Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
بحث قضاء الصلاة بعد خروج وقت الكرامة
وأبى جحيفة وعمرو بن أمية الضمرى وذى مخبر وهو ابن أخى النجاشى .
فى صلاة الغداة فيصلى منها ركعة ثم تطلع الشمس ) فى الاستدلال لهذه المسألة
فجعل فعله بجَّ فى هذه الواقعة من تأخير الصلاة إلى ارتفاع الشمس دليلاً
على كراهة الفرائض فى الوقت المكروه، وجعله مفسراً لقوله فَتخلّةٍ: ((من
نسى صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها ، بأن تأخيره عن وقت الاستيقاظ
مع قوله ذلك دليل على أنه لا يصلى فى الوقت الذى نهى عنه، وأطال فى الاستدلال
(١ - ٢٣٣ و٢٣٤). وبالجملة فقلنا فى سبب تأخيره بعد الج الصلاة هو الخروج
عن وقت الكرامة ، وفى " صحيح البخارى" (١ - ٨٣) (باب الأذان بعد
ذهاب الوقت ) من حديث أبى قتادة: ((فلما ارتفعت الشمس وابياضت قام
فصلى)). قال الحافظ فى " الفتح" (٢ - ٥٤): وفى رواية المصنف فى
التوحيد من طريق هشيم عن حصين: فقضوا حوائجهم فتوضئوا إلى أن ارتفعت
ويستفاد منه أن تأخيره الصلاة إلى أن طلعت الشمس و
الشمس . ..
ارتفعت كان بسبب الشغل بقضاء حوائجهم لا الخروج وقت الكراهة التهى .
قال الراقم : إذا جمعنا الألفاظ الواردة وسائر السياقات ظهر أن التأخير كان
لأجل خروج وقت الكراهة ، ثم لما وقع التمادى فاشتغلوا بأمورهم وقضاء
حوائجهم کیلا بمضى الوقت سدى ، وليس فى ذلك السياق أيضاً دليل على ما
يستفيده منه فإن ذلك السياق نص فى اشتغال ذلك الوقت بقضاء الحوائج فقط
لا أن التأخير وقع لأجل ذلك، ولفظه الذى أشار إليه الحافظ هكذا: (( فقضوا
حوائجهم وتوضئوا إلى أن طلعت الشمس وابيضت فقام وصلى، رواه البخارى
(ص - ١١١٣) فى (باب المشية والإرادة) من ( كتاب التوحيد ) على أن
القضاء على الفور مستحب عندهم أو واجب فى قول عندهم ، فلأى داع
آثروا ترك المستحب ، وأى شغل كان أهم من قضاء الصلاة ، بل على ضد
ذلك سياق رواية الهخارى فيما ذكرنا نص فيما يقوله الحنفية، وإن الراوى

١٠٢
معارف السنن
ج - أ
قال أبو عيسى : حديث أبى قتادة حديث حسن صحيح . وقد اختلف
يعبره كأنه يفهم أن التأخير وقع لعدم ارتفاع الشمس ، فلفظ " مسلم " فى
حديث قتادة : ((ثم قال: اركبوا فركبنا فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس
نزل ثم دعا بميضأة الخ)، ولفظه فى حديث عمران: ((فلما رفع رأسه ورأى
الشمس قد بزغت فقال : ارعملوا فساربنا حتى إذا ابيضك الشمس نزل فصلى
الخ)). ولفظ حديث عمران عند الطحاوى (١ - ٢٣٣): ((فأمرنا فار تحلنا
من مسيرنا حتى ارتفعت الشمس ثم نزلنا فقضى القوم حوائجهم ثم أمر بلالاً
فأذن الخ)) وفى حديث أبى هريرة عند الطحاوى (١ - ٢٣٤): ((فاقتاد
رسول اللّه بَّج فافتادوا أصحابه حتى ارتفع الضحى فأناخ رسول اللّه فَالجـ
الخ)) كل هذه السياقات صريح فيما يقوله الحنفية ، وأيضاً لفظ الطحاوى فى
حديث عمران نص فى أن قضاء الحوائج بعد ما ارتفت الشمس لا أن وقع
التمادى إلى ارتفاع الشمس بقضاء الحوائج، وأيضاً الظاهر أن قضاء الحوائج
هنا من قبيل التخلى والتطهر لا غير . وبالجملة فى المقام مجال واسع البحث ،
ورحم الله من أنصف . وفى "سنن الدار قطنى" ( ص - ١٤٧) (باب
قضاء الصلاة بعد وقتها ) من حديث عمران بن حصين: (( حتى إذا أمكنتنا
الصلاة صلينا)). وقال الشافعية: تأخيره ◌َ له كان ليخرج عى موضع فيه
الشيطان. قال النووى فى "شرح مسلم" (١ - ٢٣٨): فيه دليل على
استحهاب اجتناب مواضع الشيطان، وهو أظهر المعنيين فى النهى عن الصلاة
فى الحمام اهـ. وقد علمت أن الحافظ ابن حجر جعل سبب التأخير هو شغلهم
بقضاء الحوائج والله أعلم. ثم رأيت فى "المعتصر" (ص - ٤٤): وقالوا
سبب تأخير حضور الشيطان إياهم فى ذلك الوادى على ما ورد فيه من قوله
عليه السلام: (( تحواوا عن هذا المكان الذى أصابتكم فيه غفلة .... )) ورد
بأن حضور الشيطان لا يصلح مانعاً، إذ قد عرض النبي ◌َُّلّ فى صلاته فلم

١٠٣
بيان اختلاف الشافعية والحنفية فى وقت القضاء
أهل العلم فى الرجل بئام عن الصلاة أو ينساها فيستيقظ أو يذكر وهو فى غير
يخرج منها حتى أتمها الخ)) ونقول: أن لكل من الزمان والمكان تأثيراً فى التأخير
لما تقدم من ألفاظ الحديث، واعترف الحافظ ابن حجر فى "الفتح" (٢ -
٤٨) (باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس): بأنه: صح عن أبى بكرة
وكعب بن عجرة المنع من صلاة الفرض فى هذه الأوقات آه ، كما هو مذهب
الحنفية ، وقال مولانا بحر العلوم عبد العلى اللكنوى فى " رسائل الأركان"
(ص - ٦٢): وهذا - أى استدلال الشافعية - إنما يتم حجة لو كان
" إذا" ظرفاً لعموم الأزمنة "كمتى"، وإن كان للشرط الهض فلا لعدم هموم
" إذا" فى الوقت، و "إذا" مشترك بينهما عند الكوفيين، وهو المختار
للإمام أبى حنيفة كما بين فى علم الأصول، وحينئذ فمعنى الحديث: ((من نام
عن صلاة أو نسيها فليصلها)) على وجه يصح فى العمر إن ذكرها ، فإن ذلك
أى الوقت الذى يؤدى فيه وقت لتلك الصلاة، فلفظ "ذلك" إشارة إلى الوقت
الذی یؤدی فیه و هو و قت منے العمر يجوز فيه الأداء ، وليس إشارة إلى وقت
التذكير اهـ. ثم حكى جواب الشيخ ابن الهام بما ملخصه: إن هذا الحديث
خاص من وجه وعام من وجه ، وكذا حديث النهى ، فتعارضا، وفى التعارض
يقدم المحرم على المبيح ، ثم قال : ويقول هذا العبد : لا معارضة بين الحديثين
لأنه من البين أن المراد بقوله: ((فليصلها)) على وجه بصح، ألاترى أنه
لا يجوز الصلاة فى زمان الحيض وإن تذكرت فيه ، فالمراد : فليصلها بوجه
يصح أو فى وقت يصح فيه . وحديث النهى عن الصلاة فى الأوقات المكروهة
موجب لبطلان الفرض فى هذه الأوقات عندنا، فلا يشمله قوله عجلٍ ((فليصلها))
فلا تعارض ، وإن بنى على أن الوقت المكروه غير مفسد فلابد من إثباته ،
وقد كنتم تثبتونه بهذا الحديث ، وهو موقوف على شموله ، وهو مبنى على عدم

٠٤
معارف السفن
ج - ٢
وقت صلاة عند طلوع الشمس أو عند غروبها . فقال بعضهم : يصليها إذا
استيقظ وذكر وإن كان عند طلوع الشمس أو عند غروبها ، وهو قول أحمد
الإفساد ، فلا يخلو عن المصادرة اهـ. قال الراقم: وهو كلام متين غير أن
بعض كلماته محل نظر كما لا يخفى على المتأمل . قال الشيخ : فكأن بحر العلوم
جعل منشأ خلاف الفريقين كون " إذا" ظرفية عند الحجازيين هنا، وشرطية
عند العراقيين، وأراد بالمسألة الأصولية " ما إذا قال الرجل لزوجته: إذا لم
أطلفك فأنت طالق" فيقع الطلاق فى آخر عهد الحياة إن لم يطلقها عند أبى حنيفة
على أن " إذا" شرطية. وقال أبو يوسف ومحمد: يقع فى الحال إن لم يطلقها
على أن " إذا" ظرفية فيه عندهما، وأرى أنه ليس بناء الخلاف ههنا على ما قاله،
كذا فى "العرف الشذى" ولم يبين الشيخ وجه عدم البناء عليه. فيقول الراقم:
إن علماء الأمة من الفريقين سلفاً وخلفاً لم يجعلوا سبب الخلاف ما ذكره ، وإن
ما ذكره آثل إلى تخريج لفظى. ويقول ابن رشد فى " البداية" (١ - ٨١):
وسبب الخلاف فى ذلك اختلافهم فى الجمع بين العمومات المتعارضة فى ذلك ،
أعنى الواردة فى السنة ، وأى يخص بأى ، وذلك أن عموم قوله عليه
الصلاة والسلام: ((إذا نسى أحدكم الصلاة فليصلها إذا ذكرها)) بقتفى
استغراق جميع الأوقات، وقوله فى أحاديث النهى فى هذه الأوقات : (( نهى
رسول اللّه ◌َّامٍ عن الصلاة فيها)) يقتضى أيضاً عموم أجناس الصلاة، أعنى
المفروضات والسفن والنوافل ، فمتى حملنا الحديثين على العموم فى ذلك وقع
بينها تعارض ، وهو من جنس التعارض الذى يقع بين الخاص والعام إما فى
الزمان وإما فى اسم الصلاة .... . إلى أن قال -: فإنه إذا تعارض
حدیثان فی کلی واحد منها عام وخاص لم يجب أن يصار إلى تغليب أحدما إلا
بدليل الخ . فهذا النووى فى " شرح المهذب" وهذا الحافظ ابن حجر فى
"الفتح" وهذا ابن الهام فى " فتح القدير" وغيرهم من الأعلام كلهم جعلْرا

١٠٥
تحقيق أن الاختلاف من أجل اختلاف مدارك الاجتهاد
وإساق والشافعى ومالك. وقال بعضهم : لا يصلى حتى تطلع الشمس أو
تغرب .
( باب ما جاء فى الرجل بنسى الصلاة )
سبب الخلاف ما ذكره ابن رشد، لا ما ذكره بحر العلوم ، بل كلام الإمام
الشافعى نفسه فى "الأم" (١ - ١٣١ و١٣٢) صريح فى ذلك ، وكذا كلام
الإمام الطحاوى فى "شرح الآثار" وفى "مشكل الآثار" نص فى ذلك،
فتبين أن الخلاف معنوى من باب اختلاف مدارك الاجتهاد والفقه ، وأيضاً
إن " إذا " حقيقتها عند البصريين هو الظرف الحدث المستقبل مع وجود الشرط
فيها ، ففيها زمان معين وهو المستقبل، وفيها معنى الشرط، ولذا اختير
بعدها الفعل ، فكونها ظرفاً مجرداً خالياً عن معنى الشرط أو كونها شرطاً محضاً
مجرداً عن الظرفية قليل نادر كما حققه الرضى فى " شرح الكافية" ، هذا إذا
كانت غير مفاجاتية، انظر التفصيل " شرح الرضى" (٢ - ١٠٨) وما
بعدها (طبع الآستانة ) و "المغنى" لابن هشام (الجزء الأول) من (إذا)،
ويمكن أن يعبر بأنها الزمان المحدود عند تغليب الظرفية على الشرطية، والزمان
الغير المحدود عند تغليب الشرطة على الظرفية ؛ ثم إن كل فريق يستثنى من
الأحاديث بالأحاديث ، فالشافعية وغيرهم يستثنون من أحاديث النهى هذه
الصلاة ، والحنفية يجعلون أحاديث النهى أصلاً ويستثنون هذه الأوقات ، و
لاريب أن الأبين حجة فيه: الحنفية فإن أحاديث النهى متواترة فكونها خصصة
أو ناسفة لأخبار الآحاد أولى من العكس ، وأيضاً يؤيده السنة الفعلية من عدم
أدائه ◌ّځ الصلاة فى الوادى وارحل منها حتى إذا ابیاضت الشمس نزل فصلى
كما سبق تفصيله والله أعلم .
-: باب ما جاء فى الرجل بلسى الصلاة :-
( ٢ - ١٤ )

١٠٦
معارف السفن
ج - ٢
حدثنا قتيبة وبشر بن معاذ قالانا أبو عوانة عن قتادة عن أنس قال: قال
رسول اللّه عَل: ((من نسى صلاة فليصلها إذا ذكرها)). وفى الهاب عن سمرة
وأبى قتادة . قال أبوعيسى : حديث أنس حديث حسن صحيح . ویر وى عن
على بن أبى طالب أنه قال فى الرجل بلسى الصلاة: ((يصليها متى ذكرها فى
قد تقدمت أبحاث هذا الهاب فى الباب السابق .
قوله : ویروى عن على بن أبى طالب الخ . قال الشيخ : يمكن أن يقال
أن غرضه التعميم باعتهار وقت الأداء ووقت القضاء لا باعتبار وقت الكراهة
أو غيرها . أقول : لعل الشيخ بريد : أنه يحتمل أن يكون غرضه أنه يصليها
إذا استيقظ ، سواء كان ذلك الوقت وقتاً لها معهوداً فى الشرع من الأوقات
الخمسة للصلوات فيكون الأداء فى الوقت أو لم يكن من الأوقات المعهودة و
مخرج وقتها فليصلها فيكون قضاء فى غير وقته ، فلا يختص أداء تلك الصلاة
بالوقت بل يصليها بقى وقتها أو خرج ، كيلا يزعم أن الصلاة إذا كان
موقوتاً لا یصلى عند خروج وقتها ، بل إنما کان یصلى علی کل حال بق وقتها
أم فات ، فإنها لا تسقط عن الذمة بفوات وقتها، بل الذمة مشغولة بها ما لم
يصلها؛ فقول على هو شرح لقوله فَ الجَ: ((من نسى عن صلاة الخ)) فأين
مذهب الأئمة الثلاثة منه ؟ لا أنه يصليها فى وقت الكراهة أيضاً ، فإن ذلك
ليس وقت الصلاة أصلاً لا الفرض ولا النفل، فالشريعة وقت للصلوات الخمس
أوقاتاً معهودة معينة ، ولم يوقت للنفل غير أنها عينك الأوقات التى لا تصلى
فيها ، فمنها أوقات معينة ، ومنها أم قات غير معينة ، لكنها تجوز فيها
الصلوات ، ومنها أوقات نهى عنها عن الصلاة فيها مطلقاً ، وهذا لطيف
جداً فلا مساغ إذن الاستدلال من استدل به لمذهبه والله أعلم بالصواب.

١٠٧
بيان وقت القضاء وترتيب الفوائث
وقت أو فى غير وقت))، وهو قول أحمد وإسماق. ويروى عن أبى بكرة: أنه
نام عن صلاة العصر فاستيقظ عند غروب الشمس فلم يصل حتى غربت الشمس .
وقد ذهب قوم من أهل الكوفة إلى هذا ، وأما أصحابنا فذهبوا إلى قول على بن
أبى طالب .
بايتهن يبدأ )
( باب ما جاء فى الرجل تفوته الصلوات
قوله : ويروى عن أبى بكرة الخ ، وتفصيل واقعته ما رواه الطحاوى
فى "مشكل الآثار" وذلك فى الشطر الذى لم يطبع بعد من الكتاب، ولفظه
فى "المعتصر" (ص - ٤٤): روى عن ابنه يزيد قال: ((واعدنا أبوبكرة إلى
أرض له فسبقنا إليها فأتيناه ولم يصل العصر فوضع رأسه فنام ثم استيقظ وقد
تغيرت الشمس فقال: أصليتم العصر فقلنا: لا، قال: ما كنت أنتظر غيركم
فأمهل عن الصلاة حتى غابت الشمس ثم صلاها اهـ)). قال الطحاوى - كما
هو فى "المعتصر" -: فهذا هو القياس فى هذا الباب، ولكن عند أبى حليفة
وأصحابه خص من ذلك عصر اليوم الذى يصلى فيه لأن آخر وقت العصر غروب
الشمس فأخرجوها من عموم النهى فى ذلك الوقت انتهى ملخصاً. وبعلم أن الطحاوى
مال إلى أثر أبى بكرة لموافقته القياس، انظر "المعتصر". وبالجملة فأثر أبى بكرة
يخالف مذهب الشافعى وأحمد، ويقرب من مذهب أبى حليفة ، وأثر على لم يبق
لهم فيه حجة والله أعلم. وأبوبكرة الطائفى اسمه: نفيع بن الحارث صابى
جليل ، قال الحسن البصرى: لم ينزل البصرة من الصحابة ممن سكنها أفضل
من عمران بن حصين وأبى بكرة كما فى "الاستيعاب" (٤ - ٢٣) على
هامش " الإصابة "، وقيل: اسمه نفيع بن مسروح ، وبه جزم ابن سعد
كما فى "الإصابة " (٣ - ٥٧١).
-: باب ما جاء فى الرجل تفوقه الصلوات بأبتهى يبدأ :-

١٠٨
معارف السنن
ج - ٢
حدثنا هناد نا هشم عن أبى الزبير على نافع بن جبير بن مطعم عن أبى
عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال: قال عبد الله: ((إن المشركين شغلوا رسول
الله عٍَّ عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله فأمر
قوله: قال: قال عبد الله. أى ابن مسعود، وهو المراد إذا أطلق "عبد الله"
فى مرتبة الصحابة، كما براد الحسن البصرى إذا أطلق " الحسن" فى طبقة
التابعين، وإذا أطلق "الحسن" فى طبقة الصحابة يراد به: الحسن بن على بن
أبى طالب رضى الله عنهما، أفاده الشيخ رحمه الله.
قوله: أربع صلوات وفى رواية "صحيح البخارى": ((صلاة العصر))
فى (باب من صلى بالناس جماعة ) وفى (باب قضاء الصلاة الأولى فالأولى)
وكذا فى ( الأذان ) و ( الخوف ) و ( المغازى ) ورواه مسلم فى " صحيحه"،
ووقع فى " الموطأ" من طريق أخرى: ((إن الذى فاتهم الظهر والعصر))، وفى
حديث أبى سعيد الخدرى: ((الظهر والعصر والمغرب)) (عند النسائى ) كذا فى
"العمدة" و "الفتح". وفى "صحيح مسلم" من حديث على: ((شغلونا عن
الصلاة الوسطى صلاة العصر)) ومعنى فوت العشاء أنها فاقت من الوقت الذى كان
يصليها فيه غالباً ، قاله البدر العينى (٢ - ٦٠٥) فتعارض الحديثان، و
دفعه الحافظ أبو الفتح ابن سيد الناس اليعمرى بتعدد الواقعتين، ولفظه على ما
حكاه الحافظ فى "الفتح" (٢ - ٥٧): قال اليعمرى: من الناس من رجع
ما فى "الصحيحين"، وصرح بذلك ابن العربى فقال: إن الصحيح أن الصلاة التى
شغل عنها واحدة وهى العصر ... ... . قال: ومنهم من جمع بأن الخندق
كانت وقعته أياماً فكان ذلك فى أوقات مختلفة فى تلك الأيام ، قال : وهذا
أولى اهـ. ولفظه على ما حكاه الشوكانى فى "نيله" (٢ - ٨): وقال ابن
سيد الناس : والجمع أرجح لأن حديث أبى سعيد رواه الطحاوى عن المزنى

١٠٩
تحقيق الترتيب فى قضاء الف نك
بلالاً فأذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم أقام فصلى المغرب ثم
أقام فصلى العشاء)) .
من الشافعى قال : حدثنا ابن أبى فديك عن ابن أبي ذئب عن المقبرى من
عبد الرحمن بن أبى سعيد عن أبيه ، قال: وهذا إسناد صحيح جليل انتهى . و
كذلك يقول النووى : طريق الجمع بين هذه الروايات أن وقعة الخندق
بقي أياماً فكان هذا فى بعض الأيام وهذا فى بعضها اهـ. فاتفق كل من القاضى
عياض والنووى واليعمرى على حمل الروايات المتعارضة على الجمع وتعدد
الوقائع ، ثم إن رواية " شرح معانى الآثار" من طريق الشافعى أجل أسانيد
هذه الرواية ، وأما مسألة الباب فحكمها أن الترتيب فى قضاء الفوائت واجب
عند أبى حنيفة ومالك وأحمد ، ومستحب عند الشافعى وأبى ثور وابن القاسم و
معنون . قال ابن قدامة فى "المغنى" (١ - ٦٤٥): مذهب أحمد وجوب
الترتيب ، وحكاه عن النخعى والزهرى وربيعة ويحيى بن سعيد القطان ومالك
والليث وأبى حنيفة وإسحاق أيضاً، وكذلك فى "العمدة" (٢ - ٦٠٥)، ثم
عند معاشر الحنفية يسقط الترتيب بأحد ثلاثة : النسيان، وضيق الوقت ،
وكثرة الفوائت على الخمس؛ وقال أحمد: يجب الترتيب وإن كثرت ، وقال
مالك : يجب الترتيب مع النسيان، كما فى "المغنى"، ولكن حكى البدر العينى:
الصحيح المعتمد من مذهبه سقوطه بالنسيان ، وهو الذى ذكره القاضى ابن
العربى فى "العارضة"، وقال الحافظ فى " الفتح" (٢ - ٥٧): والأكثر
على وجوبه - أى الترتيب مع الذكر لا مع النسيان - وقال الشافعى : لا
يجب الترتيب اهـ. ثم القائلون بالترتيب قالوا بالترتيب بين الفائتة نفسها
وبينها وبين الوقتية. وقد ثبت ترتيبه ◌َّ له فى الصلوات عند الفريقين فى
واقعة الباب فى غزوة الخندق ، وإنما الخلاف فى أن ذاك الترتيب هل هو كان
على سبيل الوجوب أو الندب . ومال الشيخ عبد الحى اللكنوى فى " التعليق

١١٠
معارف السنن
ج - ٢
وفى الباب عن أبى سعيد وجابر .
الممجد " فى ( باب الرجل يصلى فيذكر أن عليه صلاة ) إلى مذهب الشافعى
حيث ذكر كلام ابن الحرام وابن نجيم فى ترجيح مذهب الشافعى وتزييف دليل
الحنفية للوجوب، ويظهر منه رضاءه به . وقال ابن الحمام فى " الفتح" (١ -
٣٤٨) بعد بحث طويل : فظهر بهذا البحث أولوية قول الشافعى وغيره من
القائلين بالاستحباب، وهو محمل فعله معَّالر الترتيب فى القضاء يوم الخندق
لأن مجرد الفعل لا يستلزم كونه المتعين لجواز كونه الأولى اهـ . قال شيخنا :
والقاعدة هذه منقوضة فى عدة مواضع. قال الراقم: ليس المدار على هذا
القدر بل هناك دلائل من السنة غير هذا وإن كان ابن الهام بحث فيه بحثاً أصولياً
لكن الإمام محمداً فى " مؤطئه" يستدل بأثر ابن عمر فى الباب، انظر للتفصيل
" فتح القدير"، و " المؤطأ" للإمام محمد مع " حواشيه" الفاضل اللكنوى ،
و" العمدة" للبدر العينى، و"المغني" (١ - ٦٤٥ و٦٤٦). قال الراقم:
والذى تنقح وتحقق لدى من مذهب ساداتنا الحنفية أنهم يجعلون الفرض علمياً و
عملياً، وعملياً فقط، والعملى فقط فوق الوجوب الشائع بينهم وإن كان بعضهم يطاق
على ذلك الوجوب أيضاً الفرض العملى ، وهذا الفرض العملى ربما بثيت عندهم
بأخبار الآحاد ، والخبر الواحد وإن كان الأصل مفيداً للظن ولكنه ربما برئقى
ويقرب من القطعية ، فيثبتون بمثله الفرض العملى ، والفصل فى ذلك بصيرة
المجتهد، وهذا كما يختلف حكم الآحاد بالسنية والوجوب فكذلك يختلف الوجوب
نفسه وإن كان دون القطعية المطلقة، ولأجل هذا يقول ابن عابدين فى
" رد المحتار" فى (المسح على الرأس) وكذا فى (الوتر): أن الفرض العملى ما
يفوت الجواز بفوته كمسح ، وهو أقوى نوعى الواجب ، فهو فرض من جهة
العمل ، ويلزم على تركه ما يلزم على ترك الفرض من الفساد لا من
جهة العلم والاعتقاد ، فلا يكفر يجحده كما يكفر يجحد الفرض القطعى
٠٫٠٠

تحقيق مسألة الترتيب من الوجوب وغيره
بخلاف النوع الآخر من الواجب كقراءة الفاتحة فإنه لا يازم من تركها
الفساد ولا من جحودها الإكفار اهـ . ومن هذا القبيل عندهم وجوب الوتر،
ولذا يكون تذكره مانعاً عن فرض الفجر، وبالجملة الواجب المصطلح عندهم
نوعان : يتفقان فى عدم الكفر بالجحود ويختلفان فى الفساد بالترك وعدمه ،
والفصل فيه بصيرة المجتهد ودقة مداركه والنظر إلى إشارات من النصوص
فى الباب ، فلااطراد للحكم دائماً فى الآحاد كما يظن ، وقد سلموا تفاوت حكمها
فى السنة والوجوب ، فليسلم تفاوته فى نوعى الوجوب . والتشكيك كيفاً فى
الماهيات مذهب المحققين من أهل المعقول ، فلا عبرة بقول النافين له مطلقاً ،
وسمافة أدلة النافين قد وضحت فى محله ليس هذا موضع بيانها . ثم ثبوت
الفرض عند الجمهور بالآحاد شائع مستفيض ، فإن أفادت الآحاد فرضاً عند
أبى حليفة فى آحاد من المسائل وفاق الجمهور فأى بعد فيه عند التحقيق ، و
تأثير أذواق المجتهدين واختلاف مداركهم وبصائرهم عامل قوى فى تنقيح
مراتب الحكم وتحقيق مناطه ، ولا يدخل مثل ذلك فى الضوابط ، فالمشى على
الضوابط دائماً إلغاء للعوامل المعنوية ، وجمود على العوامل اللفظية .
فالحاصل : أن بحث ابن الحمام ثم ابن نجيم فى أمر متفق بين أكابر الحنفية ،
يكاد يكون شذوذاً لا يعتبر به ، ومن لطيف التعبير ما عبر به صاحب
"الهداية" عن الترتيب فقال: الأصل أن الترتيب بين الفوائت وفرض الوقت
عندنا مستحق ، وعند الشافعى مستحب الخ. فعبر بالمستحق ولم يعبر بالفرض
أو الوجوب ، فلعله راعى العوامل المعنوية واللفظية معاً كما أشرت إليه ، فلله
دره ما أدق نظره . ثم الفرق عندهم بين الظن وغالب الظن معروف
بأن أحد الطرفين إذا قوى وترجح على الآخر ولم يأخذ القلب ما ترجح به
ولم يطرح الآخر فهو الظن، وإذا عقد القلب على أحدهما وترك الآخر فهو
أكبر الظن وغالب الرأى كما فى "البحر الرائق" عن " أصول" اللامشى

١١٢
معارف السنى
ج - ٢
(١ - ١٦١) فى (باب التيمم) فيحتمل أنه إذا أفاد خبر الواحد ظناً أفاد.
ثارة" سنية وتارةً أضعف نوعى الوجوب، وإذا أفاد غالب الظه وأكبزه
فيفيد أعلى نوعى الوجوب . هذا ما تيسر لى فى حل إشكال المقام ، وعسى
أن يستلفت أنظار الباحثين والله سبحانه وتعالى أعلم. ثم اختلفوا فى وجه
تأخيره عّلّ الصلوات ذلك اليوم فقيل، كان نسياناً، واستدل له بحديث عند
أحمد من طريق ابن لهيعة، وقيل : عمداً للاشتغال بالقتال وعدم تشريع
صلاة الخوف كما اختاره شارحا " الصحيح " انظر "العمدة" (٢ -
٦٠٥ ) و"الفتح" (٢ - ٥٦)، قال العينى: اليوم لا يجوز تأخيرها
عن وقتها بل يصلى صلاة الجوف الخ. قلت : هذا إذا أمكن ، أما عند
المسايفة ومهاشرة القتال فكلا. وقال المالكية: إنه مَّ لّ فرغ قبل غروب الشمس
وأخر صلاة العصر فصلى بعد الغروب لأجل انتظار الصحابة ، وهذا المحمل
مع بعده يجرى فى رواية "الصحيحين" فى قوات العصر فقط، قاله الشيخ ولم
أره منقولاً عنهم ولا عن غیر هم ھکذا إلا ما يقرب منه ما فى" فتح البارى"
(٢ - ٥٦): فإن قيل: الظاهر أن عمر كان مع النبى ◌َّ ◌ُلّ فكيف اختص
بأن أدرك العصر قبل الغروب بخلاف بقية الصحابة والذى خَالِ؟ فالجواب:
أنه يحتمل أن يكون الشغل وقع بالمشركين إلى قرب غروب الشمس ، وكان
عمر حينئذٍ متوضاً فبادر فأوقع الصلاة ثم جاء إلى النبي مَلٍ فأعلمه بذلك
فى الحال التى كان النبي ◌ََّلّ فيها قد شرع يتهيا للصلاة، ولهذا قام عند الإخبار
هو وأصحابه إلى الوضوء اهـ، والله أعلم. وقال الشيخ: سبب التأخير أن
الصلاة حالة المسايفة غير صحيحة ، هذا إذا كان تشريع صلاة الخوف قبل
الخندق ، وفيه خلاف مشهور فى العلماء لأجل اختلاف الروايات انظر " فتح
القدير" (١ - ٤٤٤ و٤٤٥). ويرد على الحنفية بأنهم يجوزون صلاة عصر
يومه عند غروب الشمس ويخصوله من النهى، والنى عَّ الج قد أخر العصر

١١٣
بحث الجمع بين الصحة والكراهة
قال أبوعيسى: حديث عبد اللّه ليس)بإسناده بأس إلا أن أبا عبيدة
إلى بعد الغروب حين أدركه وكادت الشمس لغرب ، وسيأتى جوابه، غير أنه
يصح لنا دليلاً إجمالياً بأن نتمسك بتأخيره عَ ل إلى أن تغيب الشمس كما تمسكنا
بحديث ليلة التعريس أن ذلك الخروج عن الوقت المكروه . وهل الرجل مأمور
عند الحنفية بأداء عصر يومه فى وقت الكراهة عند الغروب ؟ والإشكال فيه
أنه كيف يكون الشئ مأموراً به مع كونه مكروهاً تحريماً، وهل يجتمع الكراهة
التحريمية مع الصحة ، عياراتهم هنا وفى غيره غير واضحة ، وسيأتى بعض
البيان فى المسألة فى ( باب من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس ).
وقد تقدم منى أن الطحاوى يميل إلى عدم صلاة عصر اليوم أيضاً فى حين
الغروب . قال شيخنا : فتتبعث لها كتباً كثيرة من كتب المذهب فلم أجده بل
تدل كلمات محمد فى "مؤطئه" (ص - ١٢٥) على عدم المأمورية، فلعل
مسألة الحنفية فى الصحة لا غير ، هكذا فى "العرف الشذى" من تعيين
الصفحة ، ولا أدرى أية طبعة هى ، والمسألة ذكرت فى الطبعة التى بين يدى
فى (ص - ٩٩) فروى حديث ((من نسى صلاة))، ثم قال: قال محمد :
وبهذا نأخذ إلا أن بذكرها فى الساعة التى نهى رسول اللّه عَمِ عى
.. إلا عصر يومه فإنه يصليها وإن احمرت الشمس قبل أن
الصلاة فيها
ثم استدل له بحديث: ((من أدرك من الصبح ركعة الخ))
تغرب ...
وظاهر هذه الكلمات بدل على مأموريته بعصر اليوم فالله أعلم بالصواب .
ويحتمل أن يقال: أنه أراد الشيخ من صنيع الإمام فى " المؤطأ" فى (باب الصلاة
عند طلوع الشمس وعند غروبها). وبالجملة فالقلب غير مطمئن بالحوالة ثم
دلالتها على المراد .
قوله : إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من عبد الله، حكى الحافظ فى " التهذيب"
( ٢ - ١٥ )

١١٤
معارف السنن
ج - ٢
لم يسمع من عبدالله، وهو الذى اختاره بعض أهل العلم فى الفوائت أن يقيم الرجل
لكل صلاة إذا قضاها وإن لم يقم أجزأه ، وهو قول الشافعى .
حدثنا محمد بن بشارنا معاذ بن هشام قال حدثنى أبى عن يحيى بن
أبى كثير نا أبو سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله أن عمر بن
الخطاب قال يوم الخندق وجعل بسب كفار قريش : قال يا رسول الله:
من الترمذى أنه لا يعرف اسمه . وقيل: اسمه كنيته ، والأشهر أن اسمه عامر،
وأما سماعه من أبيه فأكثرهم على أنه لم يسمع من أبيه ، وحكى عثمان البرى
عن أبى إسحاق أنه سمع أبا عبيدة أنه سمع ابن مسعود فقال شعبة : أوه كان
أبو عبيدة ابن سبع سنين وجعل بضرب جبهته، وهذا الاستدلال بعدم السماع لأجل
کونه ابن سبع غير قائم، ولكن راوى الحديث عثمان ضعيف، وقال الدار قطنى:
أبو عبيدة أعلم بحديث أبيه من حنيف بن مالك ونظرائه . انتهى ملخصاً من
"التهذيب" (٥ - ٧٥ و٧٦). وبالجملة الحديث فى نفسه قوى لا يقدجه
ذلك اثير ته مے حديث أبى سعيد وغيره عند اللسائى والطحاوى وغيرهم ، و
قد أسلفنا إثبات سماعه عن أبيه فى (الجزء الأول) على " العمدة" (١ - ٧٣٤)
بما رواه الطبرانى فى "الأوسط" من حديث زياد بن سعد عن أبى الزبير
قال: حدثنى يونس بن عتاب الكوفى قال سمعت أبا عبيدة بن عبد الله يذكر
أنه سمع أباه يقول: ((كنت مع النبى ◌َُّلّ فى سفر)) الحديث. وراجعه وكذا
(ص - ٧٣٥) من الجزء الاول من العمدة.
قوله : وجعل بسب كفار قريش . وذلك لأنهم كانوا السبب لاشتغال
المسلمين بحفر الخندق الذى هو سبب لفوات صلانهم ، قاله البدر . وقال
الشهاب : لأنهم كانوا السبب فى تأخيرهم الصلاة عن وقتها إما المختار كما
وقع لعمر ، وإما مطلقاً كما وقع لغيره اهـ .

١١٥
تحقيق صلاة الوسطى
((ما كدت أصلى العصر حتى تغرب الشمس فقال رسول اللّه عَله: والله إن
صليتها ، قال : فنزلنا بطحان فتوضأ رسول اللّه چ لٍ وتوضأنا فصلى رسول
اللّه عَّ العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب)) هذا حديث
حسن صحيح .
( باب ما جاء فى الصلاة الوسطى أنها النصر )
حدثنا : هنادفا عهدة عن سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب
عن النبى فَ لَيْ أنه قال فى صلاة الوسطى صلاة العصر.
قوله : ما كدت أصلى. قال الحافظ ابن سيد الناس البعمرى - كما
حكاه البدر والشهاب - : أن هذا يدل على أن عمر صلى قبل الغروب اهـ. و
المختار عند النحاة : أن " كاد" تستعمل استعمال سأر الأفعال إذا تجردت من
التنفي كان معناها إثباتاً، وإن دخل عليها نفى كان معناها نفياً، وأما إذا علم.
وجود الفعل وثبوته فى الواقع فتدل " كاد" مع دخول النفى على تحقق الفعل
بيطوء وتراخٍ وهو الأصح ، نص عليه ابن الحاجب كما فى "العمدة"، وهناك
مذهبان آخران لهم انظر "العمدة" ( ٢ - ٦٠٤).
-: باب ما جاء فى صلاة الوسطى أنها العصر :-
العلماء فى تفسير الصلاة الوسطى أقوال كثيرة جداً ، وقد حکی البدر
العينى فى "العمدة" (٨ - ٥٠٢) تسعة عشر قولاً عن "كشف المغطى عى
الصلاة الوسطى " لمحافظ الدمياطى - وهو أبو محمد عبد المؤمن بن خاف
الدمياطى من شيوخ الحافظ ابن كثير - وزاد الزرقانى فى شرح " المؤطأ "
نمو ثلاثة أقوال ، فيكون مجموع الأقوال نحو اثنين وعشرين قولاً للعلماء فى
تيينها، انظر "الزرقانى" ( ١ - ٢٥٧). وفى "الوهيانية" وشرحها : ثلاثة
وعشرين قولاً، كما حكاه ابن عابدين ، وكذا استوعب الكلام من المفسرين

١١٦
معارف السنن
ج - ٢
حدثنا: محمود بن غيلان نا أبو داؤد الطيالسى وأبو النضر عن محمد بن
طلحة بن مصرف عن زبيد عن مرة الهمدانى عن عبد الله بن مسعود قال : قال
رسول الله صَ ل: ((صلاة الوسطى صلاة العصر)).
قال أبوعيسى : هذا حديث صحيح . وفى الباب عن على وعائشة وحفصة
وأبى هريرة وأبى هاشم بن عتبة .
قال أبوعيسى: قال محمد قال على بن عبد الله: حديث الحسن عن سمرة
حديث حسن وقد سمع عنه . وقال أبو عيسى : حديث سمرة فى صلاة الوسطى
حديث حسن، وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي عَ لّ وغيرهم.
الحافظ ابن كثير فى "تفسيره" من (١ - ٥٧٣ إلى ٥٧٧). والوسطى: تأنيث
الأوسط بمعنى الأعدل والأفضل من كل شئى، فمعناه الفضلى، واختاره الزمخشرى
والبدر العين وغير واحد ، وما وقع فى "العرف الشذى" خمسة وأربعون قولاً"
فلم أقف عليها، وربما القبض باختلاف الأقوال فى ساعة الجمعة فقد بلغت الأقوال
فيها إلى ٤٥ قولاً. وظاهر الرواية عن أبى حنيفة: أنها العصر. وهو مذهب جمهور
الصحابة والتابعين ، وهو الصحيح من مذهب أحمد ، وإليه معظم الشافعية ،
وابن أبى حبيب ، وابن العربى، وابن عطية من المالكية . قال ابن عبد البر :
وهو قول أكثر أهل الأثر كما فى " العمدة" وغيرها، ولم يقع الإجماع على
قول واحد ؛ بل لم يزل النزاع فيها موجوداً من زمان الصحابة إلى الآن ،
قاله ابن كثير . وفى رواية شاذة عن أبى حنيفة: أنها الظهر، ذكرها الحافظ
ابن كثير (١ - ٥٧٧) والنووى فى " شرح مسلم" (١ - ٢٢٦) والهدر
العبنى فى "العمدة" (٨ - ٥٠٢). قبل: ودليل هذه الرواية ما فى "سنن
أبى داؤد" من حديث زيد بن ثابت قال: ((كان رسول الله عَّ الّ يصلى الظهر
بالمهجرة، ولم يكن يصلى صلاة أشد على أصحاب رسول الله جلجل منها فلزات:
( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) وقال : إن قبلها صلاتين وبعدها
۔

١١٧
تحقيق الصلاة الوسطى
وقال زيد بن ثابت وعائشة: ((صلاة الوسطى صلاة الظهر.» وقال ابن
حماس وابن عمر: ((صلاة الوسطى صلاة الصبح)).
صلاتين)) (ص - ٦٥) (باب الصلاة الوسطى) .. قال الشيخ رحمه الله :
ولا بد من توجيه الحديث . أقول: ليس فى الحديث نص على أنها الظهر ،
ولا فى قوله: ((إن قبلها صلاتين الخ)) سواء كان مرفوعاً أو موقوفاً من
قول زيد؛ لأنه يحتمل أن يكون الغرض أنهم كانوا يعتنون بالظهر كثيراً ،
فأمرهم بأن يحافظوا على الصلوات كلها ، وبالأخص على الوسطى منها فإنها
أحق بالمحافظة، فيكون حثاً على محافظة الجميع ، وعلى الأخص العصر كيلا
تتوانى عزائمهم من أجل ما كانوا يعالجون شدة فى إقامة صلاة الظهر . وأما
قوله: ((إن قبلها صلاتين الخ)) فهو أدل على العصر منه على الظهر، وسياق
أحادیث أبی داؤد قبل هذا الحدیث وبعده کله يدل على أن أبا دائؤد فهم
منه العصر، وذلك القول لا يستقيم حمله على الظهر إلا بتكلف، والله أعلم
بالصواب . نعم إن العلماء نسبوا إلى زيد القول بأن الوسطى الظهر، فلا أدرى
مأخذه هذه الرواية أم غير ذلك ؟ نعم فى " العمدة" : الثانى الظهر وهو قول
زيد بن ثابت رواه أبو داؤد ، والله أعلم بالصواب . وكذا تلك الرواية عن
الإمام . قال الشيخ : والذى عندى أن ما فى "سنن أبى داؤد" هو من اجتهاد
زيد بن ثابت - أى ظنه نزول الآية فى الظهر - ، وقال النووى فى " شرح
مسلم " (١ - ١٢٦) نحاكياً عن الماوردى من الشافعية: هذا - أى أنها
العصر - مذهب الشافعى لصحة الأحاديث فيه ، وإنما نص على أنها الصبح ؛
لأنه لم يبلغه الأحاديث الصحيحة فى العصر، ومذههه اتباع الأحاديث اهـ.
- أى قال الشافعى: إذا صح الحديث فهو مذهبى -. وممن قال: بأنها الصبح:
الشافعى ومالك وبعض الصحابة والتابعين ، أنظر النووى وغيره ..

١١٨
معارف السنن
ج - ٢
حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى نا قريش بن أنس عن حبيب بن الشهيد
فائدة: روى البيهقى فى "المدخل" عن الإمام أبى حنيفة أنه قال: إذا
صح الحديث فهو مذهبى، حكاه ابن عبد البر عن أبى حنيفة وغيره من
الأئمة . وكذا الإمام الشعرانى عن الأئمة الأربعة ، حكاه ابن عابدين (١ -
٦٣) فى "شرح الدر المختار" وكذا رواه البيهقى: ما جاء عن النبى معَ له فعلى
الرأس والعين ، وما جاء عن الصحابة فنختار منهم ، وما جاء عن التابعين
فهم رجال ونحن رجال - أوقال ـ: زاحمناهم اهـ. وانظر الروايات فى هذا
الصدد فى "عقود الجواهر" الزبيدى (ص - ٥) وما رواه البيهقى رواه
ابن عبد البر فى "الانتقاء" (ص - ٤٤) عن أبى حمزة السكرى وعن أبى يوسف
وعن يحيى بن الضريس وعن أبى عصمة كلهم على أبى حنيفة مثله ، وكذا رواه
الحافظ أبو عبد الله الصيدرى فى "أخبار أبى حنيفة وأصحابه" ( مخطوط ) عى
أبى يوسف وعن يحيى بن الضريس بأسانهده الصحيحة. وكذا الموفق المكى فى
"مناقبه" والله الموفق .
وروى أبو جعفر الشبر ماذى بسنده إلى الإمام أنه كان يقول : نحن لا
نقيس فى مسألة إلا عند الضرورة ، وذلك إذا لم نجد دليلاً فى الكتاب والسنة
ولا فى أقضية الصحابة ، حكاه الزبيدى فى "العقود" . وطريق اجتهاد أبى
حنيفة ذكره الخطيب أيضاً فى "تاريخه" من ( الجزء الثالث عشر) ، وراجع
طريقة تفقيه أبى حنيفة من مقدمة الشيخ الكوثرى على "نصب الرأية" ( ص -
٣٦) وما بعدها تجد ما بتاج به صدرك. وقيل: إنها صلاة الوتر ، واختاره
الشيخ علم الدين السخاوى الشافعى، وأفرده بكتاب ، وقال : إن الوتر
ملحق بالصلوات الخمس، وإنها فريضة ، وقال إنى أبلغ الأمة أن الوتر
فرض ، كذا فى " العرف انشذى" . وتأليف على الدين السخاوى هذا ذكره

١١٩
تحقيق أن الصلاة الوسطى هى العصر
قال : قال لى محمد بن سيرين: سل الحسن ممن سمع حديث العقيقة، فسألته
البدر العينى فى "العمدة" (٨ - ٥٠٢) وذكر: أنه اختار أن الوسطى هى
الوتر، نعم قال ابن عابدين فى ( الوتر ) (١ - ٦٢٢): وقد صرح بعض
المحققين من الشافعية بأن من أنكر مشروعية السنن الرائبة أو صلاة العيدين
يكفر لأنها معلومة من الدين بالضرورة ..... وصرح أيضاً بأن ما كان
من ضروريات الدين وهو ما يعرفه الخواص والعوام أنه من الدين كوجوب
اعتقاد التوحيد والرسالة ، والصلوات الخمس وأخواتها يكفر منكره وما
لا فلا .... ولا شبهة أن ما نحن فيه من مشروعية الوتر ونحوه يعلم الخواص
والعوام أنها من الدين بالضرورة الخ. فلعل المراد من بعض المحققين هو علم الدين
السخاوى الذى ألف فى الوتر كتاباً، وقال : إنه الصلاة الوسطى . ثم إنى لم
أجد عن علم الدين السخاوى ما فى "العرف الشذى" صريحاً، ولعل الشيخ اطلع على
أصل الكتاب ونقل منه ما نقل والله أعلم. وقدمت الأخبار المرفوعة فى كونها عصراً
كما هو الصحيح من مذهب أبى حنيفة، ومن ذلك ما فى "صحيح مسلم" من أن
فى مصحف عائشة فروى عن أبى يونس مولى عائشة أنه قال: ((أمرتنى عائشة
أن أكتب لها مصحفاً وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذنى: (حافظوا على
الصلوات والصلاة الوسطى ) قال : فلما بلغتها آذنتها فأملت على: حافظوا
على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر )) ومن ذلك حديث مصحف
حفصة رواها مالك فى "موطئه" عن زيد بن أسلم عن عمرو بن رافع أنه
•قال: كنت أكتب مصحفاً لحفصة أم المؤمنين مثل حديث عائشة لفظاً ومعنى؛
غير أن حديث عائشة مرفوع ، وحديث حفصة رواها مالك موقوفاً ، لكن
ابن عبد البر أخرجه من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم مرفوعاً، وقال :
اسناده صحيح، كما فى "شرح الموطأ" الزرقانى (١ - ٢٥٥). وفرق آخر:
أن رواية حفصة روبت بالواو وبغير الراو جميعاً، ورواية عائشة لم يرو إلا بالواو،
٩

١٢٠
معارف السين
ج - ٢
قال : سمعته من سمرة بن جندب. قال أبو عيسى : وأخبرنى محمد بن
اسماعيل عن على بن عبد الله عن قريش بن أنس هذا الحديث .
قال محمد: قال على: وسماع الحسن من سمرة صحيح، واحتج بهذا الحديث .
قاله ابن عبد البر حكاه الزرقانى . قال الباجى من المالكية - كما فى الزرقانى -
وكذا بعض الشافعية - كما فى النووى: أن العطف يقتضى المغايرة، والجواب
أنهم صرحوا بأنه إذا كانت صفات لموصوف واحد جاز العطف وعدمه كما فى
قوله :
وليث الكتيبة فى المزدحم
إلى الملك القرم وابن الهمام
أو تكون لعطف الصفات لا لعطف الذات کقوله تعالى: ( ولکے رسول الله
وخاتم الليهين) و (سبح اسم ربك الأعلى .... ) كما قاله ابن كثير فى
"تفسيره". وراجعه للتفصيل من (١ - ٥٨١ و٥٨٢). ثم ههنا بحث أن
القرآن يثبت بالتواتر لا بالآحاد ، وإذا لم يثبت كونه قرآناً فهل يبقى خبراً
أو لا، رجح النووى الثانى ، ونظيره ما قالوا فى خمس رضعات : بأنه ثبت
كونه قرآناً بخبر الواحد فإذا لم يثبت لم يثبت الخبر والله أعلم ، وراجع " تفسير
ابن كثير" الأدلة على الموضوع. وذكر ابن عابدين: أن صاحب " الحلية "
قد استوفى الأدلة من الأحاديث الصحيحة .
قوله: وسماع الحسنى من سمرة صحيح . الحسن: هو الحسن بن أبى الحسن
اليسار المصرى أبو سعيد من كبار التابعين وثقاتهم ، رأى مائة وعشرين صحابياً،
وكان من أفصح أهل البصرة وأجملهم وأعيدهم وأفقههم ، وكان من الشجعان ،
وروى عن سمرة نسخة كبيرة غالبها فى السنن الأربعة، ورجح على بن
المدينى والبخارى والترمذى والحاكم أن كلها سماع، انظر " التهذيب" من (٢ -
٢٦٣٠). وقد اختلفوا فى سماعه عن سمرة على ثلاثة أقوال: الأول: إنه لم يسمع