Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
القراءة فى العشاء - وبيان اختلاف الأقوال فى أول المفصل
( باب ما جاء فى القراءة فى صلاة العشاء )
حدثنا عبدة بن عبد الله الخزاعى نا زيد بن الحباب نا ابن واقد عن عبد الله
قال الشيخ: وتعقبه البيهقى واستدل عليه برواية تدل على قراءة السورة كلها .
أقول: وكذلك تعقبه الحافظ فى " الفتح" ( ٢ - ٢٠٧ )، ولم يذكر
البيهقى ، والرواية تلك التى استدل بها ما عند البخارى فى التفسير: ((سمعته
يقرأ فى المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية: ( أم خلقوا من غير شئ أم هم
الخالقون - الآيات إلى قوله -: المصيطرون) كاد قلبى يطير)). قال:
ونحوه لقاسم بن إصبغ، وفى رواية أسامة ومحمد بن عمرو: ((سمعته يقرأ
" والطور وكتاب مسطور")) ومثله لابن سعد الخ. وادعى أبو داؤد فيه النسخ
وانظر تفصيله ثم رده فى " الفتح" (٢ - ٢٠٧). ولكنه كيف يصح القول
به وصرحت الرواية بأنه آخر صلاة صلاها رسول اللّه عَ ﴾ إلا أن يحمل النسخ
على ما يريده الطحاوى فى كتابه، ونظيره كما حكى الحافظ فى "الفتح" (٢
- ١٤) القول بنسخ التهجير بالظهر بحديث الإبراد، فدل هذا على أنه أراد من
النسخ بعض المحدثين ما أراده الطحاوى ، فإنه لم يقل أحد بعدم جواز التهجير
بالظهر ، كما تقدم بعض تفصيله فى الطهارة وفى الصلاة
فائدة : سور القرآن المجيد على ستة أقسام : الأول: الطوال وهى سبع
سور أولها البقرة . ثم ذوات المثين ، أى ذات مائة آية ونحوها ، وهى أحد.
عشر سورة ، ثم المثانى وهى ما لم يبلغ مائة آية ، وهى عشرون سورة ، ثم
المفصل ، وهى طوال وقصار وأوساط . واختلفوا فى أول المفصل على اثنى
عشر قولاً". أنظر للتفصيل " الإتقان" السيوطى، وقد جمع ابن أبى الشريف
العشرة منها فى قوله مع التنبيه على ما هو المختار عندنا فقال :
خلاف فصافات وقاف وسبح
مفصل قرآن بأوله أتى
وفتح ضحى حجراتها ذا المصحح
وجائية وملك وصف قتالها
حكاه ابن عابدين فى " رد المحتار" وغيره عن الرملى، وزاد عليه:
الرحمن والإنسان فتم اثنا عشر قولاً .
-: باب ما جاء فى القراءة فى صلاة العشاء :-

١٨٢
معارف السنن
ج - ٣
ابن بريدة عن أبيه قال: ((كان رسول اللّه ◌َاهُ بقرأ فى العشاء الآخرة "بالشمس
وضحاها " ونحوها من السور)).
وفى الباب عن البراء بن عازب . قال أبو عيسى : حديث بريدة حديث
حسن. وقد روى عن النبى معَا: «أنه قرأ فى العشاء الآخرة بسورة "والتين
والزيتون")). وروى عن عثمان بن عفان: (أنه كان يقرأ فى العشاء بسور من أوساط
المفصل نحو "سورة المنافقين" وأشباهها)). وروى عن أصحاب النبي ◌َّ ◌ُلّ والتابعين
أنهم قرءوا بأكثر من هذا وأقل، كأن الأمر عندهم واسع فى هذا . وأحسن شئ
فى ذلك ما روى عن النبى ◌ّ: ((أنه قرأ بالشمس وضحاها، "والتين والزيتون")).
حدثنا هنادنا أبو معاوية عن يحيى بن سعيد الأنصارى عن عدى بن ثابت
عن البراء بن عازب: ((أن النبى ◌ٍَّ قرأ فى العشاء الآخرة "بالتين والزيتون)).
وهذا حديث حسن صحيح .
ليس فيه شئ يحتاج إلى الشرح، ولذا لم يتعرض إليه الشيخ فى "العرف"
وإنما أفاد كلاماً عاماً يتعلق بكل من هذه الأبواب .
قال الشيخ : قد توهم بعضهم ولم أعرف هذا البعض ، ولعله بعض
الغير المقلدين الذين ينتهزون فرصة للاعتراض على الحنفية بكل مناسبة عناداً
أو جهلاً. فنسب إلى الحنفية أنهم لا يعتبرون بالسور المأثورة عنه قَالٍَّ فى
الصلوات، وذلك لقولهم: لا يتعين شئ من القرآن أو يكره تعيين سورة خاصة .
قال الشيخ: وهذا توهم فاسد فإن صاحب "البحر" (فى آخر صفة الصلاة
قبيل الإمامة) صرح بما حاصله أنه يستحب أن يقرأ ما ورد أحياناً تبركاً بالمأثور
ويفرأ أحياناً غيره لئلا يظن الجاهل أن غيره لا يجوز. وبالجملة مقتضى الدليل عدم
المداومة لا المداومة على العدم ، كما يفعله حنفية العصر. وراجع " فتح القدير "
(١ - ٢٣٨) و"رد المحتار" كلاهما من القراءة. هذا وقد صرح المحقق ابن
أمير حاج فى "الحلية" ( كما تقدم حكايته فى ( باب ما يقول عند افتتاح
الصلاة منقولاً من " رد المحتار" لابن عابدين) بجواز الأذكار الواردة فى
الأحاديث فى المكتوبات أيضاً بشرط أن لا يثقل على القوم ، فماظنك إذن
بقراءة السور المأثورة عنه ◌َّ الّ بالمواظبة أو فى أكثر الأحيان.

١٨٣
بْ اللَّهُ الَزِ الرَّة
( باب ما جاء فى القراءة خلف الامام )
مسألة الفاتحة خلف الإمام أصبحت معركة من أقدم عهدها إلى اليوم ،
وأول من أفردها بالتأليف من قدماء المحدثين : الإمام أبو عبد اللّه البخارى ،
وسماه "جزء القراءة" وهو مطبوع، وألف فيها علماء الشافعية . ومنها تاليف
الإمام أبى بكر البيهقى ، وسماه "كتاب القراءة"، وهو كذلك مطبوع بالهند.
قال شيخنا : ولم نعرف لقدماء الحنفية كتاباً فيها غير أن البيهقى برد فى كتابه
على عالم حنفى ، فلعله صنف فيها أحد من الحنفية. قال الراقم : وربما تكون
ردوده على الطحاوى والله أعلم، وشرزمة فى الهند من علماء أهل الحديث قاموا ضد الجنفية
فى المسألة ، وألفوا رسائل فى الموضوع ادعوا فيها وجوب القراءة للمأموم مطلقاً فى
الصلوات كلها. فقام طائفة من المحدثين الفقهاء من علماء الحنفية للمساجلة فى الموضوع
بكل تحقيق بغاية العدل والنصفة فألفوا رسائل عديدة . فمنها : "هداية المعتدى
فى قراءة المقتدى " للشيخ المحدث رشيد أحمد الكتكوهى من مشايخ ديوبند ،
ومنها : "الدليل المحكم فى ترك القراءة للمؤتم" أو "توثيق الكلام فى ترك القراءة
خلف الإمام" للحجة مولانا محمد قاسم النانوتوى. وللشيخ المحدث عبد الجى
( ٢ - ٢٤ )

١٨٤
معارف السنن
ج - ٣
"إمام الكلام فيما يتعلق بقراءة الفاتحة خلف الإمام"، ثم علق عليه وسماه "غيث
الغمام على إمام الكلام"، وشيخنا رحمه الله اختصر كتابيه فى رسالة لطيفة. وللشيخ
المحقق محمد هاشم السندى " تنقيح الكلام فى القراءة خلف الإمام". وللشيخ
أحمد على السهار نفورى "الدليل القوى"، وللشيخ ظهير أحسن البهارى وغيره
رسائل عديدة ، وآخر من ألف فيها إمام العصر شيخنا رحمه الله ، فألف
بالفارسية رسالة سماها "خاتمة الخطاب فى فاتحة الكتاب"، وألف فيها بالعربية
بغاية التدقيق والتحقيق وسماه " فصل الخطاب فى مسألة أم الكتاب " أو " نزل
الرفاق فى حديث محمد بن إسحاق " ، وله تعليقات على "كتاب القراءة" أجاب
فيها عن أدلة البيهقى . وبالجملة تطرق التأليفات من الطرفين وسائر كتب الغير
المقلدين لحمتها وسداها من جزء البخارى و "كتاب البخارى" ماعدا هفواتهم
الزائغة وكلمانهم الشنيعة ضد الحنفية هداهم الله وإيانا إلى الحق ، وترى فى هذا
الكتاب من أدلة الحنفية والبحوث القيمة والتحقيقات الممتعة إن شاء الله ما فيه
مقنع وبصيرة والله الموفق .
-: تحقيق مذاهب الائمة المتبوعين فى المسألة :-
قال ابن قدامة فى "المغنى" (١ - ٦٠٨ و٦٠٩): وجملة ذلك أن
القراءة غير واجبة على المأموم فيما جهر به الإمام ولا فيما أسر به ، نص عليه
أحمد فى رواية الجماعة ، وبذلك قال الزهرى ، والثورى ، وابن عيينة ،
ومالك ، وأبو حنيفة . واسحاق . وقال الشافعى وداؤد : يجب لعموم قوله عليه
السلام: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) غير أنه خص فى حال الجهر
بالأمر بالإنصات. ففيما عداه يبقى على العموم الخ. وقال فى (١ - ٦٠٤):
وجملة ذلك أن المأموم إذا كان يسمع قراءة الإمام لم تجب عليه القراءة، ولا تستحب
عند إمامنا والزهرى والثورى ومالك وابن عيينة وابن المبارك واسحاق وأحد
قولى الشافعى ونحوه عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبى سلمة بن عبد الرحمن

١٨٥
بيان المذاهب فى الفاتحة خلف الإمام
وسعيد بن جبير وجماعة من السلف، والقول الآخر للشافعى : يقرأ فيما جهر
فیهالإمام، ونحوه عن الليث والأوزاعى وابن عون ومکحول وأبى ثور آهـ. والذى
حكاه النووى فى "شرح المهذب" (٣ - ٣٦٥) من كلام ابن المنذر والخطائى
من تفصيل المذاهب هكذا ما ملخصه : إن مذهب الثورى وابن عيينة وجماعة
من أهل الكوفة : أنه لا قراءة على المأموم مطلقاً . وقال الزهرى ومالك وأحمد
وابن المبارك واسحاق : لا يقرأ فى الجهرية مثل الفريق الأول ، وتجب القراءة
فى السرية ، وقال ابن عون والأوزاعى وأبو ثور وغيره إيجابها فيها ، وحكاه
أبو الطيب عن الليث بن سعد آهـ . والقدوة فى نقل مذهب أحمد هو الموفق بن
قدامة ، وهو الذى ذكره الحافظ ابن تيمية أن المشهور من مذهبه استحبابها فى
السرية لا وجوبها كما حكاه شيخنا فى "فصل الخطاب" ( ص - ٩٧ )، ونقل
الجازمى فى " كتاب الاعتبار" المذاهب مثل ما نقل ابن قدامة . فذهب
أبو حنيفة ومالك والأوزاعى وليث بن سعد وابن المبارك وأحمد واسماق
ابن راهويه وغيرهم من الجمهور : إلى عدم جواز الفاتحة للمأموم فى
الصلاة الجهرية ، وإليه ذهب الشافعى فى القديم ، كما فى "شرح المهذب"،
بل قوله الجديد يوافقه أيضاً على نقل بعضهم كما نقله الشيخ أبو حامد فى تعليقه.
عن القديم والإملاء ، وكذا نقله البنديجى عن القديم والإملاء وفى باب صلاة
الجمعة من الجديد ، وقال النووى فى " المجموع" (٣ - ٣٦٤): ومعلوم
أن الإملاء من الجديد ، قال : وحكى الرافعى وجهاً أنها لا تجب عليه فى السرية
وهو شاذ ضعيف اهـ. فتلخص أن القديم عدم الوجوب فى الجهرية ،
والجديد حكايته على النحويين. وقول ثالث عدم الوجوب فى السرية
والله أعلم
وأما فى الفاتحة خلف الإمام فى الصلاة السرية فلهم فيها أقوال من الوجوب
والندب والإباحة ، وقال الشافعى فى الجديد بعد ما دخل مصر بوجوبها فى

١٨٦
معارف السنن
ج - ٣
السرية والجهرية جميعاً ، كذا أفاده الشيخ ، قال : وليس فى "الأم" وإنما هو
فى " مختصر المزنى"، سمعه من الربيع بن سليمان، فعلم أنه لم يسمع المزنى نفسه
فيها شيئاً من إمامه . وإنما بلغه بواسطة بعض أصحابه .
قال الراقم : ولكن حكى صاحب "المهذب" عن " الأم" و" البويطى"
الوجوب .
أقول : وراجعت إلى "كتاب الأم" فلم أجده فيه كذلك ، ولكن قال
الإمام بعد ما ذكر حكم المنفرد والإمام منه وجوب القراءة بأم القرآن فى كل
ركعة: "وسأذكر المأموم إن شاء الله تعالى". والنسخة المطبوعة لم نجد فيها
حكم المأموم فلعله سقط هذا البحث من المطبوعة ، فالظاهر أنه لا بد أن بذكر
فيه حكم المأموم على ما وعده. فالمتبادر إذن نقل صاحب "المهذب" والله أعلم.
والقدماء من الشافعية يذكرون القولين فى كتبهم ، کالشيخ أبى اسحاق
الشيرازى فى كتابه "المهذب" أنظر شرحه للنووى (٣ - ٣٦٣). وإنما اكتفى
المتأخرون منهم بنقل الجديد فقط فى كتبهم ، فالشافعى فى إيجابها فى الجهرية
متفرد فى الأئمة الأربعة ، بل الجمهور على ما هو التحقيق ، قال أحمد بن حنبل :
ما سمعنا أحداً من أهل الإسلام يقول: إن الإمام إذا جهر بالقراءة لا تجزئ
صلاة من لم يقرأ ، حكاه الفخر الزيلعى فى " التبيين" والبدر العينى فى "البناية"
والموفق بن قدامة فى " المغنى" (١ - ٦٠٦) ولفظه: وأيضاً فإنه إجماع،
قال أحمد : ما سمعنا أحداً من أهل الإسلام يقول: إن الإمام إذا جهر بالقراءة
لا تجزئ صلاة من خلفه إذا لم يقرأ، وقال: هذا النبى ◌َِّالّ وأصحابه والتابعين
(كذا بالأصل والصواب والتابعون ) وهذا مالك فى أهل الحجاز وهذا الثورى
فى أهل العراق وهذا الأوزاعى فى أهل الشام وهذا الليث فى أهل مصر ما قالوا
لرجل صلى وقرأ إمامه ولم يقرأ هو: صلاته باطلة آهـ .
قال الشيخ . وحكى أبو عمر فى "الإستذكار" مذهب الليث موافقاً لمذهب

١٨٧
تحقيق المذاهب فى مسالة الفاتحة
الشافعى، وكنت متردداً فيه فإنه يروى حديث: ((من كان له إمام الخ )، عن
أبى يوسف عن أبى حنيفة عند الطحاوى فى " شرح معانى الآثار" (١ - ١٢٨ )
( باب القراءة خلف الإمام ) قال : حدثنا أحمد بن عبد الرحمن قال حدثنا عمى
عبد الله بن وهب قال أخبرنى الليث عن يعقوب عن النعمان عن موسى بن
أبى عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر بن عبد الله أن النبى عَ لٍ قال: ((من
كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة ١ هـ)، وهو سند فى غاية من القوة ، حيث
اجتمع فيه أئمة أربعة حتى رأيت الحافظ ابن تيمية نسب إليه استحباب القراءة
فى السرية، قال : فعلمت أن فى حكاية أبى عمر مسامحة. كذا فى " العرف
الشذى". والذى ذكره الشيخ بخطه فى تعليقات "آثار السنن" هكذا: وقد
روى الطحاوى حديث جابر بإسناد الليث بن سعد ، وكأنه بنى مذهبه عليه فإن
مذهبه استحباب الفاتحة فى الجهرية كما فى "فتاوى ابن تيمية" (٢ - ١٤٢ )
لا كما فى " تعليق الممجد"، وهو مذهب الأوزاعى كما فيه ، وكذا فى ( ٢
- ٤١٢ ) آهـ .
قال الراقم : وقد تسامح فى النقل من جعل مذهب الأوزاعى والليث
كمذهب الشافعى الجديد ، فإنهما متفقان مع الجمهور فى عدم الوجوب وإن كان
فيهم اختلاف فى الندب والإباحة فى الفعل والترك، أو يقال لعل عنها روايتين
والله أعلم. وأما حال سند الطحاوى فأحمد بن عبد الرحمن مصرى صدوق ثقة،
أخرج له مسلم وكفاه حجة ، وبعده أربعة أئمة فقهاء محدثون كلهم كالشمس
فى رابعة النهار ، فالسند فى غاية من الجلالة قلما يوجد له نظير فى العالم ، وقد
سبق منا حكاية قول الحاكم فى " علوم الحديث" ما يدل على أن نزول مثل
هؤلاء أجل من علو من ليس مثلهم ، راجع أواخر مبحث رفع اليدين مع
هذا الكلام . ثم إنه بروى هنا ليث عن يعقوب أبى يوسف ، وفى "كتاب
الخراج " لأبى يوسف رواية عن ليث فكل يروى عن الأخر .

١٨٨
معارف السنن
ج - ٣
قال الشيخ ثم إن المروى عن الإمام أبى حنيفة عدم القراءة فى السرية
والجهرية ، ثم صرحوا فى الجهرية بعدم الجواز ، واختلفت رواياتهم عنه فى
السرية على خمسة أقوال: أى الوجوب، والندب، والإباحة، والكراهة تحريماً،
والكراهة تنزيهاً . والمشهور عند المتأخرين كراهتها تحريماً ، وهو مفاد كلام
ابن الهمام فى " الفتح" (١ - ٢٤١) من فصل القراءة، وكذلك هو
مفاد كلام الإتقانى فى " غاية البيان" كما فى " البحر الرائق". ورد كلام
صاحب "الهداية" مما حكى عن محمد استحسانها فى السرية احتياطاً ، وقال:
والحق أن قول محمد كقولها، فإن عباراته فى كتبه مصرحة بالتجافى عن خلافه،
فإن فى "كتاب الآثار" فى (باب القراءة خلف الإمام ) بعد ما أسند إلى
علقمة بن قيس أنه ما قرأ قط فيما لا يجهر فيه ولا فيما لايجهر فيه، قال : وبه نأخذ
... ثم قال قال محمد: لا ينبغى أن يقرأ خلف الإمام فى شئ من الصلاة،
وكذلك ذكر فى "مؤطئه" انتهى ملخصاً مختصراً. وكذلك استدل ابن الهام
بآية: ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) بأن المطلوب أمران: الاستماع
والسكوت فيعمل بكل منهما . والأول بخص الجهرية ، والثانى لا ، فيجرى على
إطلاقه ، فيجب السكوت عند القراءة مطلقاً آهـ.
قال الشيخ : إن رواية الاستحسان فى السرية لابدأن تكون ثابتة ؛ فإن
صاحب " الهداية" متثبت فى النقل متقن للمذهب. وقال فى " البحر الرائق "
(١ - ٣٤٣): ويجاب عنه بأن صاحب " الهداية» لم يجزم بأنه قول محمد
بل ظاهره أنها رواية ضعيفة اهـ. وقال الشيخ عبد الحتى فى " تعليق الموطأ ".
إنه وإن كان ضعيفاً رواية لكنه قوى دراية" . وكلام محمد فى " الآثار"
و "الموطأ" يدل على عدم قراءتها وكونها غير مرضية ولا يدل على الكراهة
وإنما يدل على أن الأولى أن لا يقرأ .
قال الشيخ : والمتحقق عندى من مذهب أبى حنيفة عدم جوازها الجهرية

١٨٩
بيان أقوال أئمة الحنفية فى القراءة فى السرية
وعدم كونها مرضية فى السرية . واختار مولانا الشيخ عبد الحثى اللکنوی فی
كتابه " إمام الكلام " الجواز فى السرية من غير كراهة ، وأتى فيها بأقوال
المشايخ، فحكاها عن "المجتبى شرح القدورى" لصاحب القنية، ومن عمل أبى حفص
الكبير صاحب محمد ، وعن شرح " مختصر الطحاوى" للأسبهجابى، ومن عمل
الشيخ نظام الدين شيخ التسليم من معاصرى شارح " الوقاية " .
قال الشيخ: وثبت ذلك عندى من مآخذ أخر أيضاً، منها ما فى "الذخيرة"
للبرهانى لجد شارح "الوقاية"، حيث ذكر اختلاف المشايخ فيها ثم اختار
هو عدم قراءتها فى السرية. ومنها ما فى "المقدمة الغزفوية" ( ١ ) - مخطوطة -
من كتب فقهنا: أنه اختار بعض أصحابنا القراءة للمقتدى خلف الإمام فى صلاة
المخافتة ، وهو قول أبى حنيفة الأول . ومنها ما فى التأويلات من "تفسير الشيخ
أبى منصور الماتريدى". ومنها ما فى " كتاب الأسرار" لأبى زيد الدبوسى،
ومنها ما فى " شرح مختصر الطحاوى" لأبى بكر الرازى. وما ذكره ابن الهام
من الإستدلال فليس بذاك ، فإن غرض الآية النهى عن القراءة خلف الإمام
فى الجهرية ، فلا علاقة لها بالسرية، والانصات معناه باللغة الأردية الهندية :
((كان لكانا اور سننا))، فلابد أن فى الجهرية ولاسيما إذا اجتمع الأستماع
والإنصات فى كلام واحد. قال فى "العمدة" (٣ - ٣٢٢): قال أبو المعالى
فى "المنتهى": نصت ينصت إذا سكت وأنصت، لغتان أى استمع، يقال :
أنصته وأنصت له ، وينشد :
(١) تأليف الشيخ أحمد بن محمد بن محمود بن سعد الغزنوى ممن تفقه على
صاحب " البدائع " كما فى " فصل الخطاب" ( ص - ٩٥). وانظر ترجمته
فى "الجواهر المضيئة" (١ - ١٢٠): توفى بعد سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة،
ثم إنى لم أوفق بعد إلى مراجعتها ولا إلى مراجعة غيرها من المآخذ المذكورة .
ولم أرداعية بعد الثبت فى النقل .

٩٠
معارف السنن
ج - ٣
(( إذا قالت حذام فأنصتوها))
ويروى " فصدقوها"، وفى " المجمل" و "المغرب": الإنصات :
السكوت للاستماع ، وأنشد الراغب فى "المجالسات":
((السمع للعين والإنصات للأذن)
وقال فى " العمدة" (٣ - ٣١٠): وقال الكرمانى : الإسماع الإصغاء
والتوجه له والقصد إليه ، وكل مستمع سامح دون العكس آهـ. ومنه ما فى
حديث الجمعة (( من أتى الجمعة واستمع وأنصت)) رواه مسلم فى " صحيحه "
والنسائى وأبو داؤد والترمذى من حديث أبى هريرة قال قال رسول الله مَا}ٍ :
« من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين
الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصا فقد لغا)) واللفظ لمسلم، وما فى حديث
صور اسرافيل عليه السلام: ((استمع وانصت)) أخرجه الترمذى من حديث
أبى سعيد الخدرى وحسنه، قال قال رسول اللّه ◌َاجٍ: ((وكيف أنعم وصاحب
القرن قد النقم القرن واستمع الأذن متى يؤمر بالنفخ فينفخ الخ ، (٢ - ٦٥)
وعزاه فى "الدر المنثور" (٥ - ٣٣٧) إلى سعيد بن منصور ، وأحمد ،
وعبد بن حميد ، وأبى يعلى، وابن حبان، وابن خزيمة، وابن المنذر، والجاكم،
وابن مردويه، والبيهفى أيضاً. وفى لفظ: ((وأصغى سمعه ينتظر الخ)). ولم
أقف على اجتماع " أنصت واستمع" فى لفظ من طرقه والله أعلم. ومنه ما فى
قول الشاعر :
يامن يؤمل أن تكون صفاته
وفى قول الآخر :
كصفات عبد الله أنصت واسمع
إذا قالت حذام فانصتوها
فإن القول ما قالت حذام
قال الشيخ : وبالجملة لم أجد فى كلام فصيح أنه استعمل فيه الإنصات
فى السر دون الجهر .

١٩١
مذاهب الصحابة فى ترك الفاتحة خلف الإمام
قتبيه : كل ما ورد فيه الأمر بالاستماع والانصات معاً فوجهه على مايدور
بالبال أن القراءة سراً وهذاً يجتمع مع السماع كما لا يخفى ، فسداً لهذا أردفه
بالإنصات كى يتحتم الفراغ التام للاستماع ، فذلك هو المقصود فى مثله دون السماع
المحض الحالى عن التعقل والفهم والتدبر . وظاهر أن السماع مع التدبر فى
المسموع لا يجتمع مع شغل القراءة وإن كان يجتمع نفس السماع والقراءة والله
سبحانه وتعالى أعلم . فهذا ما ذكرناه فى بيان مذاهب الأئمة .
-: بيان مذاهب الصحابة والتابعين :-
قال البدر العينى فى " العمدة" (٣ - ٦٧): روى منع القراءة خلف
الإمام عن ثمانين من الصحابة الكبار ، منهم : المرتضى ، والعبادلة الثلاثة ،
وأساميهم عند أهل الحديث ، فكان اتفاقهم بمنزلة الإجماع ، فمن هذا قال صاحب
"الهداية" من أصحابنا: وعلى ترك القراءة خلف الإمام إجماع الصحابة ، فسماه
إجماعاً باعتبار اتفاق الأكثر، ومثل هذا يسمى اجماعاً عندنا. وذكر الشيخ
عبد الله بن يعقوب الحارثى السبذمونى فى كتاب " كشف الأسرار" عن عبد الله
ابن زيد بن أسلم عن أبيه قال: ((كان عشرة من أصحاب رسول اللّه حَ لّ ينهون
عن القراءة خلف الإمام أشد النهى : أبوبكر الصديق ، وعمر الفاروق ، وعثمار
ابن عفان ، وعلى بن أبيطالب ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبى وقاص
وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عباس.
رضى الله عنهم )). ثم ساق البدر العينى أسانيدها ومتونها عن "مصنف عبد الرزاق".
و" مصنف ابن أبى شيبة" و"الطحاوى"، وذكر غير هؤلاء أيضاً فليراجعها
من شاء. وقال شيخنا فى "فصل الخطاب" (ص - ٢ و٣): فذهب بعض
السلف إلى تركها رأساً ، وبعضهم إلى تركها فى الجهرية ، وبعضهم إلى إجازتها
فى الجهرية مرة وتركها مرة ، كعمر وأبى هريرة ، وبعضهم إلى استحبابها فيها
( م - ٢٥)
١٣

١٩٢
معارف السنن
ج - ٣
مؤكداً كعبادة ، وبعضهم إلى قراءتها فى السكتات ، وأقل قليل إلى إيجابها أو
تأكدها فى الجهرية على كل حال ، تمكحول عند أبى داؤد والبيهقى فى كتابه
، والذى كان يقرأ فى الجهربة أقل قليل ، والذى كان يقرأ فى
سكتانها أكثرمنه ، والذى كان يقرأ فى السرية لا الجهرية أكثر كثير ، وبعضهم
كان يقرأ فى السرية حيناً ويترك حيناً . وهذا يعلم بالمراجعة إلى الآثار خصوصاً
لا بالاجمال من اختار جانباً فى المسألة ، ثم ذهب يسترسل فى النقل آهـ . والحافظ
علاء الدين المارديني حكى فى "الجوهر النقى" بأسانيد صحاح عن جابر وابن مسعود
وزيد بن ثابت وابن عمر عدم القراءة للمؤتم خلف الإمام عن ابن أبى شيبة
وعبد الرزاق والبزار .
قال الشيخ : أما مذاهب الصحابة رضى الله عنهم فلا أجد القائلين بالقراءة
خلف الإمام فى الصلاة الجهرية منهم إلا قليلاً ، ثم مع قلة هؤلاء اختلف النقل
عنهم ما عدا عبادة بن الصامت، ومع هذا فيحتمل الحمل بالندب كما يحتمل الإيجاب
فلا يقوم بمثله حجة للإيجاب ، ومذهب الشافعية وجوبها ، فكيف يستقيم تمسكهم
بمثله . ومن الذين اختلف النقل عنهم عمر الفاروق ، فثبت عنه الأمر بالقراءة فى
الجهرية فى " سنن الدار قطنى" (ص ٠ ١٢٠) عن يزيد بن شريك: ((أنه
سأل عمر عن القراءة خلف الإمام فقال: اقرأ بفاتحة الكتاب . قلت : وإن
كنت أنت ؟ قال: وإن كنت أنا، قلت: وإن جهرت ؟ قال : وإن
جهرت)). قال الدار قطنى: رواته كلهم ثقات اهـ. ومثله فى "كتاب
القراءة" للبيهقي ، وكذا روى البخارى عنه فى " جزء القراءة" (ص - ١٣):
القراءة وروى صدرها فليس فيه " وإن جهرت" الخ فلم يثبت عنده كونها
فى الجهرية ، ومثله عند الط وى.
قال الشيخ : وفى رواية الدار قطنى رجل متكلم فيه ، وهو عندی حسن
1 أدر من أراده مع تفحص تراجم رجال إسناده ، أللهم إلا أن يكون جواب

ج
بيان آثار الصحابة فى ترك الفاتحة خلف الإمام
التيمى وهو ابن عبيد اللّه الكوفى ضعفه ابن نمير ، ورمى بالارجاء والتشيع ،
ولكن فى "التقريب": صدوق ، ولذلك لعله حسن شيخنا إسناده. وروى
عنه ما يخالفه بإسناد رجاله ثقات فى "مؤطأ الإمام محمد بن الحسن"، و"مصنف
عبد الرزاق" و"مصنف ابن أبى شيبة". أخرجه محمد فى " المؤطأ" من طريق
محمد بن عجلان أن عمر بن الخطاب قال : ليت فى فم الذى يقرأ خلف الإمام
حجراً ، وبمعناه عزاه فى "العمدة" إلى "مصنف عبد الرزاق" من طريق ابن
عجلان عنه. أنظر "العمدة" (٣ - ٦٧) وأخرج الطحاوى عن ابن مسعود
قال: ((ليت الذى بقرأ خلف الإمام ملئى فوه تراباً)). وفيه انقطاع حيث
يروى ابن عجلان من عمر وليس له سماع عنه ولكن المنقطع من الآثار مقبول
أی عندنا
ومنهم ابن عباس فروى عنه إثباتها فى "كتاب القراءة" للبخارى، أخرجه
البيهقى فى كتاب القراءة باسناده عن عطاء عن ابن عباس قال: ((اقرأ خلف
الإمام جهر أو لم يجهر)). ونفيها عند الطحاوى فى "شرح معاني الآثار" (١ -
١٢٩) باسناده عن أبى حمزة قال: « قلت لابن عباس: أقرأ والإمام بين
يدى ؟ فقال: لااهـ)). ومنهم صحابى آخر اختلف النقل عنه أيضاً. وهو ابن
عمر فقد روى البخاری فی "جز ئه" و البيهقى فى كتابه وفى " سننه " ( ٢ -
١٦١) بأسانيدهما عنه حين سئل عن القراءة خلف الإمام قال: ((إنى لأستحتى
من رب هذا البيت أن أصلى صلاة لا أقرأ فيها بأم القرآن ». وقد روى ما
يخالفه ، فقد أخرج عنه مالك فى "مؤطئه" وعبد الرزاق فى "مصنفه" كما فى
"الجوهر النقي"، والطحاوى فى " شرح معاني الآثار" (١ - ١٢٩) والبيهقى
فى "سننه" (٢ - ١٦١) وصححه: ((إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه
قراءة الإمام الخ )) واللفظ لمالك والطحاوى ، وذكر فى " الجوهر النقي" أن
آ سهور عنه عدم وجوب القراءة خلف الإمام اهـ. وأيضاً قال: البدر النيى

١٩٤
٤
معارف السنين
ج - ٣
(٣ - ٦٨): فيما ذكره البيهقى عن ابن عمر: قلت: هذا معارضة باطلة
فإن اسناد ما ذكره منقطع ، والصحيح عن ابن عمر عدم وجوب القراءة خلف
الإمام ام. ثم يمكن حمل قول عمر: "وإن جهرت" عند الدار قطنى على أخرى
العشاء السريتين ، ولا يقال أنه حمل على ما لم يذهب إليه أحد لأنه مذهب
بعض السلف كما فى جزء البخارى، وكتاب البيهقى: ((إذا لم يجهر الإمام فى
الصلوات فاقرأ بأم الكتاب وسورة أخرى فى الأوليين من الظهر والعصر وبفاتحة
الكتاب فى الأخريين من الظهر والعصر وفى الآخرة من المغرب وفى الأخريين
من العشاء)) . رواه البخارى فى " جزئه" باسناده عن على بن أبى طالب
رضى الله عنه، وأخرج الطحاوى عنه ما يخالفه ويضاده فقال باسناده
من المختار بن عبد الله بن أبى ليلى قال: قال على رضى الله عنه: ((من قرأ
خلف الإمام فليس على الفطرة ، وأخرجه عنه ابن أبى شيبة وعبد الرزاق والدارقطنى
كما فى " العمدة" (٣ - ٦٧) وفيها أيضاً : ثبت عن على وسعد وزيد بن
ثابت أنه لا قراءة مع الإمام لا فيما أسر ولا فيما جهر اهـ. ومثله فى " الجوهر
التى". وبالجملة فلا حجة الخصم فيما يرويه عن عمر وعلى وابن عمر وابن عباس
فإن بأيدى مخصومهم ما يقاومه بأسانيد جيدة، وما يغمز البخارى أثر على
المذكور بالمختار بن عبد الله فلا يضر ، لأن له طرقاً ليس فيها المختار كما حققه
الحافظ علاء الدين فى "الجوهر النقي" (٢ - ١٦٨) فى ذيل السنن فراجعه.
ثم إنه سقط فى سند الطحاوى قبل قوله قال قال على عن أبيه كما يعلم من "جزء
القراءة " فليصحح وليتنهه .
قنبيه: أخرج الطحاوى، " شرح معاني الآثار" (١ - ١٢١) فى
(باب القراءة فى الظهر والعصر) عن ابن عباس: ((أنه قيل له أن أناساً يقرءون
فى الظهر والعصر، فقال: لوكان لى عليهم سبيل لقلعت ألسنتهم، إن رسول الله
عٍَّ قرأ فكانت قراءته لنا قراءة وسكوته لنا سكوتاً اهـ)) الأولى عندى أن

١٩٥
٤
بيان مذاهب التابعين فى الفاتحة خلف الإمام
يحمل على قراءتهم خلف الإمام لا أن ابن عباس بنفى القراءة مطلقاً فى الظهر
والعصر ثم إنه إذا كان هذا فى السرية فما ظنك لقراءتهم فى الجهرية؟ أو يحمل
فكيره على قراءتهم جهراً والله أعلم .
قال الشيخ : فثبت أنه قول بعض السلف وإن لم يذهب إليه أحد من
الأئمة الأربعة، غير أن حمل قول عمر عليه بعيد عندى . وأما مذاهب التابعين:
فاختلفوا فى السرية ، فطائفة ذهبت إلى القراءة فيها ، وطائفة إلى تركها: وأما
الجهر فلم يقل فيها بالقراءة إلا شرزمة قليلة ، منهم مكحول ، وعد البخارى
فى "جزء القراءة" جماعة منهم ذهبوا إلى القراءة، فذكر الحسن، وسعيد بن
جبير ، وميمون بن مهران ، ومجاهد، وأبا سلمة بن عبد الرحمن ، وسعيد
ابن المسيب، وعروة ، والشعبى ، وعبيد الله بن عبد الله، ونافع بن جبير ،
وأبا المليح ، والقاسم بن محمد، وأبا مجلز، ومكحولاً ، ومالك بن عون ،
وسعيد بن أبى عروبة ، غير أنه أجمل الأمر فى أكثرهم بأنهم يرون القراءة ،
ولم يفصل هل فى الجهرية أو فى السرية .. وحكى الماردينى فى "الجوهر التقى":
النهى عن القراءة والنكير الشديد على القارئ خلف الإمام عن الأسود وعلقمة
وابراهيم النخعى من "مصنف عبد الرزاق" و" مصنف ابن أبى شيبة" بأسانيد
قوية ، ولم يكن البخارى فى " جزئه" الطعن فى أسانيدها، فاختار منهجاً آخر
فى الطعن فقال: وليس هذا من كلام أهل العلم بوجوه، قال النبى معَ﴾:
ولا ینبغی لأحد أن یتمنى أن يملا
« لاتلاعنوا بلعنة الله ولا بالنار .
أفواه أصحاب النبى معَّلهُ رضفاً ولا نتفاً ولا تراباً))، وإذا ثبت الخبر عن النبى
ح ◌َ﴾ وأصحابه فليس فى الأسود ونحوه حجة انتهى ملخصاً.
قال الراقم : فرق بين العمل وبين الإيعاد ، فالنهى عن العمل والواقع
الإيعاد والتهديد ، ولاريب أن مثل علقمة والأسود وإبراهيم أعلم بمعنى كلام
رسول اللّه عَ ل وأدرى بمراده ممن بعده، وأعرف بأحوال الصحابة، وقد

١٩٦
معارف السنن
ج - ٣
تقدم فى بحث رفع اليدين الإشارة إلى مزاياهم فى تحقيق أمر الصلاة وبحثهم
وفحصهم وبالله التوفيق . وتقدم ما ذكره ابن قدامة من مذاهب التابعين.
قال الشيخ : غير أنه بعد البحث والفحص يتبين أن القائلين منهم فى
الجهرية شرزمة، وابن تيمية فى "فتاواه" يحمل ما ثبت عنهم من القراءة على السرية،
وما ثبت عنهم من الترك على الجهرية كما هو مذهب الحنابلة . ومأخذ مذاهب
التابعين ليس إلا ما روى عهنم من الروايات فى الباب هذا .
ثم إن حديث عبادة فى الباب أخرجه الشيخان فى صحيحيهما من غير قصة،
فالبخارى فى ( باب وجوب القراءة للإمام والمأموم الخ ) من الصحيح (١ -
١٠٤) ومسلم فى (باب وجوب قراءة الفاتحة فى كل ركعة) كلاهما من حديث
3
سفيان عن الزهرى عن محمود بن الربيع عن عبادة ، وفى " جزء القراءة "
للبخارى بلفظ: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)) بحذف كلمة " من". وإنما
أحرجا من حديثه: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) ولفظ حديث الباب
ظاهره حجة الشافعية ، والقائلين بقراءة الفاتحة فى الجهرية، وسيأتى البحث فيه،
ولفظ حديث الشيخين ليس من أحكام صلاة الجماعة، وإنما هو فى حق الصلاة،
وأما فى حق الجماعة فورد فيه حديث: ((إذا قرأ فانصتوا)) فإن سياقه فى
الجماعة . أخرجه مسلم من حديث أبى موسى الأشعرى فى التشهد فى الصلاة ،
وأشار إلى حديث أبى هريرة فیه، وصححه وأخر جها أبو دائد وغيره، وسیاق
الحديث فى الجماعة حيث ورد فيه: ((فإذا كبر فكبروا وإذا قال: غير المغضوب
عليهم ولا الضالين فقولوا: آمين الخ)) وأصرح منه سياق السنن: ((إنما جعل
الإمام ليؤتم به فإذا کبر فکبروا الخ ، وأوفى سياق له سیاق "سنن ابن ماجه".
وسياتى فيه الكلام مستوفى إن شاء الله تعالى .

١٩٧
بیان الأحاديث فى القراءة و تر کها
الكلام علی حدیث الباب حديثاً وفقها بكل دقة ، والبحث
فى الفاتحة خلف الإمام رواية ودراية" .
وردت فى مسألة الفاتحة أحاديث أصبحت منشأ لإختلاف أنظار المجتهدين:
الأول حديث عبادة : ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) وهو حديث
صحيح متفق على صحته . فيه إيجاب الفاتحة .
والثانى: حديث أبى موسى الأشعرى : ((وإذا قرأ فانصتو)) وهو أيضاً
صحيح صححه أحمد واستاق ومسلم والجماهير كما يأتى، وإن تكلم فيه البخارى فى
" جزئه" وفيه إنصات المأموم إذا قرأ الإمام.
والثالث: حديث جابر: ((من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)). وهو
صحيح أيضاً إن شاء الله تعالى كما سيتبين قريباً. وفيه عدم قراءة المأموم، فاختلفوا
لا جرم فى الأخذ بها وتطرقت أقوالهم فى الجمع بينها ، فالجمهور اعتبروا
بالصلوات فخصصوا أمر الإيجاب بالسرية ، وحملوا حديث الإنصات على
الجهرية . والحنفية اعتبروا بالأشخاص فاستئنوا المأموم من ظاهر أمر الإيجاب .
والشافعية: ذهبوا إلى حديث عبادة وخصصوا من حديث الإنصات
الفاتحة . ويقول ابن رشد فى " البداية": فاختلف الناس فى وجه جمع هذه
الأحاديث . فمن الناس من استثنى من النهى عن القراءة فيما جهر فيه الإمام :
قراءة أم القرآن فقط على حديث عبادة ، ومنهم من استثنى من عموم قوله عليه
الصلاة والسلام: ((لاصلاة إلا بفاتحة الكتاب)) الماموم فقط فى صلاة الجهر ..
. وأكد ذلك بقوله تعالى: (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا الآية).
..
. ومنهم من استثنى القراءة الواجبة على المصلى المأموم فقط سراً كانت
الصلاة أو جهراً ، وجعل الوجوب الوارد فى القراءة فى حق الإمام والمنفرد
فقط مصیراً إلی حدیث جابر ، وهو مذهب أبى حنيفة ، فصارت عنده حديث
جابر مخصصاً لقوله عليه الصلاة والسلام: ((وأقرأ ما تيسر معك)) انتهى مختصراً
ملخصاً .

١٩٨
معارف السفن
ج - ٣
ولفظ الشيخ فى تعليقاته على " الآثار": وحاصل الخلاف فى المسألة أن
بعضهم ذهب إلى استثناء المقتدى عن أوامر القراءة ، وبعضهم إلى استثناء
الجهرية له عنها، وبعضهم إلى استثناء الفاتحة عن أوامر الإنصات اهـ. وبالجملة
فكل يخصص حديثاً ولكن الجمهور اتفقوا على تخصيص حديث عبادة بغير
المأموم ، وتفرد الشافعية فى القول بعمومه .
وحديث محمد بن اسحاق فى الباب عند الترمذى ظاهره حجة للشافعية فإن
القصة فيه قصة صلاة الصبح الجهرية . والجواب عنه :
أما أولاً: إن الحديث معلول ، أعله أحمد كما حكاه ابن تيمية. فى "فتاواه".
يقول الحافظ علاء الدين فى "الجوهر النقي": والكلام فى ابن اسحاق معروف ،
والحديث مع ذلك مضطرب الإسناد ، والبيهقى بين بعضه ، وقال عبد الجق :
رواه الأوزاعى عن مكحول عن عبد الله بن عمرو، وقال: ((صلينا مع النبى
عَبِالّ فلما انصرف قال: هل تقرءون إذا كنتم معى فى الصلاة ؟ قلنا: نعم،
قال: فلاتفعلوا إلا بأم القرآن)). وفى "التمهيد": خولف فيه محمد بن اسحاق:
فرواه الأوزاعى عن مكحول عن رجاء بن حيوة عن عبد الله بن عمرو فذكره .
ورواه الطحاوى فى أحكام القرآن من حديث رجاء بن حيوة عن محمود فأوقفه
الخ ، ثم ناقش علاء الدين البيهقى فيما حسن من أسانيدها فليراجع . وكذا أشار
ابن حبان إلى إعلاله فى "كتاب الثقات". قال الذهبى فى "الميزان" (٣ - ٢٢٧)
فى ترجمة نافع بن محمود عن عبادة فى القراءة خلف الإمام : ذكره ابن حبان
فى الثقات، وقال حديثه معلل اهـ. وأعله الحافظ أبو عمر فى "التمهيد" فى الموضعين
على خلاف ما ينقل ابن رشد فى " قواعده" تصحيحه عنه. وأعله ابن تيمية
فى " فتاواه"، وذكر أنه أنف فيه كتاباً. وأعله الحافظ ابن رجب الحنبلى
صاحب ابن تيمية . فالحديث وإن حسنه الترمذى وصححه بعض الشافعية أى عملاً
من جهة إخراجه فى كتبهم كابن حبان والحاكم أو تمسكاً به كالدار قطنى والبيهفى
وغيرهما . فلا يكون مثله حجة على الخصم فى معرض الخصام . ثم إن الحافظ
فى "التلخيص" (ص - ٨٧) عزا إلى البخارى تصحيحه فى " جزء
القراءة " حيث قال: والبخارى فى "جزء القـ اءة" ومصحه.

١٩٩
تحقيق حديث عبادة فى الفاتحة خلف الإمام
قال الشيخ : وهو غير صحيح فإنه لم يصححه صراحة ، وإنما أخرجه فيه
فقط، بل تردد فى صحته أوضحه الشيخ فى " فصل الخطاب" (ص - ٩٣
و ٩٤ ) فليراجع .
ثم إن ابن قيمية أعل الحديث فى "فتاواه" بما ملخصه : أن القصة لعبادة
وقعت له بعد عهده بَّكُلَّّ فقرأ هو نفسه فسئل عنه فقال ذلك.
قال الشيخ: وقريب مما ذكره ما عند أبى داؤد فى "سننه" (١ - ١١٩)
( باب من ترك القراءة فى صلاته ). وفيه قال نافع: ((أبطأ عبادة الصامت
عن صلاة الصبح - إلى أن قال -: فجعل عبادة يقرأ بأم القرآن فلما انصرف
قلت لعبادة : سمعتك نقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر ؟ قال : أجل صلى بنا
رسول اللّه ◌َّ الخ)) إلا أنه استدل فيه بالواقعة فى عهده عَ لّ أيضاً. وفى
الحديث هذا سوء ترتيب من الراوى فى الألفاظ، أى قوله: "فلا نقر وا بشئى
من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن" .
قال الشيخ: وهذا الذى أعله به ابن تيمية لا يجرى فيه عندى . وأوضح
منه أن يقال فى الإعلال : أنه روى عن عبادة ثلاثة أمور :
الأول: واقعة عبادة نفسه، واستدل فيها بعموم قوله حَل اله: ((لا صلاة
الخ)) ولم يذكر القصة، كما ذكره ابن تيمية وسنده قوى .
والثانى: قصة حديث الباب ، وفيه قصة الاختلاط .
والثالث : الحديث القولى من غير قصة أصلاً، وهو صحيح بلاريب .
فالأول يرويه نافع بن محمود عن عبادة . والثالث يرويه محمود بن الربيع عن
عبادة ، ثم إن مكحولاً أخطأ فى الجمع بين روايتى نافع ومحمود ، وكان بروى
عنها جميعاً ، فركب الروايتين ، وذكر فيها القصة ، والحديث القولى معاً ،
وتفرد هو بذلك .
قال الشيخ فى " تعليقات الآثار": والذى نلخص من الطرق: أن عند
( م - ٢٦ )

٢٠٠
معارف السنن
ج - ٣
مكحول من محمود حديث الفاتحة وحديث الاختلاط أيضاً، الأول من طريق
العلاء بن الحارث ، والثانى من طريق محمد بن اسحاق عند محمود من طريق نافع
واقعة عبادة أيضاً ، وعند رجاء عن محمود واقعة عبادة فقط وعند رجاء عن
عبادة مرسلاً حديث الاختلاط أيضاً ، فعند محمود ثلاثة أشياء اهـ .
ولشيخنا رحمه الله فصل مستقل فى رسالته "فصل الخطاب" فى وجوه تعليله
کما له فصول مستقلة فيها فى تأويله بعد تسليمه ، ونريد أن نلخص كلامه فی
ذلك الفصل . قال فى ( ص - ٩١ و٩٢ و٩٣): اختلف الحديث ارسالاً
ووصلاً ووقفاً ورفعاً عند البيهقى فى كتابه ، ويقول ابن تيمية فى "فتاواه":
وهذا الحديث معلل ن أئمة الحديث كأحمد وغيره من الأئمة ، وقد بسط
الكلام على ضعفه فى غير هذا الموضع. وبين أن الحديث الصحيح قول رسول الله
عَّي: (( لا صلاة إلا بأم القرآن)) فهذا هو الذى أخر جاه فى الصحيح، رواه
الزهرى عن محمود بن الربيع عن عبادة فغلط فيه بعض الشاميين ، وأصله أن
عبادة كان يوماً فى بيت المقدس فقال هذا ، فاشتبه عليهم المرفوع بالموقوف على
عبادة والله سبحانه أعلم آهـ. وذکر فی" فتاواه" (٢ - ٦٣) باسنادین جيدين
عن رجاء بن حيوة عن محمود بن الربيع قال: ((صلينا صلاة وإلى جنبى عبادة
ابن الصامت فسمعته يقرأ بفاتحة الكتاب ، فلما فرغنا قلت : يا أباالوليد ألم أسمعك
قرأت بفاتحة التمرآن ؟ قال : أجل ، إنه لا صلاة إلا بها )). وعنه عن محمود
ابن الربيع قال سمعت عبادة بن الصامت يقرأ خلف الإمام فقال عبادة رضى الله
عنه: ((لا صلاة إلا بقراءة اهـ)) وكذا فى (٢ - ٤٦) من "فتاواه"، ومثله
عند ابن أبى شيبة والطحاوى فى أحكام القرآن كما فى " الجوهر"، ومثل هذا
لو كان فى جانبهم لجزموا بوقفه . فهذه الروايات تفصل الأمر وتبين القدر
المرفوع والموقوف . ويقول الحافظ فى " الفتح" (٤ - ٤٦): ومع الذى
فصل زيادة علم فهو أولى . أشار إلى ذلك شيخنا فى " شرح الترمذى" اهـ.