Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ بيان حديث الصلاة لغير القبلة على من اشتبه عليه أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي حمّلٍ فنزل: ( فأينما تولوا فثم وجه اللّه)))). قال أبو عيسى : هذا حديث ليس اسناده بذاك ، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان ، وأشعث بن سعيد أبو الربيع السمان يضعف فى الحديث . وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا، قالوا: إذا صلى فى الغيم لغير القبلة ثم استبان له بعد ما صلى أنه صلى لغير القبلة فإن صلاته جائزة . وبه يقول سفيان الثورى وابن المبارك وأحمد وإسحاق . للسيوطى و "نفع القوت" للمغربى كلاهما عن العراقى. وفى الباب حديث جابر عند الدار قطنى فى " سننه» ( ص - ١٠١ ، بعدة أسانيد ، وفى كلها كلام ، وفيه حديث ابن عباس فى " الدر المنثور" (١ - ١٠٩ ) بسند ضعيف عن ابن مردويه . وكذلك فيه حديث معاذ بن جبل عند الطبرانى فى "الأوسط " كما فى " زوائد الهيشمى" (٢ - ١٥) وفى إسناده أبو عبلة والد ابراهيم ، ذكره ابن حبان فى الثقات ، واسمه : شمر بن يقظان، ويكاد يكون هذا أحسن ما ورد فى الباب . وبالجملة أمثال هذه الروايات حجة إذا لم يزاحمها ما هو أقوى منها وههنا كذلك والله أعلم . قوله : فنزل: ( فأينما تولوا فثم وجه اللّه). فى تفسير الآية عدة أقوال، أحدها: المذكور فى حديث الباب بأنها فيمن صلى فى ليلة مظلمة . والثانى : أنها . فيمن اشتبه عليه القبلة فتحرى وصلى . والثالث : أنها فيمن صلى على الداية متنفلاً ، فيه حديث ابن عمر عند مسلم فى " الصحيح " فى ( باب جواز صلاة النافلة على الدابة فى السفر حيث توجهت) قال: (م ◌َن رسول اللّه عَلَّهُ يصلى وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه)) . قال: وفيه نزلت: ( فأينما تولوا فثم وجه اللّه). والأقوال فى الآية فى "تفسير القرطبى" (٢- ٧٣ و ٧٤ ) ستة فليراجعه من شاء . ٣٨٢ معارف السنن ج - ٣ .( باب ما جاء فى كراهية ما يصلى اليه وفيه) حدثنا محمود بن غيلان حدثنا المقرئ قال نا يحيى بن أيوب عن زيد بن : جبيرة عن داؤد بن الحسين عن نافع عن ابن عمر: ((إن النبى عَ لّ نهى أن يصلى -: باب ما جاء فى كراهية ما يصلى إليه وفيه :- قوله: المقرئ هو عبدالله بن يزيد المقرئ أبو عبد الرحمن أصله من ناحية البصرة ثم سكن الأهواز، وهذا غير المقرأى المنسوب إلى بلدة مقرى كما ضبطه الحافظ وكذا صاحب " معجم البلدان"، فقال الحافظ: المقرئ بصيغة اسم الفاعل من الإقراء ينسب إليه عدة من المحدثين منهم أبوعبد الرحمن هذا ، ووصف بالمقرئ لأنه أقرأ القرآن بالبصرة ستاً وثلاثين سنة، وبمكة خمساً وثلاثين سنة كما فى "التهذيب" (٦ - ٨٤). وأما المقرأى المنسوب إلى مقرى بضم الميم وسكون القاف كما فى " لب اللباب" أو بفتح الميم كما فى " التقريب": قرية بدمشق ينسب إليها عدة من المحدثين منهم راشد بن سعد الحمصى ، وأبو مصبح وغيرهما، أنظر " التهذيب" (٣ - ٢٢٥ و ١٢ - ٣٣٣). والمقرأى هذا يكتب بالألف على رسم المحدثين كما نبه عليه الحافظ عبد الغني المقدسى . قال الشيخ فى " مذكرة" له: المقرأى هكذا ضبطاً ورسماء فى المؤتلف والمختلف للأزدى ، وكذا الرأى فى امرأ القيس وهو المقرأى نسبة إلى "مقرئ" عند باقوت ، وقال أبوداؤد: المقرئ قبيلة من حمير ذكره فى التأمين وراء الإمام، وكذا فى " القاموس" وشرحه اهـ. قال الراقم: وكتاب الأزدى هو الذى طبع باسم "مشتبه النسبة" له والله أعلم. فإذن يجب تمييز كل من الآخر ، وفى " العرف الشذى" وراو آخر مقرى كذا ضبطه فى " العرف الشذى " على وزن مرمى ، والمعروف فيه المقرى بتشديد القاف نسبة إلى مقرة قرية بالمغرب من قرى تلمسان ، وقيل : هى مقرة كذا فى ذيل " لب اللباب" العباس بن ٣٨٣ بيان حديث النهى عن الصلاة فى سبعة مواطن وشرحه فى سبعة مواطن : فى المزبلة ، والمجزرة ، والمقبرة ، وقارعة الطريق ، وفى الحمام ، ومعاطن الإبل ، وفوق ظهر بيت الله)). محمد المدنى ( ص - ٥٧). قال الراقم: والذى سمعته من بعض شيوخ المغاربة بالحرمين الأول فقط وهم أعرف ببلادهم والله أعلم . وبالجملة ينبغى الإحتياط والتثبت لكل من يشتغل بالحديث، وقد حب بعض المحدثين حديث: (من كذب على متعمداً الخ)) ذلك الحديث المتواتر الذى ضرب به مثل للتواتر الإسنادى فقد رواه بضعة وسبعون صحابياً منهم العشرة المبشرة كما فى " التدريب" ( ص - ١٩٠) و " نكت العراقى" على "ابن الصلاح" وشرحه على " ألفيته" (٣ - ٦) على من بلحن من الرواة فى روايته كما ذكره البدر العينى فى "عمدة القارى" أنظر " العمدة" (١ - ٥٥١ ) و "شرح العراقى على الألفية" (٣ - ٥٣)، وكذلك يدخل فى الحديث المذكور من بذكر فى الترغيب والترهيب أحاديث واهية لا يحتاط فيها . أنظر "العمدة" (١ - ٥٥٠ و٥٥١). قال شيخنا : وذكر الشيخ شمس الدين السخاوى: إن سيبويه قرأ رعف مجهولاً فى حديث: ((من قاء أورعف الخ)) عند حماد بن سلمة، وكان الصحيح رعف بصيغة المعلوم، فانتهره حماد، فلزم بعد ذلك الخليل ، ولم يرجع بعده إلى الحديث ومات وله بضعة وثلاثون سنة . قال الراقم : لعله قاله فى " فتح المغيث" أقول: وذكره العراقى أيضاً فى " شرح ألفيته" (٣ - ٥٣) وأشار إليه الخطيب فى " تاريخه" ( ١٢ - ١٩٥). قال الراقم: أنظر ترجمته فى "تاريخ الخطيب" فى الجزء الثانى عشر، وفى "وفيات ابن خلكان" (١ - ٣٨٥): توفى سنة ١٨٠ من الهجرة، وفيه أقوال أخر . قوله : وفوق ظهر بيت اللّه، ذكر علمائنا الحنفية وجهه بأن فيه ترك التعظيم وسوء الأدب ، كما ذكره صاحب " الهداية" فى (باب الصلاة فى الكعبة ) فإن صلى جازت مع الكراهة ، وكذلك مذهب الشافعى ، وعند أحمد ٢۵ ٣٨٤ معارف السنن ج - ٣ حدثنا على بن حجر نا سويد بن عبد العزيز عن زيد بن جبيرة عن داؤد ابن حصين عن نافع عن ابن عمر عن رسول اللّه عَ لّ بمعناه ونحوه. وفى الباب عن أبى مرثد وجابر وأنس . قال أبو عيسى : حديث ابن عمر إسناده ليس لا تصح الفريضة، ويصح القل كما فى "المغنى" (١ - ٧٢٥)، ومذهب مالك : أنه لا تصح الفريضة وركعتا الطواف والوتر وركعتا الفجر ، كما فى " المدونة" (١ - ٩١) ومثله الإختلاف فى الصلاة داخل الكعبة على أقوال ثلاثة . فإذن يقتصر الحكم على بيت اللّه فقط، وتجوز الصلاة على سطح المسجد. وقال ابن عابدين فى "رد المحتار" قبيل الوتر والنوافل: أما الوطؤ فوقه بالقدم فغير مكروه إلا فى الكعبة لغير عذر، لقولهم بكراهة الصلاة فوقها ، ثم رأيت "القهستانى" نقل عن "المفيد" كراهة الصعود على سطح المسجد. ويلزمه كراهة الصلاة أيضاً فوقه فليتأمل اهـ. قال الراقم: ولعله يشير ابن عابدين إلى أن الصلاة عبادة فيختلف حكمه عن الصعود فوقه من غير حاجة، والنهى عن فوق ظهر البيت منصوص، وقياس المسجد على الكعبة فى سائر أحكامها غير صحيح، فينبغى جواز الصلاة فوق ظهر المسجد ، ويقتصر حكم الكراهة على الصعود عليه من غير حاجة والله أعلم. وكذلك تكره الصلاة عندنا أيضاً فى المواضع المذكورة فى حديث الباب ، كما ذكره فى "الدر المختار" قبيل الأذان، وفى "رد المحتار" فى الصلاة فى الكعبة قال: وقد عقد الحديث العلامة نجم الدين الطر طوسى فى " منظومة الفوائد" فقال : عن الصلاة فى بقاع تعتبر - نهى الرسول أحمد خير البشر مزبلة طريق ثم مجزره ۔ معاطن الجمال ثم مقبره وفوق بيت اللّه والحسمام - والحمد لله على التمام ومذهب مالك والشافعى مثل أبى حنيفة فى الجواز مع الكراهة ، وعن أحمد روايتان: الجواز وعدمه ، أنظر "المغنى" (١ - ٧٢٠) و "المدونة" ٣٨٥ الكلام فی عبد الله العمری جرحاً و تعديلا بذاك القوی، وقد تكلم فی ز ید بن جبيرة من قبل حفظه . وقد روی الليث بن سعد هذا الحديث عن عبد الله بن عمر العمرى عن نافع عن ابن عمر عن معمر عن النبى حَ الِ مثله. وحديث ابن عمر عن النبى الج أشبه وأصح من حديث الليث بن سعد (١ - ٩١) وهناك اختلافات فى بعض تفاصيلها، وتقدم بعض التفصيل فى ( باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ) فراجعه . والحديث تكلم فيه الترمذى ، ونظراً إلى إخراج ابن السكن إياه فى "صحيحه " - كما قال فى "التلخيص" (ص - ٨٠): وصححه ابن السكن وإمام الحرمين - يمكن أن يقال بصحته ؛ فإنه التزم فى " صحيحه" إخراج ما هو صحيح. قوله : عبد الله بن عمر العمرى، ضعفه الترمذى تبعاً للبخارى فقد قال البخارى : ذاهب لا أروى عنه شيئاً . حكاه فى "التهذيب" عن "كتاب العلل الكبير" للترمذى. وقد وثقه كثير من المحدثين، فقد وثقه الخليلى ، وقال أبو حاتم: رأيت أحمد محسن الثناء عليه . وقال ابن عدى: لا بأس به فى رواياته صدوق. راجع " التهذيب" و"الميزان". قال شيخنا: وعندى هو من رواية الحسان، وفى "الميزان" عن ابن معين: أنه ثقة فى نافع. قال فى " الميزان": وقال الدارمى : قلت لابن معين : كيف حاله فى نافع؟ قال : صالح ثقة الخ . وابن معين أشد الرجال فى حق الرجال . وتوثيق العمرى هذا يفيدنا فى البحث فى حديث ذى اليدين كما يأتى تفصيله فى ( باب ما جاء فى الرجل يسلم فى الركعتين من الظهر والعصر ) . قوله : من حديث الليث بن سعد، قد أخطأ الشوكانى فى " نيل الأوطار" فى هذه العبارة وجعل كلمة " من" بيانية وليس كذلك. قال فى " شرح المنتقى": (٢ - ٢٦) فى ( باب المواضع المنهى عنها ) قوله: أشبه وأصح ( ٢ - ٥٨ ) ٣٨٦ معارف السنن ج - ٣ وعبد الله بن عمر العمرى ضعفه بعض أهل الحديث من قبل حفظه ، منهم بحبى ابن سعيد القطان . من حديث الليث بن سعد، قيل : إن قوله: "من حديث الليث" صفة لحديث ابن عمر بأنه من حديث الليث الذى هو أصح من حديث ابن جيرة اهـ . ووجه السهو أن الترمذى يريد أنه من حديث ابن عمر عنه قَ لّ لا من حديث ابن عمر عن عمر عنه مَ الٍ. علا أن ما ذكره بعضهم خلاف سياق كلامهم وصنيعهم، وتبادر عباراتهم، ولعل منشأ ما قاله هو كون ابن جبير أضعف من العمرى ، لكن الترمذى يضعف كليها ثم يرجح كونه من حديث ابن عمر لاعمر، فالغرض هذه النكتة لا غير والله أعلم. وفى نسخة " ابن ماجه " فى سند الحديث سهو من الناسخ، وهو سقوط عبد الله العمرى بين الليت وبين نافع حيث وقع فى نسخة "ابن ماجه" - التی بین أیدینا - : حدثنى اللیث حدثنى نافع عن ابن عمر عن عمر الخ. أنظر "سنن ابن ماجه" ( ص - ٥٤) (باب المواضع التى تكره فيها الصلاة ). وكذلك فبه عليه الحافظ فى " التلخيص ". ( ص - ٨٠) فقال: ووقع فى بعض النسخ بسقوط عبد الله العمرى بين الليث ونافع، فصار ظاهره الصحة آه . فعلم أن هذا الخطأ فى إسناد الحديث قديم من عهد الحافظ ليس بحديث . ودونك شرح كلمات الحديث ، "فالمزبلة": بفتح الميم مع فتح الباء وضمها، وقيل: بتثليثها ملقى الزبل بكسر الزاء وهو السرفين. و"المجزرة": على وزن المزيلة موضع الجزارة أى موضع تنحر فيه الإبل وتذبح الشاة والبقر. و "المقبرة": بالفتح وتثليث الموحدة "وضع القبور. و "قارعة الطريق " فيها إضافة الصفة إلى الموصوف ، والقارعة بمعنى المقروعة أى التى تفرعها الأقدام. و" المعاطن" جمع معطن بفتح الميم وكسر الطاء مناخ الإبل عند ورودها الماء، ومثله العطن، وجمعه أعطان . ولفظ البدر العينى فى "العمدة" ٣٨٧ بيان شرح حديث النهى عن الصلاة فى المزبلة والمقبرة (٢ - ٣٦٠): والعطن اسم لمبرك الإبل عند الماء ليشرب عللا بعد نهل ، فإذا استوفت ردت إلى المرعى اهـ. وأريد به ههنا نفس مبركها، وفى اللغة بين المعطن والمناخ والمباءة والمربد والمبرك فرق ، والكل موضع الإبل ، والكل ورد فى الحديث، أنظر "العمدة" (٢ - ٣٦١). ثم إن العلة فى النهى عن الصلاة فى هذه المواضع مختلفة ولذلك قد يختلف حكمها ، فليس الكل من قبيل واحد ، فإذا كانت هناك من النجاسة وهى فى أكثرها فالحكم ظاهر ، غير أن الحافظ فضل الله التوربشتى فى "شرح المصابيح" كما فى "التعليق الصبيح" (١ - ٣٢٥) يقول: إنه نهى عن المزبل وإن وجد فيها موضع خال من الزيل أو بسط عليها بساط فى المكان اليابس ، لأن فى ذلك استخفافاً بأمر الدين لأن من حق الصلاة أن تؤدى فى الأمكنة النظيفة والبقاع المحترمة ، وكذلك المجزرة لأنها مسفح الدماء وملقى القاذورات ، والحمام مكتنز الأوساخ ومجتمع الغسالات ومحل تعرى الأبدان عن اللباس ، وفى المقبرة إما تكون لاحتمال النجاسة لمحاورة النجس ، أو لئلا يلزم التشبه باليهود فى اتخاذهم قبور أنبياءهم مساجد ، وفى قارعة الطريق لإحتمال نجاسة الطريق ولعدم الأمن من المارة ، فلوصلى مصل فى هذه المواطن وكان موضع الصلاة ظاهراً جازت علانه مع الكراهة لمكان النهى من غير تقييد ، وفى ظهر الكعبة للإخلال بتعظيمها وللمشابهة بصنيع أهل العادة فى استعلاء البيوت للتطلع والتفرج ، ثم لخلوه عن الفائدة انتهى ملخصاً ، وذكر ابن عابدين فى صدد كراهة الصلاة فى المقبرة: ولا بأس بالصلاة فيها إذا كان فيها موضع أعد للصلاة وليس فيه قبر ولا نجاسة ، كما فى " الخانية": ولا قبلته إلى قبر، "حلية" اهـ. وكذلك ذكر فى الجمام أن الصلاة خارجه فى موضع جلوس الحمامى لا بأس بها إن كان الوجه أنه مصب الغسالات، ويكره إذا قلنا أن الوجه أنه بيت الشياطين انتهى مختصراً. وذكر ابن قدامة فى "المغنى" (١ - ٧٢٢) قال القاضى - وهو ابن ٣٨٨ معارف السنن ج - ٣ (باب ما جاء فى الصلاة فى مرابض النغم وأعطان الابل) حدثنا أبوكريب ذايحيى بن آدم عن أبى بكر بن عياش عن هشام عن ابن سبرين عن أبى هريرة قال قال رسول اللّه ◌َ الج: ((صلوا فى مرابض الغنم ولا تصلوا فى أعطان الإبل)). . قال عقيل الحنبلى - : المنع من هذه المواضع تعبد لا أعلة معقولة. ابن قدامة : ويحتمل أن المنع فى هذه المواضع معلل بأنها مظان للنجاسات . ... ولأن المظنة يتعلق بها الحكم وإن خفيت الحكمة، ومتى أمكن تعليل الحكم تعين تعليله ، وكان أولى من قهر التعبد ومرارة التحكم الخ . والعلة فى النهى عن الصلاة فوق الكعبة عنده عدم استقبال جهتها ، والجواز فى النافلة عندهم لأجل التخفيف . أنظر "المغنى" ( ١ - ٧٢٥). وزاد القاضى أبوبكر ابن العربى فى "شرح الترمذى" مواضع أخرى مع هذه السبعة، فأبلغها إلى ثلاثة عشر موضعاً، وأبلغ بعضهم إلى نحو عشرين موضعاً، وجاء ذكر بعضها فى بعض الروايات ، وبعضها ألحق بها لاشتراك العلة، فمنها الكنيسة والبيعة والدار المغرية وموضع العذاب والحش وبطن الوادى وغيرها. هذا والله ولى التوفيق . : - باب ما جاء فى الصلاة فى مرابض الغنم وأعطان الإبل :- المرابض جمع مربض مفعل من باب ضرب من الربوض ، والربوض للغنم كالبروك للإبل والجثوم للطير ، فالمربض مأوى الغنم ، والعطن مناخ الإبل عند الورد كما تقدم قال الشيخ: الفرق بين الغيم والضأن والمعز أن الغنم بالفارسية : كومبند، والضأن: ميش، والمعز: بز. فالغنم أعم من الأخريين . يريد الشيخ أن المعز اسم جنس لذوات الشعر كما أن الضأن اسم جنس لذوات الوبر ، والغم جفس يعمهما ، وعليه أهل اللغة . والشاة مثل الغنم جنس يعم النوعين ، وقيل: مثل الضأن . وحديث الباب قوی روى ٣٨٩ حديث الصلاة : فى مرابض الغنم وشرحه حدثنا أبوكريب نا يحيى بن آدم عن أبى بكر بن عياش عن أبى خصين عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبى ◌َ الج بمثله أو بنحوه. وفى الباب عن جابر بن سمرة، والبراء، وسبرة بن معبد الجهنى، وعبدالله مغفل ، وابن عمر، وأنس . قال أبو عيسى : حديث أبى هريرة حديث حسن فى " الصحيحين" معناه: الصلاة فى مرابض الغنم ، روى البخارى من حديث أنس فى (باب الصلاة فى مرابض الغنم والنهى عن الصلاة فى أعطان الإبل ) . ورواه مسلم من حديث جابر بن سمرة ، فمعنى حديث أبى هريرة بكلا الجزئين عند مسلم، وأما الجزء الأول فرواه جميعاً ، وانظر "العمدة" (٢ - ٣٦٠ و٣٦١) لاستيفاء حديث الباب مع مخارجها ما يشفى قلب الباحث. وتمسك به المالكية فى طهارة أزبال ما يؤكل لحمه ، والشافعى تكلم فيه فى * كتاب الأم" (١ - ٨٠ )، وأطنب ويأتى لبابه . ومسألة طهارة أزبال المأكولات مرت فى الطهارة مع تفصيل المذاهب . أنظر ( باب بول ما يؤكل لحمه ) ، فلا حاجة إلى الإعادة والإستدلال به لابن بطال من المالكية كما فى " الفتح". ثم النهى عن الصلاة فى أعطان الإبل عند المالكية مع طهارة أزبالها لشرادها وففارها لالنجاسة أزبالها، وأجاب الجمهور بأنه استدلال باللازم وليس الحديث نصاً فيه . قال الشيخ : واستدلال المالكية قوى ولا يكفى ما ذكر ، والجواب عنه وجهان آخران: أحدهما ما يذكره أصحاب الشروح، ومأخذه كلام الشافعى فى "الأم" (١ - ٨٠) بأن الناس يريحون الغنم فى أنظف ما يجدون من الأرض . وأما مواضع الإبل فتكون أوسخ وليس المراد فى نفس مواضعها بل ما قار به وانصل بها ، ثم النهى عن الصلاة فى أعطان الإبل أى ما قارب مناخها لما بينه فَكلّ وجهه بأنه جن من جن خلقت، ألاترون أنها إذا نفرت كيف تشمخ بآنافها ؟ ! ولو كان وجه جواز الصلاة فى مراح الغنم طهارة أزبالها فهى لا تفترق عن أزبال الإبل فى كونها مأكول الحم ، وهذا خلاصته ٣٩٠ معارف السنن ج - ٣ صحيح . وعليه العمل عند أصحابنا . وبه بقول أحمد و اسحاق . وحديث أبى حصین عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبى معَّ لُ حديث غريب. ورواه اسرائيل عن أبى حصين عن أبى صالح عن أبى هريرة موقوفاً ولم يرفعه. واسم أبى حصين: عثمان بن عاصم الأسدى . بضوء ما أفاده الشيخ رحمه اللّه مراعياً تعبير الإمام رحمه الله ولفظه. وراجع "العمدة" (٢ - ٣٦٠)، ثم الصلاة فى أعطان الإبل إذا كانت طاهرة جائزة عند جمهور العلماء ، وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعى وأبويوسف ومحمد وآخرون ، وفاسدة عند أحمد فى رواية مشهورة عنه، وإليه الظاهرية، ومكروهة عند الحسن واسماق وأبى ثور كما فى " العمدة" وغيرها. والأمر فى الصلاة فى مرابض الغيم للإباحة لكونه وقع فى جواب سؤال سائل فى بعض طرق الحديث، ولكونه ورد الأمر الخ ، تفريقاً بينها وبين معاطن الإبل بأن فى الغيم بركة وسكينة فلا يضر قربها السكون المطلوب فى الصلاة بخلاف الإبل فإن الغالب على طباعها الشراد ، فلا يحصل الطمأنينة المطلوبة ، والبقر ألحقها ابن المنذر بالغنم ، وفى حديث عند أحمد ملحقة بالإبل ، لكن فيه ابن لهيعة والله أعلم . والحاصل أن الفروق بين الغنم والإبل ثلاثة: الأول: هو نظافة المرابض ووساخة المعاطن . والثانى : هو استواء المرابض وتسطيحها دون المعاطن. والثالث : كون الغنم سكينة والإبل نفاراً. فالثالث عند وجودهما فى مواضعهما ، والأولان أعم، فليحفظ ملخصاً محرراً . والثانى قاله ابن حزم بأن حكم الصلاة فى مرابض الغنم كان قبل بناء المساجد ثم نسخ، حكاه فى " الفتح" (١ - ٢٩٤ ) (باب أبوال الإبل الخ ) وابن حزم أمامه حديث فعلى رواه أنس قال: ((كان النبى حَ﴾ يصلى قبل أن يبنى المسجد فى مرابض الغنم فهو يجيب عنه، ونبا نظره عن الأحاديث القولية فى الصحاح ، ولهذا يقول الحافظ بعد نقل كلامه : وفيه نظر؛ لأن إذنه فَّله فى الصلاة فى مرابض الغنم ثابت عند مسلم من حديث ٣٩١ تحقيق علة النهى عن الصلاة فى أعطان الإبل حدثنا محمد بن بشار نا يحيى بن سعيد عن شعبة عن أبى التياح الضبعى عن أنس بن مالك: ((أن النبىِ نَّةٍ كان يصلى فى مرابض الغنم)). قال أبوعيسى: هذا حديث حسن صحيح. وأبو التياح اسمه: يزيد بن حميد . جابر بن سمرة ، نعم ليس فيه دلالة على طهارة المرابض، لكن فيه أيضاً النهى عن الصلاة فى معاطن الإبل فلو اقتضى الإذن الطهارة لاقتضى النهى التنجيس، ولم يقل أحد بالفرق ، ولكن المعنى فى الإذن والنهى بشئ لا يتعلق بالطهارة ولا النجاسة ، وهو أن الغنم من دواب الجنة ، والإبل خلقت من الشياطين والله أعلم. وقد صح عن عائشة: ((إنه فَلّ أمرهم ببناء المساجد فى الدور ، وأن تطيب وتنظف))، كما رواه أبو داؤد وأحمد وغيرهما ، وصححه ابن خزيمة وغيره ، ولأبى داؤد نحوه من حديث سمرة وزاد: " وأن نطهرها" كما فى "الفتح"، قال الشيخ: وعندى قرأن تشهد لما قاله ابن حزم منها ما أخرجه البخارى فى "صحيحه" (١ - ٦١) ما يدل أن ذلك قبل أن يبنى المسجد أشار إلى حديث أنس ذكرنا نصه آنفاً ، أخرجه البخارى فى "صحيحه" في الطهارة والصلاة وغيرهما فى نحو ثمانية مواضع. وهو مختصر من حديث طويل فى الصحيح ( ١ - ٦١) (باب هل ينبش فبور مشركى الجاهلية الخ ، وفيه: ((وكان يحب أن يصلى حيث أدركته الصلاة ويصلى فى مرابض الغنم وأنه أمر بناء المسجد الخ ، فدل على أن العناية كانت بالصلاة فى أى موضع أدركته الصلاة فيه ، أى كانت العناية بأوقات الصلاة حتى لا تؤخر عن مواقيتها على ضد ما كانت العناية فى شريعة بنى اسرائل للأمكنة ، فكانت صلواتهم فى كنائسهم ، وجعلت لنا الأرض مسجداً وطهوراً. ومنها أن أرض المدينة كانت غير مستوية لأجل الأحجار والوهاد، وكانوا يسوون مرابض الغنم ويسطحونها كما تقدم بيانها فى كلام الإمام الشافعى فى "الأم" فكانت المرابض تناسب محلّ لأداء الصلاة لإستوائها. ومنها ما فى "شرح معانى الآثار" (١- ٣٩٢ معارف السنن ج - ٣ (باب ما جاء فى الصلاة على الدابة حيث ما نوجهت به) حدثنا محمود بن غيلان نا وكيع ويحيى بن آدم قالانا سفيان عن أبي الزبير عن جابر قال: ((بعثى النبى حَ ل فى حاجة فجئته وهو يصلى على راحلته نحو المشرق ، والسجود أخفض من الركوع » . ٢٢٤) (باب الصلاة فى أعطان الإبل ) عن أبى هريرة قال قال رسول الله حَظّم: ((إذا لم تجدوا إلا مرابض الغنم ومعاطن الإبل فصلوا فى مرابض الغم ولا تصلوا فى معاطن الإبل)» . ولعل حديث أبى هريرة هذا نفس حديث الباب عند التر مذى ، وهو عند أحمد وابن ماجه، غير أن عندهم مختصراً . فدل هذا على أن الصلاة فى مرابض الغنم كانت إذا لم يجدوا أرضاً غيرها . ثم إنه ورد عند محمد فى " مؤطئه" ( ص - ١٢٤) (باب الصلاة فى مرابض الغنم ) عن أبى هريرة أنه قال: ((أحسن إلى غنمك، وأطب مراحها، وصلى فى ناحيتها فإنها من دواب الجنة)) وقد احتج به الإمام محمد لطهارة أبوال الغنم كما هو مذهبه فال على أن الصلاة كانت فى ناحيتها، والحديث هذا موقوف، ووقفه الصواب، ورواه محمد موقوفاً كذلك ، ورواه البزار مرفوعاً كما فى " الزوائد" (٢- ٢٧) عن أبى هريرة قال: سئل رسول اللّه فَالجُ عن الصلاة فى مرابض الغنم قال: ((امسح رغامها وصل فى مراحها فإنها من دواب الجنة)). قال الهيثمى: وفيه عبد الله بن جعفر بن نجيح وهو ضعيف، وقال أحمد بن عدى : يكتب حديثه ولا يحتج به اهـ . -: باب ما جاء فى الصلاة على الدابة حيث ما توجهت به :- جواز النفل على الدابة فى السفر مسألة إجماعية كما ذكره الترمذى فى الباب إلا أن هناك اختلافاً فى أن الجواز هل يختص بمطلق السفر أو الذى يقصر فيه الصلاة، والمشهور من مذهب الشافعى وأحمد الأول، ومذهب مالك الثانى . أنظر "المجموع" (٣-٢٣٣) و "فتح البارى" (٣-٤٧٤) و "المغنى" (١_٤٥٥). ومذهب أبى حنيفة ٣٩٣ بحث الصلاة على الدابة والعجلة والعربية وفى الباب عن أنس، وابن عمر ، وأبى سعيد، وعامر بن ربيعة . قال أبو عيسى: الجواز ولكن خارج المصر فى محل قصر المسافر ، كذا فى " الدر المختار" وغيره . وجوزه أبويوسف فى الحضر أيضاً ، وكذلك أبوسعيد الأصطخرى من الشافعية ؛ وأهل الظاهر كما فى "العمدة" (٣ - ٥٥٣). ثم إن عند الشافعية فى أحد الوجوه الأربعة يجب استقبال القبلة عند التحرمة ، وعندنا يستحب، وهذا أحد الوجوه الأربعة عندهم، والوجه الثانى: أنه لا يجب، والثالث وهو الأصح: إن سهل يجب وإلا فلا، أنظر " المجموع" (٣ - ٢٣٤). ومذهبنا : الاستحباب فى قول ، واختاره فى " الحلية" ك) قاله ابن عابدين ، واشترط فى قول ، والمختار الأول، ذكره أصحاب المتون. أنظر "الدر المختار" وشرحه " رد المحتار" من النوافل. ومذهب أحمد فيه روايتان عندهم كما فى " المغنى (١ - ٤٥٢). وأما الفرض فلا يجوز على الدابة إلا للخائف المطلوب دون الطالب عند أبى حنيفة ، وبه قال الأوزاعى والشافعى فى آخرين . وقال مالك والثورى والحسن وأحمد وأبوثور : تجوز مطلوباً وطالباً . أنظر "العمدة" (٣ - ٣٤٩ و ٣٥٠)، وسيأتى تفصيله فى محله إن شاء الله تعالى. مسألة فرعية: العجلة إن كان لها قوائم أربعة وكانت غير مربوطة بالدابة جازت المكتوبة والنافلة عليها ، وإذا كانت لها قائمتان فإن كانت مربوطة بالدابة فحكمها حكم الدابة، وإن كانت غير مربوطة بها فإن كان تحتها ما يقوم مقام قائمة فحكمها حكم الأرض ( يجوز الفرض والنفل عليها ) . والمسألة هذه مذكورة فى نوافل " الدر المختار" ومن أراد الوقوف على تفاصيلها فليراجع " البحر الرائق" من النوافل (٢ - ٦٥ ) و " رد المحتار" و " شرح المنية " وغيرها . العجلة : هى ما يؤلف مثل المحفة يحمل عليها الأثقال أو يعد للركوب ( م - ٥٠ ) ٣٩٤ معارف السنن ج - ٣ حديث جابر حديث حسن صحيح . وروى من غير وجه عن جابر . والعمل فيها، ولها أوضاع مختلفة فى شتى البلاد، وأسماء عديدة فى كل لغة وكل بلدة. بقيت هنا مسألة المركب البخارى النارى والكهربائى الذى يسمى اليوم القطار والقاطرة، ومسألة المراكب الحديثة الأورباوية التى تسمى السيارات والأتوبيسات والأنومبيلات، والمراكب الجوية الفضائية التى تسمى الطيارات والطائرات، فأقول وبالله التوفيق: قد طالعت ما ذكره فقهاؤنا رحمهم الله تعالى من القواعد الكلية والمسائل الجزئية فى الصلاة على الدابة أى المكتوبة عند العذر الخوف أو مرض أو عدم معين على الركوب عند جموح الدابة وما شاكلها ، وما ذكروه فى الصلاة على السفينة الجارية فى البحر والواقفة على الضواحى المربوطة بالضاحية أو فى لجة البحر. وما ذكروه فى جواز السجدة على الأرض أو شئى قائم على الأرض يجد حجمه وثخنه بحيث يستقر ولا ينضخط أو ينضغط ولكن ينتهى ضغطه فلا يتسفل بعده، وما إلى ذلك من فروع ذكروها فى مواضع شتى كصلاة المريض وباب النوافل وباب صفة الصلاة من استقبال القبلة وكيفية السجدة وباب الصلاة على الراحلة فتجدها مبثوثة فيها، وربما تجدها مبعثرة فى غير مظانها، فالذى تنقح لنا بضوء إفاداتهم وبركاتهم: أن الصلاة فى القطار السائرة كالصلاة فى السفينة السائرة، والسفينة السائرة ليست كالدابة السارية عند صاحب "الهداية" فيصلى قائماً بركوع وسجود مستقبل القبلة، وإن خاف دوران الرأس أو السقوط فيصلى قاعداً بركوع وسجود، وإن كان المحل ضيقاً أو كان زحاماً لا يقدر معه على القيام والركوع والسجود فيجب عليه أن يؤخر الصلاة إلى أن يتمكن، أو تصل القطار إلى المحطة فينزل ويصلى إذا لم يخف خروج الوقت، وأما إذا خاف الخروج فيجب أن يسأل جلساؤه أن يتفسحوا له ويمكنوه، كما ذكروه فى التيمم من سؤال الماء رفيقه. قيل مطلقاً وقيل عند ظن الإجابة والإسعاف. ولا يتساهل فى ذلك بمجرد ما رأى من الزحمة وضيق المحل، فإن الناس يسمحون بالتوسع له فى أداء ٠٠ ٣٩٥ بحث الصلاة على السيارات والقطارات والطائرات عليه عند عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافاً : لا يرون بأساً أن يصلى الرجل عبادته بطيب أنفسهم حنى الوثنيين والدهريين فضلا عن أهل الكتاب وعامة الكافرين . وإذا لم يقدر على القيام والركوع والسجود وسدت دونه الأبواب وخاف فوات الوقت فيصلى قاعداً بالإيماء ، ويجب عليه فيما أرى أن يعيد كما هو الراجح فى مسألة فاقد الطهورين والله تعالى أعلم . وأما وجوب الإعادة فى مثله لم أر عليْه نصاً من أقوالهم غير أنه لما كان وقوعه فى غاية الندرة فلا عبرة بالنادر ، والأحكام تجرى على الغالب والله سبحانه أعلم بالصواب . وأما مسألة السيارات السائرة فحكمها حكم القطار السائرة سواء بسواء ، ؟! أن حكم الدقفة من كل منهما حكم السرير الموضوعة على الأرض لا يختلف حكمه عن حكم الأرض . وأما الطيارات حالة طيرانها فى جو السماء أو عند وقوفها فى الفضاء فيصلى فيها قائماً بركوع وسجود مستقبلاً القبلة عند القدرة على القيام كما يمكن ذلك فى الطيارات الكبيرة إذا خاف خروج الوقت قبل هبوطها الأرض، وإن لم يخف فيؤخرها حتى ينزل ، فيكون حكمها حكم المحل الموضوع على ظهر الدابة ، وإن لم يمكنه القيام فيصلى إيماءً إلى أى جهة توجهت به الطيارة، ويكون حكمها إذن حكم الراكب على الدابة حيث يصلى راكباً إيماءً عند الخوف والعذر ، فإذن الفرق بين القطار والطيارات أن القطار السائرة إذا تمكن فيها المصلى من القيام والركوع والسجود واستقبال القبلة فلا داعى إلى تأخير الصلاة إلى آخر الوقت حتى تقف أو ينزل هو عنها فيصلى متى شاء فيها ، وأما الطيارات فيجب عليه التأخير فيها إلى آخر الوقت فإذا خاف الفوات فليصل كيف ما قدر من القيام مع استقبال القبلة أو الإيماء عند العجز . وبالجملة فقد يسقط شرط الاستقبال فى الطيارة ولا يسقط فى القطار أبداً ، هذا ما استفدته من كلماتهم ، وقد راجعت له "مبسوط السرخسى" و"البحر الرائق" و" شرح المنية الكبير" و"الدر المختار" و"رد المحتار" وغيرها من كتب الفقه، وكذا ما ٣٩٦ معارف السنن ج - ٣ على راحلته تطوعاً حيث ما كان وجهه إلى القبلة أوغيرها . أفاده الشيخ حكيم الأمة مولانا محمد أشرف على التهانوى رحمه الله فى " بوادر النوادر" آخر تأليفه، ورحم الله من إذا وقف على مخطأ نبهنى عليه وأرشدنى إلى الصواب والله ولى التوفيق والهداية. ثم رأيت فى "كتاب الفقه على المذاهب الأربعة " ( ١ - ١٥) فى صدد بيان جواز الصلاة فى السفينة باستقبال وركوع وسجود عند القدرة مانصه : ومحل كل ذلك إذا خاف خروج الوقت قبل أن تصل السفينة أو القاطرة إلى المكان الذى يصلى فيه صلاة كاملة ولا تجب عليه الإعادة . ومثل السفينة القطر البخارية البرية والطارات الجوية ونحوها انتهى ، ولم يبين فيه اختلاف المذاهب، فكأنهم استنبطوا من المذاهب كلها هذا القدر المشترك ، والذى استفدته من كتب فقهائنا الجنفية هو الفرق بين السفن البحرية والبواخر وبين الطائرات الجوية ، واخترنا أن الطائرات كالدابة أو كالمحمل فوق الدابة ، والسفينة ليست كالدابة ، كما يستفاد من كلام صاحب "الهداية" وإن كان عند غيره كالدابة . وبالجملة فالذى ذكرته هو الذى تنقح عندى بعد البحث وبذل الوسع فى عباراتهم والله أعلم . هذا ما كنت كتبت قبل برهة من الدهر . ومن العجيب أن الذى رسخ فى فكرى القاصر قبل مدة من الزمان نظراً إلى عبارات الفقهاء أنه لا تجوز الصلاة فى الطائرات عند الحنفية ، فإن شرط السجدة لا يتحقق هناك فإنها لابد أن تكون على الأرض أو على ما قام على الأرض ، والمعلق فى الجو والفضاء ليس هكذا ، فإذن تؤخر الصلاة ، وهو الذى يقتضيه مسألة فاقد الطهورين عند الإمام أبى حنيفة . وأما عند الشافعية فينبغى أن تؤدى ثم تقضى ، وعند أحمد تؤدى ولا تقضى قياساً للمسألة هذه على مسألة فاقد الطهورين ، ومولانا الشيخ التهانوى فى كتابه " بوادر النوادر" جنح إلى عدم جواز الصلاة فى الطائرة حيث يقول بعد تفصيل طويل : فالصلاة المكتوبة على المركب الهوائى لا تجوز بدون العذر ٣٩٧ بيان الصلاة إلى الراحلة (باب ما جاء فى الصلاة الى الراحلة ) حدثنا سفيان بن وكيع نا أبو خالد الأحمر عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: ((إن النبي صَ ل صمنى إلى بعيره أو راحلته، وكان بصلى على راحلته حيث ما توجهت به )) . قال أبوعيسى : هذا حديث حسن صحيح . وهو فول بعض أهل العلم : لا يرون بالصلاة إلى البعير بأساً أن يستتر به. كما هو فى حكم الصلاة على الدابة والسفينة السائرة إلى آخر ما قال . وبالجملة قد رجعت عما يستفاد من عبارتى السابقة من الجواز فى الطائرات ، نعم العذر المبيح للفرائض على ظهر الدابة الواقفة أو السائرة يكون مبيحاً للصلاة فيها لا مطلقاً والله أعلم بالصواب . -: باب ما جاء فى الصلاة إلى الراحلة -: الراحلة: المركب من الإبل ذكراً كان أو أنثى ، وكانت راحلته ناقة نسمى القصوى. كذا فى " العمدة" (٢ - ٣٥٥)، وقال فى ( ٣ - ٤٨٠ ): والراحلة الناقة التى يختارها الرجل لمركبه ورحله على النجابة وتمام الخلق وحسن النظر . فإذا كانت فى جماعة الإبل عرفت آهـ . ومثله فى " النهاية" ( ٢ - ٧٩ ) . والغرض من حديث الباب أن يجعل الراحلة سترة لصلاته ، وصنيع البخارى فى "صحيحه" صريح فى ذلك حيث أورده فى جملة أبواب السترة . قال الشيخ: والتاء فى الراحلة للنقل - أى من الوصفية إلى الإسمية - وليست للتأنيث . وكذلك " الدابة" التاء فيها ليست للتانيث عند جمهور أهل اللغة. وفى "العمدة" (٣ - ٤٨٠) و "الفتح" (١ - ٤٧٨): والهاء فيه للمبالغة، ومثله فى "النهاية". وعند ابن قتيبة الدينورى: يختص إطلاق الدابة بالإناث ار ٣٩٨ معارف السنن ج - ٣ (باب ماجاء اذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدء وابالعشاء) حدثنا قتيبة نا سفيان بن عيينة عن الزهرى عن أنس يبلغ به النبى علم قال: ((إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء)). وفى الباب عن عائشة وابن عمر وسلمة بن الأكوع وأم سلمة . دون الذكور ، والأول هو الصواب أفاده الشيخ . ولم أقف عليه غير أن فى " العمدة" (٢ - ٤٨١) قلت: ذهب بعضهم إلى أن الراحلة لا تقع إلا على الأنثى اهـ. قال القرطبى : فى هذا الحديث دليل على جواز التستر بالحيوان ، ولا يعارضه النهى عن الصلاة فى معاطن الإبل لأن المعاطن مواضع إقامتها عند الماء ، وكراهة الصلاة حينئذ عندها إما لشدة نتنها ، وإما لأنهم كانوا يتخلون بها مستترين بها ، وقيل : علة النهى فى ذلك كون الإبل خلقت من الشياطين، حكاه فى "العمدة" (٢ - ٤٨٢). قال الراقم: معنى المعاطن لا يتحقق هنا لأن المتبادر أن الواقعة فى السفر. ولم يكن هنا ما يكون فى المعاطف من عدم تسوية الأرض وغيرها كما تقدم . وأما عدم حصول الطمأنينة لكونها من الشياطين، فلعل النبى حَالٍ كان مأموناً من ناقته، وخصائصه فى ناقته مشهورة والله أعلم . -: باب ما جاء إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء : - حكى عن أبى حنيفة أنه قال : لأن يكون طعامى كله صلاة أحب إلى من أن يكون صلافى كلها طعاماً، ذكره القارى فى "المرقاة" (٢ - ٦٩) عن ميرك عن "التصحيح" قال: وما أحسن ما روينا عن أبى حنيفة: لأن يكون أكلى كله صلاة أحب من أن تكون صلاتى كلها أكلآاهـ. وحضور الطعام من أعذار ترك الجماعة . وتفصيلها فى كتب الفقه من أرباب المذاهب كلها . أنظر ما ذكرنا فيما تقدم فى (باب إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء الح) ٣٩٩ بحث الصلاة عند حضور العشاء قال أبوعيسى : حديث أنس حديث حسن صحيح . وعليه العمل عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّ منهم أبو بكر وعمر وابن معمر. وبه يقول أحمد وإسحاق ، يقولان : يبدأ بالعشاء وإن فانته الصلاة فى الجماعة . سمعت الجارود يقول سمعت وكيعاً يقول فى هذا الحديث : يبدأ بالعشاء إذا كان الطعام يخاف فساده. والذى ذهب إليه بعض أهل العلم من أصحاب النبي حَله وغيرهم أشبه بالاتباع . وإنما أرادوا أن لا يقوم الرجل إلى الصلاة وقلبه مشغول بسبب شئ . وقد روى عن ابن عباس أنه قال: ((لا نقوم إلى الصلاة وفى أنفسنا شئى)) . وورد قيد الصلاة بالمغرب ، وقيد الصائم فى "مشكل الآثار" فى نفس الحديث فضيق الأمر. أخرجه فى " مشكل الآثار؟" (٢ - ٤٠٢) من طريق موسى بن أعين عن عمرو بن الحارث عن ابن شهاب أنه سمع أنس بن مالك يحدث عن رسول اللّه تٍَّ قال: ((إذا أقيمت وأحدكم صائم فليبدأ بالعشاء قبل صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم اهـ)). قال الراقم : وكذلك أخرجه ابن حبان فى " صحيحه" والطبرانى فى "الأوسط " من طريق موسى بن أعين كما فى " العمدة ( ٢ - ٧٢٧ ) و " الفتح" (٢ - ١٣٤). وذكر أن موسى بن أعين تفرد بهذه الزيادة - أى " وأحدكم صائم" - وموسى ثقة متفق عليه اهـ. وأخرجه الهيشمى فى " الزوائد" (٢ - ٤٦) وعزاه إلى الطبرانى فى " الأوسط" وقال: رجاله رجال الصحيح ، وقال : وهو فى " الصحيح" خلا قوله: (( وأحدكم صائم )) اهـ. قال الراقم : أخرجه البخارى من طريق عقيل عن ابن شهاب فى (باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة) ولفظه : - ((إذا قدم العشاء فابدءوا قبل أن تصلوا صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم)). ثم إن لفظ "العشاء" بالفتح ٤٠٠ معارف السنن ج - ٣ وروى عن عمر عن النبى عَّ لّ أنه قال: ((إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء )) . هو : طعام العشى أيضاً يشير إلى أن الصلاة هى صلاة المغرب ، قال ابن دقيق العيد : الألف واللام فى الصلاة العهد وهى المغرب ، لا للاستغراق ولا الماهية لقوله: "فابدءا بالعشاء"، وفى الرواية الأخرى: ((قبل أن تصلوا (المغرب))، والحديث يفسر بعضه بعضاً، وقال الفاكهانى: اللام للاستغراق نطراً إلى العلة وهى التشويش المفضى إلى ترك الخشوع ، وذكر المغرب لا يقتضى الحصر فيها لأن الجائع غير الصائم قد يكون أشوق إلى الأكل من الصائم . انتهى حكاية قولهما ملخصاً من " العمدة" و " الفتح"، ويقول صاحب "المعتصر": قال القاضى - أى أبو الوليد الباجى -: فالحق أن الأمر بالإبتداء بالعشاء ليس على الإطلاق ، وإنما معناه إلى الطعام صائماً كان أو غير صائم لكن طعامهم ما كان على مقدار طعامنا اليوم فى الكثرة بل على القصد والقناعة بما فيه البلغة فيبتدئ المحتاج بقدر ما يدفع توقانه ويتفرغ قلبه للإقبال على صلاته أهـ . ثم إن الأمر للندب عند الجمهور وللوجوب عند الظاهرية حتى أن من صلى والطعام حضر فصلاته باطلة كما فى " العمدة" (٢ - ٧٢٦). واختلف الجمهور فمنهم من قيده بالحاجة إلى الأكل ، وهو المشهور عند الشافعية ، وزاد الغزالى ما إذا خشى فساد المأكول ، ومنهم من لم يقيده ، وهو قول الثورى وأحمد وإسحاق: ومنهم من اختار البداءة بالصلاة إلا إذا كان الطعام خفيفا، نقله ابن المنذر عر ك، هذا ملخص ما فى " الفتح" و "العمدة". وما روى أبوداؤد من - ث جابر مرفوعاً: «لا تؤخر الصلاة لطعام ولا لغيره)، فهو ضعيف لا يقاو صحيح المذكور ، أو يحمل على أنها لا تؤخر عن وقتها ، فإذا كان الوقت يبقى بعد الطعام يبدأ بالطعام . كما فى "العمدة"