Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ معارف السنن ٠٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ ٠٠. ... ... الثالثة والرابعة أن صيغة "الله أكبر" بخصوصها ليست قطعية الثبوت مثل قطعية قوله تعالى : "وذكر اسم ربه فصلى" الدال على كل ذكر مشعر بالتعظيم من أسماء الله سبحانه ، فقلنا بوجوبه على قول دون فرضيته . والحاصل أن الآية قطعية الثبوت ، وقد دلت على مطلق ذكر الله تعالى ودلالته على "الله أكبر" خاصة ظنية، والحديث قطعية الدلالة فى الافتتاح "بأنّه أكبر"، لكنه ظنى الثبوت لكونه من أخبار الآحاد ، فكانت النتيجة ما ذكرنا لأن قطعى الدلالة وظنى الثبوت، وظنى الدلالة وقطعى الثبوت لا يفيدان إلا الوجوب الذى هو دون الفرض أو السنية . المسألة الخامسة : فى تنقيح المناط الخ ! إن ههنا أموراً تدور كثيراً فى مصطلح أرباب أصول الفقه وهى : تحقيق المناط وتخريج المناط وتنقيح المناط. و هذهالأسماء وضعها الشافعية ؛ ولكن لا إختلاف فى العمل بمسمياتها وموجباتها . الحنفية أيضاً، كما قاله ابن الهام فى "التحرير" فى ( المرصد الثالث من بحث القياس): ومرجع عدم وضع هذه الأسماء الاحتراز عن تكثير الاصطلاح ، و إن عند الحنفية مصطلحات أخر، تغنى عن هذه. راجع "شرحى التحرير". ولخص شيخنا رحمه الله القول فى بيان كل منها . (١ ) أما تحقيق المناط : فهو أن يصدر حكم من الشارع فى مسألة خاصة ، و تعرفت عليه الحكم بنص أو إجماع ، ثم يفكر فى معرفة وجود هذه العلة فى مسائل أخرى تضاهيها من ذلك النوع ، وخذ لذلك مثلاً : الشارع أمر بقطع (١) راجعت لهذا الموضوع عدة مصادر من كتب أصول الفقه ، ومن أهمها " تحرير الأصول" " وشرحه" للشيخ أمير البخارى و"شرح المنهاج" للأسنوى و"مقدمة فتح الملهم" لشيخنا العثمانى. وراجع للتفصيل "المقدمة". ولابن تيمية كلام جيد فى هذه الأنواع فى "إيضاح الأدلة فى عموم الرسالة". 4 ٦٢ بحث تخريج المناط ٠٠٠ ... ٠٠٠ ٠٠. ٠٠ يد السارق ، فينظر هل ذلك المعنى وتلك العلة يوجد فى الطرار والنباش أولا ؟ وكما أن الشارع أمر بشهادة رجلين ، وأناط الإجماع قبولها بالعدالة ، فهذه العلة عرفت بالإجماع غير أن تعيينها وتحقيقها فى كل شاهد يعرف بالتفكير والاجتهاد فهذه المعرفة لوجود العلة فى المنصوص قطعية ، وفى غيره ظنية ، فالمناط : هو الوصف المدار للحكم ، ومعرفته فى غير المنصوص تحقيق لذلك المناط ، فسمى لذلك تحقيق المنط . وهذا النوع من الإجتهاد لاخلاف بين الأئمة فيه ، كما قاله الغزالى : بذعن إليه من لا یقول بالقياس أيضاً ، فهو ليس بقياس ، وليس من وظائف الاجتهاد الدقيقة ، فيشترك فيه الخاصى والعامى ، فإن النص أو الإجماع أفاد تعرفها إجمالاً ، وحقيقة ذلك يرجع إلى تمثيل الشئء بنظيره ، و إدراج الجزئى تحت الكلى ، وذاك يسمى قياس التمثيل ، وهذا يسمى قياس الشمول ، وهما متلازمان ، فإن القدر المشترك بين الأفراد فى قياس الشمول الذى يسميه المنطقيون "الحد الأوسط" هو "القدر المشترك" فى قياس التمثيل الذى يسميه الأصوليون "الجامع" و "المناط" و"العلة" و"الأمارة" و"الداعى" و "الباعث" و"المقتضى" و"الموجب" و"المدار" و"المشترك" وغير ذلك من العبارات: ويلخص بأنه تعرف العلة المنصوصة ، أو المجمع عليها فى غير الصور المنصوصة . وأما تخريج المناط : فهو أن ينص حكم من الشارع أو يثبت باجماع، ولم يتعرف علة الحكم من جهة النص أو الإجماع ، واقترنت هناك عدة أو صاف كل منها يصلح للعلية ، فيرجح المجتهد برأيه أحداً منها ، ويعينه مداراً ومناطاً للحكم ، فاستخراج المجتهد من بينها ما هو مدار للحكم وإبدائه وتعيينه هو: تخريج المناط ، ويسمى بالمناسبة أيضاً ، ويلخص بأنه تعيين العلة بمجرد إبداء المناسبة من ذاته لابنص أو إجماع . مثاله : حديث النهى عن الربا ، فالحرمة فى الأشياء الستة منصوصة وهو حكمها لكنه لم ينص هناك بعلة الحكم ، واجتمعت هناك ٦٣ معارف السنن ... ... ... أو صاف عدة من القدر والجنسية، ومن الطعم والثمنية، ومن الاقتيات والاذخار، فاختلفت أنظار المجتهدين فى تعيين ما هو مناط للحكم فى نظر الشارع، فذهب أبو حنيفة إلى أنه : القدر والجنسية ، والشافعى إلى أنه الطعم والثمنية ، ومالك إلى أنه الاقتيات والاذخار ؛ وهذ النوع من القياس وظائف الاجتهاد ، وفى مثل هذا يتبين دقة مأخذ المجتهد ودقة مدارك المجتهدين ، وغير المجتهد لا يساهمه فى ذلك ، لأن النص أو الإجماع لم يصرح بالعلة التى اعتبرت فى الحكم لا تفصيلاً ولا إجمالاً ، فاعتبار ما لم يعتبره الشارع صراحةً يحتاج إلى اجتهاد دقيق لا يقوم باعبائه إلا المجتهد النظار، والفقيه الغواص . وأما تنقيح المناط: فهو ما يحكم الشارع فى مسألة خاصة لم يكن غرضه منوطاً بهذه الجزئية بل يريد قاعدة كلية ، وإنما مثلها فى صورة جزئية وتجتمع هناك أوصاف بعضها يصلح للعلية وبعضها لا يصلح، فتنقيح المجتهد وصفاً من بينها . لإناطة الحكم هو: تنقيح المناط، حتى يدور الحكم مع هذا الوصف مطرداً ، إن شئت فقل هو: حذف صفات غير مؤثرة فى محل الحكم لامدخل لها فى العلبة ، واستيفاء ما له مدخل فيها . ومثاله: حديث أعرا بى واقع أهله فى نهار رمضان ، فأمره ◌َّ باعتاق رقبة؛ فهناك أمور من كونه أعرابياً، وكون المواقع أهلاً ، وكون المواقع عامداً ، وكونه فى رمضان ، أو كونه جماعاً ، أو كونه مفطراً، وما إلى ذلك من أوصاف وعوارض. فقال أبو حنيفة ومالك منقحين لأصل العلة المؤثرة فى وجوب الكفارة : هوكونه فعلاً مفطراً ، وهو أعم من أن يكون جماعاً أو أكلاً أو شرباً من سائر المفطرات بشرط أن يكون ذلك متعمداً لا ناسياً ، ولا يختص بالجماع بل إنما وقعت صورة الجماع فى تلك الواقعة المخصوصة، والحكم أعم من ذلك حيث لامدخل لخصوص الجماع فى علة وجوب الكفارة ، بل هو فوات ركن الصوم ، وهو الإمساك عن المفطرات الثلاثة ؛ فالجماع عمداً مثل الأكل والشرب عمداً من غير فارق . ونقح الشافعى وأحمد المناط كونه جماعاً ٦٤ بحث تنقيح المناط ٠٠٠ ٠٠٠ ... ... ... ... عمداً ، فالحكم عندهما مقصور عليه ، ولايعدى إلى غيره من المفطرات، واستدلا بحديث أيضاً لذلك، وليس هذا موضع بيانه ؛ وهذا النوع من الاستدلال أيضاً من وظائف الاجتهاد، ويتبين فى أمثال هذا من هو أبعد شأواً، وأدق نظراً ، وألطف مأخذاً . ثم الفرق بين القياس وتنقيح المناط : إن فى القياس يعدى الحكم الشرعى بعينه لجامع إلى الفرع، ويكون الالتفات إليه أولاً ثم يلحقونه بالمنصوص فى الحكم لشبه بينهما ؛ وأما فى التنقيح فيستخرج العلة لتعرف حال المنصوص أولاً وإن لزمه التعدية إلى غير المنصوص آخراً . فالتنقيح يجرى فى النصوص أيضاً ، فما فى " ارشاد الفحول" للشوكانى تبعاً للبيضاوى والأسنوى والسبكى "إن تنقيح المناط إلحاق الفرع بالأصل بالغاء الفارق" غير جيد" حيث خصصه بغير النصوص، وجعله قسماً من القياس إلا أن فى القیاس عندهم إبداء الجامع، وهنا إلغاء الفارق من غير فرق فى المعنى . ألاترى أن قول أبى حنيفة أن الوصف المؤثر فى فساد الصوم هو إفساده بالمفطر عمداً! وعند الشافعى جماعه عمداً! فهذا تنقيح فى مورد النص ثم بلحقه التعدية إلى غير المنصوص . هذا توضيح ما أفاده شيخنا فى "أماليه" على جامع الترمذى " العرف الشذى". ولى فيه تردد؟ هل قاله الشيخ هكذا أو حدث ؟ هناك تصرف فى النقل والضبط وعلى كل حال فى القلب منه شئ، وهو أن هذا القدر من الفرق لا یکفی حیث أن القياس أيضاً فى الحقيقة هو معرفة العلة والتعدية ثمرته ، كما قاله الفنارى فى "فصول البدائع"، وأيضاً التنقيح فى مورد النص لا ثمرة له ما لم يلحقه التعدية إلى غير المنصوص . اللهم إلا أن يقال أن فهم العلة لا يستلزم القياس كما فى آية السرقة ، وآية الزنا وحديثه ، إذ كل سرقة موجبة للقطع بالنص لا بالقباس ، وكذا لا يستلزم فيها كونها متعدية، إذ قد تكون قاصرة اتفاقاً والله أعلم. قال الغزالى : تنقيح المناط بقول به أكثر منكرى القياس ، ولا نعرف بين الأمة خلافاً فى جوازه آه. وفيه أنه خالفه من أرجعه إلى القيام وأنكر القياس، ٦٥ معارف السنن ٠٠٠ ٠٠٠ ... ... ٠٠٠ ٠٠٠ ثم إن "قياس الشبه" كالتشبيه عند أهل البيان، فإن التشبيه دلالة على مشاركة أمر لأمر فى معنى بشروطه المذكورة فى موضعه ، فكان التشبيه هو إبداء الجامع بين المشبه والمشبه به ليحمل المشبه على المشبه به . وأما قياس العلة فهناك يدعى المجتهد كون الوصف علة الحكم ، ولا يكفى مظنة المصلحة التى تناسب الحكم . ثم القياس باعتبار العلة ينقسم عندهم إلى قياس العلة ، وقياس الشبه ، وقياس الدلالة ، وقياس المعنى ، وقياس العكس ، وقياس الطرد. وقياس الشبه مشاركة الفرع لأصلين فى أوصافها ، فيلحق بأكثرهما شبهاً، وراجع " تسهيل الوصول " للمحلاوى وغيره من كتب الف . وإذا اتضح هذا فيقول شيخنا الإمام رحمه الله : دار النظر فى أن مناط الافتتاح فى الصلاة والخروج عنها هل هو ،لفظ " الله أكبر" خاصة ولفظ "السلام عليكم خاصة، أم شى أعم من ذلك؟ فاقتصر نظر الجمهور على خصوص اللفظين، وتجاوز نظر الإمام أبى حنيفة إلى الغرض المقصود، فقالوا: لفظ " الله أكبر" خاصة لفظ يدل على ذكر الله وتعظيمه، فكل ما دل على هذا يكفى الافتتاح، ويؤيده قوله تعالى و " ذكر اسم ربه فصلى" وقوله تعالى " وربك فكبر"؛ والتكبير لغة: التعظيم، وبذلك ورد القرآن كما فى قوله تعالى : " وربك فكبر" وقوله "أكبرنه"، ويؤيده مامر من الآثار، وعلى هذا قال الحنفية فى الخروج عن الصلاة: أن السلام عمل من المصلى للخروج عنها، فكل عمل وصنع من المصلى بقصد الخروج يكون خروجاً عنها، فهذا القدر من ذكر الله المشعر بالتعظيم فى الافتتاح والخروج بصنع المصلى بارادته وقصده فرض فى الصلاة لاتصح الصلاة بدونهما لكن لما ثبت مواظبته فَّالج بصيغة التكبير وصيغة التسليم وثبت تعامل الصحابة عليها فليكونا واجبين، ويكون ترك العمل بها كراهة تحريم، وهى يوجب نقصاً فى كمال الصلاة ، قال شيخنا: فأصل المناط الذى دار عليه الحكم الذكر المشعر بالتعظيم (٢ - ٩) ٦٦ القياس الشرعى ... ... فى تحريمة الصلاة، وكمال هذا المناط لفظ " الله أكبر" وإن شئت فقل: إن أصل المناسبة لكل ذكر مشعر بالتعظيم وكمالها لفظ " الله أكبر" فهنا أصل وكمال، قال: ومن هيهنا ينحل ما أشكل على الشيخ ابن الهام فى "التحرير" من اعتبار "جنس العلة فى عين الحكم" فقال: يرجع ذلك إلى اعتبار العين فى العين، ولفظه فى "التحرير": " ثم لا يخفى أن لزوم القياس مما جنسه فى العين ليس إلا يجعل العين علة باعتبار تضمنها العلة جنسه فيرجع إلى اعتبار العين فى العين" قال الراقم: وتوضيحه أن الشارع إذا اعتبر جنس الوصف علة لعين الحكم فى محل وأردنا أن نجعل الوصف علة له فى محل آخر فكان ذلك اعتبار العين فى العين؛ وأجاب عنه شارحه الأمير البخارى بقوله : قلنا إن عين الوصف حلة له فى ذلك المحل الآخر؛ لأن عينه يتضمن لجنسه، وقد علم اعتبار الشارع علية ذلك الجنس لعين هذا الحكم فى المحل الأول ، فنعتبر علة له فى هذا المحل أيضاً لوجود المناسبة مع الاعتبار المذكور آهـ. قال الراقم: ويحتاج ذلك إلى إيضاح، فأقول: أنهم قسموا العلة باعتبار الشارع الوصف علة الحكم إلى مؤثر وملائم وغريب و مرسل . ثم المؤثر وصف اعتبر عينه فى عين الحكم بنص ؛ والملائم وصف اعتبر عينه فی جلس الحكم أو جنسه فی عین الحكم أو جنسه فی جنس الحكم، فهذه أقسام ثلاثة للملائم والأول للمؤثر، وهذه الأربعة هى بسائط عندهم ، والتعليل بكل منها مقبول عندهم ؛ وليس هذا موضع بيانها . فملخص ايراد ابن الهمام : أن القسم الثانى من الملائم يرجع إلى المؤثر . وتوضيح ماقاله شيخنا : أن الافتتاح اى الدخول فى الصلاة حكم وقد علقه الشارع بالتكبير فصار التكبير علة للدخول فيها ، فإن قلنا : إن نفس التكبير علة للحكم فيكون اعتبار عين العلة فى عين الحكم ، وإن قلنا أن الذكر المشعر بالتعظيم علة للدخول فيكون اعتبار جنس العلة فى عين الحكم ، ولما كان الحنفية اعتبروا iv معارف السنن ٠٠٠ ... ٠٠٠ ٠٠٠ ... ذلك ومع هذا قالوا بوجوب صيغة التكبير، فليس هذا إلا اعتباراً لعين الوصف فى عين الحكم ، وتلخيصه : أن الأصل هنا باعتبار تنقيح المناط اعتبار جنس الوصف فى عين الحكم، وكماله يتحقق باعتبار عين الوصف فى عين الحكم، وعين الوصف متضمن جنس الوصف مع زيادة فلا إشكال، إذ وجود الأدنی فی ضمن الأعلى لا ينكره أحد والله أعلم . وبالجملة فليس الأمر كما يقوله ابن الهمام بل يقال فى مثل هذا أصل وكمال ، وأضف إلى ذلك أن الجنس هناك معناه المجانس لا الوصف الشامل العام ؛ وكذلك ما قاله بعضهم فى وجوب الفاتحة فى الصلاة مستدلاً بقوله أن "لا" فى قوله عَ لّ " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" لنفى الكمال غير جيد، إذ يقتضى ذلك أن يكون قوله عَ لَّ هذا ظنى الدلالة على مراده حيث لم يرد ما يفيده ظاهر كلامه ، ومعلوم انه خبر الواحد وهو ظنى الثبوت أيضاً، فکان ثبوت الفاتحة بدلیل ظی فی مراده وظی فی ثبوته، ولا یفید مثل هذا إلا السنية لا الوجوب فكيف يصح استدلاله بوجوب الفاتحة، والحق أن الدليل على الفاتحة قطعى الدلالة على مراده ، وإنما الظنية فى الثبوت فقط ، كما أشار إليه صاحب "الهداية" بقوله: فقراءة الفاتحة لاتتعين ركناً عندنا، وكذا ضم السورة ... والزيادة بخبر الواحد يوجب العمل فقلنا بوجوبها اهـ مختصراً. وكذلك قوله "وتحريمها التكبير" قطعى الدلالة فى مراده حيث تعامل صاحب الرسالة عليه والسلف فى الافتتاح بالتكبير فقط ، فهذا التعامل عين مراده من غير شك غير أن أصله ظنى الثبوت، والتعامل فقط لا يثبت الفرضية كما أن مواظبته عَل لا يدل على الفرضية، فلم نقل بفرضيته حتى لا تصح الصلاة بدونه كل ذلك تنزيلاً لفرض المقطوع فى محله ، والسنة المظنونة فى محله . المسألة الثانية : أن تكبيرة التحريمة هل هى شرط أم ركى ؟ فقال أبو حنيفة : هى شرط خارج عن حقيقة الصلاة غير أنه نيط بها فلا ٦٨ مناط الخروج عن الصلاة ٠٠٠ ٠٠٠ ... ٠٠٠ ... ... يصح الدخول فيها إلا بها أو ما يقوم مقامها للقادر، وقال مالك والشافعى و أحمد: إنها ركن جزء من الصلاة، فاتفقوا على فرضيته، وثمرة الاختلاف تظهر فى بعض التفريعات ، راجعها من كتب الفقه، والمسألة اجتهادية، وقد يستأنس الحنفية بقوله تعالى و "ذكراسم ربه فصلى" حيث أن مقتضى العطف المغايرة، والشئى لا يعطف على نفسه . المسألة الثالثة : إن التسليم بخصوصه مناط للخروج عن الصلاة ، أو مناطه شئ آخر؟ فذهب الجمهور إلى: فرضية صيغة التسليم . والحنفية إلى : أن المفروض الخروج بصنع المصلى، وصيغة التسليم واجب يكره تركها تحريما ، ويأثم تاركها، بل إن سبقه الحدث بعد إتمام التشهد وجب عليه أن يتوضأ ويعود ويسلم لأن التسليم واجب، نعم ان تعمد الحدث فقد تمت صلاته وأصبح بذلك مرتكب الكبيرة . ومنشأ اختلافهم قد اتضح مما تقدم من أن الحديث الدال عليه خبر الواحد وهوظنى الثبوت وانهم أثبتوا عدم فرضيته بتنقيح المناط ومما يستدل لهذا القول بأن حديث الباب رواه على، وقدروى عنه "إذا جاس مقدار التشهد ثم أحدث فقد تم صلاته" أخرجه الطحاوى فى "شرح معانى الآثار" والشافعى فى "كتاب الأم" والدار قطنى فى " سننه" والبيهقى فى "سننه الكبرى" باختلاف فى اللفظ، واللفظ للبيهقى . فعلى رضى الله عنه هو نفسه راوى الحديث وأثره هذا يخالف ظاهر ما روبه ، والراوی وبالأخص إذا كان هومثل علی رضی الله عنه هو أعلم بمعانى حديثه وروايته ، فدل ذلك على أن التسليم غير فرض .. ومثله حديث عبد الله بن عمرو: "إذا رفع المصلى رأسه من آخر صلاته وقضى وتشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته" أخرجه الترمذى والطحاوى والطبالسى و الدار قطنى والبيهقى باختلاف فى لفظه بدل على ذلك ، ثم إنه : قد روى الإمام ٦٩ معارف السنن ... ٠٠٠ ٠٠٠ ... ٠٠٠ الحافظ محمد بن أسلم الكندى (١) هذا الحديث فى "مستده" بلفظ "إحرامها التكبير، وإحلالها التسليم"، وهو فى "سنن الدار قطنى" أيضاً (ص ١٤٥) فى طريق ، ويشير هذا اللفظ إلى أن الصلاة شبهاً بالحج فى الدخول فيه بالاحرام والخروج عنه بالإحلال بأفعال اختيارية معروفة فى الشرع ، ودل ذلك على أن مناط الصلاة هو الدخول فيها باختيار وإرادة، وهو النية مع تحصيل شروطها ، والخروج عنها بصنعه وقصده ، فكما أن الخروج عن الحج يتحقق بفعل ينافى الإحرام وهو الحلق فلاغرو إن كان هنا أيضاً تحقق الخروج بعمل ينافى الصلاة، وراجع لتطبيق التشبيه "شرح مسلم"، لشيخنا العثمانى (٢ - ١٠٢) وقد أجاد فيه . ثم إن ما اختاره الحنفية من عدم فرضية التسليم بعينه هو مذهب عطاء بن أبى رباح ، وسعيد بن المسيب ، وابراهيم النخعى ، وقتادة ، ومحمد بن جرير الطبرى وغيرهم. فإن قيل: إن قوله حَلّج " وتحليلها التسليم" وإن كان ظنى الثبوت لكنه اقترن به التعامل على لفظ السلام فينبغى أن يكون هو ركنا ؛ قال شيخنا رحمه الله: لا يستلزم تعاملهم ركنيته حيث أن المواظبة منه عَ لّمُه من غير ترك مرة دلیل الوجوب وقد قلنا به . وأيضاً يستأنس بأحاديث أخرى التى وردت فى كيفية الصلاة ، وليس فيها ذكر السلام، ومنها رواية ابن مسعود "إذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك " . وقد اعترض المحقق ابن أمير الحاج على فرضية الخروج بصنع المصلى فقال: الخروج بفعله ليس بفرض، ولم يرو عن أبى حنيفة، ولوكان فرضاً لاختص بفعل هو قربة، وإن الفرض كيف يتأدى فى ضمن المنكرات ؟ وكيف يتحقق الخروج بالقهقهة والتكلم والحدث؟ وزعم أن من قال ذلك قاس القهقهة وإخراج (١) أنظر ترجمته فى تذكرة الحفاظ للذهبى من الجزء الثانى (ص ١٠٣) توفى سنة ٢٤٢ - هـ . ٧٠ المصالح المرسلة ... ... ٠٠٠ ٠٠٠ ... ... الريح والكلام وغيرها على التسليم بجامع الخروج بصلع المصلى. أقول أما أولاً: فالتنقيح فى الخروج عنها بصنع المصلى من تخريج أبى سعيد البردعى من مسائل أبىحنيفة، وأبو حنيفة نفسه لم یصرح به، وقد خالفه الکرخی فی التخرج والاعتراض هذا أصله من الكرخى، انظر "فتح القدير" و "العناية" و"البحر"، للتفصيل من (باب الحدث فى الصلاة) وأما ثانيا: فقد قال شيخنا: أنه ليس الأمر كما زعم، وليس قياس القهقهة وغيرها على تسليم بل ان القائل ذلك قد أبدى سر إتمام الصلاة بهذه الأفعال ، وأشار إلى نكتته وحكمته ، لا أن المدار على مثل هذه الأمور أو إن لها مدخلا في أصل العبادة، وظاهر أن من فعل ذلك فقد ارتكب فى الصلاة أمراً مكروها، ووجهت عليه إعادتها لأن كل صلاة أديت بكراهة التحريم وجبت إعادتها بل إن هذا التشبيه هناك كما يقال : إن الصلاة للذكر، وإن الصوم لكبح شكيمة النفس من الشهوات؛ فليس مجرد الذكر حقيقة كاملة للصلاة، ولا ردع عن جماعتها فقط حقيقة كاملة للصوم، بل هى حكمة مجرد وكذلك هنا من قبيل اهداء حكمة مجرد لا قياساً كامل المعنى وإن كان قياساً فهو من قبيل المرسل الملائم فقط لا المؤثر . ٠٠ تنبيه : المرسل قسم رابع من الأقسام الأربعة للقياس باعتبار كون الوصف علة ، وقد مرث ، ثم منه المرسل الغريب وهو مردود بالاتفاق ، والمرسل الملائم وهو ما علم اعتبار جنس وصفه فى جنس الحكم أو فى عين الحكم أو عكس الثانى، وقد اختلفوا فى قبوله فقبله بعضهم مطلقاً ، وبعضهم مشروطا ، وهو مسألة تعليق الأحكام بالمصالح المرسلة ، وهى مسألة واسعة الأطراف راجع لتحقيقها كتاب "الموافقات" وكتاب " الاعتصام " كلام) الشاطبى " والمستصفى" للغزالى و" شرح تحرير الأصول" لابن أمير الحاج وغيرها من مبسوطات الفن . ٠ ٧١ معارف السنن ٠٠٠ ... .... ... ٠٠٠ المسألة الرابعة: اختلاف الحنفية بين مرتبتى التسليم والتكبير ومنشأ ذلك ؛ المشهور من مذهب الحنفية أن التكبير سنة والتسليم واجب، وكلاهما فرض عند الجمهور كما أسلفنا ، وقد بينت وجوه الفريقين. وقد اعترض على الحنفية فرقهم بين التكبير والتسليم مع أن الحديث يدل على التسوية بينهما فإن كان يفيد الوجوب فليكن فى كلا الموضعين أو السنية فكذلك فى الموضعين فمن أين الفارق ؟ والجواب من وجهين: أما أولاً : فنقول عن أبى حنيفة فى التسليم رواية الوجوب كما هو المشهور، ورواية السنية، ذكرها البدر العينى فى "العمدة" وكذا فى "البناية على الهداية" عن "المحيط" وهو مذهب أبى جعفر الطحاوى وهو أعلم بمذهب أبى حنيفة ومن أول كلام الطحاوى بأن مراده ثبوته بالسنة فقد أبعد، وخبر الواحد قد يفيد الوجوب وقد يفيد السنية، وقد تقدم أن ذلك حكم ما ثبت بدليل قطعى الدلالة على مراده وظنى الثبوت أوعكس ذلك ، ثم الفرق بين موجباتها بالوجوب حيناً وبالسنية حيناً يبقى مفوضاً إلى مدارك الاجتهاد . وأماثانيا : فلأن القران فى الذكر لايدل على القران فى الحكم، وكفى بصيرة المجتهد دليلاً على فرق المراتب وهذا ابن قدامة يقول فى " المغنى" إن التسليمة الأولى واجبة ، والثانية سنة، وهذا ابن حزم يقول مثله كما حكاه البدر العينى؛ فمثل هذه الاختلافات لابد عنها فى معرض الاجتهاد . وأيضاً إن قلنا بوجوب التكبير وسنية التسليم على غير ما هو المشهور فلا غرو حيث أن التكبير اقترن بالمواظبة من تعامل النبى عَ﴾ ولم يوجد ما يعارضها، والمواظبة فى السلام معارضة بقوله فَّ الج " إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك " فالفرق واضح، ولعل من ههنا جنح الشيخ ابن الهام إلى وجوب التكبير وفى "الكافى" أن من ترك "الله أكبر" أثم، وترتب الإثم على الترك دليل الوجوب عندهم، ثم إن ههنا أموراً نبه عليها شيخنا رحمه الله: الأمر الأول : إن الشارع إذا نص على حكم بصيغة الأمر فهو يفيد ٧٢ بحث المواظبة ٠٠٠ ... ٠٠٠ ... ... الوجوب عند صاحب " فتح القدير" وابن نجيم صاحب "البحر الرائق". الأمر الثانى: أن نكبره فَكَّ على ترك حكم أيضاً يفيد الوجوب عندهما. الأمر الثالث: أن يواظب عَلّ على فعل مع تركه أحيانا وهذا السنية عندهما . الأمر الرابع : المواظبة الغير المقترنة بالترك، فعند ابن الهام للوجوب وعند ابن نجيم للسنية ، فعلم أن اختلافهم فى هذا الأمر الرابع، وأما اختلاف صاحب "الفتح" و"البحر" فى أن تارك السنة غير آثم عند صاحب "الفتح" وآثم عند صاحب "البحر" فهو مبنى على الأمر الثالث، ومع هذا يقول صاحب "البحر الرائق " بأن إثم تارك السنة أخف من تارك الوجوب، والإثم عنده مقول بالتشكيك، وصرح ابن أمير الحاج بأن تارك السنة لا يأثم إلا إذا اعتاد تركها أو اعتقد عدم كونها سنة . وعند ابن همام بأثم تارك السنة عند الاعتياد لأجل الاستخفاف، وراجع لبعض الإيضاح "البحر" من قول الماتن: وسننهما رفع اليدين عند التحريمة. وكذا حاشية لابن عابدين من (١ - ٣١٩) و(١- ٣٢٠) و "فتح القدير" (١ - ١٩٧) قال شيخنا رحمه الله: إن ترك السنة أكثر مما ثبت عنه عَاءٍ تركها لايخاو عن إثم وإن لم يتعوده والله أعلم. وبالجملة فالقول بالإثم وعدمه والقول بالوجوب والسنية كلها متقارب، والنزاع الحقيقى غير واقع بعد النظر الدقيق، وفذلكة هذا الإطناب والإسهاب أن العمل بحديث الباب عندنا كما هو عندهم ، والفرق فرق الأنظار وفرق بين المراتب فى مرتبة العلم دون العمل ، وإنما ألجئنا إلى هذا الفرق بما رأينا أن دليل الخطاب ليس مثل فحوى الخطاب ، وأن قطعى الثبوت دون ظنى الثبوت، وأن تنقيح المنساط دل على ذلك ، وهو مقبول بين طوائف المجتمع - دين؛ بل ربما بقول به من ينكر القياس أيضاً كما قاله الغزالى وأن ثبويك المرتبة المتوسطة بين الفرض المقطوع به وبين السنة صحيح؛ والأدلة ٧٣ القدر المفروض هو ذكر الله ... ٠٠٠ ٠٠٠ ... ... على إثباتها متضافرة . ألا وهی الواجب! وأن الزيادة بأخبار الآحاد علی کتاب اللّه فى تلك المرتبة المقطوع بها ذهول عن فرق المراتب، وإنها مستلزمة النسخ عموم الكتاب أو إطلاقه ، وهذه الوجوه كلها مقبولة عسى أن لاينكرها من أنصف ، وتأنى فى فهم الأغراض والمقاصد ببصيرة . فمن أجل ذلك قلنا : إن القدر المفروض هو ذكر الله المشعر بالتعظيم لقوله تعالى "وذكر اسم ربه فصلى" والمفروض فى القرآءة مطلق القرآن لقوله تعالى " فاقرؤا ما تيسر من القرآن" والمفروض من الأركان القيام والركوع والسجود بنص القرآن بقدر ما يطلق عليها هذه الأسماء من جهة متفاهم العرف واللغة، والقعدة ثبتت فرضيتها بالإجماع، والخروج بصنع المصلى هو تنقيح للمناط عند عامة الحنفية فرض، وألحقنا التكبير بالتحريمة، وقراءة الفاتحة وضم السورة إليها والتعديل فى الأركان والمكث فى الركوع والسجود قدر تسبيحة أو ثلاث، والمكث فى القعدة قدر التشهد والتسليم فى الخروج، كل ذلك بأخبار الآحاد ، فهى واجبات دون الفرائض . وفى مثل هذه الأمور يتأدى الفرضية فى ضمن الواجب، فإذا أديت الواجبات أديت معبها الفرائض من غير عكس، ولهذا أفاد حجة العصر مولانا الشيخ محمد قاسم النانوتوى رحمه الله " الفرض كالمادة والواجب كالصورة " يريد أن الفرائض فى وجودها المعتبر شرعاً يحتاج إلى الواجبات كما أن المادة تحتاج إلى الصورة . بقى هنا بحث آخر وهو وإن اتضح مما ذكر لكن مع هذا يحتاج إلى تلبيه نبه عليه الشيخ رحمه الله: وذلك أن قوله تعالى " فاقرء وا ما تيسر من القرآن " قد ظن كثير أنه يكفى لامتثال هذا الأمر الإتيان فى الصلاة بأية سورة أو آية شاء ، من غير أن يكون فى القرآن تعهد للفاتحة خاصة وذلك يلجئ إلى اشتمال نص الكتاب بالكراهة تجريماً، وهذا أمر لايكاد يقبله عاقل فكيف؟! والعامل (٢ - ١٠) ٧٤ معارف السنن قال أبو عيسى : هذا الحديث أصح شئ فى هذا الباب وأحسن، وعبد الله بن محمد بن عقيل هو صدوق . وقد تكلم فيه بعض أهل بأمر القرآن لابد أن يثاب، والذى يعمل فى الصلاة بهذا القدر دون الإتيان بالفاتحة ثم بعدها بسورة أو آيات ، معلوم أنه محروم عن مثوبة الصلاة ، وفى "الطحطاوى على المراقى" (ص ٣٧١) : أن الإثم من جهة لاينافى حصول الثواب من جهة أخرى، وهو معنى ما قاله صاحب "النهر": من أن النهى لمعنى مجاور لاينافى حصول الثواب كالصلاة فى الأرض المغصوبة ، وذكر شيئاً منه (ص ٤٠٤) من (الصوم) والمسألة أصولية، فليرا جع من موضعها، وأيضاً يندرج فى مسألة النهى عن الأفعال الشرعية الخ، حيث ارتكب أمرا مكروهاً تحريماً وشاب طاعته بإثم ومعصية، بل يحمل غرض القرآن على أمر متعارف فى الشرع، وعلى المعهود من تعامل صاحب الرسالة بَ لٍ وليس ذلك إلا الفاتحة وشىء من القرآن ، فليحمل على هذا غير أن هذا القدر من الآية يكون ظنياً ؛ فالظن حصل فى تعيين هذا المراد ويبقى مطلق القرآن فى مرتبة القطع وهكذا فليفهم قوله وحَّله ثم اقرأ بما تيسرمعك من القرآن فى حديث مسيئى الصلاة وأمثال ذلك من الركوع والسجود كما تقدم، وقد أوضحت هذا الأمر بأكثر مما هنا فى مقدمة لى على "مشكلات القرآن" للشيخ (ص ٨٠) تحت عنوان " العبرة لعموم اللفظ ليس على العموم ". تنبيه : راعيت فى شرح هذا الحديث ما أفاده الشيخ فى "أماليه" على " جامع الترمذى" وما سمعت منه رحمه الله فى درسه، وراجعت فى شرحه إلى نحو أربعين كتاباً : من الحديث ، والفقه ، وأصوله ، والمعانى والبيان ، وغيرها فى هذا الموضوع راعياً غرض الشيخ ولم آل جهداً فى توضيحه وترتيبه والله الموفق . قوله : صدوق الخ ، بريد أنه صادق فى لهجته ، سيء فى حفظه وضبطه، قال ابن حجر فى "التقريب": صدوق، فى حديثه لين، ويقال: تغير ٧٥ تفسير: مقارب الحديث. العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق ابن إبراهيم والحميدى يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل، قال محمد : وهو مقارب الحديث . وفى الباب عن جابر و أبی سعید . بآخره اهـ. قلت : وقد روى من غير هذا الطريق من حديث أبى سعيد الخدرى ، وقال فيه الحاكم : صحيح الإسناد على شرط مسلم راجع "نصب الراية" (١ - ٣٠٨). قوله : قال محمد : وهو مقارب الحديث . محمد هو البخارى صاحب "الصحيح" اختلفوا فى هذا اللفظ، هل هو من ألفاظ التعديل. أو الجرح ؟ و الصحيح أنه من ألفاظ التوثيق ، ويدل على ذلك ما سيأتى فى "جامع الترمذى" فى عدة مواضع: ثقة مقارب الحديث، منها : فى ( ص ٢٠٠) ( من الجزء الأول فى أبواب فضائل الجهاد ) أن اسماعيل بن رافع ثقة وقوى ومقارب الحديث ، ومنها : فى ( باب من أذن فهو يقيم) (١ - ٢٨)، ومنها : فى (٢ - ٩٤)، ومنها: فى (٢ - ١٥٧)، ومنها فى ( ٢ - ١٠٠)، ويعده العراقى فى "نكته على ابن الصلاح" فى آخر النوع الثالث والعشرين من الرتبة الرابعة الأخيرة من ألفاظ التوثيق ، راجع ( ص ١٣٦ ). ثم هو يفتح الراء وكسرها ، كما فى "العارضة" والمعنى متقارب، ومن فرق بينها فقد أخطأ، راجع للتحقيق "نكت العراقى" ( ص ١٣٧ وص ١٣٨). ويقول السيوطى فى عداد ألفاظ التعديل : حسنه صالحه مقاربه وجيد الحديث أو مقاربه فالعجب ممن لم يتنبه له وحكم بأنه من ألفاظ الجرح منى غير أن يبلغ جهده فى التحقيق ، وأعجب منه ما وقع لبعضهم من تحريف قبيح فى كلام أبى حاتم : "علی یدی عدل" كما فى"علل الحديث" لا بن أبى حاتم ، فحرف إلى "علی یدی عدل" اى عندى عدل؛ ويقول ابن قتيبة فى "أدب الكاتب" (ص ٤٥): ويقولون ٧٦ ما يقول إذا دخل الخلاء (باب ما يقول اذا دخل الخلاء ) حدثنا قتيبة وهناد قالا: نا وكيع عن شعبة عن عبد العزيز بن صهيب عن هو "على يدى عدل"، قال ابن الكلبى: هو العدل بن جزء بن سعد العشيرة، وكان ولى شرطة تبع ، وكان تبع إذا أراد قتل رجل دفعه إليه ، فقال الناس وضع علی یدی عدل، ثم قيل ذلك لكل شئ قد يئس منه . ومثله حكاه الميدانى فى "الأمثال" (ص ٤١٦) عن ابن السكيت ، وحكاه صاحب "الأقرب» فى مادة "عدل" ولفظه "وضع على يدى عدل" . وغاية ما يعبر عنه بأنه متوسط الحديث ( درمانى حديث والا) باللغة الأردوبة وأما من جهة اللغة فلا يدل على اللين . قوله الخلاء ، بفتح الخاء والمد، موضع قضاء الحاجة سمى بذلك لخلائه فى غير أوقات قضاء الحاجة . وهو الكنيف ، والحش ، والمرفق ، والمرحاض ، وبالقصر الحشيشن الرطب، والكلأ الحشن أيضاً آهـ. من "شرح البدر العينى" (١ - ٦٩٦) باختصار، ويسمى "بيت الخلاء" وفى الحجاز اليوم "بيت الماء" و "بيت الطهارة" وفى مصر "بيت الأدب" و"بيت الطهارة" وبكل لفظ من الخمسة الأول ورد الحديث راجع "العينى" وكذلك يسمى المنصع بالضم وهو فى "الصحيح" (ص ٢٦) (باب خروج النساء إلى البراز)، ويسمى الكرياس بالياء آخر الحروف وهو عند " النسائى" (ص ١٠) وقال الز مخشرى: هو كرناس بالنون ، ويسمى المستراح أيضاً، والغائط، والمذهب ، فتكون الألفاظ القديمة عشرة أسماء ، وتصير بضم الجديدة ثلاثة عشر اسماً لهذا المسمى كل ذلك كتابات عن مسمى واحمد استعملوا هذه الأسماء تعففاً وصوناً للألسنة عما يستقذره الطبائع ويستنكمه الأسماع، ومثل ذلك يوجد فى سائر الأقوام ما عدا العرب أيضاً لكنهم سبقوهم فى تكثير أسماء لكل مسمى وجد عنهم . ٧٧ معارف السنن أنس بن مالك قال: كان النبي ◌َّ إذا دخل الخلاء قال: اللهم إنى أعوذبك قوله : إذا دخل الخلاء ، معناه إذا أراد دخول الخلاء، وحذف أراد فى أمثال هذه المواضع مطرد، كما قاله ابن هشام صاحب "المغنى" قاله شيخنا، ولعله قاله فى غير "مغني اللبيب" من كتبه "كشذور الذهب" وشرحه ولم أجده فى "المغنى" من " إذا" فى (الجزء الأول) ومن أقسام الحذف فى (الجزء الثانى). وذكر صاحب "الكشاف" فى قوله تعالى: فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله الخ وجه هذا الحذف أيضاً فراجعه. نعم قال ابن فارس فى "فقه اللغة" (ص ١١١): وقولهم إذا فعلتكذا يكون على ثلاثه أضرب، ضرب يكون المأمور به قبل الفعل، ومنه قوله جل ثناؤه "إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا"، وضرب يكون مع الفعل كقولك إذا قرأت فترسل، وضرب يكون بعد الفعل نحو "إذا حلتم فاصطادوا" اهـ. أقول: وقد ورد ذلك اللفظ فى بعض ألفاظ الحديث نفسه أيضاً أخرجه البخارى فى "الأدب المفرد" عن أنس قال "كان النبى عَّ ◌ُلّ إذا أراد أن يدخل الخلاء "وذكره البخارى فى «صحيحه» (ص ٢٦) تعليقاً عن سعيد بن زيد عن عبد العزيز (راوى الحديث) عن أنس بلفظ "إذا أراد أن يدخل، وتابع سعيدا عبد الوارث عن عبد العزيز عند البيهقى (١ - ٩٥) فإذن يكون على شرط البخارى، كما فى "الفتح" (١ - ١٧٣). ويدعو بهذا الدعاء فى البراح الذى بينه وبين بيت الخلاء، وقيل عند المرحاض ، وإذا نسى قبل الدخول فالجمهور أنه يستعيذ بقلبه لا بلسانه ، وعن مالك بلسانه راجع تفصيل الأقوال فيه من "العمدة" (١ - ٦٩٨) و"الفتح" (١-١٧٣). ومن شاء تفصيل آداب الخلاء فليرجع إلى "البحر" (١ - ٢٥٦) و"العمدة" (١ - ٧٠٧) و "العارضة" ومن آدابها أن لا يدخل الخلاء مكشوف الرأس ولا حافياً وروى ذلك مرسلاً ومسنداً راجع "شرح المهذب" (٢ - ٩٣) وما فى "البحر" خلافه فلعله سهو الكاتب ، فليتنبه . ٧٨ بيان الخبث والخبائث. قال شعبة : وقد قال مرة أخرى : أعوذ بالله من الخبث والخبيث أو الخبث والخبائث . قوله : أو الخبث والخبائث. الخبث بضم الخاء والباء، قال شيخنا هذا هو الصحيح كما فى الرواية الأخرى بعدها ، فلا عبرة لشك الراوى هنا ، والحيث ذكر ان الشياطين والخبائث إناتهم راجع للتفصيل "شرح البدر العينى على الصحيح" (٦٩٦ و٦٩٧) و" حاشية النسائى" السيوطى من أوائل " سنن النسائي" وما ذكره الشيخ رحمه الله قاله الخطابى فى "معالم السنن" وابن العربى فى "شرح الترمذى". ثم إن استعاذته عن الخبث والخبائث مع أنه محفوظ عن أثرها إشارة إلى افتقار العبد إلى سبحانه فى كل حالة، وأيضاً خرج ذلك مخرج التشريع للأمة و ارشادها إلى سبل الخير فى كل شأن من شئونها، وأمر الشارع بمثل هذه الدعوات رأفة وشفقة على الأمة، والأصل فى لفظ الخبث ضم الباء ، وهو جمع خبيث، وبسكون الباء مصدر معناه الشر أو تخفيف للضم فقط، والخبيث كما فى هذه الرواية يراد به الفعل الخبيث ولكن تعين عند شيخنا أن الشك هنا من وهم الراوى، واللفظ المروى عن صاحب الرسالة هو الحبث والخبائث ، ومما يدل على ذلك رواية "إن هذه الحشوش محتضرة الخ " رواه أبوداؤد، والمراد منها مواضع النجاسة ، وقصة سعد مشهورة فى ذلك حيث وجد ميتاً فى المغتسل، وسمعوا قائلاً يقول ولا يرى. ج سعد بن عباده قتل ا سيد الخزر وميناه بسهمين فلم نخط فؤاده نجد البيتين وقصة وفاة سعد فى " الاستيعاب" لابن عبد البر (٢ - ٥٥٠) (طبع دائرة المعارف) وها من مجزوء "الهزج" بزحافات وعلل ، وفى "جمع الفوائد" عن "المعجم الكبير" الطبرانى عن ابن سيرين قال: بينا سعد: ببول قائماً إذ اتكأ فمات قتلته الجن فقالوا الخ، وابن سيرين لم يدرك سعداً فيكون منقطعاً . ٧٩ معارف السنن وفى الباب عن على، وزيد بن أرقم، وجابر، وابن مسعود. قال أبو عيسى : حديث أنس أصح شئ فى هذا الباب وأحسن، وحديث زيد بن أرقم فى إسناده اضطراب، روی هشام الدستوائی، وسعید بن أبى عروبة عن قتادة، و قال سعيد: عن القاسم بن عوف الشيبانى عن زيد بن أرقم ، وقال هشام : عن قتادة عن زيد بن أرقم، ورواه شعبة ومعمر عن قتادة عن النضربن أنس، وقال شعبة: عن زيد بن أرقم، وقال معمر: عن النضربن انس عن أبيه . قال أبو عيسى : سألت محمداً عن هذا فقال : يحتمل أن يكون قتادة روى عنها جميعاً . حدثنا : أحمدبن عبدة الضبى ذا حماد بن زيد عن عبدالعزيزبن صهيب عن أنس ابن مالك أن النبى بجَلِ ◌ّ كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إنى أعوذ بك من الخبث الخبائث . هذا حديث حسن صحيح فعلم وجود الجن فى أمثال هذه الأماكن فى الحشوش والمراحيض والمغتسلات، ومن هنا نهى رسول اللّه عَ ل عن البول فى الجحر، وهو مأوى العقارب والحيات . قوله : وفى إسناده اضطراب، قد يكون الاضطراب فى متن الحديث فيكون فى اللفظ، وقد يكون فى الإسناد باختلاف الرواة رفعاً ووقفاً، أو وصلاً وإرسالاً، وراجع لتحقيق الاضطراب " مقدمة ابن الصلاح" (ص ١٠٣) وما بعدها، و "مقدمة فتح الملهم" (ص ٥٩) ومن شرط الاضطراب تساوى الروايتين رتبة ، والمضطرب يكون ضعيفاً . وتحقيق اضطراب المتن وظيفة المجتهد كما أن تحقيق اضطراب الإسناد منصب المحدث ومدار الاضطراب هنا على اختلاف أصحاب قتادة وهم أربعة : هشام الدستوائى ، سعيد بن أبى عروبة ، شعبة، معمر، ويحلل ذلك بالانقسام إلى وجوه أربعة : ٨٠ أقسام الصحيح ٠٠٠ ٠٠٠ ٠٠٠ ... ١ - يروى هشام عن قتادة عن زيد بن أرقم . ٢ - ويروى سعيد عن قتادة عن القاسم بن عوف الشيبانى عن زيد بن أرقم. ٣ - ويروى شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم. ٤ - ويروى معمر عن قتادة عن النضر بن أنس عن أبيه أنس . فاتفق هشام وسعيد فى أن الرواية عن زيد بن أرقم ، واختلفا فى الواسطة بين قتادة وبين زيد بن أرقم ، فأثبتها سعيد ونفاها هشام . والأسعد فى ذلك سعيد حيث لم يثبت لقتادة لقاء مع زيد بن أرقم ، وكذلك شعبة ومعمر اتفقا فى رواية قتادة عن النضر بن أنس ، واختلفا فى رواية النضر بن أنس عمن هى؟ فقال شعبة : عن زيد بن أرقم ، وقال معمر: عن أبيه أنس ابن مالك. والأسعد فى ذلك شعبة حيث لم يثبت ههنا رواية النضر بن أنس عن أنس، فهو وهم كما قال البيهقى فى "السنن الكبرى" (١ - ٩٦): قال الإمام أحمد: وقيل عن معمر عن قتادة عن النضر بن أنس عن أنس وهو وهم اهـ . فرجع الاضطراب إلى شيخ قتادة ، ثم إلى شيخ النضر. فاختلاف سعيد مع شعبة ومعمر فى شيخ قتادة ، دفعه الترمذى بقول شيخه : " يحتمل أن يكون قتادة روى عنهما جميعا" اء, عن النضر وعن القاسم، وبه صرح العينى فى "العمدة" لاكما فهمه البعض من أن ضمير التثنية يرجع إلى زيد والنضر، فتلخيصه : أن الاضطراب فى شيخ قتادة دفعه البخارى، والاضطراب فى شيخ النضر رفعه البيهقى ولم يتوجه الترمذى ولا البخارى إلى الاضطراب الواقع بين سعيد وهشام حيث كان وهم هشام جلياً عندهما لأنه لم يثبت لقتادة لقاء مع زيد. قال الحاكم فى "علوم الحديث": لم يسمع قتادة عن صحابى غير أنسى ، وقد ذكر ابن أبى حاتم عن أحمد مثل ذلك اهـ. "تهذيب التهذيب" (٨ - ٣٥٥) فكيف يخفى مثل هذا الوهم على أمثالهما، فهذا كان وجهاً ثالثاً