤتر بثلاث لا يقعد إلافى آخرهن)»، وفى المسند (٦ - ١٥٥) متابعة لهم بلفظ: ((ثم أوتر بثلاث لا يفصل فيهن ثم صلى ركعتين وهو جالس اه)). وهذا الحديث صحيح ، صححه "الحاكم" ووافقه " الذهبى". وما فى "المنتقى" للمجد ابن تيمية : وقد ضعف أحمد إسناده اهـ. فيحتمل أن يكون ضعف ذلك الإسناد الذى أخرجه هو به فى "مسنده" وهو كذلك حيث أخرجه من طريق يزيد بن يعفر ولم يخرجه بغيره فيه ، أو يكون اختار الفصل ، فذهب يعل ما خالفه ، وكثيراً ما يقع لهم كذلك . فينبغى للإنسان أن يرى فى نحو ذلك أمره. وقد قال البيهقى فى "المعرفة": وبهذا النوع من الترجيح ترك البخارى رواية هشام عن عائشة فى الوتر، ورواية سعد بن هشام عن عائشة فى الوتر، فلم يخرج واحدة منهما فى "الصحيح" مع كونها من شرطه فى سائر الروايات . لكن لا يكفى هذا للناظر فى أمره لأنه قد علم من عادته أنه إذا اختار جانباً فى المسألة لم يأت بشى الجانب الآخر . ولكن إخراج أحمد إياه فى " مسنده" يدل على قبوله ، وكأنه حمل عدم الفصل فيه على الموالات ، لا على عدم التسليم . وإذا علمت هذا فقد فصل هؤلاء أمر الوتر فى حديث سعيد ، وإنه ثلاث لا يسلم إلا فى آخرهن، وإنه بقعدتين، لأن الثانية فى هذه الألفاظ هى الثامنة فى لفظ الآخرين، والآخرة ههنا هى التاسعة هناك، وكذا الأمر فى السادسة والسابعة . وكل الألفاظ متقاربة متصادقة بينت على اعتبارات مناسبة فى العبارات ، والسادسة والسابعة أو الثامنة والتاسعة هى فى الأصل ثانية الوتر وثالثتها ، ولابد لوحدة الحديث من ذلك . ثم لك فى التوجيه وجوه : إما أن تقول : لا تحتاج إلى توجيه أصلاً لأنه ١٩٧ شرح قولها : لا يقعد إلا فى آخرهن نوهاجمبـ حديث واحد لم يذكر فيه بعضهم ما ذكره الآخر أو ذكر كل ما لم يذكره الآخر ، فلا نحتاج إلى تأويل لحمل لفظ أحدهم على تمام لفظ الآخر ، بل هو زائد وناقص، فنلتقط الزيادات، ويتلخص ويخلص من البين أن الوتر ثلاث والباقى صلاة الليل ، فأجمل فى العد ، ثم لما أتى على ذكر صفة الوتر ، ذكرها وترك ذكر الفصل فى صلاة الليل ، لأنه لم يكن من قصده ، أو إحالة على المعهود فى صلوات متغايرة . وعلى هذا لا حاجة لك إلى تأويل الشوكانى فى نفى القعدة على السادسة فى لفظ قد مر للنسائى : بأنه أراد نفى قعدة للسلام ، ولا إلى ما ذكره النسائى بنفسه فيه من اختلاف الرواة ، وإنه اختلاف ، فإنه ليس اختلاف تناقض بل هو تفنن فى التعبير ، ولا ضير فيه . وإما أن توجه بأن يصدق ما ذكره هذا على ما ذكره الآخر ، فإذن أحسن التوجيهات ما تأخذه من اللفظ ، فقيد قوله : "لا يجلس فيها إلا فى الثامنة" بأن المراد قعدة بهذه الصفة المذكورة بأن لا يسلم عليها، وتكون قعدة بعدها قعدة الوتر إلى آخر الصفة المذكورة ، وما اعتبر فيها فلم تكن قبل ذلك قعدة بهذه الصفة وإن كانت فى الواقع لا على هذه الصفة . فكان من قصده ذكر قعدة الإيتار أو قعدة للإيتار ، وهو الذى كان فى صدر الكلام ، وكان السؤال عنه ، وجاءت صلاة الليل لكونها فى السلسلة . وكذا قولها : "لا يقعد إلا فى آخرهن"، أى قعود للوتر ليطابق ما فصل فى الألفاظ الأخر من القعود الثامنة والتاسعة ، أو السادسة والسابعة ، وهى ثانية الوتر وثالثتها. وأيضاً فقد دلت بقولها: ((لم يقعد إلا فى الثامنة)) أن قعود الوتر أو نقول : قعوداً للوتر ، لا يكون إلا فى الآخر ، وهذا ربما يعده الناظر تافهاً لا قيمة له ، وليس الأمر كذلك بل هو محط الكلام ، وله أهمية أى تأخيره من بين الصلاة إلى آخرها ، هو الذى أفادته وأرادته ، فنقلته من السلسلة إلى موضعه ، ولم تذكر ما سواه لأنها لم تسأل عنه تعييناً للغرض ١٩٨ معارف السنن ج - ٤ المطلوب من أمر الآخرية ، فأتقن هذا ، فأمر الوتر كما قيل : فألقى عصاه واستقر به النوى - كما قرعيناً بالإياب المسافر وقد أجزته وقلت : وكم مهد الإنسان أول أمره - وكان محط الرحل ما هو آخر وفى "المسند" (٦ - ٣٥٣) عن الأسود عنها قالت: ((كان رسول اللّه عَ لٍ يصلى من الليل حتى يكون آخر صلانه الوتر)). وهو عند "أبى دائؤد" أيضاً. وإذن فالغرض فى نفى القعود أو نفى السلام إنما هو بملاحظة قدر الوتر فقط من بين الجملة دون الجملة كلها . ولاحرج فى إرجاع الضمائر إلى الجملة ، مع كون المقصود حصة الوتر بعد كشف حقيقة الأمر عند المخاطب أو فى الواقع بروايات أخرى عنها . ثم إن محمد بن نصر فى "قيام الليل" والبيهقى فى " المعرفة" قد أشارا إلى تأويل فيه، وقالا: إن قولها: ((كان لا يسلم فى ركعتى الوتر )) مختصر من المطول، يريد أن المعنى ((كان لا يسلم فى الركعتين من الوتر)) - أى لا فى أربع ولا فى الست - حتى يجلس عليها ، وعلى السابعة فيسلم ، وهكذا فى الثامنة والتاسعة ، كذا أرادا ، وهذا أقل ما يقال فيه أنه من قبيل ع : حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء فإنها قد صرحت أنه كان يؤثر بثلاث كما فى " مستدرك الحاكم"، و صححه على شرطهما كما نقله فى "نيل الأوطار". والعلماء ينقلون عن "المستدرك" أشياء لا توجد فى النسخة المطبوعة ، وله نظائر ، فالوتر ثلاث لا محالة ، فمن العجيب يعيبون على الحنفية تأويلاتهم وهم يؤولون كذلك، فره فيه رأيك والله المستعان . فحديثها: ((كان لا يسلم فى ركعتی الوتر))، أو ((كان لا يسري فى الركعتين ١٩٩ التطبيق فى روايات عائشة المتعددة الأوليين من الوتر)) أو ((كان يؤتر بثلاث لا يقعد إلا فى آخرهن))، كل ذلك استثناء من حديثها: ((كان يصلى إحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين و يؤثر بواحدة))، وإلا فسياق كل حديث فى عادته حَ لٍّ لا فى واقعة جزئية وعمل جزئى أحياناً، فتتعارض. وكذا حديثها: ((كان يؤثر بأربع وثلاث الخ)). وكذا حديثها فى قراءة الوتر بسور ذكرتها. وكذا حديثها: (( كان يصلى أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن ــ إلى أن قالت ـ : ثم يصلى ثلاثاً))، فقد وقع فى حديثها تناوب فى التعبير بالواحدة تارة وبالثلاث أخرى ، فالأول حيث أرادت بيان ما يتقوم به الإيتار حقيقةً . والثانى حيث أرادات بيان ما وقع عليه فعله فَ ليّ بدون الغرض الأول بل بياناً للواقع فقط، وروايات عائشة تشابه وتلائم روايات ابن عمر من جهة بيان المثنوية والوحدة فقط ، وتختلف عنها فى بيان الفصل فى الوتر فعلاً ، ولا ريب أن الفصل فى الوتر فعلاً موقوف على ابن عمر ومبنى على اجتهاده ، وإلا تناقض أحاديثها أحاديثه ، وأحاديثها هى الفاصله فى المسألة، وهى أعلم أهل الأرض بوتر رسول اللّه ◌َد جاجه وقيامه ليلاً . وبالجملة قد جاءت رواياتها من وجوه عديدة ، واتفقت فى المعنى ، والمرفوع يجب أن يكون متوافقاً ألبتة . والوصل هو عمل أكثر الصحابة والسلف فى وتر رمضان . ثم إنه لا يخفى أنه إذا اختلف التعامل وكان هناك انتشار جرت هناك مسامحات من الرواة وأخذوا كما يقوله الشافعى طريق المجرة ، ومثل هذا جرى فی صلاة الكسوف وبعد ذلك ينبغى لك أن تنعم النظر وتمعن فى قولها : ((كان لا يسلم فى ركعتى الوتر )) يحصل أن الركعتين عندها من الوتر تعدهما فى هذا السياق منه . وما عند "الطحاوى" و"الدار قطنى" عنها: ((إن رسول اللّه عَ لّه كان ٢٠٠ معارف السنن ج - ٤ يقرأ فى الركعتين اللتين كان يؤتر بعدهما بـ " سبح اسم ربك الأعلى"، و"قل يا أيها الكافرون "، ويقرأ فى الوتر: "قل هو الله أحد"، و"قل أعوذ برب الفلق"، و"قل أعوذ برب الناس"، ففيه تجزئة وإفراز. ثم رواه "الطحاوى" بلفظ: ((كان يؤتر بثلاث)) فلا حرج فى الإعتبارات كما لا حرج فى العبارات "، يعد وضوح الغرض . وما عند ابن أبى حاتم فى "العلل" ( ص - ١٤٧ ) من هذه الطريق: (( كان يؤتر بثلاث يسلم بينهن ، فالظن أنه سقطت كلمة : "لا"، من النسخة كما فى سائر أحاديثها. وفى "منتخب الكنز" (٣ - ١٦٥) عنها: ((الوتر ثلاث كثلاث المغرب)) وهو على طريقته مرفوع . وأما حديثها من طريق هشام بن عروة عن أبيه عنها فقد أخرجه أحمد فى "مسنده" فى مواضع فى الجزء السادس ( ص - ٥٠ و٦٤ و١٦١ و٢٧٦ و ٢٠٥ و٢٣٠ )، وأخرجه " مسلم" و"أبو داؤد" و"التر مذى" و"النسائى" و "الطحاوى" وغيرهم. وعزاه فى " التلخيص" للإمام الشافعى، ولفظه عند "أبى داؤد" ويكفى شرحه قالت: ((كان رسول اللّه فَلّ بصلى من الليل ثلاث عشرة ركعة ، يؤثر منها بخمس لا يجلس فى شئ من الخمس حتى يجلس فى الآخرة فيسلم )). قال البيهقى: وقد تابعه محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عنها عند " أبى دائؤد" يريد فى السياق مع أنه خالفه فى عد ركعتين قبل الصبح من ثلاث عشرة . وهذا الحديث قد رواه عدد عن عروة ، وليس عندهم هذا السياق . وفتواه عند الطحاوى من السبعة بثلاث لا يسلم إلا فى آخرهن . ثم إن هشاماً کان یرویه فى الحجاز بغير هذا السياق ، وقد روی حدیث عروة مالك وآخرون بخلافه ، ولعله لهذا تركه البخارى فلم يخرجه فى "صحيحه" لأنه اختار الفصل كما ذكره البيهقى فى "المعرفة"، وقد أعله أبو عمر ابن عبد البر