Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
الوضوء من الريح
حدثنا محمود بن غيلان نا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه عن
أبى هريرة عن النبي صَلّ قال: إن الله لا يقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى
يتوضأ. قال أبوعيسى: هذا حديث حسن صحيح. وفى الباب عن عبد الله بن زيد
وعلى بن طلق وعائشة وابن عباس وأبى سعيد . قال أبوعيسى : هذا حديث
حسن صحيح، وهو قول العلماء: أن لا يجب عليه الوضوء إلامن حدث يسمع صوتاً
أو يجد ريماً. وقال ابن المبارك: إذا شك فى الحدث فإنه لا يجب عليه الوضوء
من الاسم كان الحكم له دون الاسم آه، وراجع البحث الشافى "العمدة" من (١
- ٦٧٢ إلى ٦٧٦) و"الفتح" (١ - ١٦٨) والكتابة هى واسطة بين الحقيقة
والمجاز عند صاحب "التلخيص" والتفتازانى، وعند أصحاب التحقيق من أهل البلاغة
هى حقيقة، وإليه ذهب السبكى فى "عروسه" وابن يعقوب فى "مواهبه" وانظر التحقيق
الشافى فى "عقيدة الإسلام فى حياة عيسى عليه السلام" لإمام العصر شيخنا. والمجاز
المرسل ينكره بعض المحققين راجع "كتاب الإيمان" لابن تيمية، وإذا استعمل
اللفظ فله معنى هو مدلوله اللغوى وله غرض عناه المتكلم ، والغرض قد يكون
أعم من مدلوله أو أخص منه أو مساوياً له ، فالحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع
له، والغرض قد يكون من روادف المداول وتوابعه، فعلى هذا الكتابة تستعمل
فى مداولها اللغوى، والمكنى به هو مدلول للفظ، وغرض المتكلم هو المكنى عنه،
فكذلك هنا الصوت والريح بمعناهما مكنى به ، وتيقن الحدث مكنى عنه ، والبحث
عن الأغراض كان أعنى وأهم، وتعرض البحث علماء المعانى عند بحثهم عن المعانى
الأول وهى مداولات الألفاظ اللغوية وعن المعانى الثوانى اى أغراض المتكلم
راجع ما ذكره فى "المطول" عند قول المائن "فالبلاغة صفة راجعة إلى اللفظ" و
كذلك استعرض البحث علماء أصول الفقه حين عرفوا عبارة النص وإشارة
النص ، فعبارة النص ما سيق لأجله الكلام فليس هو إلا غرض المتكلم، وإشارة
( م - ٣٦)

٢٨٢
معارف السنن
حتى يستيقن استيقاناً يقدر أن يحلف عليه، وقال: إذا خرج من قبل المرأة الريح
وجب عليها الوضوء وهو قول الشافعى وإسراق .
( باب الوضوء من النوم )
حدثنا: إسماعيل بن موسى وهناد ومحمد بن عبيد المحاربى - المعنى
واحد - قالوا نا عبد السلام بن حرب عن أبى خالد الدالانى عن قتادة عنى
النص ما استنبط من فحوى الكلام .
ثم إن النواقض كثيرة ولا حصر فيما ذكر وهى منصوصة ، فالحصر
إضافى والنكتة فى ذكرهما كثرة وقوعها فى المسجد عند انتظار الصلاة، ويوضح
ذلك ما رواه أبو هريرة مرفوعاً: "لا يزال العبد فى صلاة ما كان فى مصلاه
ينتظر الصلاة، وتقول الملائكة اللهم اغفر! اللهم ارحمه حتى بنصرف أو يحدث"
رواه البخارى ومسلم والفظ لمسلم ، فسئل عن الحدث؟ فقال: صوت أو ريح،
فخصهما بالذكر لمناسبتها بالمحل وملائمتها بالموضوع، وأخرج الحديث مخرج
القاعدة المهمة لدفع الوساوس وعدم اعتبارهما وعدم العبرة بالشك الطارى بعد
اليقين .
قوله : وجب عليها الوضوء . واختلف فيه أقوال الحنفية، ففى قول يجب
فى القبل دون الذكر، وفى قول لا يجب فيها لأنه اختلاج لاريح واختاره ابن
الهام. وفى قول يجب فى رمح القبل إذا كانت المرأة مفضاة راجع " السعاية"
و"شروح الهداية".
-: هاب الوضوء من النوم :-
ذهب العلماء فى النوم إلى مذاهب :
الأول : أن النوم لا ينقض الرضوء بحال، وهو محکی عن أبى موسى الأشعرى،
وسعيد بن المسيب وأبى مجاز، وحميد بن عبد الرحمن الأعرج، وقال

٢٨٣
مذاهب العلماء فى النوم
أبى العالمية عن ابن عباس أنه رأى النبى كمية نام وهو ساجد حتى غط أو نفخ
ثم قام يصلى، فقلت يا رسول الله إنك قد نمت: ، قال: إن الوضوء لا يجب
إلا على من نام مضطجعاً، فإن إذا اضطجع استرخت مفاصله. قال أبو عيسى:
وأبو خالد اسمه يزيد بن عبد الرحمن . وفى الباب عن عائشة وابن مسعود و
أبى هريرة .
ابن حزم: وإليه ذهب الأوزاعى، وقول جماعة من الصحابة وغيرهم
منهم ابن عمر ومكحول وعبيدة السلمانى .
ينقض الوضوء على كل حال وهو مذهب الحسن ، والمزنى، وأبى عبيد
الثانى :
القاسم بن سلام ، وابن راهوبه ، وابن المنذر ؛ وروى عن ابن
عباس وأنس وأبى هريرة .
الثالث: كثيره ينقض وقليله لا ينقض بكل حال ، وهو قول الزهرى ،
وربيعة، والأوزاعى فى رواية ومالك وأحمد فى رواية .
الرابع :
لا ينقض الوضوء إذا نام على هيئة من هيئات الصلاة ، سواء كان فى
الصلاة أو لم يكن، فإن نام مضطجعاً أو مستلقياً على قفاه انتقض ،
وهو قول أبى حنيفة وسفيان ، وحماد بن أبى سليمان .
الخامس: لا ينقض إلانوم الراكع، وهو قول عن أحمد .
السادس: لا ينقض إلاثوم الساجد، روى عن أحمد أيضاً .
السابع : من نام ساجداً فى مصلاه فلا ينقض ، وإن نام ساجداً فى غير صلاة
ينقض ، وإن تعمد النوم فيها فعليه الوضوء، وإليه ذهب ابن المبارك .
الثامن : لا ينقضه فى الصلاة وينقضه خارج الصلاة ، وهو قول الشافعى.
التاسع : إذا نام جالساً ممكنا مقعده من الأرض لم ينقض قل أوكثر كان فى
الصلاة أو خارجها، وهو مذهب الشافعى كما فى "العمدة" (١-٨٦٤)
وما بعدها .

٢٨٤
معارف الشين
حدثنا: محمد بن بشار نا يحيى بن سعيد على شعبة عن قتادة عن أنس
ابن مالك قال: كان أصحاب رسول اللّه عَلَّ ينامون ثم يقومون فيصلون
ولا يتوضئون .
قال الشيخ ابن الهام فى "الفتح" (١ - ٣٢) ما ملخصه: ظاهر
مذهب أبى حنيفة عدم النقض باستناد ما دامت المقعدة متمسكة على الأرض
للأمن من الخروج ، ولكن الانتقاض مختار الطحاوى والقدورى وصاحب
"الهداية" لأن مناط النقض الحدث لاعين النوم، فلماخفى بالنوم أدير الحكم
على ما ينتهض مظنة له . ولذا لم ينقض نوم القائم والراكع والساجد ، ونقض
فى المضطجع ؛ لأن المظنة منه ما يتحقق منه الاسترخاء على الكمال ، وتمكن
المقعدة مع غابة الاسترخاء لا يمنع الخروج ، إذ قد يكون الدافع قوية خصوصاً
فى زماننا لكثرة الأكل فلا يمنعه إلا مسكة اليقظة اهـ. وأيضاً حكى ابن الهام
عن "كتاب الأسرار": لا يكون النوم حدثاً فى حال من أحوال الصلاة
وكذا قاعداً خارج الصلاة، ثم حكى عن "فتاوى قاضيخان" أونام فى ركوعه
أو سجوده إن لم يتعمد لا تفسد ، وإن تعمد فسدت فى السجود دون الركوع ،
قال : وكأنه مبنى على قيام المسكة فى الركوع دون السجود ، ومقتضى النظر
أن يفصل فى ذلك السجود، إن كان متجافياً لا يفسد للمسكة وإلا يفسد
اهـ. وحديث الباب أعله طائفة من المحدثين، وأعله أحمد، والبخارى ،
والترمذى ، وأبو داؤد ، وإبراهيم الحربى ، وذلك لأن مداره على أبى خالد
الدالانى وتفرد به ، وأنكر سماعه من قتادة انظر "نصب الراية" (١ - ٤٤
و ٤٥) و"الدراية" (ص - ١٣) وصححه ابن جرير فى "تهذيب الآثار"
كما حكاه الحافظ علاء الدين فى "الجوهر النقي" (١ - ١٢١) المطبوع فى
" ذيل البيهقى". قال الراقم : كون مذاهب الفقهاء كحماد بن أبى سليمان ،
وأبى حنيفة، والثورى، والشافعى، وابن المبارك وغيرهم على وفق هذا

٢٨٥
لوم الأنبياء لا ينقض الوضوء
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وسمعت صالح بن عبد الله
يقول: سألت ابن المبارك عمن نام قاعداً معتمداً؟ فقال: لا وضوء عليه . قال:
وقد روی حديث ابن عباس سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن ابن عباس قوله
ولم يذكر فيه أبا العالية ولم يرفعه. واختلف العلماء فى الوضوء من النوم ، فرأى
أكثرهم أنه لا يجب عليه الوضوء إذا نام قاعداً أو قائماً حتى ينام مضطجعاً، وبه
يقول الثورى وابن المبارك وأحمد. وقال بعضهم: إذا نام حتى غلب على عقله
وجب عليه الوضوء، و به بقول إسحاق . وقال الشافعی: من نام قاعداً فرأى رؤيا
أو زالت مقعدته لوسن النوم فعليه الوضوء .
الحديث فى الجملة بدل على تلقيه بالقبول عندهم ، فيلزم منه تصحيحهم لهذا
الحديث، وتصحيح مثل هؤلاء الكبار من الفقهاء ينبغى أن يقدم على تعليل هؤلاء
المحدثين ألبتة، علا أن الدالانى وثقه ابن معين، والنسائى، وأحمد بن حنبل. وقال
الحاكم: إن الأئمة المتقدمين شهدوا له بالصدق والإتقان کما فى "التهذيب" من الكنى
والله أعلم. ولعله لأجل هذه الوجوه صححه ابن جرير الطبرى، وذكروا فى جملة
وجوه إعلاله: أن النبي ◌َّه كان محفوظاً، وقالت عائشة: "قال النبى تَّ تنام
عينى ولاينام قلب" ذكره أبو داؤد فى " سننه» (باب فى الوضوء من النوم)
وكأنهم يريدون أنه معارض لذلك الحديث أو أن الجواب لا بلأئم السؤال ؛
لأن السؤال كان عن نومه فكان حق الجواب أن يقول: إن نوم الأنبياء لا ينقض
الوضوء أو ما يشاكله ؛ فقال شيخنا : التعليل بمثل هذا من وظائف المجتهدين
والفقهاء لا الحدثین، وإنما وظیفة المحدث ومنصبه نقد الحديث على أصول الإسناد من
البحث فى الرجال واختلاف الرواة والإرسال والانقطاع والوقف والرفع وما
أشبه ذلك . وبالجملة مثل ذلك التعليل لا يصلح وجهاً للتضعيف . قال شيخنا :
٢٠ بل أقول: ما أجاب به ◌َّ ل هو أنسب بالمقام لأنه عَلّ بين قاعدة وأصلاً فى
الباب يعم كل أحد ، فالجواب بمثل هذا من محاسن الخطاب لأن عدم نقض

٢٨٦
معارف انستن
( باب الوضوء مما فيرت النار )
حدثنا : ابن أبى عمرنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة
الوضوء بالنوم من خصائص الأنبياء، فلو أجابه بذلك لم يفد تلك الفائدة التى
أفادها جوابه حيث علم بذلك ما هو المناط فى الأمر والمدار فى الباب، فكأن
الجواب على أسلوب الحكيم حيث أعرض عن جواب سؤاله وتصدى لجواب
آخر أنفع فى المقام وأحوى فائدة فى الموضوع والله أعلم . قال شيخنا :
والحديث عندى قوى يصلح للاحتجاج. قال الراقم: وذلك لأن أبا خالد وثقه
أبو حاتم وقال أحمد والنسائى وابن معين: لا بأس به . وقال الذهبي: حسن
الحدیث ذكره فى"التهذيب" فیالکنی فی الجزء الثانىعشر، ويؤيده حديث موقوف
جيد الإسناد رواه البيهقى من طريق يزيد بن قسيط عن أبى هريرة أنه سمعه يقول:
" ليس على المحتبى النائم ولاعلى القائم النائم وضوء حتى يضطجع فإذا اضطجع
توخاً" .
(فائدة) قال القاضى أبو بكر ابن العربى: تتبع علماؤنا مسائل النوم المتعلقة
بالأحاديث الجامعة لتعارضها فوجدوها أحدعشر حالاً ، ماشياً وقائماً ومستنداً
وراكعاً وقاعداً متربعاً ومحتبياً ومتكئاً وراكباً وساجداً ومضطجعاً ومستقراً، وهذا
فى حقا. فأما سيدنا رسول اللّه جَلالٍ فمن خصائصه أنه لاينقض وضوءه بالنوم
مضطجعاً ولا غير مضطجع اه حكاه العينى فى " العمدة" (١ - ٨٦٥).
-: باب الوضوء مما غيرت النار :-
ذهب جمهور الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة إلى عدم وجوب الوضوء
ممامسته النار، وروى مالك فى " مؤطئه" ذلك عن الخلفاء الأربعة الراشدين،
وكان فيه خلاف فى الصدر الأول ، ثم استقر الإجماع على عدم الوضوء منه
حكاه فى " فتح البارى" عن النووى (١ - ٢١٧ ) وانظر " العمدة"

٢٨٧
الوضوء مما غيرت النار
عن أبى هريرة قال قال رسول اللّه فَلالٍ: الوضوء مما مست النار ولو من
(١-٨٥٩) ويقول الشاه ولى الله فى شرحيه على المؤطا" المسوى" و"المصفى"
(١ - ٣٧): عامة أهل العلم على أن الوضوء ممامسته النار منسوخ؛ وتأول
بعضهم على غسل اليد والفم ، قال قتادة: من غسل فمه فقد توضأ اهـ . وقال
فى " حجة الله البالغة" (١ - ١٧٧): والثالثة - أى من موجهات الوضوء -
ما وجد فيه شبهة من لفظ الحديث، وقد أجمع الفقهاء من الصحابة والتابعين
على تركه كالوضوء ممامسته النار، فإنه ظهر عمل النبي ◌َّ لَهُ والخلفاء وابن عباس
وأبى طلحة وغيرهم بخلافه ، وبين جابر أنه منسوخ؛ وكان السبب فى الوضوء
منه أنه ارتفاق كامل لا يفعل مثله الملائكة ، فيكون سبباً لانقطاع مشابهتهم ؛
وأيضاً فإن ما يطبخ بالنار يذكر نار جهنم ، ولذا نهى عن الكى إلا لضرورة
الخ ، فلعله يريد أنه لم يكن أمراً مؤكداً بل كان ذلك تزكية النفس ومجلبة الطمانينة
وتشبهاً بالملائكة. وقال الخطبى فى "معالم السنن" (١ -- ٦٩): أحاديث
الأمر محمولة على الاستحباب لا الوجوب اهـ، وحكاه الحافظ فى "الفتح" أيضا
والأولى أن يقال إنه مستحب للخواص ، وذكر ذلك ليس من وظائف الفقهاء
فلا يتعرضون إليه ، ويكاد يكون ما أشار إليه فى " الحجة البالغة ".
ولفظ حديث الباب يفيد القصر، فإن المسد إليه معرف، والمسند مشتمل
على ما يعين القصر، وألطف ما قيل إن ينتصر إضافى بالنسبة إلى ١٠ يدخل
لا ما يخرج، فكأنه قيل: الوضوء ممامسته النار مما دخل فقط، أى فلاوضوء مما
دخل إلا ممامسته النار، ويؤبده حديث فى هذا المعنى: الوضوء مما خرج وليس
مما دخل ، والصوم - أى الفطر للصوم - ما دخل وليس مما خرج، وهو فى
" مجمع الزوائد" (١ - ٢٤٣) عن وائل بن داؤد عن إبراهيم قوله ورواه
الطبرانى فى "الكبير" ورجاله موثقون ورواه (٣-١٦٧) عن عائشة عند أبى بعلى
مر فوعاً بلفظ " إنما الإفطار مما دخل وليس ما خرج" والطر التفصيل فى

٢٨٨
معارف السنن
ثور أقط. قال فقال له ابن عباس: أنتوضأ من الدهن أنتوضأً من الحميم ؟ فقال
أبو هريرة: يا ابن أخى إذا سمعت حديثاً عن النبى فحَّالٍ فلا تضرب له مثلاً. وفى
الباب عن أم حبيبة وأم سلمة وزيد بن ثابت و أبى طلحة وأبی ایوب وأبى موسى.
قال أبو عيسى (قد رأى بعض أهل العلم الوضوء مما غيرت النار، وأكثر أهل
العلم من أصحاب ادبى ◌َّ ◌ُلّ والتابعين ومن بعدهم على ترك الوضوء مما غيرت
النار .
( باب فى ترك الوضوء مما فيرت النار )
حدثنا: ابن أبى عمر نا سفيان بن عيينة نا عبد الله بن محمد بن عقيل سمع
"نصب الراية" (٢ - ٤٥٤). قال شيخنا : والذى أراه أن القصر إنما
يكون فى الجملة الاسمية الغير المعدولة عن الفعلية لا مطلقاً، وأما فى حديث
الباب فالجملة هنا معدولة هن الفعلية ، ومما يدل على ذلك أن الحديث روى
فى بعض طرقه بلفظ: "توضئوا مما مست النار" بصيغة الأمر فكانت فعلية ؛
غير أنى لم أرتصريحاً على ذلك من أحد من أهل الفن. فإن قلت: "الحمد لله" جملة
معدولة عن الفعلية وهى دالة على القصر ؛ قلت : المعدولة لو كانت فيها
رائحة الفعلية فلاقصر فيها ، وإلا كان فيها القصر. ومن ههنا انحل ما أشكل
على الزمخشرى أن جملة "السلام عليكم" تدل على القصر على مقتضى قواعدهم ولم يقل
بالقصر فيها أحد حيث إن هذه معدولة عن الفعلية وفيها رائحة الفعلية .
قوله : ثور أقط: أى قطعة من الجبن، وهو فى الأصل القروط بالتركية
والفارسية وهو الجبن اليابس المتحجر لا غير كما حققه العينى فى "العمدة"
أيضاً .
-: باب فى ترك الوضوء مما غيرت النار :-
مربيان حكم المسألة فى الباب السابق .

٢٨٩
تحقيق الشاة وغيره
جابراً، قال سفيان: وحدثنا محمد بن المنكدر عن جابر قال: خرج رسول الله فيًا
وأنا معه فدخل على امرأة من الأنصار فذبحت له شاة فأكل وأنته بقناع من رطب
قوله : فذبحت له شاة، الشاة يعم ذوات الوبر والشعر، واسم جنس بقع
على الذكر والأنثى، ومثله الغنم ؛ والضأن يختص بذات الوبر ويعم الذكر والأنثى؛
والمعز يخص ذات الشعر ذكراً كان أو أنثى ، والتاء فى الشاة وفى مثلها الوحدة
لا للتأنيث، وعليه جمهرة أهل اللغة. قال شيخنا: إلا أن المبرد فى " الكامل»
وابن السكيت فى " إصلاح المنطق" ذهبا إلى أنه يراعى المورد والواقعة عدد
استناد الفعل ، فيذكر الفعل إذا كان ذكراً ويؤنث إذا كانت أنثى ، فيعلم من
تذكير الفعل كونه ذكراً ومن تأنيثه كونها أنثى ، ومن أجل هذا ادعى
أبو حنيفة أن النملة فى قوله تعالى: " قالت نملة"، كانت أنثى حين ناظر قتادة كما
حكاه الزمخشرى فى " الكشاف" (سورة النمل) (٢ - ١٣٨) واللسفى فى
"المدارك" (١).
قوله : القناع: هو الطبق . والعلالة هى: البقية .
(١) تلبيه: ذكر الخطيب فى " تاريخه" فى الجزء الرابع عشرة مناظرة
أبى حليفة مع قتادة حين دخل الكوفة فذكر ثلاثة أسئلة غير ذلك ، ولم يذكر
هذا فيها والله أعلم، ولكن يؤيد ذلك ما قال الإمام الحافظ الزيلعى فى " نصب
الرابة" (١ - ٣٨٧): قال الجوهرى: والجهمة تقع على المذكر والمؤنث ،
قال المنذرى فى "مختصره": وفى قوله عليه السلام الراعى: "ما ولدت؟ قال:
بهمة"، بدل على أنها اسم للأنثى وإلا فقد على أنها ولدت أحدهما اهـ. وعلى هذا
فما ذكره ابن المنير فى " الانتصاف" تحامل على صاحب " الكشاف" لا غير
ذكر الطيبى فى " شرح المشكاة " فى (باب السجود): قول أبى حليفة فى
نملة سليمان عليه السلام عن "الكشاف" ثم ذكر إيراد ابن حاجب عليه بأنه
( م - ٣٧)

٢٩٠
معارف السنن
فأكل منه ثم توضأ للظهر وصلى ثم انصرف فأتته بعلالة من علالة الشاة ، فأكل
ثم صلى العصر ولم يتوضأ. وفى الباب عن أبى بكر الصديق ، ولا يصح حديث أبى بكر
فى هذا من قبل إسناده إنما رواه حسام بن مصك عن ابن سيرين عن ابن
عباس عن أبى بكر الصديق عن النبى معَله، والصحيح إنما هو عن ابن عباس
عن النبى مَ لج هكذا رواه الحفاظ، وروى من غير وجه عن ابن سيرين عن
ابن عباس عن النبى معَّ له ورواه عطاء بن يسار وعكرمة ومحمد بن عمرو بن
عطاء وعلى بن عبد الله بن عباس وغير واحد عن ابن عباس عن النبى معَا﴾
ولم يذكروا فيه عن أبى بكر الصديق وهذا أصح. وفى الباب عن أبى هريرة
وابن مسعود وأبى رافع وأم الحكم وعمرو بن أمية وأم عامر وسويد بن
النعمان وأم سلمة . قال أبو عيسى : والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من
أصحاب النبي صَلّم والتابعين ومن بعدهم، مثل سفيان وابن المبارك والشافعى
وأحمد وإسحاق رأوا ترك الوضوء مما مست النار، وهذا آخر الأمرين من رسول
قوله : وهذا آخر الأمرین ، وفی حدیث جابر نفسه عند أبی داؤد ( باب
ترك الوضوء مما مست النار) "قال: كان آخر الأمرين من رسول اللّه ◌َ ا} فرك
الوضوء مما غيرت النار" فكان هذا مرفوعاً فعلاً، وزعم القوم أنه حكم عام
فيكون ناسفاً ولكن صنيع أبى داؤد يشير إلى أنه آخر الأمرين فى واقعة معينة فى
يوم واحد فإنه يقول : قال أبو داؤد وهذ اختصار من الحديث الأول اهـ،
فلايتم الاستدلال بكونه نائضاً على الإطلاق كذا أفاده شيخنا رحمه الله، لكن ابن
حزم فى " المحلى" (١ - ٢٤٣) يرد هذا ويقول: القطع بأن ذلك الحديث
مختصر قول بالظن .... بل هما حديثان كما وردااهـ، ويؤيد ابن حزم ما
يجوز أن يكون التأنيث لأجل التأنيث اللفظى ثم رده، وأيد كلام أبى حنيفة
بكلام ابن السكيت ثم قال: فالقول ما ذكره الإمام اهـ حكاه فى " المرقاة"
(١ - ٥٤٨ ) فراجعه.

٢٩١
تعريف اللسخ
اللّه ◌ُعَ لٍّ ، وكان هذا الحديث "سخ الحديث الأول حديث الوضوء مما مست
النار.
فى "مسند أحمد" من طريق محمد بن إسحاق عن ابن عقيل فإن فيه أن النبى
أكل هو ومن معه ثم بال ثم توضأ، وأنه أكل بعد ذلك هو ومن معه ثم
صلوا العصر ولم يتوضئوا، فهذا يدل على أن الوضوء الأول كان للحدث وليس
من أكل ما مست النار حتى يصح أن يسمى الفعل الثانى بأكله ، ثم صلاته من
غير أن يتوضأ آخر الأمرين لأنها فعلان ليسا من نوع واحد، كذا قاله بعض
العلماء . قال الراقم : إن استدلال الجماهير من السلف والخلف بأنه آخر الأمرين
بالمعنى المتعارف برد ذلك ، وفيهم مثل سفيان والشافعى وابن المبارك وأحمد
والترمذى؛ وكذا علاء الدين الماردينى استبعد ما ادعاه أبو داؤد ، وفى
"التلخيص الحبير" من حديث محمد بن سلمة (ص-٤٢) عند الطبرانى ولفظه:
"أكل آخر أمره لحماً ثم صلى ولم يتوضأ" وانظر " فتح الملهم " لشيخنا
العثمانى.
فائدة: النسخ فى اصطلاح المتأخرين من أصحاب أصول الفقه معروف ،
وهو رفع حكم شرعى بدليل شرعى متراخ عنه ، وله شروط خمسة انظر التفصيل
فى محله؛ ويسمى هو بيان التبديل أيضاً، والنسخ فى الحقيقة انتهاء الحكم بانتهاء
العلة ، فكان المنسوخ حكماً موقتاً مؤجلا، ولعدم علمنا بأجله صار كأنه نسخ
بعد ما ثبت ، فهو فى الحقيقة انتهاء أحد الحكم كما عرفه به بعض المحققين من
علماء الأصول ، وأما عند القدماء فيعم تخصيص العام وتعميم الخاص وتقييد
المطلق وإطلاق المقيد وتفسير المجمل ، ويستعمله الإمام الحافظ أبو جعفر الطحاوى
على معنى أوسع منه فيطلقه على ثبوت أمر نعلم خلافه ، وإن كان الأمران بقيا
محكمين فليتنبه له فإن القوم عنه فى غفلة .

٢٩٢
معارف السنن
( باب الوضوء من لحوم الابل)
حدثنا هنادنا أبو معاوية عن الأعمش بن عبد الله بن عبد اللّه عن عبد الرحمن
ابن أبى ليلى عن البراء بن عازب قال: سئل رسول اللّه ◌َ له على الوضوء من لحوم
الإبل؟ فقال: توضئوا منها، وسئل عن الوضوء من لحوم الغنم؟ فقال: لا تتوضئوا
-: باب الوضوء من لحوم الإبل :-
ذهب أحمد بن حنبل إلى وجوب الوضوء من لحم الإبل مطبوخاً كان أو
نياً، والأمر بالوضوء عنده من لحم الإبل حكم مستقل لالكونه مما مسته النار، فلا
يلزم نسخه ، ولهذا ينقض الوضوء وإن كان نياً . أنظر تحقيق مذهبه وتفصيله
فى "المغنى" لابن قدامة من (١ - ١٨٣ إلى ١٩١) قال: وفيا سوى الحم
من أجزاء البعير من كبده وطحاله وسنامه ودهته ومرقه وكرشه ومصراته
وجهان الخ. قال أحمد: فيه حديثان صحيحان عن النبى قبل حديث البراء وحديث
جابر بن سمرة كذا فى "المغني" (١ - ١٨٤) ومثله حكاه الترمذى عن إسحاق
وأطال ابن تيمية فى تأييد هذا المذهب فى "فتاواه" وقال جمهور الفقهاء مالك
وأبو حنيفة والشافعى وغيرهم: لا ينقض الوضوء بحال، والمراد بالوضوء غسل
اليد والفم عندهم ، وذلك لأن الحم الإبل دسماً وزهومةً وزفراً بخلاف لحم
الغنم ، ومن أجل ذلك جاءت الشريعة بالفرق بينهما. وينكر ابن تيمية ثبوت
هذا المعنى الوضوء غير ما تعورف فى الحديث. قال شيخنا : وهذه غفلة
حيث ثبت الوضوء بذلك المعنى فى عرف الشرع ولسان الحديث، منها: حديث
عكراش عند الترمذى وفيه: فغسل رسول الله حَخليل بده وسمح ببلل كفيه
وجهه وذراعيه ورأسه، وقال: يا حكرائن هذا الوضوء مما غيرت
النار ، رواه الترمذى فى (الأطعمة) وفيه العلاء بن الفضل وقد تفرد
به وهو ضعيف، وأخرجه أبو بشر الدولانى الحنفى الحافظ فى " الكنى

٢٩٣
أدلة نجاسة الأبوال والرجيع
منها ، وفى الباب عن جابر بن سمرة وأسيد بن حضير . قال أبو عيسى : وقد
روى الحجاج بن أرطاة هذا الحديث عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن
أبى ليلى عن أسيد بن حضير. والصحيح حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء
ابن عازب، وهو قول أحمد واساق، وروى عبيدة الضبى عن عبد الله بن عبد الله
والأخماء »
ومنها : حديث سلمان عند الترمذى أيضاً مرفوعاً : "بركة الطعام الوضوء
قهله والوضوء بعده" .
ومنها : ما فى "كنز العمال" (٥ - ٧٩) من (كتاب الطهارة) عن
أبى أمامة: "إذا كان أحدكم على وضوء فأكل طعاماً فلايتوضأ إلا أن يكون
لبن الإبل، إذا شربتموه فتمضمضوا بالماء " رواه الطبرانى والضياء.
ومنها : ما روى عن معاذ بن جبل قال : كنا نسمى غسل الفم واليد
وضوءً وليس بواجب .
ومنها: ما روى عن ابن مسعود أنه: غسل يديه من حمام ثم مسح وجهه
وقال: هذا وضوء من لم يحدث أخرجها الزيلعى فى "نصب الراية »
(١ -٤١) .
بومنها: ما ثبت عن على عند النسائى (١ - ٣٢) وأبى داؤد حين مسح
وجهه وذراعيه ورأسه ورجله وقال : هذا وضوء من لم يحدث .
ويقول الشاه ولى الله الدهلوى فى "حجة الله البالغة" (١ - ١٧٧): أما لحم
الإبل - فالأمر فيه أشد - لم يقل به أحد من فقهاء الصحابة والتابعين ،
ولا سبيل إلى الحكم بنسخه فلذلك لم يقل به من غلب عليه التخريج ، وقال به
أحمد واسحق، وعندى أنه ينبغى أن يحتاط به الإنسان ..... والسر فى إيجاب
الوضوء من لحوم الإبل على قول من قال به أنها كانت محرمة فى التوراة ،
واتفق جمهور أنبياء بنى اسرائيل على تحريمه ، فلم أباح الله لنا شرع الوضوء

٢٩٤
معارف السنن
الرازى عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن ذى الغرة . وروى حماد بن سلمة هذا
الحديث عن الحجاج بن أرطاة، فأخطأ فيه، وقال: عن عبد الله بن عبد الرحمن
ابن أبى ليلى عن أبيه عن أسيد بن حضير، والصحيح عن عبد الله بن عبد الله
الرازى عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن البراء بن عازب قال اسماق: أصح ما فى
منها لمعنيين: أحدما أن يكون الوضوء شكراً لما أنعم الله علينا من إباحتها بعد
تجربمها على من قبلنا؛ وثانيهما: أن يكون الوضوء علاجاً لما عسى أن يختلج فى
بعض الصدور من إباحتها بعد ما حرمها الأنبياء من ،ى إسرائيل ، فإن النقل
من التحريم إلى كونه مباحاً يجب منه الوضوء أقرب لاطمئنان نفوسهم ؛
وعندى أنه كان فى أول الإسلام ثم نسخ اهـ. قال شيخنا: والأولى عندى أن
يقال أنه مستحب لخواص الأمة ، وليس تشريعاً عاماً والله أعلم .
قوله : عن ذى الغرة الجهنى، بالغين المعجمة يقال : اسمه يعيش ، وقيل
لقب البراء بن عازب، ذكر الأول فقط فى "الاستيعاب" (١ - ١٧٥) و
"الإصابة" (١ - ٤٨٧) وفى "الاستيعاب": ويقال الطائى والهلالى اهـ .
وأما الثانى ذحكاه ابن حجر فى " التلخيص " بلفظ : قبل مبها، ورده
ومن قاله فلعل منشأ ذلك عندی أن الحدیث روی بعضهم عن ابن أبى ليلى عن
ذى الغرة، وبعضهم عن ابن أبي ليلى عن البراء بن عازب، فظن أنها واحد،
ولم يذكر فى "الاستيعاب" ولا " الإصابة" أن البراء لقيه ذو الغرة، فلعل
الصواب أن يقال أن الحديث من رواية البراء كما قاله الترمذى وابن أبى حاتم
فى "العمل" (١ - ٢٥) وذو الغرة اسمه يعيش، ولا علاقة له بهذا الحديث،
نعم وحديث كما فى " الاستيعاب" فى النهى عن الصلاة فى أعطان الإبل
والأمر بالوضوء من لحومها فلعله حديث آخر بمعناه راجع "الاستيعاب" و"الإصابة"
من ذى الغرة ، و "الفتح الربانى" (٢ - ٩٤) و " الزوائد" الهيثمى
(١ - ٢٥٠ ).

٢٩٥
الوضوء من مس الذكر
هذا الباب حديثان عن رسول الله
عـ
وسيؤٌ
صَ لى الله
حديث البراء وحديث جابر بن سمرة .
( باب الوضوء من مس الذكر )
حدثنا : اسحاق بن منصور نا يحيى بن سعيد القطان عن هشام بن عروة
قال أخبرنى أبى عن بسرة بنت صفوان أن النبى حَ لّ قال: من مس ذكره فلايصل
حی بتوضأ . وفى الباب عن أم حبيبة وأبى أبوب وأبى هريرة وأروى ابنة أنيس
وعائشة وجابر وزيد بن خالد وعبد الله بن عمرو. قال أبو عيسى: هذا حديث
حسن صحيح، هكذا روى غير واحد مثل هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن
بسرة، وروى أبو أسامة وغير واحد هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه
-: باب الوضوء من مس الذكر :-
ذهب مالك والشافعى وأحمد إلى نقض الوضوء بمس الذكر، ثم قيل مطلقاً،
وقيل إذا كان بباطن الكف، وقيل إذا كان بغير حائل ، وقيل إذا كان بشهوة
والتذاذ، وقيل إذا كان عامداً. ورأى قوم أن الوضوء من مسه سنة لا واجب.
قال أبو عمر ابن عبد البر: وهذا الذى استقر من مذهب مالك عند أهل المغرب
من أصحابه حكاه ابن رشد فى "البداية " انظر تفصيل المذاهب فى " المغنى "
(١ - ١٧٣). وذهب أبو حنيفة وسفيان الثورى وجماعة من السلف إلى عدم
الوضوء منه، وحديث الباب حجة للفريق الأول، وهو حديث بسرة بنت صفوان،
والقوم فيه كلام من وجوه، والحق أنه حديث مما يحتج به ، وحجة الفريق
الثانى ما يتلوه فى الباب اللاحق ، وهو حديث قيس بن ظلق بن على عن أبيه ،
وهو أيضاً حديث قوى، ولا يمكن الحجازبين اسقاطه، وقد أيدته آثار الصحابة
وفتاواهم ، وقد قال ابن المدينى: حديث ملازم بن عمرو أحسن من حديث
بسرة أسنده الطحاوى (١ - ١٦) وقال عمرو بن على الفلاس: حديث طلق
أثبت من حديث بسرة. حكاه الزيلعى فى "نصب الراية". قال شيخنا: والأحسن

٢٩٦
معارف السنتر
عن مروان عن بسرة عن النبى معَّ لل ثنا بذلك إسحاق بن منصور أنا أبو أسامة
بهذا، وروى هذا الحديث أبو الزناد عن عروة عن بسرة عن النبى جَلي حدثنا
بذلك على بن حجر حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عروة عن
بسرة عن النبى ◌ّجل نحوه، وهو قول غير واحد من أصحاب النبي صَلّ والتابعين
عندى فى الجواب عن حديث الباب أن يقال أنه مستحب لخواص الأمة الوضوء
منه كما قات فى الوضوء ممامسته النار وفى الوضوء من لحم الجزور ، وقال ابن
الهام فى "الفتح" (١ - ٣٨) - فى طريق الجمع بينهما : مس الذكر كفاية
عما يخرج منه ، وهو من أسرار البلاغة يسكتون عن ذكر الشئ ويرمزون
إليه بذكر ما هو من روادفه، فلما كان مس الذكر غالباً يرادف خروج الحدث
منه ويلازمه هبر به عنه كما عبر تعالى بالمجئى من الغائط عما يقصد الغائط لأجله
ويحل فيه فيتطابق طريقا الكتاب والسنة فى التعبير، فيصار إلى هذا لدفع التعارض
اهـ ، وفى صورة الترجيح رجح حديث قيس بن طلق لوجوه فراجعه. أقول :
وصورة التطبيق الذى ذكره مشكل، لأن الصحابة لم يفهموه كذلك ولا جعلوه
كناية بل على مقتضاه مذاهب كثير من الصحابة كابن عمر وأبى هريرة وابن
عباس وغيرهم ، ثم كثير من التابعين كعطاء والزهرى وابن المسيب ومجاهد
وغيرهم ثم كثير من فقهاء الأمة والله أعلم .
قال شيخنا: وأظن أن الاختلاف مبناه على الاختلاف فى أصول نواقض
الطهارة ، فالحجازيون عندهم أضلان: الأول الإتيان من الغائط، وتقحوا مناظه
بالخارج من السبيلين؛ والثانى ملامسة النساء، ومن ملحقاته مس الذكر،
والجامع بينهما الشهوة ، وصح الحديث فيه أيضاً. وعند أبى حنيفة أصل
واحد وهو الإتيان من الغائط، ونقح مناطه بخروج نجس عن البدن ، وأراد من
الملامسة فى قوله تعالى " أولا مستم النساء" الجماع فارجعها إلى أصله قال:
والأولى فى تنقيح مذهب أبى حنيفة أن يقال أن مذهبه فى تقرير الأصلين

٢٩٧
ترك الوضوء من مس الذكر
وبه يقول الأوزاعى والشافعى وأحمد وإسحاق . قال محمد: أصح على فى
هذا الباب حديث بسرة . وقال أبو زرعة حديث أم حبيبة فى هذا الباب أصح
وهو حديث العلاء بن الحارث عن مكحول عن عليسة بن أبى سفيان عن أم
جپيبة . وقال محمد: لم يسمع مکحول من علمسة بن أبى سفيان، ور وی مکحول
عن رجل عن عليسة غير هذا الحديث، وكأنه لم يرهذا الحديث صحيحاً .
( باب ترك الوضوء من مس الذكر)
حدثنا: هنادنا ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق بن
كالحجازيين، والمراد من الملامسة المباشرة الفاحشة ، فتعم الجماع ولمس المرأة ،
فلا تدخل إذن فى الإتيان من الغائط المنتج مناطه بخروج النجس من البدن بل
يكون أصلامستقلا، وإذن تشتمل الآية فى التيمم أيضاً على بيان الحدث الأصغر
والأكبرعلى وزان ما اشتملت عليه فى بيان الطهارة الصغرى والكبرى عند وجود
الماء، وفى كلتيهما تيمم على صفة واحدة . والمباشرة الفاحشة يجب منها الوضوء مطلقاً
سواء تيقن خروج شئ أو لم بتقن ، هذا عند أبى حنيفة وأبی بوسف، وأما
عند محمد فلا إلا أن يتبقى خروج شئى، وقال ابن الهام فى "الفتح" (١-٣٧)
مؤيداً مذهب الشيخين: قلنا يندر عدم مذى فى هذه الحالة ، والغالب كالمتحقق
فى مقام وجوب الاحتياط اهـ. وفيه نظر لأن الأمر ينفصل بالرؤية والعلم .
قوله : قال أبو زرعة . هو الإمام أبو زرعة الرازى أحد الأعلام الحفاظ
معاصر البخارى وشيخ مسلم اسمه عبيد الله بن عبد الكريم، وهو الذى يقول فيه
ابن بشار شيخ البخارى ومسلم : حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالرى، ومسلم
ابن الحجاج ينيسابور، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمى بسمرقند، ومحمد بن
إسماعيل ببخارى. انظر ترجمته فى "خلاصة الخزرجى" (ص - ٢١٣) و
"شذرات الذهب" (٢ - ١٤٨) توفى سنة مائتين وأربع وستين اهـ .
-: باب ترك الوضوء من مس الذكر :-
(م .- ٣٨)

٢٩٨
معارف السنن
على الحنفى عن أبيه عن النبى معَّ قال: وهل هو إلا مضغة منه أو بضعة منه. و
فى الباب عن أبى أمامة . قال أبو عيسى: وقد روى من غير واحد من أصحاب النبي
وَخلال وبعض التابعين أنهم لم يروا الوضوء من مس الذكر، وهو قول أهل الكوفة
وابن المبارك ، وهذا الحديث أخسن شى روى فى هذا الباب، وقد روى هذا
الحديث أيوب بن عتبة ومحمد بن جابر عن قيس بن طاق عن أبيه، وقد تكلم بعض
حديث الباب حجة للعراقیین وهو حديث قوی أخرجه أحمد ، وأبو داؤد،
والنسائى، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي
فى "تلخيصه» على تصحيحه . وصححه الطبرانى وابن حزم، ومر قول ابن
المدينى وعمرو بن على الفلاس . وقال ابن قدامة المقدسى فى "المحرر"
(ص - ١٩): أخطأ من حكى الاتفاق على ضعفه الخ يريد أنه ثبت تصحيحه
عن جماعة ، فبطل نقل الاتفاق على التضعيف .
قوله : وقد روى هذا الحديث أيوب بن عتبة ومحمد بن جابر عن قيس
ابن طلقٍ عن أبيه ، أشار إلى ما روى هذا الحديث من طرق أخرى. قال
الراقم : حديث أيوب بن عتبة البامى عن قيس بن طلق عن أبيه أخرجه أحمد
والطحاوى والطبالسی، ورواية محمد بن جابر أخرجه أحمد وأبو داؤد وابن
ماجه والطحاوى ، وقال أبو داؤد فى "سنله": رواه هشام بن حسان
وسفيان الثورى وشعبة وابن عيينة وجرير الرازى عن محمد بن جابر الخ .
ثم إنه جرت المناظرة بين يحيى بن معين وعلى بن المدينى فى هذه المسألة
أسعدها القاضى أبو بكر ابن العربى فى "شرح الترمذى"، ورواها الدار قطنى
فى "سننه» (ص - ٥٥) والحاكم فى " المستدرك" (١ - ١٣٩) والبيهقى
فى "الكبرى" (١ - ١٣٦) بطريق رجاء بن مرجئ الحافظ قال: " اجتمعنا
فى مسجد الخيف أنا وأحمد بن حنبل ، وابن معين ، وعلى بن المدينى فتناظروا
فى مس الذكر، فقال يحيى بن معين : يتوضأ منه ، وقال على بن المدينى :
بقول الكوفيين وتقلد قولهم ، واحتج ابن معين بحديث بسرة بنت صفوان ،

٢٩٩
مناظرة ابن المدينى وابن معين فى مس الذكر
أهل الحديث فى محمد بن جابر وأيوب بن عتبة ، وحديث ملازم بن عمرو عن
عبد الله بن بدر أصح وأحسن .
واحتج على بن المدينى بحديث قيس بن طلق ، وقال ليحبى : كيف تتقلد إسناد
بسرة ومروان أرسل شرطياً حتى رد جوابها إليه ! ؟ فقال يحي: وقد أكثر
الناس فى قيس بن طلق ولا يحتج بحديثه؛ فقال أحمد بن حنبل: كلا الأمرين على
ما قلتما ؛ فقال يحيى: مالك عن نافع عن ابن عمر إنه توضأ من مس الذكر،
فقال على: كان ابن مسعود بقول لايتوضأ منه، وإنما هو بضعة من جسدك . فقال
بحي معمن ؟ - يريد أسنده - قال: سفيان عن أبى قيس عن هزيل عن
عبد الله؛ وإذا اجتمع ابن مسعود وابن عمر واختلفا فابن مسعود أولى
أن يتبع ؛ فقال له أحمد بن حنبل : نعم ، ولکنے وأبو قیس لا يحتج بحديثه ، قال
المارديني: وأبو قيس هذا وثقه ابن معين، وقال العجل : ثقة ثبت، واحتج به
البخارى: وأخرج له ابن حبان فى "صحيحه" والحاكم فى "المستدرك" اهـ فقال -
أى على -: حدثنى أبو نعيم نامسعر عن عمار بن سعيد عن عمار بن يا سر قال: ما
أيالى مسسته أو أننى ، فقال أحمد : عمار وابن عمر استويا، فمن شاء أخذ بهذا
ومن شاء أخذ بهذا أه زاد البيهقى والحاكم فقال ابن معين: بين عمير وعمار مفازة
اهـ، قال الماردینی: قلت فى «مصنف ابن أبى شيبة" حدثنا ابن فضیل و وكيع عن
مسعر عن عمير بن سعيد قال: كنت جالساً فى مجلس فيه عمار بن ياسر فسئل من
مس الذكر فى الصلاة فقال: ما هو إلا بضعة منك ؛ وهذا سند صحيح وفيه
تصريح بأنه لا مفازة بينها اهـ. قال الراقم: فى قول أحمد دليل على أن الوضوء
من مس الذكر عنده ليس من العزائم بل الأمر موسع، وقوله : "عمار وابن
عمر استويا" فأقول: إذا اكتفى قول عمار المعارضة قول ابن عمر فماظنك
بالترجيح لقول عمار إذا وافقه قول على ، وعبد الله ، وابن عباس، وحذيفة
وعمران بن الحصين، وأبى الدرداء ، وسعد بن أبى وقاص ؟ أخرج آثارهم محمد

٣٠٠
معارف السنن
٠٠٠
٠٠
...
...
٠٠٠
٠٠٠
فى "مؤطئه" إلا أثر عمران فأخرجه أبو عمر فى "الاستذكار" كما حكاه الشيخ
اللكنوى. وفى "الجوهر النقي": والأسانيد بذلك صحاح عن نقل الثقات لم يختلف
هؤلاء فى ذلك ، وروى البيهقى عن معاذ أيضاً الخ ، وأيضاً قال: مع عمار ابن
مسعود وغيره من الصحابة ، والأسانيد بذلك مصاح ... وتقدم عن الطحاوى
أنه لم يفت بالوضوء منه من الصحابة غير ابن عمر فلا نسلم الاستواء اه، فالآثار كلها
فى الباب أحد عشر كلها تؤيد مذهب أبى حنيفة إلا أثر ابن عمر وأبى هريرة .
وبالجملة فآثار فقهاء الصحابة وكبارهم فى جهة وأثران فى جهة ، فأين المساواة
وكيف المقاومة ؟ وقال أيضاً فى "الحلى": قول الشافعى لا دليل عليه من
قرآن وسنة ولا إجماع ولاقول صاحب قياس ولا رأى صيح، ولايصح فى
الآثار من أفضى بده إلى فرجه، ولو صح فالإفضاء يكون بظهر اليد كما يكون
ببطنها اهـ . قال الراقم: يظهر بعد هذا التحقيق أن مالكاً ذهب إلى أن الوضوء
.منه سنة كما حكاه ابن رشد ، وعليه استقر مذهبه فى المغرب، وإن أحمد ظهر
من محا کمته : أنه ليس بواجب وإن کان کتب مذهبه على خلاف ذلك، فلم یین
فى القائلين بوجوب الوضوء منه من الأئمة الأربعة إلا الشافعى . بقى هنا أمر
يجب التنبيه عليه : قال ابن حبان فى "صحيحه" ما ملخصه: إن حديث طلق
منسوخ فإن قدومه فى أول سنة من الهجرة عند بناء مسجده جَلاءِ ، وكان هو
فى بناءه، وإيجاب الوضوء منه رواه أبو هريرة أيضاً، وإسلامه سنة سبع من
الهجرة انتهى من " نصب الراية" ووافق ابن حهان على ذلك الطبرانى والبيهقى
والحازمى، ولا يصح هذا حجة ما لم يثبت أنه لم يقدم مرة أخرى، وقد أسند
ابن حبان نفسه قدومه فى وفد بنى حذيفة كما فى " نصب الراية" (١ - ٦١)
وصرح ابن سعد فى "طبقاته" (١ - ٥٥) أن مسيلمة الكذاب كان فى وقد
بنى حنيفة ، وصرح ابن هشام أنه قدم عام الوفود سنة تسع، فكيف يصح ما
بدعيه ابن حيان من غير حجة ولا برهان ؟ وأيضاً المسجد بنى مرة في مبدأ