Indexed OCR Text

Pages 1-20

( باب ما جاء فى الصلاة فى النعال )
حدثنا : على بن حجرنا اسماعيل بن ابراهيم عن سعيد بن يزيد أبى سلمة
-: باب ما جاء فى الصلاة فى النعال :-
النعل : ليس هو المداس الرائج فى بلادنا ، وقد سلف بيانه فى " باب
المسح على الخفين "، ولعل الحذاء يعم النعل والمدائن وكل ما يقى القدم
من الجفاء
والصلاة فى النعلين الطاهرتين ، ففى بعض كتبه جوازها . وفى بعضها
استحبابها مخالفة لليهود . وفى بعضها كراهتها ، كذا أفاده الشيخ رحمه الله ،
ولم أقف على هذا التفصيل هكذا في عندى من كتب الفقه مع تصفح الأوراق
وتفحص المغلاب، إلا أن الثانى ذكره الحلبى فى " شرح المنية الكبير " من
مسائل شتى فى آخر الكتاب ، وصاحب "الدر المختار" من أحكام المسجد
قبيل الوتر . وحكاه ابن عابدين عن "التاتار خانية " معللاً بمخالفة اليهود،
وشيخنا الكوثرى يقول فى "مقالاته" ( ص - ١٧٦ ). وفى " شرح الترمذى"
للعراقى : واختلف نظر الصحابة والتابعين فى لبس النعال فى الصلاة ، هل هو
(م - ١)

٢
معارف السنن
ج - ٤
قال: ((قلت لأنس بن مالك: أ كان رسول اللّه حَ الٍ يصلى فى نعليه؟ قال:
نعم
مستحب ، أو مباح، أو مكروه ؟ والذى يترجح التسوية بين اللبس والنزع
ما لم يكن فيها نجاسة محققة أو مظنونة اهـ ...
قال ابن عابدين: وفى الحديث: ((صلوا فى فعالكم، ولا تشبهوا
باليهود )) رواه الطبرانى كما فى "الجامع الصغير"، رامزاً لصحته. وأخذ
منه جمع من الحنابلة أنه سنة ولو كان يمشى بها فى الشوارع، لأن النبى حَلهم
وصحبه کانو يمشون بها فى طرق المدينة ثم يصلون بها.
قلت : لكن إذا خشى تلويث المسجد بها ينبغى عدمه وإن كانت
ظاهرة ، وأما مسجد النبوى فقد كان مفروشاً بالحصباء فى زمنه بيديٍّ بخلافه فى
رماننا. ولعل ذلك محمل ما فى " عمدة المفتى" من أن الدخول متنعلاً من سوء
الأدب، تأمل، انتهى كلام ابن عابدين. قال البدر العينى فى "العمدة" (٢ -
٢٨٩ ): قال ابن بطال : معنى هذا الحديث عند العلماء إذا لم يكن فيها نجاسة
فلا بأس ب لصلاة فيهما، وإن كانت فيها نجاسة فليمسهما ويصلى فيها ٠٠٠٠.
وقال ابن دقيق العيد. الصلاة فى النعال من الرخص ، لا من المستحبات؛ لأن
ذلك لا يدحل فى المعنى المطلوب من الصلاة . ثم تعقبه العينى بحديث شداد بن
أوس عن أبيدعا أبى داؤد والحاكم، قال: قال رسول اللّه ◌َيّ: ((خالفوا
اليهود فإنهم لا يصلون فى نعالهم ولا فى خفافهم)). وقال : فيكون مستحباً من
جهة قصد المخالفة لا سنة ، لأن الصلاة فى النعال ليست بمقصودة بالذات . ثم
ذكر حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أبى داؤد قال : « رأيت
رسول اللّه ◌َلَّ يصلى حافياً ومتنعلاً)) وقال: وهذا يدل على الجواز من غير
كراهة. ثم حكى عن الغزالى فى "الإحياء" عن بعضهم : أن الصلاة فيه أفضل

٣
بحثصلاة فى نتعال
اد. قال الشاه ولى الله فى " حجة الله البالغة" فى آخر الجزء الأول. وكان
اليهود يكرهون الصلاة فى نعائهم وخفافهم ، لما فيه من ترك التعظيم ، فإن
الناس يخلعون النعال بحضرة الكبراء ، وهو قوله تعالى: ( فاخلع نعليك إنك
بالمواد المقدس طوى" ). وكان هنا وجه آخر وهو: أن الخف والنعل تمامٍ
زى الرجل فترك النبي ◌ُّج القياس الأول وأيد الثانى مخالفة اليهود، وهو قوله
مُ خلٍّ: " خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون فى نعالهم وخفافهم، فالصحيح أن
الصلاة متنعلاً وحافياً سواء. انتهى كلامه. وقد ذكر فى " الدر المنثور"
(٣ - ٧٨ و٧٩) عدة أحاديث من رواية أبى هريرة: وأنس، وعلى من
أبى طالب ، وابن مسعود وغيرها فى الصلاة فى النعال فى تفسير قوله تعالى :
( خذوا زينتكم عند كل مسجد) وقال شيخنا العثمانى فى " شرح المسلم": و
فى "بذل المجهود": قلت: دل الحديث على أن الصلاة فى النعال كانت
مأمورة مخالفة اليهود ، وأما فى زماننا فينبغى أن تكون الصلاة مأموراً بها حافياً
لمخالفة النصارى ، فإنهم يصلون فى النعال لا يخلعونها أ هـ .
قال الراقم: ولكنه ورد فى بعض الروايات كما فى " الدر المنثور" :
"إن من تمام الزينة الصلاة فى النعال". فلو كانت العلة هذه لكان فيه نظر
والله أعلم .
فائدة: فى "العالمكيرية" من شروط الصلاة: ولوقام على النجاسة وفى
رجليه نعلان أو جوربان لم يجز صلانه، كذا فى " محيط السرخسى"، وأو خلع
تعليه وقام عليها جاز سواء كان ما يلى الأرض منه نجساً أو طاهراً إذا كان ،!
يلى القدم طاهراً اهـ .
وأما الصلاة فى المداس الرائج اليوم ، فإن كان مقدمه مرتفعاً واسعاً بحيث
لا يمتلأ بأصابع القدم لم تجز فيه الصلاة وإلا جاز ، ولعل وجه عدم الجواز فى
الصورة الأولى فرضية وضع أصابع القدم فى السجود ، على ما ذكره الكرخى

ج - ٤
معارف السىں
والجصاص والقدورى ، مع اختلاف فيه. ثم إنهم ذكروا أن توجيه أصابع
رجليه نحو القبلة سنة فى السجود وهذا لا يحصل فى الصلاة فى النعل ، فلا أدرى
هل ذلك يعفى عند التنعل أو ما ذا حكم المسألة؟ لم أقف فيه على شىء والله أعلم
القول الملخص فى الباب أن يقال: إن صلاته مَّالٍّ فى النعال اجتمعت
هناك أمور
الأول : إن النعل لم تكن بحيث تمنع توجيه رؤس الأصابع نحو القبلة ،
فقد كانت فوقها شرا كان وتحتها موضع قدم فقط .
والثانى : إن المسجد كان مفروشاً بالحصباء والرمل
والثالث : إن الأزقة كانت نظيفة ، فكانت النعال لا تتلوث بالتطواف
فيها ، فإذا اجتمعت مثل هذه الأمور فلا ريب فى الجواز من غير كراهة ،
نعم يرتقى الجواز إلى الندب إذا حدث وجه كمثل مخالفة اليهود فى ذلك العهد ،
فكذلك يتنزل الجواز إلى الكراهة إذا نشأ وجه كمثل مخالفة النصارى اليوم
فلم يكن الصلاة فيها فى نفسها لا مستحباً ولا مكروهاً، وإنما يجيء هذا أو ذاك
لأمر خارج، ولا ريب أن الأدب والتواضع هو فى خلعها لا لبسها والله أعلم.
ولا بأس أن نتحف القارئ الكريم بما بسطه الشيخ محمد زاهد الكوثرى
من تحقيق هذا الموضوع وهو مدون فى "مقالاته" فقال:
وأما الصلاة بالنعل فصحيحة إذا كانت طاهرة لا تمانع وضع باطن رؤس
الأصابع على الأرض كما هو شأن تمام السجدة على ما ذكره الخطابى وغيره ،
والنعال فى عهد النبى بَّةٍ كانت لينة ذات قبال بين الأصابع كنعال الحجاز اليوم
بخلاف مداسات اليوم الصلبة التى لا يتمكن المصلى من إتمام السجود فيها . وكان
مسجد النبى عليه الصلاة والسلام مفروشاً بالحصباء، وحجرات أزواج النبي حَال﴾
كانت فى اتصال المسجد فلم تكن نعله عليه الصلاة والسلام مظنة إصابة قذر أصالة لأنه

بيان منشأ جواز صلاة الصحابة فى النعال
وفى الباب عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن أبىحبيبة وعبد الله بن عمرو
لم يكن يطأ بها شوارع قذرة ، وكانت المدينة المنورة طاهرة الأزقة من الأروات
والأرجاس انصياعاً من الصحابة رضى الله عنهم لأمر الرسول وحظالم فى مراعاة
النظافة الكاملة فى البيوت وأفنيتها ، فضلاً عن بيوت الله ، فكان الماشى فيها
يتمكن من التحفظ فى المشى من وطء الأقذار ، وأراضيها كانت رملية رخوة
يؤمن معها الرشاش، وعند إرادة صب الماء كانوا يبتعدون عن الأزقة والمساكر ،
ويتطلبون دمئاً من الأرض لا يرش . وكان عليه الصلاة والسلام إذا أراد البراز انطلق
حتى لا يراه أحد ، وكان ينهى عن الملاعن الثلاث ، وكان ينهى عن التخلى
فى طريق الناس أو ضهم ، كما أخرجه أبوداؤد وغيره . بخلاف شوارع اليوم
ومراحيض اليوم ، فإنها لا يمكن فيها التحفظ من وطء الأقذار والرشاش على
النعال لكون مراحيضها صلبة ترش حتماً على النعال ، ولاسيما إذا بال الشخص
وهو قائم لأنها على طراز أفرنجى لا يتمكن المرء من البول فيها إلا وهو قائم . وقد
صح أنه عليه الصلاة والسلام خلع نعله عند الصلاة فى فتح مكة، فيكون هدا آخر
الأمرين كما إنه خلع حينما أعلمه جبريل أن بنعله أذى . والترخيص عند التحقق
من طهارة النعل هو مقتضى الأدلة عند المحققين . ومن يرى استحباب لبسها
بشرطه إنما استحب مخالفة اليهود . لكن أهل الكتاب أصبحوا اليوم يدخلون
كنائسهم ويصلون بنعالهم ، فتكون المخالفة لهم فى خلع النعال لا فى لبسها . و
قول أنس رضى الله عنه (( نعم)) لمن سأله: (( أكان يصلى فى النعلين؟)) لا يدل
على المواظبة ، كما تجد ما يوضح ذلك فى "شرح النووي" لمسلم عند كلامه فى
صلاة الليل . فتكون دعوى لبعض الحنابلة الشذاذ سنية لبس النعل فى الصلاة
غير قائمة الحجة، بل يعد اليوم من سوء الأدب دحول المساجد بالنعال، لما ذكره
النووى والأنى فى " شرح مسلم"، وعلى القارى فى " شرح المشكة"، والمقرى
"فتح المتعال"، واللكنوى فى "غاية المثال"، وابن أبى سعيد السجستانى فى

٦
معارف السنن
ج - ٤
وتمرو بن حريث وشداد بن أوس وأوس الثقفى، وأبى هريرة، وعطاء رجل من
"منية المفتى" والحموى فى " الأشباه"، بل لهم سلف فى الصحابة رضى الله
عنهم . وإليك تفصيل ما يدل على ذلك قد صح عن أنس بن مالك رضى الله عنه
أنه سئل: ((أكان النبي ◌ِّ يصلى فى نعليه؟ فقال: نعم، كما فى" الصحيحين"
وغيرهما . وقال النووى فى " باب قيام الليل" من " شرح مسلم": إن المختار
الذى عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين أن نفظة: ((كان)) لا يلزم منها
الدوام ولا التكرار ، وإنما هى فعل ماض يدل على وقوعه مرة . فإن دل كائيل
على ذلك عمل به وإلا فلا تقتضيه بوضعها اهـ . وفى حاشية " معانى الآثار":
قال النووى: لا يؤخذ منه لغيره حد لج لأن حفظ غيره لا يلحق به، ثم إن فعل
لا يفعل فى المساجد لئلا يفضى إلى الفساد ، بل لا يدخل المسجد بالنعل مخلوعة إلا
وهى فى كن يحفظها . وفى "المجموع" للنووى (٣ - ٤٢٧): قال الشافعى :
وأحب إن لم يكن الرجل متخففاً أن يفضى بقدميه إلى الأرض ولا يسجد منفعلاً
اهـ. ومصداقه ما فى "الأم" للشافعى (١ - ٩٩)، وأحب إذا لم يكن الرجل
متخففاً أن يفضى بقدميه إلى الأرض ولا يسجد متنعلا فتحول النعلان بين قدميه
والأرض اهـ . قال ابن بطال : الحديث محمول على ما إذا لم يكن فيهما نجاسة.
ثم هو من الرخص كما قال ابن دقيق العيد، لا من المستحبات لأن ذلك لا يدخل
فى المعنى المطلوب من الصلاة . وهى وإن كانت من ملابس الزينة إلا أن
ملامستها الأرض التى تكثر فيها النجاسات قد تقصر عن هذه الرتبة . وإذا
تعارضت مراعاة مصلحة التحسين ومراعاة إزالة النجاسة قدمت الثانية لأنها من
باب دفع المفاسد والأخرى من باب جلب المصالح . إلا أن يرد دليل بإلحاقه بما
يتجمل به فيرجع إليه ويترك هذا النظر اهـ. كما فى " شروح البخارى". و
أنت تعلم منزلة ابن دقيق العيد فى الحفظ والاجتهاد ، والجمع بين مذهبى مالك
والشافعى أتم جمع . وقال ابن حجر: ورد فى كون الصلاة فى النعال من الزينة

٧
بيان اختلاف حكم الصلاة فى النعال والمذاهب فيه
بنى شيبة . قال أبوعيسى: حديث أنس حديث حسن صحيح . والعمل على هذا
عند أهل العلم .
المأدور بأخذها فى الآية حديث ضعيف جداً، أورده ابن عدى فى "الكامل"
وإن مردويه فى "تفسيره" من حديث أبى هريرة ، والعقيلى من حديث أنس
اهـ . ولا شأن لمثل هذا الضعيف فى باب الأحكام ، فيبقى نظر ابن دقيق العيد
مأخوذاً به . وفى " شرح جامع الترمذى " للعراقى: اختلف نظر الصحابة و
التابعين فى لبس النعال فى الصلاة ، هل هو مستحب أو مباح ، أو مكروه ؟
والذى يترجح التسوية بين اللبس والنزع ما لم يكن فيها نجاسة محققة أو مظنونة
اهـ. فخلافهم فيما إذا كانت طاهرة لا فى النعل التى يمشى فيها لا لبسها فى مثل
شوارعنا وأزقتنا ومراحيضنا أصلاً كما نوضح ذلك . واستحباب من استحب
لبسها إنما هو باعتبار المخالفة لليهود ، حديث أبىداؤد والحاكم عن شداد بن أوس،
لكن فى سنده مروان بن معاوية وهو مدلس وقد عنعن ، ويعلى بن شداد وعنه .
يقول الذهبى: بعض الأئمة توقف فى الاحتجاج بخبره اهـ. على أن أهل
الكتاب أصبحوا يصلون فى نعالهم فتكون المخالفة لهم فى نزعها لا فى لبسها فى
الصلاة كما فى " بذل المجهود" وكما هو مشهود. وقال الأبى فى "شرح مسلم"
(٢ - ٣٥١) فى شرح حديث أنس السابق: ظاهره التكرار ، ولا يؤخذ
منه جواز الصلاة فى النعل وإن كان الأصل التأسى، لأن تحفظه عَ لّ لا يلحق
به غيره بل الناس تختلف حالهم فى ذلك، فرب رجل لا يكثر المشى فى الأزقة
والشوارع وإن مشى فلا يمشى فى كل الشوارع التى هى مظنة النجاسة ، وإنما
يؤخذ جواز الصلاة فيها من فعل الصحابة رضى الله عنهم منضماً إلى إقراره
وَكِّ هم. ثم إنه وإن كان جائزاً - يعنى عند إمكان إتمام السجدة فيها مع
طهارتها - فلا ينبغى أن يفعل لا سيما فى المساجد الجامعة ، فإنه قد يؤدى إلى
معسدة أعظم كما اتفق فى رجل يسمى هداجاً من أكابر أعراب إفريقية ، إذ

ج - ٤
معارف السفن
دخل الجامع الأعظم بـ "تونس" بأخفافه فزجر عن ذلك ، فقال: دخلت بها
كذلك - والله - على السلطان فاستعظم ذلك العامة منه وقاموا عليه وأفضت الحال
إلى قتله وكانت فتنة ، وأيضاً فإنه يؤدى إلى أن يفعله من العوام من لا يتحفظ
فى المشى بنعله بل لا يدخل المسجد بالنعل مخلوعة إلا وهى فى كن يحفظها اهـ .
وأنت تعلم منزلة الأبى بين شراح "مسلم"، ومن نظر إليه بمنظار مصغر فهو
مختل البصر عليل النظر، ترجمته فى " نيل الإبتهاج" (ص - ٢٨٧). وقد تابعه
السنوسى شارح "مسلم" .
وقال الأبى أيضاً فى (٢ - ٦٦): وأما إدخال الأنعلة غير مستورة ،
فسأل الشيخ الصالح أبو على القروى الشيخ الفقيه الصالح أبا الحسن المنتصر عن
ذلك فقال : يا سيدى ألم تخبرنى أن سيدى أبا محمد الزواوى رآك وضعت
نعلك غير مستورة بإزاء سارية . فقال : أنتم أيها الرهط يقتدى بكم فلا تفعل،
فكان القروى بعد ذلك يقول : حدثنى المنتصر عنى أن الزواوى كرهه اهـ .
ومثل ذلك فى " مدخل ابن الحاج المالكى". هكذا كان علماء المالكية فى
التحفظ أسوة بإخوانهم من علماء باقى المذاهب . ومخالفة هؤلاء جميعاً
ليست بالأمر الهين عند من أونتى بصيرة . قال ابن حجر المكى فى " شرح
المشكاة" فى شرح حديث: ((خالفوا اليهود)): وقضيته ندب الصلاة فى النعال
والخفاف ، لكن قال الخطابي: ونقل عن الإمام الشافعى أن الأدب خلع نعليه
فى الصلاة . وينبغى الجمع بحمل ما فى الخبر على ما إذا تيقن طهارتها ويتمكن
معها من تمام السجود بأن يسجد على جميع أصابع رجليه ، وكلام الإمام فيما إذا
كان على خلاف ذلك اهـ. ورد عليه على القارى فى "شرح المشكاة" (١ -
٤٨٣) وقال : هذا خطأ ظاهر. لأنه يلزم منه أنه إذا تيقن الطهارة ولم يمكن
معهما إتمام السجود يكون خلع النعل أدباً ، مع أنه حينئذ واجب . فالأولى أن
بج مل قول الشافعى على أن الأدب الذى استقر عليه آخر أمره عليه الصلاة والسلام خلع

بيان معنى الحديث فى الصلاة فى النعال
نعليه، أو الأدب فى زماننا عند عدم اليهود أو النصارى أو عدم اعتيادهما الخلع
ثم منح لى أن معنى الحديث خالفوا فى تجويز الصلاة مع النعال والخفاف فإنهم
لا يصلون أى لا يجوزون الصلاة فيهما . ولا يلزم منه الفعل وإنما فعله عليه الصلاة والسلام
تأكيداً للمخالفة ، خصوصاً على مذهب من يقول : إن الدليل الفعلى أقوى من
الدليل القولى اهـ . وفعال الصحابة كانت لينة مكشوفة الأصابع كالفعال المعروفة
فى الحجاز إلى اليوم مسهل معها إتمام السجود بخلاف مداسة اليوم، فإنها صلبة.
فوضع الرجل فيها كوضعها فى صندوق ، فلايتمكن المصلى من إتمام السجود فيها .
وحديث السجود على سبعة آراب مما أخذ به جميع الفقهاء فى جميع المذاهب .
وفى "شرخ المنية" ( ص - ٢٨٥): المراد من وضع القدم وضع أصابعها
قال الزاهدى: ووضع رؤس القدمين حالة الجود فرض، وفى "مختصر
الكرخى: سجد ورفع أصابع رجنيه عن الأرض لا تجوز. وكذا فى "الخلاصة"
و "البزازية"، والمراد بوضع الأصابع توجيهها نحو القبلة ليكون الاعتماد عليها
وإلا فهو وضع ظهر القدم وهو غير معتبر ، وهذا مما يجب التنبيه له فإن أكثر
الناس عنه غافلون اهـ. وذلك بعد أن رد على صاحب "العناية" وهمه. وقال
عن قوله فى عدم وجوب وضع الأصابع فى السجود : إنه بعيد عن الحق و
بصدد أحق ، إذ لا رواية تساعده والدراية تنفيه اهـ. ومن الدليل على أن نزع
النعلين آخر الأمرين حديث عبد الله بن السائب عند أبى داؤد أنه رآه عام الفتح
يصلى وقد خلع نعليه ثم ما وقع فى حديث أنس عند الطبرانى وغيره من: ((أنه
عليه الصلاة والسلام لم يخلع نعليه فى الصلاة إلا مرة؛ فالمراد به خلعها أثناء الصلاة
لصريح لفظ الحديث نفسه، لأن الصلاة فى الحديث جعلت ظرفاً للخله ، فلا
يتصور أن تكون الصلاة ظرفاً للخلع إلا إذا وقع الخلع فى أثناء الصلاة كما لا يخفى
فيكون تخيل أنه عليه الصلاة والسلام لم يخلع النعلين قبل الصلاة طول عمره إلامرة ،
(٢ - ٢

١
معارف السنن
ج - ٤
خروجاً على نص الحديث ودلانته الصريحة ، فلا ينافى هذا الحديث كثرة خلعه
قبل الصلاة. على أن فى سند حديث أنس ثمامة بن عبد الله - وهو ممن يشير
ابن معين إلى ضعفه وكان - محمود فى القضاء وإن كان ممن ينتقى بعض حديثه
فى الصحيح ، وليس هذا منه - وفيه أيضاً عبد الله بن المثنى وهو متكلم فيه ،
وإن انتقى بعض حديثه فى الصحيح أيضاً - على أن خبر أنس هذا تعارضه
روايات عن ابن عباس ، وأبى هريرة ، وابن مسعود ، وعبد الله بن الشخير
رضى الله عنهم ، حيث لم يوجد فيها القصر على مرة واحدة ، بل فيها ذكر
الخلع أثناء الصلاة فقط من غير قصر على مرة واحدة . وهو الموافق لأحاديث
عبد الله بن عمرو بن العاص ، وأبى هريرة ، وعائشة ، وعبد الله بن السائب
رضى الله عنهم المخرجة فى "سنن أبى داؤد" و"البيهقى" و"مسند أحمد" و"معجم
الطبرانى الأوسط "؛ وغيرها فى ضلاته عليه الصلاة والسلام وهو غير لابس
النعلين . على أن المسجد النبوى كان مفروشاً بالحصباء فى مبدأ الأمر ، وليس
له سقف يحمى أرضه من حرارة الشمس فكان يحوج ذلك إلى اتخاذ نعال خاصة
اتقاء من حرارة الحصباء وخشونتها ، وأين هذا مما استقر عليه الأمر فيما بعد ؟
ولالوم على من اتخذ نعالاً لينة كأخفاف لينة دون الكعبين لتلبس أثناء الصلاة خاصة
كما كان أصحاب شيخ مشايخنا الضياء المحدث يفعلون ذلك، لأن مثل هذه النعال لا تحول
دون التمكن من إتمام السجود ، ولا هى مظنة لصوق النجاسة بها لعدم المشى بها
فى الأزقة والشوارع . وفى حديث الطحاوى بطريق شعبة عن النعمان بن سالم عن
عثمان بن عمرو بن أوس قال: (( کان جدی -یعنی أوس بن أبی اوس رضى الله عنه-
يصلى فيأمرنى أن أناوله فعليه فينتعل ويقول: رأيت رسول الله عبد الله يصلى
فى نعليه ١هـ)). وهذا اتخاذ نعل خاصة للصلاة، وهذا مما لا كلام فيه كما سبق
ومن لم يعترف بمبلغ تحفظ النبي ◌َ ◌ّ وتحفظ أصحابه رضى الله عنهم من الأقذار
فى ثيابهم ومساجدهم ومنازلهم وأزقتهم مع كثرة ما ورد فى ذلك من الأحاديث

١١
تحقيق أن الصلاة فى النعال اليوم خلاف الأدب
التى أشرت إلى بعضها ولم يلتفت إلى صنوف الأرجاس والأنجاس المشهودة فى
أزقة اليوم ومراحيض اليوم ، بل منعرجات الشوارع التى اتخذها حمير البشر
مذاهب ومبالات تسيل أرجاسها إلى تلك الشوارع المرشوشة ، وحمل العامة على
أن يوسخوا المساجد بنعالهم القذرة ، وعرض صلواتهم هكذا للفساد بنجاسة نعالهم
وعدم تمكنهم من إتمام السجود فيها لصلابتها ، فهو مريض القلب ، زنخ العقل،
رسخ الفعل ، متعام عن الحقائق، مكابر، فلا يستحق الخطاب. وقد تطابقت
كلمات أهل العلم على أن الصلاة فى نعال الشوارع اليوم خلاف الأدب ، وإن
كانت طاهرة، بل سوء الأدب ، كما تجد تفصيل ذلك فى " منية المفتى "
سجستانى، و"فتح المتعال" للعلامة المقرى، و"شرح المشكاة" لعلى القارى،
و"غاية المقال" للمحدث عبد الحى اللكنوى وغيرها.
وأما طهارة النعل بالمسح على الأرض ففيما إذا كان الأذى فيها ذا جرم
غير رطب تتشرب النعل رطوبة النجاسة ، لأن لفظ الحديث عن أبىداؤد - فى
الصلاة - من روايته عن موسى بن اسماعيل عن حماد بن سلمة عن أبى نعامة
السعدى عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدرى مرفوعاً: ((إذا جاء أحدكم المسجد
وفينظر فإن رأى فى نعليه قذراً - أو قال: أذى - فليمسحه وليصل فيها ))
ومثله فى " صحيح ابن حبان" إلا أنه لم يقل فيه: ((وليصل فيها)). ولفظ
الطيالسى بطريق حماد، وبهذا السند مرفوعاً: ((فإذا أتى أحدكم المسجد فلينظر
فإن رأى فى نعليه أذى فليخلعهما وإلا فليصل فيها)) وهذا ساكت عن المسح بل
آمر بالخلع ، فيكون الخلاف فى حديث أبى سعيد بعيد الشفة كما ترى ، مع أن
سنده أمثل من سند حديثى الأوزاعى عند أبى داؤد ، وفى لفظ : ((إن وجد)،
فدل لفظ ((إن رأى)) ولفظ: ((إن وجد)) على أن المراد بالأذى هو المرئى،
ونحو البول لا يرى بعد الجفاف، فيكون المراد من الأذى فى الحديث ما هو ذو.
جرم ، لأنه هو الذی بری ویوجد . وفى حديث أبى هريرة عند أبى دائد بين

١٢
معارف السنن
ج - ٤
تطهيرهما بقوله عليه والصلاة السلام: ((فطهورهما التراب)). ومن المعلوم أن التراب
لا يزيل الرطوبة التى تتشربها النعل ، فيكون التطهير بالتراب مقصوراً على
الأذى اليابس ذى الجرم بهذا التعليل ، لأنه هو الذى يزول بالتراب ، وأما
تطهير الرطب أو المائع فلا يكون إلا بالماء ، لنص قوله تعالى : ( وثيابك فطهر)
( الآية ٤ من سورة المدثر ). ولصرائح السنة فى عذاب من كان لا يستبرى
من بوله فى " الصحيحين" وغيرهما. والأمر بالاستنزاه من البول فى كتب
السنن والمسانيد، ومن لم يغسل نعله من البول ونحوه لم يطهر ثيابه ولم يستفزه من
البول ، وهذا ظاهر جداً ، فمن تساهل فى المتشرب والجاف غير المرئيين يكود
متمسكاً بالسراب ، بدون دليل يقبله أهل التخاطب ، على أن النجاسة هنا
حسية لا تزول إلا بإزالة عينها، لا حكمية حتى محكم عليها بالزوال بدون مزيل
حسى بخلاف التيمم المزيل الحدث . بل أخرج ابن أبى شيبة فى " مصنفه " عن
حفص بن غياث عن الأعمش عن يحيى بن وثاب قال: (( سئل ابن عباس
رضى الله عنهما عمن خرج إلى الصلاة فوطئ على عذرة؟ قال: إن كانت رطبة
غسل ما أصابه ، وإن كانت يابسة لم تضره اهـ. ورجاله رجال الصحيح ،
ولفظ ابن عباس عند رزين العبدرى فى " جامعه" أى "جامع الصحاح "
المعروف: ((إذا مر ثوبك أو وطئت قذراً رطباً فاغسله ، وإن كان يابساً فلا
عليك)) . فعلم أن القول بوجوب غسل الرطب ، والإكتفاء بالمسح فى ذى جرم
يابس فى غاية من قوة الحجة وسلامة الفهم ، فيتعين الغسل إذا أصاب النعل
بول أو خمر أو مشى لابس النعل فى شارع مرشوش غير خال من النجاسة ،
كما هو مذهب جمهور أئمة الهدى . قال البدر العينى فى " شرح البخارى" (٢
- ٢٨٩): قال مالك وأبو حنيفة: لا يجزيه أن يطهر الرطب إلا بالماء، و
إن كان يابساً أجزأه حكه . وقال الشافعى : لا يطهر النجاسات إلا الماء فى
الخف الل وغيرهما اهـ. وأما محاولة استغلال ما يروى عن مالك من ..

١٣
بيان المذاهب فى حكم الصلاة فى الثوب النجس
طهارة الثياب ليست بشرط فى صحة الصلاة ، فعلى مخالفتها للأدلة الصريحة لم
يصح عن مالك أصلاً . بل الصحيح عنه هو ما رواه أبو طاهر عن ابن وهب
عنه : إن طهارة الثياب فى الصلاة فرض . ومن مثل ابن وهب بين أصحاب
مالك فى قبول مروياته جمعاء عند جميع الفقهاء والمحدثين . قال النووى فى
"المجموع" (٣ - ١٣٢) عند الكلام فى اشتراط الطهارة من النجاسة فى الصلاة:
هذا مذهبنا ، وبه قال أبو حنيفة ، وأحمد ، وجمهور العلماء من السلف والخلف .
وعن مالك فى إزالة النجاسة ثلاث روايات أصحها وأشهرها : أنه إن صلى عالماً
بها لم تصح صلاته ، وإن كان جاهلاً أو ناسياً صحت، وهو قول قديم للشافعى .
والثانية: لا تصح الصلاة على أو جهل أو نسى. والثالثة: تصح الصلاة مع
النجاسة وإن كان عالماً متعمداً، وإزالتها سنة اهـ. فالأولى : رواية المدونة ،
والثانية: رواية ابن وهب كما فى "المنتقى" للباجى. والثالثة: رواية محمد بن
أحمد العتبى المتوفى سنة ٨٢٥٥ صاحب المستخرجة المعروفة " بالعتبية". وعنها
يقول محمد بن عبد الحكيم : رأيت جلها كذباً، ومسائل لا أصول لها . وقال
ابن وضاح : فى المستخرجة خطأ كثير . قال ابن لبابة : كثر فيها من الروايات
المطروحة والمسائل الشاذة ، وكان يؤنى بالمسألة الغريبة ، فإذا أعجبته قال :
أدخلوها فى المستخرجة كما فى " الديباج" لابن فرحون ( ٢٣٩)، فلا يعول
على رواية مثله المخالفة لما عليه الجماعة ، ولروايات ثقات أصحاب مالك . فإذا
اختلفت الروايات عن إسام فالمتعين هو الأخذ بما يوافق الجماعة ، منها : إذا
ساوت الروايات قوة وضعفاً ، لئلا يعد فى موقف الشذوذ عن الجماعة ، فكيف
إذا كانت الرواية المخالفة لما عليه الجماعة واهية كما هنا لكونها رواية العقبى
الواهى الروايات .
وأما الأولى. فرواية " المدونة" التى لها المقام الأول عند المالكية، ١
أبدها الباجى

١٤
معارف السنين
ج - ٤
وأما الثانية : فراوية ابن وهب المتفق بين الفرق على جلالة قدره . وهى
الموافقة لما عليه الجماعة تمام الموافقة ، وعليها عول القاضى عبد الوهاب بغدادى
المالكى المشهور .
وأما الثالثة : فمخالفة لما عليه الجماعة كل المخالفة ، فتهجر لضعفها رواية ،
وتفاهتها دراية. بل قال الباجى فى "المنتقى" (١ - ٤٢): « فمن رأى نجاسة
من بول أو غيره فى ثوبه أو فى جسده وهو فى صلاته فروى ابن القاسم عن
مالك بقطع الصلاة)) اهـ. وقال أيضاً فى (١ - ٤١): ((قال القاضى
أبو محمد - يعنى عبد الوهاب - فى " التلقين": إن إزالة النجاسة واجبة.
لا خلاف فى ذلك من قوله . وإنما الخلاف فى الإزالة. هل هى شرط فى
صحة الصلاة أم لا ؟ وهذا هو الصحيح عندى إن شاء الله، وبالله التوفيق اهـ .
فتبين من ذلك ومما نلقاه عن رجال مذهب مالك الثقات أنه لا مجال
للتمسك بمذهب مالك أصلاً فى التساهل فى أمر طهارة الثياب عند مناجات
العبد ربه فى صلاته وصدق من قال: ((من تتبع شواذ العلماء ضل))
و ((من حمل الشاذ حمل شراً كبيراً)) و((لا يحمل الشاذ إلا الرجل الشاذ)).
كما فى " شرح علل الترمذى" لابن رجب، وتبين أيضاً أنه لا
مجال لمغالط أن يحاول التشغيب فى التساهل فى أمر الطهارة فى الصلاة ، لوضوح
حجة الجمهور فى المسألة فى نص الكتاب على تطهير الثياب ، وفى صرائح السنة
الآمرة بالإستنزاه من البول إطلاقاً ، أو المبينة أن عامة عذاب القبر من عدم
الإستنزاه من البول ، كما فى السنن والصحاح . وأما حديث المضى على الصلاة
بعد خلع النعل أثناء الصلاة فقد اختلفت ألفاظه فى الروايات من شئ، أو أذى،
أو قذر، أو خبث، فيكون أحدها هو لفظ الرسول حَخلٍّ ، وما سواه لفظ
الراوى على طريقة الرواية بالمعنى ، فلا يتعين قصد النجاسة بتلك الألفاظ . و
القذر قد يطلق على المستكره طبعاً ، وكذا الحبث قد يطلق على المستخبث طبعاً .

١٥
تحقيق المضى على الصلاة بعد خلع النعل
وقد يطلقان على النجاسة إطلاق المشترك على المعنيين لا إطلاق العام على
متناولاته . لأن الطاهر وغير الطاهر حقيقتان مختلفتان ، فلا تندرجان تحت عام،
فيحتاج الأمر إلى بيان بعين المراد من المجمل على تقدير ثبوت تلك الألفاظ
المتفاوتة المعانى عن المعصوم وحَّ لجه. مع أن الرواية بالمعنى واضحة فى تلك الألفاظ
المتعددة . على أن شيئاً من رواية هذا الحديث - أعنى المضى على الصلاة بعد خلع
النعلين لأذى فيهما - لم يرد فى " الصحيحين"، وتساهل الحاكم وابن حبان فى
التصحيح مشهور ، أشار المؤلف إلى تساهلهما فى (ص - ٤٠ و ٦٩ وغيرهما).
بل ليس سند من أسانيد هذا الحديث فى السنن والمسانيد يسلم من المآخذ ، من
انقطاع، أو وجود رجل متكلم فيه فى سنده ، أواختلاف فيه وصلاً وارسالاً،
أو غير ذلك مما ينزل درجة الحديث من مرتبة الصحة إلى منزلة ما يتقوى بعض
رواياته ببعض ، ومثله لا يصلح أن يكون مناهضاً لنص الآية وصرائح وجوب
الإستنزاه من البول فى السنة الصحيحة ، بل تحمل تلك الدلائل الواضحة على
حمل أحاديث المضى على الصلاة بعد خلع النعل لأذى فيها على معنى الأمر
المستخبث الذى لا يمنع صحة الصلاة كالطين والمخاط ودم حلمة - كما ورد فى بعض
الروايات - مما لا يمنع صحة الصلاة ، وإلا أعاد عليه الصلاة والسلام الصلاة ولم
بعدها . فإذا علم أن روايات المضى على الصلاة بعد خلع النعل متكلم فيها وأنها
من قبيل ما يتقوى بعض ببعض ، ظهر أنها لا تمكن معارضتها للكتاب والسنة
الصحيحة الصريحة ، ولا سيما فيما يخالف القياس . أللهم إلا أن يؤخذ بها فما وافق
القياس ولم يخالف النصوص ، وهو الإكتفاء بالمسح فيما إذا كان الأذى نجساً
يابساً ، لأنه بالمسح يزول ، بخلاف الرطب الذى تتشرب النعل رطوبة
النجاسة . وهذا هو وجه قول القائلين بوجوب غسل الرطب كما سبق . وأما
العفو عن طين الشوارع فلا يتعلق به فى مثل هذه البلاد الخالية من الأوحال ،
على أنه إنما هو عند الضرورة ، ولا ضرورة فى استبقاء النعلين على القدمين

١٦
معارف السنن
ج - ٤
فى مثل هذه البلاد. ثم ما يباح للضرورة إنما يقدر بقدرها عند أهل الفقه .
فلا يستساغ الاسترسال فى ذلك استرسالاً غير محدود .
وأما إناخة رواحل بعض الوفود قرب المسجد النبوى فلا تصلح لاتخاذها
وسيلة لومى أزقة المدينة المنورة بالقذارة فى عهد النبى عبّة وعهد أصحابه
رضى الله عنهم أجمعين، لأنها أمر نادر لا يبنى عليه حكم عام . فسرعان من
كانت آثار تلك الإناخة زال. لأن إزالة الأذى عن الطريق من تعاليم هذا الشرع
الأغر، فضلاً عن أبواب المساجد. وكان الصحابة من أرعى الأمة لتلك التعاليم .
على أن كلامنا ليس فيما اختلف فيه ، وإن كان الحريص على دينه يبتعد عن
موضع الخلاف ليطمئن إلى صحة صلاته من غير خلاف .
وأما صب الخمور فى الأزقة، فما كان إلا يوم تحريمها . فمثل هذا الأمر
الطارئ بعيد عن الدوام، بل يزال أثره فى الحال ، فلايصلح لإتخاذه وسيلة
لاستباحة استدامة الوساخة أصلاً . ولا يعد الصحابة رضى الله عنهم بطؤون
بنعالهم الأرجاس ويصلون فيها، حاشاهم عن ذلك . بخلاف خمارات اليوم ، فإنها
دائمة الأرجاس فى الشوارع التى هى بها . فوطء تلك الشوارع بالنعال لاستما أثناء
رشها بمناسبة الحر، ثم الصلاة فى تلك النعال مما لا يتفق، والتحفظ فى شئون الدين .
وصفوة القول أن حمل الناس على الصلاة فى المساجد بنعالهم !!. بطؤون بها
هذه الشوارع وهذه الأزقة . وتلك المراحيض تعريض لصلواتهم للفساد
بسبب النجاسة التى تشربتها النعال وبعدم إمكان إتمام السجدة فى هذه المداسات
الصلبة عند جمهور الفقهاء وتوسيخ المساجد التى أمرنا بتطييبها وتطهيرها . و
نشر للجراثيم التى تحملها تلك النعال القذرة إلى أقدس بقعة حيث يناجى المصلى
ربه . وكل ذلك شرْ يجب إبعاده عن المساجد بالسهر على أحوال أئمة المساجد
الذين منهم من يتساهل فى ذلك بكل أسف ، ومن لا ينصاع منهم لأحكام الشرع
فى ذلك زاعماً أن ما فعله هو السنة ، يرغم أن يبتعد عن الإمامة فى مساجد أهل

القنوت فى الفجر
( باب ما جاء فى القنوت فى صلاة الفجر)
حدثنا : قتيبة ومحمد بن المثنى قالا نا محمد بن جعفر عن شعبة عن عمرو
الحق . وإن كان لابد من الإغضاء عن ذلك باسم الحرية فى المعتقد والعمل
فليكن عمله ودعوته إلى نحلته فى معبد خاص تبنيه عشيرته ، وحظيرة خاصة
خوطها طائفته بأموالهم التى يكتسبونها بكد يمينهم وعرق جبينهم . لا بالأوقاف
المرصدة لجوامع المسلمين . ألهمنا اللّه سبحانه الرشد والسداد، والابتعاد عن
وجوه الفساد .
-: باب ما جاء فى القنوت فى صلاة الفجر :-
القنوت فى الصلاة على أصناف : قنوت فى الوتر ، وقنوت فى صلاة
الفجر دائماً ، وقنوت فى النوازل أحياناً .
فالأول : يأتى بيانه فى محله من أبواب الوتر إن شاء الله تعالى .
والثانى : فاختلف فيه الأقوال ، فذهب مالك إلى أنه مستحب ، و
الشافعى إلى أنه سنة ، وقال أبو حنيفة : لا قنوت فيه ، وإليه ذهب أبويوسف،
ومحمد بن الحسن، وسائر أصحابه، وابن المبارك، والليث بن سعد، وسفيان الثورى،
وأحمد، واسحاق ، ويحيى بن يحيى الأندلسى ؛ وإليه ذهب من التابعين الأسود،
والشعبی ،وسعيد بن جبير ، وعمرو بن میمون ، و ابراهيم النخعى، وطاؤس، والزهرى،
وروی عن الحسن ؛ وجکی ذلك عن أبىبكر، وعمر، وعثمان، و على، وابن مسعود
وابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن أبى بكر، وأبى مالك
الأشجعی،وأبىالدرداء؛ وقد ثبت عن ابن عمر، وابن عباس، وطاؤوس، وروى
عن سعيد بن جبير والزهرى القول بأنه فى الصبح بدعة . وذكره الترمذى عن
( ٢ - ٣ )

١٨
معارف السنن
- ٤
ابن مرة عن ابن أبى ليلى عن البراء بن عازب: ((إن النبي
صَل الله
علة
وسام
کان یقنت فی
صلاة الصبح والمغرب )).
أكثر أهل العلم . وأما مذهب الشافعى ومالك ، فكذلك حكاه الحازمى والبيهقى
والخطيب ، ثم العراقى وغيره عن الخلفاء الراشدين وكثير من الصحابة والتابعين،
وذكره الترمذى عن بعض أهل العلم. وحديث أبى مالك الأشجعى فى عدم
القنوت فى الفجر عند الخلفاء الراشدين أقوى من كل شئ ، فلا عبرة بما يحكيه
الحازمى وغيره معارضاً لهذا. وحديث أنس عند الدار قطنى والحاكم: (( ما زال
رسول اللّه حَ لّجُل يقنت فى صلاة الصبح حتى فارق الدنيا)) ليس بحجة بعد
صحته ، فإنه معارض بحديث أنس نفسه فى «الصحيحين" مقيداً بشهر، علا أن
الظاهر أن المراد هو طول القيام كما هو معروف من عادته بێ} .
والقنوت: له عشرة معان، منها: طول القيام ، ووجب المصير إلى هذا
كيلا تتعارض رواياته ، وكذا يتعارض روايته عند الطبرانى ، ذكره الزيلعى
لو حملناه على الظاهر .
وأفرده الخطيب بالتأليف فتعصب فيه لمذهبه بما لا يستساغ من الاحتجاج
بالأحاديث الواهية بل الموضوعات والأباطيل حتى قال فيه ابن الجوزى فى
" كتاب التحقيق " كلمات قاسية ووصفه بالوقاحة وفرط العصبية ، وتجد نص
كلامه فى "نصب الرأية" (٢ - ١٣٦) و "العمدة" (٣ - ٤٢٤).
وقد أطال الكلام فى هذا الموضوع الزيلعى ثم العينى فليراجعهما من أراد
التوسع فيه . والمذاهب المذكورة لخصناها من "المغنى" لابن قدامة،
و " المجموع" للنووى، و "قواعد ابن رشد"، و "العمدة" وغيرها.
ولا بن الهمام فى "الفتح" أيضاً كلام متين مع طوله .
وأما الثالث : فمتفق بين الأمة ، غير أن هناك اختلافاً فى محله . فقال
أبو حنيفة : فى الفجر فقط بعد الركوع ، وإليه ذهب الثورى وأحمد ، كما فى

١٩
تحقيق أقوال الحنفية فى القنوت فى النازلة فى الفجر وغيره
وفى الباب عن على، وأنس، وأبى هريرة، وابن عباس، وحقاق بن أيماء ..
رحضة الغفارى .
"المغنى"، وحكاه ابن عابدين يحمن الطحاوى، وعليه اقتصر فى " الأشباه "
عن " الغاية" و "شرح المنية". وقال الشافعى: فى الصلوات كلها، وصححه
النووى فى " المجموع" من مذهبه ، ويؤيده حديث ابن عباس عند أبى داؤد
والحاكم. وقال بعضهم : فى الجهرية كلها، كما حكاه صاحب "الدر المختار"،
وحكاه فى " البحر" و"رد المحتار " عن " شرح النقابة " عن " الغاية"،
وكذا فى "رد المحتار" عن " البناية". وصاحب " المغنى" من الجنابلة يرد
هذا القول ويقول: ولا يصح هذا، لأنه لم ينقل عن النبى عَّ ولا عن
أحد من أصحابه القنوت فى غير الفجر والوتر ، ويرده ابن عابدين أيضاً ،
بأنه ليس قولاً فى المذهب ، ولم يقل به إلا الشافعى ، بل يقول : إنه وقع
فيه تحريف ، والصواب صلاة الفجر كما فى " الأشباه". قال الشيخ: وما
يفهم من كلام ابن الهمام فى " الفتح" أن قنوت النازلة نسخ فلا يؤخذ به
حيث حكى البدر العينى فى مين البناية" جوازه عن الإمام أبى حنيفة نقلاً عن
الطحاوى اهـ .
قال الراقم: يقول ذلك ابن الجمام فى " الفتح" من بحث القنوت من باب الوتر،
ولكن الذى قال فى ختام البفتيت الطويل : " فيجب كون بقاء القنوت فى
النوازل مجتهداً " ثم نقل وجهى بقاء الشرعية مستمراً ورفع الشرعية نظراً إلى
قوله تعالى: ( ليس لك من الأمر شئ ) فليراجع . ومستنده فى كل ذلك
كلام الطحاوى فى "شرح الآثار"، وحكى ابن عابدين فى حاشية " البحر "
وحاشية " الدر " عن " البناية" قول الطحاوى ذلك ونصه: وقال الطحاوى:
لا يقنت عندنا فى صلاة الفجر فى غير بلية ، أما إذا وقعت فلا بأس به اهـ .
وذكره شارح " المنية " إبراهيم الحلبى ، وزاد فيه :

٢٠
معارف السنن
ج - ٤
قال أبو عيسى : حديث البراء حديث حسن صحيح . واختلف أهنى
العلم فى القنوت فى صلاة الفجر. فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّله
"فعله رسول اللّهِ فَ الٍ"، وأما القنوت فى الصلوات كلها فى النوازل فلم يقل
به إلاّ الشافعى الخ. وحكى عن الطحاوى النووى فى " شرح المهذب" (٣ -
٥٠٦) هذا. ثم إن كلام الطحاوى فى "شرح الآثار" صريح فى نسخ قنوت
النازلة، فلعله ذكر ما ينقلونه عنه فى " مختصره" أو كتاب آخر ولا بد
والله أعلم .
ثم إن قنوت النازلة هل هو بعد الركوع أو قبله ؟ فروايات كتبنا مختلفة،
صرح الشرنبلالى بالأول ، واختاره ابن عابدين ، واستظهر الحموى الثانى .
أنظر "رد المحتار" و"البحر الرائق". كما أن روايات الحديث مختلفة،
ففى "الصحيحين" بعد الركوع، وفى " شرح آثار الطحاوى" قبله. أخرج
البخارى ومسلم كلاهما من حديث أنس قال: ((قنت رسول اللّه عَ الج شهراً
بعد الركوع فى صلاة الصبح يدعو على رعل وذكوان الخ)» واللفظ لمسلم .
ومثله من طريق أس بن سيرين عند مسلم . وفى " الصحيحين » من حديث
عاصم عن أنس قال: ((سألته عن القنوت قبل الركوع أو بعد الركوع ؟
فقال: قبل الركوع الخ)) وفى حديث أبى هريرة عند البخارى فى التفسير:
((قنت بعد الركوع الخ)» وتجد الروايات كلها قبل الركوع وبعدها فى " شرح
آثار الطحاوى" أيضاً، وفى "شرح المهذب": وقد جاءت الأحاديث
بالأمري ، ثم ذكرها إلى أن قال: وقال البيهقى : ورواة القنوت بعد الركوع
أكثر وأحفظ ، فهو أولى اهـ.
وذكر النووى أن ذلك مذهب الشافعى ومالك واسماق ، وحكى ابن المنذر
التخيير ، وكذا مذهب أحمد عد الركوع كاف "المغني" ( ١ - ٧٨٩ ٤ :