Indexed OCR Text
Pages 1-20
مخ ◌َشْتَرْ الحَدَاوُد لِلحَافِظِ المِذْرِئ ومَعَالِ السُّنْ أَبِى سليمان الخطابى و هْد ◌ِبار ◌ِجالحزينة الجزء الخامس بتحقیق محمد مَا الفِع النَاشر دار المعرفة للطبَاعة والنشْر بَيروت - لبنان - ٣ - كتاب البيوع باب فى التجارة يخالطها الحلف واللغو [٣: ٢٤٦] ٣١٨٤ - عن قيس بن أبى غَرَزَة، قال (( كنا فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نُسَنَّى السماسِرةَ ، فمرَّ بنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فسمانا باسمٍ هو أحسنُ منه ، فقال :. يا مَعْشَرَ التجار، إن البيع يَحْضُرُه اللغوُ والحلفُ، فَشُوبُوه بالصدقة)» ٣١٨٥ - وفى رواية: ((يحضره الحلف، والكذب)) ٣١٨٤ - قال الشيخ أبو سليمان: ((السمسار)) أعجمى، وكان كثير ممن يعالج البيع والشراء فيهم عَجَما ، فتلقنوا هذا الاسم عنهم ؛ فغيَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى التجارة ، التى هى من الأسماء العربية، وذلك معنى قوله ((فسمانا باسم هو أحسن منه)). وقد تدعو العرب التاجر أيضاً ((الرَّفاحى)) و((الترقيح)) فى كلامهم: إصلاح المعيشة (١) . وقد احتج بهذا الحديث بعض أهل الظاهر ، ممن لا يرى الزكاة فى أموال التجارة . وزعم أنه لوكان تجب فيها صدقة ، كما تجب فى سائر الأموال الظاهرة، لأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بها، ولم يقتصر على قوله ((فشوبوه بالصدقة، أو بشىء من الصدقة)). قال الشيخ: وليس فيما ذكروه دليل على ماادعوه ، لأنه إنما أمرهم فى هذا الحديث بشىء من الصدقة غير معلوم المقدار فى تضاعيف الأيام ، ومَرِّ الأوقات ، ليكون كفارة عن اللغو والخلف . فأما الصدقة المقدرة التي هى ربع العشر الواجبة عند تمام الحول : فقد وقع البيان فيها من غير هذه الجهة . (١) فى لسان العرب: وترقح لعياله: كسب وطلب واحتال، والرقاحى: التاجر القائم على ماله. المصلح له والرقاحة : الكسب والتجارة . جـ ٤ - ٣١٨٦ - وفى رواية ((اللغو والكذب)) وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة . وقال الترمذى: حسن صحيح . وقال : ولا نعرف لقيس عن النبى صلى الله عليه وسلم غير هذا . وأخرج أبو القاسم البغوى هذا الحديث، وقال: ولا أعلم ابن أبى غرَزة روى عن النبى صلى الله عليه وسلم غيره . هذا آخر كلامه . وقد روى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إن التجار هم الفجار، إلا من بِرَّ وصدق )) فمنهم من جعلهما حديثين . باب فى استخراج المعادن [٣: ٢٤٧ ] ٣١٨٧ - عن ابن عباس ((أن رجلا لِزم غَرِيماً له بعشرة دنانير، قال: والله ما أفارقك وقد روي سمرة بن جندب (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرهم أن يخرجوا الصدقة عن الأموال التى يعدونها للبيع )) . وقد ذكره أبو داود فى كتاب الزكاة، ثم هو عمل الأمة وإجماع أهل العلم . فلاُ يعدُّ قول هؤلاء معهم خلافا . ٣١٨٧ - قال الشيخ: فى هذا الحديث إثبات الحمالة والضمان . وفيه إثبات ملازمة الغريم ومنعه من التصرف، حتى يخرج من الحق الذى عليه . وأما رده الذهب الذى استخرجه من المعدن ، وقوله ( لا حاجة لنا فيها ، ليس فيها خير )) فيشبه أن يكون ذلك لسبب علمه فيه خاصة ، لا من جهة أن الذهب المستخرج من المعدن لا يباح تموله وتملكه ، فإن عامة الذهب والورق مستخرجة من المعادن ، وقد أقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم بلال بن الحارث المعادن القَبَلِيَّة. وكانوا يؤدون عنها الحقّ ، وهو عمل المسلمين . وعليه أمر الناس إلى اليوم . ويحتمل أن يكون ذلك من أجل أن أصحاب المعادن يبيعون ترابها من يعالجه . فيحصل مافيه من ذهب أوفضة ، وهو غرر، لا يدرى: هل يوجد فيه شىء منهما أم لا ؟ ١٠ -٥ - حتى تَقْضِيَنِى، أو تأتينى بحَمِيلٍ . قال: فَتَحَمَّلَ بها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فأتاه بقَدْر ما وعده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من أين أصبت هذا الذهب؟ فقال : من معدن . قال : لاحاجة لنا فيها ، ليس فيها خير، فقضاها عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم)» وأخرجه ابن ماجة باب فى اجتناب الشبهات [٣: ٢٤٧ ] ٣١٨٨ - عن الشّعبى، قال: سمعت النعمان بن بشير - ولا أسمع أحدا بعده - يقول: وقد كره بيع تراب المعادن جماعة من العلماء . منهم عطاء والشعبى وسفيان الثورى والأوزاعى والشافعى وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية . وفيه وجه آخر: وهو أن معنى قوله: (( لا حاجة لنا فيها . ليس فيها خير)) أى ليس لها رواج ، ولا لحاجتنا فيها نجاح، وذلك أن الذى كان تَحَّله عنه دنانير مضروبة، والذى جاء به تَبْرٌ غير مضروب. وليس بحضرته من يضربه دنانير. وإنما كان تحمل إليهم الدنانير من بلاد الروم ، وأول من وضع السكة فى الإسلام، وضرب الدنانير: عبد الملك بن مروان. وقد يحتمل ذلك أيضاً وجهاً آخر ؛ وهو أن يكون إنما كرهه لما يقع فيه من الشبهة ، ويدخله من الغرر عند استخراجهم إياه من المعدن . وذلك أنهم إنما استخرجوه بالعشر، أو الخمس ، أو الثلث مما يصيبونه ، وهو غرر، لا يُدرَى: هل يصيب العامل فيه شيئاً أم لا؟ فكان ذلك بمنزلة العقد على ردِّ الآبق والبعير الشارد . لأنه لا يدرى: هل يظفر بهما أم لا؟ وفيه أيضاً نوع من الخطر والتغرير بالأنفس . لأن المعدن ربما انهار على من يعمل فيه. فكره - من أجل ذلك - معالجته واستخراج ما فيه . وكانت الدنانير تحمل إليهم فى زمان النبى صلى الله عليه وسلم من بلاد الروم . وكان أول من ضربها فى الإسلام عبد الملك بن مروان ، فهى تُدعَى المروانية إلى هذا الزمان . ٣١٨٨ - قال الشيخ: أحياناً يقول ((مشتبهة، وسأضرب فى ذلك مثلاً: إن الله تعالى حمى - ٦ - سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((إنَّ الحلال بَيِّنٌ، وإن الحرام بيِّن ، وينهما أمور مُشتبهات - أحياناً يقول: مشتبهة - وسأضرب لكم فى ذلك مثلا: إن الله ◌َى رحِى، وإن ◌ِحَى اللهِ ما حَرَّم، وإنه مَنْ يَرْعَ حولَ الَى يُوشِكَ أن يُخالطه، وإنَّهَ مَنْ يُخَالِطِ الرِّيبةَ يوشك أن يَجْسُر)» ٣١٨٩ - وفى رواية، قال: ((وينهما مُشْتَبَهَاتٌ، لا يعلمها كثيرٌ من الناس، فمن اتَّقَى حِىَّ، وإن حى الله ما حرم ، وإنه من يرع حول الحمى يوشك أن يخالطه، وإنه من يخالط الريبة يوشك أن يجسر)). ٣١٨٩ - قال الشيخ : هذا الحديث أصل فى الورع، وفيما يلزم الإنسان اجتنابه من الشبهة والريب . ومعنى قوله (( وبينهما أمور مشتبهات )) أى إنها تشتبه على بعض الناس دون بعض . وليس إنها فى ذوات أنفسها مشتبهة لا بيان لها فى جملة أصول الشريعة . فإن الله تعالى لم يترك شيئاً يجب له فيها حكم إلا وقد جعل فيه بياناً، ونصب عليه دليلا. ولكن البيان ضربان ، بيان جلى : يعرفه عامة الناس كافة ، وبيان خفى : لا يعرفه إلا الخاص من العلماء، الذين عُنوا بعلم الأصول، فاستدركوا معانى النصوص ، وعرفوا طرق القياس والاستنباط ، ورد الشىء إلى المثل والنظير . ودليل صحة ما قلناه، وأن هذه الأمور ليست فى أنفسها مشتبهة: قوله (( لا يعرفها كثير من الناس )) وقد عقل ببيان فحواه أن بعض الناس يعرفونها، وإن كانوا قليلى العدد . فإذا صار معلوماً عند بعضهم، فليس بمشتبه فى نفسه ، ولكن الواجب على من اشتبه عليه أن يتوقف ويستبرىء الشك، ولا يقدم إلا على بصيرة. فإنه إن أقدم على الشىء قبل التثبت والتبين لم يأمن أن يقع فى المحرم عليه . وذلك معنى الحمى ، وضربه المثل به . وقوله (( الحلال بين، والحرام بين)) أصل كبير فى كثير من الأمور والأحكام . إذا وقعت فيها الشبهة ، أو عرض فيها الشك . ومهما كان ذلك فإن الواجب : أن ينظر. فإذا - ٧ - الشبهاتِ اسْتَبْرَأْ عِرِضَهُ ودِينَهُ ، ومن وقع فى الشبهات وقع فى الحرام )) وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة - كان للشىء أصل فى التحريم والتحليل، فإنه يتمسك به، ولا يفارقه باعتراض الشك حتى يزيله عنه يقين العلم . فالمثال فى الحلال : الزوجة تكون للرجل، والجارية تكون عنده، يتسرَّى بها ويطؤها فيشك: هل طَلّق تلك ، أو أعتق هذه؟ فهما عنده على أصل التحليل حتى يتيقن وقوع طلاق أو عتق . وكذلك الماء يكون عنده ، وأصله الطهارة . فيشك : هل وقعت فيه نجاسة أم لا ؟ فهو على أصل الطهارة حتى يتيقن أن قد حلَّته نجاسة . وكالرجل يتطهر للصلاة، ثم يشك فى الحدث . فإنه يصلى ما لم يعلم الحدث يقينا . وعلى هذا المثال . وأما الشىء إذا كان أصله الحظر، وإنما يستباح على شرائط وعلى هيئات معلومات كالفروج لا تحل إلا بعد نكاح أو ملك يمين، وكالشاة لا يحل لحمها إلا بذكاة ، فإنه مهما شَكَّ فى وجود تلك الشرائط وحصولها يقينا على الصفة التى جُعلت علماً للتحليل كان باقياً على أصل الحظر والتحريم . وعلى هذا المثال: فلو اختلطت امرأته بنساء أجنبيات، أو اختلطت مذكاة بميتات ، ولم يميزها بعينها ، وجب عليه أن يجتنبها كلها ولا يقربها . وهذان القسمان حكمهما الوجوب واللزوم . وها هنا قسم ثالث : وهو أن يوجد الشىء ولا يعرف له أصل متقدم فى التحريم ، ولا فى التحليل، وقد استوى وجه الإمكان فيه حِلاً وحرمة . فإن الورع فيما هذا سبيله: الترك والاجتناب . وهو غير واجب عليه وجوب النوع الأول . وهذا كما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم ((أنه مرّ بتمرة ملقاة فى الطريق، فقال: لولا أنى أخاف أن تكون صدقة لأكلتها)) وقدم له الضب فلم يأ كله، وقال ((إن - ٨ - ٣١٩٠ - وعن الحسن - وهو البصرى - عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لاَ يَبْقَى أَحَدٌ إلاّ أَ كَلَ الرِّبَا ، فإن لم يأكله أصابه من بُخاره)). ٣١٩١ - وفى رواية «أصابه من غُباره)) وأخرجه النسائي وابن ماجة الحسن لم يسمع من أبى هريرة . فهو منقطع ٣١٩٢ - وعن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن رجل من الأنصار، قال ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى جَنَازة ، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو على أُمَّة مسخت، فلا أدرى: لعله منها )» أو كما قال . ثم إن خالد بن الوليد أكله بحضرته ، فلم يفكره. ويدخل فى هذا الباب : معاملة من كان فى ماله شبهة ، أو خالطه رِباً . فإن الاختيار تركها إلى غيرها . وليس بمحرم عليك ذلك، ما لم تتيقن أن عينه حرام ، أو مخرجه من حرام وقد « رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعه من يهودى على أصْوُع من شعير أخذها لقوت أهله)). ومعلوم أنهم يربون فى تجاراتهم ، ويستحلون أثمان الخمور ، ووصفهم الله تعالى بأنهم (٤٢:٥ سماعون للكذب أكَّلون للسُّحْت). فعلى هذه الوجوه الثلاثة : يجرى الأمر فيما ذكرته لك . وقوله (( من اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه)) أصل فى باب الجرح والتعديل . وفيه دلالة على أن من لم يتوق الشبهات فى كسبه ومعاشه فقد عرض دينه وعرضه للطعن وأهدفهما للقول . وقوله (( من وقع فى الشبهات وقع فى الحرام)) يريد: أنه إذا اعتادها واستمر عليها أدَّته إلى الوقوع فى الحرام ، بأن يتجاسر عليه فيواقعه . : يقول : فليتق الشبهة ليسلم من الوقوع فى المحرم . - ٩ القبر يوصى الخفَّار [ أَوْسِعْ مِنْ قِبَلٍ رِجْلَيْهِ](١)، أوسع من قبل رأسه. فلما رجع استقبله داعى امرأةٍ ، فجاء ، وحِىء بالطعام، فوضع يده، ثم وضع القوم فأكلوا، فنظر آباؤنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَلُوك لقمةً فى فمه، ثم قال: أحِدُ لَحْمَ شاةٍ أُخِذَتْ بِغَيْرِ إذْنِ أهْلِهَا. فأرسلتِ المرأةُ : يا رسول الله ، إنى أرسلت إلى البَقِيع يُشْتَرى لى شاة ، فلم أجد ، فأرسلت إلى جارٍ لى قد اشترى شاة: أن أرسل بها إلىَّ بثمنها، فلم يوجد ، فأرسلتُ إلى امرأته ، فأرسلت إلىَّ بها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَطْعِمِيهِ الْاسَارَى)). باب فى آكل الربا وموكله [٣: ٢٤٩] ٣١٩٣ - عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال (( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلمآ كل الربا ومُوكِله، وشاهده وكاتبه)) . وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى : حسن صحيح . وأخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله بتمامه ، ومن حديث علقمة عن عبد الله بن مسعود، فى آ كل الربا وموكله فقط . وأخرج البخارى من حديث أبى جحيفة قال (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ، وعن ثمن الدم، ونهى عن الواشمة والموشومة ، وآكل الربا وموكله . ولعن المصور)) . باب فى وضع الربا [ ٣: ٢٤٩] ٣١٩٤ - عن سليمان بن عمرو، عن أبيه - وهو عمرو بن الأحوص الجُشَعى - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع يقول (( أَلاَ إنَّ كُلَّ رِبّاً مِنْ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ ٣١٩٤ - قال الشيخ: في هذا من الفقه: أن ما أدركه الإسلام من أحكام الجاهلية فإنه يلقاه بالرد والفَّكير، وأن الكافر إذا أرْبى فى كفره، ولم يقبض المال حتى أسلم، فإنه يأخذ رأس ماله ويضع الربا. (١) زيادة من السنن - ١٠ - مَوْضُوعٌ، لكم رؤس أموالكُمْ، لاَ تَظْلُونَ وَلاَ تُْلَمُونَ، ألا وإن كلَّ دَمٍ من دم الجاهلية موضوع ، وأوَّلُ: دم أضع منها دَمَ الحارث بن عبد المطلب - كان مُسْترضَعاً فی بنی لیث ، فقتلته هذيل )» . وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة. وقال الترمذى : حسن صحيح . وهذا مذكور فى حديث جابر بن عبد الله الطويل فى حجة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد أخرجه مسلم وأبو داود فى الحج . فأما ما كان قد مضى من أحكامهم فان الإسلام يلقاه بالعفو ، فلا يعترض عليهم فى ذلك. ولا يتتبع أفعالهم فى شىء منه. فلوقَتل فى حال كفره، وهو فى دار الحرب ، ثم أسلم ، فإنه لا يتبع بما كان فيه فى حال الكفر . ولو أسلم زوجان من الكفار وتحا كما إلينا فى مهر من خمر أو خنزير، أو ما أشبههما من المحرم، فإنه ينظر. فان كانت لم تقبضه منه كله، فإنا نوجب لها عليه مهر المثل . ولو قبضت نصفه وبقى النصف ، فإنا نوجب عليه للباقى منه نصف المهر ، ونجعل الفائت من النصف الآخر كأن لم يكن. وعلى هذا إن كان نكاحا يريدون أن يستأنفوا عقده، فإنا لا نجيز من ذلك إلا ما أباحه حكم الإسلام ، فإن كان أمراً ماضياً فإنا لا نفسخه ، ولا نعرض له . وعلى هذا القياس جميع هذا الباب. وقوله (( دم الحارث بن عبد المطلب)) فإن أبا داود هكذا روى، وإنما هو فى سائر الروايات (( دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب)) وحدثني عبد الله بن محمد المكى قال : حدثنا على بن عبد العزيز عن أبى عبيدة قال : أخبرنى ابن الكلبى: أن ربيعة بن الحارث لم يقتل . وقد عاش بعد النبى صلى الله عليه وسلم إلى زمن عمر، وإنما قتل له ابن صغير فى الجاهلية، فأهدر النبى صلى الله عليه وسلم دمه فما أهدر، ونسب الدم إليه ، لأنه هو ولى الدم . - ١١ - باب فى كراهية اليمين فى البيع [٣: ٢٥٠ ] ٣١٩٥ - عن أبى هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((الْحَلِفُ مَنْفَقَةُ" للتسْمَةِ، عَمْحَقَّةٌ لْبَرَكَةِ)). ٣١٩٦ - وفى رواية ((للمكسب)) وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى باب فى الرجحان فى الوزن، والوزن بالأجر [٣: ٢٥٠ ] ٣١٩٧ - عن سويد بن قيس، قال ((جَلَبْتُ أنا وَخْرِفَةُ العَبْدى بَزًا من هَجَر، فأتينا به مكَّةً ، فجاءنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يمشى، فساوَمَنا سَراويلَ ، فبِعناه، وَثُمَّ رجلٌ يَزِنُ بالأجر ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: زِنْ، وَأَرْجِحْ)) وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة، وقال الترمذى: حسن صحيح . هذا آخر كلامه . ومخرفة - هذا - بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وبعدها راء مهملة وفاء وتاء تأنيث. ٣١٩٨ - وعن أبى صفوان بن عميرة، قال (( أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، قبل أن يُهاجرَ - بهذا الحديث - ولم يذكر: يزن بأجر)) ٣١٩٧ - قوله ((زن وأرجح)) فيه دليل على جواز هبة المشاع ، وذلك : أن مقدار الرجحان هبة منه للبائع، وهو غير متميز من جملة الثمن . وفيه دليل على جواز أخذ الأجرة على الوزن والكيل . وفى معناها: أجرة القَتَّام والحاسب . وكان سعيد بن المسيب ينهى عن أجرة القسام ، وكرهها أحمد بن حنبل . قال الشيخ: وفى مخاطبة النبى صلى الله عليه وسلم ، وأمره إياه به ، كالدليل على أن وزن الثمن على المشترى ، فاذا كان الوزن عليه - لأن الإيفاء يلزمه - فقد دل على أن أجرة الوزان عليه . فاذا كان ذلك على المشترى . فقياسه فى السلعة المبيعة: أن تكون على البائع . - ١٢ - وأخرجه النسائى وابن ماجة ووقع فى حديث النسائى وابن ماجة : سمعت مالكا أبا صفوان . وقال النسائى : حدیث سفيان : أشبه بالصواب ، یعنی الحديث الأول الذی فیه سويد بن قیس وقال أبو داود : والقول قول سفيان . وقال الحاكم أبو أحمد الكرايسى : أبو صفوان ، مالك بن عميرة ، ويقال : سويد بن قيس ( باع من النبى صلى الله عليه وسلم وأرجح له )) وقال أبو عمر النَّمَرَى: أبو صفوان - مالك بن عميرة ، ويقال: سويد بن قيس - وذكر له هذا الحديث . وهذا يدل على أنه عندهما رجل واحد، كنيته أبو صفوان . واختلف فى اسمه . والله عز وجل أعلم . باب قول النبى صلى الله عليه وسلم ((المكيال مكيال أهل المدينة)) [٣: ٢٥١] ٣١٩٩ - عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةً ٣١٩٩ - قال الشيخ : هذا حديث قد تكلم فيه بعض الناس ، وتخبط فى تأويله ، فزعم أن النبى صلى الله عليه وسلم أراد بهذا القول: تعديل الموازين والأرطال والمكاييل، وجعل عيارها أوزان أهل مكة ومكاييل أهل المدينة ، لتكون عند التنازع حكماً بين الناس يُحملون عليها إذا تداعَوا ، فادعى بعضهم وزناً أوفى، أو مكيالاً أكبر، وادعى الخصم أن الذى يلزمه هو الأصغر منها دون الأكبر. وهذا تأويل فاسد ، خارج عما عليه أقاويل أكثر الفقهاء . وذلك: أن من أقر لرجل بمكيلة بُرّ ، أو بعشرة أرطال من تمر أو غيره، واختلفا فى قدر المكيلة والرطل ؛ فإنهما يحملان على عرف البلد، وعادة الناس فى المكان الذى هو به ، ولا يكلف أن يعطى برطل مكة ، ولا بمكيال المدينة. وكذلك إذا أسلفه فى عشرة مكاييل قمح أو شعير ، وليس هناك إلا مكيلة واحدة ٠ - ١٣ - وَاْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ المدينة )» وأخرجه النسائى معزوفة ، فإنهما يحملان عليها ، فان كان هناك مكاييل مختلفة، فأسلفه فى عشرة مكاييل . ولم يصف الكيل بصفة يتميز بها عن غيره فالسَّلَم فاسد ، وعليه رد الثمن . وإنما جاء الحديث فى نوع ما تتعلق به أحكام الشريعة فى حقوق الله سبحانه ، دون مايتعامل به الناس فى بياعاتهم وأمور معايشهم . فقوله (( الوزن وزن أهل مكة )) يريد وزن الذهب والفضة خصوصاً ، دون سائر الأوزان، ومعناه: أن الوزن الذى يتعلق به حق الزكاة فى النقود: وزن أهل مكة، وهى دراهم الإسلام المعادلة منها : العشرة بسبعة مثاقيل ، فاذا ملك رجل منها مائتى درهم وجبت فيها الزكاة ، وذلك أن الدراهم مختلفة الأوزان فى بعض البلدان والأماكن ، فمنها البَغْلى، ومنها الطبرى ؛ ومنها الخوارزمى، وأنواع غيرها ، والبغلى: ثمانية دوانيق، والطبرى: أربعة دوانيق والدرهم الوزان الذى هو من دراهم الإسلام الجائزة بينهم فى عامة البلدان : ستة دوانيق . وهو نقد أهل مكة ووزنهم الجائز بينهم. وكان أهل المدينة يتعاملون بالدراهم عَدَّا وقت مَقْدَم رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها والدليل على صحة ذلك : أن عائشة رضى الله عنها قالت - فيما روى عنها من قصة بريرة ((إن شاء أهلك أن أعُدَّها لهم عَدَّة واحدة فيلت)) تريد الدراهم التى هى ثمنها. فأرشدهم رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى الوزن فيها ، وجعل العيار وزن أهل مكة، دون ما يتفاوت وزنه منها فى سائر البلدان . وقد تكلم الناس فى هذا الباب ، وهل كانت هذه الدراهم لم تزل فى الجاهلية على هذا العيار والوزن ؟ فذهب بعضهم إلى أن الوزن فيها لم يزل على هذا العيار، وإنما تميّروا الشكل منها . ونقشوا فيها اسم الله عز وجل، وقام الاسلامُ والأوقيةُ وزُنُها أربعون درهما ، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ليس فيما دون خمس أواق صدقة)) وهى مائتا درهم. - ١٤ - ٣٢٠٠ - وفى رواية لأبى داود : عن ابن عباس ، مكان ابن عمر . وهذا المعنى بلغنى عن أبى العباس بن سُريح: أنه كان يقوله، ويذهب إليه ، وحكوا عن أبى عبيد القاسم بن سلام ما يخالف هذا. قال أبو عبيد: حدثنى رجل من أهل العلم والعناية بأمر الناس، ممن يُعنى بهذا الشأن: أن الدراهم كانت فى الجاهلية على ضربين : البغلية السوداء، التى فى كل واحد منها أربعة دوانيق، وكانوا يستعملونها على النصف ، والنصف مائة بغلية ، ومائة طبرية ، فكان فى المائتين منها من الزكاة خمسة دراهم ؛ فلما كان زمان بنى أمية قالوا : إن ضربنا البغلية ظنَّ الناسُ أن هذه التى تجب فيها الزكاة المشروعة ، فَيَضُرُّ ذلك بالفقراء، وإن ضربنا الطَّبرية أضر ذلك بأرباب الأموال ، جمع بين الدراهم البغلية والطبرية ، فكان فى أحدهما ثمانية دوانيق ، وفى الآخر أربعة دوانيق، وجملتها اثنا عشر دانقاً، فقسموها نصفين، وضربوا الدرام على ستة دوانيق . وأما الدنانير: فمشهور من أمرها : أنها كانت تحمل إليهم من بلاد الروم ، وكانت العرب تسميها الهِرَفْلِية. وقد ذكره كُثَيِّ فى شعره ، فقال : يروق العيون الناظرات، كأنه هرقلى وزن أحمر التِّرراجح ثم ضرب فى الإسلام عبدُ الملك بن مروان . فحدثنى أحمد بن عبد العزيز بن سابور قال : حدثنا علي بن العزيز قال: حدثنا الزبير بن بَكّار قال: حدثنا عمر بن عثمان عن إسحق بن عبد الله بن كعب بن مالك قال (( لما أراد عبد الملك بن مروان ضَرْبَ الدنانير والدراهم ، سأل عن أوزان الجاهلية ، فأجمعوا له على أن المثقال اثنان وعشرون قيراطاً إلا حَبَّة بالشامى ، وأن العشرة دراهم وزن سبعة مثاقيل فضربها على ذلك )) فأما أوزان الأرطال والأمناء: فهو بمعزل عن هذا ؛ وللناس فيها عادات مختلفة فى البلدان قد أُقِرُّوا عليها، مع تباينها واختلافها، كالشامى، والحجازى، والعراقى. وأرطال أهل آذر بيجان مضاعفة، وأرطال أهل الرَّى وأصبهان، دون الأردبيلي، وفوق الحجازى - ١٥ - ٣٢٠١ - وفى رواية (( وزن المدينة ومكيال مكة)) والعراقى بزيادة كثيرة . وكل من أهل هذه البلدان: محمول على عرف بلده وعادة قومه . لا ينقل عنها ، ولا يُحمل على ما سواها ، وليست كالدراهم والدنانير التى حمل الناس فيها على عيار واحد وحكم سواء . إلا أن الدراهم قد يختلف حكمها فى شىء واحد، وهو أن رجلا لوباع ثوباً بعشرة دراهم فى بلدة يتعاملون فيها بالدراهم الطبرية ، أو الخوارزمية لم يلزم المشترى أن يدفع فى ثمنه الوازنة ، وإنما يلزمه نقد البلد ، ولكن إن كان أقرّ له بعشرة دراهم لزمته الوازنة ، لأنهليس فى الإقرار عرف یتغیر به الحكم فى بلد دون بلد . ألا ترى أن رجلا من أهل خوارزم لو أقر عند حاكم بغداد بمائة درهم لرجل من خوارزم. أنه يلزمه الدراهم الوازنة إن ادعاها المقر له بها؟ . قباب الإقرار خلاف باب المعاملات على مابيناه ، والله أعلم . وأما قوله (( والمكيال مكيال أهل المدينة)) فإنما هو الصاع الذى يتعلق به وجوب الكفارات ، ويجب إخراج صدقة الفطر به ، ويكون تقدير النفقات وما فى معناها بعياره. والله أعلم . وللناس صِيعان مختلفة ، فصاع أهل الحجاز: خمسة أرطال وثلث بالعراقى ، وصاع أهل البيت - فيما يذكره زعماء الشيعة -: تسعه أرطال وثلث ، وينسبونه إلى جعفر بن محمد ، وصاع أهل العراق: ثمانية أرطال ، وهو صاع الحجَّج الذى سَعَّر به على أهل الأسواق . ولما ولى خالد بن عبد الله القَسْرى العراق ضاعفَ الصاع ، فبلغ به ستة عشر رطلا . فإذا جاء باب المعاملات حملنا العراقىَّ على الصاع المتعارف المشهور عند أهل بلاده ،، والحجازى على الصاع المعروف ببلاد الحجاز، وكذلك كل أهل بلد على عُرف أهله . وإذا جاءت الشريعة وأحكامُها فهو صاع المدينة . فهو معنى الحديث ووجهه عندى. والله أعلم . - ١٦ - باب التشديد فى الدَّيْن [٣: ٢٥٢] ٣٢٠٢ - عن الشعبى، عن سمعان - وهو ابن مُشَنج - عن سمرة - وهو ابن جندب - قال (« خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هَا هُنَا أحَدٌ مِنْ بَنِى فُلانِ؟ فلم يُجُبْه أحد، ثم قال: هاهنا أحد من بنى فلان ؟ فلم يجبه أحد ، ثم قال: هاهنا أحد من بنى فلان ؟ فقام رجل ، فقال: أنا يارسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم، مَامَنَعَكَ أَنْ تُجِيبَنِى فِى الَرَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ؟ إنى لم أَنَوِّهْ بكم إلا خيراً، إنَّ صاحبكم مَأْسُورٌ بدَيْنِهِ. فلقد رأيته أدَّى عنه، حتى ما أحدٌ يطلبه بشيء )» وأخرجه النسائى، وذكر أنه رُوی عن الشعبی مرسلا وذكره البخارى فى التاريخ الكبير ، وقال: ولا يُعلم لسمعان سماع من سمرة ، ولا للشعبى من سمعان (١) ٣٢٠٣ - وعن أبى بردة بن أبى موسى الأشعرى عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ((إِنَّ أَعْظَمَ الدُّنُوبِ عِنْدَ اللهِ أنْ يَلْقَاهُ بِهَا عَبْدٌ، بَعْدَ الْكَبَائِرِ التِى نَهَى اللهُ عَنْهَا: أنْ يَمُوتَ الرَّجُلُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لاَ يَدَعُ لَهُ قَضَاءَ)) ٣٢٠٤ - وعن أبى سلمة بن عبد الرحمن ، عن جابر بن عبد الله ، قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلِّى على رجل مات وعليه دين ، فأتى بميت ، فقال : أعليه دين ؟ ٣٢٠٤ - قال الشيخ: فيه من الفقه: جواز الضمان عن الميت : تركَ وفاءً بقدر الدين ، أو لم یترك ، وهذا قول الشافعی ، وإليه ذهب ابن أبى ليلى . وقال أبو حنيفة: إذا ضمن عن الميت شيئاً لم يترك له وفاء لم يلزم الضامن ، لأن الميت منه برىء. وإن ترك وفاء لزمه ذلك ، وإن ترك وفاء ببعضه لزمه بقدر ذلك . قال الشيخ: ويشبه أن يكون هذا الحديثُ لم يبلغه ، وقد رُوى فى هذه القصة من غير هذا الطريق : أنه لم يترك لهما وفاء . (١) قال فى تهذيب التهذيب: وروى عنه عامر الشعبى. ولم يرو عنه غيره. وقال البخارى. ولا تعلم لسمعان سماعا من سمرة ، ولا الشعبى من سمعان . وقد وثقه ابن حبان وأبو نصر بن ماكولا . وقال : ليس له غير حديث واحد . - ١٧ - قالوا: نعم، ديناران، فقال: صَلُوا عَلَى صَاحبكم. فقال أبو قتادة الأنصاري: هما علىّ یارسول الله ، قال: فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم قال: أَنَا أُوْلى بِكلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، فَمْنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَّ قَضَاؤُهُ ، وَمَنْ ترك مالا فلورثته )) . وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة ، من حديث أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة ٣٢٠٥ - وعن ابن عباس، عن النبى صلى الله عليه وسلم، مثله قال: ((اشترى مِنْ عِيرِ تَبِيعاً، وليس عنده ثمنه ، فَأَرْبِحَ فيه ، فباعه ، فتصدَّق بالربح على أراملٍ بنى عبد المطلب .وقال : لا أشترى بعدها شيئاً إلا وعندي ثمنه )) وذكره أيضاً مرسلا باب فى المطل [٣: ٢٥٣] ٣٢٠٦ - عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((مَطْلُ الْغَنِىِّ ◌ُظُلْمٌ، وإذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَى مَلِءٍ فَلَيْتَبَعْ )) . وروى محمد بن عمرو عن سعيد بن أبى سعيد عن عبد الله بن أبى قتادة عن أبيه قال (( أتى النبيُّ صلى الله عليه وسلم بجنازة ليصلىَ عليها، فقال: عليه دين ؟ قالوا: نعم ، ديناران، قال: فهل ترك لهما وفاء؟ قالوا: لا، قال: فصلوا على صاحبكم)) وذكر حديث الضمان. حدثناه الحسن بن يحيى قال: حدثنا ابن المنذر . قال: حدثنا محمد بن عبد الوهاب ، قال : حدثنا يعلى بن عبيد عن محمد بن عمرو . ٣٢٠٦ - قال الشيخ: قوله ((مطل الغنى ظلم)) دلالته: أنه إذا لم يكن غنياً يجد ما يقضيه لم يكن ظالماً، وإذا لم يكن ظالماً لم يجز حبه، لأن الحبس عقوبة ، ولا عقوبة على غير الظالم . وقوله (أتبع)) يريد: إذا أحيل. وأصحاب الحديث يقولون ((إذا أُتَّبع)) بتشديد التاء، وهو غلط، وصوابه (( أتبع)) ساكنة التاء، على وزن أفعل، ومعناه: إذا أحيل أحدكم على مَلىّ فليحتل ، يقال : تبعت الرجل بحقى، أتبعه تِباعة: إذا طالبته، وأنا تبيعه. م٢ - مختصر السنن - ج. ط، - ١٨ - وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة . ومنه قوله تعالى (١٧ : ٦٩ ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا). وفيه من الفقه : إثبات الحوالة . وفيه دليل : على أن الحق يتحول بها إلى المحال عليه ، ويسقط عن المحيل ، ولا يكون عليه للمحتال سبيل عند موت المحال عليه أو إفلاسه ، وذلك لأنه قد اشترط عليه الملاءة ، والحوالة قد تصح حكما على الملىء، فكان فائدة الشرط ماقلناه ، والله أعلم . وقد يستدل بهذا الحديث من يذهب إلى أن له الرجوع على المحيل إذا مات أو أفلس المحال عليه . ويتأوله على غير وجهه الأول، بأن يقول: إنما أمر بأن يتبعه إذا كان مَلِيّاً، والمفلس غير مَلَىّ ، فليكن غير مُتْبَع به . قال الشيخ : والدلالة على الوجه الأول: هي الصحيحة، لأنه إنما اشترط له الملاءة وقت الحوالة، لافيما بعدها، لأن ((إذا)) كلمة شرط موقت ، فالحكم يتعلق بتلك الحال ، لا بما بعدها . والله أعلم . وقوله (( فليتبع)) معناه: فليحتل، وهذا ليس على الوجوب ، وإنما هو على الإذن له والإباحة فيه ، إن اختار ذلك وشاءه . وزعم داود: أن المحال عليه إن كان مَلِيّاً كان واجباً على الطالب أن يحوِّل ماله عليه ، ويُكرَه علی ذلك إن أباه . وقد اختلف العلماء فى عود الحق إلى ذمة الغريم إذا مات المحال عليه أو أفلس . فقال أصحاب الرأى : إذا مات ، ولم يترك وفاء، أو أفلس حيًّا، فان المحتال يرجع به على للغريم . وقال مالك والشافعى وأحمد وأبو عبيد وأبو ثور: لا يرجع . واحتجوا كلهم بهذا الحديث . وفيه قول ثالث ، ذكره ابن المنذر عن بعضهم ، فلا أحفظه: أنه لا يرجع عليه، مادام حيّاً ، فإن الرجل يُوسر ويُعسر ، مادام حيّاً، فإذا مات ولم يترك وفاء رجع به عليه . - ١٩ - باب فى حسن القضاء [٣: ٢٥٣ ] ٣٢٠٧ - عن أبى رافع - وهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: ((اسْتَسْلَفَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بَكْراً، فجاءته إبلٌ من الصدقة، فأمرنى أنْ أْضِىَ الرجلَ بَكْرَهُ، فقلتٍ: لم أجد فى الإبل إلا ◌َجَمَلاً خِياراً رَبَّاعِيًّا ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: أعْطِهِ إِيَّهُ، فإنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قضاءٍ)). وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة . ٣٢٠٨ - وعن جابر بن عبد الله قال ((كان لى على النبى صلى الله عليه وسلم دين، فقضائي ، وزادنى)) . : وأخرجه النسائى . ٣٢٠٧ - قال الشيخ ((البكر)) فى الإبل بمنزلة الغلام من الذكور، والقَلوص: بمنزلة الجارية من الإناث . «والرَّباعي)) من الابل: هو الذى أتت عليه ستة سنين ، ودخل فى السنة السابعة . فاذا طلعت رَباعيته قيل للذكر: رَباع ، والأنثي : رباعية ، خفيفة الياء . وفيه من الفقه: جواز تقديم الصدقة قبل مَحِلِّها ؛ وذلك : أن النبى صلى الله عليه وسلم لا يحل له الضدقة ، فلا يجوز أن يقضى من أهل الصدقة شيئاً كان لنفسه، فدل أنه إنما استسلف لأهل الصدقة من أرباب الأموال ، وهو استدلال الشافعى. وقد اختلف العلماء فى جواز تقديم الصدقة على محل وقتها . فأجازه الأوزاعى وأصحاب الرأى وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهوية . وقال الشافعى: يجوز أن يعجِّل صدقة سنة واحدة. وقال مالك : لا يجوز أن يخرجها قبل حلول الحول ، وكرهه سفيان الثورى. - ٢٠ - فى الصَّرْفِ [٣: ٢٥٤ ] ٣٢٠٩-عن عمر رضى الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((الذّهَبُ بالذهب رِبًا، إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرُّ رِبًا، إلاَّ هاء وهاء، والتَّمْرُ بالتمر ربًا، إلا هاءَ وهاءَ، والشعير بالشَّعير ربا، إلا هذه وهاءَ)). وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائي وابن ماجة . ٣٢١٠ - وعن عبادة بن الصامت، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((الذَّهَبُ بِالذّهَبِ ◌ِبْرِهًا وَعَيْنِهَا، والفضة بالفضة تبرها وعينها، والبُرِّ بالبر مُدْىٌ بِمُدْىٍ، والشعير بالشعير مُدْىٌ بمدى، والتمر بالتمر مُدْىٌ بِمُدْىٍ، والملح بالملح مدي بمدى ، فمن ٣٢٠٩ قال الشيخ ((هاء، وهاء)) معناه: التقابض، وأصحاب الحديث يقولون ((ها، وها)) مقصورين، والصواب مدهما ، ونصب الألف منهما . وقوله ((هاء)) إنما هو قول الرجل لصاحبه إذا ناوله الشىء ((هاك)) أى خذ، فأسقطوا الكاف منه، وعوَّضوه المدَّ بدلاً من الكاف، يقال للواحد ((ماء)) وللاثنين ((هاؤماً)) بزيادة الميم وللجماعة ((هاؤم)) قال الله تعالى (٦٩: ١٩ هاؤم اقرؤا كتابيه) وهذا قول الليث بن المظفر . ٣٢١٠ - قال الشيخ: قوله ((تبرها وعينها)) التّبر: قطع الذهب والفضة قبل أن تُضربَ وتُطْبَع دراهم ودنانير، واحدتها : تِبْرة، ومن هذا قوله تعالى (٧٧: ١٣ إنَّ هؤلاء مُنَتَرٌ ما هم فيه وباطلٌ ما كانوا يعملون ) والله أعلم. و((العين)) المضروب من الدراهم والدنانير. و«لمدى)» مكيال يعرف ببلاد الشام وبلاد مصر، به يتعاملون، وأحسبه خمسة عشر مكوكاً. والمكوك صاع ونصف. و(حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباع مثقال ذهب عين بمثقال وشىء من تبر غير مضروب)) وكذلك حرم التفاوت بين المضروب من الفضة وغير المضروب، وذلك معنى قوله ((تبرها وعينها )) أى كلاهما سواء، وهذا من باب معقول الفَحْوَى .