Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ بلاغات مالك كلها مسنده أنظر " الفتح" (٢ - ٩٩) و " التلخيص الحبير" (ص - ١٢٧) وتقدم تحقيقه وتفصيله فى ( باب فضل التكبيرة الأولى ) من شرحنا فلا نعيده . ثم اعلم أن ما ذكره مالك فى "مؤطئه" من أثر أبى هريرة فهو من بلاغائه ولم يسنده ، ومع هذا فلا يضرنا ، ويقوم بمثله حجة ، فإن الحافظ أباعمر ابن عبد البر قد ألف كتاباً مفرداً فى وصل ما فى "المؤطأ" من المرسل والمنقطع والمعضد، وقال فيه: جميع ما فى "الموطأ" من قوله: "بلغنى" ومن قوله: "عن الثقة" عنده مما لم يسنده أحد وستون حديثاً كلها مسندة من غير طريق مالك إلا أربعة لا تعرف، ثم ذكر تلك الأربعة وليس فيها ذلك الأثر. فعلم أنه موصول عند غيره، ثم إن ابن الصلاح وصل هذه الأحاديث الأربعة فى تأليف مستقل وإن ابن مرزوق الأكبر المعروف بالجد وبالخطيب الحافظ أفرد جزءً كذلك فى إستاد هذه الأحاديث الأربعة . والحافظ ابن أبى الدنيا أسند اثنين .فها فى " إقليد التقليد" وانظر تفصيل هذا البحث باستيفاء فى " إضاءة الحالك شرح مؤطأ مالك" (ص - ٦٣ إلى ٦٥ ) لشيخنا حبيب الله بن ما يأبى الجكى الشنقيطى. قال الشيخ : وهذا الذى ذكرنا من حمل قوله على السرية هو التحقيق عندى، والذى يذكره أهل التدريس من المعاصرين من حمله على التفكر فى النفس والتدبر فى القراءة فلا يساعده لعة، ولم يثبت القراءة فى النفس بهذا المعنى أصلاً. نعم ثبت القول فى النفس بهذا المعنى فقد يتجوزون به فى غير اللفظ كثيراً حى سموا الاعتقاد والرأى بالقول، ووجهه سيبويه كما فى " اللسان" (١٤ - ٩٠) وفى غير اللفظ . قال الشاعر . ع قالت له العينان سمعاً وطاعةً - وحدرتا كالدر لما يثقب . أنظر " اللسان" ومبسوطات المعاجم اللغوية حتى بتضح انضاحاً. ويمكن أن نقول أن الحمل على السرية أولى لأن الإسرار فى صلوات النهار مجمع عليه كما أن الجهر فى صلوات الليل متفق عليه ، فالقول بالقراءة ٢٨٢ معارف السنن ج - ١ وروى أبوعثمان النهدى عن أبى هريرة قال: ((أمرفى النبى مَّل﴾ أن أنادى أن لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب)) . واختار أصحاب الحديث أن لا يقرأ الرجل إذا جهر الإمام بالقراءة . وقالوا : يتبع سكنات الإمام . وقد اختلف أهل العلم فى القراءة خلف الإمام، فرأى أكثر أهل العلم من أصحاب النبي وَ لا؟ سراً فى الجهرية خلف الإمام شئى خلاف ما أجمع عليه فيحتاج إلى دليل قوى، فالحمل على المجمع عليه أولى ، وفى " الرحمة الغيئية" الحافظ ابن حجر: قال قلت: إنى لا أستطيع أن أقرأ مع الإمام؟ قال: اقرأ فى نفسك اهـ. فتأمله هل هو على الإنفراد أو على السرية؟ وكذا هو فى "كتاب القراءة" (ص - ١٨) مع تنبيه على وهم قتيبة فى إسناده، قاله شيخنا فى تعليقاته على "الآثار " للنيموى .. قوله : وروى أبو عثمان النهدى الخ . رواه أبو داود فى "سننه" والبخارى فى " جزئه" والطبرانى فى " معجمه" والحاكم فى " مستدركه" والبيهقى فى " كتابه " وغيرهم، كلهم من طريق أبى عثمان النهدى عن أبى هريرة قال : ((أمرنى رسول اللّه ◌َا﴾ أن أنادى أنه لا صلاة إلا بقراء فاتحة الكتاب فمازاد)) واللفظ لأنى داؤد، وعند البخارى فى "الجزء": ((وما زاد)، وله طرق شتى. وأحسنها طريق جعفر بن ميمون، وهو من ثقات البصريين، وتابعه عبد الكريم ابن رشيد عند الطبرانى كما فى " نصب الرأية" (١ - ٣٦٧) والبيهقى فى الكتاب ، ومحمحه الذهبى وغيره . وبالجملة الحديث صحيح غير أنه لا حجة فيه القارئين خلف الإمام حيث ثبتت فيه زيادة قوله: ((وما زاد)، فدل على أنه فى غير المؤتم فيكون حجة لنا لا علينا، فيكون نظير حديث عبادة بزيادة"فصاعداً" كما تقدم تحقيقه وتفصيله مستوفى". قوله : يتبع سكتات الإمام. قال الشافعية : يسكت الإمام بعد قراءة الفاتحة مكتة طويلة ليتمكن المأموم من قراءة الفاتحة. قال شيخنا: سكتة الإمام مثل ٢٨٣ بيان أن سكتة الإمام لكى بقراء الماءوم تخالف قواعد الشريعة والتابعين ومن بعدهم القراءة خلف الإمام ، وبه بقول مالك وابن المبارك والشافعى وأحمد واسحاق . هذه لكى يقرأ المأموم تخالف قواعد الشريعة فى منصب الإمام ووظيفته، فالشريعة تقول: (( إنما جعل الإمام ليؤتم به)) فتجعل الإمام متبوعاً والمؤتم نابعاً، وهؤلاء يعكسون الأمر فيجعلون الإمام تابعاً، وذكر الشافعية أربع سكتات للإمام ، ذكرها النووى فى كتابه "التبيان فى آداب حملة القرآن)) كما أسلفناه تفصيلا فى ( باب ماجاء فى السكنتين ) . منها هذه المذكورة قدر ما نسع فاتحة المأموم ، ويرد عليهم فى ذلك إشكالات بشكل الخروج عنها كم تقدم بيانها فى. (باب فضل التأمين ) ولم تثبت هذه السكتة من حديث بل اختلف رجلان من الصحابة فى السكتة نفسها فى الصلاة كما تقدم . فالحاصل أن الإشكالات على القائلين بالقراءة خلف الإمام فى الجهرية كثيرة والمخلص عنها مشكل وعسير . قوله : وبه يقول مالك الخ . تقدم تحقيق المذاهب من مصادرها الموثوقة، وعلم مما سبق تسامح الإمام الترمذى فى المذاهب وفى إجمال الأمر فيها، فالجمهور قائلون بها فى السرية لا مطلقاً ، ولا يخفى على البصير المصنف أن قول الحنفية بالترك فى السرية أقرب إلى المحجة من قول الشافعية بوجوب القراء فى الجهرية على أنه لم ينقل وجوب الترك فى السرية عن الإمام أبى حنيفة كما نقل وجوبها فى الجهرية عن الشافعية، وكلام ابن المبارك يشير إلى الرد على القائلين بماذهب إليه الشافعية ، وإن القراءة فى السرية لم يقل بوجوبها إلا قليل منهم بل ابن المبارك وأحمد ، وكثير منهم يقرءونها فى السرية اسحباباً لا وجوباً كما فى " المغنى" لابن قدامة الموفق . وبالجملة الحنفية والشافعية وإن كانوا على طرفى الأمر فالحنفية أقربهم إلى الوسط فليتنبه وليستقم، وقوم من الكوفيين هو سفيان الثورى وسفيان بن عيينة ٢٨٤ معارف السنن ج - ٣ وروى عن عبد الله بن المبارك أنه قال: أنا أقرأ خلف الإمام والناس يقرءون إلا قوم من الكوفيين ، وأرى أن من لم يقرأ صلاته جائزة ، وشدد قوم من أهل العلم فى ترك قراءة فاتحة الكتاب وإن كان خلف الإمام، فقالوا: لا تجزئ صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب وحده كان أو خلف الإمام ، وذهبوا إلى ما روى عبادة بن الصامت عن النبى ◌َّه وقرأ عبادة بن الصامت بعد النبى حَّلي خلف الإمام. وتأول قول النبي ◌َِّالجُ: ((لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب)) وأبو حنيفة كما فى "المغنى" (١ - ٦٠٨) ويقول عبد الله بن المبارك: إذا اجتمع هذان على شئ فتمسك به يعنى الثورى وأبا حنيفة كما فى " الإنتقاء " لابن عبد البر ( ص - ١٣٢ ) وهو رواية عن الأوزاعى ورواية عن أحمد ، وإليه ذهب عبد الله بن وهب وأشهب ، وهو قول سعيد بن المسبب فى جماعة من التابعين كما فى " العمدة" ( ٣ - ٦٤ و٦٥ ) قوله: وتأول. التأول فى عرف السلف واللغة بيان مآل الأمر لا ما تعورف فى ما بعدهم من صرف الكلام عن ظاهره ، وعلى عرف اللغة ما فى التنزيل العزيز: (وما يعلم تأويله) ، (يوم تأتى تأويله) ، ( ولنعلمه من تأويل الأحاديث) (هذا تأويل رؤياي) ، ( فبئنا بتأويله )، (ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبراً)، ( ذلك خبر وأحسن تأويلا) وما إلى ذلك من الآيات، وعليه ما فى الحديث : (((اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل)) وقوله: يتأول القرآن وغير ذلك وعلى هذا العرف أسماء كتب التفسير ، وعليه دأب ابن جرير فى " تفسيره": " القول فى تأويل قوله تعالى"، ويفسر الراغب فى " مفرداته" التأويل: برد الشئ إلى الغابة المرادة منه علماً كان أو فعلا الخ . ثم قد يكون مآل الشئى ومرجعه غير ما يتبادر من ظاهره فتعورف فى المتأخرين بصرف الكلام عن ظاهره ، وللتفصيل مجال آخر . ٢٨٥ تحقيق حديث جابر بن عبد الله المرفوع وبه يقول الشافعى واسحاق وغيرهما . وأما أحمد بن حنبل فقال : معنى قول النبى عَلّل: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) إذا كان وحده. واحتج بحديث جابر بن عبد الله حيث قال: (( من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا أن يكون وراء الإمام)). قال أحمد: فهذا رجل من أصحاب النبي ◌َل تأول قول النبى معَّجُ: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) أن هذا إذا كان وحده . واختار أحمد مع هذا القراءة خلف الإمام وأن لا يترك الرجل فاتحة الكتاب وإن كان خلف الإمام . حدثنا اسماق بن موسى الأنصارى نامعن نا مالك عن أبى نعيم وهب بن كيسان أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: ((من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا أن يكون وراء الإمام » . هذا حديث حسن صحيح . قوله : واختار أحمد. مذهب أحمد هو القراءة فى السرية كما تقدم. وأما فى الجهرية فلا يقول بها إلا إذا كان بعيداً لا يبلغه صوت الإمام ، ومثله فى " المغني" ( ١ - ٦٠٨). قوله : سمع جابر بن عبد الله يقول : من صلى ركعة الخ. هذا موقوف على جابر والأكثر وقفوه، ويرفعه بعضهم كا فى " شرح معاني الآثار " (١ - ١٢٨) غير أن فيه كلاماً من وجوه : الأول: أنه رفعه يحيى بن سلام عن مالك ومالك يرويه فى "مؤطئه" موقوفاً والثانى: أن يحيى بن سلام متكلم. فيه. ضعفه طائفة . والثالث: أنه وقع فى طريق اسمعيل بن موسى السدى عن مالك أنه قال لمالك: ارفعه. فقال: خذوا برجله. وبهذا غمره البيهقى. قال الشيخ: يحيى ابن سلام وثقه أربعة من المحدثين. قال الرقم : فذكر فى " اللسان" توثيقه عن ابن حبان وأبىزرعة وأبى حاتم وأبى أيوب وهم أربعة ، وزاد فى رجال الطحاوى توثيقه عن ابن الناجى أيضاً . وقال الشيخ فى "تعليقاته": وقد رفعه 2 ٢٨٦ معارف السنن ج - ٣ اسمعيل بن موسى السدى عن مالك كما فى "الجوهر النقي" وهو من رجال "التهذيب" صدوق . وكذا رفعه عاصم بن عصام عن يحيى بن نصر بن حاجب من مالك كما فى "التخريج" و"كتاب القراءة" و" اللسان"، وقد وقع فى "الكنى" من أبى الأشرس فى " اللسان" أنه بيهفى ثقة وهو مذكور فى " شرح الألفية" (ص - ٣٢٣) انتهى مختصراً. وعتاب مالك لعله لأجل تعنت السائل وتجزم بالرفع ، وعلى كل حال الحديث مختلف رفعاً ووقئاً. بحث وقنبيه : بروى أبو نعيم وهب بن كيسان ههنا عن جابر ترك القراءة خلف الإمام. ويروى أبو نعيم عند الدار قطنى فى " سننه" (ص - ١٢١) عن عبادة بما يوافق الشافعية فى قراءة الفاتحة خلف الإمام . ونقل الدار قطنى عن ابن صاعد شيخه : أن أبا نعيم هو أبونعيم المؤذن ، وذكر فى رواية زيد ابن واقد أن أبا نعيم صلى خلفه عبادة حين أبطأ عبادة لصلاة الصبح وهو عند أبى داؤد أيضاً. وأخرج البدر العينى فى " العمدة" (٣ - ٦٤ ) حديثه ذلك عن " مستدرك الحاكم" وهو فيه (١ - ٢٣٨) ، وبدل كلامه على أن أبا نعيم الراوى هنا عن عبادة هو وهب بن كيسان . قال الشيخ : ولى فيه تردد فإن وهب بن كيسان أبانعيم يروى عن جابر وابن عمر وعن صغار الصحابة أو الكبار منهم المعمرين دون من تقدمت وفاتهم ، ویذ کر فی" التهذيب" (١١ - ١٦٦) فيمن روى عنه وهب بن كيسان: ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وجابر وأنس وأبى سعيد الخدرى وغيرهم ، وذكر أنه توفى سنة (١٢٧ - هـ) وذكر فى " الإصابة" وفاة عبادة سنة أربع وثلاثين وقبل خمس وأربعين . ٢٨٧ بيان وجوه الإضطراب فى حديث عبادة وبالجملة فكيف يمكن أن يصلى عبادة خلف أبى نعيم مالم يثبت جزماً من تاريخ ولادته ووفاته ما يتحمل ذلك. وذكر فى " الإصابة " كلية محمود بن لبيد وكذا محمود بن الربيع أبا نعيم وكلاهما من الصحابة ، وهذا من الممكن أن یکون أبا نعيم هو أحدهما لاوهب بن كيسان ، وهذا أحد وجوه الاضطراب فى حديث عبادة كما أسلفناه تفصيلاً . وربما يروى عن أبى هريرة أيضاً ، وأما عبادة فتقدم الوفاة . ذكر ابن عبدالبر فى " الإستيعاب " أنه توفى سنة ٣٤ - ٨وقيل إنه عاش إلى أن توفى فى خلافة معاوية، ومثله فى "الإصابة" مع ما تقدم آنفاً ، فکیف یروى عنه، ويؤيد ذلك أنه لم یذ کر فی کتب الرجال أن أبا نعيم وهب بن كيسان بروى عن عبادة . قال الشيخ : ثم رأيت أن الذهبى فى " تلخيص المستدرك" (١ - ٢٣٨) أن ذلك - أى جعل أبى نعيم وهب بن كيسان - خطأ وهب صغير امـ أى لم يدرك عبادة . قال الراقم: والذى تبين عندى : أن أبا نعيم فى حديث عبادة هو محمود ابن الربيع الراوى عن عبادة، وما وقع فى رواية الدار قطنى ثم الحاكم عن مجمود عن أبى نعيم أنه سمع عبادة الخ ففيه أحد أمرين ألبتة ، إما أن قوله عن أبى نعيم بدل على محمود بإعادة الجار أو زيادة عن خطأ من الناسخين، والصحيح عن محمود أبى نعيم أنه سمع عبادة، وزعم الحاكم أنه وهب بن كيسان خطأ منشأه رواية أبى نعيم وهب بن كيسان عن جابر ولم يتصد إلى التحقيق والإمعان، فهذا هو القول الفصل عندى، ومن راجع جميع المظان من كتب الرجال من الأسماء ومن الكنى تبين له ذلك إن شاء الله تعالى . هذا ما تيسر الآن ذكره ، والموضوع أوسع من هذا ، وقد علمت أن ( ٢ - ٣٧ ) ١٩٠ + ٢٨٨ معارف السفن ج - ٣ الجمهور مع أبى حنيفة فى الجهرية ، وأمر السرية أهون ، وفما ذكرنا كفاية، وربما يكون الشئى أقوى تعامل وتوارثاً ، ومع هذا عدته فى الروايات تكون قليلة ، ولا يلزم من ذلك ضعف فى المسألة ، ونظير ذلك ما ذكرنا فى مسألة رفع اليدين ومسألة إخفاء التأمين ، فكان فى ترك الرفع حديث ابن مسعود ، وفى الرفع أحاديث غير أن حديث الترك كان صحيحاً أيضاً ، ولم يتخلف عن تصحيحه إلا من اختار الرفع مذهباً وفقها كالبخارى دون النسائى وأبى داؤه والترمذى وغيرهم ممن رووا حديث الترك ومشوا على تصحيحه ، فلا يتوهم من كثرة أحاديث الرفع وقلة أحاديث الترك أن الترك لحموله وعدم شهر ته بل لما ذكرنا أن الترك عدمى والرفع وجودى ، والرواة يتعرضون للوجودى لا للعدمى ، وإن قلنا أن كل من تصدى لوصف الصلاة من الصحابة وسكت عن الرفع فى غير التحريمة كان ذلك دليلاً على الترك، وإذن يكثر عدد روايات الترك ، ولا يقال أن الساكت يحمل على الناطق والحكم فى الناطق فإن الساكت فى مثل ما ذكرنا فى حكم الناطق على النفى ، ونظير ذلك ما يقوله ابن تيمية فى إخفاء انتسمية وجهرها أن الجهر نادر ، فإن أكثر الأحاديث خالية عن ذكر الجهر بها وإن يذكر فيها الإخفاء نصاً فيلزمها الإخفاء، فإن المهم ذكر الأمور الوجودية دون العدمية فإن المعقول أن يكتفى بسرد الأمور التى فعلت ، ولا داعية فى مثله لبيان التصريح بالذى لم يفعل . وبالجملة فالحديث الواحد الذى يكون نصاً فى الترك بعد غنيمة ونعمة غير مترقبة لقلة الدواعى إلى ذكر الترك وتوفر الدواعى على نقل الفعل . ومن أمعن نظره فى عمق هذا الأمر تبين له أن ذلك مما يشفى الصدور ، ولا يقال أن الرفع عزيمة والترك رخصة لأن ذلك لم يقم عليه دليل بعد ثبوت الترك والرفع جميعاً . ٢٨٩ لا يقال أن الرفع عزيمة والترك رخصة ولا يقال أن الرفع عبادة والترك لیس کذلك، لأنانقول أن وظیفة الیدین فی کل ر کڼ تكون على شاكلتها بما يلائمه كما فى القيام والركوع والسجود والقعدة، فأداء الوظيفة والقيام بالمنصبب عبادة مهما كان ذلك فعلها أو تركاً. وكذلك قلنا فى إخفاء التأمين أن الحديث فيه واحد ولكن عمل جمهور الصحابة والتابعين على الإخفاء كما حكيناه من كلام ابن جرير الطبرى، فلابد أن يرجح الإخفاء للقوة فيه تعاملا. وقد طال بى البحث فى مسألة الفاتحة خلف الإمام ، ومع شدة حرصى على القصد والإيجاز لم أتمكن من الاختصار لانشعاب الكلام ، وتصدى الشيخ فى إملائه لبسط وإيضاح. وإنى قد عالجت عناء وتعباً فى ترتيب الأبحاث طلباً للتيسير، وفى تنقيح أبحاث شيخنا بقدر ماله صلة هناك، ولقد صدق شيخنا. رحمه اللّه حيث يقول فى مفتح رسالته البديعة "فصل الخطاب فى مسألة أم الكتاب": نعم مداخل بحث هى شعوف وذكرة، لا تغنى عن مزاولة ريضة وإعمال فكرة . والشأو فى الإعتبارات الآتية فى الكلام شأو واسع والمسافة من العلوم العربية سفر شاسع. ثم إن ما أملاء الشيخ فى " العرف الشذى" لعدم ضبط صحيح شاف قد أقلقنى جداً وأتعبنى فأرجو إخوانى طلبة العلم دعوة صالحة إن استفادوا شيئاً من عنائى ومعالجتى فى تنوير خبايا الأبحاث وزوايا الأمر والله سبحانه ولى التوفيق والهداية وهو حسبنا ونعم الوكيل فنعم المولى ونعم النصير، وصلى الله على خير خلقه صفوة البرية سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، وفى ختام الكلام فى مبحث الفاتحة خلف الإمام أقول كما قال الشيخ فى ختام " فصل الخطاب" وهو كلام إمام منصف خبير قال : فاعلم أنى ما كتبت هذه السطور لقصد الرد على الشافعية - وعلى من انتجى مسلكهم - وإنما كتبت ليعلم وجه الحنفية فى اختيار الترك فكنت من المنصتين لا المنازعين ؛ فإن كنت ممن يستطيع القيام. ٤ ٢٩٠ معارف السفن ج- ٣ بالفرق بين هذين المقامين فراعه وصلى خلفى وأجزنى ولو بفاتحة الكتاب فإن لا صلاة لمن لم يقرأ بها ، وحياه الله المعارف . مساحب من جر الرفاق على الثرى - وطاقات ريحان جنى وبابس وقفت بها مصبی فجددت عهدهم - وإنى على أمثال تلك لجابس وأقول : فأوضحت أبحاثاً هناك ليشكروا - وذو العلم فى أمثال هذا ينافس والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب. ٢٩١ بيان معنى الصلاة عند دخول المسجد ( باب ما يقول عند دخوله المسجد ) حدثنا على بن حجر فا إسماعيل بن ابراهيم عن ليث عن عبد الله بن الحسن عن أمه فاطمة بنت الحسين عن جدتها فاطمة الكبرى قالت: ((كان رسول الله وَل إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم ، وقال: "رب اغفرلى ذنوبى -: باب ما يقول عند دخوله المسجد :- جاءت فى الأحاديث أذكار كثيرة عند دخول المسجد والخروج منه ، ومنها ما فى حديث الباب ، وقد جمعها النووى فى كتاب " الأذكار» والجزرى فى " الحصن" من شاء فليراجعهما . وعين الشارع عليه السلام أذكاراً فى الأحوال المتواردة المختلفة تعليماً للأمة كما أسلفناه فى (باب ما يقول إذا خرج من الخلاء فى الطهارة ) فراجعه . قوله : صلى على محمد وسلم. ذكروا استحباب الصلاة والسلام عليه حَّ يِ عند دخول المسجد بمثل هذا الحديث، قال ابن عابدين فى أواخر صفة الصلاة من " شرح الدر»: ونص العلماء على استحبابها فى مواضع يوم الجمعة وليلتها - إلى أن قال -: وعند دخول المسجد والخروج منه آهـ. قال الشيخ: ولى فيه تردد فقد يحتمل أن يكون الغرض من قوله: ((صلى على محمد وسلم )) أن يدعو كل داخل لنفسه كما أنه فعَّالٍّ دعا لنفسه بالصلاة والسلام ، فلما كان عَّ الّ هو الداخل وهو الداعى وهو المعلم للأمة وهو المتكلم وقع التعبير هكذا والله أعلم . أقول : ولكنه ورد حديث قولى فى ذلك من حديث أبى حميد الذى أشار إليه الترمذى فى الباب قال رسول اللّه عَرٍّ: ((إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبى معَّه ثم ليقل: "اللهم افتح لى أبواب رحمتك" وإذا خرج فليقل : " أللهم إنى أسئلك من فضلك")). وكذلك ورد الأمر بذلك فى حديث أبى هريرة رواهما ابن ماجه فى " سننه" (ص - ٥٦) (باب الدعاء عند ٢٩٢ معارف السنن ج - ٣ وافتح لى أبواب رحمتك"، وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال: "رب اغفرلى ذنوبى وافتح لى أبواب فضلك " )). وقال على بن حجر قال اسماعيل بن إبراهيم : فلقيت عبد الله بن الحسن بمكة فسألته عن هذا الحديث فحدثنى به قال: ((كان إذا دخل قال: " ربه افتح لى أبواب رحمتك " وإذا خرج قال: "رب افتح لى أبواب فضلك")). وفى الباب عن أبیحید و أنی أُسید و أبى هريرة دخول المسجد) والأول فقط الدارمى أيضاً ( ص - ١٦٨) بلفظه ، غير أن حديث أبى حميد عند مسلم وأحمد خال عن ذكر السلام ، وحديث أبى هريرة رواه النسائي وابن حبان وابن السنى والحاكم أيضاً كما أشار إليه فى " الحصن" وشرحه للشيخ اللكنوى ، وكذا ورد الأمر بالصلاة والسلام عند الخروج أيضاً، أنظر " الحصن " قوله : أبواب فضلك. خصص الفضل بالخروج من المسجد كما خصص الرحمة بالدخول فيه ، والوجه فيه أن من دخل اشتغل بما يزلفه إلى ثوابه ، فناسب ذكر الرحمة ، وإذا خرج اشتغل بابتغاء الرزق فناسب ذكر الفضل . حكاه فى "المرقاة" (١ - ٤٥٣) عن الطيبى، وزاد الإستشهاد بقول الله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض وابتغوا من فضل الله ). ويقول الشاه ولى الله فى " الحجة البالغة": أن الرحمة يرادبها النعم الروحانية الأخروية كالولاية والنبوة كما فى قوله: (ورحمة ربك خير مما يجمعون). والفضل يراد بها النعم الدنيوية كما فى قوله: فضلا من ربكم وابتغوا من فضل الله، فالدا خل يطلب القرب من الله ، والخارج يبتغى الرزق انتهى ملخصاً ٢٩٣ تحقيق لفظ " تحية المسجد " قال أبوعيسى : حديث فاطمة حديث حسن،، وليس إسناده بمتصل ، وفاطمة ابنة الحسين لم تدرك فاطمة الكبرى، إنما عاشت فاطمة بعد النبى عَلَه أشهراً. (باب ما جاء اذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين) حدثنا قتيبة بن سعيد فا مالك بن أنس عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن قوله : حديث حسن الخ . حسن الترمذى حديث الباب مع أنه منقطع كما يصرح به ، وكذلك فعل فى مواضع من هذا الكتاب ، وذلك يدلنا على أن أصحاب الفن ربما يحكمون على الحديث نظراً إلى أذواقهم الخاصة ولا يراعون القواعد العامة والأصول المدونة أفاده الشيخ . قال الراقم : وقد تكلف من تأول أنه حسنه نظراً إلى شواهده فإن مثل ذلك من قبيل الحسن لغيره ، والمتبادر فى مثل ما ههنا الحسن لذاته على أنه لو نظر إلى شواهده لكان يستحق أن يجعله صحيحاً ولا ينزل إلى حسنه ، وأنت ترى أن الحديث من رواية أبي حميد وأبى أسيد أو كليهما معاً ، ومن رواية أبى هريرة كله صحيح من غير ما شك وريب والله أعلم . -: باب ما جاء إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين :- الصلاة هذه تسمى تحية المسجد ، سنة عندنا وعند الكل ، عبر عنها بالسنة صاحب " الدر المختار"، وعبر عنها صاحب "الخلاصة" بأنها مستحبة، وكذلك اختلف فيها كلمات المالكية والشافعية، والأمر التجارب ، وذاكر تظل النا أن فى لفظ " تحية المسجد" تجوز، وفى الحقيقة " تحية رب لام المقصود بها التقرب إليه تعالى لا للمنزل ، وقد ورد تسمية هذه الصلاة تحية فى حديث أخرجه ان حبان فى "صحيحه": ((يا أبا ذر إن للمسجد تحبة وإن تحيته ركعتان فقم فاركعها))، ذكره فى " الحلية" كما فى "رد المختار" ٠ ٢٩٤ معارف السنن ج - ٣ عمرو بن سليم الزرقى عن أبي قتادة قال قال رسول اللّه حَ اجٍ: (( إذا جاء أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس)). قال : وفى الباب عن جابر وأبى أمامة وأبىهريرة وأبىذر وكعب بن مالك . قال أبوعيسى : وحديث أبىقتادة حديث حسن مصیح . وقد روى هذا الحديث محمد بن عجلان وغير واحد عن عامر بن عبد الله بن الزبير نحو رواية مالك بن أنس ، وروى سهيل بن أبى صالح هذا الحديث عن عامر بن وقال داؤد الظاهرى بوجوبها أيضاً ، كذلك حكى المذاهب البدر العينى فى " العمدة" (٢ - ٣٨٥) عن ابن بطال والسفاقسى، وذهب ابن حزم من الظاهرية إلى عدم الوجوب كما فى " الفتح" (١ - ٤٤٧)، وانظر فيها تفصيل أدلة الفريقين، فإذا دخل وصلى الفرائض أو السنن سقطت عنه ، وأحرز ثوابها أيضاً وإن لم ينوها ، فإن تلك الفريضة قامت مقام التحية لحصول تعظيم المسجد ، كما فى " البدائع"، وراجع التفصيل " ابن عابدين على الدر" من النوافل ، وكذلك المسألة عند الشافعية كما فى " المجموع" (٤ - ٥٢). وإن لم يصل شيئاً فقد فات عنه التحية ، ولا تصلى عندنا فى الأوقات المكروهة وتصلى عند الشافعية فيها أيضاً فالحنفية قالوا بكراهتها فى الأوقات المكروهة تقديماً لعموم الحاظر على عموم المبيح ، وهو مذهب المالكية كما فى " الفتح"، ورواية عن الشافعى كما فى " العمدة" والأصح عند الشافعى أداؤها فيها ذهاباً إلى تعميم الأمر وتخصيص النهى ، وكل ما له سبب جديد يرتفع به الكراهة كما تقدم تفصيل ذلك فى المواقيت . قوله : قبل أن يجلس . هذا هو السنة أى الصلاة قبل الجلوس . قال الشيخ: وجهلة العصر يجلسون شيئاً ثم يصلون وهو خلاف نص الحديث، ومنشأه سوء الجهل . وكذلك صرح القارى وغيره ولكن فى "الطحطاوى على المراقى": أن أدائها بعد الجلوس قول للبعض ، وأوضح منه ما فى مكروهات " البحر" ٢٩٥ . بحث تحية المسجد قبل الجلوس" عبد الله بن الزبير عن عمرو بن سليم عن جابر بن عبد الله على النى عَلَم ، وهذا حديث غير محفوظ والصحيح حديث أبى قتادة ، والعمل على هذا الحديث عند أصحابنا: استحبوا إذا دخل الرجل المسجد أن لا يجلس حتى يصلى الركعتين إلا أن يكون له عذر . قال على بن المدينى : وحديث سهيل بن أبى صالح خطأ أخبرنى بذلك إسحاق بن ابراهيم عن على بن المدينى . من الجزء الثانى . ثم إن من جلس لا تسقط عندنا كما فى "البحر"؛ ولعله كذلك مذهب الشافعية كما يستفاد من " الفتح"، وبدل عليه ما رواه ابن حبان فى "صحيحه" من حديث أبى ذر: ( أنه دخل المسجد فقال له النبي ◌َا} : أركعت ركعتين؟ قال: لا، ثم قال: قم فاركعهما)). وترجم عليه ابن حبان ( باب تحية المسجد لا تفوت بالجلوس ) وقال المحب الطبرى: يحتمل أن يقال وقتها قبل الجلوس وقت فضيلة، وبعده وقت جواز ، أو يقال وقتها قبله أداء وبعده قضاء ، ويحتمل أن يحمل مشروعيتها بعد الجلوس على إذا ما لم يطل الفصل.، كذا فى "العمدة" و"الفتح"، ثم رأيت فى " المجموع". (٤ - ٥٣ ) أن أصل مذهب الشافعية أنها تفوت بالجلوس ، وصح صاحب " المجموع" أنه إن طال الفصل تفوت وإلا لا. تنبيهات : إن لم يتمكن من تحية المسجد لحدث أو شغل أو لكراهة فى الوقت عند الحنفية يستحب له أن يقول: "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" قاله أبو طالب فى "القوت" كما فى " رد المحتار »، وتكفى لكل يوم مرة إذا تكرر دخوله عندنا كما فى "الدر المختار"، وكذلك قال المحاملى من الشافعية كما فى " المجموع"، وقال صاحب " التتمة " منهم: تستحب لكل .مرة ، وقواه النووى لظاهر الحديث . وتحية المسجد الحرام الطواف كما ذكره ٢٩٦ معارف السنن ج - م (باب ماجاء أن الأرض كلها مسجد الا المقبرة والحمام) حدثنا: ابن أبى عمر وأبو عمار الحسين بن حريث قالا: نا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن يجبى عن أبيه عن أبى سعيد الخدرى قال قال رسول الله عَلَا﴾ : ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام)). وفى الباب عن على وعبد الله بن عمرو وأبى هريرة وجابر وابن عباس وحذيفة وأنس وأبى أمامة وأبى ذر قالوا: إن النبىِ نَّ لم قال: ((جعلت لى الأرض كلها مسجداً وطهوراً » . القارى فى " شرح المناسك"، واتفقوا على أن الإمام لو كان يصلى المكتوبة أو أخذ المؤذن فى الإقامة أنه يتركها . -: باب ماجاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام :- المقبرة: مثلثة الباء ، وكمكنسة موضعها كما فى "القاموس". والمقبرة بالتاء: ما فيها قبور كثيرة، وإن كان فيها قبر واحد فهو مقبر بغيرتاء . وهذا فرق لغوى فقد تقرر فى موضعه من كتب الصرف أن المفعلة بضم العين مع التاء التكثير المكحلة والمقبرة، كما أن فتح العين فيها لبيان السبب كالمندمة والمأئمة، وبغير التاء للظرف مطلقاً كما قيل : المفعل للموضع والمفعل للآلة ، الفعلة للمرة والفعلة لحالة. وفيه بعض تفصيل آخر فى " العمدة" (٢ - ٣٦٧). قال الشيخ: وفى "الجامع الصغير" للإمام محمد: إن الصلاة مكروهة إذا كان فى قبلة المصلى قبر إلا أن يكون بين المصلى وبينه حائل ، أو كان القبر عن يمينه أو عن شماله ، قال الراقم : ليس عندى " الجامع الصغير" ولم أجد لفظه فيما عندى من المراجع، وقال فى "فتح القدير" (١ - ٢٩٧) من المكروهات: ويكره وقدامه عذرة كما يكره أن تكون قبلة المسجد إلى حمام أو مخرج أو قبر، فإن كان بينه وبين هذه حائل حائط لا يكره اهـ . ومسألة كراهة الصلاة فى المقبرة ٢٩٧ بيان مواضع تكره فيها الصلاة قال أبو عيسى : حدیث أبیسعید قد روى عن عبد العزيز بن محمد روايتين منهم من ذکره عن أبیسعید ومنهم من لم یذ کره، و هذا حديث فيه اضطراب، روى سفيان الثورى عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبى معَّ ل مرسلو، ورواه حماد بن سلمة عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبى سعيد عن النبى حَلٍ، ورواه محمد ابن اسحاق عن عمرو بن يحيى عن أبيه قال: وكان عامة روايته عن أبى سعيد عن النبى ◌َُّلّ، ولم يذكر فيه عن أبى سعيد. والحمام ومعاطن الإبل والمزبلة والحزرة مذكورة فى " المنية " و " شرحها" و "البحر" و"نور الإيضاح" و"زاد الفقير" وغيرها. وفى جنائز" المضمرات" كما فى " الطحطاوى على المراقى": لا تكره الصلاة إلى جهة القبر إلا إذا كان بين يديه بحيث لوصلى صلاة الخاشعين وقع بصره عليه اهـ. ومثله فى "العالمكيرية" عن "التاتار خانية". وفى "البحر" وغيره عن "فتاوى قاضيخان": إذا غسل موضعاً فى الحمام ليس فيه تمثال وصلى فيه لا بأس به، وكذا فى المقبرة إذا كان فيها موضع آخر أعد للصلاة وليس فيه قبر ولا نجاسة اهـ . وأما الصلاة فى نفمن المقبرة فاختلفوا : فأبو حنيفة والثورى والأوزاعى إلى الكراهة فيها ، وهو رواية أبى مصعب عن مالك، ولم يربها بأساً فى رواية . وأحمد والظاهرية إلى التحريم، وفرق الشافعى بين المنبوشة وغيرها فقال : إذا كانت مختلطة التراب بلحوم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم لم تجز ، فإن صلى فى مكان طاهر منها أجزأنه صلاته . هكذا فصل البدر العينى فى "العمدة" (٢ - ٣٥١) وراجعها للمزيد .. وكون الأرض كلها مسجداً من خصائص الأمة المحمدية . والأمم السابقة كانوا مأمورين بالصلاة فى معابدهم الخاصة، وكان عيسى عليه السلام سياحاً فكانت صلواتهم فى الكنائس والبيع خاضة، فكثرت لأجل ذلك الكنائس والبيع فى بلاد الشام، أفاده الشيخ رحمه الله . ( م - ٣٨ ) ٢٩٨ معارف السفن ج - ٣ وكأن رواية الثورى عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبى ◌ّ الِ أثبت وأُصح. ( باب ما جاء فى فضل بنيان المسجد ) حدثنا بندارنا أبو بكر الجنفى نا عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن محمود ابن لبيد عن عثمان بن عفان قال سمعت رسول الله عَّلُ يقول: ((من بنى الله قوله : وكأن رواية الثورى الخ . رجح الترمذى المرسل وجعل الإتصال مرجوحاً . قال الحافظ فى " الفتح" (١ - ٤٤١) بعد ذكر حديث أبى سعيد هذا: رجاله ثقات لكن اختلف فى وصله وإرساله، وحكم مع ذلك بصحته الحاكم وابن حبان اهـ. ومما ذكر فى " التلخيص" (ص - ١٠٧ ): أن الدار قطنى قال فى "العلل": المرسل المحفوظ، ورجح البيهقى المرسل أيضاً، وقال الشافعى: وجدته عندى عن ابن عيينة موصولاً ومرسلا. ورواه عبد الواحد بن زياد وعبد الله بن عبد الرحمن ومحمد بن اسحاق عن عمرو بن يحيى موصولاً ، ونقل عن النووى تضعيفه ، وكذا نقل عن ابن دحية أنه لا يصح من طريق ، قال : ولم يصب آهـ . -: باب ما جاء فى فضل بنيان المسجد :- قوله: من بنى، البناء أعم من أن يكون إنشاءً أو توسيعاً وتشييداً أو تجديداً أو إصلاحاً ، فعثمان رضى الله عنه قد جدد ووسع وشيد ولم يكن هو البانى إنشاء، ومع هذا فقد احتج بالحديث هذا، أنظر " العمدة" ( ٢ -. ٣٩٧) و " الفتح" (١ - ٤٥٣). قوله: لله. وفى رواية البخارى فى "صحيحه": قال بكير: خسبت أنه قال: ((يبتغى به وجه الله)) قال البدر العينى: وهذه الجملة معترضة وقعت فى البين ولم يجزم بها بكير ، ولفظ جميع من روى الحديث : " لله" فكأن بكيراً نسى لفظة " الله" فذكرها بالمعنى، والمراد بها معاً الإخلاص: وقال ٢٩٩ بيان بناء المسجد النبوى مسجداً بنى الله له ابن الجوزى : من كتب اسمه على المسجد الذى يبنيه كان بعيداً عن الإخلاص ١هـ، فمن بناه بالأجرة لا يحصل له هذا الوعد ، نعم يؤجر فى الجملة انتهى ملخصاً ومختصراً ، ومثله فى " الفتح"، وراجع " العمدة" لمزيد البحث. قوله : مسجداً . التنوين فيه للتنكير ليعم كل مسجد صغيراً كان أو كبيراً، ويدل عليه حديث أنس عند الترمذى فى الباب نفسه ، وأحاديث أخر نجد تفصيلها فى " العمدة " و " الفتح " . قوله : بنى اللّه، إسناد البناء إليه تعالى مجاز اتفاقاً قطعاً. وإظهار الفاعل فيه التفخيم شأن المسجد ، وهو الوجه عندى ، أو تعظيم ذكر الله والاستلذاذ بتكراره كما فى " العمدة" و "الفتح"، ولا تنافى بين هذا وذاك. ثم المسجد النبوى بنى فى عهده جَ لّ مرتين كما ذكره السمهودى فى مواضع من "الوفا" فى الباب الرابع من الجزء الأول وقال فيه (١ - ٢٤١): وبناه النبي ◌ٍَّ مرتين - بناه حين قدم أقل من مائة فى مائة، فلما فتح الله عليه خيبر بناه وزاده علبه مثله فى الدور آمـ. ثم حقق أن المراد من ذكر مائى ذراع الأشبار لا الأذرع - : مرة ستين ذراعاً فى سبعين ، ومرة مائة فى مائة ، أفاده الشيخ . وذكر فى " الوفا" فيه أربع روايات وهذه واحدة منها ، أنظر (١ - ٢٤٢ و ٢٤٣) من "الوفا". ولم يقف بعضهم على بناء المسجد فى عهده حَ لّ مرتين ، وقد نبه عليه السيد السمهودى فى "الوفا بأخبار ذار المصطفى" (ص - ٢٣٣ و ٢٣٦ و٢٣٩ و٢٤١) كلها من الجزء الأول، ثم بناه الصديق على الهيئة الأولى من غير توسيع ، ثم بناه الفاروق على الهيئة الأولى مع توسعة فى ساحته ، ثم بناء عثمان بالحجارة المنقوشة ووسعه وشيده ، روى البخارى فى " صيحه" فى (باب بنيان المسجد) من حديث عبد الله بن ٣٠٠ معارف السنن ج - ٣ عمر: ((إن المسجد كان على عهد رسول اللّه مَُّلّ مبنياً باللبن وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل ، فلم يزد فيه أبوبكر شيئاً ، وزاد فيه عمر وبناء على بنيائه فى عهد رسول اللّه چګ﴾ باللبن والجريد وأعاد عمده خشباً، ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج )) قال الشيخ : ولم يكن نقش الحجارة كما تعورف فى عصرنا هذا من التكلف والغلو بدقائق النقوش . قال الراقم : وقد قرأت فى مصدر موثوق لا أحفظه الآن أن تلك الحجارة المنقوشة التى بنى بها عثمان لم يتكلف هو نقشها وإنما حصلت هى كذلك منقوشة فى بعض الفتوحات والله أعلم . ومع هذا اعترضوا عليه وأكثروا الكلام وأنكروا عليه التغيير فى الهيئة مما كان عليها فى عهد الشيخين فقام خطيباً فيهم كما هو مصرح ذلك فى رواية البخارى فى (باب من بنى مسجداً). واحتج بحديث الباب ((من بنى الله مسجداً الخ)) وأما بناء المسجد الباقى اليوم فهو من بناء السلطان عبد المجيد محان ، وقد ميز فى المسجد فى حدود بنائه فى عهد النبوة ثم الخلفاء ، ومن أراد أن يقف على وصف المسجد النبوى وصفاً دقيقاً تاريخياً وجغرافياً من أول يوم بنائه إلى عهد السلطان عبدالمجيد العثمانى وهو على عمارته إلى اليوم فليراجع كتاب " مرآة الحر مين" (من ١ - ٤٤٨ إلى ٤٦٨) لإبراهيم رفعت باشا المصرى ، فشفى وكفى ، وذكر أن نفقات عمارة السلطان عبد المجيد التى ابتدأت فى سنة (١٢٦٥ - هـ ) وانتهت فى سنة ( ١٢٧٧ - هـ) ثلاثة أرباع مليون من الجنيهات المحيدية (الذهبية). مسألة : إحكام بناء المسجد وتشييده جائز اتفاقاً من غير ربب. وأما نقشه و تزیینه کما تعورف فىعصرنا فاختلف فيه فقهاؤنا، فقيل: یکره، و قیل: لا بأس به إذا كان من مال المتولى نفسه، وإن فعل من مال الوقف يضمن . ذكر صاحب « الهداية» قبيل الوتر هذين القولين ، وذكر قولاً ثالثاً : أنه قربة ، وقال ابن الحمام :