Indexed OCR Text

Pages 101-120

- ١٠١ -
عليكم ذُلاً، لاَ يَنْزِعُهُ حتى ترجعوا إلى دينكم)).
والثانى : بيان أن الوسيلة إلى الحرام حرام.
فأما الأول : فيشهد له به النقل والعرف والنية والقصد ، وحال المتعاقدين .
فأما النقل : فيما ثبت عن ابن عباس (( أنه سئل عن رجل باع من رجل حريرة بمائة .
ثم اشتراها بخمسين؟ فقال: دراهم بدراهم متفاضلة ، دخلت بينها حريرة )) .
وفى كتاب محمد بن عبد الله الحافظ المعروف بمطين ، عن ابن عباس: أنه قال (( اتقوا هذه
العينة ، لا تبيعوا دراهم بدراهم بينهما حريرة )).
وفى كتاب أبى محمد النجشى الحافظ عن ابن عباس ((أنه سئل عن العينة ، يعنى بيع الحريرة؟
فقال: إن الله لا يخدع ، هذا مما حرم الله ورسوله ))
وفى كتاب الحافظ مطين عن أنس (( أنه سئل عن العينة - يعنى بيع الحريرة - فقال: إن
الله لا يخدع . هذا مما حرم الله ورسوله )»
وقول الصحابى (( حرم رسول الله كذا، أو أمر بكذا، وقضى بكذا، وأوجب كذا)» فى
حكم المرفوع اتفاقاً عند أهل العلم ، إلا خلافاً شاذاً لا يعتد به ، ولا يؤبه له .
وشهة المخالف : أنه لعله رواه بالمعنى ، فظن ماليس بأمر ، ولا تحريم كذلك، وهذا
فاسد جداً .
فان الصحابة أعلم بمعانى النصوص ، وقد تلقوها من فى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا
يظن بأحد منهم أن يقدم على قوله (( أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو حرم أو فرض»
إلا بعد سماع ذلك ، ودلالة اللفظ عليه ، واحتمال خلاف هذا كاحتمال الغلط والسهو فى الرواية .
بل دونه، فان رد قوله (( أمر)) ونحوه بهذا الاحتمال، وجب رد روايته لاحتمال السهو والغلط
وإن قبلت روايته : وجب قبول الآخر .
وأما شهادة العرف بذلك : فأظهر من أن تحتاج إلى تقرير ، بل قد علم الله وعباده من المتبايعين
ذلك : قصدهما أنهما لم يعقدا على السلعة عقداً يقصدان به تملكها ، ولا غرض لهما فيها بحال .
وإنما الغرض والمقصود بالقصد الأول: مائة بمائة وعشرين، وإدخال تلك السلعة فى الوسط
تلبيس وعبث ، وهى بمنزلة الحرف الذى لامعنى له فى نفسه ، بل جىء به لمعنى فى غيره ، حق
لو كانت تلك السلعة تساوى أضعاف ذلك الثمن، أو تساوى أقل جزء من أجزائه لم يبالوا يجعلها
مورداً للعقد، لأنهم لاغرض لهم فيها ، وأهل العرف لايكابرون أنفسهم فى هذا .
وأما النية والقصد: فالأجنبى المشاهد لهما يقطع بأنه لاغرض لهما فى السلعة ، وإنما القصد
الأول مائة بمائة وعشرين ، فضلا عن علم المتعاقدين ونيتهما ، ولهذا يتواطأ كثير منهم على ذلك

٠٠
- ١٠٢ -
فى إسناده: اسحاق بن أسيد، أبو عبد الرحمن الخراسانى، نزيل مصر، لا يحتج
قبل العقد ، ثم يحضران تلك السلعة محللاً لما حرم الله ورسوله .
وأما المقام الثانى - وهو أن الوسيلة إلى الحرام حرام -: فبانت بالكتاب والسنة والفطرة
والمعقول .
فان الله سبحانه مسخ اليهود قردة وخنازير لما توسلوا إلى الصيد الحرام بالوسيلة التى ظنوها
مباحة ، وسمى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون مثل ذلك مخادعة ، كما تقدم.
وقال أيوب السختيانى «يخادعون الله كما يخادعون الصبيان، لو أتوا الأمر على وجهه
کان اُسهل»
والرجوع إلى الصحابة فى معانى الألفاظ متعين ، سواء كانت لغوية ، أو شرعية ،
والخداع حرام .
وأيضاً : فإن هذا العقد يتضمن إظهار صورة مباحة، وإضمار ما هو من أكبر الكبائر،
فلا تنقلب الكبيرة مباحة بإخراجها فى صورة البيع الذى لم يقصد نقل الملك فيه أصلا ، وإنما
قصده حقيقة الربا .
وأيضاً ؛ فان الطريق متى أفضت إلى الحرام ، فان الشريعة لا تأتى بإباحتها أصلا ، لأن
إباحتها وتحريم الغاية جمع بين النقيضين ، فلا يتصور أن يباح شىء ويحرم مايفضى إليه ، بل
لابد من تحريمهما أو إباحتهما ، والثانى باطل قطعاً، فيتعين الأول .
وأيضاً : فإن الشارع إنما حرم الربا، وجعله من الكبائر، وتوعد آكله بمحاربة الله
ورسوله، لمافيه من أعظم الفساد والضرر، فكيف يتصور - مع هذا - أن يبيح هذا الفساد
العظيم بأيسر شئ يكون من الحيل؟
فيالله العجب ، أترى هذه الحيلة أزالت تلك المفسدة العظيمة ، وقلبتها مصلحة ، بعد أن
كانت مفسدة ؟
وأيضاً : فان الله سبحانه عاقب أهل الجنة الذين أقسموا ليصرمنها مصبحين (١) . وكان
مقصودهم منع حق الفقراء من الثمر المتساقط وقت الحصاد ، فلما قصدوا منع حقهم منعهم الله
الثمرة جملة .
ولا يقال : فالعقوبة إنما كانت على رد الاستثناء وحده ، لوجهين .
أحدهما : أن العقوبة من جنس العمل ، وترك الاستثناء عقوبته : أن يعوق وينسى ،
لا إهلاك ماله ، بخلاف عقوبة ذنب الحرمان ، فإنها حرمان كالذنب .
(١) فى سورة (ن والقلم) والجنة : البستان

- ١٠٣ -
بحديثه . وفيه أيضا: عطاء الخراسانى ، وفيه مقال .
الثانى: أن الله تعالى أخبر عنهم أنهم قالوا ( ٦٩ : ٢٤ أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين)
وذنب العقوبة على ذلك ، فلو لم يكن لهذا الوصف مدخل فى العقوبة لم يكن لذكره فائدة
فإن لم يكن هو العلة التامة كان جزءا من العلة.
وعلى التقديرين : يحصل المقصود .
وأيضاً: فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال ((الأعمال بالنيات)) والمتوسل بالوسيلة التى
صورتها مباحة إلى المحرم إنما نيته المحرم ، ونيته أولى به من ظاهر عمله .
وأيضاً : فقد روى ابن بطة وغيره بإسناد حسن عن أبى هريرة : أن النبى صلى الله عليه وسلم
قال ((لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل)) وإسناده مما
يصححه الترمذى .
وأيضاً : فان النبى صلى الله عليه وسلم قال ( لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم جملوها
وباعوها، وأكلوا أثمانها)) و((جملوها)) يعنى أذابوها وخلطوها، وإنما فعلوا ذلك ليزول عنها
اسم الشحم، ويحدث لها اسم آخر، وهو الودك ، وذلك لا يفيد الحل ، فان التحريم تابع للحقيقة
وهى لم تتبدل بتبدل الاسم .
وهذا الربا تحريمه تابع لمعناه وحقيقته ، فلايزول بتبدل الاسم بصورة البيع، كما لم يزل تحريم
الشحم بتبديل الإسم بصورة الجمل والإذابة ، وهذا واضح بحمد الله .
وأيضاً : فإن اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم، إنما انتفعوا بثمنه، فيلزم من وقف مع صور
العقود والألفاظ ، دون مقاصدها وحقائقها: أن لا يحرم ذلك ، لأن الله تعالى لم ينص على
تحريم الثمن، وإنما حرم عليهم نفس الشحم، ولما لعنهم على استحلالهم الثمن ، وإن لم ينص على
تحريمه : دل على أن الواجب النظر إلى المقصود ، وإن اختلفت الوسائل إليه ، وأن ذلك يوجب
أن لا يقصد الانتفاع بالعين ، ولا يبدلها .
ونظير هذا : أن يقال: لا تقرب مال اليتيم ، فتبيعه وتأكل عوضه ، وأن يقال: لا تشرب
الخمر، فتغير اسمه وتشربه، وأن يقال : لا تزن بهذه المرأة، فتعقد عليها عقد إجارة ، وتقول:
إنما استوفى مناقعها. وأمثال ذلك .
قالوا : ولهذا الأصل - وهو تحريم الحيل المتضمنة إباحة ما حرم الله، أو إسقاط ما أوجبه
الله عليه - أكثر من مائة دليل، وقد ثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم ((لعن المحلل والمحلل
له)) مع أنه أتى بصورة عقد النكاح الصحيح ؛ لما كان مقصوده التحليل ، لا حقيقة النكاح .
وقد ثبت عن الصحابة أنهم سموه زانياً ، ولم ينظروا إلى صورة العقد .
الدليل الثانى على تحريم العينة: مارواه أحمد فى مسنده: حدثنا أسود بن عامر حدثنا أبو بكر

- ١٠٤ -
عن الأعمش عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يقول «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة . واتبعوا أذناب البقر ، وتركوا الجهاد
فى سبيل الله: أنزل الله بهم بلاء، فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم » ورواه أبو داود بإسناد
صحيح إلى حيوة بن شريح المصرى عن إسحق أبى عبد الرحمن الخراسانى أن عطاء الخراسانى
حدثه : أن نافعاً حدثه عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول - فذكره
وهذان إسنادان حسنان يشد أحدهما الآخر.
فأما رجال الأول فأئمة مشاهير ، وإنما يخاف أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء ، أو أن
عطاء لم يسمعه من ابن عمر .
والإسناد الثانى: يبين أن للحديث أصلا محفوظاً عن ابن عمر، فان عطاء الخراسانى ثقة
مشهور ، وحيوة كذلك . وأما إسحق أبو عبد الرحمن فشيخ روى عنه أئمة المصريين ، مثل
حيوة والليث ، ويحيى بن أيوب وغيرهم .
وله طريق ثالث : رواه السرى بن سهل حدثنا عبد الله بن رشيد حدثنا عبد الرحمن بن محمد
عن ليث عن عطاء عن ابن عمر قال ((لقد أتى علينا زمان ، ومامنا رجل يرى أنه أحق بديناره
ودرهمه من أخيه المسلم ، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا ضن الناس
بالدينار والدرهم ، وتبايعوا بالعينة : وتركوا الجهاد، واتبعوا أذناب البقر: أدخل الله عليهم ذلا
لا ينزعه حتى يتوبوا ويرجعوا إلى دينهم» وهذا يبين أن للحديث أصلا ، وأنه محفوظ .
الدليل الثالث: ما تقدم من حديث أنس « أنه سئل عن العينة؟ فقال: إن الله لا يخدع ،
هذا مما حرم الله ورسوله)) وتقدم أن هذا اللفظ فى حكم المرفوع .
الدليل الرابع : ما تقدم من حديث ابن عباس وقوله (( هذا مما حرم الله ورسوله ))
الدليل الخامس : مارواه الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا سعيد عن أبى إسحق عن
المالية ، ورواه حرب من حديث إسرائيل حدثنى أبو إسحق عن جدته العالية - يعنى جدة
إسرائيل - فإنها امرأة أبى إسحق قالت ((دخلت على عائشة فى نسوة فقالت: ما حاجتكن؟
فكان أول من سألها أم محبة ، فقالت : يا أم المؤمنين ، هل تعرفين زيدبن أرقم ؟ قالت : نعم.
قالت : فإنى بعته جارية لى بثمانمائة درهم إلى العطاء ، وإنه أراد أن يبيعها ، فابتعتها بستمائة درهم
نقداً . فأقبلت عليها وهى غضبى ، فقالت: بئسما شريت، وبئما اشتريت، أبلغى زيداً أنه قد
أبطلٍ جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أن يتوب ، وأحمت صاحبتنا ، فلم تتكلم
طويلا، ثم إنه سهل عنها، فقالت: يا أم المؤمنين، أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالى؟ فتلت
عليها (٢ : ٢٧٥ فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ماسلف )
فلولا أن عند أم المؤمنين علما لا تستريب فيه أن هذا محرم لم تستجز أن تقول مثل هذا

- ١٠٥ -
بالاجتهاد ، ولاسما إن كانت قد قصدت أن العمل يحبط بالردة ، وأن استحلال الربا أ كفر ،
وهذا منه ، ولكن زيداً معذور ، لأنه لم يعلم أن هذا محرم، ولهذا قالت ((أبلغيه)).
ويحتمل أن تكون قد قصدت أن هذا من الكبائر التى يقاوم إنمها ثواب الجهاد ، فيصير
بمنزلة من عمل حسنة وسيئة بقدرها ، فكأنه لم يعمل شيئاً .
وعلى التقديرين : لجزم أم المؤمنين بهذا دليل على أنه لا يسوغ فيه الاجتهاد ، ولو كانت هذه.
من مسائل الاجتهاد والنزاع بين الصحابة لم تطلق عائشة ذلك على زيد ، فإن الحسنات لا تبطل
بمسائل الاجتهاد .
ولا يقال : فزيد من الصحابة ، وقد خالفها ، لأن زيداً لم يقل : هذا حلال ، بل فعله .
وفعل المجتهد لا يدل على قوله على الصحيح لاحتمال سهو ، أو غفلة ، أو تأويل ، أو رجوع ونحوه
وكثيراً ما يفعل الرجل الشىء، ولا يعلم مفسدته ، فَإذا نبه له انتبه ، ولا سيما أم ولده ، فإِنها
دخلت على عائشة تستفتيها ، وطلبت الرجوع إلى رأس مالها ، وهذا يدل على الرجوع عن ذلك.
العقد ، ولم ينقل عن زيد أنه أصر على ذلك.
فإن قيل : لا نسلم ثبوت الحديث ، فإن أم ولد زيد مجهولة .
قلنا : أم ولده لم ترو الحديث، وإنما كانت هى صاحبة القصة ، وأما العالية فهى امرأة
أبى إسحق السبيعى، وهى من التابعيات ، وقد دخلت على عائشة ، وروى عنها أبو إسحق ، وهو
أعلم بها . وفي الحديث قصة وسياق يدل على أنه محفوظ ، وأن العالية لم تختلق هذه القصة
ولم تضعها ، بل يغلب على الظن غلبة قوية صدقها فيها ، وحفظها لها ، ولهذا رواها عنها زوجها
ميمون ، ولم ينهها ، ولا سيما عند من يقول: رواية العدل عن غيره تعديل له، والكذب
لم يكن فاشياً فى التابعين فشوه فيمن بعدهم، وكثير منهم كان يروى عن أمه وامرأته ما يخبرهن
به أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويحتج به .
فهذه أربعة أحاديث تبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم العينة:
حديث ابن عمر ، الذى فيه تغليظ العينة .
وحديث أنس وابن عباس : أنها مما حرم الله ورسوله .
وحديث عائشة هذا، والمرسل منها له ما يوافقه . وقد عمل به بعض الصحابة والسلف .
وهذا حجة باتفاق الفقهاء .
الدليل السادس : مارواه أبو داود من حديث أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال.
(( من باع بيعتين فى بيعة فله أوكسهما أو الربا)).
وللعلماء فى تفسيره قولان .

- ١٠٦ -
أحدهما : أن يقول: بعتك بعشرة نقداً، أو عشرين نسيئة ، وهذا هو الذى رواه أحمد
عن سماك، ففسره فى حديث ابن مسعود قال (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفقتين
فى صفقة . قال سماك : الرجل يبيع البيع ، فيقول : هو على نساء بكذا ، وبنقد بكذا))
وهذا التفسير ضعيف ، فإنه لا يدخل الربا فى هذه الصورة ، ولا صفقتين هنا ، وإنما هى
صفقة واحدة بأحد الثمنين .
والتفسير الثانى: أن يقول : أبيعكها بمائة إلى سنة على أن أشتريها منك بثمانين حالة ؛ وهذا
معنى الحديث ، الذى لامعنى له غيره، وهو مطابق لقوله (( فله أوكسهما أو الربا)) فانه إما أن
يأخذ الثمن الزائد فيربى، أو النمن الأول فيكون هو أوكسهما، وهو مطابق لصفقتين فى صفقة.
فانه قد جمع صفقتى النقد والنسيئة فى صفقة واحدة ومبيع واحد، وهو قد قصد بيع دراهم
عاجلة بدراهم مؤجلة أكثر منها ، ولا يستحق إلا رأس ماله، وهو أوكس الصفقتين ، فان أبى
إلا الأكثر كان قد أخذ الربا .
فتدبر مطابقة هذا التفسير لألفاظه صلى الله عليه وسلم ، وانطباقه عليها .
ومما يشهد لهذا التفسير : مارواه الإمام أحمد عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم ((أنه
نهى عن بيعتين فى بيعة)) و((عن سلف وبيع)) لجمعه بين هذين العقدين فى النهى لأن كلا
منهما يؤول إلى الربا ، لأنهما فى الظاهر بيع ، وفي الحقيقة ربا .
ومما يدل على تحريم العينة: حديث ابن مسعود يرفعه ((لعن الله آكل الربا وموكله ،
وشاهديه ، وكاتبه والمحل والمحلل له ))
ومعلوم أن الشاهدين والكاتب إنما يكتب ويشهد على عقد صورته جائزة الكتابة والشهادة
لا يشهد بمجرد الربا، ولا يكتبه . ولهذا قرنه بالمحلل والمحلل له ، حيث أظهرا صورة النكاح
ولا نكاح ، كما أظهر الكاتب والشاهدان صورة البيع ولا بيع.
وتأمل كيف لعن فى الحديث الشاهدين والكاتب والآ كل والموكل ؟ فلعن المعقود له .
والمعين له على ذلك العقد، ولعن المحلل والمحلل له ، فالمحلل له: هو الذى يعقد التحليل لأجله
والمحلل : هو المعين له بإظهار صورة العقد ، كما أن المرابى: هو المعان على أكل الربا باظهار صورة
العقد المكتوب المشهود به .
فصلوات الله على من أونى جوامع الكلم.
الدليل السابع: ماصح عن ابن عباس أنه قال ((إذا استقمت (١) بنقد ، فبعت بنقد ،
(١) فى النهاية ((استقمت)) فى لغة أهل مكة: بمعنى قومت، يقولون: استقمت المتاع: إذا قومته.
ومعنى الحديث: أن يدفع الرجل إلى الرجل ثوباً، فيقومه - مثلا - بثلاثين ، ثم يقول له : بعه بها، وما
زاد عليها فهو لك .

- ١٠٧ -
فلابأس ، وإذا استقمت بنقد فبعت بنسيئة فلا خير فيه ، تلك وروق بورق» رواه سعيد وغيره
ومعنى كلامه: أنك إذا قومت السلعة بنقد ثم بعتها بنسيئة، كان مقصود المشترى شراء دراهم
معجلة بدراهم مؤجلة ، وإذا قومتها بنقد ثم بعتها به، فلا بأس . فان ذلك بيع المقصود منه السلعة
لا الربا .
الدليل الثامن: مارواه ابن بطة عن الأوزاعى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
((يأتى على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع)» يعنى العينة.
وهذا - وإن كان مرسلا - فهو صالح للاعتضاد به ، ولاسيما وقد تقدم من المرفوع ما يؤكده
ويشهد له أيضاً: قوله صلى الله اللّه عليه وسلم (( ليشرين ناس من أمتى الخمر يسمونها بغير
إسمها )».
وقوله أيضاً ، فيما رواه إبراهيم الحربى من حديث أبى ثعلبة عن النبى صلى الله عليه وسلم
قال (( أول دينكم نبوة ورحمة، ثم خلافة ورحمة، ثم ملك ورحمة ، ثم ملك وجبرية ، ثم
ملك عضوض (١) يستحل فيه الحر والحرير)) والحر - بكسر الحاء وتخفيف الراء - هو الفرج
فهذا إخبار عن استحلال المحارم ، ولكنه بتغيير أسمائها، وإظهارها في صور تجعل وسيلة إلى
استباحتها ، وهى الربا والخمر والزنا ، فيسمى كل منها بغير اسمها ، ويستباح الاسم الذى سمى
به ، وقد وقعت الثلاثة .
وفى قول عائشة ((بئسما شريت، وبئسما اشتريت» دليل على بطلان العقدين معاً، وهذا هو
الصحيح من المذهب ، لأن الثانى عقد ربا ، والأول وسيلة إليه .
وفيه قول آخر فى المذهب: أن العقد الأول صحيح ، لأنه تم بأركانه وشروطه ، فطریان
الثانى عليه لا يبطله، وهذا ضعيف، فإنه لم يكن مقصوداً لذاته، وإنما جعله وسيلة إلى الربا .
"فهو طريق إلى المحرم، فكيف يحكم بصحته؟ وهذا القول لا يليق بقواعد المذهب.
فإن قيل : فما تقولون فيمن باع سلعة بنقد ، ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة ؟
قلنا : قد نص أحمد ، فى رواية حرب، على أنه لا يجوز ، إلاأن تتغير السلعة ، لأن هذا يتخذ
وسيلة إلى الربا، فهو كمسألة العينة سواء، وهى عكسها صورة ، وفى الصورتين: قد ترتب فى
ذمته دراهم مؤجلة بأقل منها نقداً، لكن فى إحدى الصورتين : البائع هو الذى اشتغلت ذمته،
وفى الصورة الأخرى : المشترى هو الذى اشتغلت ذمته ، فلا فرق بينهما .
(٢) ((عضوض)) أى يصيب الرعية فيه عسف وظلم، كأنهم بعضون فيه عضا. و((العضوض)) من
أبنية المبالغة. وفى رواية (( ثم يكون ملوك عضوض)) وهو جمع ((عض)) بكسر العين. وهو الحيث
الشرس .

-- ١٠٨ --
وقال بعض أصحابنا : يحتمل أن تجوز الصورة الثانية، إذا لم يكن ذلك حيلة ولا مواطأة ،
بل وقع اتفاقا .
وفرق بينهما وبين الصورة الأولى بفرقين .
أحدهما : أن النص ورد فيها فيبقى ماعداها على أصل الجواز .
والثانى : أن التوسل إلى الربا بتلك الصورة أكثر من التوسل بهذه .
والفرقان ضعيفان . أما الأول : فليس فى النص ما يدل على اختصاص العينة بالصورة الأولى.
حتى تتقيد به نصوص مطلقة على تحريم العينة .
والعينة فعلة من العين ، النقد ، قال الشاعر :
أندان ، أم نعتان ، أم ينبرى لنا * فتى مثل نصل السيف ميزت مضاربه ؟
قال الجوزجاني : أنا أظن أن العينة إنما اشتقت من حاجة الرجل إلى العين من الذهب
والورق ، فيشترى السلعة ويبيعها بالعين الذى احتاج إليها ، وليست به إلى السلعة حاجة .
وأما الفرق الثانى : فكذلك، لأن المعتبر فى هذا الباب هو الذريعة ، ولو اعتبر فيه الفرق
من الاتفاق والقصد لزم طرد ذلك فى الصورة الأولى ، وأنتم لا تعتبرونه .
فان قيل : فما تقولون إذا لم تعد السلعة إليه ، بل رجعت إلى ثالث ، هل تسمون ذلك عينة ؟
قيل : هذه مسألة التورق ؛ لأن المقصود منها الورق ، وقد نص أحمد فی رواية أبى داود على
أنها من العينة ، وأطلق عليها اسمها .
وقد اختلف السلف فى كراهيتها ، فكان عمر بن عبد العزيز يكرهها ، وكان يقول
(( التورق آخية (١) الربا))
ورخص فيها إياس بن معاوية .
وعن أحمد فيها روايتان منصوصتان . وعلل الكراهة فى إحداهما بأنه بيع مضطر. وقد
روى أبو داود عن على (( أن النى صلى الله عليه وسلم نهى عن المضطر)) وفى المسند عن علي
قال(( سیأنی على الناس زمان بعض المؤمن علي مافى يده،ولم يؤمر بذلك ، قال تعالى (٢٣٧:٢
ولا تنسوا الفضل بينكم) ويبايع المضطرون؛ وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع
المضطر)) وذكر الحديث .
فأحمد رحمه الله تعالى أشار إلى أن العينة إنما تقع من رجل مضطر إلى نقد ، لأن الموسر يضن
عليه بالقرض ، فيضطر إلى أن يشترى منه سلعة ، ثم يبيعها ، فان اشتراها منه بائعها كانت
عينة، وإن باعها من غيره فهى التورق . ومقصوده فى الموضعين: الثمن . فقد حصل فى ذمته.
(١) الآخية - بالمد - العروة فى طرف الحبل تربط به الدابة. يعنى أن التورق يجر إلى الربا.

- ١٠٩ -
باب فى السلف [ ٣: ٢٩٢]
٣٣١٨ - عن ابن عباس، قال «قدم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وهم يُسْلِفُونَ
٣٣١٨ - قال الشيخ: فى هذا الحديث بيان أن السلف يجب أن يكون معلوماً بالأمر الذى
لا يُضبط، ولا يختلف، وأنه مهما كان مجهولاً بطل .
وفيه دليل: على أنه قد يجوز السلم إلى سنة فى الشىء الذى لا وجوداه فى أيام السنة، إذا
كان موجوداً فى الغالب وقت تَحِلِّ الأجل .
وذلك: أن التمر اسم الرطب واليابس، فى قول أكثر أهل العلم . وعند بعض أهل
اللغة : اسم للرطب ، لا غير .
ثمن مؤجل مقابل لثمن حال أنقص منه، ولا معنى للريا إلا هذا، لكنه ربا بسلم، لم يحصل له
مقصوده إلا بمشقة ، ولو لم يقصده كان رباً بسهولة .
وللعينة صورة رابعة - وهى أخت صورها - وهى : أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه
إلا نسيئة ، ونص أحمد على كراهة ذلك ، فقال: العينة أن يكون عنده المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة،
فان باع بنسيئة ونقد فلا بأس .
وقال أيضاً : أكره للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة ، فلا يبيع بنقد .
قال ابن عقيل: إنما كره ذلك لمضارعته الربا، فإن البائع بنسيئة يقصد الزيادة غالباً .
وعلله شيخنا ابن تيمية رضي الله عنه بأنه يدخل فى بيع المضطر ، فان غالب من يشترى
بنسيئة إنما يكون لتعذر النقد عليه ، فإذا كان الرجل لا يبيع إلا بنسيئة كان ربحه على أهل
الضرورة والحاجة ، وإذا باع بنقد ونسيئة كان تاجراً من التجار .
وللعينة صورة خامسة ـــ وهى أقبح صورها، وأشدها تحريماً - وهى : أن المترابيين
يتواطآن على الربا، ثم يعمدان إلى رجل عنده متاع ، فيشتريه منه المحتاج ، ثم يبيعه للمربى
بثمن حال ، ويقبضه منه ، ثم يبيعه إياه للمربى بثمن مؤجل ، وهو ما اتفقا عليه ، ثم يعيد المتاع
إلى ربه، ويعطيه شيئاً؛ وهذه تسمى الثلاثية، لأنها بين ثلاثة، وإذا كانت السلعة بينهما خاصة
فهى الثنائية . وفى الثلاثية : قد أدخلا بينهما محللا يزعمان أنه يحلل لهما ما حرم الله من الربا .
وهو كمحلل النكاح ، فهذا محلل الربا؛ وذلك محلل الفروج، والله تعالى لا تخفى عليه خافية .
بل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .

١١٠ __
فى التمر السنةَ والسنتين والثلاث، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ أُسْلَفَ فِ تَمْرٍ
فَلْيُسْلِفِْ فِى كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْنُومِ، إِلَى أَجَل مَعْلُومٍ))
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
وعلى هذا: ماجاء من النهى عن بيع التمر بالتمر، وعلى الوجهين معاً، فقد أجاز السلم فيه
السنة والسنتين والثلاث، إذ كان قد وجدهم يفعلون ذلك ، فلم ينكره عليهم ، فكان
تقريره ذلك إذناً لهم فيه، وإجازة له .
ومعلوم أن الرطب لا يوجد فى وقت معلوم من السنة، وهو معدوم فى أكثر أيام السنة .
وفيه: أن السلم جائز وزناً فى الشىء الذى أصله الكيل، لأنه عَمَّ ولم يخص ، فقال
((فى كيل معلوم، أو وزن معلوم)) خيَّه بين الأمرين، فاذا صار الشىء المسلم فيه معلوماً
بأحدهما جاز فيه السلم .
وفيه: أن الآجال المجهولة، كالحصاد، وإلى العطاء، وإلى قدوم الحاج: تبطل السلم ،
وأنها لا تجوز إلا أن تكون معلومة بالأمر الذى لا يختلف ، كالسنين والشهور
والأيام المعلومة .
وقد يحتج بهذا الحديث من لا يجيز السلم حالاً ، وهو مذهب أبى حنيفة ومالك .
قالوا: وذلك لقوله ((إلى أجل معلوم)) فشرط الأجل، كماشرط الكيل والوزن .
وقال الشافعى: إذا جاز آجلاً فهو حالاً أجود ، وهو من الغرر أبعد ، وليس ذكر
الأجل عنده بمعنى الشرط ، وإنما هو: أن يكون إلى أجل معلوم غير مجهول ، إذا كان
مؤجلاً ، كماليس ذكر الكيل والوزن شرطاً ، وإنما هو أن يكون معلوم الكيل والوزن .
إذا كان مكيلاً أو موزوناً .
ألستَ ترى أن السلم فى المزروع جائز بالزرع، وليس بمكيل ولا موزون ؟ فعلمت أنه
إنما أراد الخصْر له بما يضبط بمثله، حتى يخرج من حَدِّ الجهالة ويسلم من الغرر.
ولو كان ذكر الكيل والوزن شرطاً فى جواز السلم لم يجز إلا فى مكيل أو موزون ،
فكذلك الأجل . والله أعلم .

- ١١١ -
٣٣١٩ - وعن عبد الله بن أبى أوفى قال «إنْ كُنَّا لَنُسْلِفُ على عهد رسول الله صلى الله.
عليه وسلم وأبى بكر وعمر: فى الحِنْطةِ والشعير والتمر والزبيب - زاد ابن كثير: إلى قوم.
ماهو عندهم ، ثم اتفقا -: وسألتُ ابن أبْزَى؟ فقال مثل ذلك))
وأخرجه البخارى وابن ماجة .
٣٣٢٠ - وعنه، قال «غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الشامَ، فكان يأتينا أنْباط
من أنباط الشام ، فتُسْلِفُهم فى البُرِّ والزيت ، سِعْراً معلوما وأجلا معلوما ، فقيل له : ممن
له ذلك؟ قال: ما كنا نسألهم»
باب فى السلم فى ثمرة بعينها [٣: ٢٩٣]
٣٣٢١ - عن رجل تَجْرانى، عن ابن عمر (( أن رجلاً أسلف رجلا فى ◌َخْلِ، فلم تخرج
تلك السنة شيئاً، فاختصما إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: يمِ تَسْتَحِلُّ مَالَهُ؟ ارْدُدْ
عَلَيْهِ مَاله . ثم قال : لاَتُسْلِفُوا فِى النخل حتى يبدو صلاحه ))
فی إسناده رجل مجهول
باب السلف يَحَوَّلُ [٣: ٢٩٣]
٣٣٢٢ - عن عطية بن سعد، عن أبى سعيد الخدرى ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
٣٣٢٢ - قال الشيخ: إذا أسلف ديناراً فى قَفَيز حنطة إلى شهر فحلَّ الأجل، فأعوزه البر،
٣٣٢٢ - قال الشيخ شمس الدين رحمه الله: اختلف الفقهاء فى حكم هذا الحديث ، وهو جواز
أخذ غير المسلم فيه عوضاً عنه ، والمسألة صورتان :
إحداهما : أن يعاوض عن المسلم فيه مع بقاء عقد السلم ، فيكون قد باع دين السلم قبل قبضه
والصورة الثانية : أن ينفسخ العقد بإقالة أو غيرها . فهل يجوز أن يصرف الثمن فى عوض
آخر غير المسلم فيه ؟
فأما المسألة الأولى: فمذهب الشافعى وأبى حنيفة وأحمد - في المشهور عنه - : أنه لا يجوز

- ١١٢ -
وسلم (( مَنْ أَسْلَفَ فى شىءٍ فَلاَ يَصْرِفُهُ إلى غيره ))
فإن أبا حنيفة يذهب إلى أنه لا يجوز له أن يبيعه عوضاً بالدينار ، ولكن يرجع برأس
: المال عليه ، قولاً بعموم الخبر وظاهره .
بيعه قبل قبضه، لا لمن هو فى ذمته ولا لغيره ، وحكى بعض أصحابنا ذلك إجماعاً . وليس
بإجماع ، فمذهب مالك جوازه ، وقد نص عليه أحمد فى غير موضع ، وجوز أن يأخذ عوضه
عرضاً بقدر قيمة دين السلم وقت الاعتياض ، ولا يريح فيه .
وطائفة من أصحابنا خصت هذه الرواية بالحنطة والشعير فقط ، كما قال فى المستوعب : ومن
أسلم فى شيء لم يجز أن يأخذ من غير جنسه بحال، فى إحدى الروايتين . والأخرى : يجوز أن
يأخذ مادون الحنطة من الحبوب ، كالشعير ونحوه ، بمقدار كيل الحنطة لا أكثر منها ، ولا
بقيمتها ؛ نص عليه فى رواية أبى طالب، إذا أسلفت فى كر (١) حنطة فأخذت شعيراً فلا بأس
وهو دون حقك ، ولا يأخذ مكان الشعير حنطة .
وطائفة ثالثة من أصحابنا : جعلت المسألة رواية واحدة ، وأن هذا النص بناء على قوله فى
الحنطة والشعير : أنهما جنس واحد ، وهى طريقة صاحب المغنى .
وطائفة رابعة من أصحابنا : حكوا رواية مطلقة فى المكيل والموزون وغيره. ونصوص
أحمد تدل على صحة هذه الطريقة ، وهى طريقة أبى حفص الطبرى وغيره .
قال القاضى : نقلت من خط أبى حفص فى مجموعه : فإن كان ما أسلم فيه مما يكال أو يوزن
فأخذ من غير نوعه مثل كيله ، مما هو دونه فى الجودة جاز ، وكذلك إن أخذ بثمنه مما لا يكال
ولا یوزن كيف شاء .
ونقل أبو القاسم عن أحمد، قلت لأبى عبد الله: إذا لم يجد ما أسلم فيه ووجد غيره من جنسه
أيأخذه؟ قال: نعم ، إذا كان دون الشيء الذى له ، كمالو أسلم فى قفيز حنطة موصلى ، فقال :
آخذ مكانه شلبيا ، أو قفيز شعير ، فكيلته واحدة لايزداد ، وإن كان فوقه فلا يأخذ ، وذكر
حديث ابن عباس رواه طاوس عنه ((إذا أسلمت في شىء فاء الأجل فلم تجد الذى أسلمت فيه
نفذ عوضاً بأنقص منه ، ولا تربح مرتين »
ونقل أحمد بن أصرم : سئل أحمد عن رجل أسلم فى طعام إلى أجل ، فإذا حل الأجل
يشترى منه عقاراً أو داراً ؟ فقال : نعم ، يشترى منه مالا يكال ولا يوزن .
(١) السكر - بضم الكاف - مكيال يسع ستين قفيزاً، والقفيز: ثمانية مكاكيك، والمكوك :
صاع ونصف ، كذا فى النهاية .

- ١١٣ -
وأخرجه ابن ماجة . وعطية بن سعد لا يحتج بحديثه .
وعند الشافعى : يجوز له أن يشترى عرضاً بالدينار ، إذا تقايلا السلم ، وقبضه قبل
التفرق ، لئلا يكون دينارين ..
وقال حرب : سألت أحمد ، فقلت : رجل أسلم إلى رجل دراهم في بر ؛ فلما حل الأجل
لم يكن عنده بر ؟ فقال: قوم الشعير بالدراهم نفذ من الشعير، فقال: لا يأخذ منه الشعير إلا
مثل كيل البر أو أنقص . قلت : إذا كان البر عشرة أجربة (١) يأخذ الشعير عشرة أجربة ؟
قال : نعم .
إذا عرف هذا . فاحتج المانعون بوجوه .
أحدها : الحديث.
والثانى: نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه.
والثالث: نهيه صلى الله عليه وسلم عن ربح مالم يضمن؛ وهذا غير مضمون عليه . لأنه فى
ذمة المسلم إليه .
والرابع : أن هذا المبيع مضمون له على المسلم إليه، فلو جوزنا بيعه صار مضموناً عليه للمشترى
فيتوالى فى المبيع ضمانان .
الخامس : أن هذا إجماع كما تقدم .
هذا جملة ما احتجوا به .
قال المجوزون : الصواب : جواز هذا العقد ؛ والكلام معكم فى مقامين .
أحدهما : فى الاستدلال على جوازه. والثانى: فى الجواب عما استدللتم به على المنع .
فأما الأول ؛ فنقول: قال ابن المنذر: ثبت عن ابن عباس أنه قال ((إذا أسلفت في شىء إلى
أجل ، فإن أخذت ما أسلفت فيه، وإلا نخذ عوضاً أنقص منه، ولا تربح مرتين)) رواه شعبة.
فهذا قول صحابى ، وهو حجة ، ما لم يخالف .
قالوا : وأيضاً فلو امتنعت المعاوضة عليه لكان ذلك لأجل كونه مبيعاً لم يتصل به القبض
وقد ثبت عن ابن عمر أنه قال (( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إنى أبيع الإبل بالبقيع
فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير ؟ فقال: لا بأس أن تأخذها بسعر
(١) جمع جريب، والجريب: مكيال يسع أربعة أقفزة. والجريب من الأرض: قدر ما يزرع فيه بزر
أربعة أقفزة .
م ٨ - مختصر السنن - ج .

- ١١٤ -
فأما الإقالة فلا تجوز. وهو معنى النهى عن صرف السلف إلى غيره عنده .
(١)
يومها مالم تتفرقا وبينكما شئ)) فهذا بيع للثمن ممن هو فى ذمته قبل قبضه
فما الفرق بينه وبين الاعتياض عن دين السلم بغيره ؟ .
قالوا: وقد نص أحمد على جواز بيع الدين لمن هو فى ذمته ولغيره ، وإنكان أكثر أصحابنا
لا يحكون عنه جوازه لغير من هو فى ذمته ، فقد نص عليه فى مواضع، حكاه شيخنا أبو العباس
ابن تيمية رحمه الله عنه .
والذين منعوا جواز بيعه لمن هو فى ذمته قاسوه على السلم، وقالوا : لأنه دين . فلا يجوز
بيعه كدين السلم ، وهذا ضعيف من وجهين .
أحدهما : أنه قد ثبت فى حديث ابن عمر جوازه .
والثانى : أن دين السلم غير مجمع على منع بيعه ، فقد ذكرنا عن ابن عباس جوازه ، ومالك
يجوز بيعه من غير المستسلف .
والذين فرقوا بين دين السلم وغيره لم يفرقوا بفرق مؤثر ، والقياس : التسوية بينهما .
وأما المقام الثانى : فقالوا : أما الحديث : فالجواب عنه من وجهين.
أحدهما: ضعفه، كما تقدم.
والثانى: أن المراد به أن لا يصرف المسلم فيه إلى سلم آخر، أو يبيعه بمعين مؤجل ، لأنه
حينئذ يصير بيع دين بدين ، وهو منهى عنه ، وأما بيعه بعوض حاضر من غير ربح فلا محذور
فيه ، کما أذن فيه النی صلي الله عليه وسلم فى حديث ابن عمر .
فالذى نهى عنه من ذلك: هو من جنس مانهى عنه من بيع الكالىء بالکالیء ، والذى
يجوز منه : هو من جنس ما أذن فيه من بيع النقد لمن هو فى ذمته بغيره من غير ريح .
وأما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع للطعام قبل قبضه: فهذا إنما هو فى المعين ، أو
المتعلق به حق التوفية من كيل أو وزن ؛ فإنه لا يجوز بيعه قبل قبضه . وأما ما فى الذمة فالاعتيلض
عنه من جنس الاستيفاء، وفائدته : سقوط ما فى ذمته عنه ، لاحدوث ملك له . فلا يقاس بالبيع
الذى يتضمن شغل الذمة . فإنه إذا أخذ منه عن دين السلم عرضاً أو غيره أسقط ما فى ذمته .
فكان كالمستوفى دينه لأن بدله يقوم مقامه . ولا يدخل هذا فى بيع الكالىء بالكالى، بحال .
والبيع المعروف : هو أن يملك المشترى ما اشتراه . وهذا لم يملكه شيئاً ، بل سقط الدين
من ذمته . ولهذا لو وفاه ما فى ذمته لم يقل إنه باعه دراهم بدراهم ، بل يقال: وفاء حقه، خلاف
ما لو باعه دراهم معينة بمثلها . فإنه يع . ففى الأعيان إذا عاوض عليها بجنسها ، أو بعين غير
جنسها يسمى بيعاً . وفى الدين إذا وفاها بجنسها لم يكن بيعاً. فكذلك إذا وفاها بغير جنسها
(١) بياض بالأصل. ويظهر أن الكلام متصل ولا سقط هنا.
١

- ١١٥ -
لم يكن بيعاً ، بل هو إيفاء فيه معنى المعاوضة. ولو حلف ليقضينه حقه، غداً فأعطاه عنه عرضاً
بر فى أصح الوجهين .
وجواب آخر : أن النهى عن بيع الطعام قبل قبضه أريد به بيعه من غير بائعه . وأما بيعه
من البائع : ففيه قولان معروفان .
وذلك لأن العلة فى المنع إن كانت توالى الضمانين اطرد المنع فى البائع وغيره ، وإن كانت
عدم تمام الاستيلاء ، وأن البائع لم تنقطع علقه عن المبيع ، بحيث ينقطع طمعه فى الفسخ ،
ولا يتمكن من الامتناع من الإقباض إذا رأى المشترى قد ربح فيه . لم يطرد النهى فى بيعه من
بائعه قبل قبضه ، لانتفاء هذه العلة فى حقه . وهذه العلة أظهر وتوالى الضمانين ليس بعلة مؤثرة.
ولا تنافى بين كون العين الواحدة مضمونة له من وجه وعليه من وجه آخر ، فهى مضمونة له
وعليه باعتبارين . وأى محذور فى هذا ? كمنافع الإجارة. فإن المستأجر له أن يؤجر
ما استأجره ، فتكون المنفعة مضمونة له وعليه ، وكالثمار بعد بدو صلاحها : له أن يدعها
على الشجر ، وإن أصابتها جائحة رجع على البائع . فهى مضمونة له وعليه . ونظائره كثيرة .
وأيضاً: فبيعه من بائعه شبيه بالإقالة ، وهى جائزة قبل القبض على الصحة .
٦٦٠ -..
وأيضاً : فدين السلم تجوز الإقالة فيه بلا نزاع. وبيع المبيع لبائعه قبل قبضه غير جائز فى
أحد القولين .
فعلم أن الأمر فى دين السلم أسهل منه فى بيع الأعيان . فإذا جاز فى الأعيان أن تباع
لبائعها قبل القبض فدين السلم أولى بالجواز، كما جازت الإقالة فيه قبل القبض اتفاقاً ، بخلاف
الإقالة فى الأعيان .
ومما يوضح ذلك : أن ابن عباس لا يجوز بيع المبيع قبل قبضه. واحتج عليه بنهى النبى
صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه . وقال «أحسب كل شىء بمنزلة الطعام)» ومع هذا
فقد ثبت عنه: أنه جوز بيع دين السلم ممن هو عليه إذا لميربح فيه. ولم يفرق بين الطعام وغيره ،
ولا بين المكيل والموزون وغيرهما . لأن البيع هنا من البائع الذى هو فى ذمته. فهو يقبضه
من نفسه لنفسه ، بل فى الحقيقة ليس هنا قبض ، بل يسقط عنه ما فى ذمته. فتبرأ ذمته ، وبراءة
الذمم مطلوبة فى نظر الشرع ، لما فى شغلها من المفسدة . فكيف يصح قياس هذا على بيع
شىء غير مقبوض الأجنبى لم يتحصل بعد ، ولم تنقطع علق بائعه عنه ؟
وأيضاً : فإنه لو سلم المسلم فيه ثم أعاده إليه جاز. فأى فائدة فى أخذه منه، ثم إعادته إليه ؟
وهل ذلك إلا مجرد كلفة ومشقة لم تحصل بها فائدة ؟
ومن هنا يعرف فضل علم الصحابة وفقههم على كل من بعدهم .
قالوا: وأما استدلالكم بنهى النبى صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن: فنحن نقول
بموجبه، وأنه لا يربح فيه، كما قال ابن عباس (( خذ عرضاً بأنقص منه، ولا تربح مرتين »

- ١١٦ -
فنحن إنما نجوز له أن يعاوض عنه بسعر يومه ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر
فى بيع النقود فى الذمة ((لا بأس إذا أخذتها بسعر يومها)) فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما جوز
الاعتياض عن الثمن بسعر يومه، لئلا يربح فيما لم يضمن .
وقد نص أحمد على هذا الأصل فى بدل العوض وغيره من الديون : أنه إنما يعتاض عنه
بسعر يومه ، لئلا يريح فيما لم يضمن.
وكذلك قال مالك: يجوز الاعتياض عنه بسعريومه، كما قال ابن عباس، لكن مالك يستثنى
الطعام خاصة . لأن من أصله: أن بيع الطعام قبل قبضه لا يجوز ، بخلاف غيره .
وأما أحمد: فإنه فرق بين أن يعتاض عنه بعرض أو حيوان أو نحوه ، دون أن يعتاض
يمكيل أو موزون . فإن كان بعرض ونحوه جوزه بسعر يومه، كما قال ابن عباس ومالك ،
وإن اعتاض عن المكيل بمكيل، أو عن الموزون بموزون ، فإنه منعه لئلا يشبه بيع المكيل
بالمكيل من غير تقابض، إذ كان لم توجد حقيقة التقابض من الطرفين . ولكن جوزه إذا
أخذ بقدره مما هو دونه، كالشعير عن الحنطة ، نظرا منه إلى أن هذا استيفاء لا معاوضة، كما
يستوفى الجيد عن الردىء. ففى العرض جوز المعاوضة، إذ لا يشترط هناك تقابض. وفى المكيل
والموزون : منع المعاوضة لأجل التقابض ، وجوز أخذ قدر حقه أو دونه . لأنه استيفاء . وهذا
من دقيق فقهه رضى الله عنه .
قالوا : وأما قولكم: إن هذا الدين مضمون له ، فلو جوزنا بيعه لزم توالى الضمانين .
فهو دليل باطل من وجهين .
أحدهما : أنه لا توالى ضمانين هنا أصلا. فإن الدين كان مضمونا له فى ذمة المسلم إليه . فإذا
باعه إياه لم يصر مضموناً عليه بحال. لأنه مقبوض فى ذمة المسلم إليه، فمن أى وجه يكون مضموناً
على البائع ؟ بل لو باعه لغيره لكان مضموناً له على المسلم إليه ومضموناً عليه للمشترى .
وحينئذ فيتوالى ضمانان .
الجواب الثانى : أنه لا محذور فى توالى الضمانين . وليس بوصف مستلزم المفسدة يحرم
العقد لأجلها . وأين الشاهد من أصول الشرع لتأثير هذا الوصف ؟ وأي حكم علق الشارع
فساده على توالى الضمانين ؟ وما كان من الأوصاف هكذا فهو طردى لا تأثير له .
وقد قدمنا ذكر الصور التى فيها توالى الضمانين . وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه جوز المعاوضة عن ثمن المبيع فى الذمة . ولا فرق بينه وبين دين السلم .
قالوا : وأيضاً فالمبيع إذا تلف قبل التمكن من قبضه كان على البائع أداء الثمن الذى قبضه
من المشترى . فإذا كان هذا المشترى قد باعه فعليه أداء الثمن الذي قبضه من المشترى الثانى
فالواحب بضمان هذا غير الواجب بضمان الآخر . فلا محذور فى ذلك .
ء

- ١١٧ -
وشاهده : المنافع فى الإجارة والثمرة قبل القطع . فإنه قد ثبت بالسنة الصحيحة التى
لا معارض لها : وضع الثمن عن المشترى إذا أصابتها جائحة . ومع هذا يجوز التصرف فيها .
ولو تلفت لصارت مضمونة عليه بالثمن الذى أخذه ، كما هى مضمونة له بالثمن الذى دفعه .
قالوا: وأما قولكم: إن المنع منه إجماع ، فكيف يصح دعوى الإجماع مع مخالفة حبر
الأمة ابن عباس، وعالم المدينة مالك بن أنس ؟
فثبت أنه لا نص فى التحريم ، ولا إجماع ولا قياس ، وأن النص والقياس يقتضيان الإباحة
كما تقدم . والواجب عند التنازع: الرد إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم .
فصل
وأما المسألة الثانية: وهى إذا أنفسخ العقد بإقالة أو غيرها ، فهل يجوز أن يأخذ عن دين
. السلم عوضاً من غير جنسه ؟ فيه وجهان .
أحدهما : لا يجوز ذلك حتى يقبضه ثم يصرفه فيما شاء ، وهذا اختيار الشريف أبى جعفر .
وهو مذهب أبى حنيفة .
والثانى : يجوز أخذ العوض عنه، وهو اختيار القاضى أبى يعلى، وشيخ الإسلام ابن تيمية
وهو مذهب الشافعى ، وهو الصحيح ، فإن هذا عوض مستقر فى الذمة ، فازت المعاوضة عليه
كسائر الديون، من القرض وغيره .
وأيضاً: فهذا مال رجع إليه بفسخ العقد ، جاز أخذ العوض عنه، كالثمن فى المبيع .
وأيضاً : حديث ابن عمر فى المعاوضة عما فى الذمة صريح فى الجواز .
واحتج المانعون بقوله صلى الله عليه وسلم (( من أسلم فى شىء فلا يصرفه إلى غيره))
قالوا : ولأنه مضمون على المسلم إليه بعقد السلم فلم تجز المعاوضة عليه قبل قبضه وحيازته
كالمسلم فيه .
قال المجوزون : أما استدلالكم بالحديث: فقد تقدم ضعفه. ولو صح لم يتناول محل النزاع.
لأنه لم يصرف المسلم فيه فى غيره ، وإنما عاوض عن دين السلم بغيره ، فأين المسلم فيه من رأس
مال السلم ؟ .
وأما قياسكم المنع على نفس المسلم فيه: فالكلام فيه أيضاً ، وقد تقدم : أنه لا نص يقتضى
المنح منه ، ولا إجماع ، ولا قياس .
ثم لو قدر تسليمه لكان الفرق بين المسلم فيه ورأس مال السلم واضحاً ، فإن المسلم فيه
مضمون بنفس العقد ، والثمن إنما يضمن بعد فسخ العقد ، فكيف يلحق أحدهما بالآخر ؟
فثبت أنه لانص فى المنع ، ولا إجماع ولا قياس .
:

- ١١٨ -
فاذا عرف هذا فحكم رأس المال بعد الفسخ حكم سائر الديون ، لا يجوز أن تجعل سلما فى شىء
آخر ، لوجهين .
أحدهما : أنه بيع دین بدين .
والثانى: أنه من ضمان المسلم إليه، فاذا جعله سلماً في شىء آخر ربح فيه، وذلك ربح ما لم
يضمن ، ويجوز فيه ما يجوز فى دين القرض وأثمان المبيعات إذا قسمت ، فإذا أخذ فيه أحد
النقدين عن الآخر وجب قبض العوض فى المجلس ، لأنه صرف بسعر يومه ، لأنه غير مضمون
عليه ، وإن عاوض عن المكيل بمكيل ، أو عن الموزون بموزون من غير جنسه، كمطن بحرير
أوكتان ، وجب قبض عوضه فى مجلس التعويض ، وإن بيع. بغير مكيل أو موزون ، كالعقار
والحيوان ، فهل يشترط القبض فى مجلس التعويض ؟ فيه وجهان .
أصحهما : لا يشترط ، وهو منصوص أحمد .
والثانى : يشترط .
ومأخذ القولين : أن تأخير قبض العوض يشبه بيع الدين بالدين، فيمنع منه ، ومأخذ الجواز
- وهو الصحيح - أن النساءين مالاً يجمعهما علة الربا، كالحيوان بالموزون جائز للاتفاق على
جواز سلم النقدين فى ذلك ، والله أعلم .
ونظير هذه المسألة : إذا باعه ما يجرى فيه الربا، كالحنطة مثلا بثمن مؤجل ، فحل الأجل
فاشتري بالثمن حنطة أو مكيلا آخر من غير الجنس، مما يمتنع ربا النساء بينهما ، فهل يجوز ذلك؟
فيه قولان .
أحدهما : المنع ، وهو المأثور عن ابن عمر وسعيد بن المسيب وطاوس ، وهو مذهب مالك
وإسحق.
والثانى : الجواز . وهو مذهب الشافعى، وأبى حنيفة، وابن المنذر ، وبه قال جابر بن
زيد ، وسعيد بن جبير ، وعلى بن الحسين ، وهو اختيار صاحب المغنى وشيخنا .
والأول : اختيار عامة الأصحاب .
والصحيح : الجواز ، لما تقدم .
قال عبد الله بن زيد : قدمت على علي بن حسين فقلت له (( إنى أجذ نخلى ، وأبيع ممن
حضرنى النمر إلى أجل . فيقدمون بالخنطة ، وقد حل الأجل فيوقفونها بالسوق ، فأبتاع منهم
وأقاصهم ؟ قال : لا بأس بذلك ، إذا لم يكن منك على رأى)» يعنى إذا لم يكن حيلة مقصودة .
فهذا شراء للطعام بالدراهم التى فى الذمة بعد لزوم العقد الأول ، فصح، لأنه لا يتضمن رباً
بنسيئة ولا تفاضل .
والذين يمنعون ذلك يجوزون أن يشترى منه الطعام بدراهم ، ويسلمها إليه ، ثم يأخذها
منه وفاءاً أو نسيئة منه بدراهم فى ذمته ، ثم يقاصه بها ، ومعلوم أن شراءه الطعام منه بالدراهم
التى له فى ذمته أيسر من هذا وأقل كلفة ، والله أعلم.

- ١١٩ -
باب فى وضع الجائحة [٣: ٢٩٣]
٣٣٢٣ - عن أبى سعيد الخدرى، أنه قال ((أُصِيبَ رجلٌ فى عهد رسول الله صلى الله
عليه وعلم فى ثمارِ ابتاعها، فكثُرُ دَيْنه [ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تَصَدَّقُوا
٣٣٢٣ - قال الشيخ : قد تقدم الكلام فى بيان اختلاف الناس فى وضع الجوائح .
وأما هذا الحديث : فليس فيه ذكر الجائحة ، وقد يحتمل أن يكون إنما أصيب فى تلك
الثمار بعد ماجَدَّها وآواها الجرين، فَطَرَقها لِص: أو جرفها سَيْل، أو باعها فافتات الغريم
بحقه ، وكل هذه الوجوه قد يصح رجوع إضافة المصيبة فيها إلى الثمار التى كان ابتاعها .
وإذا كان كذلك لم يجب الحكم بذهاب حق رب المال .
٣٣٢٣ قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: حديث مسلم فى الجائحة من رواية ابن جريج عن أبى الزبير
عن جابر، وهذا صحيح .
والشافعى علل حديث سفيان عن حميد بن قيس عن سليمان بن عتيق عن جابر : ((أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنين، وأمر بوضع الجوائح)) بأن قال :
سمعت سفيان يحدث هذا الحديث كثيراً فى طول مجالستى له ؛ لا أحصى ما سمعته يحدثه من
كثرته، لا يذكر فيه ((أمر بوضع الجوامع)) لا يزيد على (( أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى
عن بيع السنين)» ثم زاد بعد ذلك ((وأمر بوضع الجوائح )» قال سفيان: وكان حميد بن قيس
يذكر بعد ((بيع السنين) كلاماً قبل ((وضع الجوائح)» إلا أنى لا أدرى كيف كان الكلام؟
وفى الحديث (أمر يوضع الجوامع)
وفى الباب حديث عمرة عن عائشة (( ابتاع رجل ثمر حائط فى زمان رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فعالجه ؛ وقام عليه ، حتى تبين له النقصان ، فسأل رب الحائط أن يضع عنه، خلف
أن لا يفعل ؛ فذهبت أم المشترى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكرت ذلك له . فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: تألى أن لا يفعل خيراً ، فسمع بذلك رب المال، فأتى النبي صلى الله
عليه وسلم ، فقال : يارسول الله هو له ))
وعلله الشافعى بالإرسال . وقد أسنده يحيى بن سعيد عن أبى الرجال عن عمرة عن عائشة،
وأسنده حارثة بن أبى الرجال عن أبيه .
وليس بصريح فى وضع الجائحة ، وقد تأوله من لا يرى وضع الجائحة بتأويلات باطلة .

،
- ١٢٠ -
عَلَيْهِ ، فتصدق الناس عليه ، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه (١)] فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: خُذُوا مَا وَجَدْثُمْ، وَلَيْنَ لَكُمْ إِلَّ ذَلِكَ)) ..
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة
٣٣٢٤ - وعن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((إنْ بِعْتَ من
أخيك ثمراً فأصابها جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، يمَ تأخذ مال أخيك بغير حق؟))
وأخرجه مسلم والنسائى وابن ماجة
وليس فى الحديث أنه أمر أرباب الأموال أن يضعوا عنه شيئاً من أثمان الثمار: ثلثاً،
أو أقل منه، أو أكثر، إنما أمر الناس أن يعينوه ليقضى حقوقهم ، فلما أبدع بهم(٣) أمرهم
بالكفِّ عنه إلى الميسرة، وهذا حكم كل مفلس أحاط به الدينُ ، وليس له مال.
٣٣٢٤ - قال الشيخ : يشبه أن يكون إنما أراد بهذا القول : التخفيف عنه ، والتسويغ له
دون الإيجاب وإلا لزام .
: ذلك : أنه لا خلاف أن مشترى الثمرة لو أراد بيعها بعد القبض كان له ذلك ، وقد
(( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها ، وقبل أن تأمن
أحدها : أنه محمول على ما يحتاج الناس إليه فى الأراضى الخراجية التى خراجها للمسلمين ،
فيوضع ذلك الخراج عنهم ؛ فأما فى الأشياء المبيعات فلا.
وهذا كلام فى غاية البطلان ، ولفظ الحديث لا يحتمله بوجه .
قال البيهقى : ولا يصح حمل الحديث عليه ، لأنه لم يكن يومئذ على أراضى المسلمين خراج.
ومنها : أنهم حملوه على إصابة الجائحة قبل القبض ، وهو تأويل باطل ، لأنه خص بهذا
الحكم الثمار ، وعم به الأحوال، ولم يقيده بقبض ولا عدمه.
ومنها : أنهم حملوه على معنى حديث أنس ((أرأيت إن منع الله الثمرة: فيم يأخذ أحدكم مال
آخيه؟)) وهذا فى بيعها قبل بدو صلاحها . وهذا أيضاً تأويل باطل ، وسياق الحديث يبطله .
فإنه علل بإصابة الجائحة لا بغير ذلك.
(١) زيادة من السنن
(٢) فى النهاية: يقال: أبدعت الناقة: إذا انقطعت عن السير بكلال أو للع، كأنه جعل انقطاعها عما
كانت مستمرة عليه من عادة السير : إبداعاً، أى إنشاء أمر خارج عما اعتيد منها .