Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
متعلقات بحث ركعتى الفجر بعد الإقامة
صلاة لمن دخل المسجد والإمام قائم يصلى فلا ينفرد وحده بصلاة ، ولكن
يدخل مع الإمام فى الصلاة)) رواه الطبرانى فى "الكبير"، وفيه يحيى بن عبد الله
البابلتى وهو ضعيف اهـ. وروى أن ابن معين قدم "حران" فطمع البابلى أن
يجيئه ، فوجه إليه بصرة فيها ذهب وطعام طيب فقبل الطعام ورد الصرة ، فلما
رحل سألوه عنه ، فقال: والله إن صلته لحسنة وإن طعامه لطيب إلا أنه
لم يسمع - والله - من الأوزاعى شيئاً. ذكره فى "التهذيب" (١١ - ٢٤١)
وبالجملة فحديث الباب يرويه ابن عمر ثم نجد عمله كما فى "شرح معاني الآثار"
(١ - ٢٢٠)، وقد اعترف الحافظ فى "الفتح" بصحته كما ذكرناه من قبل،
أنه صلاهما حين أقيمت الصلاة ثم دخل المسجد . وكذلك روى معناه ابن
عباس ، يأتى متن حديثه قريباً، ومع هذا عمله كما فى " شرح آثار الطحاوى"
(١ - ٢١٩) أنه صلاهما، ثم دخل مع الإمام ، فكل هذا يدل على أن حكم
المنع مخصوص بالمسجد خاصة .
وأما ثالثاً : فترجع إلى تعدد الأصول ، ونعتبر هل هناك فرق بين داخل
المسجد وخارجه ؟ فنجد الفرق بينهما فى نص الحديث ، فقد ورد مرفوعاً :
((إذا كنتم فى المسجد فنودى بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلى)) رواه أحمد
فى "مسنده" من حديث أبى هريرة قال: ((خرج رجل بعد ما أذن المؤذن
فقال: أما هذا فقد عصى أبا القاسم حَلّ، ثم قال: أمرنا رسول اللّه مَ} :
إذا كنتم فى المسجد. الحديث)). قال الهيثمى فى "زوائده" (٢ - ٥): رواه
أحد، ورجاله رجال الصحيح، ومن هذا القبيل - أى التقیید بالمسجد - حديث عثمان
عند ابن ماجه ، وحديث أبى هريرة عند الطبرانى فى " الأوسط"، كما فى
" العمدة" و "الفتح" و "زوائد الهيثمى" فى عدم الخروج بعد الأذان من "
المسجد، وقد تقدم. وكذلك فى حديث مرفوع: (( لا تزال الملائكة تصلي على
٠١- ١١

٨٢٠
معارف السنن
ج - ٤
أحد كم مادام فى المسجد))، رواه البخارى ومسلم والترمذى وغير هم من حديث
أبى هريرة مرفوعاً. وقد تقدم فى ( باب فضل القعود فى المسجد وانتظار
الصلاة ) . فانظر كيف جعل فى الأول مناط الحكم على من كان فى المسجد
دون من كان خارجه . وكيف جعل مدار دعاء الملائكة من كان فى المسجد
ينتظر الصلاة فى الثانى . والفرق بينهما فى مسائل الفقه فى كثير من الفروع مثل
كراهة الجماعة الثانية فى المسجد دون خارجه ، ومثل جواز نوم المعتكف فى
المسجد دون غيره ، وغير ذلك من مسائل فرعية . وأصل هذا الجواب لشيخنا
رحمه الله لم أره لغيره. المسألتان واضحتان والكلام فيها مبسوطة فى محله ، وقد
تقدم مسألة نوم المعتكف وبيعه وشرائه فى المسجد فيما تقدم فى أبواب المسجد
فليراجع . ومن هذا القبيل خروج الجنب عن المسجد إذا تذكر فى المسجد من
غير تيمم عند طائفة من الفقهاء دون جواز الدخول له من غير تيمم عندهم ،
وما إلى ذلك من فروع ومسائل فى الموضوع .
وأما رابعاً : فيحتمل أن يكون منشأ النهى هو عدم الفصل بين الفرض
والنفل، كما اختاره الطحاوى فى "شرح معاني الآثار" (١ - ٢١٨ و٢١٩)،
وأطال فيه البحث ، وملخصه : أن ما يقوله الشافعية من أن مناط حكم المنع فى
حديث الباب هو أداؤهما إذا شرع فى الإقامة ليس بصحيح ، حيث صح
إنكاره عَّج على من أدى الركعتين قبل الإقامة أيضاً فى حديث محمد بن
عبد الرحمن: أن رسول اللّه فَ ٣لي مربعبد الله بن مالك بن بحينة، وهو منتصب
يصلى ثمه بين يدى نداء الصبح فقال: ((لا تجعلوا هذه الصلاة كصلاة قبل
الظهر وبعدها ، واجعلوا بينهما فصلاً)) . وكذلك ورد الإنكار على من فرغ من
الفريضة وأراد أن يتطوع متصلا بها ، كما ورد فى حديث معاوية فى التطوع
بعد الجمعة ، فلما كان إنكاره فى الأحوال الثلاثة عند الإقامة وقيل الإقامة وبعد
الفريضة علم أن مدار الفهى والإنكار هو عدم الفصل فى المكان والخلط مع

تحقيق أنه يحتمل أن يكون النهى عن ركعتى الفجر بعد الإقامة لعدم الفصل ٨٣
الصفوف . والحافظ فى " الفتح" كأنه لم يتأمل فى كلامه من أنه يدعى الفصل
فى المحل ، فتعقبه بحديث ابن بحينة من أنه سلم من صلاته قطعاً ثم دخل فى
الفرض ، مع أن الطحاوى صرح بأن يكون بينهما فاصل من تقدم إلى مكان آخر
أو غير ذلك اهـ. فهو يريد الفصل. مكاناً وزماناً، ويحتج بأحاديث صريحة فى
غرضه وبالله التوفيق .
قال الشيخ : وما ذكره الطحاوى من حديث محمد بن عبد الرحمن
فإسناده قوى ، وأخرجه أحمد فى " مسنده"، وأخرجه غيره أيضاً بألفاظ
مختلفة تحتاج إلى بيان لطائف العربية ونكات البلاغة ، ليس هذا محل استيفاء
الكلام فيها ، ومنها أنه فيه الطرد والعكس أى إثبات المطلوب ونفى الضد .
أقول: رواه أحمد فى "مسنده" (٥ - ٣٤٥) من طريق عبد الرزاق عن
معمر عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن مالك بن
بحينة وفيه : ((لا تجعلوا هذه مثل صلاة الظهر قبلها وبعدها ، اجعلوا بينها
فصلاً)) وأخرجه فى " الكنز " عن الطبرانى فى "الكبير" و"مستدرك الحاكم"
(٤ - ٨٢ ) .
قال الشيخ : ثم إنه يرد على ما اختاره الطحاوى من أنه يلزم أن لا يفصل
فى المكان بين راتبة الظهر وفريضته ، ولم يقل بهذا أحد ، نعم كراهة مخالطة
الصفوف صحيحة كما فى "صحيح مسلم " من كتاب الجمعة فى فصل النهى عن
إيصال صلاة بصلاة الخ . (١ - ٢٨٨) قبيل كتاب صلاة العيدين ، ذكر
فيه حديث معاوية، وفيه: ((فإن رسول اللّه حَ الٍ أمرنا بذلك أن لا نوصل
صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج اهـ)) وقد رواه الطحاوى واستدل به .
قال الشيخ : بحث الطحاوى صحيح ، ومحمله ظاهر من أن الفصل هناك
مكاناً وزماناً ، وراتبة الظهر إن لم يفصل بينهما وبين الفريضة زماناً فهو جائز
من غير كراهة .

٨٤
معارف السنن
ج - ٤
قال الراقم : وقع فى حديث ابن عمر فى "صحيح البخارى " فى ( باب
التطوع بعد المكتوبة): ((فأما المغرب والعشاء ففى بيته)). قال الحافظ فى
" الفتح " (٣ - ٤١): استدل به على أن النوافل الليلية فى البيوت أفضل
من المسجد بخلاف رواتب النهار ، وحكى ذلك عن مالك والثورى آهـ .
قال الشيخ : ولعل الصحابة كانوا يصلون راتبة الظهر فى المسجد
لحديث ابتدار السواری وهو پێ فى البيت حدیث فيه عند أبى دائد ، فتحصل
أن الفصل بأداء السنة خارج المسجد ، وإن سنة الظهر قد تؤدى فى المسجد
بخلاف سنة الفجر اهـ .
وأما سنة المغرب فقد قال حَ لٍّ فيها: ((عليكم بهذه الصلاة فى البيوت))،
رواه النسائى بسند قوى فى (باب الحث على الصلاة فى البيوت) (١ - ٢٣٧)
من حديث كعب بن عجرة قال: ((صلى رسول اللّه حَ الٍل صلاة المغرب فى
مسجد بنى عبد الأشهل، فلما صلى قام ناس يتنفلون، فقال النبى عَّجُّ: عليكم
الخ)). وأخرجه أبو داؤد فى " سننه" أيضاً، وفيه حديث رافع بن خديج عند
ابن ماجه، وحديث ابن عمر عند الترمذى من فعله بَ له. ثم إن حديث كعب
ابن عجرة عزاه فى "الكنز" (٤ - ٨٥) إلى الترمذى ولم أجده، نعم أشار
إليه فى الباب والله أعلم .
وبالجملة المقصود فى حديث: ((لا تجعلوا هذه الصلاة الخ )) الفصل
بين راتبة الفجر وفريضته زماناً ومكاناً معاً . ثم قال الشيخ : إن للإقامة بعض
أثر فى مناط النهى والله أعلم. قال فى " تعليقاته": والأصوب فى حديث:
(( لا تجعلوا هذه مثل صلاة الظهر الخ)) تنزيله على نحو حديث أبى رمثة وهو
التمييز بين النافلة والمكتوبة ، ويعم فصل الزمان والمكان ونحو ذلك كالضجعة .
ومن ثم قال الشافعى كما فى "الفتح": تتأدى السنة بكل ما يحصل به الفصل
من مشى وكلام وغيره ، وهذا فى سنة الفجر آكد من سنة الظهر ، فأداء

٨٥
تحقيق أن المطلوب الفصل بين ركعتى الفجر والفريضة
وفى الباب عن ابن بحينة ، وعبد الله بن عمرو ، وعبد الله بن سرجس ،
وابن عباس ، وأنس . قال أبوعيسى : حديث أبى هريرة حديث حسن . و
هكذا روى أيوب ، وورقاء بن عمر ، وزياد بن سعد ، واسماعيل بن مسلم ،
ومحمد بن جحادة عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبى هريرة عن
النبى عَلٍّ. وروى حماد بن زيد وسفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار ، ولم
سنة الظهر فى البيت مثلاً، ثم أداء الظهر فى المسجد كأنه عمل وشغل واحد
لم ينقطع فى البين بخلاف الفجر . فالمثار فى هذه الأحاديث عدم الفصل وهو
ث سنة الفجر أكثر وأبلغ، وفى حديث ((إذا أقيمت الصلاة الخ)) الانتباذ
عن الجماعة ، والأمران يجتمعان ويفترقان ، وقد وردا مجموعاً عند ابن خزيمة
عن أنس . والطحاوى لما رأى الإنكار بهذا العنوان قبل الإقامة وبعدها وبعد
لفراغ حملها على عدم الفصل على نحو ما عند "مسلم" (ص - ٢٨٨): ((فإن
رسول اللّه عٍَّ أمرنا بذلك أن لا نوصل صلاة بصلاة الخ)) وأنت تعلم أن
لعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص المورد، وإن العبرة بمجموع ما صح فى الحديث،
وكأنه أعطى سنة الفجر وقتاً كالوتر فيما بعد العشاء، وهذا من أمارة التأكد .
نتهى مختصراً بجمع قطعات من مذكرته بعضه إلى بعض، هذا والله ولى التوفيق
والإعانة .
قوله : وفى الباب الخ . حديث ابن بحينة أخرجه الشيخان ، فالبخارى فى
(باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ) ومسلم فى (باب كراهة الشروع
فى نافلة بعد شروع المؤذن فى إقامة الصلاة ) ، وحديث عبد الله بن سرجس
أخرجه مسلم فى هذا الباب نفسه ، وعزاه فى " العرف الشذى" إلى الشيخين ،
ولعله سهو من الضابط . وحديث ابن عباس عند أحمد فى "مسنده" ( ١ -
٢٣٨). وقال الهيثمى فى "الزوائد" (٢ - ٥): ورجاله رجال الصحيح،

٨٦
معارف السنن
ج - ٤
يرفعاه ، والحديث المرفوع أصح عندنا ، وقد روى هذا الحديث عن
أبى هريرة عن النبى ◌َُّالجِ من غير هذا الوجه . رواه عياش بن عباس القتبانى
المصرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبىٍ عَلٍ. والعمل على هذا عند أهل
وإليه عزاه فقط، وعن ابن عباس حديث آخر عند"أحمد" (١ ـ٣٥٥) و"الطيالسى"
(ص - ٣٥٨) وابن خزيمة وابن حبان والبزار والحاكم كما فى "الفتح" (٢
- ١٢٦) و"العمدة" (٢ - ٧١٠)، وعزاه الهيثمى (٢ - ٧٥) إلى الطبرانى
فى "الكبير" وأبى يعلى ، قال: ورجاله ثقات . وحديث أنس رواه ابن
خزيمة كما فى "العمدة"، ورواه مالك والبزار بحذف واختصار ، وقد تقدم
بيانه مفصلاً .
وأما حديث عبد الله بن عمرو فلعل الصحيح عبد الله بن عمر ، أخرجه
الدار قطنى فى "الأفراد"، قاله الشيخ.
قال الراقم : حديث عبد الله بن عمر أحاله فى " شرح المنتقى" إلى أفراد
الدار قطنى، وقال: قال العراقى: وإسناده حسن اهـ. وحديث عبد الله بن
عمر الذى فيه البابلتى قد تقدم ، وعزاه الهيثمى ( ٢ - ٧٥) إلى الطبرانى فى
"الكبير"، ولعله هو هو والله أعلم.
وبالجملة لم أجد حديث عبد الله بن عمرو: ((مرفوعاً، نعم عند الدولابى فى
"الكنى" (٢ - ٨٢) أثر عبد الله بن عمرو أنه: «كبر فى الصلاة النافلة وأقيمت
الصلاة فتقدم إلى الصلاة وترك النافلة )) .
قوله : رواه عياش بن عباس القتبانى. هذه متابعة حدیث عمرو بن دينار،
وما ذكره من قبل كان متغلقاً بحديث عمرو بن دينار مختلفاً عليه فى الرفع و
الوقف ، ولو صح متابعة عياش لرجح رفع الحديث ، وأيد الذاهبين إليه
كالشافعية وغيره ، وأخرجه الطحاوى فى " شرح الآثار" من طريق فهد عن

٨٧
بيان تصحيح حديث إذا أقيمت الصلاة ورفعه
العلم من أصحاب النبي ◌َّه﴾ وغيرهم: إذا أقيمت الصلاة أن لا يصلى الرجل إلا
المكتوبة . وبه يقول سفيان الثورى وابن المبارك والشافعى وأحمد وإسحاق .
أبى صالح عن الليث عن عبد الله بن عياش بن عباس عن أبيه عن أبى سلمة عن
أبى هريرة ، وقد روى عنه البخارى فى المتابعات ، فلا يكون أنزل من رواة
الحسن . وتقدم الكلام فيه غير مرة ، وهو عبد الله بن صالح المصرى أبو
صالح ، وابن عياش صدوق يغلط . وكذا فى "التقريب". قال : وأخرج
له مسلم فى الشواهد اهـ. وأخرجه أحمد فى "مسنده" (٢ - ٣٥٢) من طريق
ابن لهيعة عن عياش بن عباس عن أبى تميم الزهرى عن أبى هريرة الخ على خلاف
ما عند الطحاوى، فعنده أبو تميم الزهرى بدل أبى سلمة وهو مجهول ، وأبو تميم
من رجال أحمد فلا يتوهم سهو الناسخ ، فإذن وقع تردد فى صحة الحديث .
قال الحافظ فى "تعجيل المنفعة برجال الأربعة" من الكنى: أبو تميم الزهرى
عن أبى هريرة وعنه عياش بن عباس القتبانى مجهول ، قاله الحسينى، وقد ذكره
الحافظ أبو أحمد فيمن لم يعرف إسمه ، وكذا ذكره ابن يونس فى ' تاريخ علماء
مصر" ولم يعرفا من حاله بشتى اهـ مختصراً.
قال الراقم: وذكره الحافظ فى "الفتح" (٢ - ١٢٥) وعزاه إلى
أحمد والطحاوى من طريق أبى سلمة عن أبى هريرة كأنه وقع عندهما أبو سلمة،
مع أنه وقع عند أحمد أبو تميم الزهرى ولم ينبه عليه .
ولقائل أن يقول : وأبو تميم وإن كان مجهولاً ولكنه تابعه أبو سلمة عند
الطحاوى كما تابع ابن لهيعة عند أحمد عبد الله بن عياش عند الطحاوى ، فإذن
الحديث أقل أحواله أن يكون حسناً والله أعلم .
قال الراقم : والحق أن يقال: إن الحديث رفعه صحيح ، فإن الرافعين
ثقات، والرفع زيادة وزيادة الثقات مقبولة كما تقدم غير مرة، علا أن الموقوف فى

٨٨
معارف السنن
ج - ٤
( باب ما جاء فيمن قوته الركعتان قبل الفجر يصليهما
بعد صلاة الصبح )
حدثنا محمد بن عمرو السواق نا عبد العزيز بن محمد عن سعد بن سعيد عن
مثله حجة ، نعم عارضه تعامل كثير من الصحابة والتابعين كما سلف ، فلوكان
موقوفاً فحسب لرجح عليه تعامل مثل عمر وعبد الله وأبى الدرداء وغيرهم ، و
لكن يقتضى أصولهم صحة الرفع وإن كان فى مرتبة هى دون مرتبة المرفوع الذى
سلم من الاختلاف فيه ، فالأولى فى الجواب ما ذكر ثانياً وثالثاً ورابعاً ، وبه
يجمع بين كل حديث مرفوع فى الباب ، وكل أثر صحيح فى الموضوع ، وهى
الطريقة المثلى، ولو اكتفينا بذلك المرفوع فقط، أو قلنا: العبرة لما روى لا لما رآى
لزمنا أن نتغامض عن مادة غزيرة فى الباب مرفوعة وموقوفة ، فلو قلنا : إن
الراوى أدرى بما يرويه لكان حجة لنا حيث صح عن ابن عمر وابن عباس
المرفوع، وعلى خلافه فى الظاهر صح عملها ، وكذا لو قلنا عمل الراوى بخلاف
روايته ديين النسخ أو التخصيص والتقييد لكان حجة أيضاً .
وبالجملة مذهب جمهور الفقهاء أبى حنيفة ومالك والثورى فى رواية ، و
الأوزاعى وأبى يوسف ومحمد وزفر أقوى أثراً، كما هو أقوى نظراً، ولوقلنا
إنه مذهب جمهرة الصحابة والتابعين لما كان فيه شطط ، وحيث لم يثبت عن
الصحابة خلافه إلا قليلا ، وتعامل الصحابة أقوى محجة عند معترك الخصام ،
وهو يجعل المرفوع مقيداً بما ذكر فى الوجه الثانى والثالث والرابع . والله
أعلم بالصواب .
-: باب ما جاء فى من تفوته الركعتان قبل الفجر بصليهما
بعد صلاة الصبح :-
اتفق أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد على أنه لا يصلى ركعتى الفجر بعد
٠٫٠

٨٩٠
مسألة أداء ركعتى الفجر بعد طلوع الشمس
محمد بن إبراهيم عن جده قيس قال: ((خرج رسول اللّه فَّ الله فأقيمت الصلاة
صلاة الصبح ، وإليه ذهب مالك وأحمد والشافعى فى القديم . ثم اختلفوا هل
يصليها بعد طلوع الشمس أم لا ؟ فقال محمد : نعم ، وهو مدهب مالك وأحمد .
قال شيخنا : وبه ينبغى العمل عندنا ، حيث لم يمنع عنه أبو حنيفة
وأبو يوسف ، وقد تقدم نقلاً عن "العناية" و"الدر المختار" قضاء السنة عندنا،
غير أنه أخف بعد خروج الوقت . وقال الشافعى فى الجديد : يصليها بعد
صلاة الصبح قبل طلوع الشمس ، والمذاهب مذكورة كذلك فى "العمدة"
(٣ - ٦٤٢)، و "الزرقانى شرح الموطأ". وما ذهب إليه مالك ومحمد
وأحمد هو مذهب الأوزاعى واسماق وأبى ثور ، ورواية البويطى عن الشافعى،
وروى ذلك عن ابن عمر والقاسم بن محمد ، ونقله ابن بطال عن أكثر العلماء ،
ونقله الترمذى فى الباب الذى بعده عن سفيان الثورى والشافعى وأحمد واسحاق
وابن المبارك . وفى حاشية " الأم" (١ - ١٢٨): وفى القديم إذا لم يصل
ركعتى الفجر حتى تقام الصلاة لم أحب أن يصليها ، وإذا فتته أحببت أن
يقضيها فى يومه بعد طلوع الشمس ، وكذلك حكاه البيهقى اهـ . وقول الشافعى
الجديد نقله فى "العمدة" عن عطاء وطاؤس ورواية عن ابن عمر .. وبالجملة
عدم أدائها بعد الصبح هو مذهب الأئمة الثلاثة والجمهور ،و دلیل ذلك أحاديث
النهى عن الصلاة بعد الصبح والعصر ، وهى أحاديث صحيحة مشهورة لا تقاومه
حديث الباب بعد صحته ، فإنه حكاية حال لا بعموم لها ، وإنما الحجة فى الأحاديث
القولية العامة ما سيأتى بيانه مفصلاً وبالله التوفيق .
قوله : عن جده . الضمير راجع إلى سعد بن سعيد وجده قیس . قيل:
هو قيس بن قهد - بالقاف والهاء ــ وقيل : قيس بن زيد ، وقيل : قيس
(م - ١٢ )

ج - ٤
معارف السنن
فصليت معه الصبح، ثم انصرف النبى معٍَّ فوجدنى أصلى فقال :
مهلاً ياقيس، أصلانان معاً؟ قلت : يا رسول الله،
ابن معمرو . ذكرهما الترمذى، وكذا فى "الإصابة" وزاد قيس بن سهل عن ابن
منده وأبى نعيم .
قوله: مهلاً يا قيس. قال الشيخ: هل قوله بحَ الجُ هذا له قبل شروعه
فى الصلاة أو بعده أو عنده؟ الأول خلاف نص الحديث، والثالث خلاف الذوق
السليم ، فتعين الثانى وهو الظاهر ، فلعله قصد الذهاب إلى بيته بعد الفراغ فقال
له : مهلا، ومعناه: أكفف، فاستوقفه، وفى "القاموس": المهل ويحرك،
والمهلة - بالضم - السكينة والرفق .... ويقال : مهلاً يا رجل ، وكذا للأنثى،
والجمع بمعنى : أمهل آهـ. ومثله فى "النهاية" وغيرها .
قوله : أصلاتان معاً ؟. مدلول هذا اللفظ هو الإنكار على الجمع بين
الصلاتين ، فيفيدنا فى مسألة عدم الجمع بين الصلاتين . أى الجمع الوقتى من
التقديم والتأخير، وقد سلف بيانه فى المواقيت. قال الشيخ: وكلامه وحتخلُ من
قبيل إلزام المخاطب بما لا يلتزمه . أقول : هو تلقى المخاطب بغير ما يترقبه عند
علماء البلاغة ، سماه الشيخ : إلزام المخاطب بما لا يلتزمه لعمومه وشموله ،
والتفصيل موضعه فإنه عَّ لم يزعم أنه يصلى فريضة أخرى، بل كان يعلم أنه
يصلى سنة الفجر ، وقد ثبت مثل هذا الإنكار فى أحاديث أخر غيره ، منها :
ما فی حدیث عبد الله بن سرجس ، وفيه: «قال يا فلان بأى الصلاتين اعتددت،
بصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا؟)) رواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة وآخرون،
وفيه بيان صلاة رجل فى ناحية المسجد بعد إقامة الصلاة فى الفجر . ومنها : ما
فى حديث ابن بحينة: ((الصبح أربعاً؟ الصبح أربعاً ؟ » رواه الشيخان ،
وقد تقدم ذكره . ولفظ ابن أبى شيبة فى "مصنفه" فى حديث الباب: ((أصلاة

منشأ إنكار التى بَّ على من كان يصلى ركعتى الفجر بعد الإقامة ٩١
، قال :
إنى لم أكن ركعت ركمى الفجر
الصبح مرتين)) أخرجه فى "كنز العمال" (٤ - ٢٠٢) وفيه: ((فسكت
النبىِ نَّ الله))، وفى "الكنز" عن أبى جعفر قال: ((مر رسول اللّهِ حَ له بابن
القشب وهو يصلى ركعتين حين أقيمت الصلاة فقال النى ◌َّ اتٍ: أصلاتان معاً؟))
(عب) ، وعنده هذا اللفظ فى مثل هذه الواقعة فى حديث أبى سلمة بن عبدالرحمن
عند عبد الرزاق .
قال الشيخ فى "تعليقاته": ثم إن قوله عَ لَّم: ((آلصبح أربعاً؟)) وقوله:
((يا فلان بأى الصلاتين اعتددت؟»، وقوله: ((أصلانان معاً؟))، وقوله :
(( أصلاة الصبح مرتين؟)) إنكارات بأوصاف لا تتعرض لوقوعها بعد الإقامة،
ولا لكون الوقت وقت كراهة ، وذلك أنه أراد تلقى المخاطب بغير ما يترقبه ،
ولا يتأتى فى ذكر السبب الواقعى، وكلها تتعرض لعدم الفصل، وقوله: ((أصلاتان
معاً ؟))، يصلح لعدم الفصل مكاناً أيضاً. فإن "مع" كما فى القاموس تكون بمعنى
عند" أيضاً، ولما كان فى حديث ابن بحينة لشروع بعد الإقامة فهو كأنه جعل الصبح
أربعاً وهو لمدخل الإقامة، وكان فى حديث اس سرجس: ((صلى فى جانب المسجد
ثم أحرز الجماعة )» كأنه ترقى ، قال ل یأی صلاتك اعتددت كأنه صلى صلاة
واحدة بصفتين، ولم يلزمه بترك الجماعة لأنه كان ترق فى إحرازها، وقال لمن صلى
بعد فراغه: أصلاتان معاً؟ لأنه كان لم يتمتك عن الجماعة. ثم رأيت ابن رشد حمل
(( أصلاتان معاً، على الإختلاف على الإمام وهو بالمخالطة ، وكذلك يجدى هذا
فى سائر الألفاظ. ثم إن هذا اللفظ أخرجه مالك فى صلاتهم قبل الفجر وههنا
فيما بعد ، ويتوهم أنه اضطراب ١هـ وقد سمعت أول هذا البيان عن الشيخ
شفاهاً بـ" كشمير" فى ((باره موله)) (سنة ١٣٤٨ - ٨) أيضاً، وهو كلام
متين خرح من فقه النفس وذوق البلاغة وبالله التوفيق .
ثم إن حديث الباب مرسل ، وعلى إرساله أكثر المحدثين . قال أبو داؤد:

٩٢
معارف السنن
ج - ٤
فلا إذن )) .
روى عبد ربه ويحيى إينا سعيد هذا الحديث مرسلا الخ . وكذلك برويه عبد الله
ابن سعيد أخ يحيى بن سعيد عن جده عند أحمد ، كما فى "بذل المجهود" (١ -
٢٦٥ ) و کأن أبا داؤد رجح الإرسال کما رجح الترمذى . ووصله أسد بن موسى
عند ابن خزيمة وابن حبان فى "صحيحيهما" والحاكم والبيهقى عن الليث بن سعد
عن يحيى بن سعيد. أنظر " التلخيص" ( ص - ٧٠ ) و "السنن الكبرى"
( ٢ - ٤٨٣ ) .
قوله : فلا إذن . كذا فى " جامع الترمذى"، ووقع عند ابن " ماجه"
( باب ما جاء فيمن فاتته الركعتان قبل صلاة الفجر متى يفضيها): ((فسكت
النبىِ حَ الله)). وكذا فى "سنن أبى داؤد" (باب من فاتته متى يقضيها)، و
كذا عند ابن أبى شيبة وعبد الرزاق كما فى "الكنز"، وزاد عبد الرزاق:
((ومضى ولم يقل شيئاً))، وعند ابن خزيمة وابن حبان والحاكم كما فى "التلخيص"
(ص - ٧٠): ((فسكت)). وعند الشافعى والبيهقى: ((فسكت النبى حَ}
ولم ينكر عليه)) .
قال الشيخ: وفى بعض الروايات: ((فضحك النبى ◌َّ))، ولم أقف
على رواية ((فضحك)) فلينظر من أخرجه .
ثم لفظ "إذن"، قال العلامة محيى الدين الكافيجى (١): إن كلمة "إذن"
(١) هو شيخ السيوطى سليمان الكافيجى، عالم حنفى جليل ، والكلام فى
"إذن" طويل من شاء التفصيل فليراجع "شرح الرضى على كافية ابن
حاجب " من نواصب الفعل المضارع ، و"همع الهوامع" السيوطى.
(٢ - ٦ و٧) و" الاتقان" له . وتجد فيها كلاماً ملخصاً محرراً فى
"كليات أبى البقاء" و"الفتح" (٨ - ٣٠).

٩٣
تحقيق قوله: "فلا إذن" هل هو للإقرار أو الإنكار؟
قال أبوعيسى : حديث محمد بن ابراهيم لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث
سعد بن سعيد ، وقال سفيان بن عيينة : سمع عطاء بن أبى رباح من سعد بن
فى قوله تعالى: (ولئن أطعتم بشراً مثلكم إنكم إذاً الخاسرون ) ليست إذاً هذه
الكلمة المعهودة ، وإنما هى " إذا" الشرطية ، حذفت جملتها التى تضاف إليها
وعوض عنها التنوين، كما فى " يومئذ " اهـ. كذا أفاده الشيخ . قلت :
حكاه فى " الإتقان" فى النوع الأربعين. ويجوز كتابتها جميعاً بالنون ،
واختلف الحنفية والشافعية فى مراده ، فقال الحنفية : معناه: فلا.
تصل إذن، وإن لم تصلها فكان قوله عَ لّ للإنكار. وقال الشافعية :
وشيلٌ
معناه : فلا بأس إذن ، أى جاز أن تصليها ، فكان للإقرار دون الإنكار .
قال الشيخ: وكان يختلج فى صدرى أن الفاء على ما قاله الشافعية فصيحة مربطة
بما قبلها لا على ما قال الحنفية ، فربما يكون شرحهم أولى ، ويستحق دخول .
الفاء على ذلك الشرح ، ولكن زال ذلك لما رأيت فى " التنزيل العزيز" دخول
الفاء فى مثله فى معرض الإنكار فى قوله تعالى : (أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون)
كما قرره الزمخشرى. قال فى "الكشاف" (٣ - ١٤٠ ) فى " سورة الطور"
فى تفسيره: (أفسحر هذا) يعنى كنتم تقولون للوحمى: هذا سحر ، أفسحر هذا؟
يريد أ هذا المصداق أيضاً سحر؟ ودخلت الفاء لهذا المعنى، (أم أنتم لا تبصرون )
كما كنتم لا تبصرون فى الدنيا يعنى أم أنتم على عن المخبر عنه كما كنتم عمياً عن
الخبر، وهذا تقريع وتهكم اهـ.
قال الراقم : ولفظ خطيب المفسرين أبى السعود: "أفسحر هذا" توبيخ
وتقريع لهم حيث كانوا يسمونه سحراً ، كأنه قيل : كنتم تقولون للقرآن
الناطق بهذا سحر ، فهذا أيضاً سحر ، وتقديم الخبر لأنه محط الإنكار ومدار
التوبيخ آهـ .
وفى "روح المعانى" بعد تفسير الآية بمثل ما تقدم، والفاء مؤذنة بما

ج - ٤
معارف السنين
سعيد هذا الحديث ، وإنما يزوى هذا الحديث مرسلاً ، وقد قال قوم من أهل
مكة بهذا الحديث ، لم يروا بأساً أن يصلى الرجل الركعتين بعد المكتوبة قبل أن
ذكر، وذلك لأنها لما كانت تقتضى معطوفاً عليه يصح ترتب الجملة أعنى "سحر
هذا" عليه، وكانت هذه جملة واردة تقريماً مثل "هذه النار" الخ. لم يكن بد من
تقدير ذلك على وجه يصح الترتب ويكون مدلولاً عليه من السياق فقدر كنتم
تقولون إلى آخره . انتهى كلامه . فكأنه شرح كلام الزمخشرى وأوضحه .
ثم إن استعمال قوله: "فلا إذن" للإنكار، كثير منها ما فى "صحيح مسلم"
(٢ - ٣٧) ( باب كراهة تفضيل بعض الأولاد فى الهبة ) من حديث النعمان
ابن بشير قال: ((انطلق بى أبى يحملنى إلى رسول الله عَلّ فقال: يا رسول الله
أشهد أنى قد نحلت النعمان كذا وكذا من مالى ، فقال : أكل بنيك قد نحلت مثل
ما نحلت النعمان؟ قال : لا ، قال : فاشهد على هذا غيرى ، ثم قال : أيسرك
أن يكونوا إليك فى البر سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذن)).
قال الشيخ: ومنها ما فى "معجم الصحابة؛ للبغوى: استعمال هذه الكلمة
فى الإنكار . أقول . لم أقف على .
أقول: ولها نظائر أخر وإن كان بعضها غير صريح فى الإنكار فنذكر ها
فيما يلى مما وقفنا عليه :
منها : ما فى "صحيح البخارى" فى ( باب إذا حاضت المرأة بعد ما
أفاضت ) من حديث عائشة رضى الله عنها: ((إن صفية بنت حيى - زوج
النبىِ حَ الٍ ـ حاضت، فذكر ذلك لرسول اللّه صَ لٍّ ، فقال: أحابستنا هى؟
قالوا: إنها قد أفاضت، قال: فلا إذن)). ويأتى الحديث عند الترمذى
أيضاً فى أبواب الحج .
ومنها : ما فى حديث جابر بن عبد الله عند الترمذى فى الأطعمة فى (باب

٩٥
بيان نظائر: "فلا إذن" فى الأحاديث
تطلع الشمس . قال أبوعيسى : وسعد بن سعيد هو أخو يحيى بن سعيد الأنصارى،
وقيس هو جد يحيى بن سعيد ، ويقال : هو قيس بن عمرو ، ويقال : هو
الرخصة أن ينتبذ فى الظروف): ((نهى رسول اللّه فَّ الج عن الظروف فشكت
إليه الأنصار فقالوا: ليس لنا وعاء، قال : فلا إذن)) .
ومنها: ما فى "مشكل الآثار" للطحاوى (٤ - ٤) وفيه: ((فقال :
هل قال يوماً واحداً : اللهم إنى أعوذبك من نار جهنم؟ قلت : لا ما كان
يدرى ما جهنم، قال: فلا إذن ا هـ)).
ومنها: ما فى "الصحيح" فى حديث طويل فى ( باب قول الله تعالى: ويوم
حنين إذا أعجبتكم كثرتكم الخ) وفيه: فقال أبوبكر: ((لاها اللّه إذاً)) آهـ.
ومنها: ما فى "الفتح" (١٢ - ١٣٨): فقال عمر: ((فسيفان فى حمد
إذاً لا يصلحان الخ » .
ومنها : ما فى " الكنى" للدولانى (٢ - ١٦١) فى حديث عبد الله بن
الزبير: ((إذا رأيت الإخلاص أيضر معه عمل؟ قال لا ها اللّه إذاً)) آلخ.
وكان شيخنا رحمه اللّه أشار إلى هذه النظائر فى مذكرته على " الآثار "
فاستخرجتها وألحقتها ، والخصم فيها مجال والله أعلم بالصواب وحقيقة الحال .
صلايتـ
والشافعية يتمسكون بلفظ : (( فسكت النبى
قال شيخنا: لما سبق إنكاره مَّ لج فسكوته بعده لا يدل على الإذن، و
نظيره ما عند النسائى فى "سننه" (١ - ٢١٣) (باب المقام الذى يقصر بمثله
الصلاة) من حديث عائشة: (( يا رسول اللّه بأبى أنت وأمى قصرت وأتممت
وأفطرت وصمت؟ قال: أحسنت يا عائشة)) . وذلك فى حجة الوداع، فظاهره
يدل على أن الصوم وإتمام الصلاة فى السفر كل ذلك حسن ، ولم يثبت فى واقعة
واحد إتمامه جّ الصلاة فى السفر، وكذا لم يثبت عن الشيخين أبى بكر وعمر ،

ج - ٤
معارف السنن.
قيس بن فهد. وإسناد هذا الحديث ليس بمتصل . محمد بن إبراهيم التيمى لم
V
واستمر أمره عَلّ على القصر فى السفر باعتراف المحدثين، حتى أنكر الحافظ
ابن تيمية جواز الإتمام، وقد ثبت عن ابن عمر مرفوعاً فى "العمدة": ((صلاة
السفر ركعتان ، من ترك السنة كفر)) ، وكذلك روايات عديدة تدل على النهى
عن الإتمام فى السفر، كما يأتى تفصيل هذا البحث وتخريج ما يتعلق به فى أبواب
السفر إن شاء الله تعالى وتقدس، فكما أنه بَّامٍ أغمض عن فعل عائشة وتجاوز عنه
ولم يعب عليها فعلها لعدم علمها بالمسألة فكذلك ههنا فى حديث الباب سامحه
بِّجُ لعدم علمه، فإن كان قوله حَ لٍّ لها: ((أحسنت، لا يدل على أن الإنمام
جائز ، فكيف يدل نفس سكوته على الإباحة فى مثله ! .
ولنا فى عدم أدائهما بعد صلاة الصبح حديث: ((لا صلاة بعد الصبح
حتى ترتفع الشمس ، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس )) رواه البخارى
ومسلم من حديث أبى سعيد الخدرى ، واللفظ للبخارى فى ( باب لا تتحرى
الصلاة قبل غروب الشمس ) وبمعناه من حديث ابن عمر عندهما .
قال الشيخ : وقال بعضهم : إن الحديث هذا متواتر، رواه نحو عشرين
رجلاً من الصحابة . أقول : فقد أخرجه البخارى ومسلم من حديث ابن عباس
وابن عمر وأبى سعيد وأبى هريرة ، وكذلك البخارى من حديث معاوية ومسلم
والأربعة من حديث عقبة بن عامر، ومسلم من حديث عمرو بن عبسة ، فأربعةً
متفق عليهم وواحد من أفراد البخارى وإثنان من أفراد مسلم والكل سبعة ، وقد.
أشار الترمذى فى ( باب ما جاء فى كراهية الصلاة بعد العصر وبعد الفجر ) إلى
حديث على وابن مسعود وأبى سعيد وعقبة بن عامر وأبى هريرة وابن عمر وسمرة
ابن جندب وسلمة بن الأ کوع وزید ین ثابت و عبد الله بن عمرو ومعاذ بن عفراء
والصنابحى وعائشة وكعب بن مرة وأبى أمامة وعمرو بن عبسة ويعلى بن أمية

٩٧
بحث عدم قضاء ركعتى الفجر بعد الفريضة قبل طلوع الشمس
يسمع من قيس . وروى بعضهم هذا الحديث عن سعد بن سعيد عن محمد بن
إبراهيم: ((أن النبي ◌َّالج خرج فرأى قيساً)).
ومعاوية . وفى "التلخيص الحبير" (ص - ٦٩) عن عمر أيضاً، ثم قال: وفيه
أيضاً عن سعد بن أبىوقاص وأبىذر وأبىقتادة وحفصة وأبىالدر داء وصفوان بن
معطل وغيرهم . قال الراقم: وفى الباب عن عبد الرحمن بن عوف ومسور بن
مخرمة وعبد الرحمن بن أزهر وأبي أسيد فى "زوائد الهيثمى" (٢ - ٢٢٧)، فهؤلاء
ثلاثون نفساً من الصحابة يروون ذلك، ورواية عشرة منهم فى الأمهات الست،
سبعة منهم قد ذكرنا ، والبقية منهم : على عند أبى دائِد، وكذا عائشة عنده،
والصنابحى عند النسائى، وأخرجه مالك وأحمد فلا شك فى تواتره ، والتواتر
حكاه البدر العينى عن ابن بطال ، وحكاه شيخنا فيما تقدم فى المواقيت عن أبى عمر فى
"التمهيد". قال الراقم: وكذا أدعى الإمام الطحاوى فى " شرح الآثار".
ولو لم يدع أحد منهم لكفان شاهد الحال فى تواتره : وبالله التوفيق .
قال الشيخ: ومن أدلتنا ما يأتى من الحديث القولى - فى الباب الذى بعده
من حديث أبى هريرة - وكذا فعله عَِّ الٍ عن رجوعه من غزوة تبوك حين صلى
خلف عبد الرحمن بن عوف، كما أخرجه أ داؤد فى "سننه" فى (باب المسح
على الخفين ) من حديث المغيرة، وفيه: ((فلما سلم قام النبي ◌َُّلّ فصلى الركعة
التى سبق بها ولم يزد عليها شيئاً))، واستدل به أو داؤد فى الرد على من قال
بسجدة السهو عند إدراك ركعة واحدة .
قال الراقم : واستدلال شيخنا بهذا الحديث استدلال متين لم أره لغيره،
وجملة القول فى الباب أن يقال أولاً : لا نسلم أن حديث الباب دليل إباحة
ركعتى الفجر بعد الفريضة، وإن كلمة: "فلا إذن" للإقرار دون الإنكار بدليل
( ٢ - ١٣ )

٩٨
معارف السنن
ج - ٤
ألفاظ أخر فى الحديث. وذلك أن لفظه بجَّ الٍّ فى قصة قيس واحد ألبتة ، وإنما
الإختلاف ذلك من الرواة لا محالة ، وليس بعض اللفظ أولى من بعض ،
فيحتمل أن الرواة فهموا الإقرار فرووه كما رأوه وعبروه كما فهموه ، فإذن
هو رواية بالمعنى ، ولاحجة للخصم فى مثله ، وإنما الحجة فى قول رسول الله
وَخَلّ وهو ههنا قوله: "فلا إذن"، وما عدا ذلك ليس لفظه، وإنما هو تعبيرات
منهم لهذا المعنى على ما رأوه . وأما كلمة : "فلا إذن" ليس نصاً فى الإقرار،
كما هو ليس نصاً فى الإنكار ، وإنما الإنكار والإقرار فى مثله من خارج بقرائن
حالية أو مقالية أخرى ، وغاية هذه الكلمة إنما تستدعى معطوفاً قبلها يصح
ارتباطها معها ، فتقديره بقولنا : وإن لم تصلهما من قبل فلا تصلهما إذن ، ليس
بأدون من تقديرهم: إن لم تصلها من قبل فلا بأس فى أدائها إذن، بل هما سيئان
من جهة العربية ، وإن كان خفى ذلك على المباركفورى فى " التحفة"، نعم
جدير هو على أن يخفى عليه مثله ، وهو معذور فى فهم ذلك ، ولولا ذلك لما
كان له أن يستطيل لسانه على " العرف الشذى"، والنبز بقصور فهم صاحبه فى
هذا الموضع ، وللمرأ أن لا يدخل إلا فى بابه ولا يتكلم إلا فيما يحسنه . وصدق
أبو الطيب فى قوله :
وآفته من الفهم السقيم
وكم من عائب قولاً صحيحاً
وثانياً : إن سلمنا أن محط الدليل ومناطه هو سكوته فى لفظ الحديث :
((فسكت)) فلا حجة فيه أيضاً، لأنه محلِّ لّه كان يعلم أنه صلى معه الصبح وأنه
ليس يصلى الصبح ولا غيره من الفرائض ، ومع هذا فقابله أولاً بالإنكار
وقال : " أصلاتان معاً"؟ وخاطبه بذلك من قبيل تلقى المخاطب بغير ما يترقبه،
وظاهره أن خطابه بمثل هذا بعد علمه دليل الإنكار ، ثم لما اعتذر ورأى
من حرصه على تعاهدهما سكت عليه لحسن نيته وتأكد حرصه ولنوع عذر
عنده على حسب اجتهاده ، لا أن سكوته كان تصويباً لعمله . وبالجملة فيحتمل

٩٩
بحث ترجيح عدم الركعتين بعد الفجر لعدة وجوه
(باب ما جاء فى اعادتهما بعد طلوع الشمس)
حدثنا : عقبة بن مكرم العمى البصرى نا عمرو بن عاصم نا همام عن قتادة
أن يكون من خصوصيته له فى تلك الواقعة التى قد كانت مضت ، حيث تبين
أن قوله جينفي ذلك بعد الفراغ، فهى حكاية حال لا عموم ها، كما يقال فى كثير من
أمثالها ، فكيف يقاوم التشريع القولى العام للأمة جمعاء بقوله : ( لا صلاة بعد
الصبح حتى تطلع الشمس الخ )) مع وقوع النكرة فى سياق النفى فى رواية أبى سعيد
الخدرى عند الشيخين ، فإذن لا يعارض مثل حديث الباب الذى اضطرب
إسناده إرسالاً واتصالاً، واضطرب لفظه، واضطرب معناه حديثاً تواتر معناه،
وصح متنه وإسناده ، فكان كالشمس فى رابعة النهار .
وثالثاً: إن سلمنا أن مثله يعارض فيخصص به العموم ويقيد به الإطلاق،
فتقول: إذا تعارض المبيح والمحرم فيرجح المحرم ، كيلا يلزم النسخ مرتين من
غير ضرورة ملجئة إليه ، كما التزموا ذلك فى كثير من المتعارضات . فالحاصل :
إن قلنا بالجمع فكما ذكرنا من الوجه للسكوت واحتمال الخصوصية ، وإن
بالترجيح فالترجيح لأحاديث النهى نقوتها وتواترها ، وإن قلنا بالنسخ فالحكم
لها ولا حجة للخصم فى شئ منها ، على أنه إذا تعارض الندب والكراهة تقدمت
الكراهة وترجحت ، مع أنه لا يستفاد الندب أصلاً ، وغايته إباحة مرجوحة
بعد إجهاد النفس ، فالطريقة المثلى فى أمثاله هو التمسك بالتشريع القولى فى
الأخبار التى هى صريحة فى الباب وإخراج المحامل للوقائع الجزئية الفعلية ، وكم
ذكرنا من القوة فى مثل هذه الجادة الواضحة . والله أعلم بالصواب وهو الموفق
فى كل باب .
-: باب ماجاء فى إعادتها بعد طلوع الشمس :-
ينبغى للحثفى العمل بهذا الحديث كما تقدم بيانه فى الباب السابق من أنه

١٠٠
معارف السنن
ج - ٤
عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه عَطالج:
( من لم يصل ركعتى الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس)).
مذهب مالك ومحمد ، ولم يمنع عنهما أبو حنيفة وأبو يوسف ، وفيه أثر ابن عمر
عند ابن أبي شيبة : (أنه صلى ركعتی الفجر بعد ما أضحى)) ، وإسناده حسن،
كما فى " آثار السنن"، ورواه مالك بلاغاً، وعند الطحاوى أثر آخر عن
ابن عمر ، وعند مالك فى " المؤطأ"، وابن أبى شيبة فى "المصنف" أثر القاسم
أى ابن محمد يقول: ((إذا لم أصلهما حتى أصلى الفجر صليتهما بعد طلوع الشمس)»،
وحديث الباب قوى، صححه الحاكم فى "المستدرك"، والذهبى أقره فى
"تلخيصه". أنظر "المستدرك" (١ - ٣٠٧) فضيلة ركعتى سنة الفجر.
وعزاه فى "الكنز" و"الزرقانى على المواهب" إلى أحمد أيضاً، ورواه
الدار قطنى وابن حبان والبيهقى كذلك. ثم إن ما ذكره الترمذى من أن المعروف
من حديث قتادة: (( ...... من أدرك ركعة من صلاة الصبح قبل أن تطلع
الشمس فقد أدرك الصبح)) . قال الشيخ : حديث قتادة هذا ثبت عندى بنحو
عشرين طريقاً ، لم أجد فيه ما ذكره الترمذى من متنه ، فخمسة فى " مسند
أحمد"، وخمسة فى "سنن الدار قطنى"، وثلاثة عند البيهقى فى " السنن
الكبرى "، وإثنان عند ابن حبان فى " صحيحه"، وإثنان عند الحاكم فى
"مستدركه" وواحدة عند الترمذى، وواحدة عند الذهبى فى " طبقاته "،
وواحدة عند النسائى فى "الكبرى"، ومدار الكل على قتادة . ومتن الحديث
عند بعض الرواة: (( من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليصل
إليها أخرى)). وزعم الحافظ أن هذا اللفظ بيان لحديث: (( من أدرك من
الصبح ركعة فقد أدرك )) وليس كذلك بل هو أحد طرق حديث سنة الفجر ،
وقد تقدم بعض التفصيل فيه .
قال الراقم : قد فصلنا القول فيه فى المواقيت ، وأجهدت نفسى فى جمع