Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ بحث أخذ الأجرة على التأذين وغيره قال: ((إن من آخر ما عهد إلى رسول اللّه عليه أن أتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)). قال أبوعيسى : حديث عثمان حديث حسن ، والعمل على على الرقية بالفاتحة وفى أخذه على التعليم ، فأجازه عطاء وأبو قلابة وهو أول مالك والشافعى وأحمد وأبي ثور ، ونقله القرطبى عن أبى حنيفة فى الرقية ، و هو قول إسحاق، وكره الزهرى تعليم القرآن بالأجر، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز أن يأخذ الأجر على تعليم القرآن .... وفى "خلاصة الفتاوى" ناقلاً عن "الأصل" - أى " المبسوط" للإمام محمد بن الحسن الشيهانى -! لا يجوز الاستيجار على الطاعات كتعليم القرآن والفقه والأذان والتذكير والتدريس والحج والغزو، يعنى لا يجب الأجر، وعند أهل المدينة يجوز، وبه أخذ الشافعى ونصير وعصام وأبونصر الفقيه وأبو الليث رحمهم الله ، والأصل الذى بنى عليه حزمة الاستيجار على هذه الأشياء : إن كل طاعة يختص به المسلم لا يجوز الاستيجار عليها لأن هذه الأشياء طاعة وقربة تقع عن العامل ، قال تعالى : (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ). فلا يجوز أخذ الأجرة من غيره كالصوم والصلاة، واحتجوا على ذلك بأحاديث الخ ثم ساقها. وقال فى "البحر الرائق" (١ - ٢٥٤): وهو - أى عدم أخذ الأجر على الأذان- قول المتقدمين، أما على المختار للفتوى فى زماننا فيجوز أخذ الأجر للإمام و المؤذن والمعلم والمفتى كما صرحوا به فى كتاب الإجارات . وصاحب " الهداية" خص الجواز بتعليم القرآن فقط كما يدل عليه لفظه فقال فى ( باب الاجارة الفاسدة ) : وبعض مشائخنا استحسنوا الاستيجار على تعليم القرآن اليوم لأنه ظهر التوانى فى الأمور الدينية، ففى الامتناع يضيع حفظ القرآن وعليه الفتوى اهـ . أقول: ولكن الدليل عام فيمكن أن يغم الحكم فى كل ما ظهر فيه التوانى وعدم العناية اللائقة بشأنه والله أعلم . ( م - ٣١) ٢٤٢ معارف السنن ج - ٢ هذا عند أهل العلم ، كرهوا أن يأخذ على الأذان أجراً ، واستحبوا المؤذن أن يحتسب فى أذانه . وبالجملة فالقدماء من الحنفية على النهى والمتأخرون على الجواز على الأذان والإمامة وتعليم القرآن وليس هو أصل المذهب ، والأصل فيه ما تقدم ذكره، وقد ذكر مثله فى " البدائع" و " الهداية". وقال صاحب "الهداية": ولأن التعايم مما لا يقدر المعلم عليه إلا بمعنى من قبل المتعلم فيكون ملتزماً ما لا يقدر على تسليمه فلا يصح اهـ. فكان الجواز لأجل الضرورة، وأشار صاحب "الهداية" إلى أن مثار النهى فى التعليم لأجل أن الوقت غير منضبط لتفاوت أفهام المخاطبين أفاده الشيخ. ويقول قاضى خان فى الجزء الثالث فى (الاحارة الفاسدة) (٣ - ٤٣٤): إنماكره المتقدمون الاستيجار على تعليم القرآن و كرهوا أخذ الأجر على ذلك لأنه كان المعلمين عطيات فى بيت المال فى ذلك الزمان وكان لهم زيادة رغبة فى أمر الدين وإقامة الحسبة ؛ وفى زماننا القطعك عطيانهم والنقص رغائب الناس فى أمر الآخرة ، فلوا استغلوا بالتعليم مع الحاجة إلى مصالح المعاش لاختل معاشهم قلنا بصحة الاجارة ووجوب الأجرة للمعلم ..... وهذا بخلاف المؤذن والإمام لأن ذلك لا يشغل الإمام والمؤذن عن أمر المعاش اهـ . فصاحب " الحانية" وصاحب " الهداية" اتفقا على عدم الجواز على الإمامة والتأذين ولكن الدليل الذى استدل به صاحب "الحانية" لعدم الجواز فى السلف ثم الجواز لارتفاع العلة يجعل المذهب اليوم الجواز على تعليم القرآن ، وطبقة القاضى خان أعلى من طبقة صاحب " الهداية" كما صرح به الحافظ قاسم بن قطلوبغا أفاده الشيخ. ويقول صاحب " البدائع" (١ - ١٥٢): وإن علم القوم حاجته فأعطوه شيئاً من غير شرط فهو حس؛ لأنه من باب البر والصدقة والمجازات على إحسانه بمكانهم وكل ذلك حس والله أعلم اهـ. واستدل أبو حنيفة بحديث انكاره عَ لَّم على أخذ القوس على قراءة ٢٤٣ بيان الاختلاف فى جواز الأجرة وعدم جوازها بنية الثواب =: باب ما يقول إذا أذن المؤذن من الدعاء :- القرآن كما هو فى حديث عبادة بن الصامت عند أبى داؤد وابن ماجه والحاكم ، وفى حديث أبي بن كعب عند ابن ماجه ، وحديث أبى الدرداء عند الدارمى راجع "العمدة" (٥ - ٦٤٨) و" نصب الرأية" (٤ - ١٣٦). واحتج الشافعية بحديث أبي سعيد الخدرى فى " الصحيح" فى (باب ما يعطى فى الرقية بفاتحة الكتاب ) من (كتاب الإجارات ) حيث أخذ قطيع الغنم على الرقية بالفاتحة على المديغ وضحك رسول اللّه عَ لٍ وأقره. و الجواب عنه بالتسليم بأن ذلك جائز عند أبى حنيفة ، وبمثله أجاب ابن الجوزى من الحنابلة والقرطبى من المالكية فى أحد وجوه الجواب كما فى " العمدة". وأما أخذ الأجرة على ختم "القرآن" و" صحيح البخارى" لأمر من أمور الدنيا فذلك جائز، وأما لأمر الآخرة من ايصال الثواب إلى الميت وغيره فكلا ثم كلا ، وقد صرح به ابن عابدين فى "رد المحتار" فى الجزء الخامس فى ( باب الاجارة الفاسدة) وأبسط منه فى رسالته " شفاء العليل وبل الغليل فى حكم الوصية باختمات والتهاليل" . ثم إنه قال الشيخ ابن الهام فى "الفتح" (١ - ١٧٣): وفى " فتاوى قاضيخان": المؤذن إذا لم يكن عالماً بأوقات الصلاة لا يستحق ثواب المؤذنين اهـ. قال: ففى أخذ الأجر أولى، وحكاه صاحب "البخر" ورده، وقال: وقد يمنع لما أنه فى الأول الجهالة الموقعة فى الغرر لغيره بخلافه فى الثانى . وتبعه صاحب " النهر" كما فى "رد المحتار" ثم تبعه صاحب "الدر المختار"، ومال ابن عابدين إلى عدم. الثواب إذا لم يكن محتسها . انظر "رد المحتار" (١ - ٣٦٤) من الأذان والله أعلم. وأرى فى هذه النقول من أركان المذاهب مقنع وكفاية والله ولى التوفيق والهداية . -: باب ما يقول إذا أذن المؤذن من الدعاء :- ٢٤٤ معارف السنن ج -٢ حدثنا قتيبة نا الليث عن الحكيم بن عبد الله بن قيس عى عامر بن سعد عن سعدبن أبى وقاص عن رسول اللّه عَّةٍ قال: ((من قال حين يسمع المؤذن حين يؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً غفر الله له ذنوبه)). قال أبوعيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث الليث بن سعد عن حكيم بن عبد الله بن قيس . محمل الدعاء أن يقوله بدل الشهادتين كما هو مصرح فى رواية " شرح معانى الآثار" وفيه: ((من قال حين يسمع المؤذن يتشهد)) وكذا ذكر النووى فى "شرح مسلم" (١ - ١٦٦) أنه يستحب أن يقول بعد قوله "أن محمداً رسول الله": رضيت باقه رباً الخ . قوله : حين يؤذن، لم يوجد هذا اللفظ فى أكثر الأصول من نسخ "الترمذى" المخطوطة كما حكاه بعض المحشين، وكذلك لم يوجد عند من زواه كمسلم فى "صحيحه" والنسائى وأبى داؤد فى "ستنيه)" والحاكم فى "المستدرك" وغيرهم فعدمه أولى ؛ نعم أو كان "يؤذن" بدون لفظة " حين" لكان أبلغ . ثم إنه وقع فى " المستدرك" الحكم بن عبد الله مكبراً بدل الحكيم بن عبد الله مصغراً، وقد يؤاخذ الحاكم باستدراكه حيث أخرجه "مسلم" كما قيل. قوله : لانعرفه إلا من حديث الليث بن سعد الخ. قات: تابعه عبيد الله ابن المغيرة عند الطحاوى فى "شرح الآثار"، وهو إما عبيد الله بن المغيرة ابن أن، بردة الكفافى من رجال ابن ماجه، أو عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب مهن رجال الترمذى وابن ماجه ، وكلاهما مقبول من الرابعة كما فى " التقريب" فالمتابعة صحيحة فارتفعت الغرابة وبالله التوفيق . ٢٤٥ تفسير كلمات دعاء الأذان -: باب منه أيضاً :- حدثنا محمد بن سهل بن عسكر البغدادى وإبراهيم بن يعقوب قالانا على ابن عياش ذا شعيب بن أبى حمزة نا محمد بن المنكدر على جابر بن عبد الله قال قال رسول اللّه عَل الي: ((من قال حين يسمع النداء: "اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمد الوسيلة -: هاب منه أيضاً :- فى الحلبية: "باب منه آخر"، وفى العابدية : " باب آخر منه" كذا فى حواشى الحلبية . قوله : هذه الدعوة التامة ، الدعوة - بفتح الدال ـ وأريد بها كامات الأذان التى يدعى بها الشخص إلى عبادة الله تعالى وهى دعوة التوحيد كقوله تعالى: ( له دعوة الحق ) وسميت تامة لأن الشركة نقص أو لأنها لا يدخلها تغيير ولا تبديل تبقى إلى يوم القيامة، أو لأنها تستحق صفة التمام والكمال ، وما عدائها فمعرض للفساد . وقال ابن التين: وصفت بالتامة لأن فيها أتم القول وهو ((لا إله إلا الله)). وقال الطيبى من أوله إلى قوله: ((محمد رسول الله)) هى الدعوة التامة . قوله : والصلاة القائمة ، أى الدائمة التى لا يغيرها ملة ولا يلسخها شريعة ، وإنها قائمة ما دامت السموات والأرض. وقيل: الخيعلة الصلاة القائمة فى قوله: "يقيمون الصلاة" ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة الدعاء وبالقائمة الدائمة كما مر فيكون بياناً للدعوة التامة والأول أظهر . قوله : الوسيلة ، الوسيلة لغة هى ما يتقرب به إلى الكبير ، وتطلق على المنزلة العلية، وبها فسرت فى حديث مسلم عن عهد الله ابن عمرو بن العاص ! بأنها منزلة فى الجنة كما تقدم . ٢٤٦ معارف السنن ج - ٢ والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذى وعدته" إلاحلت له الشفاعة يوم القيامة)). قوله: والفضيلة : أى المرتبة الزائدة على سائر الخلائق ويحتمل أن تكون أخرى . قوله : مقاماً محموداً، انتصاب مقاماً على أن يلاحظ معنى الاعطاء فى البعث فيكون مفعولاً ثانياً له قاله البدر العينى ، وهو أولى من سائر الوجوه التى ذكروها من النصب على الظرفية أو تضمين البعث معنى الإقامة أو الحالة بتقدير كامة " ذا" وروى منكراً كما هنا وهو أوفق بلفظ القرآن وأبلغ لما فى معنى التنكير من الفخامة كأنه قبل : مقاماً أى مقام محموداً بكل لسان كما يقوله الطبى . وروى معرفاً باللام فى رواية النسائى وابن خزيمة وابن حيان والطحاوى والطبرانى والبيهقى ، وعلى ذلك يصلح للموصوفية بما بعده من غير تأويل (أى يكون علماً فيصاح نعتاً له ما بعده) والمراد " بالمقام المحمود" هو الشفاعة الكبرى كما هو منصوص فى الروايات الصحيحة فى " البخارى" وغيره ما يكاد يكون متواتراً وعليه الأكثر كما قاله ابن الجوزى . قوله: "الذى وعدته"، بدل من قوله: مقاماً محموداً أو عطف بيان أو مرفوع بتقدير هو على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أو منصوب على المدح ، وإن قلنا المقام المحمود صار علماً لذلك المقام فيجوز أن يكون صفة وإلا لا يجوز لأنه نكرة . تنبيه: زاد البيهقى وغيره: " إنك لا تخلف الميعاد". قال الطيبي: المراد بذلك قوله تعالى: (عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً)، وأطلق عليه الوعد لأن عسى من اللّه واقع كما صرح به ابن قتيبة وغيره . هؤلاء: إلا حلت له الشفاعة فى جواب من على تقدير أنها استفهام انكارى، بقية تفسير كلمات دعاء الأذان - وعدم رد الدعاء بين الأذان والإقامة ٢٤٧ قال أبو عيسى : حديث جابر حديث حسن غريب من حديث محمد بن المنكدر ، لا نعلم أحداً رواه غير شعيب بن أبى حمزة . ( باب ما جاء أن الدعاء لابرد بين الاذان والإقامة ) حدثنا : محمود نا وكيع وعبد الرزاق وأبو أحمد وأبو نعيم قالوا نا سفيان عن زيد العمى عن أبى إياس معاوية بن قرة عن أنس بن مالك قال : قال ومعنى حلت: استحقت ووجبت أو نزلت عليه، ويؤيده رواية مسلم: ((حلت عليه)) وفى حديث ابن مسعود عند الطحاوى: ((وجبت له)) وليس من الحل ضد الحرمة لأنها لم تكن محرمة من قبل . وفى رواية "صحيح البخارى" من نفس هذه الطريق " حلت" من غير لفظة " إلا" وهو ظاهر لا يحتاج إلى تأويل . قوله : لا نعلم له أحداً رواه غير شعيب، قال البدر العينى. وقد توبع ابن المنكدر عليه عن جابر أخرجه الطبرانى فى " الأوسط" من طريق أبي الزبير عن جابر نحره انتهى، ومثله قال الشهاب . قال الراقم : وحديث أبي الز بير عزاه فى " الزوائد" إلى أحمد والطبرانى فى " الأوسط" قال: وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف، وأيضاً سياق متنه يدل على أنه حديث آخر فلا يكون متابعاً بل یصاح شاهداً له وحديث أبى داؤد عند الطبر انى فى " الكبير" أيضاً شاهد له ؛ ولكن فيه حدقة بن عبد الله السمين ضعفه أحمد والبخارى ، ووثقه دحيم وأبو حاتم، انظر للتفصيل "زوائد الهيثمى" (١ - ٣٣٢ و٣٣٣). -: باب ما جاء أن الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة :- ليس فى الباب ما يحتاج إلى الشرح ، و "زيد العمى " هو زيد بن الحوارى أبو الحوارى العمى البصرى قاضى هراة ، وهو مولى زياد بن أبيه ، وقد اختلفوا فيه ، قال فى " التقريب": ضعيف من الخامسة وقد أخرج له ١٤ ٢٤٨ معارف السنع ج - ٢ وصول اللّه ◌ُجَّل: ((الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة)). قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن ، وقد رواه ابن اسماق الهمدانى عن برید بن أبي مريم عن أنس عن النبى عٍَّ مثل هذا. الأربعة . قال أحمد والدارقطنى: صالح روى عن أنس وابن المسيب. ثم وجه تسميته بالعمى فقيل: لأنه كان كلما يسأل عن شئ قال: لا حتى أسال على كما حكاه الزيلغى فى " نصب الرأية" عن أحمد بن صالح. والحافظ فى "التهذيب" عن على بن مصعب. وقيل : منسوب إلى بنى العم بطئ من نميم كما حكاه الحافظ فى "التهذيب" عن الرشاطى. قال شيخنا: وهو الصواب. ثم إن ما علقه الترمذى فقد وصله النسائى وابن خزيمة وابن حبان من طريق بريد بن أبي مريم عن أنس . كما فى " التلخيص" (ص - ٧٩) ولكن فيه " يزيد" بدل " بريد" وهو من خطأ الناسخ، والترمذى لم يذكر فيه ما فى الباب . وفيه حديث سهل بن سعد عن أبى داؤد ، وابن خزيمة وابن حبان والحاكم كما فى "التلخيص" ولفظه: ((قل ما ترد على داع عند حضور النداء)) الحديث . ثم إن الدعاء فى هذا الوقت من مظنة الاجابة . والدعوات على قسمين : أحدهما ما يكون المقصود منه : أن تملأ القوى الفكرية بملاحظة جلال الله وعظمته أو يحصل حالة الخضوع والاخوات . والثانى : ما يكون فيه الرغبة فى خير الدنيا والآخرة والتعوذ من شرها لأن همة النفس ، وتأكد عزيمتها فى طلب شئى يقرع باب الجود بمنزلة إعداد مقدمات الدليل لفيضان النتيجة كما بسطه الشيخ الشاه ولى اللّه فى " حجة الله البالغة" فى الجزء الثانى من أبواب الاحسان، وهو كلام حكيم تغلغل فى أسرار الشريعة وحكمها فقطن مصالحها وذاق عبرها فتجد هناك من كلماته ما يشفى غليل صدرك والله الموفق . ٢٤٩ معارف السين ( باب ما جاء كم فرض الله على عباده من الصلوات ) حدثنا محمد بن بحى نا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهرى عن أنس بن -: باب ما جاءكم فرض الله على عباده من الصلوات :- قال العلماء: فرضت خمسون صلاة ثم نسخت وبقيت منها خمس صلوات. قال الشيخ: لا نسخ فيها، والاختلاف بحسب اختلاف العالمين والآن كذلك خمسون لكن ثواباً فى عالم الآخرة وخمس فعلاً فى عالم الدنيا بضابطة : إن الحسنة بعشرة أمثالها. قال : ثم رأيته فى " الروض الأنف". قال الراقم : نفس افتراض الخمسين ثم بقاء افتراض الخمس بمراجعات النبى حَلّ فى التخفيف منصوص فى حديث أنس هذا حديث الباب وهو قطعة من حديث طويل فى " البخارى" فى مواضع، وفى " مسلم" منها ما فى الصحيح فى الصلاة من حديث أنس عن أبى ذر فى (باب كيف فرضت الصلاة فى الإسراء) ثم اختلفوا فى أنه هل هناك كان نسخاً أو نوع تعبير عن افتراض الخمس بالخمسين ثم إذا كان نسخاً فهل هو نسخ فى الإنشاء أو فى الخبر؟ وهل يصح هو قبل العمل. أو قبل البلاغ إلى الأمة ؟ أبحاث خلافية أصولية، وما كان يرد على القول بالنسخ - هو من أقوى ما يرد عليه -: إنهم انفقوا جميعاً على أن النسخ لا يتصور قبل البلاغ، فاختار الشيخ رحمه الله ما لا يحتاج فيها إلى كثير تكلف، ولا إلى مزيد تقطع ، ويستأنس القول بعدم النسخ وللقول بأن هذا كان تعبيراً وعنواناً محضاً بقوله حَلّ حاكياً عن الله جل ذكره: ( وهن خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدى)) وذكر الشارخون كالشهاب العسقلانى وغيره : المراد هى خمس عداً باعتبار الفعل وخمسون اعتداداً باعتبار الثواب اهـ. انظر"الفتح". (١ - ٣٩٢). ويقول السهيلى فى " الروض الأنف" (١ - ٢٥٢): و ( ٢ - ٣٢). ٢٥٠ بحث افرض الخمسين ليلة الإسراء مالك قال: ((فرضت على النبى معَّلّ ليلة أسرى به الصلاة خمسين ثم نقص حتى جعلت الوجه الثانى أن يكون هذا خبراً لا تعبداً، وإذا كان خبراً لم يدخله النسخ ومعنى الخبر : أنه عليه السلام أخبره ربه أن على أمته منخمسين صلاة ومعناه أنها خمسون فى اللوح المحفوظ، وكذلك قال فى آخر الحديث هى خمس وهى خمسون والحسنة بعشر أمثالها فتأوله رسول الله ما﴾ على أنها خمسون بالفعل فلم یزل یراجع ربه حتى بين له أنها خمسون فى الثواب لا بالعمل اهـ. ومثله فى " الحمدة" عنه. وأيضاً ذكر السهيلى نكتة أمجرى فى نقصها بدفعات ولكنه بناها على رواية نقصها عشراً فعشراً فقال: فإن قيل ما معنى نقصها عشراً بعد عشر؟ قلنا: ليس كل الخلق بحضر قليه فى الصلاة من أولها إلى آخرها ، وقد جاء فى الحديث أنه یکتب منها ما حضر قلبه فيها وإن العهد بصلى الصلاة فیکتب له نصفها و ربعها حتى انتهى إلى عشرها ووقف ، فهى خمس فى حق من کتب له عشرها وعشر فى حق من كتب له أكثر من ذلك وخمسون فى حق من كمات صلاته وأداها بما يلزمه من تمام خشوعها وكمال سجودها وركوعها انتهى كلامه . قال الراقم : الحديث الذى أشار إليه السهيلى رواه أبو داؤد فى " سنته" فى (باب ما جاء فى نقصان الصلاة) من كتاب الصلاة من حديث عمار بن ياسر قال سمعت رسول الله عَ ل﴾ يقول: ((إن الرجل لمصرف وما كتب له إلا عشر صلاته تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها، اهـ. (١ - ١١٥ طبع الكانفورية الجديدة ) وأخرجه المنذرى فى " الترغيب" وعزاه إلى النسائى وليس فى "الصغرى" فلعله فى "الكبرى"، وفى حديث " مسلم" ما يدل على أن ضابطة الحسنة بعشرة أمثالها من جملة ما أعطاه الله نبيه مع الج ليلة الإسراء أخرجه فى ( باب الإسراء ) من حديث ثابت البنانى عن أنس الحديث الطويل وفيه : (( يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشراً ، ٢٥١ معارف السنن ج - ٢ خمساً، ثم نودى با محمد: إنه لا يبدل القول لدى، وإن لك بهذا الخمس خمسين)). وفى ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئاً فإن عملها كتبت سيئة واحدة)، إلى آخر الحديث، وهذا التعبير يكاد يكون نصاً فى أن الخمسين كان .آلا" وأجراً لافعلاً وصورة. ثم إن أراد أحد أن يبحث عن الحكمة فى افتراض الخمسين بمثل هذا الأسلوب من الحكم خمساً خمساً بالمراجعات والعرض والشفاعة فأقول أولاً : لا وصمة علينا لو نعترف بقصور مداركنا عن ادراكها كما هو عند الله سبحانه وتعالى من حكمها ومصالحها فهو حقيق بعلمها، وأما ثانياً : فيمكن أن نقول: إن فيه أموراً عدة : الأمر الأول: أن عظمة هذه المزية من الخمس حقيقةً وفعلاً، والخمسين أجراً وثواباً تكون أبين ظهوراً وأقرب طافينة بهذا الأسلوب، فلو كان فرض الله سبحانه وتعالى من أول مرة خمس صلوات لم يكن له هذا الموقع من النفس ولا هذا الوضوح فى بيان عظمة النعمة ولا هذا الفرح والتقدير العظيم . الأمر الثانى: أن فيه مزية للنبى ◌َ﴾﴾ّ من وجاهته عَ لّ عند الله سبحانه وتعالى بقهول شفاعته وظهور رأفته وخطفه على الأمة الأمر الثالث: أن فيه ظهوراً لنصح موسى عليه السلام للنبى حَالٍ ولأمته وكأنه وقع تفسيراً لميثاق الأنبياء بنصرة النبى عَّ ل ما ذكره الله سبحانه وتعالى فى التنزيل العزيز بقوله: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين) الآية . الأمر الرابع : أن فيه تسلية لقلب موسى عليه السلام بالتجليات الربانية التى كانت تحيط به عَلّ فتصل نفحاتها وأشعتها إلى موسى عليه السلام، وفى ضمن ذلك مزية أخرى له عَّ لج حيث حصل موسى عليه السلام ببركته ما لم يحصل من قبل مع سؤاله ورغبته فى المشاهدة المقدسة وما إلى ذلك من مزايا جليلة كَانِتِ له فَله من حلاوة المناجاة والتحظى بالتجليات ورفع الدرجات وتقوية نفسه المقدسة وروحانيته ملك له وأمثال ذلك أو ما هو فوق ذلك ما استأر به ٢٥٢ بحث النسخ وأقسامه وكيف نسخ الخمسين إلى الخمس ج - ٢ الباب عن عبادة بن الصامت وطلحة بن عبيد الله وأبى قتادة وأبى ذر ومالك بن نفسه والله أعلم بالصواب. والنسخ على ثلاثة أقسام: أحدها النسخ فى اصطلاح القدماء وهو تقييد المطلق أو تخصيص العام أو تأويل الظاهر كما صرح به ابن حزم ثم ابن تيمية ثم السيوطى ، تجد تفصيل ذلك فى نآليف ابن القيم . منها ما ذكره فى "اعلام الموفقين" وكذلك فى "الاتقان" وكذلك فى "الفوز الكبير" للشاه ولى الله. وثانيها : نسخ يذكره الامام الطحاوى فى كلامه، وهو ظهور أمر على خلاف ماكنا نعلمه وإن كان بقى حكمها وهو مصرح فى مواضع فى كلام الطحاوى فى " شرح معانى الآثار» ولذلك قال بنسخ رفع البدين، ومه ثم قيل: إن الطحاوى بطاق النسخ كثيراً. والثالث: نسخ فى اصطلاح المتأخرين كما فى "التحرير" وشرحه و "المسلم" وشرحه: رفع حكم أمر شرعى من الفروع بعد ما كان مشروعاً. وفى " شرح الأسنوی علی المنهاج" و هو بيان التهاء حكم شرعى بطريق شرعى متراخ عنه، واختاره الأسنوى ورد الأول . وقيل : الاختلاف افظى، وقيل: معنوى انظر تحقيقه فى "الفوائح شرح المسلم " (٢ - ٥٤) المطبوع مع " المستصفى" وبحث النسخ بحث واسع الأرجاء منشعب الأطراف ومن شاء تفصيل ذلك فليراجع " شرح التحرير" لا بن أمير الحاج من (ص - ٤٤ إلى - ٧٨) من الجزء الثالث. وماخص ما فى "شرح التحرير" و"شرح المنهاج": أن جمهور الحنفية والشافعية و الأشاعرة قالوا : يجوز نسخه قبل العمل بعد التمكن من الإعتقاد بالقلب. و جمهور المعتزلة وبعض الحنابلة والكرخى والجصاص والمتريدى والدبوسى من الحنفية والصبرفى من الشافعية : أنه لا يجوز قبل التمكن من الفعل وإن كان بعد . التمكن من الاعتقاد . ومنشأ ذلك : أن النسخ عندهم بيان مدة العمل بالبدن و ذلك لا يتحقق إلا بعد الفعل أو التمكن منه، انظر "شرح التحرير" (٣ - ٤٩). ٢٥٣ معارف السنن صعصعة وأبى سعيد الخدرى . قال أبوعيسى ! حديث أنس حديث حسن ثم إنهم اتفقوا على جواز النسخ للحكم المتعاق بالفعل بعد التمكن من الفعل بعد علمه بتكليفه به بمضى ما يسع من الوقت المعين له شرعاً إلا ما روى عن الكرخى أنه لابد من العمل حقيقة سواء مضى من الوقت ما يسع الفعل أولا . فالنسخ قبل العمل على وجوه: فى الوقت، وما قبله، وما بعده، وصرح ابن الحاجب بأن ما بعد الوقت ليس محملاً الخلاف كما فى "شرح الأسلوى". (٢ - ٣٢ و ٣٣) على هامش "المنهاج"، ويرد على الأولين النسخ فى الاسراء فأجابوا بأن المكلف بها كاء هو عَ ل وهو الأصل فى الشريعة والأمة تابعة له. وقد علمه بَر ◌ٍّ واعتقد كما فى "شرح التحرير"، واستدلوا للجراز قبل العمل بقصة ذبح سيدنا إسماعيل حيث نسخ قبل العمل، وفيه بحث طويل فى " الفوائح". (٢ - ٦٤ و ٦٥)، وعلى هذا فما فى "فتح المارى" (١ - ٣٩٢) من النسبة إلى المعتزلة من عدم الجواز قبل العمل غير صحيح على ظاهره فيتأول بأنه لا يجوز قبل التمكن من العمل والله أعلم . ثم اختلف العلماء فى التكليف بالناسخ فقال الحنفية والجنابلة: بعد تهليغ الناسخ إلى مكلف واجد من المكلفين. وقيل: إن الشرط وصوله إلى النبى عَل ولا يلزم التبايغ إلى المكلف كما حققه فى "الفتح" (١ - ٣٩٢) من قوله: قلت: وكذا في "شرح التحرير" عن صدر الإسلام (٣-٤٩)، ويرد على هذا صلوات أهل مسجد قباء حين تحويل القبلة فإنهم اطلعوا على تحويل القبلة فى صلاة الفجر، أخرج "البخارى" و"مسلم" من حديث ابن عمر قال: ((بينا الفاس بقهاء فى صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: إن رسول الله صَلىالله قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة)) . واللفظ للبخارى من (باب ما جاء فى القهلة ) ٢٥٤ بحث تحويل القبلة إلى البيت وضر عدم القضاء بعد التحويل ج - أ صحيح غريب . وهذا التحويل وقع فى اليوم الثانى فى مسجد بنى عمرو بن عوف ووقع قبله التحويل فى صلاة العصر فى مسجد بنى حارثة ونزل القرآن فى صلاة الظهر حين بصلى رسول اللّه عَ لٍ فى مسجد بنى سامة، وكان نزل به لما مات بشر ابن البراء بن معرور، وأول صلاة صلاها رسول اللّه عَ ل إلى الكعبة العصر فى المسجد النبوى كما حققه الحافظ فى "الفتح" (١ - ٩٠ و ٤٢٤)، وسيأتى ما يزيد التحقيق وضوحاً فى (باب ما جاء فى إبتداء القبلة) إن شاء اللّه تعالى. ولم يؤمروا بالقضاء فلا يصح على أحد من المذهبين . قال شيخنا : وظى أن رسول اللّه فَلٍَّ له أن يحكم بما شاء فى عهده، وإنما العمل بالضابطة والقواعد بعد عهده عليه السلام، ودلت عليه نصوص كثيرة منها : أنه لم يأمر عَ ل عدى بن حاتم بقضاء الصيام التى صامها قبل بيانه مَجالج مسألة الصوم أى شرج الخيط الأبيض والأسود، ولم يثبت أمره فَجَلٍ بالقضاء فى طريق مصحيح ولا ضعيف من طرق الحديث، وحديث عدى بن حاتم أخرجه السنة ، ولفظ "البخارى" فى (الصوم): عن عدى بن حاتم قال: لما نزلت (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود) عمدت إلى مقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتها تحت وسادتى فجعلت أنظر فى الليل فلايستبين لى فغدوت على رسول اللّه ◌َكٍَّ فذكرت ذلك له فقال: ((إنما ذلك سواد الايل وبياض النهار)). وكذلك فيه حديث سهل بن سعد عند "البخارى" وغيره وراجع " العمدة" (ص - ٢٠٦) وما بعدها من الجزء الخامس أو "الفتح" للتفصيل والتحقيق. وأيضاً تصدى رسول الله عَل نفسه لاخبارهم بارسال رسول إليهم كما يدل عليه حديث أنس عند الدارقطنى فى " سنته" (ص - ١٠٢): (جاء منادى رسول اللّه ◌َ ل فقال: إن القبلة قد حولت إلى الكعبة الخ)) فالقول بلزوم التكليف قوله يعود على موضوعه بالنقض ، أفاده الشيخ . ٢٥٥ معارف السفن قال البدر العينى فى "العمدة" (١ - ٢٨٨) باب الصلاة من الإيمان): فقال المازرى وغيره: اختلفوا فى النسخ إذا ورد متى يتحقق حكمه على المكلف ويحتج بهذا الحديث لأحد القولين وهو أنه لا يثبت حكمه حق يباغ المكلف لأنه ذكر أنهم تحولوا إلى القبلة وهم فى الصلاة ولم يعيدوا مامضى ، فهذا يدل على أن الحكم إنما يثبت بعد البلاغ . وقال غيره : فائدة الخلاف فى هذه المسألة فى أن ما فعل من العبادات بعد النسخ وقبل البلاغ هل يعاد أم لا؟ ولا خلاف أنه لا يلزمه حكمه قبل تبليغ جبريل عليه السلام. وقال الطحاوى : وفيه دليل على أن من لم يعلم بفرض الله سبحانه ولم تبلغه الدعوة ولا أمكنه استعلام ذلك من غيره فالفرض غير لازم والحجة غير قائمة عليه إنتهى . ثم إن أورد علينا قولنا بوجوب الوتر قلنا: إن الصاوات الخمس فرائض والوتر واجب ليس بفرض كما تقرر من الفرق بينهما عندنا كما سيأتى تحقيق المسألة فى موضعها من أبواب الوتر إن شاء الله تعالى نرجوه التوفيق والإعانة. وأيضاً الوتر ليست صلاة مستقلة وإنما هو تبع للعشاء فإن وقته بعد صلاة العشاء إلى آخر وقت العشاء . وأيضاً قد قيل: خمس صلوات فى خمس أوقات ، والوتر ليس له وقت مخصوص، وذكر محمد بن نصر المروزى فى" قيام الليل": أن رجلاً سأل أبا حنيفة عن الصلوات المكتربه كم هى؟ فقال: خمس . فقال السائل : الور ؟ فقال : واجب ، ثم قال السائل : الور؟ فقال: واجب، فقال السائل : والمكتوبات كم هى ؟ فقال : خمس ، فقال الرجل : إنك لا تحسن الحساب، فقام وذهب، وراجع " فتح الملهم" لشيخنا العثمانى (١ - ١٧٤ ). قال شيخنا : أجابه أبو حنيفة مرتين غير أنه لم يدرك هو مراده لقلة العلم والفهم . ٢٥٦ فضل الصلوات الخمس وكونها كفارة ج - ٢ ( باب فى فضل الصلوات الخمس ) حدثنا على بن حجرنا اسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه -: باب ما جاء فى فضل الصلوات الخمس :- صبحت أحاديث كثيرة فى فضائل الأعمال من الوضوء والصلاة والصوم وغيرها بأنها كفارات للذنوب ، وهذه الأحاديث مذكورة فى الصحاح فى مواقعها و من شاء تفصيلها فليراجع " الترغيب والترهيب" للمنذرى، ولا حاجة بنا لإطالة الكلام فيها. وبرد عليها أنه إذا أصبح عمل كالصوم مثلاً كفارةً فما الذى بكفره الجمعة أو الوضوء مثلاً . قال الشيخ: وجوابه أن الذى ذكر فى الأخبار هى خواص مفردة لهذه الأعمال فيتحقق فى هذا العالم مفردات كمفردات الأدوية وخواصها وطبائعها فيبحث عن طبائعها وخواصها وكيفياتها هنا فى هذا العالم كما يبحث فى كتب الطب أولاً من مفردات الأدوية ككتب " تذكرة المفردات" ثم يبحث فى عالم الآخرة عن جماع هذه الأعمال ومزاجها الحاصل هن جمعها وتركيبها فيقابل بين الحسنات والسيئات هناك فى الآخرة كما يبحث فى كتب القرابادينات عن مزاج المركبات فمثلها كمثل "التذكرة" و"القرابادين" (١) (١) التمثيل هذا فى غاية من اللطافة يوضح تلك الحقيقة غاية الايضاح ، ولعل الشيخ أراد بالتذكرة الكتب المفردة فى بيان طبائع الأدوية المفردة ، وفيها كتب خاصة وإن لم أقف بهذه التسمية فى الكتب الخاصة فقط ولذا عبرت سابقاً بكتب تذكرة المفردات كيلا يبقى إبهام، نعم ألفت كتب عديدة بهذه التسمية ولكنها تبحث عن المركبات كما تبحث عن المفردات "كتذكرة ابن بيطار" المتوفى ٦٤٦ هـ ون تذكرة ابن حمدون" المتوفى ٥٦٢ م و" تذكرة السويدى" لابن طرخان السويدى المتوفى ٦٣٠هـ و" تذكرة الشيخ داؤود الأنطاكى" المتوفى ١٠٠٥هـ وهى أشهر كتبها فى عصرنا هذا وقد طبع. وأما القرايادين فلعلها كلمة تركية أو يونانية معناها المركبات وربما يعربونها فيقولون " القرابا ذين" ٢٥٧ معارف السنن عن أبى هريرة أن رسول اللّه ◌َا﴾ قال: ((الصلوات الخمس والجمعة إلى - وأما العوارض والموانع التى تحول دون آثارها فهذا شئ آخر، وأى شئ نخلو عن العوارض والموانع ومع هذا كله يحكم على الأشياء بآثارها فأهل الطب يذكرون دواءً ويصفون خواصها وآثارها ثم إذا تخلف الدواء عن التأثير لعارض لا يقال : إنهم كذبوا فى بيان وصفها فكذلك للأعمال تاثيراتها ولها هوارضها وموافعها ربما يتخلف ظهور أثرها لموانع تبطل تأثيرها . قنبيه : إن ما أفاده الشيخ رحمه الله يكاد ينحل به ما استصعبه ابن بريزة فى حديث العلاء كما فى " فتح البارى" (٢ - ١٠) (باب الصلاة الخمس كفارة) وأجاب عنه البلقيني ثم ابن حجر نفسه انظر " فتح البارى" و" فتح الملهم" (٢ - ٢٢٩ و١ - ٣٩٧ وما بعدها ) ويأتى فى كلام الشيخ رحمه الله ما ينفى التعارض بين الآية والحديث . قوله : والجمعة إلى الجمعة، والمراد من صلاة الجمعة إلى صلاة الجمعة لا يوم الجمعة إلى يوم الجمعة فإنه ورد فى بعض طرق الحديث: ((وزيادة ثلاثة أيام)) بضابطة الحسنة بعشرة أمثالها فتكون الأيام عشرة وعلى التقدير الثانى تكون أحد عشر يوماً. قال الراقم: والحديث ذلك أخرجه "مسلم" وغيره من حديث أبى هريرة مرفوعاً: قال: ((من توضأ فأحسن الوضوء ثم أنى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصا فقد لغا)). وفى طريق آخر عند "مسلم": ((من اغتسل الخ)) (١ - ٢٨٣) كتاب الجمعة، والظاهر أنه حديث مستقل، وليس حديث ومن الكتب المشهورة فيها فى بلادنا هذه: ((قرابا دين قادرى)) للشيخ محمد أكبر الأرزانى و "قرابا دين كبير" بالفارسية و "قراها دين أعظم" لأعظم خان و"قرابا دين احسانى" وغيرها من القرابادينات الصغيرة والكبيرة. ( ٢ - ٣٣) ٢٥٨ بحث أن الصلوات كفارة الصغائر دون الكبائر والفرق بينهما الجمعة كفارات لما بينهن ما لم يغش الكبائر . وفى الباب عن جابر وأنس الباب من طرقه، وحديث الباب أخرجه " مسلم " أيضاً (١ - ١٢٢) (باب فضل الوضوء) من طريق يحيى بن أيوب وقتيبة وعلى بن حجر كلهم عن اسمعيل بن جعفر الخ . وهو نفس طريق الباب، ثم الذى ذكره الشيخ من مراد الحديث هو الذى ذكره النووى (١ - ٢٨٣ ) كتاب الجمعة . قوله : ما لم يغش الكبائر. هكذا فى النسخة الهندية ، وفى عدة النسخ : ((ما لم تغش الكبائر)) بصيغة المجهول بناء التانيث. وكذلك فى رواية مسلم فى "صحيحه": ((ما لم تغش كهيرة)) وفى حديث آخر عن عثمان عند "مسلم": ((ما من إمرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوئها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة وذلك الدهر كله) . فى تفسير الكهيرة للعلماء أفوال ذكرها الامام الرازى فى تفسير قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سياتكم) فى الجزء الثالث من "تفسيره"، والإمام النووى فى "شرح مسلم" (١ - ٦٤) (باب الكبائر وأكبرها) وشيخنا فى "فتح الملهم" (١ - ٢٥١) عن " شرح الاحياء" الزبيدى من شاء فليراجعها. منها : أن كل ذنب صغيرة إلى ما فوقه كبيرة إلى ما دوله فلا تقسم إذن إلى الكبيرة والصغيرة بل تتفاوت فيما بينها ، وإليه ذهب ابن حزم الأندلسى ، كذا فى " العرف الشذى" ولم أقف على قول ابن حزم هذا ، وفى "فتح الملهم" من " عقيدة السفاريني" حكى عنه: أن هذه الأعمال تكفر الكبائر، ورد عليه ابن عبد البر ثم ابن رجب أنظر " فتح الملهم" (١ - ٣٩٣). نعم ذكره الغزالى وغيره ولكن مختار الغزالى هو الفرق بين الصغيرة والكبيرة كما هو مذهب جهرة العلماء سلفاً وخلفاً راجع "شرح النووي" (١ - ٦٤ ) و "فتح الملهم" (١ - ٢٥١) والله أعلم. ثم إن هذا القول عزاه فى ٢٥٩ معارف السنن وحنظلة الأسيدى . قال أبوعيسى : حديث أبى هريرة حديث حسن صحيح . "الجواهر الحسان" (١ - ٣٦٦) إلى أئمة الكلام القاضى أبى بكر الباقلانى وأبى المعالى وغيرهما. ثم إن المناخرين قيدوا سائر أحاديث الكفارة بغفران الصغائر دون الكهاثر مستدلين بما ورد فى حديث الباب وأمثاله . قال الشهاب فى "الفتح" (١ - ٢٢٨) (باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً) فى شرح قوله ( غفرله ما تقدم من ذنبه): ظاهره يعم الكبائر والصغائر لكن العلماء خصوا بالصغائر لوروده مقيداً باستثناء الكبائر فى غير هذه الروايات وهو فى حق من له كبائر وصغائر فمن ليس له إلا صغائر كفرت عنه، ومن ليس له إلا كبائر خفف عنه منها بمقدار ما لصاحب الصغائر، ومن ليس له صغائر ولا كبائر براد فى حسناته بنظير ذلك اهـ. وقال البدر فى "العمدة" (١ - ٧٤٥): يعنى من الصغائر دون الكبائر كذا هو مبين فى " مسلم"، وظاهر الحديث يعم جميع الذنوب ولكنه خص بالصغار . والكبائر إنما تكفر بالتوبة ، وكذلك مظالم العباد . ثم بعد سؤال وجواب فى الموضوع ناقش الشهاب فى تفصيله المذكور من الأقسام الثلاثة الأخيرة فراجعه إن شئت. ثم إن مغفرة الكبائر تكون بالندم والاستغفار والتوبة ويكاد يكون هذا إجماعاً منهم أنظر ما حكاه فى " فتح الملهم " عن " السفارينى" والله أعلم بالصواب. قال الشيخ : لا يعتبر التقييد إلا فيما ورد مقيداً والباقى على إطلاقه ، بيد أنه ينظر إلى خصوص الألفاظ الواردة فى الروايات فإن الذنوب والخطايا والمعاصى بينها فروق وليست بألفاظ مترادفة ، والحذاق ينكرون الترادف فى اللغة . والجمهور على وقوع الترادف كما هو مبسوط فى موضعه من كتب أصول الفقه المبسوطة انظر شرحى الأسنوى والسبكى على منهاج البيضاوى (١ - ١٥٤) وما بعدها، وأفرده بالبحث السيوطى فى "المزهر" (١ - ٢٣٨) وممن أنكر الترادف ثعلب وابن فارس من أئمة اللغة، انظر "فقه اللغة" ٢٦٠ تحقيق مذهب أهل السنة والاعتزال فى غفران الكبائر. لابن فارس ( ص - ٦٥). قلت: تقدم بعض تحقيقه فى حديث أبى هريرة فى أوائل الطهارة، والذى حققه الشيخ رحمه الله يكاد يكون فصلاً لو انقطع احتمال الرواية بالمعنى فى تلك الروايات فتأمله والله أعلم. تحقيق أن قوله: (ما لم يغش)) هل هو خارج مخرج الاستثناء أو الغاية؟ قال الشاه ولى الله فى "المصفى" (١ - ٢٩) ما ترجمته من الفارسية إلى العربية: إن قوله : "ما اجتنب الكبائر" يحتمل معنيين: الأول: أن يكون خرج مخرج لاستثناء فمعناه إذن: إلا الكبائر. والثانى: أن يكون غاية وشرطاً أى نحصل هذه الفضيلة من تكفير هذه الأعمال صغائر الرجل إذا اجتنب الكبائر فمن لم يجتنبها لا تحصل له هذه، وهذه الأخير أقرب إلى قوله تعالى: ( إن نجتنبوا کیاثر ماتنهون عنسه تکفر عنگم سیآتکم ) والقول بكونه مخصصاً فى باب المكفرات أقعد، ومال النووى إلى الأول اهـ. أى فى حديث عثمان: ((ما لم تؤت كبيرة)) فى (باب الوضوء). والجمهور اختاروا كونه استثناء لأن أؤيد مذهب الاعتزال فإن عندهم الصغائر تغفر دون الكبار الشهير فلاغفران لمن لم يجتنب الكبائر، ومن ارتكبها فهو فى جهنم خالد . وقال أهل السنة: لا يجب على اللّه شئ، وغفران الصغار والكبائر كلها بفضل الله ومشيته . ثم يرد على المعتزلة ما ثي من خروج العصاة من النار فى أحاديث كثيرة وبتواتر القدر المشترك فيها وإن كان أخبارها آحاداً فأنكروا من مثل هذا التواتر . قال شيخنا : لا تأييد لمذهب الاعتزال فى التقدير الثانى أيضاً فإن الحديث ورد فى سياق الوعد دون سياق المشية ، وكذلك الآية نزلت فى سياق الوعد دون بيان المشية. قال الراقم: وهذا تحقيق شريف واضح لمن تأمل النصوص القرآنية فقوله سبحانه وتعالى: (إن تجتنبوا الخ) قانون إلهى عام خرج مخرج الوعد والبشارة تفضلاً منه سبحانه وتعالى ،