Indexed OCR Text

Pages 281-300

- ٢٨١ -
مولی عبد الله : مجهول .
٤٨٢٧ - وعن أبى هريرة رضى الله عنه ، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
((كَفَى بِلَرْءِ إِْمَ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ(١)).
قال أبو داود: ولم يذكر حفص - يعنى ابن عمر الحوضي(٣) - أباهريرة .
يعنى أنه رواه مرسلا .
وأخرجه مسلم فى المقدمة مسنداً ومرسلا، وعند بعض رواة مسلم كلاهما
مسند. وقال الدار قطنى : والصواب : مرسل.
باب فى حسن الظن [٤٥٥:٤]
٤٨٢٨ - عن أبى هريرة رضى الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((حُسْنُ الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ الِْادَةِ(٢)».
(١) بها مش المنذرى : معناه أن من حدث بكل ماسمع، وفيه الحق والباطل، والصدق ،
والكذب - نقل عنه هو أيضاً ماحدث به من ذلك . فكان من جملة من يروى
الكذب ، وصار بذلك كذاباً لروايته إياه، وإن لم يتعمده، ولا أعرف أنه كذب .
(٢) هو حفص بن عمر بن الحارث بن سخبرة الأزد النمرى - أبو عمر الحوضى البصرى.
قال أبو طالب عن أحمد : ثبت ثبت متقن لا يؤخذ عليه حرف واحد. قال السمعانى :
نسبة إلى الحوض، وقال الرَّشاطى: منسوب إلى حوض مدينة باليمن اهـ.
والذى أعرف فى بلاد اليمن مدينة ((حرض)) بالراء المهملة المفتوحة ، فيحتمل أنها
تصحفت على الرشاطى ، لبعد البلاد ، وقول ابن السمعانى : أشبه . اهـ تهذيب .
(٣) بهامش المنذري: قال بعضهم . حسن الظن بالله تعالى من جملة حسن العبادة .
وفائدة الحديث : إعلام أن حسن الظن بالله تعالى من العبادات الحسنة .
ويحتمل أن يكون معناه : من حسنت عباده حسن ظنه . کما قيل : فى قوله صلى الله
عليه وسلم ((لا يموتَنَّ أَحَدُكم إلا وهو يحسن الظن بالله)).
=

- ٢٨٢ -
فى إسناده: مُهنّأ بن عبد الحميد، أبو شِئْل البصرى سئل عنه أبو حاتم الرازى؟
فقال : هو مجهول .
٤٨٢٩ - وعن صَفية - وهي ابنةُ حُِّّ رضى الله عنها - قالت ((كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم مُْتَكفاً، فأتيتُه أزوره ليلاً، تحدَّثَته وقُتُ، فانْقَلَبْتُ(١)، فقام
٤٨٢٩ - قال الشيخ: فيه من العلم: استحباب أن يتحرَّز الانسان فى كل أمر من
المكروه، مما تجرى به الظنون، ويخطر بالقلوب، وأن يطلب السلامة من الناس باظهار
البراءة من الريب .
وأقول: إن معنى حسن الظن بالله: هو أن يؤمن الإيمان الصادق بأسماء الله وصفاته
=
وأنه العليم الحكيم البر الرحيم الودود الشكور الغفور الشديد العقاب ، الرقيب الشهيد
الحسيب السميع البصير، القريب المجيب وغيرها من الأسماء . وسوء الظن : هو أن يشبهه
بملوك الدنيا ورؤسائها ، فيتخذله الوسائط والشفعاء، وأنه يقضى بغير الحق، ويحكم بغير
العدل، ويؤثر فيه الشفعاء والوسائط . وأنه يعطى بغير حكمة، وأنه يخدع بالأسماء والمظاهر
والدعاوى الباطلة . سبحان ربنا وتعالى عما يظنه أكثر الناس به اليوم علواً كبيراً.
ولا يمكن أن يبلغ العبد درجة اليقين وحسن ظنه بربه إلا بالتفكر السليم فى آياته الكونية
والتدبر والتفقه لآياته القرآنية . فيثمر ذلك العلم الصادق بأسماء الله وصفاته ، فيؤمن به
الإيمان الصحيح .
(١) بهامش المنذرى ((فانقلبت)) أى رجعت إلى بيتى ((وفقام معى إلى بيتى ليقلبنى))
أى يصحبنى إلى منزلى يقال: قَلَبِه يَقْلِه وانقلب هو: إذا انصرف. قال الله تعالى ( وإليه
تقلبون) ومنه حديث أبى هريرة أنه كان يقول لمعلم الصبيان ((اقلبهم)) أى اصرفهم إلى
منازلهم .
وفيه جواز هذا المعتكف مالم يخرج من المسجد ، وبوب عليه البخارى ((خروج
المتكف لحواتجه إلى باب المسجد)) لأن فى هذا الحديث (( أنه بلغ معها باب المسجد)).

- ٢٨٣ -
معى لَيَقْلِبَني ، وكان مَسَّكنها فى دار أسامة بن زيد، فمرّ رجلان من الأنصار ،
فلما رأيا النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَشْرَعا، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: عَلَى
رِسْلِكُما (١). إنَّهَا صَفيةُ بِنْتُ خُّ. قالا: سُبحان الله يا رسول الله (٢) !! قال:
إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْرِى مِنَ اْإِنْسَانِ مَجْرَى الَّمِ(٢)، تَسْتُ أَنْ يَقْذِفَ فى قلوبكا
شيئًا، أو قال: شراً)).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة وقد تقدم فى كتاب الصيام.
باب فى العِدَةِ [٤٥٦:٤]
٤٨٣٠ - عن أبى النعمان ، عن أبى وقاص ، عن زيد بن أرقم رضى الله عنه، عن
النبى صلى الله عليه وسلم، قال: ((إِذَا وَعَدَ الرَّجُلُ أَخَهُ، وَمِنْ نِّهِ أَنْ يَقَ ،
فَلَمَّ ◌َفٍ ، وَلَمْ يَجِءٌ لِلْمِعَادِ . فَ إِنْ عَلَيْهِ))
وأخرجه الترمذى . وقال : غريب ، وليس إسناده بالقوى . على بن
ويحكى عن الشافعى رحمه الله فى هذا: أنه قال (( خاف النبي صلى الله عليه وسلم أن
يقع فى قلوبهما شىء من أمره. فيكفرا. وإنما قال ذلك لهما شفقة عليهما . لا على نفسه)).
(١) بها مش المنذرى ((على رسلكما)) بكسر الراء وفتحها. وهما بمعنى التؤدة وترك
العجلة . وقيل: بالكسر التؤدة ، وبالفتح اللين والرفق . وأصله السير اللين. والمعنى
متقارب ، ثم ذكر ماحكى الخطابى عن الشافعى رحمهما الله .
(٢) بها مش المنذرى: فيه جواز قول ((سبحان الله)) عند تعظيم الأمر والتعجب.
قال الله تعالى (٢٤ : لولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا
بهتان عظيم ).
(٣) بهامش المنذرى : قيل: هو على ظاهره فإن الله قد جعل له قوة وقدرة على الجرى
فى باطن الإنسان ومجارى دمه . وقيل : هو استعارة لكثرة إغوائه ووسوسته فكانه
لا يفارق الإنسان ، كما لا يفارقه دمه .

- ٢٨٤ -
عبد الأعلى: ثقة . وأبو النعمان: مجهول. وأبو وقاص: مجهول. هذا آخر كلامه
وقد سئل أبو حاتم الرازى عن أبى النعمان ؟ فقال: مجهول، وسئل أيضا
عن أبى وقاص ؟ فقال : مجهول .
٤٨٣١ - وعن عبد الله بن أبى الْسَاء رضى الله عنه، قال («بايعتُ النبيَّ صلى الله
عليه وسلم يِبَيْ ، قبل أن يُبْعَثَ ، وبقيتْ لهَ بَقِيَةٌ . فوعدتُه أن آتيَه بها فى
مكانه، فنسيتُ ، ثم ذَكرت بعد ثلاثٍ ، جئتُ، فإذا هو فى مكانه ، فقال:
يا فَتَّى ، لَقَدْ شَقَقْتَ عَلَىَّ، أنا لهُهنا منذ ثلاثٍ أنتظرك)).
أخرجه من حديث إبراهيم بن طهمان عن بديل عن عبد الكريم عن
عبد الله بن شقيق عن أبيه عن عبد الله بن أبى الحمساء. وقال محمد بن يحيى:
هذا عندنا : عبدُ الكريم بن عبد الله بن شقيق .
وقال أبو على سعيدُ بن السَّكَن ، فى كتاب الصحابة له : روى حديثه
إبراهيم بن طهمان عن بُديل بن مَيْسرة عن عبد الله بن شقيق عن أبيه عنه
31
ويقال: عن بديل عن عبد الكريم المعلم
ويشبه أن يكون قولَ ابن السكن : الصوابُ .
وعبد الكريم المعلم: هو ابن أبى المخارق. ولا يحتج بحديثه.
باب فى المتشبع بما لم يُعطَ [٤: ٤٥٧]
٤٨٣٢ - عن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما ((أن امرأة قالت: يارسول الله،
إن لى جارةً - تعنى ضَرَّةً - هل عَلىَّ جُنَاحٌ: إن تَشَبَّعتُ لها بما لم يُعطِ زوجى؟
قال: المُتَشَبِ بما لم يُعْطَ كلاِسٍ أَوْبَىْ زورٍ » .
٤٨٣٢ - قال الشيخ: العرب تسمى امرأةً الرجل جارته. وتدعو الزوجتين الضّرتين
جارتين . وذلك لقرب أشخاصهما ، كالجارتين المتصافبتين فى الدارين تسكنانهما، ومن

،
- ٢٨٥ -
وأخرجه البخارى ومسلم والمساقى .
باب ما جاء فى المزاح [ ٤: ٤٥٧]
٤٨٣٣ - عن أنس بن مالك رضى الله عنه ((أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم
هذا قول الأعشَى لامرأته :
أجارتنا بينى فانك طالقة(١)
ومن هذا النحو قول امريء القيس :
أجارتنا ، إنا غريبان ههنا وكل غريب الغريب نسيب
وقوله (« كلابس ثوبی زور » يتأوَّل على وجهین .
أحدهما : أن الثوبين هنا كأنه كناية عن حاله ومذهبه ، وقد تَكْنِى العرب بالثوب
عن حال لابسه ، وعن طريقه ومذهبه . كقول الشاعر :
١
وإنى بحمد الله لا ثوب غادر لبست، ولا من رِيبةٍ أَتَفَنََّ
والمعنى : أن المتشبع بما لم يُعْطَ بمنزلة الكاذب القائل ما لم يكن .
والوجه الآخر: ما يروى عن فلان أنه (( كان يكون فى الحى الرجل له هيئة وُنُبْل.
فإذا احتيج إلى شهادة زور شهد بها . فلا يُرَدُّ من أجل نبله، وحسن ثوبيه)).
فأضيف الشهادة إلى ثوبيه ، إذ كانا سبب جوازها ورواجها .
٤٨٣٣ - قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله :
وفى الصحيحين عن أنس ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالطنا حتى يقول لأخ لى
صغير : يا أبا عمير ما فعل النغير)).
وقد أخرج الترمذى من حديث أسامة بن زيد عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة قال : قالوا
((يارسول الله، إنك تداعبنا، قال: إنى لا أقول إلا حقاً)) قال الترمذى: حديث حسن.
(١) تتمته من اللسان * كذاكِ أمور الناس: غادٍ وطارقه .
وبهامش المنذرى: ومنه قول عمر لحفصة ابنته رضى الله عنهما (( لا يغرنك إن كانت
جارتك)) يعني فى قصة تحريم النبى صلى الله عليه وسلم الغسل، وما أفضت عائشة إلى
حفصة رضى الله عنهما من سر رسول الله صلى الله عليه وسلم .

- ٢٨٦ -
فقال: يا رسول الله، اخِلْنى، قال النبى صلى الله عليه وسلم: إنَّا كَمِلُوكَ عَلَى وَلَدِ
نَةٍ. قال: ما أصنعُ بولدِ الناقة ؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم: وَهَلْ تَلِهُ
الإبلَ إِلَّ النُّوقُ؟)).
وأخرجه الترمذى ، وقال : صحيح غريب .
٤٨٣٤ - وعن النعمان بن بشير رضى الله عنهما قال: ((استأذن أبو بكر، رحمة
الله عليه، على النبى صلى الله عليه وسلم. فَسَمِع صوتَ عائشةَ عالياً، فلما دخلَ
تناولَهَا لِلْطُمَها ، وقال: ألَا أَرَاكِ تَرْفَِنَ صَوْتَكِ عَلَى رسول الله صلى الله عليه
وسلم؟ جعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَحُْزه، وخرج أبو بكر مُغْضَبًا، فقال
النبى صلى الله عليه وسلم ، حين خرج أبو بكر: كَيْفَ رَأَيْتِنِ أَنْقَذْتُكِ مِنَ
الرَّجُلِ؟ قال: فمكث أبو بكر أيَّامًا ، ثم استأذن على رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فوجدهما قد اضْطَلحا، فقال لهما: أَدْخِلَانى فى سلْمكما، كما أدخلتانى
فى حَرْبكما، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: نعم، قَدْ فَعَلْنَا، قَدْ فَعَلْناً)).
وأخرجه النسائى. وليس فى حديثه ذكر أبى إسحاق السَّبيعى .
٤٨٣٥ - وعن عَوْف بن مالك الأشجعى رضى الله عنه قال « أتيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم فى غَزْوَة تَبُوكَ ، وهو فى قُبَّة من أَدَمِ، فسلمتُ، فردَّ ، وقال:
ادْخُلْ. فقلت: كُلِّى يا رسول الله؟ قال: كُلَّك. فدخلت)).
وأخرجه البخارى وابن ماجة مطولا .
وليس فى حديث البخارى قصة الدخول .
٤٨٣٦ - وعن عثمان بن أبى العاتكة قال: إنما قال: ((أدخل كلى)) من
٠ ,٥
صِغَرِ الْقَبَّةٌ .
وعثمان - هذا - فيه مقال .

- ٢٨٧ -
٤٨٣٧ - وعن أنس رضى الله عنه ، قال: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم
((يَذَا الْأُذَنَينِ)).
وأخرجه الترمذى .
باب من يأخذ الشىء على المزاح [ ٤: ٤٥٨
٤٨٣٨ - عن عبد الله بن السائب بن يزيد، عن أبيه ، عن جده رضى الله عنه ،
أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لَا يَأْخُذَنَّ أَحَدُ كُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ
لَعِبًا وَلَا جَادًّا))
وقال سليمان - وهو ابن عبد الرحمن - ((لَعِبًا وَلَا جِدًّا. ومَنْ أَخَذَعَصا
أَخِيهِ فَلَيَرُدَّهَا)).
وأخرجه الترمذى . وقال : حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث
ابن أبى ذِئب .
٤٨٣٧ - قال الشيخ: كان مزح النبى صلى الله عليه وسلم مزحاً لا يدخله الكذب والتزيُّد.
وكل إنسان له أذنان فهو صادق فى وصفه إياه بذلك .
وقد يحتمل وجهاً آخر، وهو: أن لا يكون قصد بهذا القول المزاح . وإنما معناه
الحض والتنبيه على حسن الاستماع، والتلقَّف لما يقوله ويُعلِّمه إياه، وسماه (ذا الأذنين))
إذا كان الاستماع إنما يكون بحاسة الأذن ، وقد خلق الله تعالى له أذنين يسمع بكل واحدة
منهما، وجعلهما حجة عليه . فلا يعذر معهما إن أغفل الاستماع له، ولم يحسن الوعي له .
والله عز وجل أعلم .
٤٨٣٨ - قال الشيخ: معناه: أن يأخذه على وجه الهزل، وسبيل المزاح ، ثم يحبسه عنه
ولا يرده، فيصير ذلك جدّاً(١).
(١) سها. ش المنذرى: والجد نقيض الهزل. يقال منه: جد يجد - بالكسر - جداً.

- ٢٨٨ -
٤٨٣٩ - وعن عبد الرحمن بن أبى ليلى رحمه الله، قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله
عليه وسلم (( أنهم كانوا يسيرون مع النبى صلى الله عليه وسلم ، فنامَ رجلٌ منهم،
فانطلقَ بعضهم إلى حَيْل معه ، فأخذه ، ففزع ، فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: لَا يَحِلُّ لُسْلٍ أَن يُرُوِّعَ مُسْلًِ(١))).
باب ماجاء فى المتشدق فى الكلام [ ٤: ٤٥٩]
٤٨٤٠ - عن عبد الله - وهو ابن عمرو بن العاص رضى الله عنهما - قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إِنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ يُبْغِضُِ الْبَليغ مِنَ الرِّجَالِ:
الَّذِى يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ تَخَلَّلَ الْبَقِرَةِ بِلِسانِهاَ)».
وأخرجه الترمذى، وقال : حسن غريب من هذا الوجه .
٤٨٤١ - وعن الضحاك بن شرحبيل، عن أبى هريرة، رضى الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم ((مَنْ تَعَلَّمَ صَرْفَ الْكَلَامِ لِيْسِ بِ قُلُوب
-
٤٨٤١ - قال الشيخ: ((صرف الكلام)) فضله، وما يتكلّه الإنسان من الزيادة فيه
وراء الحاجة . ومن هذا سمى الفضلُ بين النقدين صَرْفاً .
وإنما كره رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لما يدخله من الرياء والتصنع، ولما
يخالطه من الكذب والتزيد(٢).
(١) بهامش المنذرى: الروع: الفزع. قال الله تعالى (١١: ٧٤ فلما ذهب عن إبراهيم
الروع ) .
(٢) بها مش المنذري : - بعد ذكر كلام الخطابى - وأمر صلى الله عليه وسلم أن يكون
الكلام قصداً بقدر الحاجة. يقال: فلان لا يحسن صرف الكلام ، أى فضل بعضه
على بعض .

- ٢٨٩ -
الرَّجَالِ، أَوِ النَّاس، لَمْ يَقْبَلَ الله مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفَا وَلَا عَدْلاً)) .
ءُ
الضحاك بن شرحبيل - هذا - مصرى، ذكره ابن يونس فى تاريخ المصريين
وذكره البخارى وابن أبى حاتم، ولم يذكر له رواية عن أحد من الصحابة.
وإنما روايته عن التابعين.
ويشبه أن يكون الحديث منقطعاً، والله عز وجل أعلم .
٤٨٤٢ - وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال ((قدِمَ رجلان من المشْرق
خطبا ، فعجبَ الناسُ - يعنى لبيانهما - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إِنَّ مِنَ الْبَنِ لَسِحْراً، أو: إِنَّ بَعْضَ الْبَيَن ◌َسِحْرٌ)).
وأخرجه البخارى والترمذى .
والرجلان: هما الزّبْرِقان بن بَدْر، وعمرو بن الأهْتَم. ولهما محبة
والأهم : بفتح التاء ثالث الحروف.
وكان قدومهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع من الهجرة .
٤٨٤٣ - وعن أبى ظبية، أن عمرو بن العاص رضى الله عنه قال يوماً - وقام
رجلٌ فأكثر القولَ - فقال عمرو: (( لَوْ قَصَدَ فى قوله لكان خيراً له ، سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لَقَدْ رَأَيْتُ، أَوْ أُمِرْت، أنْ أَنَجَوَّزَ
فى الْقَوْلِ(١)؛ فإنَّ الجَوَازَ: هُوَ خَيْرٌ)).
وأمر صلى الله عليه وسلم أن يكون الكلام قَصْداً تِلْوَ الحاجة ، غير زائد عليها،
يوافق ظاهره باطنه ، وسرُّه عَلَنه .
(١) بهامش المنذرى: أى أخفف . ومنه: تجوز فى صلاته ، أى خففها وأسرع بها.
ويحتمل أن يكون من قولهم : تجوز فى كلامه : أى تكلم بالمجاز . والأول ههنا أظهر
لمساق الحديث .
م ١٩ - مختصر السنن - ج ٧

- ٢٩٠ -
أبو ظبية : بفتح الظاء المعجمة ، وسكون الباء الموحدة، وبعدها ياء آخر
الحروف مفتوحة، وتاء تأنيث - كلاعى حمصى ثقة .
وفى إسناده: محمد بن إسماعيل بن عَيَّاش عن أبيه . وفيهما مقال .
باب ما جاء فى الشعر [٤٦٠:٤]
٤٨٤٤ - عن أبى هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(لَأَنْ يَتَلِىءُ جَوْفُ أَحَدِكُمْ فَيْعًا: خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَثَلِىءَ شِئْراً)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى وابن ماجة .
قال أبو على - وهو اللؤلؤى صاحبُ أبى داود - بلغنى عن أبى عبيد أنه قال:
وجهه: أن يمتلىء قلبه، حتى يَشْفَله عن القرآن، وذكر الله، فإذا كان القرآنُ
والعلمُ الغالبَ، فليس جَوفُ هذا عندنا ممتلئاً من الشعر.
و ((إن من البيان لسحراً)): فإن المعنى: أن يبلغ من بيانه : أن يمدح
الإنسان، فيصدُق فيه، حتى يصرف القلوبَ إلى قوله، ثم يَدْمَّه، فيصدُق فيه
حتى يصرفَ القلوب إلى قوله الآخر ، فكأنه سَحَر السامعين بذلك . هذا
آخر كلامه .
وقد اختلف العلماء فى قوله صلى الله عليه وسلم ((إن من البيان لسحراً)).
فقيل: أورده مورد الذم ، لتشبيهه بعمل السحر ، لقلبه القلوب ، وتزينه
القبيح، وتقبيحه الحسن ، وإليه أشار الإمام مالك رحمه الله ، فإنه ذكر هذا
الحديث فى الموطأ فى ((باب ما يكره من الكلام))
قيل معناه: أن صانعه يكسب به من الإثم ما يكسبه الساحر بعمله .
وقبل: أورده مورد المدح، أى أنه تمال به القلوب، ويُتَرَضَّى به الساخط،

- ٢٩١ -
ويُسْتَغْزَلُ به الصعب، ويشهد له ((إن من الشعر لحكمة)) وهذا لا ريب
فيه : أنه مدح . فكذلك مصراعه الذى يازائه .
وقال بعضهم فى الامتلاء من الشعر: أى الشعر الذى هُجى به رَسولُ الله
صلى الله عليه وسلم .
وهذا القول غير مرضى . فإن شَطر البيت من ذلك يكون كفراً . فإذا
محمل على الامتلاء منه، فقد رخص فى القليل منه . وهذا ليس بشىء.
والمختار: ما تقدم .
٤٨٤٥ - وعن أبيِّ - وهو ابن كعب رضى الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال ((إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً)).
وأخرجه البخارى وابن ماجة .
٤٨٤٦ - وعن ابن عباس رضى الله عنهما، قال ((جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ صلى الله
عليه وسلم، جعلَ يتكلّمُ بكلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ مِنَ
الْبَيَانِ سِحْراً، وإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا)).
٤٨٤٦ - قال الشيخ : اختلف الناس فى هذا وفى تأويله.
فقال بعضهم : وجهه : أنه ذم التصنع فى الكلام ، والنكلف لتحسينه وتزويقه،
ليروق السامعين قوله، ويستميل به قلوبهم . فيحيل الشىء عن ظهره ، ويزيل عن
موضوعه: إرادة التلبيس عليهم . فيصير ذلك بمنزلة السحر الذى هو - أو نوع منه - تخييل
لما لا حقيقة له، وتوهيم لما ليس له محصول. والسحر منه مذموم. وكذلك المشبه به.
وقال آخرون : بل القصد به مدح البيان، والحثُّ على تَخيُر الألفاظ، والتأنقُّ
. فى الكلام .
واحتج لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن من الشعر لحكماً)).

- ٢٩٢ -
٤٨٤٧ - وعن صَخْر بن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن جده رضى الله عنه،
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إِنَّ مِنَ الْبََّانِ سِحْراً، وإن
مِنَ الْبِ جَهْلاً، وإِنَّ مِنَ الشُّعْرِ مُكْمَاً، وإِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عِيَلا)».
«فقال صعصعة بن صوحان : صدق ني الله صلى الله عليه وسلم
.
أما قوله ((إنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْراً)) فالرجل يكون عليه الحق، وهو أَلْنُ
بالحجج من صاحب الحق، فَيَسْحَر القوم ببيانه. فيذهبُ بالحق .
وأما قوله: ((إنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلاً)) فيتكلف العالم إلى علمه ما لا يعلم
فيُجَهِّله ذلك .
وأما قوله ((إن من الشعر حكما)»: فهو هذه المواعظ والأمثال التى
يَتَّمِطُ بها الناسُ.
وذلك ما لا ريب فيه: أنه على طريق المدح له . وكذلك مصراعه الذى بإزائه . لأن
عادة البيان غالباً: أن القرينين نظماً لا يفترقان حكما .
وروى عن عمر بن عبد العزيز ((أن رجلاً طلب إليه حاجة، كان يتعذر عليه إسعافه
بها . فرقّق له الكلام فيها ، حتى استمال به قلبه ، فأنجزها له . ثم قال : هذا هو
السحر الحلال )».
٤٨٤٧ - قال الشيخ: أما قوله (( إن من البيان سحراً)) فالرجل يكون عليه الحق ، وهو
ألحنُ بحجته من صاحب الحق ، فيسحَر القوم ببيانه . فيذهب بالحق .
وأما قوله ((إن من العلم جهلاً)) فيتكلف العالم إلى علمه ما لا يعلم . فيجهله ذلك .
وأما قوله ((إن من الشعر حكما )) فهى هذه المواعظ والأمثال التى يتعظ بها الناس .
وأما قوله (( إن من القول عيالاً)). فعرضُ كلامك أو حديثك على من ليس من
شأنه ولا یر یده .
قلت: هكذا رواه أبو داود ((من القول عيالاً)) ورواه غيره ((إن من القول عَيَلا»
هكذا ذ کره الأزهری عن المنذرى .

- ٢٩٣ -
وأما قوله ((إِنَّ من القول عيالا)» فعَرْضَك كلامَك وحديثَك على من
ليس من شأنه ولا يريده .
فى إسناده: أبو تُمَيْلَةَ - يحيى بن واضح - الأنصارى المروزى، وثقه
يحيى بن معين ، وأبو حاتم الرازى، وأدخله البخارى فى كتاب الضعفاء . فقال
أبو حاتم الرازى: يُحُوَّل من هناك .
٤٨٤٨ - وعن سعيد - وهو ابن المسيِّب - قال ((مَرَّ عمر رضى الله عنه بحسّانِ،
وهو يُنْشِدُ فى المسجد، فَلَحَظَ إليه (١)، فقال: قد كنتُ أُنشدُ فيه مَنْ هو
خيرٌ منك))
وأخرجه النسائى .
وسعيد بن المسيب لم يصح سماعه من عمر . فان كان سمع ذلك من حسان
بن ثابت فيتصل .
٤٨٤٩ - وعن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة، بمعناه - زاد ((نخشى أن
يرميه برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجازه)).
قالحدثنا يعقوب بن إسحق المخزومی حدثنا سعيد بن محمد الجرمى حدثنا أبو تُميلة بإسناد ..
قال الأزهرى: قوله ((عيلا)) من قولك: عِلتُ الضالة أعيل عَيْلا وعَيَلًا: إذا لم تدر
أى جهة تبغيها .
قال أبو زيد: كأنه لم يهتد لمن يطلب علمه فعرضه على من لا يريده .
٤٨٤٩ - ذكر حديث سعيد بن المسيب فى واقعة عمر وحسان ، ثم قال المنذرى: وسعيد بن
المسيب لم يصح سماعه من عمر ، فان كان سمع ذلك من حسان فمتصل .
ثم قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله :
(١) بهامش المنذرى: لحظه ولحظ إليه: أى نظر إليه بمؤخر عينه. يفهمه بذلك:
إنكاره لما يفعل .

- ٢٩٤ -
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى بمعناه، دون الزيادة.
٤٨٥٠ - وعن عائشة رضى الله عنها، قالت (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يَضْعُ لحسانَ مِنْبَراً فى المسجد ، فيقوم عليه يَهْجُو مَنْ قال فى رسول الله صلى الله
٤٨٥٠ - قال الشيخ: قوله ((ما نافح)) معناه دافع، ومن هذا قولهم ((نفحتُ الرجل
بالسيف)) إذا تناولته من بعد، ونَفَحَتْه الدابة: إذا أصابته بحدٍّ حافرها.
وقد تكرر له فى هذا الكتاب فى مواضع ، وبه يعلل ابن القطان وغيره حديث سعيد عن
عمر، وهو تعليل باطل ، أنكره الأئمة ، كأحمد بن حنبل ويعقوب بن سفيان وغيرهما .
قال أحمد : إذا لم يقبل سعيد بن المسيب عن عمر فمن يقبل؟ سعيد عن عمر عندنا حجة .
وقال حنبل فى تاريخه : حدثنا أبو عبد الله - یعنی أحمد بن حنبل - حدثنا محمد بن جعفر
حدثنا سعيد عن إياس بن معاوية قال: قال سعيد بن المسيب ((ممن أنت؟ قلت : من مزينة .
قال: إنى لأذكر يوم نعى عمر بن الخطاب النعمان بن مقرن المزنى على المنبر)) وهذا صريح
فى الرد على من قال : إنه ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر .
وقال يحيى بن سعيد الأنصارى : كان سعيد بن المسيب يسمى رواية عمر بن الخطاب ، لأنه
كان أحفظ الاس لأحكامه .
وقال مالك : بلغنى أن عبد الله بن عمر كان يرسل إلى ابن المسيب يسأله عن بعض شأن
عمر ، وأمره .
هذا، ولم يحفظ عن أحد من الأئمة أنه طعن في رواية سعيد عن عمر ؛ بل قابلوها كلهم
بالقبول والتصديق ، ومن لم يقبل المرسل قبل مرسل سعيد عن النبى صلى الله عليه وسلم .
وقال الحاكم فى علوم الحديث: سعيد بن المسيب أدرك عمر وعلياً وطلحة ، وباقى العشرة ،
وسمع منهم .
والمقصود : أن تعليل الحديث برواية سعيد له عن عمر تعنت بارد .
والصحيح : أنه ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر ، فیکون له وقت وفاة عمر ثمان سنين.
فكيف ينكر سماعه، ويقدح فى اتصال روايته عنه؟ والله الموفق للصواب .
وقد أخرجاه فى الصحيحين ، وذكره أبو داود عقب هذا الحديث عن سعيد بن المسيب عن
أبى هريرة - فذكر الحديث بمعنى ماتقدم دون ذكر الزيادة .

- ٢٩٥ -
عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ رُوحَ القُدُس(١) مع حسان،
ما نَفَحَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم» .
وأخرجه الترمذى، وقال : حسن صحيح .
٤٨٥١ - وعن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: (٢٦: ٢٢٤ والشُّعَرَاء يَّبِعُهُمُ
الْغَاوُون) فنسخ ذلك، واستثنى، فقال: (إِلَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحاتِ
وذكَرُوا الله كَثِيراً))).
فى إسناده : على بن الحسين بن واقد ، وفيه مقال .
باب ما جاء فى الرؤيا [٤: ٤٦٢]
٤٨٥٢ - عن زُفَر بن صَعْصَعة، عن أبيه، عن أبى هريرة رضى الله عنه ((أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان إذا انصرفَ من صلاةِ الغَداة يقول: هل
رأى أحدٌ مِنْكِ الّيْلَةَ رُؤْياً؟ ويقول: إنّهُ ليس يَبْقَى بعدى مِنَ النَّبُوَّةِ إلا الرُّؤْيا
الصالحة)» .
١
وأخرجه النسائى من حديث زفر بن صعصعة عن أبى هريرة، من غير
ذكر صعصعة. والمحفوظ من حديث الإمام مالك بن أنس : إثبات صعصعة
فی إسناده .
٤٨٥٢ - قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله:
وقد روى البخارى فى صحيحه من حديث الزهرى حدثني سعيد بن المسيب : أن أبا هريرة
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( لم يبق من النبوة إلا المبشرات: قالوا: وما
المبشرات ؟ قال: الرؤيا الصالحة)) وأخرجه مسلم من حديث ابن عباس.
(١) روح القدس: هو جبريل عليه السلام. و((نافح)) أى دافع وخاصم. يقال:
نفحت عن فلان ، ونافت عنه : أى خاصمت ودافعت .

-- ٢٩٦ -
٤٨٥٣ - وعن عبادة بن الصامت رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم ،
قال: ((رُوْيا المؤمنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِين جزءًا مِنَ النَُّوَّةِ)).
٤٨٥٣ - قال الشيخ: معنى هذا الكلام : تحقيق أمر الرؤيا وتأكيده . وإنما كانت
جزءاً من أجزاء النبوة فى الأنبياء صلوات الله عليهم، دون غيرهم. وكان الأنبياء يوحى إليهم
فى منامهم ، كما يوحى إليهم فى اليقظة .
وأنبأنا ابن الأعرابى حدثنا ابن أبى ميسرة حدثنا الحميدى حدثنا سفيان بن عيينة
قال: قال عمرو بن دينار عن عبيد بن عمير ((رؤيا الأنبياء وحي)) وقرأ قوله تعالى
(١٠٢:٣٧ إنى أرى فى المنام أنى أذبحك. فانظر ماذا ترى؟ قال: ياأبتِ ، افعلْ ما نؤمر).
فأما تحديد أجزائها بالعدد المذكور: فقد قال فى ذلك بعض أهل العلم قولاً، زعم أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم بقى منذ بدء الوحى إلى أن مات ثلاثاً وعشرين سنة ، أقام
بمكة منها ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشرسنين. وکان یوحى إليه في منامه فى أول
الأمر بمكة ستة أشهر. وهى نصف سنة . فصارت هذه المدة جزءاً من ستة وأربعين
جزءاً من النبوة(١).
(١) بهامش المنذرى: وقد اعترض على هذا بأمور:
منها: أنه لم يثبت أن أصل رؤياه صلى الله عليه وسلم قبل النبوة كانت ستة أشهر.
ومنها: أن مدة الوحى قد جاء (( أنها كانت عشرين سنة)) وفى رواية (( كانت خمبا
وعشرین)).
وقد جاء (( إنها جزء من خمسة وأربعين)) و (( جزء من سبعين))، وغير ذلك، وكل
هذا مخالف لما ذكره .
وقد قيل : ثمرة المنامات : الإخبار بالغيب ، والإخبار بالغيب أحد ثمرات النبوة ، وهو
فى جنب فوائد النبوة يسير .
وقيل : هذا راجع إلى اختلاف حال الرائى. فالمؤمن الصالح يكون نسبة رؤياه جزءا
من ستة وأربعين جزءا من النبوة . والفاسق من سبعين . وقيل فيه غير ذلك . والله عز
وجل أعلم .

- ٢٩٧ -
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائي .
٤٨٥٤ - وعن أبى هريرة رضى الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال:
((إذا اقْرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْياً المؤمن أن تَكْذِبَ ، وَأَصْدَقَهُمْ رُؤْيَاً:
أصدتُهُم حديثاً، والرُّؤْيا ثلاث: فالرُّؤْيا الصالحة: بُشْرَى من الله، والرؤيا:
تَحزينٌ من الشيطان، ورُؤْيا مما يُحدِّثُ به المرءِ نفسَه، فإذا رأى أحدُكم
ما يكره فليُّ فَلْيُصَلِّ، ولا يُحَدِّثْ بها الناس. قال: وأُحِبُّ القَيْدَ، وأكره
الغُلَّ . القيد : ثَبَأْتٌ فى الدين )).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى وابن ماجة .
هكذا جاء فى هذه الرواية وغيرها. ظاهره: أن الجميع قولُ رسول صلى الله
عليه وسلم. وليس الأمر كذلك، لأن ذكر القَيْد والغُل : قول أبى هريرة،
أدرج فى الحديث . جاء ذلك مبيناً فى الروايات الثابتة .
ورواه عوف بن أبى جميلة عن محمد بن سيرين ، فذكر أن من أول المتن
وقال بعض العلماء معناه: أن الرؤيا تجيء على موافقة النبوة، لا أنها جزء باق من النبوة.
وقال آخرون: معناه أنها جزء من أجزاء على النبوة ، باق . والنبوة غير باقية بعد
رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم ((ذهبت النبوة وبقيت
المبشرات : الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو تُرى له )).
٤٨٥٤ - قال الشيخ : في اقتراب الزمان قولان .
أحدهما : أنه قرب زمان الساعة ودنو وقتها .
والقول الآخر: أن معنى اقتراب الزمان : اعتداله، واستواء الليل والنهار.
والمعبرون يزعمون : أن أصدق الرؤيا ما كان فى أيام الربيع . ووقت اعتدال.
الليل والنهار .

- ٢٩٨ -
إلى قوله ((جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة)) قول رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فأما ما بعده : فاته من كلام محمد بن سيرين .
وقال البخارى فى الصحيح : وحديث عوف أَنْيَنُ .
قال أبو داود: ((اقترب الزمان)) إذا اقترب الليل والنهار ، يستويان .
هذا آخر كلامه .
وقد قيل: هو اقتراب الساعة ، ويؤيده الحديث الآخر ((إذا كان
آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب)).
ويحتمل أن يراد: اقتراب الموت عند علوّ السِّنِّ . فان الإنسان فى ذلك
مُ
الوقت غالباً: يميل إلى الخير والعمل به ، وَيَقِلُّ تحديثُه نفسَه بغير ذلك .
٤٨٥٥ - وعن وَكيح بن عُدُس، عن عَمّهِ أبى رَزِين - وهو العُقيلى رضى الله
عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((الرُّؤْيا على رِجْلٍ طائٍ ،
ما لم تُعَبَرَ ، فإذا ◌ُبرَت وقعت - وأحسبه قال : ولا يَقُصُها إلا على وادٍ ،
٤٨٥٥ _ قال الشيخ. معنى هذا الكلام: حسن الارتياد لموضع الرؤيا، واستعبارها العالم
بها، الموثوق برأيه وأمانته .
وقوله (على رجل طائر)) مَثلٌ. ومعناه: أنها لا نستقر قرارَها ما لم تُعَرَ.
وقال أبو إسحق الزجاج فى قوله (( لا يقصها إلا على وادّ ، أو ذي رأى)) الوادُ
لا يحب أن يستقبلك فى تفسيرها إلا بما تحب، وإن لم يكن عالماً بالعبارة. ولم يعجل لك
بما يَقُّك، لا أن تعبيره يزيلها عما جعلها الله عليه .
وأما ذو الرأى فمعناه : ذو العلم بعبارتها . فهو يخبرك بحقيقة تفسيرها ، أو بأقرب ما يعلم
منها . ولعله أن يكون فى تفسيره موعظة تردعك عن قبيح ما أنت عليه ، أو تكون فيها
بشرى ، فتشكر الله على النعمة فيها .

- ٢٩٩ -
أو ذِي رَأىٍ(١))).
وأخرجه الترمذى وابن ماجة ، وقال الترمذى : حسن صحيح . هذا
آخر كلامه .
وأبو رزين: هو لقيط بن عامر بن أبى صبرة ، ويقال : لقيط بن صبرة .
وقيل : إن لقيط بن عامر غير لقيط بن صبرة. وفصل بينهما الحافظ أبو القاسم
الدمشقي فى الأشراف. فى ترجمتين. وصحح بعضهم الأول .
قال البخارى : لقيط بن عامر ، ويقال : لقيط بن صبرة بن المنتفق أبو رَزين
العُقيلى ، له صحبة .
وكذلك قال عبد الرحمن بن أبى حاتم وأبو أحمد الكرابيسى وأبو عمر
النَّمَرَى ، وقال: وقيل: إن لقيط بن عامر: غير لقيط بن صبرة. وليس بشىء.
٤٨٥٦ - وعن أبي قتادة - وهو الحرث بن رِبْعِى الأنصارى رضى الله عنه -
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الرُّؤْيا من الله، والُمُ من
الشيطان . فإذا رأى أحدُ كم شيئاً يكرهه فَلْيَنَفَتْ عن يساره ثلاثَ مراتٍ ،
(١) بها مش المنذرى: أى إنها على رجل قَدَر جارٍ ، وقضاء ماض من خير أو شر.
وأن ذلك هو الذى قسمه الله تبارك وتعالى لصاحبها ، من قولهم : اقتسموا داراً فطار سهم
فلان : أی وقع سهمه وخرج .
والمراد : أن الرؤيا هى التى يعبرها الأول ، فكأنها كانت على رجل طائر، فسقطت
فوقعت حين ◌ُبرت ، كما يسقط الشىء الذى يكون على رجل الطائر بأدنى حركة .
والواد : لا يستقبلك في تفسيرها إلا بما تحب، وإن لم يكن عالما بالعبارة ، ولم يعجل
بما يضمك، إلا أن تعبيرها يزيلها عما جعلها الله عليه.
وذو الرأي - أى ذو العلم بعبارتها - فهو يخبرك بحقيقة تفسيرها أو بأقرب ما يعلم منها،
فلل أن يكون فى تفسيره موعظة ترد عن قبيح، أو بُشرى، فتشكر الله تبارك وتعالى على
النعمة فيها .

- ٣٠٠ -
ثم لَتَوّذْ مِنْ شَرِّها، فإنها لا تَضُرُ.(١))).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائي وابن ماجة .
٤٨٥٧ - وعن جابر - وهو ابن عبدالله الأنصارى رضى اللهعنهما .. عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم، أنه قال ((إِذَا رَأَى أَحَدُ كُمُ الرؤيا يكرهُها فلْيَبْصُقْ عن
يَساره، ولْيَتَعَوَّذْ بالله من الشيطان ثلاثاً، وَيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الذى كان عليْه)).
وأخرجه مسلم والنسائى وابن ماجة .
(١) بهامش المنذرى: الرؤيا والحلم: معناها واحد، وهو عبارة عما يراه النائم فى نومه
من الأشياء، لكن صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم خص الخير: باسم الرؤيا، والشر
باسم الحلم، ومنه قوله تعالى (١٢: ٤٤ أضغاث أحلام) ويستعمل كل واحد منهما موضع
الآخر. وتضم لام الحلم وتسكن . وإضافتها إلى الله إضافة اختصاص وإكرام لسلامتها
من التخليط ، وطهارتها عن حضور الشيطان وإفساده لها، وإضافة الأخرى إلى الشيطان
لكونها مكروهة.
وقيل: لأنها توافق الشيطان ويستحسنها ، لما فيها من شَغْل بال المسلم، لاأن الشيطان
يفعل شيئاً، ولا خالق إلا الله تبارك وتعالى.
تفت ينفِتْ ويَغْفُث - بكسر الفاء وبضمها - والنّفْت: شبيه بالنفخ، وهو أقل من
التفل . لأن التغل لا يكون إلا ومعه شىء من الريق. وقيل: هما سواء يكون معهماريق .
وقيل: بعكس الأول .
وقال الطبرى: وجه أمره صلى الله عليه وسلم بالنفث عن الشمال ثلاثاً - والله أعلم -
خَشْئاً - بفتح الخاء المعجمة وسكون السين المهملة وفتح الهمزة - الشيطان كما يتفل الإنسان
عند الشىء القذر يراه أو ينظره، ولا شىء أقذر من الشيطان ، فأمر عليه الصلاة والسلام
من رأى ما يكره بالتغل عند ذكره .
وأما خصوصية الشمال بذلك ، دون اليمين : فلأن تأنّى الشرور كلها عند العرب من
قبل الشمال ، ولذلك سمتها الشَّوْمى، وكذلك كانوا يتشاءمون بما جاء من قبلها من طائر ،
وقال : إنه ليس فيه كثير اعتمال من بطش وأخذ وإعطاء ، وأكل وشرب.