Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
بيان أحاديث الإسفار بالفجر
ولم يروا أن معنى الإسفار تأخير الصلاة .
والحديث أخرجه الزيلعى من حديث رافع بن خديج ، ومن حديث بلال ،
وأنس ، وقتادة بن النعمان ، وابن مسعود ، وأبى هريرة ، وحواء الأنصارية .
انظر "نصب الرأية" لتفصيلها. ورواه الطحاوى عن رجال من الأنصار
من أصحاب رسول الله:حَلّ، وكذا "النسائى" (١ - ٩٤) بلفظ: (ما
أسفرتم بالصبح فإنه أعظم الأجر)». والأسانيد بذلك قوية، وأقوى الأحاديث
فى الباب حديث رافع بن خديج، أخرجه السنن الأربعة من حديث عاصم بن
عمر عن محمود بن لبيد الترمذى عن محمد بن إسحاق عن عاصم ، والهاقون
عن محمد بن عجلان عن عاصم، وهو حديث صحيح كما قاله الترمذى . وأخرجه
ابن حبان، وكذلك صححه ابن القطان كما حكاه الزيلعى. وقال الحافظ فى "الفتح"؛
وصححه غير واحد. وما تأول به الشافعى وأحمد فيرده أيضاً ما رواه ابن
أبى شيبة (إسحاق وغيرهما بلفظ: (ثوب بصلاة الصبح يا بلال حتى يبصر القوم
مواقع نبلهم من الإسفار)) كما قاله ابن حجر فى "التلخيص" (ص - ٦٨)،
وما قال الحافظ فى "التلخيص" ولكن روى الحاكم من طريق الليث عن
أبى النضر عن عمرة عن عائشة قالت: ((ما صلى رسول اللّه عَل الصلاة
لوقتها الآخر حتى قبضه الله" فلعل الغرض منه التأخير إلى حدٍ يخاف خروج
الوقت، وسيأتى البحث فيه . ولم يستطع أحد من الشافعية أن يجيب عن ذلك
اللفظ، وكذلك استبعد تأويلهم ابن دقيق العيد فى " الإمام" كما حكاه الزيلعى
(١ - ٢٣٨)، وللزيلعى كلام متين فى دفع تأويلهم فراجعه. ويمكن لهم
- أن يتأولوا "كلما» بكل يوم يوم، ولكنه أيضاً يخالف ما يتبادر من الحديث
فإن الظاهر من الحديث هو الإسفار والتنوير فى الوقت نفسه لكل يوم دون
اعتبار تبينه كل يوم يوم ، ولو تأولوا فيه فكيف يسوغ لهم أن يتأولوا ما
(م - ٦)

٤٢
معارف السنن
ج - ٢
عند النسائى بسند صحيح بلفظ: ((ما أسفرتم بالفجر فإنه أعظم للأجر))، وماذا
يصنعون بلفظ: ((نوروا بالفجر)) وبلفظ: (عنى يبصر القوم مواقع نبلهم)) ؟ كما
تقدم، وقال السيوطى: إنه رواية بالمعنى حيث قال فى حاشيته على "أبی داؤد" :
(كما فى " حاشية السندى على ابن ماجه ") قلت: وبهذا يعرف أن رواية من
روى هذا الحديث بلفظ: ((أسفروا بالفجر)) مروية بالمعنى، وأنه دليل على
التغليس بها لا على التأخير إلى الإسفار اهـ . أراد السيوطى بما أشار إليه
حديث (( أصبحوا بالصبح)) وقد أجاب فى "الإعلاء" عنه جواباً شافياً،
ويكفينا فى رده ماروينا فى غير ما حديث بأفاظ لا تحتمل تأويله ، وقد تقدم
بيانها . وقال فى "زهر الربى": وفى "قوت المغتذى" حاكياً عبارة ابن
الأثير فى " النهاية" ما ملخصه : يحتمل أنهم لما كانوا يصلون فى أول الوقت
عند الفجر الأول حرصاً ورغهة" الأمر بالتغليس فأمروا بالإسفار إلى أن يطلع
الفجر الثانى ليتحققوه ، وقيل الأمر بالإسفار خاص بالليالى المقمرة لأن أول.
الصبح لا يتبين فيها فأمروا به احتياطاً اهـ. قال الراقم: الأول ما حكاه التر مذى
هن الشافعى وأحمد ، ويرد على لفظ "النهاية" أنه لم يثبت الأمر بالتغليس،
وأما الثانى فإن التعليل فى الحديث لا يلائمه أصلاً. وفى شرح " الإحياء"
أى "الإتهاف" الزبيدى (٦ - ٤٥١) فى (آداب المسافر) (ولم يذكره فى
الصلاة ) : أن الحافظ ابن حجر اختار الابتداء بصلاة الفجر مسفراً بحيث يمكنه
ترتيل أربعين آيةً أو أكثر ثم إعادته إن ظهر فساد وضوءه، وأن يختم مسفراً
وفاقاً الحنفية، وفى " العرف الشذى" عن السخاوى أنه قال: يقول شيخه
الحافظ ابن حجر، ولكن "الإتحاف" حكاه عن الحافظ ولم يذكر السخاوى،
فلعل هناك فى " العرف" سهو، والحافظ لم يذكره فى " الفتح" ولا فى
"التلخيص" فيكون فى تآليفه الأخر. ومن أدلة الشافعية فى اختيار التغليس.
ما عند " أبى داؤد" (ص - ٥٧) (باب المواقيت) فى قصة عمر بن

بح الإسفار وأدلة الحنفية
عبد العزيز وعروة بن الزبير عن أبى مسعود الأنصارى وفيه: ((وصلى الصبح
مرة بغلس ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس
حتى مات لم يعد إلى أن يسفر الخ )) لكن أبا داؤد طعنه بالتفرد حيث يقول :
روى هذا الحديث عن الزهرى معمر ومالك وابن عيينة وشعيب بن أبى حمزة
والليث بن سعد وغيرهم ولم يذكروا الوقت الذي صلى فيه ولم يفسروه الخ ؛
فطعن فيه بتفرد أسامة عن الزهرى فيه بذكر تفصيل الأوقات، وأسامة بن
زيد وإن كان وثقه بعض فقد ضعفه يحيى بن سعيد وأحمد والدار قطنى ولم
يخرج له الشيخان ، نعم أخرج له مسلم كما فى " التهذيب" فى الاستشهاد دون
الاحتجاج. وبالجملة فهناك مخالفة الثقة لرواية من هو أوثق منه ، وإن
سلمنا أنه ثقة فلم يكن من زيادة ثقة من بين الثقات . ومحمل الحديث عند
شيخنا : أنه صلى مرة فى الغلس الشديد وأخرى فى الإسفار الشديد ثم كان
تعامله عَّ له وسطاً بينهما، والذى ذكره الراوى فى ذلك الحديث من تفصيل
المواقيت واقعة تعليمه بَلّ السائل عن الأوقات فى المدينة، ولعل الشيخ يريد
ذلك من الغلس الشديد مرةً والإسفار الشديد مرةً أنه كان فى المدينة عند
إجابة السائل .
ومن أدلة الحنفية فى اختيار الإسفار حديث ابن مسعود أخرجه الشيخان
قال: ((ما رأيت رسول اللّه عَ لّ صلى صلاة لغير وقتها إلا يجمع فإنه جمع
بين المغرب والعشاء وصلى صلاة الصبح من الغد قبل وقتها))، والمراد قبل
وقتها المعتاد كل يوم لا أنه صلاها قبل طلوع الفجر فإنه لم يقل به أحد فى
الصلاة بمز دلفة، ويؤيده ما وقع التصريح فى رواية " البخارى" (١ -
٢٢٧) (باب من أذن وأقام لكل واحدة منها) من المناسك: ((والفجر حب
يبزغ الفجر)) وفى "صحيح مسلم" فى حديث حجة الوداع ((فصلى الفجر حين
تهي له الصبح)). وقال الحافظ ابن حجر فى "الفتح" (٢ - ٤٥) فى

٤٤
معارف السنن
ج - ٢
تأويلة : أنه دخل فيها مع طلوع الفجر من غير تأخير الخ. قال شيخنا:
لا يفيدهم ذلك فإن مذهبهم الابتداء بالصلاة حين تبين الفجر من غير تأخير.
وبالجملة فما ذهبوا إليه لم يكن من دأبه دائماً وكفى هذا القدر. والحاصل :
إذا نقول إن تعامله عَ ل مختلف بين النغليس مرة والإسفار أخرى، ولكن
الحنفية فى الباب تشريع قولى عام فى حديث الإسفار، ومن الأصول تقديم مثل
هذا التشريع القولى على الفعل والوقائع الجزئية ؛ وثبوت التغليس لاننكره
ولا ننكر جوازه بل نقول بأفضلية الإسفار فقط. وإنما الخلاف فيما هو الأولى
والكل جائز، فالراجح عند الإنصاف هو مذهب الإسفار كما قاله الحنفية ،
أفاده شيخنا. وروى الطحاوى (١ - ١٠٩) حدثنا محمد بن خزيمة نا القعنى
نا عيسى بن يونس عن الأعمش عن إبراهيم قال: ((ما اجتمع أصحاب رسول
اللّه فَلٍّ على شئ ما اجتمعوا على التنوير))، وهذا إسناد صحيح لا غائلة فيه
كما قاله البدر العينى وابن الهام، وأيضاً قالا: ولا يجوز اجتماعهم على خلاف ما
فارقهم عليه رسول اللّه حَ لّ اهـ. وهذا من أقوى الأدلة فى الباب الحنفية،
وانظر البحث المشبع فى "العمدة" من (٢ - ٢٥٥ إلى ٢٥٨) وفى " فتح
الملهم" (٢ - ٢١١) وما بعدها و "نصب الرأية" (١ - ٢٣٥ وما بعدها
إلى ٢٤٠) و " إعلاء السنن" من (٢ - ١٦).
قال الشيخ : وثبت فى حديث مرفوع التغليس بالفجر فى الشتاء والإسفار
4 فى الصیف، وبحثت عن إسناده فوجدته ساقطاً حيث روى من طريق سيف
صاحب "كتاب الفتوح" ويكاد يكون مجمعاً على ضعفه . قال : ثم وجدته
مروباً فى " حلية الأولياء" لأبي نعيم الأصبهانى ، ولم يكن " سنده" من
طريقه والله أعلم. قال الراقم: هو حديث معاذ قال: ((بعثنى رسول الله
حَر٣ إلى اليمن فقال: يا معاذ إذا كان فى الشتاء فغلس بالفجر وأطل القراءة
قدر ما يطبق الناس ولا تملهم ، وإذا كان الصيف فأسفر بالفجر فإن الليل

٤٥
بيان ترجيح أحاديث الإسفار
قصير وإنالناس يناءون مهاهم حتى يدركوا)) رواه بقى بن مخلد فى "مسنده"
والبغوى فى "شرح السنة" كما فى "المنتقى" لأبى البركات ابن تيمية، وكذلك
فى "كنز العمال" (٥ - ٣١٩). وسيف هو: يوسف بن عمر التميمى الكوفى
صاحب "كتاب الردة والفتوح"، قال فى " التقريب": ضعيف فى الحديث
عمدة فى التاريخ. أنظر ترجمته فى " التهذيب" (٤ - ٢٩٥).
تنبيه: قال صاحب "التحفة": قال صاحب " العرف الشذى" .........
والحديث القولى مقدم ......... فصار الترجيح لمذهب الأحناف . قلت: القولى
. إنما يقدم إذا لم يمكن الجمع بين القولى والفعلى، وفيما نحن فيه يمكن الجمع كما
.... فلاوجه لتقديم الحديث القولى، ثم كيف يكون الترجيح
أوضعه الطحاوى ....
لمذهب الأحاف فإنه خلاف ما واظب عليه رسول الله عَلَم والخلفاء الراشدون
اهـ. أقول فيه أما أولاً: فإن أحاديث التغليس الفعلية المتبادر منها هو البدأ
والختم كلاهما فى الغلس، وبذلك استدل القائلون به، وتعامله علّلو لم يثبت
دوامه، وحديث ابن مسعود يرد القول بدوامه . ورواية أسامة بن زيد الليثى
فى حديث أبى مسعود الأنصارى من قبيل المخالفة لمن هو أوثق منه ، ويعارضه
حديث ابن مسعود فى " الصحيحين"، وأثر إبراهيم النخعى فى " شرح الآثار"
كشف عن تعامل الصحابة وما عليه جمهرتهم . وأما ثانياً: فحديث " أسفروا"
جعله السيوطى فى "الأزهار المتناثرة" متواتر اللفظ، وظاهر أن حديث
المتلفعات ليس بهذه المثابة فتعين ترجيح الإسفار مع أن حديث «ما بعرفن من
الغلس) يحتمل أن يكون قبل حكمهن بالقرار فى البيوت كما قاله صاحب "البدائع"
وهذا أيضاً شاكلة الجمع بين القولى والفعلى . وثالثاً : إنه يمكن أن يقال : إن
التغليس كان فى مبدأ الأمر وتعامله عليه فى عهده لأجل حرص الصحابة على قيام
الليل وحضورهم مبكرين، وحرصاً على استكثار استماعهم القرآن ولكن
أمر الأمة باليسر وعدم الإعنات والإجهاد ، وشرع لهم الإسفار ليستقيم به

٤٦
معارف السنن
ج - ٢
=: باب ما جاء فى التعجيل بالظهر :-
حدثنا : هناد بن السرى حدثنا وكيع عن سفيان عن حكيم بن جبير عن
نظامهم وراعى حال أضعفهم وهذا من مرافق التشريع الخاصة بالأمة . ورابعاً:
إنه يمكن أن يقال إن الأمر كان بي الغامن القاتم وبين الإسفار الناصع، فمى
أثبت الإسفار فقد أصاب ومن نفاه فلم يخطأ لأنه فى الإسفار الشديد الذى
وقع فى حديث السائل وفى حديث جبريل فى اليوم الثانى ، فقد أوضح الأمر
حديث ابن مسعود فى "الصحيحين" وحديث السائل عن المواقيت وحديث
جبريل، وإن الحنفية حددوا الأمر بأن يصلى الفجر فى النصف الثانى كما حكاه
ابن نجيم عن "السراج الوهاج" فليس هو الإسفار الشديد حتى يخالف أحاديث
الغلس وهو طريق جيد الجمع . وخامساً : فالغرض من ترجيح مذهب الحنفية
على مذهب القائلين بالغاس وهم لم يقولوا بما قاله الطحاوى ، فالترجيح مجيح
واضح وكأن المعترض لم يفهم هذا . وسادساً : أن ما قاله فى ترجيح القولى
على الفعلى مقيداً بعدم إمكان الجمع بينها مبنى على الغفلة مما أفاده علماء الأصول
كابن الهام فى "تحريره" وابن أمير الحاج فى " تقريره وتحبيره" من الترجيح
للقول وتقديم الترجيح على الجمع، وملخص ما فى "التحرير" وشرحه (٣-٣):
أن حكم التعارض النسخ، إن علم المتأخر وإذا لم يعلم المتأخر فالحكم الترجيح لأحدهما
على الآخر إن أمكن ، ثم الجمع بينهما إذا لم يمكن ترجيح أحدهما على الآخر
وإذا لم يعلم المتأخر ولم يمكن الترجيح ولا الجمع تركا إلى ما دونها من الأدلة
الخ . وحديث مغيث بن سمى عند " ابن ماجه" فى الغلس: وهذه ضلاتنا
مع رسول اللّه ◌َّجُلٍ وأبى بكر وعمر فلما طعن عمر أسفر بها عثمان)، فلعل
الغرض أنه أسفر جداً ليتطابق الآثار المروية فى الإسفار عنهم أو يكون الأمر
على ما قاله الطحارى والله أعلم .
-: باب ما جاء فى التعجيل بالظهر :-

٤٧
بيان المذاهب فى وقت الظهر
إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: (ما رأيت أحداً كان أشد تعجيلاً الظهر من
رسول الله پی﴾ ولامن أبی بکر ولامن عمر)). [قال]: وفى الباب عن جابر (بن
يستحب تأخير الصلوات كلها فى الجملة عند أبى حنيفة ما عدا المغرب
فإنه يستحب تعجيلها، ويستحب التعجيل فيها جميعاً عند الإمام الشافعى ما عدا
العشاء فإنه يستحب فيها التأخير عنده أيضاً فاتفقوا فى تعجيل المغرب وتأخير
العشاء، واختلفوا فى ما عداها، ويستحب تعجيل ظهر الشتاء أيضاً عندنا كما
فى عامة متون فقهائنا، وألحق ابن نجيم الخريف بالصيف فى التأخير والربيع بالشقاء
فى التعجيل. انظر " البحر" (١ - ٢٤٨) وحديث الباب محمله عند
الحنفية الشتاء لما فى «صحيح البخارى من حديث أنس: ((كان رسول الله عَل}
إذا اشتد البرد بكر بالصلاة وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة)»، والمراد الظهر لأن
السائل سأل عن أنس الظهر، أو ابتداء الحال حيث صرح المحدثون على أن آخر
ما استمر عليه عمله محَّ هو الإبراد، أخرج الحافظ فى " التلخيص" (ص -
٦٧) حديث المغيرة من طريق الخلال: ((وكان آخر الأمرين من رسول الله
عَل الإبراد)). قال: وسئل البخارى عنه فعده محفوظاً، ورجح أحد مسته،
وكذا مسحه أبو حاتم وأعله ابن معين بما ليس فيه دليل قوى لتعليله ، انظر
"التلخيص". ونقول: فى الباب أحاديث قولية وفعلية ويقدم القول فى
باب التشريع، والقوابة تؤبد الحنفية أى قوله عَلّم: «أبردوا بالظهر فإن شدة
الحرمن فيخ جهنم)) حديث متفق من حديث أبى هريرة ، والبخاری ،ے
حديث ابن عمر وأبى سعيد، ولللسائى من حديث أبى موسى، ولا بن خزيمة
من حديث عائشة، ولأحمد وابن ماجه وابن حبان من حديث المغيرة، والطبر انى
من حديث عمرو بن عبسة كذا فى "التلخيص" فهذه سبعة أحاديث قولية
تكاد تتواتر. وفى "الفتح" (٢ - ١٤): ونقل الخلال عن أحمد أنه قال:
هذا آخر الأمرين من رسول اللّهِ عَ لَّراه. وأيضاً فعله ◌َ ه مختلف فلايقوم

٤٨
معارف السنن
ج - ٢
عبد الله) وخباب وأبى برزة وابن مسعود وزيد بن ثابت وأنس وجابر بن
سمرة . قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن. وهو الذى اختاره أهل
العلم من أصحاب النبى نَلم ومن بعدهم. قال على (بن المدينى): قال يحيى
ابن سعید : وقد تكلم شعھة فی حكيم بن جبير من أجل حديثه الذى روى عن
ابن مسعود عن النبى عَاجِ ((من سأل الناس وله ما يغنيه)).
قال يحيى: وروى له سفيان وزائدة، ولم يريحيى بحديثه بأساً . قال محمد:
وقد روى عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن عائشة عن النبى حَ فى
تعجيل الظهر .
حجة الخصم علينا .
قوله : وخباب . حديث خباب أخرجه "مسلم" فى (باب استحباب تقديم
الظهر فى أول الوقت) (١ - ٢٢٥): ((شكونا إلى رسول بَلٍ فى الرمضاء
فلم يشكنا أى لم يزل شكوانا فى التعجيل ومجمل، وقيل: معناه - كما حكاه الحافظ
فى "التلخيص" (ص - ٦٨) - لم يحوجنا إلى الشكوى إلى رخص لنا فى
التأخير، وهو تأويل بعيد جداً، ويرده لفظ ابن المنذر والبيهقى كما فى
"التلخيص": ((شكونا إلى رسول اللهُ مَّل الرمضاء فما أشكانا وقال: إذا
زالت الشمس فصلوا)). ومراده عند شيخنا ما سبق من حمله على أول الأمر .
وقال فى " التلخيص": مال الأثرم والطحاوى إلى نسخ حديث خباب، وبدل
عليه حديث المغيرة: (كنا نصلى بالهاجرة فقال لنا: أبردوا)). فبين أن
الإبراد كان بعد التهجير الخ .
قوله : ولم يريمي بحديثه بأساً ، أى يحيى بن سعيد القطان ، وما ذكره
بعض المحشين فى النسخة المطبوعة بالهند ابن معين فهو خطأ صريح قاله شيخنا ،
ولعل منشأ كونه خطأ صريحاً أن ابن معين قال فيه: " ليس بشتى" كما فى
"التهذيب" (٢ - ٤٤٥) فلم يثبت توثيقه إياه .

تأخير الظهر فى الحر
حدثنا : الحسن بن على الحلوانى أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن
الزهرى قال: أخبر نى أنس بن مالك أن رسول حِّ صلى الظهر حين زالت
الشمس . ( قال أبو عيسى): هذا حديث صحيح. (وهو أحسن حديث فى
هذا الباب) (وفى الباب عن جابر) .
-: باب ما جاء فى تأخير الظهر فى شدة الحر :-
حدثنا : قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبى سلمة
عن أبى هريرة قال :
-: باب ما جاء فى تأخير الظهر فى شدة الحر :-
بين الترمذى مذهب الشافعى، ودل مذهبه على أنه إذا كان المسجد قريباً أو
كانوا مجتمعين فى سفر أو كان منفرداً يستحب له التعجيل وإن كان الحر شديداً.
ومذهب أبى حنيفة كما هو مذهب الجمهور بينه محمد فى "مؤطئه" من التأخير صيفاً
والتبكير شتاءً ، وبذلك يجمع بين أحاديث الباب ، وهو جمع حسن أوفق
بالتعليل الذى اعتبره الشارع وشهدت له الشريعة ، والأحاديث فى ذلك يشير
إليها الترمذى، وقد أشرنا فى الباب السابق إلى أكثرها بذكر مخارجها ، وفى
حديث ابن مسعود عند أبى داؤد والنسائى والحاكم من طريق الأسود عن ابن
مسعود: ((كان قدر صلاة رسول اللّه ◌َّ الظهر فى الصيف ثلاثة أقدام إلى
خمسة أقدام، وفى الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام))، قال ابن العربى فى
"القبس": ليس فى الإبراد تحديد إلا بما ورد فى حديث ابن مسعود، حكاه
الحافظ فى "التلخيصن" (ص - ٦٧ ). ثم إن هذا التحديد أمر يختلف فى
الأقاليم والبلدان، يقول الخطابى فى "المعالم" (١ - ١٢٨): وكانت صلاة
رسول اللّه بحَّ ل بمكة والمدينة وهما من الإقليم الثانى. ويذكرون أن الظل فيها
(٢ - ٧ )

ج - ٢
معارف السين
قال رسول اللّه حَلٍّ : إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر
فى أول الصيف فى شهر آذار ثلاثة أقدام وشئى ، ويشبه أن يكون صلاته إذا
اشتد الحر متأخرة عن الوقت المعهود قبله فيكون الظل عند ذلك خمسة أقدام .
وأما الظل فى الشتاء فإنهم يذكرون أنه فى تشرين الأول خمسة أقدام أو خمسة
وشئى، وفى الكانون سبعة أقدام أو سبعة وشئى ، فقول ابن مسعود منزل على
هذا التقدير فى ذلك الإقليم دون سائر الأقاليم اه ماخصاً. قال الراقم: الكانون
الأول هو ديسمبر ، والكانون الثانى هو يناثر ، وآذار هو مارس ، وتشرين
الأول سبتمبر ، وتشرين الثانى أكتوبر ، ومن شاء تفصيل الشهور العجمية
القديمة والعربية والسريانية وغيرها فليراجع إلى " مروج الذهب" المسعودى
(ص - ٣٤٩) وما بعدها من (الجزء الأول) ولى فى تفصيلها مذكرة خاصة
لا يسعها المجال .
قوله : فأبردوا عن الصلاة . أبردوا - بقطع الهمزة وكسر الراء - أى
أخروا إلى أن يبرد الوقت ، يقال : أبرد إذا دخل فى البرد كأظهر إذا دخل
فى الظهيرة ، ومثله فى المكان أنجد إذا دخل نجد ، وأتهم إذا دخل تهامة .
قال جمهور أهل العلم: يستحب تأخير الظهر فى شدة الحر إلى أن يبرد الوقت
وينكسر الوهج، وهو مذهب أبى حنيفة وأحمد وإسحاق وابن المنذر من الشافعية .
واختلفت الأقوال فى مذهب مالك فعنه : التأخير إلى أن يصبر الفيئى ذراعاً
شتاءً وصيفاً ، وقال أشهب: لا يؤخر إلى آخر وقتها ، وعن مالك أنه كره
أن يصلى الظهر فى أول وقتها وكان يقول : هى صلاة الخوارج وأهل
الأهواء ، وعنه أول الوقت أفضل إلا الظهر فى شدة الحر. هذا ملتقط
"العمدة" (٢ - ٥٢٦) و "الفتح" (٢ - ١٣). ثم المراد بالصلاة فى
لفظ حديث أبى هريرة صلاة الظهر، وقد و رد مصر حاً فی حدیث أبی سعید فی
"الصحيح" بلفظ: ((أبرد بالظهر)). قال العلماء: الأفصح صلة الإبراد "بالباء"

٥١
الأبراد بالظهر وبيان سبب حر جهنم
من فبح جهنم. ( قال) وفى الباب عن أبى سعيد ، وأبى ذر ، وابن عمر ،
والمغيرة ، والقاسم بن صفوان عن أبيه رأبى موسى وابن عباس وأنس (قال):
وهى فى أكثر الروايات. قال العينى: "الباء" هو الأصل وأما " عن" ففيه تضمين
معنى التأخير أى أخروا عنها مبردين أو بمعنى الباء . وقال ابن حجر : أو هى
للمجاوزة أى تجاوزوا وقتها المعتاد إلى أن تنكسر شدة الجرام. قال شيخنا:
كلمة "عن " أنفع فى الرد على من أراد إبرادها بأداء الصلاة كما رأيته لبعض
الغير المقلدين ممن لا فهم له فى الحديث .
قوله : من فيح جهنم ؛ الفيخ : سطوع الحر وفورانه ، قال ابن سيدة:
فاح الحر فيحاً سطع وهاج ، حكاه العينى ، أو سعة انتشارها وتنفسها ، ومنه
مكان أفيح أى متسع قاله ابن حجر. قال الشيخ: يرد ههنا سؤال عقلى وهو
أن التجربة بل الحس يشهد على أن شدة الحر وضعفه من آثار قرب الشمس
وبعدها فكيف يستقيم ((إن شدة الحر من فيح جهنم)). قلت: إن كان السائل
يعتقد آراء الفلسفة اليونانية فلا يستحق أن يعترض بمثل هذا حيث إن الشمس
من الأجرام العلوية الأثيرية وهى عندهم ليست فيها برودة ولا حرارة نعم إن
شراح قانون ابن سينا تصدوا لإثبات الحرارة والبرودة فيها حيث رأوا ذلك
مخالفاً لبداهة الحسن فقال بعضهم: إن الحرارة بسبب حركة الأشعة، وهذا خطأ
على أصولهم فقد صرح ابن سينا فى " الشفاء" - وهى داء فى الحقيقة - إن
الشعاع من مقولة الكيف فكيف توجد النقلة .
وأما أهل الهيئة الجديدة من أهل "أوروبا" فالشمس عندهم من أحر الأشياء
فى العالم ، وعلى كل حال لا مناص من الاعتراض نظراً إلى المشاهدة
والحس والتجربة ، فالجواب هنا وفى أمثاله فى كثير من المواضع: أن الأشياء
الخارجية فى العالم أسباباً ظاهرةً وأسباباً باطنة، فالشريعة تتصدى لذكر الأسباب
الباطنة التى تقصر المقول عن إدراكها ، وأما الظاهرة فالشريعة لا تنفيها، وإنما

٥٢
معارف السنن
ج - ٢
وروى عن معمر عن النبى حَ ل﴾ فى هذا ولا يصح.
قال أبو عيسى: حديث أبى هريرة حديث حسن صحيح وقد اختار قوم من .
سكتى عنها لأن العقل يستقل بإدراكها ، فلا وجه لإنكار المؤمن عما أخبر به
الخبر الصادق رسولنا الهاشمى عَّ﴾ وصح عنه، وكذلك يقال فى الرعد والبرق
والمطر ونهر جيحان وسيحان، ثم إنه ورد فى حديث (أى فى "صحيح
البخارى فى حديث أبى هريرة هذا): ((واشتكت النار إلى ربها فقالت: يارب
أكل بعضى بعضاً فأذن لها بنفسين نفس فى الشتاء ونفس فى الصيف أشد ما تجدون
من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير)). ويرد على هذا اختلاف البلاد فى زمان
واحد حرارةً وبرودةً وصيفاً وشتاءً، ويجاب بأن المراد بالنفسين إخراج
النفس وإدخالها فإذا أدخلت النفس من جانب وجد البرد هناك وإذا أخرجتها
إلى جانب آخر وجد الحر ، فهكذا مختلف البلاد حراً وبر داً فى زمان واحد .
تنبيه : قال الراقم : دل الحديث على أن مثار وهج الحر فى الأرض من
فيح جهنم ، وامختلف أقوال العلماء فى ذلك هل هو حقيقة أو خرج مخرج التمثيل
والتشبيه مجازاً، وكذلك اختلفت كلماتهم فى اشتكاء النار هل هو بلسان القال
أو بلسان الحال ، فالمحدثون أكثرهم أو كلهم قالوا : إنه لا استحالة فى الحمل
على الحقيقة فالحمل عليها أولى، منهم: ابن عبد البر، والقاضى عياض، والقرطبى،
والنووى، والتوربشتى، وابن المنير. وقيل: "من فيح جهنم" مجاز كأنه نار جهنم
فى الحر فاحذروها واجتنبوا ضررها، و"شكواها" مجماز عن غليانها، و"أكلها بعضها
بعضاً" مجاز عن ازدحام أجزائها، و"تنفسها" مماز عن خروج ما يبرز منها. هذا
ملخص ما فى " المعالم" و "العمدة" و"الفتح". وانظر تفصيل أبحاث
الحديث وفوائده في "شرح التقريب" للعراق من (٢ - ١٥٠ إلى ١٥٨).
تنبيه أخر: زعم صاحب "تحفة الأحوذي" ( ١ - ١٤٧ ) أن جواب

٠٣
توجيه سبب حرارة جهنم من جهة الشرع
أهل العلم تأخير صلاة الظهر فى شدة الحر، وهو قول ابن المبارك وأحمد وإسحاق .
إمام المصر الشيخ لا يتمشى فى دفع اعتراض الفلسفة الجديدة لأن هناك تخالفاً
بين الأسباب الظاهرة والباطنة . قلت : لا منافاة هنا بين الأسباب الظاهرة
والباطنة أصلاً فإن التجربة والهيئة الجديدة دلتا على كون الشمس فى غاية من
الحرارة وقصرت كلتاها عن إدراك استفادة الشمس الحرارة من أى منبع ،
فالحديث أرشدنا إلى أنها تستفيدها من فيح جهنم، وإذا كانت جهنم مخلوقة الآن
موجودة فى العالم، وتضافرت الأدلة السمعية بوجودها، وأجمع على ذلك أهل السنة
والجماعة على رغم المعتزلة القائلين بخلقها يوم القيامة ، وأن التنزيل العزيز أص
عن الشمس "بالسراج الوهاج" والوهاج المشرق المضيئ وأيضاً البالغ فى
الحرارة حداً لا يكاد يتصور من الوهج بمعنى اشتداد الحرارة جداً، ويكلا
المعنيين فسر لفظ التنزيل ، وأن منبع الحرارة ومركزها العظيم فى نظر الشرع
هو جهنم، وأن أهل الهيئة الجديدة أقاموا أدلة على كون الشمس جذابة قوية فى
غاية من الجذب فليس هناك أى مانع عقلى بأن تجذب الشمس وتستفيد الحرارة
من مركز الحرارة العظيم . وأضف إلى ذلك ما حققه بعض المحققين من أن هذا
الجو وهذه الفضاء هى بعينها ساحة جهنم، وكما حققه الغزالى فى بعض
مضنوناته بأن البرق الكامن فى الأشياء يبدو يوم القيامة، وأثبت أهل العلم الطبيعى
والهيئة الجديدة وجود البرق والكهرباء فى هذه الأشياء كوجود النار فى
الزند ، فلامانع فى أن تكون القدرة الإلهية خلقت رابطة بين الشمس وبين
جهنم فتكتسب منها. حرارة يحتاج إليها نظام العالم ومصالح الكون وأسرار
التكوين والإبداع، بل لامانع من أن تجذب الشمس الحرارة من كل شى فيه
حرارة كجذب المغناطيس الجديد وكاستفادة القمر النور من الشمس مع أن الله
سبحانه سماه "قمراً مثيراً" فأى مانع من أن تستفيد وتكتسب الشمس حرارة
من جهنم فتصير سراجاً وهاجاً. وبالجملة أثيت الشرع ما سكت عنه أهل

٤
معارف السن
ج - ٢
قال الشافعى : إنما الإيراد بصلاة الظهر إذا كان مسجداً بنتاب أهله مع
الهيئة الجديدة ولم يقم دليل عقلى من الهيئة على نفى ما أثبته الشرع فلامناذة .
وعلى ما قررنا منهاج التفهيم لا يبقى أى استبعاد بل أصبح الأمر فى غاية من
النسق والنظام ، وراجع لبعض أطراف الموضوع من الشرع والهيئة الجديدة
" توفيق الرحمن" الشيخ محمد بخيت المطيعى من (ص - ٢٢).
تنبيه آخر : أمثال هذه الحقائق من المغيبات السمعية لا يمكن أن يقوم
وإدراكها العقل البشرى فإنها من وراء طور العقل فلاتكون التمثيلات إلا تقريباً
للأذهان بنوع مثال لا أداءً الحقيقة وإصابة الحق، فإذا أثبت الشرع أمراً وصح عنى
الشارع ولم يقم برهان عقلى صحيح على ضده فالأولى التسليم والقبول ، وتفويض
كنهه إلى الله سبحانه من غير تأويل كما هو مذهب الأئمة وجمهور السلف فى
سائر المتشابهات .
مسألة فقهية : فى إيراد الظهر لنا قولان: الأول أن الإبراد فى ظهر
الصيف أفضل مطلقاً ولا فرق بين أن يكون فى شدة الحر أولا، واختاره صاحب
"البحر" (١ - ٢٤٧) فى شرح لفظ المتن وظهر الصيف)).
والثانى: أن علة الأمر بالإبراد هى شدة الحر، واختاره البدر العينى فى
"العمدة" (٢ - ٥٢٥) وهو أولى لأنه أوفق بالحديث ، وكذلك لنا قولان
فى التبكير بالجمعة، قال فى "البحر الرائق": والجمعة كالظهر أصلاً
واستحياباً فى الزمانين، كذا ذكره الأسبيجانى اهـ. وفى " عمدة القارى"
(٢ - ٥٢٦): مذهها التبكير يوم الجمعة لما ثبت فى الصحيح أنهم كانوا
يرجعون من صلاة الجمعة وليس الحيطان ظل يستظلون به من شدة التبكير لها
أولى الوقت اهـ .
قوله : بنتاب أهله . الانتياب تارة يستعمل فى الإتيان نوبة بعد نوية -

٥٥
معنى الانتباب ورد الترمذى تأويل الشافعى
البعد فأما المصلى وحده والذى يصلى فى مسجد قومه: فالذى أحب له أن لا يؤخر
الصلاة فى شدة الحر. قال أبو عيسى: ومعنى من ذهب إلى تأخير الظهر فى شدة
الحرهو أولى وأشبه بالاتباع .
وأما ما ذهب إليه الشافعى أن الرخصة لمن ينتاب من البعد والمشقة على
الناس فإن فى حديث أبى ذر ما يدل على خلاف ما قال الشافعى . قال أبو ذر:
أى مرة بعد أخرى - وتارةً بمعنى الإتيان متوالياً. قال شيخنا : إذا كان
فاعل الانتياب جمعاً كان بالمعنى الأول، وإذا كان مفرداً كان بالمعنى الثانى . ومنه
قول الشاعر :
من حیث زار تنی ولم أو ری بها
محجت من ليلاك وانتیابها
ويفيد هذا اللفظ فى (باب الجمعة ) للحنفية فى مسألة الجمعة فى القرى كما
سيأنى ، وفى حديث الجمعة ورد فى لفظ من باب الافتعال ، وفى لفظ من باب
التفاعل كما فى "صحيح البخارى" فى نسخة، والحديث فى الصحيح فى (باب
من أين تؤنى الجمعة) من حديث عائشة: ((كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم
والعوالى)) (١ - ١٢٣) قال البدر العينى فى " العمدة" (٣ - ٢٧٥) أى
بحضرونها بالنوبة ، وهو من الانتياب، ویروی يتناوبون ( من التناوب) من
النوبة أيضاً .
قوله : يدل على خلاف ما قاله الشافعى . قال الشيخ رحمه الله: اعترض
الإمام الترمذى قول الشافعى فى هذا المقام مع كونه شافعياً مقلداً الإمام الشافعى .
قال المباركفورى فى "نحفته" معترضاً عليه: بأن الترمذى لم يكن.قلداً
الشافعى ولا لغيره ، واعتراضه هذا يدل على أنه لم یکن مقلداً له فإنه ليس من
شأن المقلد الاعتراض على إمامه الخ . قال الراقم : ياليت لو كان يعلم طبقات
المقلدين ودرجاتهم والفروق بينهم، وياليت لوكان يعلم الفرق بين تقليد أكابر
3

٥٦
معارف السفن
ج - ٢
((كنا مع النبى بَِّلّ فى سفر فأذن بلال بصلاة الظهر، فقال النبي صَلٍّ يا بلال
أبرد ثم أبرد)، فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعى لم يكن للإبراد فى ذلك
الوقت معنى لاجتماعهم فى السفر ، وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البعد .
حدثنا: محمود بن غيلان حدثنا أبو داؤد (الطيالسى) قال : أنبأنا شهـة
المحدثين من السلف وبين تقليد المتأخرين. وما قيل فى الترمذى أنه مقلد
الشافعى فمعناه أنه مجتهد منتسب الشافعى ويقلده فى فروع غامضة دقيقة كما
هو دأب تقليد جمهور المحدثين ، ثم هو يعلم من مذهب الشافعى القول القديم له
من رواية الزعفرانى، وكثيراً ما يكون القول القديم متر وكاً عند الشافعية، والترمذى
فى كتابه يجعله مذهباً للشافعى، وقيل إنه مجتهد منتسب إلى أحمد وإسحاق كما يقوله
الشاه ولى اللّه فى " الإنصاف"، وعلى كل حال فهو مجتهد منتسب إلى
الشافعى، وعليه أكثر علماء الطبقات والتراجم، أو إلى أحمد كما هو عند بعضهم،
وإن تقليده فى مسائل فقهية فرعية أو ما وافق رأيه كتقليد الإمام الطحاوى
أبا حنيفة ، وإن هذه الطبقة من المنتسبين فوق أصحاب التخريج وأصحاب الترجيح
وأصحاب التمييز من المقلدين ، وبين كل طبقة مفاوز ليس هذا موضع بيانها ،
وليس اعتراض مثل من فى هذه الطبقة منافياً لتقليده واتباعه فى مسائل أخرى،
وللبسط مجال آخر والله المؤفق .
ويمكن أن يجاب من جانب الإمام الشافعى: بأن الأحوال فى السفر أيضاً
ربما تختلف فتارةً تجتمعون فى ظل شجر واحد وتارة فى ظلال أشجار متفرقة ،
وبمثله تعقبه الكرماني بأن العادة فى العسكر الكثير تفرقهم فى أطراف المنزل
للتخفيف وطلب الرعى فلا نسلم اجتماعهم فى تلك الحالة اهـ. وقال الحافظ ابن
حجر: وأيضاً فلم تجر عادتهم باتحاد خباء کبیر یجمعهم ، بل كانوا يتفر قون فى
ظلال الشجر، وليس هناك كن يمشون فيه الخ . ولا يخفى على المنصف قيمة

٥٧
حجة تأخير الظهر فى الحر
عن مهاجر أبىالحسن عن زيد بن وهب عن أبي ذر: أن رسول الله جذالا﴾ كان فى
سفر ومعه بلال فأراد أن يقيم فقال : أبرد ثم أراد أن يقيم فقال رسول الله
عَّ: أبرد فى الظهر، قال: حتى رأينا فتى التلول ثم أقام فصلى فقال رسول
اللّه عَ لٍ : إن شدة الحر من فيح جهنم فأبردوا عى الصلاة . قال أبو عيسى :
هذا حديث حسن
هذه التأويلات بمقابلة نص صريح، والبدر العينى بحث فى كلام الكرمانى
والعسقلانى، انظر " العمدة" (٢ - ٥٣١).
قوله: فأراد أن يقيم. وفى "صيح البخارى": ((فأراد المؤذن أن يؤذن
للظهر)) ورواية أبى عوانة: ((فأراد بلال أن يؤذن)) فقال البدر فى " العمدة"
والشهاب فى " الفتح": والتوفيق بينهما بأن إقامته ما كانت تتخلف عن الأذان ،
فرواية الترمذى: ((فأراد أن يقيم)) يعنى بعد الأذان، ورواية الصحيح: فأراد أن
يؤذن ثم يقيم اهـ. قال الراقم: الأولى أن يقال : إن المراد أن يؤذن ويقيم
فحفظ كل ما لم يحفظه الآخر ، ولعل الاختلاف على شعبة فروى عنه أبو داؤد
الطبالسى عند الترمذى ( أن يقيم)) وروى آدم بن أبى إياس عند البخارى (( أن
يؤذن)) ورواه غندر عن شعبة عند البخارى: ((أذن مؤذن النبى عَامٍ)) أى أراد
أن يؤذن .
قوله : حتى رأينا فى التلول . وفى بعض ألفاظ الحديث (حتى ساوى
فئ التلول )، وهو فى الصحيح . وقد تقدم تخريجه ، وهذا يدل على تأخير كثير
فإن التلول غير منتصبة بل تكون منبطحة ؛ فمساواة الفئ لها يكون فى مكث
ومهلة ، وحمله النووى على الجمع وقتاً ، وتقدم البحث فيه مفصلاً فراجعه .
وزعم بعض المستغرقين فى السفاهة مع أئمة الدين : أن مراد الحديث: أبردوا
( ٢ - ٨)
أ

٥٨
معارف السنن
ج - ٢
-: باب ما جاء فى تعجيل العصر :--
نارجهنم بأداء صلاة الظهر تعجيلاً لا تأخيراً، هكذا لفظ " العرف الشذى"
تقريباً، ولم أقف على قائله من هو؟ وفى "فتح البارى" (٢ - ١٣): وذهب
بعضهم إلى أن تعجيل الظهر مطلقاً، وقالوا: معنى "أبردوا" صلوا فى أول الوقت
أخذاً من برد النهار وهو أوله، وهو تأويل بعيد برده قوله: ((فإن شدة
الحر من فيح جهنم)) إذ التعليل بذلك يدل على أن المطلوب التأخير ، وحديث
أبى ذر ......... صريح فى ذلك حيث قال: "انتظر انتظر الخ". فلعل مثله يربد الشيخ
. رحمه الله والله أعلم. وقوله " فى التلول" الفئ: يكون بالعشى كما أن الظل يكون
بالغداة ، ماله ثعلب وأنشد :
ولا الفئ من برد العشى تذوق
فلاالظل من برد الضحى تستطيعه
وعن ابن الأعرابى: الظل ما نسخته الشمس ، والفئ ما نسخ الشمس .
وقيل الفئ لا يكون إلا بعد الزوال والظل أعم ، وقيل غير ذلك ، وجمعه
أفياء وفيوء. والتاول جمع تل، قال ابن سيدة: من التراب معروف،
ومن الرمل كومة منه ، وكلاهما من التل الذى هو القاذى جثة، والتل الرابية ،
ومنه تكون مكدوساً وليس بحلقة، من "العمدة" (٢ - ٥٢٧) ملتقطاً.
ملخصاً. وبالجملة ترد عليهم صرائح النصوص فإنه حَّ ال﴾ قال لبلال:
"أبرد أبرد" ثم يقول الراوى: ((حتى ساوى فى التلول)) وأيضاً فى لفظ:
(((أبردوا عن الصلاة )) فكيف يستقيم تأويلهم الركيك.
-: باب ما جاء فى تعجيل العصر :-
قال بتعجيل العصر فى أول وقتها مالك والشافعى وأحمد ، وبتأخيرها
أبو حنيفة وأصحابه والثورى ما لم تتغير الشمس كما فى " شرح المهذب"،
ويأتى تفصيل التغير عندهم ، وقد قدمنا أنه يستحب عندنا تأخير كل صلاة فى

بيان تعليل أحاديث الصلاة فى أول وقتها
حدثنا : قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها
الجملة ما عدا المغرب، وعند الشافعية تعجيل كل صلاة فى الجملة إلا العشاء، فاتفقوا
فى تعجيل المغرب وتأخير العشاء، واستدلوا لتعجيل العصر بحديث الباب وقالوا:
إن الأفضل التبادر إلى العمل، وكذلك استدلوا بقوله تعالى: ( حافظوا على
الصاوات) وبقوله: (فاستبقوا الخيرات) وبقوله: (سارعوا إلى مغفرة من
ربكم) والصلاة من الخيرات وسبب المغفرة كما فى " نهاية المحتاج". وكذا
استدلوا بحديث: ((أى العمل أفضل؟ قال: الصلاة على ميقاتها)) أخرجه
الشيخان البخارى فى (باب فضل الجهاد) (١-٣٩٠) ومسلم فى (باب كون الإيمان
بالله تعالى أفضل الأعمال) (ص - ٦٢) وكذا البخارى فى (المواقيت) بلفظ:
(أى العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها)) (ص ـ ٧٦) من حديث ابن
مسعود بطرق مختلفة. وورد فى حديث: ((أى الأعمال أفضل ؟ قال: الصلاة
فى أول وقتها)) أخرجه الترمذى وأبو داؤد والحاكم من حديث أم فروة ،
وفيه عبد الله بن عمر العمرى وهو ليس بالقوى عندهم ، وذكر الدار قطنى
فى "كتاب العلل" فيه اختلافاً كثيراً واضطراباً كما فى "الزيلعى" (١ -
٢٤١). ورواه الحاكم فى "المستدرك" (١ - ١٨٩) وسكت عليه، وكذا
حكى سكونه الزيلعى . وأخرجه الحاكم من حديث ابن مسعود . طريق عثمان
ابن عمر بن فارس وقال : حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخر جاه اهـ.
انظر التفصيل فى "الزيلعى" (١ - ٢٤١). قال النووى فى "الخلاصة":
أحاديث ((أى الأعمال أفضل قال: الصلاة لأول وقتها)، وأحاديث ((أول الوقت
رضوان اللّه وآخره عفو الله)) كلها ضعيفة. حكاه "الزيلحى" (١-٢٤٣)،
ومر الحافظ ابن حجر فى "التلخيص" على حديث عبد الله ما رواه الحاكم وضعفه.
وانظر تفصيل هذه الأحاديث فى " الزيلعي" و"التلخيص الحبير" فقد ذكرا أن

٦٠
معارف السفن
ج - ٢
قالت: ((صلى رسول اللّه عَلَ العصر والشمس فى حجرتها
الأحاديث كلها معلولة بلفظ: "أول وقتها" وما يشاكله . ونحن معاشر الحنفية تركنا
الأدلة العامة والمجملة وأخذنا بالأدلة الخاصة ، وإن العموم ينفع إذا لم يكن فى
الباب عدة من الخصوص ، فأثبتنا الإسفار بالفجر بحديث خاص ، وكذا
الإبراد بالظهر بأحاديث خاصة ، وكذلك أثبتنا التأخير فى العصر بدليل خاص
كما سيأتى. بقى العشاءان فالتعجيل فى أولاهما والتأخير فى أخراها متفق عليه
بيننا وبينهم . ولينظر المنصف بإمعان نظره أى المنهاجين من الاستدلال - أى
العموم والخصوص - أوفق بالدليل وأقرب إلى القبول .
وأما عمله فٍَِّّ وكذا قوله فى العصر فكان على كلا الوجهين نارة"
بالتعجيل وتارةً بالتأخير فلاحجة فى اختيار جهة واحدة من العمل وإلغاء
أخرى .
قوله : والشمس فى حجرتها . الشمس قد يراد بها قرصها ، وقد يراد
بها ضوءها وهو المراد هنا ، قال الشاعر (١):
قامت نظللنی ومن مجب
شمس تظللنى من الشمس
والحجرة بناء غير مسقف، وإذا كان مسقفاً فهو البيت . قال ابن سيدة:
الحجرة من البيوت معروفة ، سميت بذلك لمنعها الداخل من الوصول إليها .
وفى "الصحاح" و"القاموس": الحجرة الغرفة، وحظيرة الإبل، ومنه حجرة
الدار، والجمع حجر وحجرات - بضمتين- وحجرات- بضمة - من "العمدة"
(٢ - ٥٠٨) .زيادة ونقص. ويقول الحافظ: المراد بالحجرة البيت. قلت:
وفيه نظر سيأتى. ذكر السيد السمهودى فى " وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى"
(١) وهو ابن العميد الكاتب المفلق وقبله :
قامت تظللنى من الشمس
نفس أعز على من نفسى