Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ البحث على حديث النهى عن البول فى الماء الدائم ... ... ... .. ... ٠٠٠ ثم قال : وإن شئت رفعت على وجه آخر كأنك قلت: فأنت تحدثنا . ثم أعاد الوجهين فى ( ص - ٤٢٣) وعبر عن الثانى بقوله : وإن شئت كان مطلقاً لأنك قد أوجبت أن تفعل فلا يكون إلا الرفع .... (ومما مثله بقوله) كن فيكون . ثم قال فى (ص - ٤٢٤) وكان أبو عمرو يقول: لا تأتينا فنشتمك (بالرفع) وهذا الذى أراده إمام العصر شيخنا رحمه الله فإن الشتم انتفى بانتفاء الإتيان كما فى البيت المذكور . فلفظ الحديث نظراً إلى ما ذكروه فى الجملة المذكورة يحتمل الرفع والنصب لكل واحد من المعانى نظراً إلى التركيب فقط دون ضخمة سائر التراكيب مراداً فى الحديث، فإن ذلك يخرج الحديث عن حقيقته لكن رواية الحديث بلفظ الرفع فقط، وقالوا فى بيان الرفع "ثم هو يتوضأ منه" أو "ثم هو يغتسل فيه أو منه" يريدون أنه خبر للمبتدأ المحذوف، وهكذا فسره النووى والقرطبي شارح " مسلم" وابن حجر والبدر العينى، وكلمة "ثم" للاستبعاد عند القرطبى والطيبى ، قال القرطبى: إنه لم يرد العطف بل فيه على مآل الحال، والمعنى أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه فيمتنع عليه استعماله، ومثله بقوله عَّ ليه " لا يقربن أحدكم امرأته ضرب الأمة ثم بضاجعها" حكاه ابن حجر فى " الفتح (١ - ٢٤١) وقال الطیی فی "شرح المشكاة" ذکرہ فی (پاپ أحكام المياه) فى الحديث الأول. من الفصل الأول ، والكتاب مخطوط بعد وسماه " الكاشف عن حقائق السنن" وصار كتابه هذا أصلاً ومداراً فى بيان مزايا البلاغة فى الحديث ، وهو ليس يحافظ الحديث غير أنه فاق الحافظ ابن حجر فى بيان نكات البلاغة بكثير ، والحافظ مستفيد من كتابه كذا أفاده شيخنا إمام العصر. ثم إن "ثم" استبعادية أى بعيد من العاقل الجمع بين هذين الأمرين ؛ وقال : فإن قيل على م يعتمد فى نصب "يغتسل" حتى يمشى لك هذا المعنى؟ قلت: إذا نوى المعنى لا يضر الرفع لأنه حينئذ من باب " أحضر الوغى" فكان ملخص ما قاله القرطبى والطيبى: (٢ - ٣١) ٢٤٢ معارف السين ... .. أن قوله بَّ الج "ثم يغتسل منه" وقع بمنزلة علة النهى فكأنه قبل: لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم لأنه يتوضأ منه أو يغتسل -أى كيف يبول فيه وهو يحتاج إلى استعماله - وهذا لطيف. والحافظ ابن حجر حكى قول القرطبى، ثم حكى التعقب عليه فى انكاره عن صحة عطف القول المذكور على النهى المؤكد ، مع أن ما قاله ألطف ما یکون. وحکی النووى فى "شرح مسلم" (١ - ١٣٨) وحكاه ابن حجر والبدر فى "شرحبها على الصحيح" عن شيخه أبى عبد الله بن مالك صاحب " الألفية " الجزم أيضاً عطفاً على محل ببوان ؛ وبالنصب بإضمار "أن" وإعطاء "ثم" حكم "واو الجمع" ورده بأن يقتضى أن المنهى عنه الجمع بينهما دون إفراد أحده) وهذا لم يقل به أحد، بل البول منهى عنه سواء أراد الاغتسال فيه أولا اهـ . واعتر ضه ابن دقيق العيد : بأنه لا يلزم أن يدل على الأحكام لفظ واحد فيؤخذ النهى عن الجمع بينها من هذا الحديث ان ثبتت رواية النصب، و يؤخذ النهى عن الافراد من حديث آخر ، حكاه ابن حجر فى " الفتح " وأجاب ابن هشام عن اعتراض النووى فى كتابه " مغنى اللبيب" (١ - ١٠٨) بقوله : إنما أراد ابن مالك إعطاءها حكمها فى النصب لا فى المعية أيضاً ، ثم ما أورده إنما جاء من قبل المفهوم لا المنطوق ، وقد قام دليل آخر على عدم ارادته، ونظيره إجازة الزجاج والزمحشرى فى "ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق " كون "تكتموا" مجزوماً وكونه منصوباً مع أن النصب معناه النهى عن الجمع انهتى. قال الشيخ رحمه الله والذه، عندى أنه يستقيم فى الرفع أن يقال إنه نهى عن البول فى الماء الدائم أولاً ثم نهى عنه مرتباً عليه النهى عن الاغتسال أو التوضأ كأنه قال لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم، ولاسيما إذا كان يغتسل فيه، فوقع النهى أولاً عن البول ثم طواه ورتب عليه الاغتسال أيضاً فيكون البول منهياً عنه إنفراداً، وكذا مع الإغتسال فايس عندى هنا النهى عن الجمع ابتدء"، لا عن الجمع استقلالاً بإذن لطف العطف والترتب على ١٠ قبله مع اطف ٢٤٣ البحث على حديث النهى عن البول فى الماء الدائم ... ٠٠٠ ٠٠٠ ... ٠٠٠ الاستبعاد بايراد كلمة "ثم" من دون أن يكون قصداً إلى السببية حقيقة ومعنى، ومن دون أن يكون هناك انقطاع واستيناف الكلام كما قاله القرطبى والطيبى والنووى وهذا هو الفرق بين هذا التقرير وبين ما قرروه ، ونظير ذلك قوله تعالى " ولايؤذن لهم فيعتذرون" وعليه قراءة السبع فقال ابن هشام فى " مغنى اللبيب" (٢ - ٩٩): والمشهور فى توجيهه أنه لم يقصد إلى معنى السببية بل إلى مجرد العطف على الفعل ، وإدخاله معه فى سلك التقى لأن المراد بلا بؤذن لهم نفى الإذن فى الاعتذار وقد نهوا عنه فى قوله تعالى " لا تعتذروا اليوم " فلا يتأتى العذر منهم بعد ذلك اهـ، فكذلك هنا فى الحديث ورد النهى عن كل منها انفراداً فعند "مسلم" من حديث أبى هريرة: لا يغتسل أحدكم فى الماء الدائم وهو جنب، فقال: كيف نفعل يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولاً، وعند "مسلم". من حديث جابر "نهى أن يبال فى الماء الراكد"، وعند "ابن ما جه" فى حديث أبى هريرة : لا يبولن أحدكم فى الماء الراكد ؛ ثم أدخل النهى عن الاغتسال فيه فى سلك النهى عن البول ليزيد ذلك قباحة وبشاعة فإنه إذا نهى عن كل منها انفراداً فأولى أن ينهى عن الجمع، وإذا قبح كل واحد منهما استقلالاً فأقبح أن يكون ذلك جمعاً، ونظير ذلك من الحديث قوله فعّالية: "لايبولن أحدكم فى مستحمه ثم يغتسل فيه " رواه أبو داود، والنسائى، والترمذى، وابن ماجه ، والحاكم وغيرهم من حديث عبد الله بن مغفل واللفظ لأبى داؤد ، فالغرض المسوق له الكلام : النهى عن البول ثم أدخل معه النهى عن الاغتسال جمعاً، والرواية فيه أيضاً بالرفع، والمختار فيه أيضاً أن " ثم " استبعادية، ومثال ثم الاستبعادية قوله تعالى " ثم الذين كفروا بربهم يعدلون" " ثم أنشأنا خلقاً آخر" كذا أفاد الرضى شارح "الكافية". فكأن مفاد حديث الباب باللغة الأردية أن يقال: "كونى شخص انى مين بول فكرے ہهر خصوصاً جب ساته غسل بهی کرى" ثم ما ورد فى بعض طرق حديث الباب " لا يبولن ٢٤٤ معارف السنن ٠٠٠ ... ... ... ... ... أحدكم فى الماء ولا يغتسل فيه من الجنابة" فلعله من تصرف الرواة، وليجعل هذه الرواية تابعة لسأمر نظائرها وأخواتها ، وحديث الباب حجة للإمام أبى حنيفة فى مسألة المياه ؛ فإن النهى عن البول فى الماء الراكد سبب لتنجيس الماء من غير أن يحدد بالقلتين ومن غير أن يتغير، إلا أن يكون جارياً أو غزيراً مستبحراً فى حكم الجارى فإنه طاهر بالإجماع ما لم يتغير، فالشافعية يحتاجون إلى تقييده بما دون القلتين، والمالكية إلى تقييده بالتغير، وأجاب عنه ابن تيمية فى "فتاواه" مختاراً مذهب مالك ما ملخصه : إن النهى لا يدل على أن الماء ينجس بمجرد البول بل إن الإكثار من ذلك قد يفضى إلى تغير الماء فينجس ، فكان النهى المبتدأ سداً للذريعة إلى هنا، هو ملخص ما ذكره فى الجزء الأول (ص - ١٦) فى أحد وجوه الجواب، وما ذكره فى الجزء الثانى (ص - ٣٤٧) جواباً واحداً ، وما ذكره الشيخ من الزيادة والنظائر فلم أجده فى " فتاواه" من المظان، وعسى أن يكون فى غير " فتاواه" نعم ذكرها ابن القيم فى " شرح تهذيب السنن" فابن تيمية لم يجلعه نجساً بالبول فى الحالة الراهنة بل بكاد بصير نجساً بالإكثار أو المكث، ثم جعله ابن تيمية من باب الأدب وأيده بنظائر منها : قوله فَله: اتقوا الملاعن الثلاثة البراز فى الموارد وقارعة الطريق والظل أخرجه أبو داؤد وغيره من حديث معاذ بن جبل وفيه انقطاع ، وروى بطريق أخرى ضعيفة وربما يرتفى إلى درجة الحسن كما يقوله العراقى شارح أبى داؤه فكما نهى فى هذه المواقع فكذلك النهى هنا من هذا القبيل. قال الشيخ رحمه الله: وما قاله ابن تيمية فى غرض الحديث فليس بصحيح، وإنما هورأى إرتاه ، كيف؟ والمتبادر من سياق الحديث أنه وقع النهى لأنه ربما يحتاج إليه فى الحالة الراهنة إلى الإغتسال فيه أو التوضأ منه أو الشرب منه فينجس ويمتنع عليه أن يستعمله! ويؤيده لفظ " الطحاوى" (١ - ٨) و "البيهقي" و"المدونة" (١ - ٣١) وأما البيهقى فكذلك أحال عليه الهدر العينى فى " العمدة" (١ - ٩٣٤) ولم ٢٤٥ أدلة الحنفية فى أحكام المياه ٠٠. ٠٠٠ ٠٠٠ ... ... ٠٠٠ أعثر عليها فى "السنن الكبرى» فى بابه ثم وقفت عليه فى غير بابه (١_٢٣٩) من طريق الطحاوى من طريق عطاء بن ميناء عن أبى هريرة : ثم يتوضأ منه وبشرب، فظاهره بدل أن المراد عن التوضأ والشرب فى الحالة الراهنة لا سوف وعسى. ويؤيده أيضاً ما أخرجه الطحاوى فى "شرح معانى الآثار» (١ - ١٠) عن حماد عن أبى المهزم قال سألنا أبا هريرة عن الرجل يمر بالغدير أيبول فيه ؟ قال : لا! فإنه يمر به أخوه المسلم فيشرب منه أو يتوضأ الخ . وبالجملة إنا لا ننكر أن الحديث له علاقة بالآداب لكن غرض الذى قصد منه أولاً أنه من باب الأحكام ولبيان نجاسة الماء وهذا أقرب وأوفق لسياق الحديث، ثم ابن تيمية ناقض نفسه حين فرق فى " فتاواه" بين النجاسة المائعة والذائبة ، وسلم أن المائع سبب اختلاط أجزائه لا يتميز فيه النجس المائع لكنه لأجل الجرح والمشقة فى تنجيسه جعل مدار الأمر على التغير ، وكذلك حكى عن أحمد الفرق بين مائع وجامد إذا وقع فيها نجاسة ، وكذلك حكى عنه فى رواية استثناء البول والعذرة المائعة عن قوله بمسألة القلتين فجعل ما أمكن فرحه نجساً بوقوعها فيه انظر " فتاوى ابن تيمية" من الجزء الأول من (ص - ٢٤ إلى ٣٢) وكل ذلك يؤيد مسلك الحنفية فى هذا الموضوع ، وما يقوله ابن تيمية من أن ما وقع من النجاسة فى الماء واستهلك واستحال فيه فهوطاهريصلح هذاملخص ما قاله (١ - ٣٠) من " فتاواه" فيكاد يكون تفلسفاً فى الشريعة لاعبرة بمثل هذه الأدلة أمام النصوص الصريحة والأحكام الواضحة . أدلة الحنفية فى أحكام المياه إن الأحاديث التى بتمسك بها الحنفية فى هذا الباب هى أربعة : الأول : حديث الباب من رواية أبى هريرة ، وهو حديث منفق على محته أخرجه الشيخان ، وفى معناه حديث جابر عند مسلم فى " صحيحه» ٢٤٦ معارف السنن ... ٠٠٠ ... ٠٠. حديث " إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها فى الثانى : الإناء" وهو كذلك حديث متفق على صحته من حديث أبى هريرة عند الشيخين، وفى معناه حديث جابر عند ابن ما جه . الثالث: حديث "إذا ولغ الكلب فى إناء أحدكم .... وبلفظ: يغسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب الخ » حدیث متفق كذلك من حديث أبى هريرة أخرجاه ؛ وفى معناه حديث عبد الله بن مغفل عند مسلم وأبى داؤه والطحاوى . الرابع: حديث ميمونة وأبى هريرة: "قال رسول اللّه عَل إذا وقعت الفأرة فى السمن فإن كان جامداً فألقوها وما حولها وإن كان مائعاً فلا تقربوه"، أخرجه أبو داؤد فى الجزء الثانى فى (باب الفأرة تقع فى السمن) من كتاب الأطعمة وسكت عنه فهو صحيح عنده ، وأقل ما يكون أنه صالح للعمل على دأبه، وممن ثبته محمد بن يحيى الذعلى شيخ البخارى كما حكاه ابن تيمية (١ - ٢٦) من " فتاواه " ، وشرط النسائى فى الرجال معروف، وأخرجه أحمد فى "مسنده» وفى "المغنى" (١ - ٣٦) واسناده على شرط الشيخين اهـ، فلا يقاوم هذا ما حكاه الترمذى فى الأطعمة عن البخارى من أن رواية معمر عن الزهرى فى حديث ميمونة غير محفوظة ، وقد قال ابن معين: أثبت الناس فى الزهرى معمر ومالك كما فى "التهذيب" فى ترجمة معمر، وعنه أنه قال: أثبت من روى عن الزهرى مالك ، ثم معمر، ثم عقيل، ثم يونس، ثم شعيب والأ وزاعى والزبيدى وابن عيينة كما فى " التهذيب" فى ترجمة الزبيدى محمد بن الوليد الحمصى، فلا عبرة إذن لما يقوله ابن تيمية من أوهام معمر فى رواية عن الزهرى، ولاسيما إذا دل على صحة منطوق هذا الحديث مفهوم ما أخرجه البخارى من حديث ٢٤٧ بحث نجاسة الماء بوقوع النجاسة ... ٠٠ ... ... ... ميمونة ، قال أبو الحسن السندى قيل: وما حولها يدل على أنه جامد إذ لو كان مائعاً لما كان له حول يعنى فلا حاجة إلى قيد زائد فى الكلام .. . والمراد بما حولها ما يظهر وصول الأثر إليه ، ففيه تفويض إلى نظر المكلف فى املاله اهـ . ثم إن الفرق بين المائع والجامد مذهب للجمهور فلاحاجة إلى عناء وتعب [ فى طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل ] وفى الباب حديث جابر عند أحمد ، وحديث أبى الدرداء عند الطبرانى، وحديث ابن عمر عند الطبرانى فى " الأوسط" راجع "الزوائد» (١ - ٢٨٧) وكذا أخرجه النسائى فى الأطعمة من حديث عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة فقط وحديث ميمونة مروى فى " صحيح البخارى" من غير طريق معمر ولكنه ليس فيه هذا التفصيل ، ولفظه فقال : " ألقوها وما حولها وكلوه" فإذن الأحاديث أصبحت سبعة فى " الصحاح" والكل دليل الإمام أبى حنيفة فى عدم التحديد وفى عدم المدار على التغير، ودليل على أن القليل من الماء بنجس بوقوع النجاسة ، ثم هنا تدقيق لطيف فحديث النهى عن البول وحديث غسل الإناء من ولوغ الكلب فى بيان حكم النجاسة الحقيقية المائعة إذا وقعت فى الماء، وحديث المستيقظ من النوم فى النجاسة المتوهمة دون الحقيقية ، وفى الثلاثة النجاسة غير مرئية ، وحديث الفأرة فى النجاسة الجامدة إذا وقعت فى الماء ؛ ولم تعتن الشريعة بتفصيل أحكام النجاسات المرئية اعتنائها بتفصيل النجاسة الغير المرئية لأن أمر المرئية واضح يراها كل أحد ، وأما غير المرئية فلا يعثر عليه أحد إلا إذا ظهر أثرها أو رآها أحد حين وقوعها ؛ وأيضاً الشريعة تعتنى بما له صلة مع الوقائع من الأحكام ما بكثر له الإحتياج، فواوغ الكلب والهرة ووقوع الفارة ٢٤٨ معارف السنن ... ٠٠. ٠٠٠ ٠٠٠ ... فى السمن يبتلى به أهل البيوت فى تدابير المنزل، والبول فى الماء عند الاغتسال فيه قد يتفق ذلك للكبار فضلاً عن الصغار فمن أجل ذلك اعتنت الشريعة ببيانها والمستيقظ من النوم قد يحتاج إلى إدخال بده فى الإناء وعلى الأخص فى ذلك العهد فى بدء الإسلام فبين الشرع حكمه كل ذلك إيفاءً لما له صلة بالمقام . المياه الطبيعية وحكم الشريعة فيها المياه طبيعية كماء الجداول والأنهار وماء العيون والأودية وماء القنوات والآبار، أو غير طبيعية كالمجتمع فى الصهاريج والحياض والوهاد وكالمحرز فى الأوانى، فالطبيعية طاهرة بطبيعتها ، فمنها ما لا يحمل نجاسة بوقوعها لجريانها وفيضانها وهى كالأنهار؛ ومنها ما يحملها ولكن ينزح ماؤها فتبقى طاهرة على طبيعتها حيث لم تستقر فيها النجاحة وهى كالآ بار. وأما الغير الطبيعية فالمستبحر منها فى الحياض والمصانع حكمها حكم الجارى فلايتنجس ما لم ير أثر النجاسة فيها وذلك لدفع الحرج والمشقة عن الأمة . والمحرز فى الأوانى إذا وقعت فيها نجاسة تتنجس فيراق بل يغسل منها الأوانى، ولاحرج فى لراقته ولا مشقة فى غسلها . فاعتبر الإمام أبو حنيفة لكل نوع حكماً منفرداً وعمل بكل حديث له صلة بالباب، والإمام مالك اعتبر التغير وعدمه فاضطر إلى أن بأول فى بعضها كحديث الولوغ وغمس اليد . والإمام الشافعى أخذ بالتوقيت والتحديد فاضطر إلى تأويل فى أحاديث وردت فى الباب. والإمام أحمد اختار تارة ما اعتبره الشافعى وتارة ما أخذه ملك، وظاهر أن من يعتبر طرد الأصول فى أحاديث مختلفة يضطر إلى تأويل بعضها . وبالجملة لم يعتبر أحد بالأقسام كلها اعتبار أبى حنيفة بها ؛ فمن تأمل ببصيرة نافذة فى الموضوع اتضح له كصديع الفجر أن مسلك الحنفية فى المياه أحكم المسالك وأقرمها والله ولى التوفيق . ٢٤٩ بحث نجاسة الماء ... ... ... ... ٠٠٠ ... أشارات وتنبيهات فى الباب ومما يجب الإشارة إليه أو التنبيه عليه أمور فى هذا الصدد : الأمر الأول : إن الشريعة الحنيفية وردت بالنهى عن التنفس فى الماء وبالنهى عن ادخال اليد الإناء قبل أن يغسلها ، وراعت فى الأول باب النظافة وفى الثانى توهم النجاسة ، وأمرت بغسل الإناء من ولوغ الكلب فى مياسة لا تشاهد بل يغسل الإناء من ولوغ الهرة أيضاً ، روى بطريق محمد بن سيرين عن أبى هريرة مرفوعاً وموقوفاً انظر للتفصيل " شرح الآثار" للطحاوى (١ - ١١ و١٢ و١٣) و"السنن الكبرى" للبيهقي (١ - ٢٤٧) و " سنن أبى داؤد" من (باب الوضوء بسؤر الكلب) وثبت النهى عن سؤر الحمار عن ابن عمر عند الطحاوى (١ - ١٢) وثبت الأمر بالاغتسال عن ركوب الحمار عند العرق وهو فى "مجمع الزوائد» (١ - ٢٨٧) طبع القدسى بمصر عن ابن عباس قال: كنت ردف النبى وَّلّ على حمار بقال له بعفور فعرقت، فأمرنى النبى ◌َ الٍ أن أغتسل رواه الطبرانى فى " الكبير" وفيه الضحك وقد وثقه أحمد ويحى وأبو زرعة ، وضعف غيرهم فإذا كان حكم الشريعة هذا فيها وفى أخواتها فمن المستبعد جداً أن يحكم بطهورية الماء الذى يقع فيه الحيض ولحوم الكلاب وأصبح مطروحاً للنجاسات، وكذلك من المستبعد أن تحكم بطهورية ماء الفلاة ترده السباع والدواب لكن الأمر على ما حققنا أن الجواب فى كل ذلك خرج مخرج الجواب على أسلوب الحكيم حيث كان المدار فى سؤالهم على وساوس وأوهام دون أن يشاهدوا وقوع النجاسة رأى العين، فوسعت الشريعة الأمر فما كان المدار على الأوهام ، وضيقت فيما كان الأمر على الواقع فافترق محل الرخصة والعزيمة فى جميع ذلك . ( ٢ - ٣٢) ٢٥٠ معارف السفن ٠٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ . ... ... ... الأمر الثانى : إنه ورد فى حديث القلتين عند البيهقى فى " السنن الكبرى" (١ - ٢٦١) ثم عقبه بما يقويه من غير طريق محمد بن اسمق ، وكذلك رواه موسى بن اسماعيل عن حماد ، بطريق عبيد الله بن محمد بن عائشة عن حماد بن سلمة عن محمد بن اسحاق: و"ترد السباع والكلاب» وعلله البيهقى بأنه غريب. قال شيخنا : ويمكن تعليله من جهة أخرى أيضاً بأن راوى الحديث عن ابن عمر وهو يفتى بنجاسة سؤر الكلب كما فى "شرح معانى الآثار" الطحاوى (١-١٢) عن ابن عمر قال: لا توضؤوا من سؤر الحمار ولا الكلب ولا السنور ، فهذا يدل على أن لفظ الكلاب ليس بصحيح فى هذه الرواية ولو كان الأمر على ما قلنا من أن المدار ليس على اليقين والمشاهدة لارتفع الإشكال . الأمر الثالث: إن حديث القلتين دل على نجاسة سؤر السباع من الدواب، وهو مذهب أبى حنيفة، وقال الإمام الشافعى هى طاهرة السؤر إلا الخنزير والكلب، وحديث القلتين حجة عليه حيث ما أجابهم عَل ◌ّ بأن سؤرها طاهر حين سألوا عن ورودها الماء ، بل أجاب بأن الماء إذا بلغ القلتين لم يحمل خبثاً وإلا كان جوابه جَ لّ عبثاً. وهكذا قال أبو البركات ابن تيمية فى " منتقى الأخبار"، وكذا قاله غيره من الأعلام كالماردينى فى " الجوهر النفى". وأيضاً يلزم الشافعية بقول نجاسة ما دون القلتين بآسار الكلاب وسباع الدواب لقولهم بالمفهوم المخالف، ويتأول بعضهم بأن من عادة السباع البول حين شرب الماء فكان النجاسة جاءت من هذه الجهة، قاله النووى فى "شرح المهذب» (١-١٧٤) وأجاب أيضاً بأن الكلاب كانت من جملة ما يرد فالتنجيس بسببها اهـ . ونقول هذا تأويل لم تقع إليه إشارة فى لفظ الحديث، ولفظه مطلق لا حجة لهم فيه ، وأما ما يستدلون بقول ابن عمر : " يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنما فرد على السباع وترد علينا، وقوله محلّ: لها ما أخذت فى بطونها وما بقى فهولنا طهور وشراب" قول ابن عمر أخرجه مالك فى " المؤطا" واستدل به النووى ٢٥١ بحث نجاسة الماء ... ... ... ... ... فى " شرح المهذب" (١ - ١٧٣) والمرفوع من زيادة رزين فى الرواية المذكورة ذكره صاحب "مشكاة المصابيح" وصاحب "جمع الفوائد" وأخرجه "ابن ماجه" (ص - ٤٠) فى (باب الحياض) بمعناه من حديث أبى سعيد الخدرى ، وفيه عبد الرحمن بن زيد وهو ضعيف. والدارقطنى من حديث أبى هريرة، واختلط الأمر عند الحافظ الزيلعى انظر " نصب الراية" (١-١٣٦) وفيه لفظ الكلاب مع السباع فيلزم الشافعية القول بطهارة سؤر الكلب أيضاً أفاده الزيلعى الحافظ . فالمرفوع ضعيف بجميع طرقه واعترف به البيهقى فى "كتاب المعرفة" وقال له أسانيد إذا ضم بعضها إلى بعض كانت قوية اهـ. كذا فى هامش "المغنى" لابن قدامة، والشيخ ابن حجر المكى الهيتمى أراد أن بقويه فقال : تعدد طر قه بدل على أن له أصلاً . قال شيخنا : والجواب عندى أن الجواب فيه على أسلوب الحكيم أيضاً فإن الأمر غير مشاهد فلم يعتبر الأوهام، والماء كان طاهراً باليقين فحدوث الشك فى طهارته لا يزيل اليقين . الأمر الرابع : إن مذهب السلف فى الماء والجزئيات المنقولة عنهم فى الهاب تقرب إلى مذهب أبى حنيفة ، وتتفق هى ومذهبه ، فإن كثيراً منهم اعتبروا العلم وطائفة كبيرة منهم اعتبروا التغير وعدمه انظر مسائل المياه من " فتاوى ابن تيمية" من أوائل الجزء الأول ومن أواخر الجزء الثانى، ومن " المغنى" لابن قدامة ومنه عند ابن تيمية من التفصيل، ونحن معاشر الحنفية قد اعتبرنا أيضاً التغير فى بعض المواطن ، أخرج الطحاوى فى "شرح الآثار" (ص - ١٠) بسند صحيح عن عبد الله بن الزبير بأنه أمر بنزح ماء بترزمزم حين وقع فيها حبشى، وكذلك عن ابن عباس عند الدار قطنى راجع للتفصيل " نصب الراية" (١ - ١٢٨ إلى ١٣٠) رواه الدراقطنى والبيهقى . وأجاب الشافعية عن قصة وقوع الحبشى فى بئر زمزم : بأن سفيان بن عيينة ٢٥٢ معارف السنن ٠٠٠ ٠.٠٠ ٠٠. ... .. یقول : أنا بمكة منذ سبعين سنة لم أر صغيراً ولا کبیراً یعرف حدیث الزنجى؛ وقال الشافعى: لا يعرف هذا من ابن عباس ؛ وأجيب بأن عدم علمهما لا يصلح دليلاً فى دين الله، ثم إنها لم يدركا ذلك الوقت ، وبينها وبينه قريب من مائه وخمسين سنة ، وكان إخبار من أدرك الواقعة وأثبتها أولى من قولها كما ذكره الحافظ الزيلعى، وشئى منه لابن الحمام فى " الفتح" (١ - ٧٢) وأيضاً بأول فى قول سفيان فإنه لا يصلح بظاهره فإنه أقام بمكة خمساً وثلاثين سنة لا سبعين سنة ، فلعله أراد سبعين حجة . تنبيه : كان فى "العرف الشذى" المطبوع سابقاً تصحيف وتحريف فأصلحته على وفق ما ذكره الحافظ ابن حجر وكذا كان بعض اختلال واختصار مخل فى البيان فأصلحته على طبق ما ذكره الحافظ الزيلعى وابن الهام . وما قاله النووى أنه كيف يصل هذا الخبر إلى أهل الكوفة ويجهله أهل مكة ؟ فيرده قول الشافعى لأحمد : أنتم أعلم بالأخبار الصحاح منا ، فإذا كان خبر صحيح فأعلمونى حتى أذهب إليه كوفياً كان أو بصرياً أو شاءياً . فهلا قال: كيف يصل هذا إلى أولئك ويجهله أهل الحرمين؟! وأضف إلى ذلك أن الكوفة أصبحت مستقراً للصحابة بعد ما أمر عمر رضى الله عنه ببنائها ، اتخذها معسكراً كما فى "صحيح مسلم" فكانوا يأوون إليها من بلاد شاسعة حتى إن العجلى فى "تاريخه» يذكر أنه نزل الكوفة ألف وخمسمائة من الصحابة، ويقول ابن الهام: "زل قرقيسا" ستمائة من الصحابة، حكاه فى "الفتح" من فصل البئر (١ - ٧٢) و "قرقيساً" ثغر من ثغور الكوفة، وهى أربعة: حلوان، وماسبذان والموصل وقرقيسا، وأمبرها كان سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه ويذكر الحافظ أبو بشر الدولابى (١) فى كتابه "الكنى والأسماء" (١ - ١٧٤) فى (باب من اسمه (١) توفى سنة (٣١٠) وذكره الذهبى فى "طبقاته". ٢٥٣ بحث نجاسة الماء ٠٠. ٠٠٠ أبو الرجاء وأبو الرجال): إنه زل الكوفة ألف وخمسون رجلاً من أصحاب النبي حَ لّ وأربعةوعشرون من أهل بدر؛ ولعل فيما ذكره العجلى والدولابى قيداً غير النزول أيضاً ، فإن الكوفة لأصبح مركزاً حريباً عظيماً تفصل منها الجنود لفتح البلدان وكان آلاف من الصحابة فى حرب القادسية ، وذكر الحافظ ابن جرير فى "تاريخه الكبير" من الجزء الرابع أنه قال فى وقعة القادسية ستة آلاف من المسلمين، وذكره غيره نحو ثمانية آلافى ، فمن المستحيل أن يصح قره) بظاهره وراجع فى هذا الصدد ما ذكره شيخنا الكوثرى فى "مقدمة الزيلعي" فكيف يقال إنه نزلها هذا القدر منهم . وبالجملة فالكوفة لها مزبة من هذه الجهة لا يلحق غبارها ، وأجاب بعض الشافعية أيضاً بأن الحيشى لعله سال دمه فأفضى تغيراً فى الماء، وهذا تعسف واحتمال لتصحيح المذهب لا دليل على ذلك . الأمر الخامس: قال ابن الهام فى "فتح القدير" (عن - ٥٣ , ٥٤ ) من الجزء الأول كلاماً يدل على أن النهى عن البول فى الماء الراكد والنهى عن ادخال اليد لإناء يمكن أن يكون لأجل الكراهة أو أمر يعم النجاسة والكراهة، وإذن لا ينتهضان حجة الحنفية فى الباب نعم حديث طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب الخ حجة لهم؛ قال شيخنا: الكراهة ليست حكماً مستقلاً فى الباب ! هى من آثار النجاعة، فإن الماء الذى احتمل النجاسة ولم يتيقن وقوعها فيه بكره لاحتمال النجارة، فآل الأمر إلى النجاسة ، فيكون الأحاديث ثلائتها أدلة الخفية، وأيضاً ما قاله فهو أيضاً عرضة للتأويل فيمكن أن يقال : الطهور لأجل النظافة لا لأجل النجاسة كما فى قوله إنتاج " السواك مطهرة للفم مرضاة للرب؟ فما يزعمه صالحاً اللحجية إن تأول فيه فلا يصلح حجة أيضاً، فالحق IM أن الأمر كما قال شيخنا، وهو المتبادر بل المتعين فى الباب، هذا والله ولى الإصابة . ٢٥٤ معارف السنن ( باب ما جاء فى البحر أنه طهور ) حدثنا : قتيبة عن مالك حے وحدثنا الأنصارى قال حدثنا معن قال حدثنا مالك عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق أن المغيرة بن أبي بردة وهو من بنی عبد الدار أخبره أنه سمع أبا هريرة بقول سأل رجل رسول اللّهِ بَّكُلّ فقال: يا رسول اللّه إنا نركب البحر وتحمل معنا القليل من الماء فإن توضئنا به عطشنا، أفنتوضأ من البحر؟ فقال رسول اللّه حَ له: هو الطهور ماءه -: باب ما جاء فى ماء البحر أنه طهور :- البحر عند أكثر اللغويين يختص بالملح ، والنهر بالعذب، وعند بعضهم هو أعم من الملح والعذب . قوله : سأل رجل. وهو رجل من بنى مدلج كما صرح به فى بعض الروايات أخرجه " الزيلعى" (١ - ٩٧) وانظر تمنى حديث الباب وتطريقه فى كتابه من (ص - ٩٥ إلى ٩٩) وهذا المدلجى اسمه عبد الله، وقيل عبد، وقيل عبيد كما فى "التلخيص" وقيل حميد بن صخرة كما فى " الزرقانى على المؤطأ " . قوله : هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته ؛ الطهور بالفتح صفة مشبهة بمعنى المطهر، وماؤه فاعل لها ، وكذا الميتة فاعل للحل ، والتركيب على ظاهره يفيد الحصر فأشكل عليهم انظر " نيل الشوكانى" (١ - ٢٠) حيث جهد ولم بثل ، والأمر عند شيخنا أن اللام هنا ليس للقصر بل هى لتعريف المبتدأ بحال الخبر كما قاله الشيخ عبدالقاهر فى " دلائل الاعجاز " فى فروق الخبر (ص - ١٤١) وعده من دقائق الفل ومثل له لقولهم " هو البطل المحامى" ومما مثله به قول الشاعر : فلازعمنك ذلك الأحدا إن كان يجسد نفسه أحد ٢٥٥ بحث ان البحر طهور الحل ميتته . وفى الباب عن جابر والفراسى . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح، وهو قول أكثر الفقهاء من أصحاب النبي ◌َُّلّ منهم أبو بكر و وأشار إليه الزمخشرى فى "الكشاف" فى قوله " وأولئك هم المفلحون" وأوضحه التفتازانى فى " المطول" (ص - ٩٣) فى بحث المسند إليه من الفصل: وقد يؤتى بالخبر معرفاً ليتعرف به المبتدأ كما فى قوله تعالى " أولئك هم المفلحون " وكما فى قول الشاعر : فإنى ذلك الرجل وإن قتل الهوی رجلاً واختلفوا فى بيان منشأ السؤال، فقال بعضهم كما ذكر الشوكانى فى "النيل" منشأه قوله وجَ لٍّ: " لا تركب البحر إلا حاجاً أو معتمراً أو غازياً فى سبيل الله فإن تحت البحر ناراً وتحت النار بحراً " أخرجه أبو داود من حديث ابنعمرمرفوعاً ، و الحدیث ضعیف ، انظر "سنن أبىداود" من ( کتاب الجهاد باب ركوب البحر فى الغزو) وذكره ابن حزم فى "المثل والنحل": إنه قيل لعلى رضى الله عنه إن فلاناً اليهودى يقول " إن جهنم فى البحر" قال على: ما أراه إلا أن صدق، وأخرجه فى "الفتح" (٨ - ٤٦٢) عن الطبرانى ولفظه: وأخرج الطبرى من طريق سعيد بن المسيب قال قال على لرجل من اليهود أين جهنم ؟ قال: البحر، قال ما أراه إلا صادقاً، ثم تلا " والبحر المسجور" و "إذا البحار سجرت اه" قيل فى بيان مراد الحديث أن جهنم توضع فى القيامة موضع البحر، وإن ماءه يستعمل فيها ، وقبل وهو على ظاهره وعليه قد يحمل " والبحر المسجور" وقيل المراد تهويل شأن البحر وتفخيم الخطر فى ركوبه إلى غير ذلك من المحامل ، وقيل منشأ السؤال موت الحيوانات فيه ، وقيل تغير لونه وملوحة طعمه حيث رأوا أن الماء المفطور على خقته هو السليم فى نفسه الخلى من الاعراض المؤثرة فيه فإذاً ارتابوا فيه قاله الخطائى . قوله: الحل ميتته: مذهب الحنفية فى حيوانات البحر: أن كل ما يعيش فى ٢٥٦ معارف السین ٠٠٠ ... ٠٠٠ ... البحر من أصناف الحيوانات لا يحل أكله إلا الحوت، وقال الشافعية فى قول الإمامهم: يحل كل ما فى البحر حتى الكلب والخنزير وحيات البحر، وفى قول يستثنون منه الضفدع والتمساح والسلحفاة ؛ وفى قول يحل من البحر ما فى البر، وكذا يحل ما لانظر له فى البر، والصحيح المعتمد عندهم أنه يحل الجميع ما عدا الضفدع كما قاله النووى فى "المجموع" وراجعه للتفصيل (٩ - ٣١ و ٣٢) و" معالم السنن" (١ - ٤٤) وانظر تحقيق مذهب الحنفية ودلائلهم فى " البدائع" (٥ - ٣٥) وما بعدها، وقريب من الشافعى مذهب مالك وأحمد وانظر ذلك فى "الميزان" للشعرانى من (كتاب الأطعمة) (٢ - ٥٣) ثم للفريقين كلام فى . قوله تعالى "وأحل لكم صيد البحر" واستدل الشافعية به وقالوا: إن الصيد معناه المصيد، وقال الحنفية إنه بمعناه المصدرى، وجعله بمعنى المفعول تأويل، والتنزيل العزيز بصدد ما يحل للمحرم فعله وما لا يحل وما يوجب الجزاء وما لا يوجب، وكذلك استدل الشافعية بحديث الباب، وأحسن ما أجيب عنه كما قال شيخنا هو ما أفاده شيخنا الشيخ محمود حسن الديوبندى رحمه الله تعالى أن الحل فى الحديث ليس بمعنى الحلال ضد الحرام بل بمعنى الطائر. قال شيخنا والحل بهذا المعنى ثبت فى قصة صفية بنت حيي رواه البخارى فى أواخر كتاب البيوع من حديث أنس بن مالك وفيه : " حتى بلغنا سد الصهباء حلت فبنى بها الخ» وفى غزوة خيبر مثله " حلت بالصهباء" اى ظهرت وأيضاً ثبت فى حديث آخر أخرجه الزبلعى فى "نصب الراية" من حديث سلمان: ".قال له النبى عَلّ يا سلمان كل طعام وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم فماتت فيه فهو حلال أكله وشربه ووضوءه" والحديث ضعيف أخرجه (١ - ١١٠) من طريق بقية عن الدارقطنى وابن عدى وضعفه ببقية ، وغرض الشيخ رحمه اللّه أن معنى الحلال مع الوضوء غير ما هو مع الأكل والشرب فليس هو إلا الطاهر، والخصم فيه مجال، ومن أدلتنا . فى مسألة الباب: حديث " أحلت أنما ميتتان ودمان، وأما المبتنان فالجراد والحوت ٢٥٧ بحث فى ميتة البحر وأما الدمان فالطحال والكبد " وقد أخرجه فى " التلخيص الحبير " مرفوعاً وموقوفاً وصحح الموقوف أخرجه من حديث زيد بن أسلم عن ابن عمر عند الشافعى وأحمد وابن ما جه والدار قطنى والبيهقى وابن عدى وابن مردويه فى "تفسيره". ونقل تصحيح الموقوف من الدار قطنى وأبى زرعة وأبى حاتم وأيضاً لم يثبت عن أحد من الصحابة أكل حيوانات البحر ما عدا السمك؛ والشافعية ألزموا الحنفية بأن أكل العنبر ثبت منهم وهو غير السمك، وهذا الإلزام فى غير محله فإنه نوع من السمك حيث ورد فى بعض الطرق لفظ الحوت بدل العنبر صريحاً فكان العنبر حوناً فكيف يصح ما يزعمونه حجة عليهم ؟ والمراد باليتة فى حديث الباب الغير المذبوح كما فى قوله "أحلت لنا ميتتان" فلا يدل على حل الطافى من السمك الذى مات حتف أنفه فطفا على وجه البحر، والمراد بالآية بصيد البحر فعل الاصطياد، وبطعامه هو السمك فهو تخصيص، و أما أثر أبى بكر الصديق رضى الله عنه رواه البيهقى فى " سننه" والدار قطنى عن ابن عباس واستدل به النووى فى "المجموع". قال الراقم: وللإمام أبى حنيفة ما رواه أبو داؤد من حديث جابر مرفوعاً " ومات فيه فطفا فلا تأكلوه" وإن تكلم فى رفعه فالوقف متفق على صحته عند المحدثين ، فهو مضطرب اللفظ ولا يقوم بمثله حجة فى الأحكام ، وحديث العنبر أخرجه البخارى فى "صحيحه" ( باب غزوة سيف البحر) (٢ - ٦٢٥) من طريق سفيان عن عمرو بن دينار عن جابر ، و "مسلم" من حديث جابر بن عبد الله وفيه : "فألقى لنا البحر دابة يقال له العنبر فأكلنا منه نصف شهر الخ" وأخرجه البخارى من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن جابر: "فألقى البحر خوتاً ميتاً لم ترمثله يقال له العنبر" وما قيل إنه لوسلم أنه لم يكن حوثاً لم يكن لهم فيه حجة حيث أكلوه فى المخمصة والاضطرار كما صرح به فى الحديث نفسه: "فأصابنا ( م - ٣٣ ) ٢٥٨ معارف السنن عمرو وابن عباس لم يروا بأساً بماء البحر. وقد كره بعض أصحاب النبي صَال الوضوء بماء البحر منهم ابن عمر وعبد الله بن عمرو، وقال عبد الله بن عمرو: هو نار . عَل عنهم ليأكله ، فكيف يصح جوع شديد" فلا يصح به التمسك فإنه طلبه ذلك ؟ واختلف أقوال العلماء فى منشأ زيادة النبى معَ الّ فى الجواب حيث سئل عن ماء البحر فحسب، فأجابهم عن مائه وطعامه . وبينوا فيه وجوهاً : الأول : علمه بَّله بأنه قد يعوزهم الزاد فى البحر كما يعوزهم الماء العذب فانتظمها الجواب لأجل الحاجة إليها . الثانى: إن علم طهارة الماء أمر مستفيض عند دهماء القوم وجمهورهم وخاصتهم وعامتهم ، وعلم ميتة البحر وكونها حلالاً مشكل فى الأصل ، فلما رأى السائل جاهلاً بأظهر الأمرين علم أن أخفاها أولا ها بالبيان . الثالث : إنه لما أعلمهم بطهارة ماء البحر وقد علم أن فى البحر حيوانات تموت فيه والميتة نجس احتاج إلى بيان حكم هذا لئلا يتوهم نجاسة الماء بذلك . ذكر هذه الوجوه الثلاثة الخطابى فى " معالمه" ومنه حكيتها ملخصاً مختصراً ، وهذا يشير إلى أن الحل فى الحديث بمعنى الطاهر كما اختاره شيخنا وشيخه رحمها الله، وعلى هذا لا زيادة فى الجواب بل هى من لواحق الحكم فى الجواب ، وأيضاً لم يبق حجة لم يستدل به على حل ميتات البحر والله أعلم. واعلم أن أضيق المذاهب فى حيوانات البحر مذهب أبى حنيفة ، وأوسعها مذهب مالك والشافعى ثم أحمد وأجمعوا على حل السمك ، واختلفوا فى ما عداه، ولا يخفى على من أنصف أن الاحتياط فى باب التحليل والتحريم أولى ، وليس هذا محل بسط أطراف المسألة ٢٥٩ البحث فى مينة البحر ٠٠٠ ٠٠٠ ... ... ٠٠ فائدة: قال الراقم: قوله حَال "هو الطهور ماؤه" فى جواب السائل: أنتوضأ بماء البحر؟ ولم يجبه بقوله : توضؤوا أو مثله لئلا يتوهم التخصيص بجواز الوضوء دون الاغتسال أو يوهم التخصيص بمثل تلك الحالة أو بألئك المسافرين فى البحر دون غيرهم. وبالجملة أجاب عَ ل بجواب عام يكون شافياً للكل غير موهم للتخصيص فى شئ مشتملاً على بيان وجه جواز التوضؤ وهو طهورية الماء فهو من محاسن البلاغة ومزايا الفصاحة . قنبيه: قال صاحب "تحفة الأحوذي" ما ملخصه: إن كون الحل بمعنى الطاهر فى حديث الباب باطل لأنه لم يقل به أحد ، ولأنه يلزم أن يكون هذا حشواً بعد قوله : الطهور ماؤه ، ولأنه فهم ابن عمر من الحل الحلال دون الطاهر ، وإنه أحد رواة الحديث ، والراوى أدرى بمعناه ؛ وقال : المراد بالميتة الغير المذبوح لا يصح فإن الطافئ حلال ، واستند بقوله "فألقى البحر حوتاً ميتاً" واستند بأثر أبى بكر وأنكر أن يكون مضطرب اللفظ . قال الراقم : عدم قول أحد به لاحجة فيه ، وكذا عدم علمه لا يصلح حجة، وقد استفاد من كلام الخطابى ذلك، فجهل أحد لا يقوم حجة على علم آخر وقوله : "يكون حشواً" غير صحيح لأن قوله: الطهور ماؤه ، بيان لطبيعة الماء من غير تأثر بأثر خارجى ، وقوله "الحل ميقته" بيان لحكمه بعد حدوث ذلك فيه، ولم يبينه لتوهم أنه ينجس بمثل ذلك، فقال له دفعاً لما عسى أن يتوهمه أحد، ومثل هذه الزيادة فى الجواب لا يكون حشواً عند من رزق حظاً من العلم ، بل هو من مزايا البلاغة ومماسن الفتوى، وقوله : لأنه فهم ابن عمر الخ ، فهم ابن عمر فقط لا يحتج به عند وجود حجة أخری منه فی الهاب، وتأتى بیانها . وقوله: و "الراوى أدرى بمعناه" معارض بقولهم " العبرة لما روى لا لما رأى" وأيضاً هو مخالف لصريح ما ثبت عنه ◌َّ فى "الصحيح" " فرب مبلغ أوعى له ٢٦٠ معارف السنن ٠٠٠ ... . ٠٠. من سامع، ورب .. فنه إلى من هو أفقه منه". قوله " الطائ حلال". قال الراقم: ليست هذه من المسائل الإجماعية بل هى مختلف فيها فى عهد الصحابة رضى الله عنهم ، وما ذهب إليه أبو حنيفة هو مذهب على، وابن عباس، وجابر، وسعيد بن المسيب، وأبى الشعثاء، والنخعى، وطاؤس، والزهرى. وآثارهم مخرجة فى "مصنف ابن أبى شيبة" و"مصنف عبد الرزاق" بأسانيد ثابتة كما فى "تخريج الزبلعى" وحديث جابر أخرجه أبو داؤد وابن ما جه وغيرها من طريق يحيى بن سليم الطائفى عن إسماعيل بن أمية عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله خَالَ: " ما ألقى البحر أو جزر عنه فكاوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه"؛ وتضعيف البيهقى إياه بابن سليم غير صحيح فإنه ثقة حجة أخرج له الشيخان ، وتضعيف ابن الجوزى إياه بإسماعيل بن أمية وهم منه حيث ظنه أبا الصلت، وهذا ابن أمية القرشى الأموى. وما قاله أبو داؤد من روايتهموقوفاً وتصويب غيره له فليس بحجة بعد ثبوت أن من رفعه ثقة، ولا ريب أن الرفع زيادة وزيادة الثقات مقبولة لا تنكر ، وكم من أحاديث مرفوعة رويت موقوفة ب لم يقدح وقفها فى صحة رفعها بل ربما أيد وقفها رفعها، ولو لم يكن عند جابر فيه سنة ثابتة لما حرم الطافى برأيه . وما أسنده بقوله "فألتفى البحر حوناً ميتاً" ليس فيه حجة حيث يحتمل أنه كان ميتاً بعد ما ألقاه البحر، ومن رآه ميتاً على ملح البحر ؟ وأيضاً إن ما لفظه البحر فات بذلك أو انحسر عنه الماء أو مات من شدة البرد أو من شدة الحر ومثل ذلك ، فكل ذلك من ميتة حلال عندنا؛ والذى لم يحل هو ما مات حتف أنفه وانقلب ظهراً لبطن فطفا على وجه الماء عالياً بطنه، فعسى أن يكون ما ألقاء من ما ذكرنا من الأصناف السابقة، فأين الحجة فى ذلك ؟ وما روى عن الصديق فى حل الطافى قفيه أنه رواه عنه ابن عباس ، وابن عباس مذهبه حرمة الطافى، ومثل هذا لا يكون حجة عنده لأن الراوى أدرى بمعناه