Indexed OCR Text

Pages 361-380

- ٣٦١ -
في إسناده هلال بن ميمون الرملى ، قال ابن معين: ثقة . وقال أبو حاتم الرازى :
ليس بالقوی ، یکتب حديثه .
٢٣٨٤ - وعن أبى أمامة الباهلى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ثَلاثَةٌ كُثُّهُمْ
ضامِنٌ على الله عز وجل : رجلٌ خرج غازياً فى سبيل الله، فهو ضامن على الله حتى
يَتوفَّه، فيدخله الجنة ، أو يردَّه بما نال من أجر وغنيمة ، ورجل راح إلى المسجد ، فهو
ضامن على الله حتى يتوفاه ، فيدخله الجنة ، أو يرده بما نال من أجر وغنيمة ، ورجل دخل
بيته بسلام، فهو ضامن على الله عز وجل )).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائي .
٢٣٨٤ - قلت : قوله ((ضامن على الله) معناه مضمون ، فاعل بمعنى مفعول ، كقوله سبحانه
(٢١:٦٩ فى عيشة راضية)، أى مرضية، وقوله عز وجل (٨٦: ٦ من ماء دافق)، أى.
مدفوق ، ومثله فى الكلام كثير .
وقوله (( ثلاثة كلهم ضامن)) يريد به كل واحد منهم، وأنشدنى أبو عمر عن أبى
العباس فى ((كل)» بمعنى الواحد:
فکلھم ، لا بارك الله فیہمُ
إذا جاء ألقى خَدَّه فتسمعا
يريد كل واحد منهم .
وقوله (( ورجل دخل بيته بسلام)) يحتمل وجهين :
أحدهما : أن يسلِم إذا دخل منزله، كما قال تعالى (٦١:٢٤ فإذا دخلم ميتاً فسلموا
على أنفسكم تَحِيَّة من عند الله مباركة طيبة).
والوجه الآخر : أن يكون أراد بدخول بيته بسلام، أى لزوم البيت طلب السلامة
من الفتن ، يُرِغِّب بذلك فى العزلة ، ويأمره بالإقلال من الخلطة .

١
- ٣٦٢ -
باب فى فضل من قتل كافرا [٢: ٣١٦]
٢٣٨٥ - عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لا يجتمع فى النار كافر
وقاتله أبداً )).
وأخرجه مسلم .
باب فى حرمة نساء المجاهدين [٢: ٣١٦]
٢٣٨٦ - عن ابن بريدة - وهو سليمان - عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( حُرْمَةُ نِسَاءِ المجاهدين على القاعدين كرمة أمهاتهم ، ومَا مِنْ رَجُلٍ من القاعدينَ
يَخْلُفُ رجلا من المجاهدين في أهله إلاَّ نُصِبَ له يوم القيامة، وقيل: قَدْ خَلَفَكَ فى أهلك،
فخذ من حسناته ما شئت ، فالتفت إلينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: ماظنكم؟)).
وأخرجه مسلم والنسائى .
قوله (( فما ظنكم)) يعنى: ما ترون فى رعيته فى أخذ حسناته، والاستكثار منها فى
ذلك المقام ، أى إنه لا يبقي له شيئاً منها ، إن أمكنه ذلك وأبيح له .
باب فى السَّرِيةِ تُغْفِقُ [٣١٦:٢]
٢٣٨٧ - عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( مَا مِنْ غَازِيَةٍ.
تغزو فى سبيل الله، فيصيبون غنيمة ، إلا تَعَجَّلوا ثلثى أجورهم من الآخرة، ويبقى لهم
الثلث ، فإن لم يصيبوا غنيمة تَمَّ لهم أجرهم)).
وأخرجه مسلم والنسائى .
باب فى تضعيف الذكر فى سبيل الله عز وجل [٢: ٣١٦]
٢٣٨٨ - عن سهل بن معاذ عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنّ
٢٣٨٨ - قال ابن القيم: وقد روى الترمذى عن أبى سعيد الخدرى: ((أن رسول الله صلى الله

- ٣٦٣ -
الصَّلاَةَ والصِّيامَ والذِكْرَ يُضَاعَفُ على النّفْقَةِ فى سبيلِ الله بسبعمائة ضِعْفٍ)).
عليه وسلم سئل : أى العبادة أفضل درجة عند الله يوم القيامة ؟ قال : الذاكرين الله كثيراً ،
قال : قلت : يا رسول الله، ومن الغازين فى سبيل الله ؟ قال : لو ضرب بسيفه فى الكفار
والمشركين حتى يتكسر ويختضب دماً ، لكان الذاكرون الله أفضل منه درجة» ، ولكن هو
من حديث دراج، وقد ضعف، وقال الإمام أحمد: الشأن فى دراج (١) . ولكن روى
الترمذى والحاكم فى المستدرك عن أبى الدرداء قال : قال النبى صلى الله عليه وسلم:
«ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم
من إنفاق الذهب والورق ، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا
أعناقكم؟ قالوا: بلى، قال: ذكر الله)). وقد رواه مالك فى الموطأ موقوفاً على أبى الدرداء،
قوله . قال الترمذى : ورواه بعضهم فأرسله .
والتحقيق فى ذلك أن المراتب ثلاثة :
المرتبة الأولى: ذكر وجهاد، وهى أعلى المراتب ، قال تعالى (٨: ٤٦ يا أيها الذين
آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا، واذكروا الله لعلكم تفلحون).
المرتبة الثانية : ذكر بلا جهاد ، فهذه دون الأولى .
المرتبة الثالثة : جهاد بلا ذكر، فهى دونهما، والذاكر أفضل من هذا (٢).
(١) يريد إنكار حديث فى إسناده دراج، أى إن الشأن فى إنكاره أنه من رواية دراج ، يوضحه
نص التهذيب ٣: ٢٠٨: ((قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: حديثه منكر. وقال أبو داود لما سئل
عنه: سمعت أحمد يقول: الشأن فى دراج)). ويحتمل أن تكون الكلمة محرفة، وأن صوابها ((الشين
فى دراج))، أى العيب. وليس دراج أبو السمح ضعيفاً، وإن ضعفه أحمد وغيره ، فقد وثقه ابن معين ،
وذكره ابن حبان فى الثقات، وخرج حديثه فى صحيحه، وصحح له الترمذى حديثا ٢ : ٩٦، وكذلك صحح
له الحاكم فى المستدرك ٤ : ٢٩٣ ووافقه الذهى، وترجمه البخارى فى الكبير ج ٢ ق ١ ص ٢٣٤ فلم
أحمد محمد شاكر
يذكر فيه جرحاً .
(٢) أخطأ أكثر الناس فهم حقيقة الذكر . وبالأخص حين غلبت الصوفية ، إذ أضلت العقول والأفهام،
عن مقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم، فظنوا الذكر هو تحريك اللسان بالأسماء والصفات بدون تدبر
لمعانيها ، وحرص على العمل بما تقتضيه هذه المعانى لصفات الرب سبحانه من العلم والحكمة والعدل والرحمة ،
وغيرها ، فاتخذوا له لذلك طقوساً ورسوماً وهيئات وأعداداً وصيغاً ما لهم عليها من سلطان، ولم يقف
بهم الهوى حتى لم يقنعوا بما سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أذكار الصباح والمساء وأدبار الصلوات
ونحوها ، وذهب بهم الضلال إلى شر البدع المهلكة. فكانوا أشد الغافلين عن الله وآياته وسننه وشرائعه
وعبادته . وحقيقة الذكر: أنه ضد الغفلة والنسيان لنعم الله وآياته وحكمته ورحمته . ولذلك كان
الجهاد ملازماً لذكر الله. لأن الجهاد هو بذل الجهد فى استخدام نعم الله فى النفس والمال ابتغاء مرضاة الله فى
كل حال ووقت بحسبه. والله أعلم. وكتبه محمد حامد الفقى

- ٣٦٤ -
فى إسناده زبان بن فائد ، وسهل بن معاذ، وهما ضعيفان . وأبوه: هو معاذ بن
أنس الجهنى، له صحبة ، كان بمصر وبالشام ، وله ذكر فى أهل مصر وأهل الشام .
باب فيمن مات غازياً [٢: ٣١٧]
٢٣٨٩ - عن أبى مالك الأشعرى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَن
فَصَلَ فى سبيل الله فمات أو قُتِلَ، فهو شهيد، أو وَقَصَهُ فَرَسه أو بعيره، أو لَدَغَتْهُ
هَامَّةٌ ، أومات على فراشه ، وبأىّ حَتْفٍ (١) شاء الله، فإنه شهيد، وإنَّ لَهُ الجنة)).
فى إسناده بقية بن الوليد ، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ، وهما ضعيفان .
باب فى فضل الرباط [٢: ٣١٧]
٢٣٩٠ - عن فَضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ الْعَيْتِ يُخْتَمُ
٢٣٨٩ - قوله ((فصل)) معناه: خرج. وقوله ((وقَصَهُ فرسه)) معناه: صرعه فدق عنقه .
والوقص : الدقُّ والكسر ونحوهما .
و (( الهامة)): إحدى الهوام، وهى ذوات السموم القاتلة كالحية والعقرب ونحوهما.
وإنما وضع الجهاد لأجل ذكر الله، فالمقصود من الجهاد أن يذكر الله ويعبد وحده،
فتوحيده وذكره وعبادته هو غاية الخلق التى خلقوا لها . وتبويب أبى داود إنما هو على
المرتبة الأولى .
والحديث إنما يدل على أن الذكر أفضل من الإنفاق فى سبيل الله (٢)، فهو كحديث
أبى الدرداء .
وقد يحتمل الحديث أن يكون معناه أن الذكر والصلاة فى سبيل الله تضاعف على النفقة
فى سبيل الله، فيكون الظرف متعلقاً بالجميع . والله أعلم.
6
(١) فى السنن ((أو بأى حتف)).
(٢) وهل يكون الانفاق فى سبيل الله ومرضاته إلا إذا ذكر المؤمن نعم ربه عليه فقدرها قدرها،
وآمن بمايجب فيها من الحقوق فأداها طيبة بها نفسه ، ذاكراً وعد ربه ، فى غير غفلة ولانسيان ؟
وكتبه محمد حامد الفقى

- ٣٦٥ -
على عَمَلِهِ ، إلا الْمُرَابِط، فإنه يَنْموله عملُه إلى يوم القيامة، ويُؤَمَّنُ من فَتَّانِ الْقَبْرِ)).
وأخرجه الترمذى . وقال : حسن صحيح .
باب فى فضل الحرس فى سبيل الله [٣١٧:٢]
٢٣٩١ - عن سهل بن الخنطَلية(١): ((أنهم ساروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم
حُنَيْنِ، فَأَطْنَبوا السير، حتى كانت عَشِيَّة، حضرتُ صلاةٌ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فجاء رجل فارس، فقال: يارسول الله، إنى انطلقتُ بين أيديكم حتى طلعتُ جبل كذا وكذا،
فإذا أنا بهوازِن على بَكْرَةٍ آبائهم، بظُعُنِمْ وَنَعَمِهِمْ وشَأْيِهِمُ، اجتمعوا إلى حُنين، فتبسم
رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال: تِلْكَ غَنِيمَةُ المسلمين غَدًا إن شاء الله، ثم قال: مَنْ
يَحْرُسُنَا الليلةَ؟ قال أنس بن أبى مَرْتَدَ الغَنَوِىُّ: أنا يارسول الله، قال: فاركب، فركب
فرساً له ، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:
اسْتَقْبِلْ هذَا الشِّعْبَ ، حتى تكون فى أعلاه، ولا نُغَرَّنَّ مِنْ قِبَلِكَ الَّيْلَةَ ، فلما أصبحنا
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مُصَلَّهُ، فَركع ركعتين، ثم قال: هَلْ أَحْسَسْمْ
فارسكم؟ قالوا: يارسول الله، ما أَحْسَسْنَاهُ، فَتَوِّبَ بالصلاة، فجعل رسول الله صلى الله
عليه وسلم يصلى، وهو يلتفت إلى الشِّعب، حتى إذا قضى صلاته وسَلمَ قال: أبشِروا، فقد
جاءكم فارسكم ، فجعلنا ننظر إلى خِلاَلِ الشجر فى الشِّعب، فإذا هو قد جاء ، حتى وقف على
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَسَلّمَ ، فقال: إِنِى انطلقت ، حتى كنتُ فى أعلى هذا
الشّعب ، حيث أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما أصبحتُ الطَّلَعْتُ الشعبين
كليهما، فَنَظَرْتُ فلم أرَ أحداً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ هل نزلتَ الليلة؟
٢٣٩١٠ - قوله ((على بكرة أبيهم)): كلمة للعرب يريدون بها الكثرة، والوفور فى العدد.
(والطعن)): النساء ، واحدتها ظعينة، وأصل الظعينة : الراحلة التى تظعن وترتحل ، فقيل
(١) هو سهل بن الربيع، والحنظلية: أمه. وكانت غزوة حنين فى السنة الثامنة، بعد فتح مكة . وحنين:
تنصرف وتمنع من الصرف . وهو واد ناحية الطائف.

- ٣٦٦ -
قال: لا، إلا مصلياً، أو قَاضِياً حاجة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ](١):
قَدْ أَوْجِبْتَ، فَلاَ عَلَيْكَ أن لا تعمل بعدها)).
وأخرجه النسائى .
باب كراهية ترك الغزو [٣١٨:٢]
٢٣٩٢ - عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((منْ ماتَ ولم يَغْز، ولم
يُحدِّث نفسةِ بِغَزْوٍ ، مَاتَ على شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ)).
وأخرجه مسلم والنسائى . وفى مسلم: قال عبد الله بن المبارك: فتُرَى أن ذلك كان على
عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (٣) .
٢٣٩٣ - وعن القاسم أبى عبد الرحمن عن أبى أمامة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
((مَنْ لمِ يَغْرُ أَو ◌ُجَهِزْ غَازِيًّا، أو يَخْلُفْ غَازِيًا فى أهله بخير، أصَابَهُ الله عز وجل
بقَارِعَةٍ - قال يزيد بن عبد ربه فى حديثه: قبل يوم القيامة)).
وأخرجه ابن ماجة . وانقاسم فيه مقال .
٢٣٩٤ - وعن أنس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((جَاهدُوا المشركين بأموالكم
وأنفسكم وألسنتكم)).
وأخرجه النسائى. ويحتمل أن يريد بقوله ((وألسنتكم)) الهجاء. ويؤيده قوله صلى الله
للمرأة ظعينة ، إذ كانت تظعن مع الزوج حيثما ظعن ، أو لأنها تحمل على الراحلة إذا ظعنت،
وهذا من باب تسمية الشى ء باسم سببه ، كماسموا المطر سماء، إذا كان نزوله من السماء، وكما
سموا حافر الدابة أرضاً ، لوقوعه على الأرض، ومثل هذا كثير.
(١) زيادة من السنن .
(٢) ومن أين يأتى هذا التخصيص؟ والحديث عام . والغزو والجهاد لدفع صولة الباطل، وإقامة
عماد الحق : واجب إلى يوم القيامة ، ما بقى المؤمنون يحاربون الشيطان الذى يدعو حزبه إلى محاربة الله
وكتبه محمد حامد الفقى
ورسوله .

- ٣٦٧ -
عليه وسلم لعمر بن الخطاب ، لما أنكر على عبد الله بن رواحة إنشاده بین یدی رسول الله
صلى الله عليه وسلم فى عُمرة القضاء شعره فى قريش، فقال صلى الله عليه وسلم: ((خَلٍّ عنه
يا عمر، فَلَهِىَ أسرع فيهم من نَضْحِ النَّبْل».
باب فى نسخ نفير العامة بالخاصة [٢: ٣١٨]
٢٣٩٥ - عن ابن عباس قال (٩: ٣٩ إلاّ تَنْفِروا ◌ُعَذِّ بْكُمْ عذاباً ألماً) (١٢٢:٩
وما كان لأهل المدينة - إلى قوله - يعملون): نسختها الآية التى تليها: (وما كان المؤمنون
لينفروا كافةً ) .
فى إسناده على بن الحسين بن واقد المروزى ، وهو ضعيف . وروى من وجه آخر عن
ابن عباس ، وهو أضعف من هذا. وقال غيره: الآيتان محكمتان. لأن قوله جل وعز (إلا
تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً) معناه: إذا احتيج إليكم واستُنفِتم ، فهذا مما لا ينسخ ، لأنه خبر
ووعيد ، وقوله جل وعز ( وما كان المؤمنون لينفروا كافة) ◌ُحكم ، لأنه لا بد أن يبقى بعض
المؤمنين ، لئلا تخلو دار الإسلام من المؤمنين ، فيلحقهم مكيدة .
٢٣٩٦ - وعن ◌َجْدة بن نُفيع قال: سألت ابن عباس عن هذه الآية ( إلا تنفروا يعذبكم
عذاباً أليماً) ؟ قال: فأمسكَ عنهم المطر، وكان عذا بهم.
باب فى الرخصة فى القعود من العذر [٢: ٣١٩]
٢٣٩٧ - عن زيد بن ثابت قال: (( كنتُ إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فَشِيَهُ السَّكينة، فَوَ قَعَتْ فَخِذُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذى، فما وجدتُ
ثِقْلَ شىء أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سُرِّىَ عنه، فقال: أكتب،
فكتبتُ فى كَتِفٍ: (٤: ٩٥ لا يستوى القاعدون من المؤمنين (١) والمجاهدون فى سبيل
الله) إلى آخر الآية، فقام ابنُ أم مكتوم، وكان رجلاً أعمى، لما سمع فضيلة المجاهدين ،
(١) ساق ناسخ المنذرى الآية كاملة، فذكر هنا (غير أولى الضرر منكم)، وليست فى السنن،
وسياق الحديث يقتضى حذفها فى هذا الموضع .

- ٣٦٨ -
فقال: يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين؟ فلما قضَى كلامَه
غَشِيَتْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم السّكينةُ ، فوقعت فخذُه على فخذى، ووجدتُ
من ثقلها فى المرة الثانية كما وجدت فى المرة الأولى، ثم سُرِّىَ عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فقال : اقرأ يا زيد، فقرأت ( لا يستوى القاعدون من المؤمنين ) فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم ( غيرُ أولى الضرر) الآية كمها ، قال زيد: فأنزلها الله عز وجل
وَحْدَهَا. فألحقْتُها. والذى نفسى بيده، لَكأنّى أنظر إلى مُلْحَقِهَا عند صَدْع فى
كَتِفٍ)).
فى إسناده عبد الرحمن بن أبى الزناد ، وقد تكلم فيه غير واحد ، ووثقه الإمام مالك ،
واستشهد به البخارى . وقد أشار مسلم إلى حديث زين بن ثابت هذا فى المتابعة .
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى من حديث أبى إسحق السبيعى عن البراء
بن عازب بنحوه .
٢٣٩٨ - وعن موسى بن أنس [ بن مالك ] عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: ((لقد تَرَّكْتُمْ بالمدينة أقواماً، مَا سِرْثُمْ مَسِيراً، ولا أنفقتم من نفقة، ولا فَطَهُمْ من
وَادٍ ، إلّ وهُمْ معكم فيه، قالوا: يارسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال:
حَبَهُمْ العُذْرِ)).
وأخرجه البخارى تعليقاً . وأخرجه مسلم وابن ماجة من حديث أبى سفيان طلحة
بن نافع عن جابر بن عبد الله بنحوه .
باب ما يُجزىء من الغزو [٢: ٣١٩]
٢٣٩٩ - عن زيد بن خالد الجُهنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال ((مَنْ جَهَّزَ
غَازِيا فى سبيل الله فقد غَزَا ، ومَنْ خَلَفَهُ فى أهله بخير فقد غزا)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى .
٢٤٠٠ -وعن أبى سعيد الخدرى: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثَ إلى بنى لِحْيَانَ،

- ٣٦٩ -
وقال : لِيُخْرُجْ مِنْ كل رجلين رجل، ثم قال للقاعد: أَيُّكُمْ خُلَفَ الْخَارِجَ فى أَهْلِهِ
ومالِهِ بِخَيْرٍ كانَ لهُ مِثْلُ [ نِصْفِ ](١) أَجْرِ الخارج)).
وأخرجه مسلم .
باب فى الجُرأة والجبن [٢: ٣٢٠]
٢٤٠١ - عن أبى هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((شَرُّ مَا فِى
رجلٍ: شُخٌّ ◌َالِعٌ، وَجُبْنٌ خَالِعٌ)).
قال محمد بن طاهر : وهو إسناد متصل ، وقد احتج مسلم بموسى بن على عن أبيه عن
جماعة من الصحابة (٢).
٠٠
باب فى قوله تعالى ( ولا تلقو بأيديكم إلى التهلكة) [٢: ٣٢٠]
٢٤٠٢ - عن أسلم أبى عمران قال: ((غزونا من المدينة نريد القُسْطَفِطِينِيَّةَ، وعلى الجماعةِ
عبدُ الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم مُلْصِقُو ظُهُورِهِمْ بحائط المدينة، فَحَمَلَ رجلٌ على
العدو. فقال الناس: مَهْ، مَهْ، لا إله إلا الله، يُلْقى بيديه إلى التَّهْلُكة، فقال أبو أيوب:
(٢٤٠١ - أصل ((الهلع)): الجزع، و((الهالع)) ههنا: ذو الهلع، كقول النابغة:
: كلينی لِهِمْ يَا أميمةُ ناصب »
أى ذو نصب ، ويقال: إن الشح أشد من البخل . ومعناه : البخل الذى يمنعه
من إخراج الحق الواجب عليه ، فإذا استُخرج منه هلِع وجزع منه .
و (( الجبن الخالع)): هو الشديد الذى يخلع فؤاده من شدته.
(١) زيادة من السنن .
(٢) هو موسى بن على بن رباح اللخمى المصرى، وهو ثقة. وأبوه ((على)) بضم العين مصغرا على
الراجح ، وهو مصرى تابعى ثقة .
م ٢٤ - مختصر البن

- ٣٧٠ -
إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصارِ ، لما نصر الله نبيه، وأظهرَ الإِسلام، قلنا :
هَلُّ نقيمُ فى أموالنا ونُصْلِحُهَا، فأنزل الله تعالى (٢: ١٩٥ وأنفقوا فى سَبيل اللهِ ولا تُلْقُوا
بأيدِيكُمْ إلى التّهْلُكة)، والإلقاء (١) بأيدينا إلى التهلكة: أن نُقيم فى أموالنا ونُصْلِحَها ،
وندغ الجهاد ، قال أبو عمران : فلم يزل أبو أيوب يجاهد فى سبيل الله ، حتی دُفن
بالقسطنطينية)).
وأخرجه الترمذى والنسائى. وقال الترمذى : حسن صحيح. وفى حديث الترمذى:
٠
فضالة بن عبيد، بدل عبد الرحمن بن خالد بن الوليد .
باب فى الرَّمى [٢: ٣٢٠]
٢٤٠٣ - عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنَّ الله
عز وجل يُدْخِلُ بالَّهم الواحدِ ثلاثةَ نَفَرِ الجَنَّةَ: صَانِعَهُ، يَحتَسِبُ فى صَنَعته الخير،
والرَّامِىَ به، ومُنْبَِهُ، وارموا واركبوا، وأنْ تَرْمُوا أحبُّ إلىَّ من أن تركبوا، ليس من اللَّهُو
إلا ثلاث: تأديبُ الرجل فَرِسَه، وملاعبته أهْلَهُ، وَرَمْيُهُ بَقَوْسه ونَبْلُه، ومن ترك الرمىَ
بعد ما عَلمَهُ ، رغبةً عنه، فإنها نعمة تركها، أو قال: كفرها)).
٢٤٠٣ - قوله (( مُنْبله)): هو الذى يناول الرامى النبل، وقد يكون على ذلك وجهين :
أحدهما : أن يقوم مع الرامى بجنبه أو خلفه ، ومعه عدد من النبل ، فيناوله واحداً
بعد واحد .
والوجه الآخر : أن يرد عليه النبل المرمى به .
وقد روى من طريق آخر (( والمُمِدَّ به )) . وأى الأمرين فعل فهو ممد به .
و (( النبل)): السهام العربية ، وهى لطاف ليست بطوال، كسهام النشاب،
والحسبان : أصغر من النبل، وهى التى يرمى بها على القسى الكبار فى مجار من خشب ،
(١) فى السنن ((فالإلقاء)).

- ٣٧١ -
وأخرجه النسانى. وأخرج مسلم فى صحيحه من حديث عبد الرحمن بن شماسة (١) عن
عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من علم الرمى ثم تركه فليس منا،
أو قد عصى)» .
٢٤٠٤ - وعنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: (( (٦٠:٨
واحدتها: حُسبانة. ويقال: أنبلت الرجل، إذا أعطيته نبلاً ، ورجل نابل ، إذا كان
سلاحه النبل، كما يقال: رامح، إذا كان ذا رمح .
وقوله (( ليس من اللهو إلا ثلاث)): يريد ليس من اللهو المباح إلا ثلاث ، وقد جاء
معنى ذلك مفسراً فى هذا الحديث من رواية أخرى .
قلت : وفى هذا بيان أن جميع أنواع اللهو محظورة ، وإنما استثنى رسول الله
صلى الله عليه وسلم هذه الخلال من جملة ما حرم منها ، لأن كل واحدة منها إذا تأملتها
وجدتها معينة على حق ، أو ذريعة إليه. ويدخل فى معناها ما كان من المثاقفة بالسلاح
والشّ على الأقدام ونحوهما ، مما يرناض به الإنسان ، فيتوقّح بذلك بدنه ، ويتقوى به على
مجالدة العدو .
فأما سائر مايتلهى به البطالون من أنواع اللهو، كالفرد، والشطرنج، والمزاجلة بالحمام ،
وسائر ضروب اللعب، مما لا يستعان به فى حق، ولا يُستَجَمُّ به لدرك واجب،
فمحظور كله .
وقد رخص بعض العلماء فى اللعب بالشطرنج ، وزعم أنه قد يتبصر به فى أمر الحرب
ومكيدة العدو ، فأما من قامر به فهو فاسق ، ومن لعب به على غير قمار ، وحمله الولوع
بذلك على تأخير الصلاة عن وقتها، أو جرى على لسانه الخنا والفحش إذا عالج شيئاً منه،
فهو ساقط المروءة مردود الشهادة .
(١) اختلف فى ضبط هذا الاسم، فضبطه الحافظ فى التقريب بكسر الشين المعجمة ، وضبطه صاحب
أحمد محمد شاكر
القاموس يضمها، وقال: ((ويفتح))، وهو بتخفيف الميم فى كل الروايات .

- ٣٧٢ -
وأَعِدُّوا لهم ما اسْتَطعتم من قُوَّةٍ )، ألا إنَّ القوةَ الرمىُ ، ألا إن القوة الرمى ، ألا إن
القوة الرمى)) .
وأخرجه مسلم وابن ماجة .
باب فيمن يغزو يلتمس الدنيا [٢: ٣٢١]
٢٤٠٥ - عن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الغَزْوُ غَزْوَانِ :
فأما من ابتغَى وجهَ الله، وأطاعَ الإِمامَ، وأنفَقَ الكَريمَةَ، ويَسَرَ الشريك، واجتنب
الفسادَ، فَإِن نَوْمَهُ ونَبْهَهُ أجْرُ كُلُّهُ ، وأما من غِزا فَخْراً ورياءَ وسْعَة، وعَصَى الإِمام،
وأفسد فى الأرض ، فإنه لم يرجع بالكَفَاف)) .
وأخرجه النسائى . وفى إسناده بقية بن الوليد ، وفيه مقال .
٢٤٠٦ - وعن ابن مِكْرَزِ، رَجلٍ من أهل الشام، عن أبى هريرة: (( أن رجلاً قال:
يارسول الله، رَجُلٌ يريد الجهاد فى سبيل الله، وهو يبتغى عَرَضًاً من عرض الدنيا؟
فقال النبى صلى الله عليه وسلم: لا أَجْرَله، فأعظمَ ذلك النّاسُ، وقالوا للرجل: عُدْ
لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلملك لم تُفهمه ، فقال : يارسول الله ، رجل يريد الجهاد
فى سبيل الله، وهو يبتغى ◌َرَضاً من عرض الدنيا؟ قال: لا أَجْرَ لَهُ ، فقالوا للرجل: عُدْ
لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له الثالثة ، فقال له: لا أجر له)).
ابن مِكْرَز: لم يُذكربا كثر من هذا، وهو مجهول .
٢٤٠٧ - وعن أبى موسى - وهو الأشعرى: (( أن أعرابيّا جاء إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم، فقال: إن الرجل يقاتل الذِّ كْر، ويقاتل لِيُحْمَدَ ، ويقاتل لَيَغْنَم ، ويقاتل
٢٤٠٥ - قوله ((ياسَر الشريك)) معناه: الأخذ باليسر فى الأمر، والسهولة فيه ، مع
الشريك والصاحب، والمعاونة لهما، يقال: رجل يَسَرٌ ، إذا كان سهل الخلق، وقوم أيسار.

- ٣٧٣ -
لِيُرَى مَكَانُهُ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِىَ
أعلى ، فهو فى سبيل الله عز وجل )).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائي وابن ماجة .
٢٤٠٨ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: (( يارسول الله، أخبرنى عن الجهاد
والغزو ؟ فقال: ياعَبْدَ الله بن عمرو، إنْ قاتَلْتَ صابراً مُحَتَسباً بعثك الله صابراً محتسباً،
وإن قاتلتَ مُرَائياً مكاثِراً، بعثَك الله مرائياً مكاثراً، ياعبدَ الله بن عمرو، على أيّ حالٍ
قَاتَلتَ، أو قُتِلْتَ ، بعثك الله على تلك الحال )).
باب في فضل الشهادة [٢: ٢٢٢]
٢٤٠٩ - عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لما أُصِيبَ إخوانُكم
بأحُد جعل الله أرواحَهم فى جَوْفٍ طَير خُضرٍ ، تَرِدِ أَنْهارَ الجنة، تأكلُ من ثمارها،
وتأوي إلى قناديل من ذَهب، مُعلَّقَةٍ فى ظِل العرش ، فلما وَجَدُوا طِيبَ مَأْ كلهم
٢٤٠٩ - قال الشيخ شمس الدين رحمه الله: فروى مسروق قال: ((سألنا عبد الله عن هذه الآية
(٣: ١٦٩ ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون (١)).
فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك ؟ فقال: إن أرواحهم فى جوف طير خضر ، لها قناديل معلقة
بالعرش ، تسرح فى الجنة حيث شاءت ، ثم تأوى إلى تلك القناديل ، فاطلع إليهم ربكم اطلاعة،
فقال : هل تشتهون شيئاً؟ فقالوا : أى شىء نشتهى ، ونحن نسرح فى الجنة حيث شئنا ؟
ففعل ذلك بهم ثلاث مرات ، فلما رأوا أنهم لم يتركوا من أن يسألوا ، قالوا : يارب ، نريد أن
ترد أرواحنا فى أجسادنا ، حتى نقتل فى سبيلك مرة أخرى ، فلما رأى أن ليس لهم حاجة
تركوا )) .
(١) أنزل ربنا سبحانه هذه الآية بشري للمؤمنين الصادقين الذين باعوا أنفسهم وأموالهم لله، فأحياهم
الله الحياة الطيبة فى الدنيا والآخرة، وهى خزى للمنافقين الذين حكى عنهم فى الآية قبلها ( ٣: ١٦٨ الذين
قالوا لإخوانهم - وقعدوا - لو أطاعونا ما قتلوا. قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين ) . وحياة
الشهداء حياة برزخية، لاتشبه الحياة الدنيا إلا بالاسم فقط. وعلم حقيقتها عند ربى وحده ؟-كا علم الغيب،
نؤمن بما ورد الخبر الصادق به عن الله ورسوله ، ولا نقيس عليه، فان الحواس المؤدية إلى العقل ممنوعة
عن إدراكه .

- ٣٧٤ -
ومَشْرَبِهِم وَمَقِيلِهْ قالوا: مَن يُبلِّغِ إخواننا عنّا أنا أحياء فى الجنة نُرْزق، لئلاَّ يَزْ هَدوا
فى الجهاد، ولا يَتَكُلُوا عند الحرب؟ فقال الله سبحانه: أنا أبلغهم عنكم، قال: فأنزل الله
(٣: ١٦٩ ولا تحسِبَنَّ الذين قُتلوا فى سبيل الله أمواتاً) إلى آخر الآية)).
وأخرجه الحاكم أبو عبد الله النيسابورى فى صحيحه. وذكر الدارقطنى أن عبد الله
بن إدريس تفرد به عن محمد بن إسحق ، وغيره يرويه عن ابن إسحق، لايذكر فيه سعيد
بن جبير(١). وقد أخرج مسلم فى صحيحه عن عبد الله بن مسعود معناه .
٢٤١٠ - وعن حَسناء بنت معاوية الصُّريميَّة قالت: حدثنا عمى قال: قلت للنبي صلى الله
٢٤١٠ - قلت: ((المولود)) هو الطفل الصغير والسّقْط، ومن لم يدرك الخِنْث.
والظاهر - والله أعلم - أن المسؤول عن هذه الآية الذى أشار إليه ابن مسعود: هو
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحذفه لظهور العلم به، وأن الوهم لا يذهب إلى سواه ، وقد
كان ابن مسعود يشتد عليه أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا سماه
أرعد، وتغير لونه ، وكان كثيراً ما يقول ألفاظ الحديث موقوفة، وإذا رفع منها شيئاً تحرى
فيه، وقال: ((أو شبه هذا، أو قريباً من هذا) فكأنه - والله أعلم - جرى على عادته في
هذا الحديث، وخاف أن لا يؤديه بلفظه، فلم يذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم . والصحابة
إنما كانوا يسألون عن معانى القرآن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(١) الحديث رواه أحمد ٢٣٨٩ عن عثمان بن أبي شيبة عن عبد الله بن إدريس عن محمد بن إسحق عن
إسمعيل بن أمية عن أبى الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وهو الإسناد الذى رواه به
أبو داودهنا ، فإنه رواه عن عثمان بن أبى شيبة ، وكذلك رواه الحاكم ٢: ٨٨ من طريق عثمان بن أبى
شيبة، وقال: ((صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه)). والطريق الآخر الذى أشار إليه الدار قطنى أنه عن
أبى الزبير عن ابن عباس، دون ذكر ((سعيد بن جبير)) بينهما، رواه أحمد أيضاً ٢٣٨٨ عن يعقوب
بن إبرهيم بن سعد، والطبرى فى التفسير ٤: ١١٣ من طريق سلمة ومن طريق إسمعيل بن عياش ،
ثلاثتهم عن ابن إسحق. ورجح ابن كثير فى التفسير ٢ : ٢١٠ الطريق الأول بزيادة ((سعيد بن جبير)).
وقلت فى شرحى على المسند: ((ولعل أبا الزبير سمع الحديث من ابن عباس وسعيد بن جبير ، فرواه على
الوجهين، وكلاهما صحيح)) . ولا أزال أرجح هذا، صحة الإسنادين، فمثل هذا كثير فى الروايات الصحيحة.
والحديث فى الدر المنثور ٢ : ٩٥ ونسبه أيضاً، زيادة على ماقلنا، لهناد وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقى
أحمد محمد شاكر
فى الدلائل ، دون أن يخص أحد الاسنادين .

- ٣٧٥ -
عليه وسلم: (( من فى الجنة ؟ قال: النبى فى الجنة ، والشهيد فى الجنة ، والمولود ، والوئيد)).
عَمُّ حسناء: هو أسلم بن سُليم (١)، وهم ثلاثة إخوة: الحرث بن سليم، ومعاوية بن
سليم، وأسلم بن سليم . وحسناء - بفتح الحاء وسكون السين المهملتين وبعدها نون
مفتوحة وهى ممدودة (٣).
بأب فى الشهيد يُشَفَّع [٢: ٣٢٢]
٢٤١١ - عن مروان بن عتبة الذّمارى قال: ((دخلنا على أم الدرداء، ونحن أيتام ، فقالت:
أبشروا ، فإنى سمعت أبا الدرداء يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يَشفعُ الشهيدُ فى
سَبعين من أهل بيته )).
مروان بن عتبة - هذا - قد قيل فيه: نَمِران بن عتبة، وذكر ابن مندة أنه دمشقى.
وقد جاء في بعض طرقه أنه قال: ((دخلنا على أم الدرداء - ونحن أيتام صغار - فسَّحت
رؤوسنا ، وقالت : أبشروا بَنِيَّ، فإنى أرجو أن تكونوا فى شفاعة أبيكم، فإنى سمعت
أبا الدرداء )) فذكره .
وأم الدرداء هذه - هى مجيمة، ويقال: جُهيمة - الأنصارية ، وهى
أم الدرداء الصغرى . وأخرجه أبو بكر البزار فى مسنده بهذا اللفظ الثانى . وقال
(( والوئيد)) هو الموؤود، أى المدفون فى الأرض حيًّا، وكانوا يؤدون البنات ، ومنهم
من كان يئد البنين أيضاً عند المجاعة والضيق يصيبهم ، ومن هذا قوله سبحانه (٨١ : ٩،٨
وإذا المؤودة سُئِلت. بأيّ ذنبِ قُتلت؟).
(١) هكذا جزم المنذرى باسمه، وفى الإصابة ١: ٣٧: ((سماه ابن مندة. وقال أبو نعيم: لا يصح
أحمد محمد شاكر
ذلك ، يعنى وإنما يروى عن خنساء عن عمها غير مسمى)).
(٢) ويقال فى اسمها ((خنساء)) أيضاً، بالخاء المعجمة وتقديم النون على السين، كما فى التهذيب
أحمد محمد شاكر
١٣ : ٠٤٠٩

- ٣٧٦ -
فيه أيضاً ((نمران بن عتبة (١).
باب فى النور يرى عند قبور الشهداء ) [٣٢٢:٢]
٢٤١٢ - عن عائشة قالت: ((لما مات النجاشِىُّ كُنَّا نتحدث أنه لا يزال [يرى](٣)
على قبره نور )).
هذا موقوف . وفى إسناده محمد بن إسحق ، وقد تقدم الكلام عليه . وفيه أيضاً سلامة
بن الفضل ، ولا يحتج بحديثه (٤).
٢٤١٣ - وعن عبيد بن خالد السّلمى قال: ((آخى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بين
رجلين، فقُتل أحدُهما ، ومات الآخر بعده بجمعة أو نحوها ، فصلينا عليه ، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: مَا قُلْتُمْ ؟ فقلنا: دعونا له ، وقلنا: اللهم اغفر له ، وألحقه بصاحبه ،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأينَ صلاته بعد صلاتِهِ ، وصومُه بعد صومه ؟ - شك
شُعبة فى صومه - وعمله بعد عمله؟ إن بينهما كما بين السماء والأرض)).
وأخرجه النسائى (٥) .
باب فى الجعائل فى الغزو [٣٢٣:٢]
٢٤١٤ - عن أبى أيوب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((سَتُفْتَحَ عليكم
٢٤١٤ - قلت : فيه دلالة على كراهة الجعائل .
(١) هكذا أثبت المنذرى اسم التابعى أنه ((مروان بن عتبة)) مفهماً أنه كذلك فى السن. والذى فى
السنن ((مران بن عتبة))، لاخلاف فى نسخها فيه. وكذلك ذكر فى التهذيب فى اسم ((نمران)»، ولم
يذكر قولاً آخر أنه مروان، فلا أدري من أين جاء المنذري بهذا؟ ومران - هذا - ذكره ابن حبان
أحمد محمد شاكر
فى الثقات ، وأخرج حديثه فى صحيحه ، كما فى التهذيب .
(٢) فى السنن: ((عند قبر الشهيد)).
(٣) زيادة من السنن .
(٤) كلا، بل سلمة بن الفضل ثقة، وثقه ابن معين وأبو داود وابن سعد، وقال جرير: ((ليس
من لدن بغداد إلى أن يبلغ خراسان أثبت فى ابن إسحق من سامة)) . ولم أجد لمن ضعفه حجة .
(٥) ورد نحو هذه القصة من حديث سعد بن أبى وقاص بإسناد صحيح، فى المسند ١٥٣٤، ومن.
حديث طلحة بن عبيد الله بأسانيد ثالثها صحيح، فى المسند ١٣٨٩، ١٤٠١، ١٤٠٣ .
أحمد محمد شاكر

- ٣٧٧ -
الأمصارُ، وستَكُونُ جنودٌ مُجَنَّدَة، تُقْطَعُ عليكم فيها بُعُوثٌ، فَيَكرَه الرجلُ منكم
الَبَعْثَ فيها، فيتخلّص من قومه ، ثم يَتَصَفّح القبائلَ ، يَعرِض نفسه عليهم، يقول: مَن
أكْفِهِ بَعْث كذا؟ من أكفه بعث كذا؟ ألا وذَلِكَ الأخِيرُ إلى آخر قَطْرَةٍ من دمه)».
فيه دلالة على كراهية الجعائل . وراوى هذا الحديث عن أبى أيوب هو ابن أخيه
أبو سورة، وهو بفتح السين المهملة . وسكون الواو، وبعدها راء مهملة وتاء تأنيث .
باب الرخصة فى أخذ الجمائل [٢: ٣٢٣]
٢٤١٥ - عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لِلِغَازِى أَجْرُهُ،
وللجَاعِلِ أَجْرُه وأجرُ الغازى)».
قيل : فيه ترغيب للجاعل ورخصة للمجعول له . وقد رخص فى ذلك بعضهم ، وكرهه
وفيه دليل على أن عقد الإجارة على الجهاد غير جائز .
وقد اختلف الناس فى الأجير يحضر الوقعة ، هل يُسْهَم له ؟ فقال الأوزاعى: المستأجرَ
على خدمة القوم لا سهم له ، وكذلك قال إسحق بن راهويه . وقال سفيان الثورى :
يسهم له إذا غزا وقاتل . وقال مالك وأحمد : يسهم له إذا شهد ، وكان مع الناس.
عند القتال .
قلت : يشبه أن يكون معناه فى ذلك أن الإجارة إذا عُقدت على أن يجاهد عن
المستأجر ، فإنه إذا صار جهاده لحضور الوقعة فرضاً عن نفسه ، بطل معنى الإجارة ، وصار
الأجير واحداً من جملة من حضر الوقعة ، فإنه يعطى سهمه، إلا أن حِصَّة الأجرة لتلك
المدة ساقطة عن المستأجر.
٢٤١٥ - قلت : فى هذا ترغيب للجاعل ، ورخصة للمجعول له .
واختلف العلماء فى ذلك : فرخص فيه الزهرى ومالك بن أنس . وقال أصحاب الرأى :
لا بأس به. وكرهه قوم. وروى عن ابن عمر أنه قال: ((أرى الغازى يبيع غزوه، وأرى.

- ٣٧٨ -
بعضُهم . وروى عن عبد الله بن عمر أنه قال: ((أرى الغازى يبيع غزوه، وأرى هذا يفرّ
من غزوه)) .
باب فى الرجل يغزو بأجر الخدمة [٢: ٣٢٣]
٢٤١٦ - عن يَعلى بن أمَّية(١) قال: ((أُذَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغزو، وأنا شيخ
كبير، ليس لى خادم ، فالتمستُ أجيراً يكفينى ، وأُجْرِی له سهْمَه، فوجدتُ رجلاً، فلما دنا
الرحيلُ أَنَانى، فقال: ما أدرى ما السُّهمان، وما يبلغ سَهْمِىٍ؟ فَسَمِّ لى شَيْئًا، كانَ السَّهُمُ
أو لم يكن، فَسَمَّيتُ له ثلاثة دنانير ، فلما حضرتْ غنيمته أردتُ أن أَجْرِى له سَهْمَه ،
فذكرتُ الدنانير، فيئْتُ النبى صلى الله عليه وسلم، فذكرتُ له أمره، فقال: مَا أجِدُ له فى
غَزْوَتِهِ هذه فى الدنيا والآخرة إلا دنانيره التى سَتَّى)).
باب فى الرجل يغزو وأبواه كارهان [٢: ٣٢٤]
٢٤١٧٠ - عن عبد الله بن عمرو قال: ((جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
جِثْتُ أُبَايِعُكَ على الهجرة، وتركت أبَوَىَّ يبكيان، فقال: ارْجِعْ إليهما، فَأَضْحِكْمَا ،
كما أَبْكَيْتَهُمَا)).
هذا يَفِرُّ من عدوه)). وكرهه علقمة. وقال الشافعى: لا يجوز أن يغزو بجُعْل، فلو أخذه
فعليه رده. وعن النخعى أنه قال: لا بأس بإعطائه، وأ كره أخذه للأجر.
٢٤١٧ - قلت : الجهاد إذا كان الخارج فيه متطوّعاً ، فإن ذلك لا يجوز إلا بإذن الوالدين . فأما
إذا تعين عليه فرض الجهاد، فلاحاجة به إلى إذنهما ، وإن منعاه من الخروج عصاها ، وخرج
فى الجهاد ، وهذا إذا كانا مسلمين ، فإن كانا كافرين فلا سبيل لهما إلى منعه من الجهاد ،
فرضاً كان أو نفلاً ، وطاعتهما حينئذ معصية الله، ومعونة للكفار، وإنما عليه أن يَبَّهما
ويطيعهما فيما ليس بمعصية .
(١) فى نسخة ((منية)) بضم الميم وسكون النون وتاء تأنيث، وهى أمه. وأمية أبوه.

- ٣٧٩ -
وأخرجه النسائي وابن ماجة .
٢٤١٨ - وعنه قال: ((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله،
أجاهد ؟ فقال : لك أبوان؟ قال: نعم ، قال: ففيهما فجاهد )).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى.
٢٤١٩ - وعن أبى سعيد الخدرى: (( أن رجلاً هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من
اليمين ، فقال: هل لك أحدٌ باليمن؟ فقال: أبواىَ: فقال: أَذِّنَا لَكَ؟ قال : لا ، قال:
ارجع إليهما فاستأذنهما ، فإن أذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ، وإلاَّ فَبِرَّهُمَا)).
فى إسناده دَرَّاج أبو السمح المصرى، وهو ضعيف (١).
باب فى النساء يغزون [٢: ٣٢٤]
٢٤٢٠ - عن أنس بن مالك قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَغْزُو بأم سُلَيْ
ونِسْوةٍ من الأنصار، لِيَسْقِينَ الماء، ويُدَاوِينَ الَجَرْحَى)).
قلت : ولا يخرج إلى الغزو إلا بإذن الغرماء ، إذا كان عليه لهم دين عاجل ، كما
لا يخرج إلى الحج إلا بإذنهم. فإن تعين عليه فرض الجهاد لم يُعَرّج على الإذن .
٢٤٢٠ - قلت : فى هذا الحديث دلالة على جواز الخروج بهن فى الغزو، لنوع من الرّفق
والخدمة .
وقد روي عن النبى صلى الله عليه وسلم فى غير هذا الحديث: (( أن نسوة خرجن
معه ، فأمر بردهن )) .
٢٤١٩ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله : أخرجه الحاكم فى المستدرك ، وليس مما يستدرك على
الشيخين ، فإن فيه دراجاً أبا السمح، وهو ضعيف (١) .
(١) حققنا فى ٢٣٨٨ أن دراجاً ثقة.
أحمد محمد شاكر

- ٣٨٠ -
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى.
باب فى الغزو مع أيمة الجور [٢: ٣٢٤]
٢٤٢١ - عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من أصل الإيمان:
الكَفْتُّ عَمَّن قال لا إله إلا الله، ولا نُكَفْرِهِ بذنب، ولا يُخرجه من الإسلام بعمل ،
والجهاد ماضٍ منذُ بعثنى الله إلى أن يقاتِلَ آخرُ أمتى الدَّجالَ، لا يبطله جَوْرُ جائرٍ، "
ولا عَدْلُ عادلٍ ، والإيمان بالأقدار )).
والراوى عن أنس يزيد بن أبى نُشْبَة، وهو فى معنى المجهول . وقد تقدم غير حديث
يدل على الجهاد مع أيمة الجور .
.ونشبة : بضم النون وسكون الشين المعجمة، وبعدها باء بواحدة مفتوحة وناء تأنيث .
٢٤٢٢ - وعن مكحول عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الجهاد
واجِبٌ عليكم مع كل أمير، بَرًّا كانَ أو فاجراً، والصلاة واجبة عليكم خَلْفَ كل مسلم،
بَرَّا كان أو فَاحِراً. وإنْ عَمِلَ الكبائر، والصلاة واجبة على كل مسلم، برًّا كان أو فاجراً،.
وإن عمل الكبائر)).
هذا منقطع، مكحول لم يسمع من أبى هريرة .
قلت: يشبه أن يكون رده إياهن لأحد معنيين : إما أن يكون فى حال ليس بالمستظهر
بالقوة والغلبة على العدو ، فخاف عليهن ، فردهن ، أو يكون الخارجات معه من حداثة
السّن والجمال بالموضع الذى يخاف فتلتهن .
وقد اختلف الناس فى النساء : هل يسهم لهن من الغنيمة ؟ فقال عامة أهل العلم:
لا يُسْهَم هن كسهم الرجال ، وقال ابن عباس: يُرْضَخُ لهن، وإليه ذهب سفيان الثورى.
وأصحاب الرأى، وكذلك قال الشافعى. وقال مالك: لا يسهم لهن، ولا يُرُضَخْن بشىء.