Indexed OCR Text

Pages 21-40

- ٢١ -
زاد، أو ازداد فقد أربى، ولا بأس ببيع الذهب بالفضة، والفضةُ أكثرهما، يداً بيدٍ ، وأما
نسيئةً فلا[ ولا بأس يبيع البر بالشعير والشعيرُ أكْثَرَهُمَا يدا بيد، وأما نسيئة فلا(١)]
ثم زاده بياناً بما نَسَق عليه من قوله ((ولا بأس ببيع الذهب بالفضة، والفضة أكثرها،
يداً بيد)» وكان ذلك من باب دليل الخطاب ومفهومه . وكلا الوجهين بيان. وأهل اللغة
يتفاهمون بهما.
ثم هو قول عامة المسلمين ، إلا ما روي عن أسامة بن زيد وابن عباس فى جواز بيع
الدرهم بالدرهمین ، وقد روى عن ابن عباس أنه رجع عنه .
قال الشيخ: وقد روى غيرُ أبى داود هذا الحديث. فقال ((إلا سواء بسواء،
مِثْلاً بمثل)).
حدثنا محمد بن المكى، قال: حدثنا محمد بن على بن زيد الصايغ، قال: حدثنا سَلَمة
ابن علقمة عن محمد بن سيرين، قال: حدثنى مسلم بن يسار عن عُبادة بن الصامت قال :
((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذهب بالذهب ، والورِقِ بالورِق، والتمر بالتمر،
والبُرِّ بالبر، والشعير بالشعير، إلا سواء بسواء، مِثْلاً بمثل)).
وفيه دليل : على أن الدراهم والدنانير إذا بيع بعض جنسها ببعض منه، فلم يكونا معاً
ذهباً محضاً، أو فضة محضة ، حتى يتعادلا فى الوزن ، أو كان فى أحدهما شَوْبٌ، أو حملان:
أن البيع فاسد ، والصرفَ منتقضٌ". وذلك لوجود التفاوت ، وعدم التساوى .
وفيه بيان أن التقابض شرط لصحة البيع فى كل ما يجرى فيه الربا من ذهب وفضة
وغيرهما من المطعوم ، وإن اختلف الجنسان .
ألا تراه يقول ((فلا بأس ببيع البر بالشعير، والشعيرا كثرهما، يداً بيد)) وأما النسيئة
فلا قبض عليه كما ترى ؟.
وجوز أهل العراق بيع البر بالشعير من غير تقابض ، وصاروا إلى أن القبض إنما يجب
فى الصرف ، دون ما سواه. وقد جمعت بينهما السنة . فلا معنى للتفريق بينهما .
وجملته : أن الجنس الواحد مما فيه الربا لا يجوز فيه التفاضل نسيئاً ، ولا نقداً.
(١) زيادة من السنن

- ٢٢ -
٣٢١١ - وفى رواية ((فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوه كيف شئتم، إذا كان يداً بيد)).
وفيه دليل : على أن خيار الثلث لا يدخل فى بيوع الصرف، كما يدخل فى سائر البيوع
وذلك لأنه قد اشترط فيه التقابض ، لئلا تبقى بينهما علاقة . فلو جاز أن يكون هناك
علاقة باقية لجاز أن يبقى علاقة القبض ، كما جاز فى سائر العقود .
وفيه: أن البرجنس ، والشعير جنس غيره . ولولا أنهما جنسان مختلفان لم يجز التفاضل
بينهما يداً بيدٍ ، كما لا يجوز ذلك فى الجنس الواحد .
وقال مالك : البر والشعير جنس واحد . وزعم أن البر لا يكاد يخلص من الشعير.
فلولا أنهما جنس واحد لم يجز بيع البر بالبر وفيه شىء من الشعير. لأنه لا بد من تفاوتهما .
قال الشيخ: وهذا خلاف النص، والحديثُ حجة عليه. وقد أباحه النبى صلى الله عليه وسلم
مع علمه بما يخالطه من يسير الشعير، وجعله كالبيع له. ولم يعتدَّ به ، ثم فرق بين جنس البر
والشعير ، وأبى التفاضل فيهما يداً بيدٍ . فثبت جوازه وفسادُ قول من ذهب إلى الجمع بينهما.
وفيه دليل: على أنه لا يجوز بيع البر بالبر وزناً بوزن ، مثلاً بمثل ، وذلك لأنه قال
(والبر بالبرمُدْىٌ بمدى)) وفى غير هذه الرواية ((كيلا بكيل)) فعلق المائلة بالمكيال، دون
غيره من أنواع العيار ، وبابُ الربى غير معقول المعنى ، فيجرى فيه القياس ، كما يجرى
فى سائر الأحكام . فلا يجوز مغارقة أمثلته إلى غيره . والله أعلم .
وفى الخبر: دليل على أن القوت ليس بعلة الربا. لأنه ذكر الملح مع البر. ومعلوم أنه
لا يقتات، وإنما يصلح به القوت ، ولو جاز أن يكون الربا فيما يصلح به القوت لجاز أن
يكون فى الماء الربا على مذهب أصحاب مالك ، وقد يصلح القوت أيضاً بالحطب والوقود ،
ثم لا ربا فيه بالإجماع .
وقد استدل أصحاب الشافعى بذكره الملح مع البر على أن العلة فى الربا : الطعم . لأنه
لما ضَمَّ جنس أدنى مايطعم إلى جنس أعلى ما يؤكل: دلَّ على أن ما بين النوعين لاحق بهما،
وداخلٌ فى حكمهما.

١
- ٢٣ -
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة بنحوه . وفى ألفاظه: زيادة ونقص .
باب فى حلية السيف تباع بالدراهم [ ٣: ٢٥٤ ]
٣٢١٢ - عن فَضالة بن عُبيدٍ، قال: ((أُتِىَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عَامَ خَيْبَر بقلادة فيها
ذهب وخَرَز - قال أبو بكر وابن مَنيع: فيها خرز مُعَلّقَةٌ بذهب - ابتاعها رجل بتسعة
٣٢١٢ - قال الشيخ: فى هذا الحديث: أنه نهى عن بيع الذهب بالذهب مع أحدهما شىء
غير الذهب .
ويمن قال هذا البيع فاسد : شريح، ومحمد بن سيرين، والنخعى .
قـ
وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق بن راهوية، وسواء عندهم كان الذهب - الذى
هو الثمن - أكثر من الذهب - الذى مع السلعة - أو أقل.
وقال أبو حنيفة: إن كان الثمن أكثر مما فيه من الذهب جاز، وإن كان مثله، أو
أقل منه لم يجز.
وذهب مالك إلى نحو من هذا فى القِلَّة والكثرة، إلا أنه حَدَّ الكثرة بالثلثين.
والقِلَّةً بالثلث.
وقال حماد بن أبى سليمان: لا بأس بأن يشتريه بالذهب، كان الثمن أقل أو أكثر.
قال الشيخ : قول حماد: قول منكر، لمخالفته الحديث وأقاويل عامة العلماء ، وفساده
غیر مشكل ، لما فيه من صريح الربا.
فأما ماذهب إليه أبو حنيفة : فإنه يخرج على القياس ، لأنه يجعل الذهب بالذهب
سهواء ، ويجعل مافضل عن الثمن بإزاء السِّلعة ، غير أن السنة قد منعت هذا القياس أن
يجرى، ألا تراه يقول ((إنما أردت الحجارة أو التجارة، فقال: لا ، حتى تميز بينهما)) فتفى
صحة هذا البيع ، مع قصده إلى أن يكون الذهب الذى هو الثمن الخرز بعضه بازاء الذهب
الذى هو مع الخرز مصارفة ، وبعضُه بازاء الحجارة التى هى الخرز بيعاً وتجارة ، حتى يميز
٠٠

- ٢٤ -
دنانير، أو بسبعة دنانير، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: لاَ، حَتَّى يُميّز بينه وبينه . فقال:
إنما أردت الحجارةَ ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: لاَ، حَتّى تميز بينهما. قال : فرده
حتى مَيَّزِ بينهما )).
بينهما ، فتكون حصّة المصارفة متميزة عن حصة المتاجرة ، فدل على أن هذا البيع على
الوجهین فاسد .
وبيان فساد هذا البيع من جهة المعنى على وجوه .
أحدها : أنه عقد تضمن بيعاً وصرفاً. ومثّى جُهل التماثل فى الذهب بالذهب وقتّ
العقدبطل الصرف ، ولا سبيل إلى معرفة التماثل إلا بعد التمييز والتفضيل ، فتكون التسوية
حينئذ بيتهما بالوزن .
: فروى أصحاب أبى حنيفة عنه أنه قال : إذا باع صُبْرة من الطعام بصبرة من جنسه
جُزاقً لم يجز ، وإن خرجا عند الكيل متساويين، وفى هذا اعتبار التماثل حال العقد .
وهو تُظير مسألة الصرف.
٠٠
أوالوجه الثانى: أن الصفقة إذا تضمنت شيئين مختلفين فى الجنس كان الثمن مفضوضاً
عليهما بالقيمة ، وإذا كان كذلك، وأردنا أن نقسط الثمن عليهما بالقيمة ، وأسقطنا قيمة
الخرز من جملة الثمن - لم ندر: كم مقدار ما يبقى منه؟ وهل يكون مثل الذهب المشترى مع
الخرز ، أو أقل منه ، أو أكثر؟ فبطل العقد للجهالة .
والوجه الثالث: أن أحكام عقد الصرف لا تلائم أحكام سائر العقود ، لأن من شرطه
التقابض قبل التفرق ، وانقطاع شرط الخيار وسائر العقود يصح من غير تقابض ، ويدخلها
شرط الخيار ، فلم يجز الجمع بينهما فى صفقة واحدة ، لتنافى معانيهما . ولأن حكم أحدهما
لا يَنْبَنِى على حكم الآخر .
قال الشيخ: وهذا معنى قوله (( لا، حتى تميز)) وتأويله: تميز العقدين ، لا تميز
المبيع ، وعلى هذا القول: لا يجوز بيع فضة وسلعة معها بدينار ، وقد ذهب إليه
بعض الفقهاء .

- ٢٥ -
٣٢١٣ - وفى رواية « أردت التجارة )).
٣٢١٤ - وعنه قال: «اشتریتُ من خیبر قلادةً باثنى عشر ديناراً ، فیها ذهب وخرز ،.
فَفَصَلتها، فوجدتُ فيها أكثر من اثنى عشر دينارا، فذكرتُ ذلك للنبي صلى الله عليه
وسلم، فقال: لاَ تُبَاعُ حَتَّى تَفَصَلَ )).
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى .
وأجاب بعضهم عن الاختلاف فى الثمن ، فقال: يحتمل أن تكون قصتين .
٣٢١٥ - وعنه قال ((كُنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر نُبايع اليهودَ: الأوقيةَ.
من الذهب بالدينار - قال غير قتيبة: بالدينارين والثلاثة، ثم اتفقا - : قال رسول الله صلى الله.
عليه وسلم: لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بالذهب إِلا وَزْناً بِوَزْنٍ)).
وأخرجه مسلم .
باب فى اقتضاء الذهب من الورق [ ٣: ٢٥٥]
٣٢١٦ - عن ابن عمر، قال: ((كنتُ أبيع الإبلَ بالبقيع، فأبيعُ بالدنانير وآخذُ الدراقَمَ ،
وأبيع بالدراهم وآخذُ الدنانيرَ ، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فأتيتُ
وأما الشافعى: فقد أجاز ذلك. وهو قول أكثر أهل العلم، إلا أن مالكاً قال :
لا يجوز دراهم وسلعة بدينار ، إلا أن تكون الدراهم يسيرة . فإن كانت أكثر من قيمة
السلعة لم يجز .
قال الشيخ : وهذا قول لا وجه له ، ولا فرق بين القليل والكثير فيما يدخله الربا .
لأن أحداً لم يجوز الحبة من الذهب بالحبتين . لأنهما يسير. كمالم يجوز الدينار بالدينارين،
والدرهم بالدرهمين .
٣٢١٦ - قال الشيخ: اقتضاء الذهب من الفضة ، والفضة من الذهب عن أثمان السلعة: هو
فى الحقيقة بيع مالم يُقْبَض .
فدل جوازه على أن النهى عن بيع مالم يقبض إنما ورد فى الأشياء التی یبتغی ببيعها

- ٢٦ -
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو فى بيت حَقْصَة، فقلت: يا رسول الله، رُوَيْدَكَ
أسألك، إنى أبيع الإبل بالبقيع ، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم ، وأبيع بالدراهم وآخذ
الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطى هذه من هذه ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
لاَ بَأْسَ أَنْ تَأْخُذَ بِسَعْرِ يَوْمِهَا، مَالَمْ تَفْتَرِفَا وَبَيْنَكُمَا شَىء))
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة . وقال الترمذى: لا نعرفه مرفوعا إلا من
حديث سِمَاك بن حرب ، وذكر أنه روى عن ابن عمر موقوفا .
وأخرجه النسائى أيضاً عن ابن عمر - قولَه ــ وعن سعيد بن جبير - قوله.
وقال البيهقى : والحديث يتفرد برفعه سماك بن حرب .
وقال شعبة : رفعه سماك بن حرب، وأنا أفرقه .
وبالتصرف فيها الربح، كما روي أنه صلى الله عليه وسلم ((نهى عن ربح ما لم يضمن)).
واقتضاء الذهب من الفضة خارج عن هذا المعنى . لأنه إنما يراد به التقابض ،
والتقابض من حيث لا يشقّ، ولا يتعذر دون التصارف والترابح .
ويبين لك صحة هذا المعنى: قوله ((لا بأس أن تأخذها بسعر يومها )) أى لا تطلب فيها
الربح مالم تضمن، واشترط ((أن لا يتفرقا وبينهما شىء )) لأن اقتضاء الدراهم من الدنانير
صرف ، وعقد الصرف لا يصح إلا بالتقابض.
وقد اختلف الناس فى اقتضاء الدراهم من الدنانير .
فذهب أكثر أهل العلم إلى جوازه. ومنع من ذلك أبو سلمة بن عبد الرحمن
وابن شبرمة .
وكان ابن أبى ليلى يكره ذلك إلا بسعر يومه، ولم يعتبر غيره السعر. ولم يتأولوا كان
ذلك بأغلى أو بأرخص من سعر اليوم.
والصواب : ماذهبت إليه ، وهو منصوص فى الحديث . ومعناه: ما بينته لك . فلا
تذهب عنه ، فانه لا يجوز غير ذلك . والله أعلم .

- ٢٧ --
،۔
باب فى الحيوان بالحيوان [ ٣: ٢٥٦ ]
٣٢١٧ - عن الحسن عن سمرة - وهو ابن جندب ــ ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نَهَ عَنْ
بَيْع الحيوان بالحيوان نَسيئة )»
وأخرجه الترمذى والنسائي وابن ماجة . وقال الترمذى : حسن صحيح . وسماع
الحسن من سمرة صحيح. هكذا قال على بن المدينى وغيره . هذا آخر كلامه .
وقد تقدم اختلاف الأيمة فى سماع الحسن من سمرة .
وقال الشافعى: وأما قولهم (( نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان
نسيئة)) فهذا غير ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال الخطابى: والحسن عن سمرة مختلف فى اتصاله عند أهل الحديث. وحكى عن
يحيى بن معين أنه قال : الحسن عن سمرة : صحيفة .
٣٢١٧ - قال الشيخ : وجهه عندى : أن يكون إنما نهى عما كان منه نسيئة فى الطرفين .
فيكون من باب الكالىء بالكالى.، بدليل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذى يليه
٣٢١٢ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وقال البيهقى: أكثر الحفاظ لا يثبتون سماع الحسن
من سمرة فى غير حديث العقيقة . تم كلامه .
وقد روى هذا من حديث ابن عباس ، وابن عمر ، وجابر بن سمرة .
أما حديث ابن عباس : فرواه معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن ابن عباس
عن النبى صلى الله عليه وسلم. ذكره البيهقى والبزار وغيرهما، وقال البزار: ليس فى هذا الباب
حديث أجل إسناداً من هذا .
وأما حديث ابن عمر : فرواه على بن عبد العزيز من حديث محمد بن دينار الطاحى عن
يونس بن عبيد عن زياد بن جبير عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم ، قال الترمذى :
سألت محمداً : - يعنى البخارى - عن هذا الحديث؟ فقال: إنما يرويه عن زياد بن جبير عن
ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسلاً .
وأما حديث جابر بن سمرة : فرواه عبد الله بن أحمد فى مسند أبيه .
وقال الترمذى : والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلي الله عليه
وسلم وغيرهم .

- ٢٨ -
وقال محمد بن اسماعيل - يعنى البخارى - حديث (( النهى عن بيع الحيوان بالحيوان
نسيئة)) من طريق عكرمة عن ابن عباس : رواه الثقات عن ابن عباس موقوفا. وعكرمة
عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسل. قال : وحديث زياد بن جبير عن النبى صلى الله
عليه وسلم مرسل . وطرق هذا الحديث واهية ، ليست بالقوية .
باب فى الرخصة [ ٣: ٢٥٦ ]
٣٢١٨ - عن عبد الله بن عمرو ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يُجَهِّزَ جَيْشًا،
فنقَدَتْ الإِبلُ ، فأمره أن يأخذ فى قِلاصِ الصدقة، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى
إبل الصدقة )) .
٣٢١٨ - قال الشيخ: هذا يبين لك أن النهى عن بيع الحيوان نسيئة : إنما هو أن يكون
نَسَئاً فى الطرفين ، جمعاً بين الحديثين ، وتوفيقاً بينهما .
وحديث سمرة يقال : إنه صحيفة ، والحسن عن سمرة: مختلف فى اتصاله عند أهل الحديث
أخبرنا ابن الأعرابى ، قال حدثنا عباس الدورى عن يحيى بن معين قال : حديث الحسن
عن سمرة صحيفة، وقال محمد بن اسماعيل: حديث (( النهى عن بيع الحيوان نسيئة)) من
طريق عكرمة عن ابن عباس : رواه الثقات عن ابن عباس موقوفا ، أو عكرمة عن النبى
صلى الله عليه وسلم مرسل ، قال : وحديث زياد بن جبير عن ابن عمر : إنما هو زياد بن جبير
عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسل ، وطرق هذا الحديث واهية ، ليست بالقوية ، وتأويله -
إذا ثبت - على ماقلنا ، والله أعلم .
٣٢١٨ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: قال البيهقى: واحتج أصحابنا بحديث عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشاً، وأمره
أن يبتاع ظهراً إلى خروج المصدق ، فابتاع عبد الله بن عمرو: البعير بالبعيرين ، إلى خروج
المصدق)) بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا غير حديث محمد بن إسحق ، فانه يرويه
عن يزيد بن أبى حبيب عن مسلم بن جبير عن أبى سفيان عن عمرو بن حريث عن عبد الله
ابن عمرو .

-- ٢٩ --
فى إسناده: محمد بن إسحاق . وقد اختلف أيضاً على محمد بن اسحاق فى هذا الحديث.
ذكر ذلك البخارى وغيره .
وحكى الخطابى : أن فى إسناد حديث عبد الله بن عمرو أيضا مقالا .
وجمع بعضهم بين الحديثين : بأن يكون حديث النهى محمولا على أن يكون
كلاهما نسيئة .
باب فى ذلك إذا كان يداً بيد [٣: ٢٥٧ ]
٣٢١٩- عن جابر-وهو ابن عبد الله ((أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم اشترى عبداً بَعَبْدَيْنِ))
وفى الحديث دليل على جواز السلم فى الحيوان، لأنه إذا باع بعيراً ببعيرين فقد صار
ذلك حيواناً مضموناً عليه فى ذمته .
واختلف أهل العلم فى بيع الحيوان بالحيوان نسيئة .
فكره ذلك عطاء بن أبى رباح، ومنع منه سفيان الثورى .
وهو مذهب أصحاب الرأى .
ومنع منه أحمد، واحتج بحديث سمرة
وقال مالك : إذا اختلفت أجناسها جاز بيعها نسيئة ، وإن تشابهت لم يجز.
وجوز الشافعى بيعها نسيئة ، كانت جنساً واحداً أو أجناساً مختلفة ، إذا كان أحد
الحيوانين نقداً .
قال الشيخ : وفى إسناد حديث عبد الله بن عمرو أيضاً مقال. وقد أثبت أحمد
حديث سمرة .
٣٢١٩ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وقد روى مسلم فى صحيحه عن أنس «أن النبى صلى الله
عليه وسلم اشترى صفية من دحية الكلبى بسبعة أرؤس)) وقال الشافعى : أخبرناسفيان عن
ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس (( أنه سئل عن بعير ببعيرين؟ فقال: قد يكون البعير خيراً
من البعيرين »
وقال الشافعى : أخبرنا مالك عن صالح بن كيسان عن الحسن بن محمد بن على عن على
(( أنه باع بعيراً له يدعى عصيفيرا بعشرين بعيراً إلى أجل))

- ٣٠ -
i
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى أتم منه.
وقال الشافعى : أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر (( أنه باع بعيراً له بأربعة أبعرة مضمونة
عليه بالربذة ))
ثم كتب الشيخ بخطه :
باب فی ذلك يداً بيد
روى الترمذى من حديث حجاج بن أرطاة عن أبى الزبير عن جابر قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم (( الحيوان اثنان بواحد لا يصلح نساء، ولا بأس به يداً بيد)) قال الترمذى:
هذا حديث حسن .
وفى مسند أحمد عن ابن عمر « أن رجلا قال : يارسول الله ، أرأيت الرجل يبيع الفرس
بالأقراس ، والبختية بالإبل ؟ قال : لا بأس إذا كان يداً بيد))
قال الإمام أحمد والبخارى : حديث ابن عمر هذا: المعروف مرسل .
فاختلف أهل العلم فى هذه المسألة على أربعة أقوال ، وهى أربع روايات عن أحمد .
إحداها : أن ماسوى المكيل والموزون من الحيوان والنبات ونحوه يجوز بيع بعضه ببعض
متفاضلا ومتساوياً ، وحالا ونساء، وأنه لا يجرى فيه الربا بحال ، وهذا مذهب الشافعى وأحمد
فى إحدى رواياته ، واختارها القاضى وأصحابه ، وصاحب المغنى.
والرواية الثانية عن أحمد : أنه يجوز التفاضل فيه يداً بيد ، ولا يجوز نسيئة ، وهى مذهب
أبى حنيفة ، كما دل عليه حديثا جابر وابن عمر.
والرواية الثالثة عنه: أنه يجوز فيه النساء إذا كان متماثلا ، ويحرم مع التفاضل .
وعلى هاتين الروايتين : فلا يجوز الجمع بين النسيئة والتفاضل ، بل إن وجد أحدهما
حرم الآخر .
وهذا أعدل الأقوال فى المسألة ، وهو قول مالك. فيجوز عبد بعبدين حالا ، وعبد بعبد
نساء ، إلا أن لمالك فيه تفصيلا .
والذى عقد عليه أصل قوله : أنه لا يجوز التفاضل والنساء معاً فى جنس من الأجناس ،
والجنس عنده معتبر باتفاق الأغراض والمنافع ، فيجوز بيع البعير البحتى بالبعيرين من
الحمولة ، ومن حاشية إبله إلى أجل ، لاختلاف المنافع، وإن أشبه بعضها بعضاً ، اختلفت
أجناسها أو لم تختلف ، فلا يجوز منها اثنان بواحد إلى أجل .
فسر مذهبه : أنه لا يجتمع التفاضل والنساء فى الجنس الواحد عنده ، والجنس ما اتفقت
سنافظه » وأشبه بعضه بعضاً ، وإن اختلفت حقيقته .
قيق مذاهب الأئمة فى هذه المسألة المعضلة ، ومآخذهم .

- - ٣١ --
وحديث عبد الله بن عمرو صريح في جواز المفاضلة والنساء، وهو حديث حسن.
قال عثمان بن سعيد: قلت ليحيى بن معين : أبو سفيان الذى روى عنه محمد بن إسحق
- يعنى هذا الحديث - ما حاله؟ قال: مشهور ثقة .. قلت: عن مسلم بن كثير عن عمرو بن
حريث الزبيدى ؟ قال : هو حديث مشهور ، ولكن مالك يحمله على اختلاف المنافع والأغراض
فان الذى كان يأخذه إنما هو للجهاد ، والذى جعله عوضه هو من إبل الصدقة ، قد يكون مع
بنى المخاض ، ومن حواشى الإبل ونحوها .
وأما الإمام أحمد : فانه كان يعلل أحاديث المنع كلها . قال : ليس فيها حديث يعتمد عليه
ويعجبنى أن يتوقاه ، وذكر له حديثا ابن عباس وابن عمر ، فقال : هما مرسلان . وحديث
سمرة عن الحسن ، قال الأثرم : قال أبو عبد الله: لا يصح سماع الحسن من سمرة .
وأما حديث جابر من رواية حجاج بن أرطاة عن الزبير عنه ، فقال الإمام أحمد : هذا
حجاج زاد فيه ((نساء)) والليث بن سعد سمعه من أبى الزبير، لايذكر فيه ((نساء)).
وهذه ليست بعلة فى الحقيقة، فإن قوله (( ولا بأس به يداً بيد)) بدل على أن قوله
((لا يصلح)) يعنى نساء، فذكر هذه اللفظة زيادة إيضاح، لو سكت عنها لكانت مفهومة من
الحديث ، ولكنه معلل بالحجاج ، فقد أكثر الناس الكلام فيه ، وبالغ الدار قطنى فى السمان
فى تضعيفه وتوهینه .
وقد قال أبو داود : إذا اختلفت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم نظرنا إلى ما عمل
به أصحابه من بعده .
وقد ذكرنا الآثار عن الصحابة بجواز ذلك متفاضلاً ونسيئة ، وهذا كله مع اتحاد الجنس
وأما إذا اختلف الجنس ، كالعبيد بالثياب ، والشاء بالإبل : فإنه يجوز عند جمهور الأمة
التفاضل فيه والنساء ، إلا ماحكى رواية عن أحمد: أنه يجوز بيعه متفاضلا يداً بيد ، ولا يجوز
نساء ؛ وحكى هذا أصحابنا عن أحمد رواية رابعة فى المسألة .
واحتجوا لها بظاهر حديث جابر « الحيوان اثنان بواحد لا يصلح نسيئة ، ولا بأس به يداً
بيد)» ولم يخص به الجنس المتحد ، وكما يجوز التفاضل فى المكيل المختلف الجنس دون النساء
فكذلك الحيوان وغيره ، إذا قيل : إنه ربوى .
وهذه الرواية فى غاية الضعف ، مخالفتها النصوص، وقياس الحيوان على المكيل فاسد، إذ
فى محل الحكم فى الأصل أو صاف معتبرة غير موجودة فى الفرع، وهى مؤثرة فى التحريم.
وحديث جابر - لو صح - فانما المراد به : مع اتحاد الجنس ، دون اختلافه ، كما هو مذكور
فی حديث ابن عمر .
فهذه نكت فى هذه المسألة المعضلة، لا تكاد توجد مجموعة فى كتاب ، وبالله التوفيق.
1

- ٣٢ -
باب فى التمر بالتمر [٣: ٢٥٧ ]
٣٢٢٠ - عن زيد أبى عَيّاشِ ((أنه سأل سعد بن أبى وقاص عن البيضاء بالسُلْتِ؟ فقال له
سعد: أُهما أفضل؟ قال : البيضاء ، قال : فنهاه عن ذلك ، وقال: سمعت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يُسألُ عن شراء التمر بالرُّطَبِ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَيِسَ؟ قال: نعم، فنهاه عن ذلك ))
٣٢٢٠ - قال الشيخ (( البيضاء)) نوع من البر أبيض اللون، وفيه رخاوة ؛ يكون ببلاد مصر
وقال بعضهم (( البيضاء)) هو الرطب من السلت ، والأول أعرف ، إلا أن هذا القول
أليق بمعنى الحديث ، وعلته تبين موضع التشبيه من الرطب بالتمر ، وإذا كان الرطب منهما
جنساً واليابس جناً آخر لم يصح التشبيه .
وقوله (( أينقص الرطب إذا يبس؟)) لفظه لفظ استفهام، ومعناه: التقرير والتنبيه فيه
على نكتة الحكم وعلته، ليعتبروها فى نظائرها وأخواتها ، وذلك : أنه لا يجوز أن يخفى عليه
صلى الله عليه وسلم أن الرطب إذا يبس نقص وزنه ، فيكون سؤاله عنه سؤال تعرف
واستفهام. وإنما هو على الوجه الذى ذكرته، وهذا كقول جرير:
ألستم خيرَ مَنْ ركب المطايا وأندَى العالمين بطون راح ؟
٣٢٢٠ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وقد روى ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن
بكير بن عبد الله عن عمر ((أن مولى لبنى مخزوم حدثه: أنه سأل سعداً عن الرجل يسلف
الرجل الرطب بالتمر إلى أجل؟ فقال سعد: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا))
((والسلت)» نوع غير البر، وهو أدق منه حباً .
قال البيهقى : وهذا يخالف رواية الجماعة ، وإن كان محفوظاً فهو حديث آخر .
والخبر يصرح بأن المنع إنما كان لنقصان الرطب فى البعض ، وحصول الفضل بينهما بذلك
وهذا المعنى يمنع من أن يكون النهى لأجل النسيئة، فلذلك لم تقبل هذه الزيادة ممن خالف
الجماعة بروايتها فى هذا الحديث.

- ٣٣ -
وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة . وقال الترمذى : حسن صحيح .
وقال الخطابى : وقد تكلم بعض الناس فى إسناد سعد بن أبي وقاص ، وقال : زيد
أبى عياش، راويه: ضعيف. ومثل هذا الحديث على أصل الشافعى: لا يجوز أن يحتج به .
وليس الأمر على ما توقَّمه .
وأبو عياش - هذا - مولى لبنى زُهرة معروف. وقد ذكره مالك فى الموطأ . وهو.
لا يروى عن رجل متروك الحديث بوجه . وهذا من شأن مالك وعادته معلوم . هذا
آخر كلامه .
ولو كان هذا استفهامًاً لم يكن فيه مدح، وإنما معناه : أنتم خير من ركب المطايا .
.وهذا الحديث أصل فى أبواب كثيرة من مسائل الربا .
وذلك: أن كل شىء من المطعوم مما له نداوة، ولجفافه نهاية: فإنه لا يجوز رَطْبه بيابسه،
كالعنب والزبيب واللحم النَّيىء بالقديد ونحوهما؛ وكذلك لا يجوز على هذا المعنى منه
الرطب بالرطب ، كالعنب بالعنب ، والرطب بالرطب ، لأن اعتبار المماثلة إنما يصح فيهما
عند أوان الجفاف، وهما إذا تناهَى جفافهما كانا مختلفين، لأن أحدهما قد يكون أرَقَّ رِقَّةً
وأكثر مائية من الآخر ، فالجفاف ينال منه أكثر، وتتفاوت مقاديرهما فى الكيل
عند المماثلة .
وقد روينا فى الحديث الثابت عن ابن المسيب وأبى سلمة عن أبى هريرة : أن رسول الله
صلي الله عليه وسلم قال (( لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه، ولا تبتاعوا التمر بالتمر))
وفى الحديث الثابت عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن رسول الله صلي الله عليه وسلم
((لا تبيعوا ثمر النخل بتمر النخل)» وفى رواية إبراهيم بن سعد عن الزهرى عن سالم عن أبيه
عن النبى صلى الله عليه وسلم (( لا تبايعوا الثمر بالتمر)) هكذا روى مقيداً. آخر كلامه.
وحديث أبى هريرة - الذى أشار إليه - رواه مسلم فى محیحه .
وحديث ابن عمر متفق على صحته .
ولفظ الصحيحين فيه (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه
وعن بيع الرطب بالتمر )»
٢ ٣ - مختصر السنن - ج .

-- ٣٤ --
وقد حكى عن بعضهم : أنه قال : زيد أبو عياش: مجهول ، وكيف يكون مجهولا ؟
وقد روى عنه اثنان ثقتان : عبد الله بن يزيد - مولى الأسود بن سفيان - وعمران بن
أبى أنس . وهما ممن احتج به مسلم فى صحيحه ، وقد عرفه أيمة هذا الشأن؟ هذا الامام
مالك قد أخرج حديثه فى موطئه ، مع شدة تحريه فى الرجال ونقده، وتتبعه لأحوالهم .
والترمذى قد أخرج حديثه وضححه، كما ذكرناه. وسمح حديثه أيضا الحاكم أبو عبد الله
النيسابورى .
وفى معنى ما ذكرنا: المطبوخ بالنِّيىء، كالعصير الذى أغلى بما لم يطبح منه ، وكاللبن
الذي عقد بالنار باللبن الحليب ونحوهما .
ولا يجوز على هذا القياس بيع حنطة بدقيق ، ولا حنطة بسَويق ، ولا بيع خبز بخبز.
وهذا كله على مذهب الشافعي .
فأما العصير النيء بالعصير النيء، والشيرج بالشريج، واللبن الحليب باللبن الحليب :
فجائز عند الشافعى، وكذلك خل العنب بخل العنب ، فإن كان فى أحد النوعين ماء
لم يجز .
ولا يجوز عنده بيع أصل شىء فيه الربا بفرعه ، كبيع الزبد باللبن، وبيع الزيت
بالزيتون ، والشيرج بالسمسم . وعلى هذا المعنى عنده : بيع اللحم بالحيوان .
وقد ذهب أكثر الفقهاء إلى أن بيع الرطب بالتمر غير جائز، وهو قول مالك والشافعى
وأحمد بن حنبل . وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن .
وعن أبى حنيفة : جواز بيع الرطب بالتمر نقداً .
ويشبه أن يكون تأويل الحديث عنده: على النسيئة دون النقد .
قال ابن المنذر: وأحسب أبا ثور وافقه على ذلك .
قال الشيخ : ولفظ الحديث عام لم يستثن فيه نسيئة من نقد . والمعنى الذى نبه عليه فى
قوله (( أينقص الرطب إذا يبس)) يمنع من تخصيصه. وذلك : كأنه قال: إذا علمتم أنه
ينقص فى المتعقب فلا تبيعوه . وهذا المعنى قائم فى النقد والنسيئة معاً .

- ٣٥ -
وقد ذَ کره مسلم بن الحجاج فی کتاب الگُنى، وذ کر أنه سمعمن سعد بن أبى وقاص،
وذكره أيضا الحافظ أبو أحمد الكراسى فى كتاب الكُنَى، وذكر أنه سمع من
سعد بن أبى وقاص .
وذكره أيضا النسائى فى كتاب الكنى . وما علمت أحدا ضعفه. والله عز وجل أعلم
وأجاز أبو حنيفة بيع العنب بالزبيب ، واللحم النيء بالقديد، والعصير المطبوخ بالنبىء
منه نقداً .
وقال مالك بن أنس : لا بأس يبيع الدقيق بالبر مثلاً بمثل. لأن الدقيق إنما هو حنطة
فرقت أجزاؤها ، وبيع الحنطة بالحنطة جائز متساويين .
وقال مثل ذلك فى الحنطة بالسويق والسويق بالدقيق .
وقال فى الخبز بالخبز: لا بأس به، إذا تحرّى أن يكون مثلاً بمثل، وإن لم يوزن .
وقال أحمد وإسحاق : لا بأس يبيع الدقيق بالقمح وزناً بوزن .
وقال الأوزاعى : الخبز بالخبز جائز. وهو قول أبى ثور .
٠
وحكى أبو ثور عن أبى حنيفة أنه قال : لا بأس به قُرصاً بقرصين .
وروى حرملة عن الشافعى : أنه أباح بيع الخبز اليابس مثلا بمثل .
وأصحاب الشافعی ینکرون ذلك ، فلا يعدونه قولاً صحيحاً له . وهو خلاف قياس
أصله، والخبز يدخله الماء والملح، وفيهما عنده الرّبا، ومبلغهما يتفاوت فى الخبز. وليس هذا
كاللحوم ، يجوز بعضها ببعض يابسين. لأن اللحم نوع واحد لا يدخله غيره.
قال الشيخ : قد تكلم بعض الناس فى إسناد حديث سعد بن أبى وقاص ، وقال :
زيد - أبو عياش - راويه ضعيف .
ومثل هذا الحديث على أصل الشافعى لا يجوز أن يحتج به .
قال الشيخ: وليس الأمر على ما توهمه، وأبو عياش - هذا - مولى لبنى زهرة
معروف ، وقد ذكره مالك فى الموطأ . وهو لا يروى عن رجل متروك الحديث بوجه ،
وهذا من شأن مالك وعادته معلوم ، وقد روى أبو داود فى هذا الباب مثل حديث سعد من
طريق ابن عمر . [وهو رقم ٣٢٢٢]

- ٣٦ -
٣٢٢١ - وعن يحيى بن أبي كثير ، عن عبد الله - يعنى ابن يزيد، مولى الأسود بن
سفيان - أن أبا عياش أخبره، أنه سمع سعد بن أبى وقاص يقول: ((نهى رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر نسيئة ))
قال أبو الحسن الدارقطنى: خالفه مالك ، واسماعيل بن أمية ، والضحاك بن عثمان ،
وأسامة بن زيد: رووه عن عبد الله بن يزيد، ولم يقولوا فيه ((نسيئة)) واجتماع هؤلاء
الأربعة على خلاف ما رواه يحی - يعنى ابن أبى كثير - يدل على ضبطهم للحديث .
وقال أبو بكر البيهقى: ورواه عمران بن أبى أنس عن أبى عياش نحو رواية مالك .
وليس فيه هذه الزيادة .
٣٢٢٢ - وعن ابن عمر ((أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثّمَرَ بالتمر كَيْلًا،
وعن بيع العنب بالزبيب كيلا، وعن بيع الزرع بالخِئْطَة كيلا)).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة بنحوه .
باب فى بيع العرايا [ ٣: ٢٥٨ ]
٣٢٢٣ - عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه ((أن النبى صلى الله عليه وسلم رَخصَ
فى بيع الْعَرَايَا بِالْتَّمْرِ وَالرُّطَبِ)).
:
وأخرجه النسائى .
٣٢٢٣ - قال الشيخ ((العربية)) فسرها محمد بن اسحاق بن يسار، فقال: هى النخلات
يهبها الرجل للرجل ، فيشق عليه أن يقوم عليها، فيبيعها قبل خَرْصها، وقد ذكر أبو داود
هذا التفسير عنه .
وروى الشافعى خبراً فيه (( قلت لمحمود بن لبيد، أو قال محمود بن لبيد لرجل من
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إما زيد بن ثابت ، وإما غيره : ما عرايا كم؟ فقال ،
أوسمى رجالاً محتاجين من الأنصار شكو إلى النبى صلى الله عليه وسلم -: أن الرُّطب يأتى
ولاتَقْد بأيديهم يبتاعون به رطباً يأكلونه مع الناس، وعندهم فضول من قوتهم من التمر،
فرخّص لهم أن يبتاعوا المرايا خَرْصاً من التمر فى أيديهم يأكلونها رطباً ».

- ٣٧ -
وقد أخرج مسلم فى صحيحه والنسانى وابن ماجة فى ستنهما، من حديث عبد الله بن عمر
عن زيد بن ثابت ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص فى بيع العَرِيَة بخَرْصها تَمْراً))
وأخرجه البخارى. ولفظه (« أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص بعد ذلك فى بيع
العَرِيَّةَ بِالرُّطْب، أو بالتمر، ولم يرخص فى غيره)).
فأما أصلها فى اللغة : فإنهم ذكروا فى معنى اشتقاقها قولين :
أحدهما : أنها مأخوذة من قول القائل : أعريت الرجل النخلة . أى أطعمته ثمرها ،
يعروها متى شاء، أى يأتيها فيأ كل رطبها ، يقال : عروت الرجل : إذا أتيته تطلب
معروفه. كما يقال : طلب إلىَّ: فأطلبته ، وسألنى : فأسألته .
والقول الآخر: إنما سميت عرية لأن الرجل ◌ُعريها من جملة نخله ، أى يستثنيها
لا يبيعها مع النخل ، فربما أكلها ، وربما وهبها لغيره، أو فعل بها ما شاء.
قال الشيخ ((العرايا)) ما كانت من هذه الوجوه ، فإنها مستثناة من جملة النهى عن
المزابنة . والمزابنة : بيع الرطب بالتمر.
ألا تراه يقول ((رخص فى بيع المرايا)) ? والرخصة إنما تقع بعد الحظر، ووزود
الخصوص على العموم لا ينكر فى أصول الدين. وسبيل الحديثين ، إذا اختلفا فى الظاهر،
وأمكن التوفيق بينهما، وترتيب أحدهما على الآخر: أن لا يحملا على المنافاة ، ولا يضرب
بعضهما ببعض ، لكن يستعمل كل واحد منهما فى موضعه. وبهذا جرت قضية العلماء
فى كثير من الحديث .
ألا ترى أنه لما ((نهى حكيما عن بيع ما ليس عنده)) ثم أباح السلم: كان السلم عند
جماعة العلماء مباحا فى محله ، وبيع ما ليس عند المرء محظوراً فى محله ؟
وذلك: أن أحدهما - وهو السلم - من بيوع الصفات . والآخر من بيوع الأعيان.
وكذلك سبيل ما يختلف إذا أمكن التوفيق فيه لم يحمل على النسخ، ولم يبطل
العمل به .
وإنما جاء تحريم المزابنة فيما كان من التمر موضوعاً على وجه الأرض. وجاءت

- ٣٨ -
وأخرجه النسائى ولفظه: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص فى بيع العرايا
بالرطب وبالتمر ، ولم يرخص فى غير ذلك)).
٣٢٢٤ - وعن سَهْلٍ بن أبى خَثْمة (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع التمر
بالتمر ، وَرَخَّصَ فى العرايا: أن تباع بخَرْصِهَا: يأكلُها أهلُهَا رُطَبّاً )).
وأخرجه البخارى والترمذى والنسائى.
الرخصة فى بيع العرايا فيما كان منها على رؤس الشجر ، فى مقدار معلوم منه بكمية لا يزاد
عليها . وذلك من أجل ضرورة أو مصلحة. فليس أحدهما مناقضاً للآخر، أو مبطلاً له .
وقد قال بهذه الجملة فى معناها أكثر الفقهاء: مالك ، والأوزاعى ، والشافعى ، وأحمد
ابنحنبل ، واسحاق بن راهوية ، وأبو عبيد.
وامتنع من القول به أصحاب الرأى . وذهبوا إلى جملة النهى الوارد فى تحريم المزابنة .
وفسروا (( العرية)) تفسيراً لا يليق بمعنى الحديث .
وصورتها عندهم : أن يُعرى الرجل من حائطه نخلات ، ثم يبدو له فيبطلها ، ويعطيه
مكانها تمراً . فسمى هذا بيعاً فى التقدير على المجاز وحقيقة الهبة عندهم .
قال الشيخ: والحديث إنما جاء بالرخصة فى البيع ، كما ذكرناه عن زيد بن ثابت .
ويزيده بياناً: حديث سهل بن أبى حَتَّمة ذكره أبو داود فى هذا الباب [٣٢٢٤].
فهذا يبين لك أنه قد استثنى العرية من جملة ما اقتضاه تحريم النهى عن بيع
التمر بالتمر .
والظاهر : أن المستثنى إنما هو من جنس المستثنى منه. والرخصة إنما تلقى المحظور ،
والمحطور ها هنا : البيع المنهى عنه .
ولو كان الأمر على ما تأولوه من الهبة: ما كان للخرص معنى، ولا لقوله (( رخص»
معنى، ولا وجه لبيع ملكه فى نفسه. لأن الهبة يتعلق صحتها بالإقباض ، والإقباض لم يقع.
فلم يزل الملك، والاسم ما وجد له مساغ فى الحقيقة لم يجز حمله على المجاز.
وقد جاءت هذه الرخصة فى غير رواية أبى داود، مقروناً ذكرها بتحريم المزابنة باسمها
الخاص ، وإن كان معناه معنى أبى داود ، لا فرق بينهما .

- ٣٩ -
باب فى مقدار الْعَرِيَّةَ [٣: ٢٥٨]
٣٢٢٥ - عن أبى هريرة ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرْخَصَ فى بيع العرايا فيما دون
خمسةٍ أوسُق، أو فى خمسةٍ أو سق)) شك داود بن الحصين.
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى .
باب فى تفسير المرايا [ ٣: ٢٥٩]
٣٢٣٦ - عن عبد رَبٌِّ بن سعيد الأنصارى، أنه قال ((الْعَرِيَّةُ: الرجلُ يُعْرِى الرَّجُلَ
النَّخْلَةَ ، أو الرجلُ يَستثنى من ماله النخلة ، أو الاثنتين ، يأكلها: فيبيعها بتمر))
حدثناه محمد بن عبد الواحد ، قال : حدثنا الحارث بن أبى أسامة ، قال حدثنا يزيد
ابن هارون قال حدثنا محمد بن اسحاق عن نافع عن ابن عمر عن زيد بن ثابت قال (( نهى
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمزابنة: ورخص فى العرايا ))
فدل أن الرخصة إنما وقعت فى نوع من المزابنة ، وإلا لم يكن لذكرها معنى .
والله أعلم.
٣٢٢٥ - قال الشيخ: هذا يبين لك أن معنى الرخصة فى العربية: هو البيع المعروف ، ولو
كان غير ذلك لم يكن لتحديدها بأربعة أوسق أو خمسة لا يجاوزها: معنى. إذ لاحظر فى شىء
مما ذهبوا إليه فى تفسيرها . فيحتاج إلى الرخصة فى رفعه .
وأما جواز البيع فى خمسة أوسق منها : فقد أباحه مالك على الإطلاق فى هذا القدر .
وقال الشافعى: لا أفسخ البيع فى مقدار خمسة أوسق ، وأفسخه فيما وراء ذلك .
قال ابن المنذر: الرخصة فى الخمسة الأوساق مشكوك فيها ، والنهى عن المزابنة ثابت
فالواجب أن لا يباح منها إلا القدر المتيقن إباحته، وقد شك الراوى ، وهو داود بن الحصين،
وقد رواه جابر، فانتهى به إلى أربعة أوساق . فهو مباح، وما زاد عليه محظور .
قال الشيخ : هذا القول صحيح. وقد ألزمه المزنى الشافعى ، وهو لازم على أصله ومعناه.

- ٤٠ -
٣٢٢٧ - وعن ابن إسحاق، قال: ((العرايا: أن يَهَبَ الرجلُ للرجلِ النَّخْلات،
فيشقُّ عليه أن يقوم عليها ، فيبيعها بمثل خَّرْصِها )).
باب فى بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها [٣: ٢٥٩]
٣٢٢٨ - عن عبد الله بن عمر ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نَهَى عن بيع الثمار حتى
يبدو صلاحها، نَهَى البائعَ والمشترى)).
وأخرجه البخاري ومسلم والنسائى وابن ماجة .
٣٢٢٨- قال الشيخ: الثمرة إذا بدا صلاحها أمنت العاهة غالباً ، وما دامت وهى رِخْوة رَخْصة
أى رطبة، قبل أن يَشْتَدَّ حَبُّها، أو يبدو صلاحها، فإنها بعرض الآفات ، وكان نهيه البائع
عن ذلك لأحد وجهین .
م
أحدهما : احتياطاً له بأن يدعها حتى يتبين صلاحها ، فيزداد قيمتها ، ويكثر نفعه منها .
وهو إذا تعجل ثمنها لم يكن فيها طائل لقلته . فكان ذلك نوعاً من إضاعة المال .
والوجه الآخر: أن يكون ذلك مَناصَحَةً لأخيه المسلم، واحتياطاً لمال المشترى
لئلا ينالها الآفة، فيبور ماله، أو يطالبه برد الثمن من أجل الحاجة ، فيكون بينهما فى ذلك
الشر والخلاف . وقد لا يطيب للبائع مال أخيه منه فى الورع إن كان لا قيمة له فى الحال ،
إذ لا يقع له قيمة فيصير كأنه نوع من أكل المال بالباطل .
وأما نهيه المشترى : فمن أجل المخاطرة والتغرير بماله، لأنها ربما تلفت بأن تنالها العاهة
فيذهب ماله، قنهى عن هذا البيع: تحصيناً للأموال ، وكراهة للتغرير.
ولم يختلف العلماء: أنه إذا باعها أو شرط عليه القطع جاز بيعها، وإن لم يبد صلاحها،
وإنما انصرف النهى إلى البيع قبل بدو الصلاح من التبقية، إلا أن الفقهاء اختلفوا فيما إذا
باعها بعد بدو الصلاح .
فقال أبو حنيفة: البيع جائز على الإطلاق . وعليه القطع. فيكون فى معنى من
شرط القطع .