Indexed OCR Text

Pages 401-420

- ٤٠١ -
ويدل على صحة ذلك حديث ابن عمر رضى الله عنهما . وقد ذكره أبو داود فى الباب
الذى يليه .
وقال الترمذى : وروى شعبة هذا الحديث عن قتادة، ولم يذكر فيه أمر السعاية .
وقال أبو عبد الرحمن النسائى: أثبتُ أصحاب قتادة: شعبةُ، وهشام الدستوائى ،
وسعيد بن أبى عروبة. وقد اتفق شعبة وهشام على خلاف سعيد بن أبى عروبة . وروايتهما
- والله أعلم - أولى بالصواب عندنا.
وأكبر ظنى : أنه شىء كان يقوله نافع برأيه.
فذكر ما تقدم من حفظ مالك وترجيح حديثه على أيوب .
قال أصحاب السعاية : مالك ومن معه رووا الحديث كماسمعوه. ولا ريب أن نافعاً كان يذكر
هذه الزيادة متصلة بالحديث ، فأداء أصحابه كما سمعوه يذكرها .
وأما أيوب فاطلع على زيادة علم لم يذكروها ولا نفوها ، وإنما أدوا لفظ نافع كما سمعوه
يسوق الحديث سياقة واحدة ، فأدوا ما حفظوه ، وأيوب اطلع على تفصيل وتمييز فى الحديث،
فكلهم صادق فى روايته، والحكم لمن فصل وميز، وهذا الشك منه هو عين الحفظ ، فإنه
سمع كما سمعه الجماعة، وفصل الزيادة وميزها ، فقال: أكبر ظنى: أنه شىء كان يقوله نافع
برأيه ، وسمعه مرة، أو مراراً يذكره متصلا بالحديث ، فشك: هل هو من قوله ، أو من
قول النبي صلى الله عليه وسلم ؟
وإنما يفيد تقديم عبيد الله ومالك عليه فى الحفظ : أن لو خالفهم ، فاذا أدى ما أدوه ،
بوروى مارووه بعينه، واطلع على زيادة لم يذكروها: كان الأخذ بروايته أولى. لأنهم لم يقولوا:
قال نافع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((وإلا فقد عتق منه ماعتق)) وإنما أدرجوها فى
الحديث إدراجاً ، كما سمعوه، وفصل أيوب هذا الإدراج ، حفظ شيئاً لم يحفظوه .
قالوا : وعلى تقدير الجزم بأنها من كلام النبى صلى الله عليه وسلم لا تناقض حديث الاستسعاء
فان قوله (( وإلا فقد عتق منه ما عتق)) معناه: وإن لم يكن لمعتق البعض مال يبلغ ثمن باقيه
عتق من العبد بإعتاقه القدر الذى أعتقه، وأما الجزء الباقى فمسكوت عنه ، لم يذكر حكمه .
فجاء بيان ذكر حكمه فى حديث أبى هريرة ، فتضمن حديث أبى هريرة ما فى منطوق حديث
ابن عمر وزيادة بيان ماسكت عنه ، ولا تنافى بين الحديثين، وهذا ظاهر على أحد القولين؛-
لأن باب السعاية أنه لا يعتق بعتق الشريك، وإنما يعتق بعد الأداء بالسعاية، بخلاف الجزء
الذى قد أعتقه، فانه قد تنجز عتقه، وعتق الجزء الآخر منتظر موقوف على أداء ما استسعى
عله ، كالكتابة .
م ٢٦ - مختصر السن - ج.

- ٤٠٢ -
وقد بلغنى: أن هَمَّاما روى هذا الحديث عن قتادة. فجعل الكلام الأخير قوله ((وإن ل﴾.
يكن له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه)» قولَ قتادة . والله أعلم.
وقال عبد الرحمن بن مهدى : أحاديث عام عن قتادة : أصح من حديث غيره . لأنه
كتبها إملاء .
وقال الدارقطنى: روى هذا الحديث شعبة وهشام عن قتادة - وما أثبت - فإ يذكرا
الاستسعاء . ووافقهما مام. وفَصَل الاستسعاء من الحديث ، فجعله من رأى قتادة .
ومعلوم أن قوله (( وإلا فقد عتق منه ماعتق)) لا ينافى عتقه بالسعاية على هذا الوجه .
فغاية حديث ابن عمر : أن يدل بمفهومه .
فان قوله (( عتق ماعتق)) منطوقه: وقوع العتق فى الجزء المباشر به ، ومفهومه : انتفاء
هذا العتق عن الجزء الآخر ، والمفهوم قد يكون فيه تفصيل، فيعتق فى حال ، ولا يعتق
فى حال .
وكذا يقول أصحاب السعاية فى أحد قوليهم: يعتق بأداء السعاية ، ولا يتنجز عتقه قبلها.
قالوا : وعلى هذا فقد وفينا جميع الأحاديث مقتضاها، وعملنا بها كلها ، ولم نترك بعضها لبعض
قالوا: وقد أشار النبى صلى الله عليه وسلم إلى امتناع الشركة بين الله وعبده فى رقبة المملوك
بقوله (( ليس لله شريك)) وهذا تعليل لتكميل الحرية، ولهذا أخرج الحر المملوك عن مالكه
قهراً ، إذا كان الشريك المعتق موسراً ، لرغبته فى تكميل الحرية المنافية للشركة بين الله وعبده
فى رقبة المملوك .
فإيجاب السعاية على العبد لتكميل حريته إذا كان قادراً عليها أولى، لأن الشارع إذا
أوجب على غير مالكه أن يفك بقية رقبته من الرق الذى هو أثرّ الكفر ، فلأن يوجب على
العبد أن يفتك بقية رقبته مع كسبه وقدرته على تخليص نفسه أولى وأحرى .
وهذا فى غاية الوضوح، وهو يشبه الأسير إذا قدر على تخليص نفسه من الأسر ، بل هذا
أولى، لأنه قد صار فيه جزء لله لا يملكه أحد ، وقد أمكنه أن يصير نفسه عبداً محضاً له.
والشارع متطلع إلى تكميل الأملاك للمالك الواحد، ورفع ضرر الشركة، ولهذا جوز للشريك
انتزاع الشقص المشفوع من المشترى قهراً، ليكمل الملك له ، ويزول عنه ضرر الشركة ، مع
تساوى المالكين . فما الظن إذا كان الخالق سبحانه هو مالك الشقص ، والمخلوق مالك البقية ؟
أليس هذا أولى بانتزاع ملك المخلوق وتعويضه منه ، ليكمل ملك المالك الحق ؟ ولا سبيل إلى.
إبطال الجزء الذى هو ملك الله، فتعين انتزاع حصة العبد وتعويضه عنها.
فهذا مأخذ الفريقين فى المسألة من جهة الأثر والنظر ، والله الموفق للصواب .

- ٤٠٣ -
وسمعت أبا بكر النيسابورى يقول: ما أحسن ما رواه هام وضبطه . فصلَ قولَ قتادة .
وقال أبو عمر يوسف بن عبد البر: والذين لم يذكروا السعاية: أثبتُ ممن ذكرها.
وقال أبو محمد الأصيلى، وأبو الحسن بن القصار ، وغيرهما : من أسقط السعاية أولى
يمن ذكرها.
وقال البيهقى : فقد اجتمع ههنا شعبةُ ، مع فَضْلِ حِفْظِهِ وعلمه بما سمع قتادة ومالم يسمع
وهشام - مع فضل حفظه - وهام ، مع صحة كتابه، وزيادة معرفته. بما ليس من الحديث:
على خلاف ابن أبى عروبة ومن تابعه: من إدراج السعاية فى الحديث .
وفى هذا ما يضعف ثبوت الاستسماء بالحديث .
وذكر أبو بكر الخطيب: أن أبا عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرى : رواه عن همام،
وزاد فيه ذكر الاستسعاء، وجعله من قول قتادة ، وميزه من كلام النبى صلى الله عليه وسلم
باب فيمن روى: أنه لا يستسعى [٤٠:٤]
٣٧٨٥ عن مالك، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال (( مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِ تْلُوكِ أُقِيمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ
حَصَصَهُمْ، وَأَعْتِقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ ، وَإِلا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَثَقَ))
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة ..
٣٧٨٦ - وعن أيوب، عن نافع ، عن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبي صلى الله
عليه وسلم ، بمعناه .
قال: وكان نافع ربما قال ((فقد عتق منه ماعتق)) وربما لم يَقُلْه.
٣٧٨٥ - قال الشيخ: قوله ((وإلا فقد عتق عليه ما عتق)) يدل على أنه لا عاقبة
وراء ذلك .
وفيه : سقوط السعاية . وهو أثبت شىء روى من الحديث فى هذا الباب .
قال أبو داود: قال أيوب : وروى هذا الحديث عن نافع فقال : كان نافع ربما قال :
( فقد عتق منه ما عتق)) وربما لم يقله .

- ٤٠٤ -
٣٧٨٧ - وفى رواية: قال - يعنى أيوب - فلا أدرى هو فى الحديث عن النبى صلى الله عليه
وسلم، أو شىء قاله نافع (( وإلا عتق منه ما عتق))؟
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى .
٣٧٨٨: وعن عبيد الله - وهو ابن عمر - عن نافع، عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مَنْ أَعْتَقَ شِرْ كًا مِنْ تَمْلُوكٍ له، فَعَلَيْهِ عِنْقُهُ كُلِهِ،
إنّ كَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ مَّهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لهُ مَالٌّ عَتَقَ نَصِيبُهُ )).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى.
٣٧٨٩ - وعن يحيى بن سعيد ، عن نافع، عن ابن عمر رضى الله عنهما ، عن النبى صلى الله
عليه وسلم ، بمعنى إبراهيم بن موسى:
يعنى حديث عبيد الله الذى قبله. وأخرجه مسلم والنسائى. وذكره البخارى تعليقا .
وفى حديث النسائى: قال يحيى: لا أدرى شيئاً كان مِنْ قِبلة يقوله، أم شيئً فى الحديث؟
فإن لم يكن عنده ، فقد جاز ما صنع .
وذكر مسلم أيضاً عن يحيى نحوه .
٣٧٩٠ - وعن جويرية - وهو ابن أسماء - عن نافع، عن ابن عمر رضى الله عنهما عن
النبى صلى الله عليه وسلم، بمعنى مالك، ولم يذكر ((وإلا فقد عتق منه ماعتق)).
قال بعضهم: أيوب قد شَكَّ فى قوله ((فقد عَتق منه ما عتق)) على ما تقدم.
قيل له : شَكُّ الشاك: لا يؤثر فى رواية من. لم يشك، لا سيما إذا كان الذى
لا يشك أحفظَ من الشاك .
وقد رواه الإمام مالك رضى الله عنه عن نافع ، كما قدمناه ، ولم يشك .
وقد رواه أيضاً عبيد الله بن عمر العمرى عن نافع ، كما قدمناه، ولم يشك.
وقدرواه أيضا: جرير بن حازم عن نافع، وفيه ((وإلا فقد عتق منه ما عتق ))
ولم يشك. وأخرجه مسلم فى صحيحه .
وقال الإمام الشافعى رضى الله عنه: لا أحسب عالما بالحديث ورواته يشك فى أن
مالكا أحفظ لحديث نافع من أيوب، لأنه كان ألزم له من أيوب . ولمالك فضل حفظه

- ٤٠٥ -
لحديث أصحابه خاصة ، ولو استويا فى الحفظ ، فشك أحدهما فى شىء لم يشك فيه صاحبه:
لم يكن في هذا موضع لأن يُغَلّطَّ به الذى لم يشك. إنما يغلَّطُ الرجل بخلاف من هو أحفظ
منه ، أو يأتى بشىء فى الحديث بشركه فيه من لم يحفظ منه ما حفظ منه . ثم ◌ُم عدد
وهو منفرد. وقد وافق مالكا فى زيادة ((وإلا فقد عتق منه ما عتق)) يعنى غيره من
أصحاب نافع .
وقال البيهقى : وقد تابع مالكا على روايته عن نافع: أثبتُ آل عمر فى رمانه وأحفظهم:
عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب . هذا آخر كلامه .
وقال الإمام الشافعى رضى الله عنه: وزاد فيه بعضهم (( ورُق منه ما رُق)).
وهذا الحديث - الذى أشار إليه الإمام الشافعى -: أخرجه الدار قطنى فى سننه .
وقال فى كتاب الأفراد : تفرد به اسماعيل بن مرزوق عن يحيى بن أيوب عنه ، يعنى
عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر . هذا آخر كلامه.
وإسماعيل - هذا - مُرادى مصرى. كنيته: أبو يزيد. روى عنه محمد بن عبد الله
ابن عبد الحكم، ويحيى بن أيوب، احتج به مسلم. واستشهد به البخارى .
٣٧٩١ - وعن الزُّهْرِى، عن سالم، عن ابن عمر رضى الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال (( مَنْ أَعْتَقَ شِرْكً لَهَ فِى عَبْدٍ عَتَقَ مِنْهُ مَا بَقِىَ فِى مَالِهِ، إذَا كَانَ لَهُ
مَا يَبْلُغُ ثَنَ الْعَبْدِ)).
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى .
وفى رواية النسائى ((أقيم ما بقى في ماله)).
قال الزهرى (( إن كان له مال يبلغ ثمنه)).
وذكر أبو بكر الخطيب: أن الإمام أحمد رضى الله عنه رواه عن عبد الرزاق ، فلم يزد
على قوله (( فى ماله)) ورواه إسحاق الدَّبَرِى عن عبد الرزاق ، ثم قال: لا أدرى قوله
((إذا كان له ما يبلغ ثمن العبد)) فى حديث النبى صلى الله عليه وسلم، أو شىء قاله الزهرى؟
وكان موسى بن عقبة يقول الزهرى: افصل كلامك من كلام النبي صلى الله عليه وسلم
لما كان يحدث به من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيخلطه بكلامه .

٠٠
- ٤٠٦ -
٣٧٩٢ - وعن عمرو بن دينار، عن سالم ، عن أبيه - يَبَلُغ به النبيَّ صلى الله عليه وسلم -
((إِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَأَعْتَقَ أَحَدُهَا نَصِبَهُ، فَإنْ كَانَ مُوسِراً يُقَوَمُ عَلَيْهِ
قِيمةَ لاَ وَكْسَ وَلاَ شَطَطَ، ثُمَّ يُعْتَقُ)).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى .
٣٧٩٣ - وعن ابن التِّبِّ، عن أبيه (( أن رجلا أعتق نصيباً له من مملوكٍ، فلم يَضَعِنْهُ
النبيُّ صلى الله عليه وسلم )) .
قال أحمد : - يعني ابن حنبل - إنما هو بالتاء، - يعنى التَّلبَّ - وكان شعبة الْتَغَ،
لم يبين التاء من الثاء .
وأخرجه النسائى .
وقال أبو القاسم البغوى: وبلغنى أن شعبة كان ألثغ. وكان يقول ((الثلب)) وإنما
هو (القلب)) بالتاء . هذا آخر كلامه .
وابن التلب: اسمه مِلْقَام. ويقال فيه : هِلقام. وأبوه : يكنى أبا المنقام .
وهو بكسر التاء ، ثالث الحروف وسكون اللام ، وبعدها باء بواحدة . ويقال فيه :
القلبّ : بتشديد الباء .
وقد تقدم قول البيهقى : إنه إسناد غير قوى .
وقال النسائى: ينبغى أن يكون ملقام بن التلب ليس بالمشهور .
قال الخطابي : هذا غير مخالف للأحاديث المتقدمة .
وذلك : أنه إذا كان معسراً لم يضمن وبقى الشقص مملوكا، كما كان ، هذا آخر كلامه.
وكأنه أجاب عنه على تقدير الصحة .
٣٧٩٢ - قال الشيخ: فى قوله ((ثم يعتق)) حجة لمن ذهب إلى أن العتق لا يقع بنفس
الكلام ، ولكنه بعد التقويم والأداء.
وهو قول مالك بن أنس وربيعة بن عبد الرحمن .
٣٧٩٣ - قال الشيخ : هذا غير مخالف للأحاديث المتقدمة .
وذلك : لأنه إذا كان معسراً لم يضمن ، وبقى الشقص مملوكا كما كان .

- ٤٠٧ -
باب فيمن ملك ذا رحم محرم [٤: ٤٥]
٣٧٩٤ - عن الحسن - وهو البصرى - عن سمرة ، عن النبى صلى الله عليه وسلم - وقال
موسى - وهو ابن اسماعيل فى موضع آخر: عن سمرة - فيما يحسِبُ حَمَّاد ، قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم (( مَنْ مَلَّكَ ذَارَحِمٍ يَخْرَمٍ فَهُوَ حُرٍّ)) ..
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة .
وقد تقدم اختلاف الأيمة فى سماع الحسن من سمرة.
وقال أبو داود : لم يحدث هذا الحديث إلا حماد بن سلمة ، وقد شك فيه .
٣٧٩٤ - قال الشيخ : قلت : الذى أراد أبوا داود من هذا: أن الحديث ليس بمرفوع ، أو
ليس بمتصل، إنما هو عن الحسن عن النبى صلى الله عليه وسلم .
٠٠٠
وقد اختلف الناس فى هذا .
فذهب أكثر أهل العلم إلى أنه إذا ملك ذا رحم محرم عتق عليه .
۵
روى ذلك عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود رضى الله عنهما . ولا يعرف لهما.
مخالف فى الصحابة .
وهو قول الحسن وجابر بن زيد وعطاء والشعبى والزبير والحكم وحماد.
٣٧٩٤ - ذكر كلام المنذرى على حديث ((من ملك ذا رحم محرم فهو حر)) إلى آخره .
ثم قال الشيخ شمس الدين ابن القيم رحمه الله : هذا الحديث له خمس علل
إحداها : تفرد حماد بن سلمة به ، فانه لم يحدث به غيره .
العلة الثانية : أنه قد اختلف فيه حماد وشعبة عن قتادة ، فشعبة أرسله ، وحماد وصله ،
وشعبة هو شعبة .
العلة الثالثة : أن سعيد بن أبى عروبة خالفهما ، فرواه عن قتادة عن عمر بن
الخطاب : قوله .
العلة الرابعة : أن محمد بن يسار رواء عن معاذ عن أبيه عن قتادة عن الحسن : قوله . وقد
ذكر أبو داود هذين الأثرين .
العلة الخامسة : الاختلاف في سماع الحسن من سمرة .

- ٤٠٨ -
وقال أبو داود أيضاً : شعبة أحفظ من حماد بن سلمة .
يعنى أن شعبة رواه مرسلا.
وقال الخطابي : أرادأبوداود من هذا : أن الحديث ليس بمرفوع ، أو ليس بمتصل ،
إنما هو عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال الترمذى : هذا حديث لا نعرفه مسندا إلا من حديث حماد بن سلمة .
وقال البيهقى : والحديث إذا انفرد به حماد بن سلمة ، ثم شك فيه ، ثم يخالفه فيه من
هو أحفظ منه - وجب التوقف فيه .
وقد أشار البخارى إلى تضعيف هذا الحديث .
وقال على بن المدينى : هذا عندى منكر .
٣٧٩٥ - وعن قتادة: أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال «مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ تَحْرَم
فَهُوَ حُرٍّ )) .
وأخرجه النسائى. وهو موقوف .
وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وسفيان وأحمد واسحق .
وقال مالك بن أنس : يعتق عليه الولد والوالد والإخوة . ولا يعتق عليه غيره .
وقال الشافعى: لا يعتق عليه إلا أولاده وآباؤه وأمهاته . ولا يعتق عليه إخوته ، ولا
أحد من ذوى قرابته ولُته .
وأما ذوو المحارم من الرضاعة: فإنهم لا يعتقون فى قول أكثر أهل العلم .
وكان شريك بن عبد الله القاضى يعتقهم.
وذهب أهل الظاهر وبعض المتكلمين : إلى أن الأب لا يعتق على الابن إذا
ملكه .
واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم (( لا يجزى ولد والده، إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه))
قالوا : وإذا صح الشراء فقد ثبت الملك . ولصاحب الملك التصرف، وحديث سمرة
غير ثابت .

- ٤٠٩ -
وقتادة لم يسمع من عمر . فإن مولده بعد وفاة عمر بنيف وثلاثين سنة .
٣٧٩٦ - وعن قتادة، عن الحسن قال ((من ملك ذا رحم فهو حر)).
وأخرجه النسائي . وهذا أيضاً مرسل .
٣٧٩٧ - وعن قتادة ، عن جابر بن زيد والحسن، مثله.
وأخرجه النسائى وهو أيضا مرسل
وقد أخرج النسائى وابن ماجة فى سننهما . من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر.
رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((من ملك ذا رحم محرم عق)).
ولفظ ابن ماجة ((من ملك ذا رحم محرم فهو حر)) (*).
وقال النسائى: هذا حديث منكر. ولا نعلم أحداً رواه عن سفيان غير ضمرة. والله أعلم.
وقال الترمذى : ولم يُتابَع ضمرة بن ربيعة على هذا الحديث ، وهو حديث خطأ عند
أهل الحديث .
وذكر البيهقى: أنه وهم فاحش خطأ. والمحفوظ بهذا الإسناد: حديث ((النهى عن بيع
الولاء، وعن هبته)) وضمرة بن ربيعة لم يحتج به صاحبا الصحيح. هذا آخر كلامه.
(٥) ذكر حديث النسائي كما ذكره المنذرى إلى آخر الباب.
ثم زاد الشيخ ابن القيم رحمه الله :
وقال الإمام أحمد عن ضمرة: إنه ثقة، إلا أنه روى حديثين ليس لهما أصل، أحدهما:
هذا الحديث .
وقد روى البيهقى وغيره من حديث أبى صالح عن ابن عباس قال « جاء رجل -
يقال له: صالح - بأخيه فقال: يا رسول الله، إنى أريد أن أعتق أخى هذا، فقال: إن الله
أعتقه حين ملكته )) .
ولكن فى هذا الحديث بليتان عظيمتان العرزمى - وهو عبد الرحمن بن محمد - عن
الكلى ، كسير عن عوير (١)
وفى صحيح مسلم عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قل (( لا يجزى ولد عن
والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه)) وهذا مشترك الدلالة .
(١) ((كبير)) فعيل من الكسر، أى مكسور ((وعوير)) تصغير أعور.

- ٤١٠ -
وضمرة بن ربيعة: هو أبو عبد الله الفلسطينى. وثقه يحيى بن معين وغيره . ولم يخرج
البخارى ومسلم من حديثه شيئا، كما ذكر. والوهم حصل له فى هذا الحديث ، كما
ذكره الأيمة.
باب فى عتق أمهات الأولاد [٤: ٤٦]
٣٨٩٨٠ - عن سلامة بنت مَعْقِل ـ امرأة من خارجة فَيس عيْلاَن - قالت ((قَدِمَ بِى عَمِّى
فى الجاهلية، فباعنى من الحبَابٍ بن عمرو، أخى أبى اليَسَر بن عمرو، فولدتُ له عبد الرحمن
بن الحباب، ثم هلك، فقالت امرأته: الآن والله تُبَاعِينَ فِى ذَيْنِه، فأنيتُ رسولَ الله صلى الله
عليه وسلم فقلت: يارسول الله، إلى امرأةٌ من خارجة قيس عَيْلان، قدم بى على المدينة فى الجاهلية
فباعنى من الحباب بن عمرو، أخى أبى اليَسَر بن عمرو، فولدت له عبد الرحمن بن الحباب،
فقالت امرأته: الآن والله تُباعين فى دينه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ
وَبِىُّ الْحُبَابِ؟ قيل: أخوه أبو اليسربن عمرو، فبعثَ إليه، فقال: أعْتِقُوهَا ، فإذا سمعتم
بَرَقِيقٍ قَدِمَ علىَّ فَانْتُونى أُعَوِّضْكم منها. قالت: فأعتقونى، وقدم على رسول الله
صلى الله عليه وسلم رقيقٌ، فَمَوَّضهم منى غلاما)).
٣٧٩٨ - قال الشيخ: ذكر أبو داود فى صدر هذا الباب حديثاً ليس إسناده بذاك . قال
حدثنا التفيلى عن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحق عن خطاب بن صالح مولى الأنصار عن
أمه عن سلامة بنت معقل - امرأة من قيس عيلان - (( أن عمها قدم بها المدينة فى الجاهلية
٣٧٩٨ - ذكر كلام المنذرى على الحديث - إلى قوله - وقال البيهقى: إنه أحسن شيء روى
فى الباب .
قال الشيخ ابن القيم رحمه الله : ولكن هذا على جواز بيعهن أدل منه على عدمه ولا يخفى ذلك.
ورواه أحمد فى مسنده، وزاد فى آخره «فاختلفوا فيما بينهم بعد وفاة رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فقال قوم: أم الولد مملوكة، لولا ذلك لم يعوضكم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال بعضهم: هى حرة أعتقها رسول الله صلى الله عليه وسلم ففى كان الاختلاف)

- ١١ ٤ -
فى إسناده: محمد بن اسحاق بن يسار. وقد تقدم الكلام عليه .
وقال الخطابي : إسناده ليس بذاك.
وذكر البيهقى: أنه أحسن شىء روى فيه عن النبى صلى الله عليه وسلم
قال هذا : بعد أن ذكر أحاديث فى أسانيدها مقال .
:٣٧٩٩ - وعن عطاء، - وهو ابن أبى رباح .. عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما، قال
((بعنا أمهاتِ الأولاد على عَهْدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر، فلما كان عمر:
نهانا، فانتهينا )»
فباعها من الحباب بن عمرو. فولدت له عبد الرحمن بن الحباب - قال الشيخ : يعنى :
ثم هلك - فأرادوا بيعها. فأمرهم النبى صلى الله عليه وسلم بإعتاقها. وعَوَّضهم منها غلاماً»
٣٧٩٩٠ - ذكر حديث جابر - إلى قول المنذرى - وزيد العمى ضعيف، ثم قال الشيخ ابن
القيم رحمه الله:
وقد روى البخارى فى صحيحه عن أبى سعيد قال ((جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنا نصيب سبباً، فنحب الأثمان، فكيف ترى فى
العزل ؟ فقال النبى صلى الله عليه وسلم: فإنكم تفعلون؟ لا عليكم أن لا تفعلوا ذلكم ، فإنها
ليست نسمة كتب الله أن تخرج إلا وهی خارجة )»
وهذا لا يدل على منع بيعهن لوجهين .
أحدهما : أن الحمل يؤخر بيعها ، فيفوته غرضه من تعجيل البيع .
الثانى: أنها إذا صارت أم ولد آثر إمساكها لتربية ولده ، فلم يبعها لتضرر الولد بذلك.
وقد احتج على منع البيع بحجج كلها ضعيفة
منها : ما رواه الإمام أحمد فى مسنده وابن ماجة عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه
وسلم قال « من وطىء أمته فولدت له فهى معتقة عن دبر منه))
وفى لفظ (( أيما امرأة علقت من سيدها فهى معتقة عن دبر منه - أو قال - من بعده))
وفى لفظ ((فهى حرة من بعد موته )»
وهذا الحديث مداره على حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس، وهو ضعيف الحديث
ضعنه الأمة .
وكذلك حديث ابن عباس الآخر (( ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال: أعتقها ولدها )) رواه ابن ماجة .

- ٤١٢ -
وأخرج النسائى وابن ماجة من حديث أبى الزبير عن جابر قال (( كُنَّا نبيع سرار ينا،
أمهات أولادنا. والنبى صلى الله عليه وسلم حَىّ، ما نرى بذلك بأسا)).
وهو حديث حسن .
وذهب عامة أهل العلم إلى أن بيع أم الولد فاسد وإنما روى الخلاف عن على
رضى الله عنه فقط .
وهو أيضاً من رواية حسين .
وكذلك حديث ابن عباس الآخر يرفعه ((أم الولد حرة، وإن كان سقطاً» ذكره
الدار قطنى ، وهو من رواية الحسين بن عيسى الحنفى ، وهو منكر الحديث ضعيفه، والمحفوظ
فيه رواية سفيان الثورى عن أبيه عن عكرمة عن عمر: أنه قال فى أم الولد ((أعتقها ولدها ،
وإن كان سقطاً)) وكذلك رواه ابن عيينة عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن عمر ، ورواه
خصيف الجزرى عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر ، فعاد الحديث إلى عمر .
قال البيهقى : وهو الأصل فى ذلك .
ومنها : مارواه الدارقطنى من حديث ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم ((أنه نهى عن
بيع أمهات الأولاد، وقال : لا تبعن ولا توهبن ، ولا تورثن، يستمتع بها سيدها ما دام حياً،
فاذا مات فهى حرة )» .
وهذا لا يصح رفعه ، بل الصواب فيه: مارواه مالك في الموطأ عن ابن عمر عن عمر : قوله.
هكذا رواه عن نافع عبيد الله ومالك ، والناس .
وكذلك رواه الثورى وسليمان بن بلال وغيرهما عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر .
قال البيهقى: وغلط فيه بعض الرواة . فقال فيه: عن عبد الله بن دينار فرفعه إلى النبي صلى الله
عليه وسلم ، وهو وهم لا تحل روايته .
ومنها: مارواه البيهقى وغيره عن سعيد بن المسيب ((أن عمر أعتق أمهات الأولاد، وقال:
أعتقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم)) وهو ضعيف.
قال البيهقى : تفرد به عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقى عن مسلم بن يسار عن ابن
المسيب ، قال: والإفريقى غير محتج به .
ومنها : ما رواه البيهقى وغيره من حديث خوات بن جبير (( أن رجلا أوصى إليه، وكان
فيما ترك : أم ولد له، وأمرأة حرة ، فوقع بين المرأة وبين أم الولد بعض الشىء، فأرسلت إليها
الحرة : لتباعن رقبتك بالكع، فرفع ذلك خوات بن جبير إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال:
لا تباع ، وأمر بها فأعتقت ))

- ٤١٣ -
وأخرجه النسائى من حديث زيد العَقِى عن أبى الصدِّيق الناحِى عن أبي سعيد فى
أمهات الأولاد، قال ((كنا نبيعهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)).
غير أن زيداً العمي لا يحتج بحديثه .
"وعن ابن عباس رضى الله عنهما. أنها تعتق فى نصيب ولدها .
وقد روى حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين أنه قال لأبى معشر: إنى أتهمكم
قال البيهقى: وهذا مما تفرد بإسناده رشدين بن سعد وابن الهيعة ، وهما غير محتج بهما.
وأحسن شىء روى فيه - فذكر حديث سلامة بنت معقل - وقد تقدم. وذكرنا :
أنه لا دلالة فيه .
وقد ثبت عن عبيدة السلمانى قال: قال على (( استشارنى عمر فى بيع أمهات الأولاد ،
فرأيت. أنا وهو أنها عتيقة، فقضى به عمر حياته، وعثمان بعده، فلما وليت رأيت أنها رقيق))
وعن عبيدة قال قال على ((اجتمع رأبى ورأى عمر على عتق أمهات الأولاد، ثم رأيت بعد
أن أرقهن فى كذا وكذا ؛ قال: فقلت: رأيك ورأى عمر فى الجماعة أحب إلى من رأيك
وحدك فى الفرقة - وفى لفظ : فى الفتنة)).
فهذا يدل على أن منع بيعهن إنما هو رأى رآه عمر، ووافقه عليه على وغيره ، ولوكان عند
الصحابة سنة من النبى صلى الله عليه وسلم بمنع بيعهن ، لم يعزم على على خلافها، ولم يقل له عبيدة:
((رأيك ورأى عمر فى الجماعة أحب إلينا)) وأقره على على أن ذلك رأي .
وقال الشافعى : ولا يجوز لسيدها بيعها، ولا إخراجها من ملكه بشىء غير العتق ، وإنها
حرة، إذا مات - من رأس المال - ثم ساق الكلام - إلى أن قال :
وهو تقليد لعمر بن الخطاب .
وقد سلك طائفة فى تحريم بيعهن مسلكا لا يصح ، فادعوا الإجماع السابق قبل الاختلاف
الحادث .
وليس فى ذلك إجماع بوجه .
قال سعيد بن منصور فى سفنه: حدثنا سفيان عن عمرو عن عطاء عن ابن عباس فى أم
الولد قال (( بعها كما تبيع شاتك أو بعيرك»
«وباعهن على. وأباح ابن الزبير بيعهن.
وقال صالح بن أحمد : قلت لأبى: إلى أى شىء تذهب فى بيع أمهات الأولاد ؟ قال :
أ. كرهه ، وقد باعهن على بن أبى طالب .
وقال فى رواية إسحق بن منصور : لا يعجبنى بيعهن .

- ٤١٤ -
قال بعض أهل العلم : يحتمل أن يكون هذا الفعل منهم فى زمان رسول الله صلى الله.
عليه وسلم، وهو لا يشعر بذلك. لأنه أمر يقع نادرا ، وليست أمهات الأولاد كسائر الرقيق.
التى تتداولها الأملاك، فيكثر بيعهن . فلا يخفى الأمر على الخاصة والعامة .
وقد يحتمل أن يكون ذلك مباحا فى العصر الأول . ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم
عن ذلك ، ولم يعلم به أبو بكر. لأن ذلك ، يحدث فى أيامه لقصر مدتها، ولاشتغاله بأمور
الدين ، ومحاربة أهل الردة، ثم نهى عنه عمر حين بلغه ذلك عن رسول الله عليه وسلم .
فانتهوا عنه . والله أعلم.
فى كثير مما تروون عن على رضى الله عنه . .لأبى قال لى عبيدة السَّلْانى: بعث إلىّ علىّ
وإلى شريح، يقول ((إنى أبغض الاختلاف. فاقضوا كما كنتم تقضون - يعنى فى أم الولد -
حتى يكون للناس جماعة، أو أموت كما مات صاحباى ، قال : فقتل على رضى الله عنه قبل:
أن يكون للناس جماعة )»
حدثونا بذلك عن على بن عبد العزيز عن أبى النعمان عن حماد .
قلت : واختلاف الصحابة إذا ختم بالاتفاق، وانقرض المصر عليه صار إجماعاً . وقد.
ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ((نحن لا نورث، ما تركنا صدقة)).
وقد خلّف صلى الله عليه وسلم أمَّ ولده مارية . فلو كانت مالاً لبيعت، وصار ثمنها صدقة
وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن التفريق بين الأولاد والأمهات. وفى بيعهن تفريق بينهن
وبين أولادهن، ووجدنا حكم الأولاد حكم أمهاتهم فى الحرية والرق ، وإذا كان ولدها.
من سيدها حُرّاً دل على حرية الأم .
وقال بعض أهل العلم: يحتمل أن يكون هذا الفعل منهم فى زمان النبى صلى الله.
عليه وسلم وهو لا يشعر بذلك لأنه أمر يقع نادراً، وليست أمهات الأولاد كسائر الرقيق
فاختلف أصحابه على طريقتين .
إحداهما : أن عنه فى المسألة روايتين ، وهذه طريقة أبى الخطاب وغيره .
والثانية : أنها رواية واحدة ، وأحمد أطلق الكراهة على التحريم ، وهذه طريقة الشيخ
أبى محمد بن قدامة المقدسي صاحب المغنى ، وغيره .
وقول على ((اقضوا كما كنتم تقضون، فانى أكره الاختلاف)) ليس صريحاً فى الرجوع
عن قوله ((رأيت أن أرقهن)) والله أعلم .
:

- ٤١٥ -
باب فى بيع المدير [ ٤٨:٤ ]
٣٨٠٠ - عن عطاء - وهو ابن أبى رباح - عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما ((أن
رجلا أعتقَ غلاماً له عن دُبُرٍ منه، ولم يكنْ له مالٌ غيره، فأمر به النبيُّ صلى الله عليه وسلم
فبيع بسبعمائة ، أو بتسعمائة)»
التى يتداولها الأملاك، فيكثر بيعهن وشراؤهن. فلا يخفى الأمر على العامة والخاصة فى ذلك
وقد يحتمل أن يكون ذلك مباحاً فى العصر الأول . ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم
عن ذلك قبل خروجه من الدنيا، ولم يعلم به أبو بكررضى الله عنه. لأن ذلك لم يحدث
فى أيامه لقصر مدتها ، ولاشتغاله بأمور الدين، ومحاربة أهل الرِّدَّة، واستصلاح أهل الدعوة
ثم بقى الأمر على ذلك فى عصر عمر رضى الله عنه مدة من الزمان ، ثم نهى عنه عمر حين
بلغه ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانتهوا عنه . والله أعلم.
٣٨٠٠ - قال الشيخ: قد اختلفت مذاهب الناس فى بيع المدبر . واختلفت أقاويلهم
فى تأويل هذا الحديث .
فأجاز الشافعى وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه بيع المدير على الأحوال كلها ،
وروی ذلك عن مجاهد وطاوس .
وكان الحسن يرى بيعه إذا احتاج صاحبه إليه .
وكان مالك يجيز بيع الورثة إذا كان على الميت دين يحيط برقبته . ولا يكون للميت
مال غيره .
وكان الليث بن سعد يكره بيع المدبر. ويجيز بيعه إذا أعتقه الذى ابتاعه.
وكان ابن سيرين يقول : لا يباع إلا من نفسه .
ومنع من بيع المدير: سعيد بن المسيب والشعبى والنخعى والزهرى .
وهو قول أبي حنيفة وأصحابه .
وإليه ذهب سفيان والأوزاعى .
وتأول بعض أهل العلم الحديثَ فى بيع المدير: على التدبير المعلق.
قال: وهو أن يقول لمملوكه: إن مُتُّ من مرضى هذا فأنت حر .

- ٤١٦ -
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة بنحوه مختصرا ومطولا .
٣٨٠١ - وفى رواية لأبى داود: وقال - يعنى النبيَّ صلى الله عليه وسلم - ((أنْتَ أحَقُّ.
بِثَمَنِهِ، وَاللهُ أَغْنَى عَنْهُ))
٣٨٠٢ - وعن أبي الزبير، عن جابر رضى الله عنه ((أن رجلا من الأنصار - يقال له:
أبو مَذْ كور - أعتقَ غلاماً له - يقال له يعقوب - عنْ دُورٍ، لم يكن له مالٌ غيره، فدعا.
به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: مَنْ يَشْتَرِيه؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بن النّحَّام
بثمانمائة درهم، فدفعها إليه، قال: إذَا كانَ أحَدُ كُمْ فَقَيْرًا فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ ، فلنْ كانَ
فِيهَا فَضْلٌ فَعَلَى عِيَالِهِ، فَانْ كَانَ فِيهَا فَضْلٌ فَلَى ذِى قَرَابَتِهِ - أو قال: ◌َى ذِى
رَحِهِ - فَإنْ كانَ فَضْلاً، فَهُنَا وَهُهُنَا)) .
وأخرجه مسلم والنسائى .
باب فيمن أعتق عبيدا له لم يبلغهم الثلث [٥٠:٤ ]
٣٨٠٣ عن أبى المهلَّب، عن عمران بن حُصَين ((أن رجلا أعتق سِتّةَ أَعْبُدٍ عند موته،
قال : وإذا كان كذلك جاز بيعه .
قال: وأما إذا قال: أنت حُرٌّ بموتى، أو بعد موتى. فقد صار المملوك مدبراً
على الاطلاق . ولا يجوز بيعه .
قلت : ليس فى الحديث بيان ما ذكره من تعليق التدبير ، وإنما جاء الحديث يبيع
(المدير. واسم (( التدبير)) إذا أطلق: كان على هذا المعنى ، لا على غيره .
وقد باعه رسول الله صلى الله عليه وسلم . فكان ظاهره جواز بيع المدبر، والمدبر هو من
أعتق عن دُبُرُ .
ولم يختلفوا فى أن عتق المدبر من الثلث . فكان سبيله سبيل الوصايا . وللموسى
أن يعود فيما أوصى به . وإن كان سبيله سبيل العتق بالصفة ، فهو أولى بالجواز، مالم توجد
الصفة المعلق بها العتق . والله أعلم .
٣٨٠٣٠ - قال الشيخ: فى هذا بيان أن حكم عتق البنات فى المرض الذى يموت به المعتق
حكم الوصايا . وأن ذلك من ثلث ماله.

- ٤١٧ -
لم يكن له بملل غيرهم ، فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقال له قولاً شديدا، ثم دعاهم
فيزَّأهم ثلاثة أجزاء، فأفْرَع بينهم : فأعتق اثنين، وأرقّ أربعة))
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائي وابن ماجة .
وفيه : إثبات القرعة فى تمييز العتق الشائع فى الأعيان ، وجمعه فى بعض دون بعض .
وقوله ((فجزأهم ثلاثة أجزاء )) يريد: أنه جزأهم على عبرة القيم، دون عدد الرؤس.
إلا أن القيم قد تساوت فيهم . فخرج عدد الرؤس على مساواة القيم . وعبيد أهل الحجاز
إنما هم الزنوج والحبش . والقيم قد تتساوى فيها غالباً أو تتقارب.
وتفريق العتق فى أجزاء العبد: يؤدى إلى الضرر فى الملاك والماليك معاً .
وجمع العتق يرفع الضرر وينفى سوء المشاركة .
وأما الاستسعاء : فقد ذكرنا فيما تقدم : أن الحديث فيه غير صحيح. فجمع الحرية به
متعذر غير متيسر .
وقد اعترض على هذا قوم، فقالوا : فى هذا ظلم للعبيد. لأن السيد إنما قصد إيقاع العتق
عليهم جميعاً ، فلما منع حق الورثة من استغراقهم وجب أن يقع الجائز منه شائعاً فيهم،.
ليفال كل واحد منهم حصته منه ، كمالو وهبهم ولا مال له غيرهم ، وكما لو كان أوصى بهم.
فإن الهبة والوصية قد تصح فى الجزء فى كل واحد منهم .
قلت : هذا قياس ترده السنة . وإذا قال صاحب الشريعة قولاً ، وحكم بحكم لم يجز
الاعتراض عليه برأى، ولا مقابلته بأصل آخر. ويجب تقريره على حاله ، واتخاذه أصلا
فى بابه .
والوصايا والهبات مخالفة للمتق . لأن الورثة لا يتضررون بوقوع الهبة والوصية شائعين
فى العبد، ويتضررون بوقوع العتق شائعاً. وأمر العتق مبنى على التغليب والتكميل إذا
وجد إليه السبيل . وحكم الدين قد منع من إكماله فى جماعتهم . فأكمل لمن خرجت له
القرعة منهم .
٠
قال الشافعى: وهذا الحديث أصل فى جواز الوصية فى المرض بالثلث للأجانب . لأن
عتقه إياهم فى معنى الوصية لهم وهم أجانب .
٢ ٢٧ - مختصر السنن - ج .

- ٤١٨ -
٣٨٠٤ - وعن أبى زيد (١): أنَّ رجلا من الأنصار، بمعناه - وقال يعنى النبى صلى الله عليه.
وسلم - ((لَوْ شَهِدْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُدْفَنَ لَمْ يُدْفَنْ فِى مَقابر المسلمين)»
وأخرجه النسائى، وقال: هذا خطأ . والصواب: رواية أيوب، يعنى السختيانى.
وأيوب أثبت من خالد .- يعنى الخذَّاء -.
يريد: أن الصواب حديث أبي المهلب(٣) الذى قبل هذا.
قال : وكانت العرب لا تستعبد مَنْ بينها وبينه نسب. يريد بهذا أن الوصية للأقر بين.
منسوخة بآية الميراث .
وقد اختلف العلماء فى هذه المسألة .
فقال بظاهر الحديث : مالك والشافعى وأحمد بن حنبل واسحق بن راهوية .
وقد روى ذلك عن عمر بن عبد العزيز .
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يعتق من كل واحد منهم الثلث . ويستسمى فى ثلثيه
للورثة ويعتق .
ويروى ذلك عن الشعبى والنخعى .
وعلى هذا القياس : إذا أعتق فى المرض الذى مات فيه عبداً لم يكن له مال غيره . فإنه
يعتق منه الثلث ، ويكون ثلثاه رقيقاً للورثة فى قول مالك والشافعى .
وعند أبى حنيفة وأصحابه يعتق ثلثه، ويستسمى فى ثلثيه للورثة ويعتق.
وتأول بعضهم الحديث على أنه إنما أراد بالتجزئة إفراز حصة الورثة من حصة العبيد ،
دون تجزئة الأعيان . وهذا تأويل فاسد .
وقد أخبر عمران بن حصين فى هذا الحديث (( أنه أعتق اثنين منهم ، وأرَقَّ أربعة )»
فصرح بوقوع القسمة فى الأعيان، دون الأجزاء. ولو أراد الأجزاء لقال: فأعتق الثلث
وأرق الثلثين ، وما أشبه ذلك من الكلام . والله أعلم .
وفي قوله ((فأعتق اثنين )) بيان صحة وقوع العتق لهما والرق لمن عداها .
(١) أبو زيد: هو عمرو بن أخطب بن رفاعة الأنصارى البصرى . له أحاديث .
انفرد له مسلم بحديث . وعنه علياء بن أحمر وأبو قلابة . اهـ خلاصة .
(٢) وأبو المهلب: هو عمرو بن معاوية. وقيل: عبد الرحمن بن معاوية. هامش المنذرى.

- ٤١٩ -
٣٨٠٥ - وعن محمد بن سيرين، عن عمران بن حصين رضى الله عنهما ((أنَّ رجلا أعتق
ستةَ اعْبُدٍ عند موته، ولم يكن له مال غيرهم ، فبلغ ذاك النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فأفْرَعَ
بينهم فأعتق اثنين: وأرَقّ أربعة))
وأخرجه النسائى .
باب فيمن أعتق عبداً له مال [ ٤: ٥١ ]
٣٨٠٦ - عن نافع، عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم (( مَنْ أعْتَقَ عَبْدًا وَلَّهُ مَالٌ فَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ، إلاَّ أَنْ يَشْتَرطَ السَّيِّدُ))
وفى قول من يرى استسعاء كل واحد منهم فى ثلثى قيمته : ترك للأمرين معاً . لأنه
لا يعتق أحداً منهم ولا يرقّه . وفى ذلك مخالفة للحديث على وجهه
وقد جاء بيان ما قلناه صريحاً من رواية الحسن عن عمران بن حصين ..
حدثناه إبراهيم بن فراس حدثنا أحمد بن علي بن سهل حدثنا عبد الأعلى بن حماد
الفَّرسى حدثنا حماد بن سلمة عن عطاء الخراسانى عن سعيد بن المسيب ، وأيوب عن محمد
بن سيرين عن عمران بن حصين ، وقتادة وحميد وسماك بن حرب عن الحسن عن عمران
بن حصين: (( أن رجلاً أعتق ستة مملوكين له عند موته . وليس له مال غيرهم . فأقرعَ
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بينهم. فأعتق اثنين، ورَدَّ أربعة فى الرق ))
قوله (( ورد أربعة فى الرق)) يبطل كل تأويل، يُتأوّل بخلاف ظاهر الحديث.
قال ابن فراس: قوله ((عن سعيد بن المسيب)) هو مرسل عن النبى صلى الله عليه وسلم
وحديث أيوب عن ابن سيرين : غريب . والمشهور عن الحسن .
٣٨٠٦ - قال الشيخ: الأصل: أن مال العبد لسيده، كما أن رقبته له. وإنما أضيف إليه المال
مجازاً، على معنى: أنه يتولى حفظه، ويتصرف فيه بإذن سيده . كما قيل : غنم الراعى ،
وصبيان المعلم ، والعبد لا يملك فى قول أكثر العلماء .
٣٨٠٦ - ذكر حديث ((من أعتق عبداً وله مال)) ثم قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله:
قال المنذرى فى المختصر: وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائي وابن ماجة من حديث
سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه .

- ٤٢٠ -
وأخرجه النسائى .
وقد أخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة من حديث سالم بن عبد الله
بن عمر رضى الله عنهما عن أبيه . وقد تقدم فى كتاب البيوع .
وقد قال مالك: إذا ملَّكه سيده ملك
وحكى ذلك أيضاً عن الحسن البصرى .
ولا أعلم خلافاً فى أنه لا يرث .
وإذا كان أصح وجوه الملك وأقواها : الميراث. وهو لا يملكه بلا خلاف . فما عداه
أولى بذلك .
وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((من باع عبداً وله مال فماله للبائع ، إلا
أن يشترط المبتاع»
نجعل المال مردوداً على البائع، إلا أن يبتاعه المشترى كما يبتاع رقبته . فيكون عبداً
ومالاً معلوماً بثمن معلوم .
وهذا وهم منه ، فلم يخرج أحد من أصحاب الصحيحين حديث العتق هذا أصلا، ولا تعرضا
له ، وإنما رواه النسائى فى سننه ؛ كما رواه أبو داود من حديث عبيد الله بن أبى جعفر عن نافع
عن ابن عمر ، ورواء من حديث عبيد الله بن أبى جعفر عن نافع عن ابن عمر ، ورواه من
حديث عبيد الله بن أبى جعفر أيضاً عن بكير عن نافع عن ابن عمر، ولفظه ((من أعتق عبداً
وله مال فماله له إلا أن يستثنيه السيد»
وهذا الحديث يعد في أفراد عبيد اللّه هذا، وقد أنكره عليه الأئمة.
قال الإمام أحمد - وقد سئل عنه - يرويه عبيد الله بن أبى جعفر من أهل مصر ، وهو
ضعيف فى الحديث ، كان صاحب فقه ، وأما فى الحديث : فليس هو فيه بالقوى .
وقال أبو الوليد : هذا الحديث خطأ .
وهذا كما قاله الأئمة، فان الحديث المحفوظ عن سالم: إنما هو فى البيع ((من باع عبداً وله
مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع » هذا هو المحفوظ عنه.
وقد تقدم اختلاف سالم ونافع فيه ، وأن سالماً رفعه ؛ وكان البخارى يصححه ، ونافع وقفه
على عمر ، وكان مسلم والنسائى وغيره يحكمون له.
وأما قصة العتق : فانها وهم من ابن أبى جعفر ؛ خالف فيها الناس .