Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ تحقيق مذهب عبادة فى القراءة خلف الإمام وعند الدار قطنى عن نافع بن محمود: ((فجعل عبادة يقرأ بأم القرآن. فلما انصرف قلت لعبادة : قد صنعت شيئاً فلا أدرى أسنة هى أم سهو كان منك ١هـ)) فالحاصل أن هذا كله تؤيد الوقف ، وبه أصله ابن تيمية كما عرفت ، وعلم من ذلك أمور : الأول: إن عبادة فعل ذلك استدلالاً بحديث: ((لا صلاة))، ورجح جانب الفعل على الترك . والثانى : إن القراءة خلف الإمام لم تكن معروفة ولا سنة سائرة ، وإلا فكيف تخفى حالها وكيف يتعجب السائل من قراءته . والثالث : إن عبادة ما كان يقرأها إيجاباً عنده ، فإن عبادة لم يأمر ذلك السائل المتعجب بإعادة صلاته ، ولم يفته بها ، ولم يعلمه بأنه أضاع صلواته طول عمره ، وكذلك أعله الحافظ ابن رجب الحنبلى . ثم إنه يظهر من روايات غير عبادة من الصحابة أنهما حديثان جمعهما عبادة ، وروى أبو هريرة كليهما مفرداً مفرداً، فعنده حديث: ((أمره أن يخرج فينادى أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد )) وليس جعفر متفرداً به كما فى " التهذيب" عن العقيلى بل تابعه عبد الكريم بن رشيد من رجال النسائى فى كتاب القراءة ( ص - ١٤) وعند حديث الاختلاط من طريق ابن أكيمة ثم هو يفى بالترك فى الجهرية رجحاناً . وأما اضطرابه فى الإسناد فمن عبادة إلى عبد الله بن عمرو ، وبه أعله " أبو عمر فى "تمهيده" على خلاف ما نقله عن أبى عمر ابن رشد فى "قواعده" ، وغالب استمداده عن "الإستذ كار" وفيه من مذهب عبد الله بن عمرو: الترك فى الجهرية كما "إمام الكلام"، ولعل الصواب فى نسخة "القواعد" أبو محمد بدل أبى عمر، فإن مختار ابن حزم الوجوب كما فى "فتاوى ابن تيمية" و "العمدة" وأعله الحافظ ابن قيمية فى "فتاواه" بغلط الراوى فيه . ٢٠٢ معارف السفن ج - ٣ وأما الاضطراب فى المتن فقد اجتمع عندى أحد عشر لفظاً فيه ، وفيه الاضطراب أن السائل عن عبادة هل هو محمود أو نافع ، ولا أريد الاختلاف فى الرواية عن محمود أونافع ، وإنما أريد صورة السؤال ، فبعضهم يجعله محمود وبعضهم يجعله النافع بعين تلك الألفاظ، ويرقب السؤال عن عبادة على سماع كل منها عنه الفاتحة ، وهويجنبه ويوجه السماع منه بقربه . وهذا يدل على أن السؤال عن أحدهما فقط ، والواقعة واحدة ، وأعجب من ذلك أن البخارى فى "جزئه" لا يجعل لنافع مدخلا ما فى هذا الحديث وكذا فى "خلق أفعال العباد" له، ولم یذ کر نافعاً فى تاريخه . وبالجملة هذه وجوه من الاضطراب . هذا ملخص ما أفاده الشيخ فى "فصل الخطاب" ببعض زيادة من الراقم، وأشاررحمه الله إلى وجوه اضطراب المتن، ولم يتعرض لذكرها ، وذكرها فى "تعليقات آثار السنن" بإشارات مختصرة وأنا أريد أن أفصلها بتوفيق الله سبحانه مع ذكر اضطراب الإسناد قبله بكلام منضبط . فأما إضطراب سنده فهو على وجوه : ١ -: قارة يرويه مكحول عن عبادة منقطعاً، فإنه لم يسمع من عبادة بالإتفاق وذلك عند الدار قطنى والبيهقى وغيرهما . ٢ -: وقارة يروى عن نافع بن محمود عن عبادة كما هو عند أبى داؤد والبيهقى وغيرهما . ٣ -: وقارة يروى عن محمود بن الربيع عن عبادة، كما هو عند الترمذى وأبى داؤد وآخرين من طريق محمد بن اسحاق . ٤ - : وتارة أخرى يروى عن محمود عن أبى نعيم أنه سمع عبادة كما هو عند الحاكم فى "مستدركه" والدار قطنى فى "سننه". ٢٠٣ ذكر وجوه الإضطراب فى حديث عبادة ٥ - : ومرة يروى عن نافع عن محمود بن الربيع عن عبادة ، كما هو فى "الإصابة" فى ترجمة محمود (٣ - ٣٨٦) عن الدار قطنى . ٦ -: وحيناً يروى مكحول عن عبد الله بن عمرو، ويجعل القصة قصته كما أشار إليه المارديني . ٧ -: وحيناً آخر يروى مكحول عن رجاء بن حيوة عن عبد الله بن عمرو ، كما أشار إليه الماردينى أيضاً . ٨ -: وطوراً يروى رجاء من محمود موقوفاً على عبادة عند الطحاوى فى أحكامه كما حكاه المارديني . فهذه ثمانية وجوه من اضطرابه فى الإسناد رفعاً ووقفاً وانقطاعاً واتصالاً واختلافاً شديداً فى أن الراوى عن عبادة هل هو نافع أو محمود أو أبو نعيم ؟ وهل القصة لعبادة أو لعبد الله بن عمرو ؟ ومستبعد جداً أن تكون الواقعة لكليهما فإن المخرج واحد، وهل الواقعة فى عهد عبادة أوفى عهده فَّ له، وأضف إلى ذلك أن المنقطع ليس بحجة ، وأن نافعاً هذا مجهول ، وأن أبا نعيم مختلف فى نعيينه . فهل مثل هذا المضطرب الشديد يكون حجة ؟ ! . وأما اضطراب متنه فهو كذلك على وجوه كثيرة : ١ -: لفظ أبى داؤد والترمذى وآخرين مع القصة من طريق ابن اسحاق عن مكحول . ٢ -: لفظ أبى داؤد فى " سفنه" من طريق زيد بن واقد عن مكحول . ٣ -: لفظ الدار قطنى فى " سفنه" من طريق الوليد بن مسلم عن سعيد بن عبد العزيز عن مكحول: ((هل تقرؤن فى الصلاة معى؟ قال: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب)). ٤ - : لفظ الدار قطنى فى " سنته" من طريق الزبيدى عن مكحول عن عبادة مرسلة: ((فلا تقرءوا إلا بأم القرآن سراً فى أنفسكم)). وفيه أحمد بن ٢٫٠٤ معارف السنن ج - ٣ الفرج وبقية ، وراجع لابن الفرج " نصب الراية " من حديث : (( الوضوء من كل دم سائل )). • -: لفظ الدار قطنى فى "سننه" من طريق زيد بن واقد عن حرام بن حكيم ومكحول عن نافع ... قال: منكم من أحد يقرأ شيئاً من القرآن، إذا جهرت بالقرآن ؟ قلنا : نعم يارسول الله، فقال رسول الله بدل وأنا أقول : مالى أنازع القرآن، فلابقر أن أحد منكم شيئاً من القرآن إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن)) . ٦ -: لفظ الدار قطنى فى " سننه" من طريق ابن عيينة عن ابن شهاب عن محمود عن عبادة بن الصامت: ((إن النبى ◌َّ قال: أم القرآن عوض من غيرها ، وليس غيرها منها بعوض ) ٧ - : لفظ البيهقى من طريق العلاء بن الحارث من غير ذكر صدر الحديث: سمعت رسول اللّه ◌َ لّ يقول: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب إمام وغير إمام )). ٨ -: لفظ الطبرانى فى " معجمه الكبير": ((من صلى خلف الإمام فليقرأ بفاتحة الكتاب))، ذكره فى "كنز العمال". قال الراقم : وبعد تسليمه غير معلول لا يستقيم به استدلالهم، فإن مفهومه المخالف أن لا يقرأ بها لولم يكن خلفه وهو باطل بالإجماع بيننا وبينهم، والمفهوم عندهم حجة . ٩ -: لفظ الطبرانى المذكور فى "زوائد الهيشمى" بلفظ: ((من قرأ خلف الإمام الخ )، وهذا اللفظ للتخيير والإباحة ١٠ -: سياق أحمد فى "مسنده" (٥ - ٣٢٢) من طريق ابن اسحاق : ((فلا عليكم أن تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة إلا بها )). ٢٠٥ ذكر بقية الإضطرابات فى لفظ حديث عبادة ١١ -: لفظ الطبرانى فى "الأوسط": ((لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب وآيتين معها ، أخرجه الهيثمى فى " الزوائد". ١٢ -: لفظ البيهقى فى "كتاب القراءة": ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب خلف الإمام)، وصححه . وفى " فصل الخطاب" (ص - ٧٩) فصل مستقل فى تعليل هذه الزيادة . قال : وتصحيحها من حيث صنعة المحدثين فى غاية الاستعجاب ، ولا شك فى ادراجها ولوحلف به أحد لكان باراً ، ولعلها من محمد بن يحيى الصفار نفقها وأخذاً بالعموم اهـ ملخصاً . قال الزاقم : وفيه ما فى الثامن . ١٣ -: لفظ اسمعيل بن سعيد الشالنجى - صاحب الإمام أحمد - ((أمرنا رسول اللّه عَّ ليل أن نقرأ بفاتحة الكتاب فى كل ركعة)) أخرجه فى " التلخيص " . فهذه ثلاثة عشر لفظاً فى حديث عبادة ، وإن أضفنا إليه حديث معمر عن الزهرى بلفظ الشيخين، وحديث معمر عن الزهرى عند مسلم والنسائى بزيادة قوله " فصاعداً" واخترنا أن الحديث واحد كما ذكره الحافظ فتبلغ وجوه الاضطراب إلى خمسة عشر وجهاً، وإلى خمسة عشر لفظاً، وكل هذا يدلنا على أن ألفاظ الصحيحة. ما عند الشيخين من غير قصة الاختلاط ، فمن العجيب والعجائب جمة : أن يصححوا مثل هذا ، وهذه الوجوه فيه أمامك وأحسنها حالاً طريق ابن اسحاق فى السنن، وقد تفرد به ، وقد صرحوا فى غير ما موضع : بأنه لا يحتج بما انفرد به من الأحكام كالحافظ ابن حجر فى "الدراية" من كتاب الحج ، وقبل الذهبى فى "الميزان" وقبل الذهبى البيهقى فى "الأسماء والصفات" ( ص - ٢٩٧ طبع الهند) ولفظه أنه لا يحتج به فى الحلال والحرام وهذا فضلاً من كلمات قاسية فيه مما طفحت به كتب الرجال ، وشحنت به. أسفار الجرح والتعديل ، ثم مع هذا يتصدون لاسقاط مثل حديث معمر عن ٢٠٦ معارف السنن ج - ٣ الزهرى عند مسلم ويعللونه، والحافظ فى "الفتح" (١٢ - ٨١) يصرح بأن معمراً وشعيباً فى غاية الجلالة فى الزهرى اهـ . وشعيب هذا أيضاً تابعه فيه مع آخرين من ثقات أصحاب الزهرى كما سيأتى قريباً تفصيله . وسئل أحمد : من أثبت الناس فى الزهرى ؟ قال: معمر . كما حكاه الحافظ فى "مقدمته" (ص - ٤٥٥). وقال ابن معين: أثبت الناس فى الزهرى مالك ومعمر ، كما فى "التهذيب" (١٠ - ٢٤٤)، وكذلك فى "التهذيب" عن ابن معين بأن معمراً أحب إليه فى الزهرى من ان عيينة وصالح بن كيسان ويونس ، فأرجو القارى الكريم أن ينصف فى هذا التفريط وفى ذلك الافراط . وأن يحكم بما يمليه عليه نصفته . وسيتضح قريباً أنه يروى مع عبادة هذا الحديث بمعنى ما عند مسلم أبوهريرة وأبو سعيد وعائشة ورفاعة بن رافع عند أرباب السنن وجماعة ممن عداهم خارج السنن كما فى " الكنز" و "الزوائد"، ثم مع هذا لا نجد فى رواياتهم أثراً من تلك القصة وحديث الاختلاط ، فهل مثل ذلك يكون صحيحاً ، ومحفوظاً ومحتجاً به؟! فى مسألة هى فى غاية من الأهمية من مسائل الصلاة ، فى مسألة خالف الشافعى فيها جمهور الأمة وجماهير أهل المذاهب بل خالف الإجماع فى أمر بضادم ظاهره القرآن والسنة فهل تبقى مسكة فى الاحتجاج بمثله أمام هذه البينات ! ؟ والله يقول الحق وهو يهدى السبيل . وأما ثانياً : فبعد تسليمه صحيحاً لا حجة لهم فيه على وجوب الفاتحة خلف الإمام . قال الشيخ: وقد أفاد فى ذلك مسند وقته مولانا الشيخ رشيد أحمد الکنکومی کلاماً جيداً أذكره وأضيف إليه أشیاء تؤيد كلامه تاییداً . قال ١٠٠ رحمه الله (١): حديث عبادة فى الباب لا يدل على وجوب الفاتحة على المقتدى، (١) أى فى رسالته: " هداية المعتدى فى قراءة المقتدى"، والرسالة هده باللغة الأردية ، المذكور هنا ترجمته إلى العربية بتلخيص وتحرير بضوء أصل الرسالة وبالله التوفيق ٢٠٧ بيان توجيه حديث محمد بن اسحق فى القراءة خلف الإمام فإن فيه استثناء من النهى، وهو لا يفيد إلا الإباحة (١) ما لم يقم عليه دليل آخر الوجوب أو الندب . توضيحه : أن الحديث منع قراءة المقتدى لأجل المنازعة ولكنه أباح الفاتحة لقلة وجود النزاع فيها لأنها لكثرة تردادها فى الصلوات وتداولها على الألسنة ، وشدة مرانها سهلت قراءتها من غير أن تختلط القراءة على الإمام . وأيضاً لها أهميتها فى الصلاة حيث لاصلاة بغيرها المقتدى ، فأثرت هذه الأمور فى تخفيف أمر النزاع . وإن ما زاد على الفاتحة ليس له تلك الأهمية ولا ذلك العناية وإنها لم تتعين تعين الفاتحة وإنما هو واجب مخير بين هذا وذاك ، ولم يتداول تداول الفاتحة ، فبقى فيه أثر النزاع على أصله ، فمن أجل ذلك تحملت الإباحة فى الفاتحة ، ولم تتحمل فيما زاد عليها . ولا يتوهم الإيجاب من قوله : "فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" فإنه وإن خرج مخرج التعليل لكنه ليس بتعليل ، وإنما هو استشهاد لأجل إباحتها هناك على وجوبها فى غير ذلك ، كالإمام والمنفرد ، فإن الحديث مختصراً كما فى رواية الشيخين، وزيادة قوله ((فصاعداً) عند مسلم والنسائى وغيرهما من طريق معمر وغيره ، وبالقصة كما فى المسانيد والسنن كله حديث واحد ، واختلاف من الرواة فتارة يختصرونه ، وقارة يذكرون فيه القصة ، فإذا اعتبرنا سائر ألفاظه ، واعتبرنا زيادة فصاعداً فيه وجمع الألفاظ كلها تبين أنه لا يمكن أن يكون فى حق المقتدى ، وإلا لتناقص آخر الحديث أوله ، فإن حاصل العبارة بؤل إلى قوله : فلا تفعلوا إلا بأم القرآن (١) عنوان المسألة عند الأصوليين: الأمر بعد الحظر للإباحة أو الوجوب والمسألة مختلف فيها بين الشافعية والحنفية ، والذى اختاره الأكثر منهم الشافعى والآمدى وبعض الحنفية أنه للإباحة ، ومن أراد التفصيل فليراجع " فواتح الرحموت" (١ - ٣٧٩) و" شرح التحرير» (١ - ٣٠٠). ( م - ٢٧ ) ٢٠٨ معارف السنن ج - ٣ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها فصاعداً. فصدر الكلام يبيح الفاتحة وبحجر ما زاد عليها. وعجزه يجعل ما زاد أيضاً مناطاً للحكم ويأمر به، وكلام رسول اللّه عَا؟ أجل من أن ينزل على مثل هذا التقدير الركيك . ويؤيد ذلك أن سفيان أحد رواة الحديث يقول فى روايته لحديث: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعداً)): لمن يصلى وحده كما هو عند أبى داؤد فى "سننه" (١ - ١١٩) فى (باب من ترك القراءة فى صلاته ) . وكذلك قاله أحمد ، كما حكاه التر مذى، ومثله قال الإسماعيلى فى روايته كما فى " العمدة" (٣ - ٦٩) فصرح هؤلاء الأعلام ابن عيينة وأحمد والإسماعيلى على أنه ليس فى حق المأموم ، أى هذا للمنفرد وفى حكمه الإمام ، فخصص عنه المأموم و استثناه ولم يجعله عاماً لكل مصل وبالجملة فقوله: ((فإنه لا صلاة الخ)) استشهاد، ولا يصح أن يكون تعليلاً ، والفرق بينهما : أن العلة ما كان مداراً للحكم فى تلك المسألة خاصة ، والشاهد ما لا يكون مداراً فيه ، وإنما يلائمه فيذكر لأجل ملائمته ومناسبته وله نظائر فى الحديث، ومنها ما أخرجه النسائى فى "سننه" (١ - ١١٣ ) فى ذكر المسجد الذى أسس على التقوى من كتاب المساجد . من حديث أبى سعيد الخدرى قال: ((تمارى رجلان فى المسجد الذى أسس على التقوى من أول يوم : فقال رجل : هو مسجد قباء ، وقال الآخر : هو مسجد رسول الله عٍَّ، فقال رسول اللّهَ حَالٍ: هو مسجدى هذا)). فانظر كيف جعل رسول اللّه عَل مسجده، وإنما الآية نزلت فى مسجد قباء، لكن لما كانت الآية ثلاثم مسجده ◌َّ ه أيضاً فإنه أسس على التقوى أيضاً ناسب الاستشهاد بالآية على مسجده قال الشيخ : ومما يؤيد أن ذلك استشهاد لا تعليل أن حديث الباب وحديث عبادة فى الصحيحين أشار إلى اتحادهما فى الأصل ، البخارى فى "جزء ٢٠٩ توجیه حديث عبادة من طريق محمد بن اسحاق القراءة " حيث قال : قال البخارى : والذى زاد مكحول وحرام بن معاوية ورجاء بن حيوة عن محمود بن الربيع عن عبادة فهو تبع لما روى الزهرى الخ (ص - ٣٥). والترمذى فى "جامعه" حيث يقول: وروى هذا الحديث الزهرى عن محمود بن الربيع عن عبادة .... وهذا أصح . يريد به حديث عبادة المختصر كما فى "الصحيحين" من طريق الزهرى ، وكذلك أشار إليه ابن حبان فى " كتاب الثقات" حيث قال: ومتن خبره - أى نافع بن محمود - يخالف متن خبر محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت كأنهما حديثان ، وعند مكحول الخبران جميعاً عن محمود بن الربيع وعن نافع بن محمود بن ربيعة . وعند الزهرى : الخبر عن محمود بن الربيع مختصر غير مستقصى اهـ . حكاه فى "التهذيب" (١٠ - ٤١٠) عن "كتاب الثقات" فى ترجمة نافع بن محمود فقوله: " مختصر" وقوله: "كأنها" كل ذلك يشير إلى وحدة الحديثين عنده، إلا أن إشارته خفية قلما يتنبه عليها العامة . وكذلك اعترف بوحدتهما الحافظ ابن حجر فى " الفتح" (٢ - ٢٠١ المبربة ) حيث يقول بعد ذكر حديث مكحول فى الاختلاط عن " جزء البخارى" والترمذى وغيرهما: والظاهر أن حديث الباب مختصر من هذا وكأن هذ سببه والله أعلم . ولفظ الشيخ فى " فصل الخطاب" ( ص - ٢٦): وقد صرح يكون الحديث مختصراً ومطولاً فى " الفتح"، وذكره البخارى فى " جزئه" والترمذى فى " جامعه"، وبنى عليه أبو عمر كلامه فى " التمهيد"، والحافظ ابن تيمية فى " فتاواه "، بل البيهقى أيضاً فى كتابه آهـ . وبالجملة فهذا كله يدل على أن التعليل فى الحديث تعليل صورة واستشهاد حقيقة حيث لا يلائم المقتدى الحديث كله بتمامه ، فالشافعية القائلون بمقتضاه لم يقولوا أيضاً بوجوب ما زاد على الفاتحة . فالحاصل أنه وقعت الإباحة فى الفاتحة فقط عند ذلك ، ولم يكن ذلك تشريعاً ابتدائياً من صاحب الشريعة ، ٢١٠ معارف السنن ج - ٣ بل هم قرءوها من عند أنفسهم استدلالاً بما عندهم من تأكد الفاتحة وأدلة قراءتها العامة وإن لم يكن فيها نص للمأموم، ودليل ذلك أنه عّ لّ سألهم لعلكم تقرءون خلف إمامكم ولا معنى للسؤال لو كانت قراءتها بأمره وإذنه أو علمه ح ◌ِ ، فإذن تكون إباحتها إباحة مرجوحة . ثم نظراً إلى أصل وجود المنازعة وإن كانت قليلة وخفيفة رفعت تلك الإباحة وألزم على المأموم الإنصات بقوله: ((وإذا قرأ فانصتوا)) فإن المأمومين إذا قرءوا كلهم بصوت واحد، وبالأخص إذا كثروا تكون دندنتهم وهمهمتهم مشوشة لذهن الإمام ، وبالأخص إذا كان من خلف الإمام من دهماء الناس غير عالمين برعاية الحدود حق رعايتها ، وعسى أن تسترسل نفوسهم فيتعدوا فى القراءة إلى ما زاد عليها ، فناسب أمر الإنصات لهم بتاتاً سداً للذرائع واستئصالاً لشأفة التمادى والاسترسال . بحث دقیق فی أن التعليل المذكور فى حديث عبادة إنما هو فى غير المقتدى واستيفاء ذلك تفقهاً وحديثاً من جهات كان الشيخ رحمه اللّه أفاض فى نواحى البحث فى حديث عبادة فى كتابه " فصل الخطاب" من (ص ٢٢ إلى ٢٧) و(ص ٤٦ إلى ما بعدها ) بكل دقة بما يكفى ويشفى ، فأحببت أن أخص كلامه وآتى بصفوه على ما تيسر ، وإن كان كله صفواً ، والشيخ عبر الجهة الأولى بـ لإن والثانية باللم والثالثة بالسياق . ثم إنى لم أخرج الأحاديث المشار إليها فى ضمن الأمثلة والنظائر ، حيث يطول الكلام به جداً. علا أنها كلها فى الأمهات الست لا تخفى على من له أدنى اشتغال، فأقول وبالله التوفيق: قد تبين إجمالاً مما سلف أنه لا يستقيم أن يكون قوله : "فإنه لا صلاة الخ " فى حق المأموم، ونحاول أن نوضح ذلك من جهات ثلاثة: الأولى من جهة موضوع الإمامة ومنصب الإمام . والثانية : من جهة وظيفة المأموم فى صلاته مع الإمام. والثالثة: من جهة سياق الكلام فى أحاديث الباب. فأما الكلام من الجهة الأولى من منصب الإمامة فنقول : إن الشريعة ٢١١ تحقيق حديث عبادة من جهات مختلفة نصبت لأحكام الإيتمام بالإمام باباً مستقلا . وكذلك لغير الإيتمام باباً مستقلاً . فإدخال أحد البابين فى الآخر واختلاط بينهما إلغاء لغرض الشارع ، فمن الباب الأول : حديث أبى موسى وأبى هريرة ، وقد أخرج مسلم الأول فى "صحيحه" وصحح الثانى ، وصححهما جمهور المالكية والحنابلة ، ولم يتأخر عن تصحيحه إلا من اختار القراءة خلف الإمام فسرى أثر فقهه إلى الحديث لا الحديث إلى فقهه ، أى جعل الحديث تابعاً لمذهب الفقهى ولم يجعل مذهب الفقهى نابعاً الحديث . وهذان الحديثان فى غير واقعة السقوط عن الفرس سيقاً لأحكام الاقتداء والإيتمام لا غير . ولعل أبا موسى وأبا هريرة لم يدركا واقعة السقوط فإنها فى السنة الخامسة الهجرية على ماذكروا . فالحديثان كلاهما ورد فيها قوله : "وإذا قرأ فانصتوا)، وقد ذكر فيها أكثر صفة الصلاة، ومضى عليها نسقاً فلم يكن من المناسب أن يذر حكم القراءة ذلك الحكم الأهم ، وأما حديث أنس وعائشة وجابر فى واقعة السقوط فسيقت لبيان ((إذا صلى قائماً فصلوا قياماً وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعون)) فكان الغرض ذلك فحسب ، ولذا لم يذكر فيها الأمر بالإنصات ، وإنما ذكر ذلك فى حديثين سيقاً لأحكام الاقتداء قصداً كليها ، فهذا يدلك على أنه صحيح فيها ولابد . وبالجملة اشتركت أحاديث السقوط مع حديثى الإيتمام فى بعض الأمور. فلما رأوا أحاديث السقوط خالية عن أمر الانصات سرى إلى الوهم أن حديثى الايتام أيضاً ينبغى أن يخلو منه، وهذا كما قيل : إن الوهم خلاق فإذا نصبت بابين فلا ينبغى أن يختلط بينها ، وإلا فات غرض الشارع ، ومثل ذلك فى البابين قوله تعالى: ( فاقرءوا من القرآن ) ورد فى صلاة الليل وبنى على حكم الانفراد بخلاف قوله تعالى: ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ) حيث بنى على الجماعة فالحاصل أن هذا الوهم أصبح منشأ لحكمهم بالوهم فى زيادة: " وإذا قرأ فانصتوا" ويأتى ما يزيل الوهم على أصولهم فى ٢١٢ معارف السنن ج - ٣ الباب اللاحق . وأما الكلام من جهة وظيفة المأموم فقد اشتهر عند أصحابنا أن المقتدى يحيل صلاته على صلاة الإمام فهو يعتد ويحتسب باقتدائه ما يفعله الإمام لنفسه كما أنه يجوز له أن يحيل على نيته على حد جواب المؤذن: " وأنا وأنا "؛ وعلى حد " وأهللت بما أهل به النبى ◌َرْج"؛ وكتأمين المستمع حيث يريد به هكذا فليكن، وكما ذكروا فى قوله: (( وأشركه فى الهدى )، أى عليا بعد ما كان أهدى ، وقد بوب عليه البخارى فى " صحيحه" فى الشركة، وكقول عمر لمن شيعهم: ((أمضوا وأناشريككم)) كما فى "كنز العمال" (١ - ٢١٧) وكقوله حد ◌ّجلي: ((ارموا بنى اسماعيل فإن أباكم كان رامياً وأنا مع بنى فلان)) فعلى هذا تكون صلاته عين صلاة الإمام ، وقراءته عين قراءة الإمام ، فحظه الانصات ووظيفته الاستماع لا الشركة، وليس أن سقوط القراءة عن مدرك الركوع مع الإمام لمكان الضرورة كما زعموا بل كان الركوع موضعاً لظهور هذا الاعتبار ، فظهر هناك ، وإنما يتبعه فى الأفعال شركة ؛ لأن عدم الاتباع فيها مخالفة بخلاف الانصات حيث صار القراءة مخالجة ومنازعة ، ويستقل المقتدى فى الأذكار والأدعية ؛ لأن كلاّ فيها أمير نفسه، ولذا جيئء فى أكثر أدعية الحديث بصيغة الواحد المتكلم ، بخلاف أدعية القرآن العزيز ، حيث جاء فيها صيغ الجمع . وكما أن الجماعة ليس شعاراً للنوافل من الصلاة، فكذا فى المستحبات الداخلة فيها. فهى من حيث أنه ذاكر مثلاً أو مصل ، لا من حيث أنه مقتد . وبالجملة نظراً إلى هذا المقام جعل الإمام ضامناً حتى يتجلى التضامن فى أجلى مظاهره ويتجلى الوحدة فى أكمل صورها . وأما الكلام من جهة السياق : فالذى ينبغى أن يفهم أولاً : أن صلاة غير المقتدى تعتبر أنها فعله كالمفعول المطلق عند النحاة حيث يكون فعل الفاعل ! المفعول به الذى لا يكون فعله ويكون منفصلاً عنه، وأما صلاة المقتدى فنى لعرف فيها اعتباران بحسب المقامين : مقام بسط واستيفاء لتمام الحال . ومقام ٢١٣ بقية تحقيق حديث عبادة من بعض الجهات اكتفاء واختصار حيث لا تكون داعية إلى استيفاء الحال ، فالأول كما يقولون : إنه صلى مع الإمام، فيراعون فيه ربط صلاته مع الإمام وحكايتها من تلك الحيثية فتضاف الصلاة إلى الإمام كأنها فعله وإلى المقتدى كأنها ليست من فعله، فيقولون صلى فلان مع الإمام كالمفعول المطلق للإمام والمفعول به للمقتدى ، وحينئذٍ لا تضاف ولا تنسب إليه إلا كنسبة المفعول به المنفصل إلى الفاعل ، ويطلق عليه أنه يصلى مقيداً كالصلاة خلف الإمام والصلاة بصلاته . والثانى : مقام يختصرون فيه ويحكمون بالنظر إلى حكمه المنسحب عليه ولا يذكرون كونه خلف الإمام حيث لا تكون داعية إلى ذلك التفصيل فيقولون: إن فلاناً صلى كأنها فعله ، ولا يذكرون كونه خلف الإمام ، فكأنهم يحللون صلاة الجماعة التى كانت صلاة واحدة بالعدد إلى صلوات بحسب عدد من كان فيها . وبعبارة أخرى : صلاة الجماعة صلاة واحدة بالعدد فى العرف والعبارة: وهو عند أبى داؤد فى "سننه" فى حديث معاذ من إحالة الصلاة ثلاثة أحوال ، قال: وحدثنا أصحابنا أن رسول اللّه عٍَّ قال: ((لقد أعجبنى أن تكون صلاة المسلمين - أو قال -: المؤمنين واحدة)). فجعلها واحدة لا صلوات كثيرة بعدد من فيها ، وإنما ذلك عند التحليل حيث يتركون بيان الحال بكماله لعدم الداعية إليه ، فيحللون فعلاً واحداً بالعدد إلى أفعال بعدد من كان هناك . وكلا الاعتبارين وارادان فى ألفاظ الحديث بحسب المقامات. فالأول: ((نحو حديث : إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ، وأنوها تمشون وعليكم السكينة ، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا )) ، جعل الصلاة كأنها ليست من فعله بل هى منفصلة عنه ، أتاها فهى مأتية يرد عليها ويصدر عنها وجعلها مفردة لا تثنية ولا جمعاً. وكحديث قيام رمضان: ((يصلى الرجل لنفسه، ويصلى الرجل فيصلى بصلاته الرهط والناس يصلون بصلاة قارئهم» . وكحديث عائشة فيه: ((فصلى فى المسجد، وصلى رجال بصلاته)) وكحديثها: ((فجعل ٢١٤ معارف السنن ج - ٣ أبو بكر بصلى وهو قائم بصلاة النبى معَّ ◌َلِ)) وكحديث علبان بن مالك عند أحمد: (((إن رسول اللّه عَ لّ صلى فى بيته سبحة الضحى فقاموا وراءه فصلوا بصلاته)) وكحديث عبد الله بن سرجس عند النسائى فى ركعتى الفجر والإمام فى الصلاة : ( قال يا فلان: أيها صلاقك التى صليت معنا أو التى صليت لنفسك)). وأما الثانى : فنحو حديث البياضى عند مالك - فى العمل فى القراءة - ((إن رسول اللّه ◌َ﴾ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم، فقال: إن المصلى يناجى ربه ، فلينظر بما يناجيه به ، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن)) وكان ذلك فى رمضان . وهو مسوق لغير المقتدى . وكحديث : ((قسمت الصلاة بينى وبين عبدى)). وكحديث السترة عند أبى دائؤد: ((إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، وليدن منها)). كذلك مسوق لغير المقتدى ، وأما قوله عَلّ: ((إذا كان أحدكم يصلى فلا يبصق قبل وجهه، فإن اللّه قبل وجهه إذا صلى)) فساق الكلام نظراً إلى حال المصلى فى نفسه ، أو نظراً إلى الحكم المنسحب عليه من تحليل الصلاة إن كان مقتدياً ، إذ لم يحتج إلى ذكر كونه خلف الإمام . وبالجملة فإن لم يكن مقتدياً فنظراً إلى حاله فى نفسه وإن كان مقتدياً فنظراً إلى الحكم المنسحب عليه . فإذا تلقيت هذا وسمحت نفسك بقبوله فنقول: حديث: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن)) ينسحب على كل صلاة صلاة مفردة من عدد الصلوات فى حق من يوصف بأنها فعله لا فى حق من حلل منها وصفه بها نظراً إلى حكمه لاحاله ، ووصف كونه خلف الإمام باب برأسه ، لم يقصد ادراجه ههنا ، والذوق يعمل العجائب ومن لم يذق لم يدر. فإذا راعيت معه زيادة : ((فصاعداً) ثم لفظ حديث ابن اسحاق: ((لا تفعلوا إلا بأم القرآن)) تبين الأمر أريد أنه لو كان حديث الزهرى بلفظ: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعداً)) على ما عند مسلم والنسائى وأبى داؤد مختصراً من حديث محمد بن اسحاق عند أبى داؤد والترمذى، وكانا حديثاً واحداً صدر عن الشارع مرة ، ثم رواه الزهرى مختصراً. ٢١٥ تحقيق الاستثناء فى حديث محمد بن اسماق وحمد بن اسحاق تاماً ، وكان تقدير الكلام هكذا : فلا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها فصاعداً ، تعين أنه ليس فى حق من يصلى خلف الإمام ، وإنما هو فى صلاة غير المقتدى ، وإنه استدلال بوجوبها فى أصل الصلاة على إباختها للمقتدى ، وإلا لتناقض صريحاً النهى عن غير الفاتحة أولاً وإيجابه آخراً ، وقد دل كلام البخارى والترمذى والبيهقى وأبى عمر ابن عبد البر وغيرهم على كون الحديث مختصراً وتاماً ، فالشريعة حكمت على الصلوات أى صلاة صلاة مفردة عن صلاة أخرى، وهم نقلوه إلى الأشخاص ، وحللوا صلاة واحدة إلى عشر مثلا بعدد من كان فيها. والشريعة حكمت على المصلى نظراً إلى حاله فى نفسه ، وهم نقلوه إلى حكمه مع غيره . فسبحان من لا يسهو ولا ينسى، فسياق حديث محمد بن اسحاق: ((فلاتفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها )، ورد نظراً إلى المجموع حيث لم يصفهم أولاً إلا بكونهم خلف الإمام . لا بأن لهم صلاة صلاة على تحليل فلسفى أو منطقى ، ثم قال لتصحيحه: فإنه لا صلاة لمن لم بعرأ بها نظراً إلى حال الصلاة فى نفسها . ونظراً إلى حال المصلى فى نفسه ، لا نظراً إلى تحليل صلاة مفردة إلى صلوات متعددة . ولا نظراً إلى تجزئة صلاة واحدة بالعدد إلى أعداد ، ولا نظراً إلى توزيع فعل واحد إلى أفعال بعض الفاعلين ، ولذا لم يصفهم فى هذا السياق إلا بكونهم خلف الإمام لا بأن لكل واحد منهم صلاة صلاة ثم قال : فإنه لا صلاة الخ . وبالجملة كان التعليل تصحيحاً للكلام السابق لا إيجاباً له ، وكان إلحاقاً لجنس بيجنس آخر لا تلاقى بينهما إلا فى الإباحة على حد ما نقول: لا ينهى عن الصلاة فى وقت؛ فإن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة، ومثله كثير، فخفى على الناس فسبحان من لا يعزب عليه شئ . فكانت إباحة مرجوحة للمأموم لا إيجاباً عليه، ثم انتهى الصحابة عن القراءة فيما جهر فيه رسول اللّه عَّامٍ كما يأتى. (م - ٢١٦ معارف السنن ج - ٣ ثم إن تلك كانت إباحة بدليل أنه استثناء بعد الحظر ولا يفيد إلا الإباحة، علا أنه ليس فى أكثر ألفاظه التعليل بأنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها ، نعم هو كذلك فى لفظ عنه فى "كتاب القراءة" ( ص - ٤٣)، وقد أخرجه أبو داؤد من هذه الطريقة من غير هذه الزيادة . ثم إنه يناقضه صريحاً ما عند الدار قطنى فى "سننه" (ص - ١٢١) قال: وهذا إسناد حسن، ورجاله تقات كلهم اهـ. : ((منكم من أحد يقرأ شيئاً من القرآن إذا جهرت بالقرآءة. الخ)، فقوله فى السؤال: ((شيئاً من القرآن)) يناقض صريحاً قوله: ((فإنه لا صلاة لمن لم يقرأبها)) وكذا روى عن غير عبادة حديث " لا صلاة" بدون ذكر الاختلاط ، کحديث أبىهريرة عند أبى داؤد ، وروى حديث الاختلاط من غير ذكر الاستدلال کحديث أبى هريرة من طريق أ کیمة الليثى عند الترمذى وأبىداؤد وغيرهما ، وحديث أنس عند ابن حبان والبخارى فى "الجزء" والبيهقى فى "كتاب القراءة"، وقد صححه البيهقى لا أنه أصله كما زعمه بعض . وحديث ابن مسعود عند الدار قطنى ( ص - ١٣٠) والطحاوى والطبرانى ، فهذا بدل على أنها حديثان جمعها عبادة ، وكانا عنده خين روى ، وكثيراً ما يقع ذلك فى الروايات، وصنعه البخارى من تلقائه فى ( باب الاستجمار وتراً) كما شرحه فى " الفتح"، وكما فعله أبو سعيد بأربعة أحاديث عنده من ( باب مسجد بيت المقدس ) ويؤيد أن عبادة نفسه فرقهما كما فى بعض الطرق ، وبلائمه تعبير الترمذى فى حق عبادة بأنه تأول قول النبى ◌َالَ: ((لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب)) فلو لم يكن ما ذكرنا من كونها حديثين عنده لما كان معنى للتأول . والذى فى طريق محمد بن اسحاق هو الجمع بين ذكر الاختلاف وذكر الاستدلال . ثم إنهم زعموا أن السؤال كان عن الجهر بالقراءة ، أو كان لأجل قراءتهم ما عدا الفاتحة، كما قاله البيهقى وغيره ، ولا وجهة لهذا الزعم أصلا ، فقد اتفقت الطرق بل الأحاديث على أن رسول اللّه مَ له سأل عن أصل القراءة ووجودها ٢١٧ تحقيق أن قراءتهم خلف الإمام لم تكن بأمره عَل؟ ولا أثر ولا أثارة فيها أن سؤاله كان عن الجهر أو عما فوق الفاتحة ، وإنما هو مشى ممن مشى عليه على اعتقاد وجوبها على المقتدى ، وكان فى صدد الإثبات بعد ، فجعله مفروغاً عنه من قبل وثابتاً قبل أن يثبت ، فلفظ الدار قطنى : (( منكم من أحد يقرأ شيئاً من القرآن إذا جهرت بالقراءة)) من المبالغة فى تنكير أحد ، ثم تنكير شئى من القرآن بدل كل ذلك على أنه لم يكن منه (جَ﴾﴾ تشريع القراءة قبل ذلك على المقتدى . وكذلك لفظ حديث أنس عند ابن حبان ؟! فى " الكنز" (٤ - ١٣١) ((أتقرءون فى صلاتكم خلف الإمام بقرآن)) بتنكير القرآن نص فيه . وفى "الجوهرالتقى" أخرجه ابن حبان فى "صحیحه" من حديث أبى قلابة عن أنس، ثم قال: سمعه من أنس ، وسمعه من ابن أبى عائشة فالطريقان محفوظان اهـ . وفى مرسل أبى قلابة عند ابن أبى شيبة: ((إن رسول اللّه عَّلٍ قال لأصحابه: هل تقرءون خلف إمامكم ؟ قال بعض: نعم ، وقال بعض: لا، فقال: إن كنتم لا بد فاعلين فليقرأ أحدكم فاتحة الكتاب فى نفسه)) ، فانظر أن من قال : لا ، فلم يأمره بالإعادة ، ولم يؤبخه بالترك، ثم قال : إن كنتم لابد فاعلين ، وهذا صريح فى أنه لم يرض بفعلهم، وأن الأولى والمرضى عنده فَّل أن لا يفعلوا، ثم قال: وليقرأ أحدكم الخ، ولفظ "أحد" لغير الاستغراق كما فى قوله تعالى: (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة) وله نظائر غير هذا، فهذا اللفظ إنما يكون إما لكون أحد منفرداً فى الواقع، أو لكونه يتعلق به حكم تارة ولا يتعلق به أخرى أى قد وقد. وهذا المرسل وصله أبو قلابة بعده حين سأله خالد الحذاء كما فى "كتاب القراءة" (ص - ٥٢) قال اسماعيل عن خالد الحذاء: قلت لأبى قلابة : من حدثك هذا ؟ قال : محمد بن أبى عائشة الخ فاتصل المرسل ، وعلم مخرجه ، وكل هذا صريح فى أن منشأ النكير هو نفس القراءة ، علا أن. فى "جزء القراءة" من طريق محمد بن اسحاق نفسه فى حديث عبادة: ((فقرأ رجل ٢١٨ معارف السنن ج - ٣ خلفه الخ )) بافراد رجل، فدل على ندرته وقلته وخوله. وقولهم: ((إى واللّه)) فى رواية الترمذى دليل أن الأمر ظهر على خلاف ما كانوا يتوقعون ، وقولهم: ((قلنا نعم هذاً يا رسول اللّه)) كما عند أبى داؤد اعتذار منهم. فإذا كان السؤال عن أصل القراءة ووجودها فهل هذا هو أن الواجب ! وهل يرتبط هذا بوجوبها قبل هذا أو بوجوبها حين فرغ من الكلام بعد هذا كلا وتلك أمور يركبها الخيال وكما قيل : ع ض الناس يخلق ثم لا يغرى ولأنت تفری ما خلقت وبعـ فعلم أنه كان غير عالم بقراءتهم ، وهم غير عالمين بوجوب الفاتحة رأساً. بل ربما كانوا يقرءون بغيرها ، كما هو عند أبى داؤد من حديث عمران بن حصين: ((إن النبي ◌َّ لّ صلى الظهر فجاء رجل يقرأ خلفه " بسبح اسم ربك الأعلى" فلما فرغ قال: أيكم قرأ؟ قالوا: رجل ، قال: قد عرفت أن بعضكم خالجنيها الخ)، فهذا الرجل أول ماجاء افتتح " بسبح اسم ربك الأعلى"، وأى شئ يحوجنا إلى فك سياقه فترتكبه ونقول: إنه قرأ الفاتحة ثم افتتح بسبح الخ ، فأى دليل على أن القصر فى قوله: إلا بأم القرآن للافراد ، وليس للقلب أو التعيين ، وإن شيئاً واحداً يختلف اعتباراته، فقوله " لا إله إلا الله " إفراد فى مقابلة الشرك ، وقلب فى مقابلة الجاحد ، وتعيين فى مقابلة المتردد ، كما يقوله أبو البقاء . فالحاصل أن الاستثناء فى حديث عبادة "إلا بأم القرآن"، والأمر فى حديث أنس: ((وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب فى نفسه )) لا يكون إلا للإباحة ، كما ذكره علماء الأصول فى الأمر بعد الحظر ، فلم يبتدأ هو بتشريع الفاتحة للمقتدی و کان خالى الذهن عنه ؛ وقال خلف إمامكم ؟ بدل قوله خلفى ، ليدل على أنه ليس من منصب الايتام به ، ثم أباحها على سبب حادث إذا ذاك فهو إذن إباحة مرجوحة ألبتة ، ثم علل تلك الإباحة بوصف كائن فى الفاتحة نفسها أى وجوبها فى جنس الصلاة على شأن الاستدلال بوصف مغاير على شاكلة ما تحقيق أن أحاديث الفاتحة وما زاد عليها نظراً إلى حال المصلى فى نفسه ٢١٩ نقول: ((اقرأ على فلان)) الحديث فإنه يدرس التفسير بل أدخل منه فقوله : لا صلاة لمن لم يقرأ بها حال الصلاة فى نفسها ، استدل به على حكم حال الاقتداء بالإمام، فهو إذن استدلال بجنس على جنس آخر على شاكلة المغايرة. أو نقول: هوحال المصلى فى نفسه استدل به على حكم حاله مع غيره استدلالاً بحال الشئى فى نفسه على حكمه مع غيره، فهو إذن على شاكلة من الاجتماع والافتراق الوجهى، وإن راعينا أن حكم قراءة الإمام ينسحب على المقتدی لکون صلاته صلاته فهو إذن على شاكلة العموم المطلق فاختر ما شئت ، والكل طريقة معروفة عندهم ، ومعقول فى نفسه، ومسلوك فى الشريعة، غير أن أكثر الأحاديث فى المسألة إلی حال المصلی فی نفسه، کحديث أبى سعيد وجابر وأبى هريرة ور فاعة فلیکن خاتمة هذا الحديث الذى يشارك تلك الأحاديث فى الحكم ويقاربها فى اللفظ أيضاً كذلك ، ثم المثير للنطق هو منازعتهم القرآن جهراً كان أو همساً لانحتاج إلى تعيينه ، والنطق بعد المثير إنما هو بالسؤال عن أصل القراءة ، والعبرة للنطق لا للمثير، والإباحة شرعت لهم الآن. والإستشهاد بما تقرر وعهد سابقاً كصلة الموصولات عند النحاة ، فلو كان هناك جهر كان سبب الاطلاع ، لا أنه هو مورد الإنكار، وما فى حديث عبد الله عند الدارقطنى: ((كانوا يقرءون القرآن ويجهرون به، خلطتم على القرآن الخ)) فليس فى سائر طرقه "يجهرون» بل وقع عند البزار بسند جيد: ((كانوا يقرءون خلف النبى عليه السلام))، وكذا فى حديث عبادة وأنس ورجل من الصحابة وأبى هريرة كلهم وقع السؤال عن أصل القراءة، وليس فيها " لعلكم تجهرون الخ " ثم لم يقل حين ارشاد: ((لا تجهروا على الإمام))، وإنما ورد الإنكار فيها على المنازعة، وقال: ((لا تفعلوا)). أو «لا تقر ءوا إلا بأم القرآن الخ)» ثم هل فيه شئی أزيد على أنه کان سبب العلم به وسبب الاطلاع ، ثم أين هذا من النص الصريح: (وإذا قرأ فانصتوا)) وبالجملة فابداء تأويل الجهر أو ما فوق الفاتحة لا أثر له فى طرق حديث عبادة ولا سائر الأحاديث، ٢٢٠ معارف السنن ج - ٣ وإنما عهد ذهنى لهم فى وجوب الفاتحة على المقتدى قبل أن يثبت، لا عهد له فى الخارج ، کیف ! وواقعة حديث محمد بن اسحاق فى الجهرية وبالمدينة، وقد كان نزل قبل ذلك قوله تعالى: (وإذا قرى القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحون ) وكان علم أن لا قراءة على المقتدى فى الجهرية أصلاً وأن عليه الاستماع والإنصات، فلا يستقيم إرادته بقوله عَّ له: ((فإنه لا صلاة الخ)) إلا باعتبار حكم الإباحة وبيان وجه الاقتصار عليها بشأنها لغير المقتدى ، وإنا إذا راعينا زيادة " فصاعداً" فى حديث معمر عن الزهرى ورأينا أن الشريعة نفت الصلاة بانتفاء الفاتحة وما زاد جميعاً لا بانتفاء الفاتحة فقط ، وإنما جعلتها بانتفائها خداجاً كما فى حديث أبى هريرة عند مسلم ، فإذن مآل قوله : " فإنه لا صلاة الخ " قولنا: لا صلاة لمن خلت صلاته عن الفاتحة عيناً والسورة بدلاً كليهما، فهذا لا يستقيم إلا باعتبار جنس الصلاة ، أى لغير المقتدى ، فيفيد من حاق هذا السياق الإباحة من غير افتقار إلى ما ذكرنا سابقاً من أنه لولم يحمل على جنس الصلاة تناقض أول الكلام وآخره الخ ، فتلخص مما ذكرنا أمور ينبغى أن يتنبه لها : الأول: إن الشارع نصب بابين: باب الصلاة فى نفسها ، وباب الاقتداء، وهؤلاء نقلوا أحاديث باب إلى باب . وذلك إهدار لغرضه وإلغاء لسياقه بتحليل قاعدة : إن المقتدى مصل ولا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن . الثانى : إن الشارع وضع الفرق بين الصلاة لنفسه والصلاة خلف الإمام، وهؤلاء وضعوا الفرق بين السور . الثالث : إن الشارع قال : فلا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها أى فصاعداً . وهؤلاء جعلوه : لا صلاة لمن لم يقرأ بها فصاعداً إلا المقتدى فعليه الفاتحة فقط . الرابع : إن الشارع أوجب الاستماع مطلقاً الفاتحة والسورة سواء ،