Indexed OCR Text
Pages 301-320
- ٣٠١ - ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام ، ويقول: إنهما يوما عيد للمشركين ، فأنا أحب أن أخالفهم)) وصححه بعض الحفاظ . فهذا نص فى استحباب صوم يوم عيدهم لأجل مخالفتهم ، فكيف نعلل كراهة صومه بكونه عيداً لهم ؟ وفى جامع الترمذى عن عائشة قالت: « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من الشهر السبت، والأحد ، والاثنين . ومن الشهر الآخر الثلاثاء، والأربعاء ، والخميس» قال الترمذى : حديث حسن . وقد روى ابن . مهدى هذا الحديث عن سفيان ، ولم يرفعه . وهذان الحديثان ليسا بحجة على من كره إفراد السبت بالصوم . وعلله طائفة: بأنهم يتركون العمل فيه، والصوم مظنة ذلك ، فإنه إذا ضم إليه الأحد -زال الإفراد المكروه، وحصلت المخالفة بصوم يوم فطرهم ، وزال عنها صورة التعظيم المكروه بعدم التخصيص المؤذن بالتعظيم ، فاتفقت بحمد الله الأحاديث ، وزال عنها الاضطراب والاختلاف ، وتبين تصديق بعضها بعضاً . فإن قيل : فما تقولون فى صوم يوم النيروز والمهرجان ونحوهما من أعياد المشركين ؟ قيل : قدكرهه كثير من العلماء ، وأكثر أصحاب أحمد على الكراهة . قال أحمد ، فى رواية ابنه عبد الله: حدثنا وكيع عن سفيان عن رجل عن أنس والحسن : أنهما كرها صوم يوم النيروز والمهرجان ، قال عبد الله : قال أبى : الرجل : أبان بن أبى عياش. فلما أجاب أحمد بهذا الجواب لمن سأله عن صيام هذين اليومين ، دل ذلك على أنه اختاره. وهذه إحدى الطريقتين لأصحابه فى مثل ذلك . وقيل : لا يكون هذا اختياراً له ، ولا ينسب إليه القول الذى حكاه ، وأكثر الأصحاب على الكراهة ، وعلاوا ذلك بأنهما يومان يعظمهما الكفار ، فيكون تخصيصهما بالصيام دون غيرهما موافقة لهم فى تعظيمهما ، فكره كيوم السبت . قال صاحب المغنى : وعلى قياس هذا : كل عيد الكفار ، أو يوم يفردونه بالتعظيم . قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية ، قدس الله روحه : وقد يقال : يكره صوم يوم النيروز والمهرجان ونحوهما من الأيام التى لا تعرف بحساب العرب، بخلاف ما جاء فى الحديث من يوم السبت والأحد ، لأنه إذا قصد صوم مثل هذه الأيام العجمية أو الجاهلية ، كان ذريعة إلى إقامة شعار هذه الأيام وإحياء أمرها، وإظهار حالها ، بخلاف السبت والأحد ، فإنهما من حساب المسلمين ، فليس فى صومهما مفسدة . فيكون استحباب صوم أعيادهم المعروبة بالحساب العربى الإسلامى، مع كراهة الأعياد المعروفة بالحساب الجاهلى العجمى ، توفيقاً بين الآثار. والله أعلم . - ٣٠٢ - الرخصة فى ذلك [٢: ٢٩٦] ٢٣١٤ - عن جُويرية بنت الحرث (( أن النبى صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوم الجمعة، وهى صائمة، فقال. صُمْتِ أمْسٍ؟ قالت : لا، قال: تريدين أن تصومى غداً؟ قالت: لا، قال : فأفطرى )» وأخرجه البخارى والنسائى . وأخرجه مسلم من حديث أبى هريرة عن النبى صلى الله قال (( لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالى، ولا تختصوا يوم الجمعة بصيام من بين. الأيام، إلا أن يكون فى صوم يصومه أحدكم)) وأخرجه أيضاً النسائى. وعن ابن شهاب ، أنه كان إذا ذكر له (( أنه نهى عن صيام يوم السبت)) يقول ابن شهاب : هذا حديث ◌ِمْصى . وقال الأوزاعي: مازلت له كاتما ، حتى رأيته انتشر - يعنى حديث ابن بسر هذا فى صوم يوم السبت - قال أبو داود : قال مالك : هذا كذب . باب فى صوم الدهر [٢: ٢٩٧ ] ٢٣١٥ - عن أبى قتادة (( أن رجلاً أتَى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يارسول الله، كيف. ٢٣١٥ - قلت : يشبه أن يكون غضب النبى صلى الله عليه وسلم من مسألته مياه عن صومه كراهة أن يقتدى به السائل فى صومه، فيتكلفه، ثم يعجز عنه فعلا، أو يسأمه ويمَلَّه بقلبه، ٢٣١٤ - قال ابن القيم : قال عبد الحق : ولعل مالكا إنما جعله كذباً من أجل رواية ثور بن. یزید الكلاعی ، فإنه کان یرمی بالقدر ، ولکنه كان ثقة فيما يروي . قاله يحيى وغيره . وروى عنه الجلة ، مثل يحمي بن سعيد القطان وابن المبارك والثورى وغيرهم . وقيل فى هذا الحديث : عن عبد الله بن بسر عن عمته الصماء، وهو أصح، واسمها بهية، وقيل: بهيمة. آخر كلامه. ٢٣١٥ - قال الشيخ شمس الدين: وهو نص فى أن صوم يوم وفطر يوم أفضل من سرد الصيام ، ولو كان سرد الصيام مشروعاً أو مستحباً لكان أكثر عملاً ، فيكون أفضل ، إذ العبادة لا تكون إلا راجحة ، فلو كان عبادة لم يكن مرجوحاً . - ٣٠٣ - تضوم ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله ، فلما رأى ذلك عمر ، قال : رضينا بالله ربًّا، وبالأسلام ديناً. وبمحمد نبيًّا، نعوذ بالله من غضب الله، وغضب رسوله، فلم يزل عمر يرددها، حتى سكن من غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يارسول الله كيف بمن يصوم الدهر كله؟ قال: لاصام ولا أفظر - قال مسدد - لم يصم ولم يفطر، أو ماصام ولا أفطر - شك غيلان - قال: يارسول الله، كيف بمن يصوم يومين ويفطر يوماً ؟ قال : أوَ يُطِيقُ ذلك أحدٌ ؟ قال : يارسول الله، فكيف بمن يصوم يوماً ويفطر فيكون صياماً عن غير ◌ِنِيَّة وإخلاص . وقد كان صلى الله عليه وسلم يواصل ، وهو محرَّم على إمته . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يترك بعض النوافل، خوفاً من أن يُفرض على أمته ، إذا فعلوه اقتداء به، كما ترك القيام فى شهر رمضان ، بعد أن قام بهم ليلة أو ليلتين ، ثم لم يخرج إليهم، وقال لهم: ((إنه لم يخف على مكانكم، ولكنى خِفْتُ أن يُكتب عليكم ، ثم لا تقومون )) أو كما قال . وقوله (( لاصام ولا أفطر)) معناه: لم يصم ولم يفطر، وقد توضع ((لا)) بمعنى ((لم)) كقوله تعالى (٧٥: ٣١ فلا صَدَّق ولا صَلّى) أى لم يصدق ولم يصل. وقد يحتمل أن يكون معناه الدعاء عليه، كراهة لصنيعه، وزجراً له عن ذلك. ويشبه أن يكون الذى نهى عنه من ـــ وقد تأول قوم هذا على أن المعنى : لا أفضل من ذلك للمخاطب وحده ، لما علم من حاله ومنتهى قوته ، وأن ماهو أكثر من ذلك يضعفه عن فرائضه، ويقطعه عن القيام بما عليه من الحقوق ، وهذا تأويل باطل من وجوه : أحدها : أن سياق الحديث يرده، فإنه إنما كان عن المطيق، فإنه قال: ((فإنى أطيق أفضل من ذلك)) فسبب الحديث فى المطيق، فأخبره أنه لا أفضل من ذلك للمطيق ، الذى سأل . ولو أن رجلاً سأل من يفضل السرد : وقال . إنى أطيق أفضل من صوم يوم وفطر يوم ؟ لقال له : السرد أفضل . الثانى : أنه أخبر عنه بثلاث جمل : إحداها : أنه أعدل الصيام . والثانية: أنه صوم داود . والثالثة : أنه لا أفضل منه. وهذه الأخبار تمنع تخصيصه بالسائل. - ٣٠٤ - يوماً؟ قال : ذلك صوم داود ، قال : يا رسول الله ، فكيف بمن يصوم يوماً ويفطر يومين ؟ قال: وددتُ أنِى طَوِّقْتُ ذلك - ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثَلاَثٌ من كل شهر، ورمضان إلى رمضان . فهذا صيام الدهر كله ، وصيامُ عرفةَ : إنى أحتسِبُ على الله أن يكفِرِ السنةَ التى قبله، والسنةَ التى بعده، وصَمْمُ يوم عاشوراء : إنى أحتسب على الله أن يكفر السنة التى قبله)). صوم الدهر : هو أن يسرد الصيام أيام السنة كلها ، لا يفطر فيها الأيام المنهى عن صيامها . وقد سَرَّدَ الصوم دَهْرَه أبو طلحة الأنصارى ، وكان لا يفطر فى سفر ولا حضر . فلم يعبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نهاه عن ذلك(١). وقوله ((وددت أنى أطقت ذلك)) يحتمل أن يكون إنما خاف العجز عن ذلك للحقوق التى تلزمه لنسائه. لأن ذلك يخل بحظوظهن منه، لالضعف جبلَّته عن احتمال الصيام ، أو قلة صبره عن الطعام فى هذه المدة . والله أعلم . الثالث : أن فى بعض ألفاظ مسلم فيه: ((فإنى أقوى . قال : فلم يزل يرفعنى ، حتى قال : صم يوماً وأفطر يوماً ، فإنه أفضل الصيام، وهو صوم أخى داود))، فعلل ذلك يكونه أفضل الصيام، وأنه ضوم داود ، مع إخباره له بقوته ، ولم يقل له : فإن قويت فالسرد أفضل . الرابع : أن هذا موافق لقوله، فيمن صام الأبد: (( لا صام ولا أفطر)) ومعلوم أن السائل لم يسأله عن الصوم المحرم الذى قد استقر تحريمه عندهم، ولو قدر أنه سأله عنه لم يكن ليجيب عنه بقوله: (( لا صام ولا أفطر)) بل كان يجيب عنه بصريح النهى. والسياق يدل على أنه إنما سأله عن الصوم المأذون فيه، لا الممنوع منه ، ولا يعبر عن صيام الأيام الخمسة ، وعن المنع منها بقوله: (( لا صام من صام الأبد))، ولا هذه العبارة مطابقة للمقصود ، بل هى بعيدة منه جداً . الخامس : أنه صلى الله عليه وسلم أخبر (( أن أحب الصيام إلى الله: صيام داود ، وأحب (١) وهل ثبت هذا عن أبي طلحة من رواية يوثق بها ؟ وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أقره عليه ؟ ولئن ثبت فلابد أن يكون لأمر خاص بأبى طلحة ، لا يشاركه فيه غيره . والحكم عام مطلق ، لا يخصص و كتبه محمد حامد الفقى بالخواس الفردية . والله أعلم . - ٣٠٥ - ٢٣١٦٠ - وفى رواية: قال: ((يا رسول الله، أرأيتَ صوم يوم الاثنين والخميس؟ قال: فيه وُلدتُ، وفيه أُنزل علىَّ القرآن)). وأخرجه مسلم، وقال: وفى هذا الحديث من رواية شعبة: (( وسئل عن صوم يوم الاثنين والخميس؟ فسكتناعن ذكر الخميس، لما نراه وَهَما))، وأخرجه الترمذى والنسائى وابن ماجة مختصراً مفرقاً .. ٢٣١٧ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: ((لقينى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : أَلمْ أَ حَدَّثْ أنك تقول: لا قُومَنَّ الليل، ولأَصُومَنَّ النهار؟ قال : أحسِبِه قال : نعم ، يا رسول الله، قد قلت ذلك، قال: قُمْ، وَمْ، وصُمْ، وأَفْطِرْ، وصم من كل شهر ثلاثة أيام ، وذاك مثلُ صيام الدهر ، قال : قلت يارسول الله، إنى أطيق أفضلَ من ذلك ، قال : فَصُمْ يوماً وأفطر يومين ، قال: فقلت : إنى أطيق أفضل من ذلك ، قال : فصم يوماً وأفطر يوماً ، وهو أعدلُ الصيام ، وهو صيام داود ، قلت : إنى أطيق أفضل من ذلك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أفضلَ من ذلك)). وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى. فى صوم أشهر الحرم [٢: ٢٩٧] ٢٣١٨ - عن ◌ُجِيبةَ الباهلية، عن أبيها، أو عمها (( أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم انطلق، فأتاه بعد سنةٍ ، وقد تغيَّرَت حاله وهيئته، فقال: يارسول الله ، أما تعرفنى ؟ قال: من أنت ؟ قال : أنا الباهلى الذى جئتك عامَ الأول، قال: فما غَيَّكَ، وقد كنت ٢٢١٨ - قلت: شهر الصبرهو شهر رمضان، وأصل الصبر: الحبس. فى الصيام صبراً لما القيام إلى اللّه قيام داود))، وأخبر بهما معاً. ثم فسره بقوله: ((كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوماً، ويفطر يوماً)) رواه البخارى ومسلم . وهذا صريح فى أنه إنما كان أحب إلى الله لأجل هذا الوصف ، وهو ما يتخلل الصيام والقيام من الراحة التى تجم بها نفسه، ويستعين بها على القيام بالحقوق . وبالله التوفيق. ٢٠٠ - مختصـ الـــ - ٣٠٦ - حَسَن الهيئة؟ قال: ما أكلت طعاماً منذُ فارقتك، إلا بليل ، فقال رسول الله صلى الله عليم وسلم: لِمّ عَذَّبْتَ نفسك؟ ثم قال: صُمْ شهر الصَّبْر ويوماً من كل شهر، قال: زدنى ، فإن بى قوةٌ ، قال : صم يومين ، قال زدني ، قال: صم ثلاثة أيام ، قال زدنى ، قال: صم من الحرم ، واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك - وقال بأصابعه الثلاثة - قُضمها ثم أرسلها )). أخرجه النسائى وابن ماجة ، إلا أن النسائى قال فيه: عن مجيبة الباهلى عن عمه ٣. وقال ابن ماجة : عن أبى مجيبة الباهلى عن أبيه ، أو عمه. وذكره أبو القاسم البغوى فى معجم الصحابة ، وقال فيه: عن مجيبة - يعنى الباهلية - قالت: حدثنى أبى أو عمى. وسمى أباها : عبد الله بن الحرث ، وقال: سكن البصرة ، روى عن النبى صلى الله عليه وسلم حديثاً . وقال فى موضع آخر: أبو مجيبة الباهلية ، أو عمها : سكن البصرة . وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم، ولم يُسَتِهِ ، وذكر هذا الحديث. وذكره ابن قانع فى معجم الصحابة ، وقال فيه: عن مجيبة عن أبيها ، أو عمها، وسماه أيضاً : عبد الله بن الحرث . هذا آخر كلامه . وقد وقع فيه هذا الاختلاف ، كما تراه. وأشار بعض شيوخنا إلى تضعيفه لذلك . وهو فيه من حبس النفس عن الطعام، ومنعها عن وطء النساء ، وغشيانهن فى نهار الشهر(١) وقوله، ()من الحرم)) فإن الحرم أربعة أشهر، وهى التى ذكرها الله فى كتابه فقال (٩: ٣٦ إن عِدَّة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً، في كتاب الله ، يوم خلق السموات والأرض، منها أربعة حُرُم ) وهى شهر رجب، وذى القعدة، وذى الحجة ، والمحرم، وقيل الأعرابى يتفقه: كم الأشهر الحرم؟ قال أربعة، ثلاثة مَرْد، وواحد فرد. (١) بل لعله سمى بذلك لما فيه من صبر النفس وحبسها مع الله تعبداً، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس طول شهر رمضان: كما قال الله (١٨: ٢٨، واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يردون وجهه ) فسكلما حاولت النفس النزوع إلى ماتطلبه حيوانيتها ، وجدت من المعية مع ربها ومحبوبها الأعظم ما يشغلها عن ذلك . فيعطيها إيماناً جديداً وقوة عزيمة ، وصدق حزم ، وكرم خلق ، وعلو أدب . والله أعلم . - ٣٠٧ - متوجه. و((مجيبة)) - بضم الميم وكسر الجيم، وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها باء موحدة مفتوحة ، وتاء تأنيث . باب فى صوم المحرم [٢٩٨:٢] ٢٣١٩ - عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أفضلُ الصيام، بعدَ شهر رمضانَ : شَهْرُ الله المحرم ، وإن أفضل الصلاة بعد المفروضة: صلاة من الليل)) لم يقل قتيبة ((شهر)) قال ((رمضان)). وأخرجه ملم والترمذى والنسائى وابن ماجة. ٢٣٢٠ - وعن ابن عباس « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم ، حتى نقول : لا يُفُطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم)). وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة . باب فى صوم شعبان [٢: ٢٩٩] ٢٣٢١ - عن عبد الله بن أبى قيس، سمع عائشة تقول (( كان أحَبَّ الشهورِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصومه : شعبانُ ، ثم يَصِله برمضان)) وأخرجه النسائى . [ باب فى صوم شوال (١)] [٢: ٢٩٩] ٢٣٢٢ - عن عبيد الله بن مسلم القرشى، عن أبيه، قال: ((سألتُ - أو سُئِلَ - النبى ٢٣١٩ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وقد رواه شعبة عن أبى بشر عن حميد بن عبد الرحمن عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسلا، فاختلف فيه شعبة وأبو عوانة ، فقال أبو عوانة : عن أبى بشر عن حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة . وقال شعبة: عن أبى بشر عن حميد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ورجح الدار قطنى إرساله . (١) زيادة من السنن . - ٣٠٨ - صلى الله عليه وسلم: عن صيام الدهر؟ فقال: إنَّ لأَهْلِكَ عَلْكَ حَقًّا، صُمْ رمضان والذى يليه ، وكلَّ أربعاء وخميس، فإذا أنتَ قد صمتَ الدهر)). وأخرجه الترمذى والنسائى . وقال الترمذى : حديث غريب . وروى بعضهم عن هرون بن سلمان عن مسلم بن عبيد الله عن أبيه . وقد أخرج النسائى الروايتين ، الرواية الأولى والثانية ، التى أشار إليها الترمذى . فى فضل ستة أيام من شوال [٢: ٢٩٩] ٢٣٢٣ - عن أبي أيوب - صاحبِ النبى صلى الله عليه وسلم - عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (( منْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَه بِسِتٍ من شوال، فكأنما صام الدهر)). وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة. وقيل: معناه: إن الحسنة لما كانت بعشر أمثالها كان مبلغ ما حصل له من الحسنات فى صوم الشهر والأيام الستة : ثلاثمائة وستين حسنة عدد أيام السنة . فكأنه صام سنة كاملة ، وهذا قد جاء مفسَّراً فى حديث ثوبان ، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام بشهرين . فذلك صوم سنة )) وفى لفظ ( جعل الله عز وجل الحسنة بعشر - فذكره)) أخرجه النسائي. وإسناده حسن . وأخذ به جماعة من العلماء . ٢٣٢٣ - قال الحافظ شمس الدين : هذا الحديث قد اختلف فيه، فأورده مسلم في صحيحه . وضعفه غيره ، وقال : هو من رواية سعد بن سعيد أخى يحيى بن سعيد ، قال النسائي فى سفنه : سعد بن سعيد ضعيف، كذلك قال أحمد بن حنبل: يحيى بن سعيد: الثقة المأمون، أحد الأئمة، وعبد ربه بن سعيد لا بأس به، وسعد بن سعيد ثالثهم ضعيف. وذكر عبد الله بن الزبير الحميدى هذا الحديث فى مسنده . وقال : الصحيح موقوفاً . وقد روى الإخوة الثلاثة هذا الحديث عن عمر بن ثابت . فمسلم أورده من رواية سعد بن سعيد . ورواه النسائى من حديثه مرفوعاً ، ومن حديث عبد ربه بن سعيد موقوفاً . ورواه أيضاً من حديث يحيى بن سعيد مرفوعاً . وقد رواه أيضاً ثوبان عن النبى صلى الله عليه وسلم قال (( صيام شهر رمضان بعشرة أشهر ، وصيام ستة أيام بشهرين، فذاك صيام سنة)) رواه النسائى، وفى لفظ له أيضاً: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه - ٣٠٩ - وروى عن مالك وغيره : كراهية ذلك . وقال بعضهم : لعل الحديث لم يبلغه ، أو لم يثبت عنده. لما وجد العمل بخلافه. والحديث تقوم به الحجة . وقد أشار مالك فى الموطأ إلى أنه : لثَلّا يُلحِق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء. وقد روى مُطَرِّف عن مالك : أنه كان يصرفها فى خاصة نفسه ، قال مطرف : إنما كره صيامها لئلا يلحق أهل الجهالة ذلك برمضان . فأما من رغب فى ذلك لما جاء فيه ، فلم يَنْبَه . وسلم يقول (( جعل الله الحسنة بعشرة ، فشهر بعشرة أشهر، وستة أيام بعد الفطر تمام السنة» قال الترمذى : : وفى الباب عن جابر وأبى هريرة وثوبان ، وقد أعل حديث أبى أيوب من جهة طرقه كلها . أما رواية مسلم فعن سعد بن سعيد، وأما رواية أخيه عبد ربه، فقال النسائى : فيه عتبة، ليس بالقوى ، يعنى راويه عن عبد الملك بن أبى بكر عن يحيى. وأما حديث عبدربه ، فإنما رواه موقوفاً . وهذه العلل - وإن منعته أن يكون فى أعلى درجات الصحيح - فإنها لا توجب وهنه، وقد تابع سعداً ويحي وعبد ربه عن عمر بن ثابت : عثمان بن عمرو الخزاعى عن عمر ، لكن قال : عن عمر عن محمد بن المنكدر عن أبى أيوب. ورواه أيضاً صفوان بن سليم عن عمر بن ثابت . ذكره ابن حبان فى صحيحه وأبو داود والنسائى، فهؤلاء خمسة: يحي؛ وسعيد، وعبد ربه ، بنو سعيد، وصفوان بن سليم، وعثمان بن عمرو الخزاعى ، كلهم رووه عن عمرو. فالحديث صحيح . وأما حديث ثوبان: فقد رواه ابن حبان فى صحيحه . ولفظه « من صام رمضان وستا من شوال فقد صام السنة)) ورواه ابن ماجة. ولفظه (( من صام رمضان وستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة ، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها )) . وأما حديث جابر : فرواه أحمد فى مسنده عن أبى عبد الرحمن المقرى عن سعيد بن أبى أيوب عن عمرو بن جابر الحضرمى عن جابر عن النى صلى الله عليه وسلم، وعمرو بن جابر ضعيف ، ولكن قال أبو حاتم الرازى: هو صالح ، له نحو عشرين حديثاً . وقال أبو نعيم الأصبهاني : روى عن عمرو بن دينار ومجاهد عن جابر مثله . وأما حديث أبى هريرة : فرواه أبو نعيم من حديث ليث بن أبى سليم عن مجاهد عنه عن النبي صلي الله عليه وآله وسلم. ورواه من حديث عبد الله بن سعيد بن أبى سعيد المقبرى عن أبى سعيد عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال أبو نعيم : ورواه عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن أبى هريرة عن أبيه، ورواه اسمعيل بن رافع عن أبى صالح عن أبى هريرة. وهذه الطرق تصلح للاعتبار والاعتضاد . وقد احتج أصحاب السنن الأربعة بليث ، وقد روى - ٣١٠ - حديث شداد بن أوس ، قال عبد الرحمن بن أبى حاتم ، فى كتاب العلل : سمعت أبى، وذكر حديثاً رواه سويد بن عبد العزيز عن يحيى بن الحرث عن أبى الأشعث الصنعانى عن أبى أسماء عن ثوبان مرفوعا ((من صام رمضان وأتبعه بست من شوال)) قال أبى: هذا وهم من سويد» قد سمع يحيى بن الحرث هذا الحديث من أبى أسماء ، إنما أراد سويد: ما حدثنا صفوان بن صالح أخبرنا مروان الطاطرى عن يحيى بن حمزة عن يحيى بن الحرث عن أبى الأشعث الصنعانى عن شداد بن أوس عن النبي صلي الله عليه وسلم قال (( من صام رمضان - الحديث)). وهذا إسناد ثقات كلهم ، ثم قال ابن أبى حاتم بعد ذلك : سئل أبى عن حديث رواه مروان الطاطرى عن يحيى بن حمزة؟ - وذكر هذا الحديث حديث -: شداد بن أوس قال : سمعت أبى يقول: الناس يروون عن يحيى بن الحرث عن أبى أسماء عن ثوبان عن النبى صلى الله عليه وسلم . قلت لأبى : أيهما الصحيح؟ قال: جميعاً صحيح . وقال الدار قطنى: حدثنا إبراهيم بن محمد الرقى أخبرنا أبو همام أخبرنا يحيى بن حمزة عن إسحق بن عبد الله قال : حدثنى سعد بن سعيد عن عدى بن ثابت عن البراء بن عازب عن النى صلى الله عليه وسلم أنه قال (( من صام ستة أيام بعد الفطر فكأنما صام الدهر كله)) ويحيى بن حمزة قاضي دمشق صدوق ، وأبو همام الوليد بن شجاع السكوني أخرج له مسلم ، وهذا غريب ، لعله اشتبه على بعض رواته عمر بن ثابت بعدى بن ثابت وتأكد الوهم فعله عن البراء بن عازب، لكثرة رواية عدى بن ثابت عنه .. وقد اختلف أهل العلم فى القول بموجب هذه الأحاديث . فذهب أكثرهم إلى القول باستحباب ضومها . منهم : الشافعى وأحمد وابن المبارك وغيرهم . وكرهها آخرون . منهم : مالك . وقال مطرف : كان مالك يصومها في خاصة نفسه . قال : وإنماكره صومها لئلا يلحق أهل الجاهلية ذلك برمضان . فأما من رغب فى ذلك لما جاء فيه فلم ينهه . وقد اعترض بعض الناس على هذه الأحاديث باعتراضات ، نذكرها ، وتذكر الجواب عنها إن شاء الله تعالى . الاعتراض الأول : تضعيفها. قالوا : وأشهرها : حديث أبى أيوب ، ومداره على سعد بن سعيد ، وهو ضعيف جداً ، تركه مالك ؛ وأنكر عليه هذا الحديث ، وقد ضعفه أحمد ، وقال الترمذى : تكلموا فيه من قبل حفظه . وقال النسائى: ليس بالقول . وقال ابن حبان : لا يجوز الاحتجاج بحديث سعد بن سعيد . وجواب هذا الاعتراض : أن الحديث قد صححه مسلم وغيره . وأما قولكم : يدور على سعد بن سعيد، فليس كذلك ، بل قد رواه صفوان بن سليم ويحيى بن سعيد ، أخو سعد المذكور؛ وعبد ربه بن سعيد، وعثمان بن عمر الخزاعى . أما حديث صفوان : فأخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان . - ٣١١ - وأما حديث يحيى بن سعيد: فرواه النسائى عن هشام بن عمار عن صدقة بن خالد ، متفق عليهما، عن عتبة بن أبى حكيم . وثقه الرازيان وابن معين وابن حبان ، عن عبد الملك بن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام ، وعبد الملك بن محمد بن أبى بكر بن عمرو بن حزم وإسمعيل بن إبراهيم الصائغ ، ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد عن عمر به . فإن قيل : فقد رواه حفص بن غياث ، وهو أثبت ممن ذكرت ، عن يحي بن سعيد عن أخيه سعد بن سعيد عن عمرو بن ثابت ، فدل على أن يحي بن سعيد لم يروه عن عمر بن ثابت وإلا لما رواه عن أخيه عنه، ورواه اسحق بن أبى فروة عن يحيى بن سعيد عن عدى بن ثابت عن البراء ، فقد اختلف فيه . قيل : رواية عبدالملك ومن معه عن يحي بن سعيد، أرجح من رواية حفص بن عياث ، لأنهم أتقن وأكثر، وأبعد عن الغلط ، ويحتمل أن يكون يحيى سمعه من أخيه ، فرواه كذلك ، ثم سمعه من عمر، ولهذا نظائر كثيرة ، وقد رواه عبد الله بن لهيعة عن عبد ربه بن سعيد عن أخيه يحيى بن سعيد عن عمر، فان كان يحي إنما سمعه من أخيه سعد فقد اتفقت فيه برواية الإخوة الثلاثة له ، بعضهم عن بعض . وأما حديث عبد ربه بن سعيد فذكره البيهقى ، وكذلك حديث عثمان بن عمرو الخزاعى. وبالجمله : فلم ينفرد به سعد، سلمنا انفراده، لكنه ثقة صدوق ، روى له مسلم ، وروى عنه شعبة وسفيان الثورى وابن عيينة وابن جريج وسليمان بن بلال ، وهؤلاء أئمة هذا الشأن . وقال أحمد : كان شعبة أمة وحده فى هذا الشأن ، قال عبد الله: يعنى فى الرجال وبصره بالحديث ، وتثبته ، وتنقيته للرجال . وقال محمد بن سعد: شعبة أول من فتش عن أمر المحدثين ، وجانب الضعفاء والمتروكين ، وصار علماً يقتدى به ، وتبعه عليه بعده أهل العراق . وأما ماذكرتم من تضعيف أحمد والترمذى والنسائى فصحيح. وأما ما نقلتم عن ابن حبان : فإنما قاله فى سعد بن سعيد بن أبى سعيد المقبرى ، وليس فى كتابه غيره، وأما سعد بن سعيد الأنصارى المدني: فإنما ذكره فى كتاب الثقات ، وقد قال أبو حاتم الرازى عن ابن معين: سعد بن سعيد صالح ، وقال محمد بن سعد: ثقة ، قليل الحديث ، وقال ابن أبى حاتم : سمعت أبى يقول : كان سعد بن سعيد مؤدياً ، يعنى أنه كان يحفظ ويؤدى ما سمع . وقال ابن عدى : له أحاديث صالحة ، تقرب من الاستقامة ، ولا أرى بحديثه بأساً مقدار ما يرويه ، ومثل هذا إنما ينفى ماينفرد به ، أو يخالف به الثقات ، فأما إذا لم ينفرد وروى ما رواه الناس فلا يطرح حديثه . سلمنا ضعفه، لكن مسلم إنما احتج بحديثه لأنه ظهر له أنه لم يخطىء فيه بقرائن ومتابعات - ٣١٢ - ولشواهد دلته على ذلك ، وإن كان قد عرف خطؤه فى غيره، فكون الرجل يخطىء فى شىء لا يمنع الاحتجاج به فيما ظهر أنه لم يخطىء فيه، وهكذا حكم كثير من الأحاديث التى خرجاها ، وفي إسنادها من تكلم فيه من جهة حفظه، فإنهما لم يخرجاها إلا وقد وجدا لها متابعا . وههنا دقيقة ينبغى التفطن لها، وهى أن الحديث الذي روياه أو أحدهما واحتجا برجاله أقوى من حديث احتجا برجاله، ولم يخرجاه ، فتصحيح الحديث أقوى من تصحيح السند . فإن قيل : فلم لا أخرجه البخارى ؟ قيل : هذا لا يلزم، لأنه رحمه الله لم يستوعب الصحيح ، وليس سعد بن سعيد من شرطه ، على أنه قد استشهد به فى صحيحه ، فقال فى كتاب الزكاة : وقال سليمان عن سعد بن سعيد عن عمارة بن غزية عن ابن عباس عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم « أحد جبل يحبنا ونحبه)). الاعتراض الثانى : أن هذا الحديث قد اختلف فى سنده على عمر بن ثابت . فرواه أبو عبد الرحمن المقرى عن سعيد عن عبد ربه بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبى أيوب موقوفاً ذكره النسائى ، وأخرجه أيضاً من حديث عثمان بن عمرو بن ساج عن عمر بن ثابت عن محمد بن المنكدر عن أبى أيوب ، وهذا يدل على أن طريق سعد بن سعيد غير متصلة، حيث لم يذكر محمد بن المنكدر بين عمر بن ثابت وأبى أيوب ، وقد رواه إسمعيل بن عياش عن محمد بن أبى حميد عن محمد بن المنكدر عن أبى أيوب . فدل على أن لرواية محمد بن المنكدر له عن أبى أيوب أصلا . ورواه أبو دواد الطيالسى عن ورقاء بن عمر اليشكرى عن سعد بن سعيد عن يحيى بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبى أيوب . وهذا الاختلاف يوجب ضعفه . والجواب : أن هذا لا يسقط الاحتجاج به ، أما رواية عبد ربه بن سعيد له موقوفا ، فإما أن يقال: الرفع زيادة . وإما أن يقال: هو مخالفة، وعلى التقديرين: فالترجيح حاصل بالكثرة والحفظ ، فإن صفوان بن سليم ويحيى بن سعيد - وهما إمامان جليلان - وسعد بن سعيد - وهو ثقة محتج به فى الصحيح - اتفقوا على رفعه، وهم أكثر وأحفظ ، على أن المقبرى لم يتفق عنه على وقفه، بل قد رواه أحمد بن يوسف السلمى شيخ مسلم ، وعقيل بن يحي جميعاً عنه عن شعبة عن عبد ربه بن سعيد عن عمر بن ثابت عن أبى أيوب مرفوعا وذكره ابن منده ، وهو إسناد صحيح موافق لرواية الجماعة ، ومقو لحديث صفوان بن سليم وسعد بن سعيد . وأيضاً فقد رواه محمد بن جعفر غندر عن شعبة عن ورقاء عن سعد بن سعيد مرفوعاً ، كرواية الجماعة ، وغندر أصح الناس حديثاً فى شعبة ، حتى قال على بن المدينى: هو أحب إلى - ٣١٣ - من عبد الرحمن بن مهدی فی شعبة ، فمن یکون مقدماً علی عبد الرحمن بن مهدی فی حدیث شعبة يكون قوله أولى من المقبرى . وأما حديث عثمان بن عمرو بن ساج : فقال أبو القاسم بن عساكر فى أطرافه ، عقب روايتها : هذا خطأ ، والصواب : عن عمر بن ثابت عن أبى أيوب، من غير ذكر محمد المنكدر ، وقد قال أبو حاتم الرازى : عثمان والوليد ابنا عمرو بن ساج ، يكتب حديثهما ولا يحتج به ، وقال النسائى: رأيت عنده كتباً فى غير هذا . فإذا أحاديث شبه أحاديث محمد بن أبى حميد ، فلا أدرى : أكان سماعه من محمد أم من أولئك المشيخة ؟ فان كانت تلك الأحاديث أحاديثه عن أولئك المشيخة ولم يكن سمعه من محمد فهو ضعيف . وأما رواية اسمعيل بن عياش له عن محمد بن حميد : فإسمعيل بن عياش ضعيف فى الحجازیین ومحمد بن حميد متفق على ضعفه ونكارة حديثه ، وكأن ابن ساج سرق هذه الرواية من محمد بن حميد، والغلط فى زيادة محمد بن المنكدر منه. والله أعلم ، وأما رواية أبى داود الطيالسى: فمن رواية عبد الله بن عمران الأصبهانى عنه ، قال ابن حبان : کان یغرب ، وخالفه يونس بن حبيب ، فرواه عن أبى داود عن ورقاء بن عمر عن سعد بن سعيد عن عمر بن ثابت ، موافقة لرواية الجماعة . فإن قيل: فالحديث - بعد هذا كله - مداره على عمر بن ثابت الأنصارى، لم يروه عن أبى أيوب غيره ، فهو شاذ ، فلا يحتج به ؟ . قيل : ليس هذا من الشاذ الذى لا يحتج به ، وكثير من أحاديث الصحيحين بهذه المثابة . كديث ((الأعمال بالنيات)) تفرد علقمة بن وقاص به، وتفرد محمد بن إبراهيم التيمى به عنه، وتفرد يحيى بن سعيد به عن التيمى . وقال يونس بن عبد الأعلى: قال لى الشافعى: ليس الشاذ أن يروى الثقة مالا يروى غيره ، إنما الشاذ : أن يروى الثقة حديثاً يخالف ماروى الناس . وأيضاً فليس هذا الأصل مما تفرد به عمر بن ثابت ، لرواية ثوبان وغيره له عن النبى صلى اله عليه وسلم ، وقد ترجم ابن حبان على ذلك فى صحيحه ، فقال - بعد إخراجه حديث عمر بن ثابت -: ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر تفرد به عمر بن ثابت عن أبي أيوب ، وذكر حديث ثوبان من رواية هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عن يحي بن الحرث الذمارى عن أبى أسماء الرحبى عن ثوبان ، ورواه ابن ماجة . ولكن لهذا الحديث علة ، وهى أن أسد بن موسى رواه عن الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عن يحيى بن الحرث به . والوليد مدلس ، وقد عنعنه ، فلعله وصله مرة ، ودلسه أخرى. وقد رواه النسائى من حديث يحيى بن حمزة ومحمد بن شعيب بن سابور ، وكلاهما عن يحي بن - ٣١٤ - الحرث الذمارى به . ورواه أحمد فى المسند عن أبى اليمان عن إسمعيل بن عياش ، عن يحيى بن الحرث به ، وقد صحح الحديث أبو حاتم الرازى ، وإسمعيل إذا روى عن الشاميين حديثه صحيح، وهذا إسناد شامى . الاعتراض الثالث : أن هذا الحديث غير معمول به عند أهل العلم . قال مالك فى الموطأ : ولم أر أحداً من أهل العلم والفقه يصومها ، ولم يبلغنى ذلك عن أحد من السلف ، وإن أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته ، وأن يلحق برمضان ماليس منه أهل الجهالة والجفاء ، لو رأوا فى ذلك رخصة عن أهل العلم، ورأوهم يعملون ذلك، تم كلامه ، قال الحافظ أبو محمد المنذرى : والذى خشى منه مالك قد وقع بالعجم ، فصاروا يتركون المسحرين على عادتهم والنواقيس وشعائر رمضان إلى آخر الستة الأيام ، حينئذ يظهرون شعائر العيد . ويؤيد هذا ما رواه أبو داود فى قصة الرجل الذى دخل المسجد وصلى الفرض ، ثم قام يتنفل ، فقام إليه عمر ، وقال له (( اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك ، فيهذا هلك من كان قبلنا ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أصاب الله بك يا ابن الخطاب)). قالوا : فمقصود عمر : أن اتصال الفرض بالنفل إذا حصل معه التمادى وطال الزمن ظن الجهال أن ذلك من الفرض ، كما قد شاع عند كثير من العامة : أن صبح يوم الجمعة خمس سجدات ولا بد ، فإذا تركوا قراءة ( الم تنزيل ) قرأوا غيرها من سور السجدات ، بل نهى عن الصوم بعد انتصاف شعبان حماية لرمضان أن يخلط به صوم غيره ، فكيف بما يضاف إليه بعده ؟ ٠ فيقال : الكلام هنا فى مقامين : أحدهما : فى صوم ستة من شوال، من حيث الجملة . والثانى : فى وصلها به . أما الأول فقولك : إن الحديث غير معمول به : فباطل ، وكون أهل المدينة فى زمن مالك لم يعملوا به لا يوجب ترك الأمة كلهم له ، وقد عمل به أحمد والشافعى وابن المبارك وغيرهم . قال ابن عبد البر: لم يبلغ مالكاً حديث أبى أيوب، على أنه حديث مدنى ، والإحاطة بعلم الخاصة لا سبيل إليه، والذى كرهه مالك قد بينه وأوضحه : خشية أن يضاف إلى فرض رمضان ، وأن يسبق ذلك إلى العامة ، وكان متحفظاً كثير الاحتياط للدين ، وأما صوم الستة الأيام على طلب الفضل ، وعلى التأويل الذى جاء به ثوبان ، فإن مالكاً لا يكره ذلك إن شاء الله ، لأن الصوم جنة ، وفضله معلوم : يدع طعامه وشرابه لله ، وهو عمل بر وخير ، وقد قال تعالى (٢٢: ٥٧ وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) ومالك لا يجهل شيئاً من هذا، ولم يكره من ذلك إلا ما خافه على أهل الجهالة والجفاء إذا استمر ذلك ، وخشنى أن يعد من فرائض الصيام ، مضافاً إلى رمضان، وما أظن مالكاً جهل الحديث ، لأنه حدیث مدنى انفرد به عمر - ٣١٥ - بن ثابت ، وأظن عمر بن ثابت لم يكن عنده ممن يعتمد عليه، وقد ترك مالك الاحتجاج ببعض ما رواه عمر بن ثابت . وقيل: إنه روى عنه، ولولا علمه به ما أنكر بعض شيوخه ، إذ لم يثق بحفظه لبعض ما يرويه ، وقد يمكن أن يكون جهل الحديث ، ولو علمه لقال به ، هذا. كلامه . ٠ وقال القاضى عياض: أخذ بهذا الحديث جماعة من العلماء . وروى عن مالك وغيره كراهية ذلك، ولعل مالكاً إنما كره صومها على ما قال فى الموطأ : أن يعتقد من يصومه أنه. فرض ، وأما على الوجه الذى أراده النبي صلى الله عليه وسلم جائز . وأما المقام الثانى : فلا ريب أنه متى كان فى وصلها برمضان مثل هذا المحذور كره أشد الكراهة ، وحمى الفرض أن يخلط به ماليس منه، ويصومها في وسط الشهر أو آخره ، وما ذكروه من المحذور فدفعه والتحرز منه واجب ، وهو من قواعد الإسلام . فأن قيل : الزيادة فى الصوم إنما يخاف منها لو لم يفصل بين ذلك بفطر يوم العيد ، فأما وقد تخلل فطر يوم العيد فلا محذور . وهذا جواب أبى حامد الاسفراينى وغيره . قيل : فطر العيد لا يؤثر عند الجهلة فى دفع هذه المفسدة . لأنه لما كان واجباً فقد يرونه كفطر يوم الحيض ، لا يقطع التتابع واتصال الصوم ، فبكل حال ينبغى تجنب صومها عقب رمضان إذا لم تؤمن معه هذا المفسدة . والله أعلم . فصل فإن قيل: لم قال ((ست)) والأيام مذكرة، فالأصل أن يقال ((ستة)) كما قال الله تعالى (٦٩: ٧ سبع ليال وثمانية أيام) وهل لشوال بخصوصه مزية على غيره فى ذلك، أم لا؟ وهل المست خصوصية على مادونها وأكثر منها ، أم لا؟ وكيف شبه من فعل ذلك بصيام الدهر ، فيكون العمل اليسير مشبهاً بالعمل الكثير ومن جنسه ؟ ومعلوم أن من عمل عملاً وعمل الآخر بقدره مرتين لا يستويان ، فكيف يكون بقدره عشر مرات ؟ وهل فرق بين قوله ((فكأنما صام الدهر)) وبين أن يقال: فكأنه قد صام الدهر ؟ وهل يدل الحديث على استحباب صيام الدهر ، لأجل هذا التشبيه ، أم لا ؟ . " فالجواب: أما قوله ((ست)) ولم يقل ((ستة)) فالعرب إذا عدت الليالى والأيام فانها تغلب الليالى إذا لم تضف العدد إلى الأيام ، فمتى أروادوا عد الأيام عدوا الليالى ، ومرادهم الأيام . قال تعالى (٢: ٢٣٤ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً) قال الزمخشرى: ولو قيل ((وعشرة)) لكان لحناً. وقال تعالى (٢٠: ١٠٣ - ٣١٦ - يتخافتون بينهم إن ليتتم إلا عشراً ) فهذه أيام ، بدليل قوله تعالى بعدها ( إذ يقول أمثلهم طريفة : إن لبنتم إلا يوماً ) فدل الكلام الأخير على أن المعدود الأول أيام، وأما قوله تعالى (سبع ليال وثمانية أيام) فلا تغليب هناك، لذكر النوعين وإضافة كل عدد إلى نوعه .. وأما السؤال الثانى، وهو اختصاص شوال : ففيه طريقان . أحدهما : ان المراد به الرفق بالمكلف ، لأنه حديث عهد بالصوم ، فيكون أسهل عليه، ففى ذكر شوال تنبيه على أن صومها فى غيره أفضل، هذا الذى حكاه الفرافى من المالكية ، وهو غريب عجيب . الطريق الثانى: أن المقصود به المبادرة بالعمل ، وانتهاز الفرصة ، خشية الفوات . قال تعالى (٢: ١٤٨ فاستبقوا الخيرات) وقال (٣:"١٣٣ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) وهذا تعليل طائفة من الشافعية وغيرهم . قالوا : ولا يلزم أن يعطى هذا الفضل لمن صامها فى غيره ، لفوات مصلحة المبادرة والمسارعة المحبوبة له . قالوا : وظاهر الحديث مع هذا القول . ومن ساعده الظاهر فقوله أولى. ولا ريب أنه لا يمكن إلغاء خصوصية شوال ، وإلا لم يكن لذكره فائدة . وقال آخرون : لما كان صوم رمضان لابد أن يقع فيه نوع تقصير وتفريط ، وهضم من حقه وواجبه ندب إلى صوم ستة أيام من شوال ، جابرة له ، ومسددة لخلل ما عساه أن يقع فيه . جرت هذه الأيام مجرى سنن الصلوات التى يتنفل بها بعدها جابرة ومكملة، وعلى هذا : تظهر فائدة اختصاصها بشوال ، والله أعلم . فهذه ثلاث مآخذ . وسوى هذا جواب السؤال الثالث: وهو إختصاصها بهذا العدد، دون ماهو أقل وأكثر فقد أشار فى الحديث إلى حكمته ، فقال في حديث أبى هريرة « من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها فثلاثين بثلاثمائة ، وستة بستين ، وقد صام السنة )) وكذلك فى حديث ثوبان ولفظه « من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة ، من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها )) لفظ ابن ماجة. وأخرجه صاحب المختارة . ولفظ النسائي فيه (( صيام رمضان بعشرة أشهر ، وصيام ستة أيام بشهرين . فذلك صيام سنة)) يعنى صيام رمضان وستة أيام بعده ، فهذه هى الحكمة فى كونها ستة . وأما ما ذكره بعضهم من أن الستة عدد تام ، فإنها إذا جمعته أجزاؤها قام منها عدد السنة. فإن أجزاءها النصف والثلث والسدس، ويكمل بها ، بخلاف الأربعة والإثنى عشر وغيرهما، فهذا لا يحسن ، ولا يليق أن يذكر فى أحكام الله ورسوله . وينبغى أن يصان الدين عن التعليل بأمثاله . - ٣١٧ - وأما السؤال الرابع: وهو تشبيه هذا الصيام بصيام الدهر ، مع كونه بقدره عشر مرات: نفقد أشكل هذا على كثير من الناس . وقيل فى جوابه : المعنى : أن من صام رمضان وستة من شوال من هذه الأمة فهو كمن صام السنة من الأمم المتقدمة . قالوا : لأن تضعيف الحسنات إلى عشر أمثالها من خصائص هذه الأمة . وأحسن من هدا أن يقال : العمل له بالنسبة إلى الجزاء اعتباران: اعتبار المقابلة والمساواة وهو الواحد بمثله ، واعتبار الزيادة والفضل ، وهو المضاعفة إلى العشر ، فالتشبيه وقع بين العمل المضاعف ثوابه، وبين العمل الذى يستحق به مثله، ونظير هذا: قوله صلى الله عليه وسلم ((من صلى عشاء الآخرة فى جماعة فكأنما قام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر فى جماعة فكأنما قام ليلة )). أما السؤال الخامس ، وهو الفرق بين أن يقول ((فكأنما قد صام الدهر)) وبين قوله (فكانما صام الدهر)): هو أن المقصود تشبيه الصيام بالصيام. ولو قال: فكأنه قد ضام الدهر ، لكان بعيداً عن المقصود، فإنه حينئذ يكون تشبيهاً للصائم بالصائم . فمحل التشبيه هو الصوم ، لا الصائم، ويجىء الفاعل لزوماً، ولو شبه الصائم لكان هو محل التشبيه، ويكون مجىء الصوم لزوماً ، وإنما كان قصد تشبيه الصوم أبلغ وأحسن لتضمنه تنبيه السامع على قدر الفعل وعظمه وكثرة ثوابه ، فتتوفر رغبته فيه . وأما السؤال السادس - وهو الاستدلال به على استحباب صيام الدهر - فقد استدل به طائفة ممن يرى ذلك . قالوا : ولو كان صوم الدهر مكروهاً لما وقع التشبيهبه ، بل هذا يدل على أنه أفضل الصيام . وهذا الاستدلال فاسد جداً من وجوه . أحدها : أن فى الحديث نفسه: أن وجه التشبيه: هو أن الحسنة بعشر أمثالها ، فستة .وثلاثون يوماً بسنة كاملة ، ومعلوم قطعاً أن صوم السنة الكاملة حرام بلا ريب . والتشبيه لا يتم إلا بدخول العيدين وأيام التشريق فى السنة، وصومها حرام، فعلم أن التشبيه المذكور لا يدل على جواز وقوع المشبه به، فضلاً عن استحبابه، فضلاً عن أن يكون أفضل من غيره . .ونظير هذا : قول النبى صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن عمل يعدل الجهاد؟ فقال ((لا تستطيعه. هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تقوم فلا تفتر ، وتصوم فلا تفطر ؟ قال : لا . قال : فذلك مثل المجاهد)) ومعلوم أن هذا المشبه به غير مقدور ولا مشروع . فإن قيل: يحمل قوله ((فكأنما صام الدهر)) على ما عدا الأيام المنهى عن صومها. - ٣.١٨ - كيف كان يصوم النبي صلى الله عليه وسلم؟ (٢: ٣٠٠) ٢٣٢٤ - عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أنها قالت (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ، حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم ، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قطً، إلا رمضان، وما رأيته فى شهر أ كثرَ صياماً منه فى شعبان )) . وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى . قيل : كان يكثر الصيام فى شعبان لأنه صلى الله عليه وسلم كان يلتزم صوم ثلاثة أيام من كل شهر . فربما شُغل عن الصيام أشهراً ، فيجمع ذلك كله فى شعبان ، ليدركه قبل قيل : تعليله صلى الله عليه وسلم حكمة هذه المقابلة، وذكره الحسنة بعشر أمثالها ، وتوزيع الستة والثلاثين يوماً على أيام السنة : يبطل هذا الحمل . الثانى : أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عمن صام الدهر، فقال «لاصام ولا أفطر» وفى لفظ ((لا صام من صام الأبد )) فإذا كان هذا حال صيام الدهر فكيف يكون أفضل الصيام ؟ الثالث : أن النبى صلى الله عليه وسلم ثبت عنه فى الصحيحين أنه قال (أفضل الصيام صيام دواد)) وفى لفظ ((لا أفضل من صوم دواد: كان يصوم يوماً ويفطر يوماً ) فهذا النص الصحيح الصريح الرافع لكل إشكال، يبين أن صوم يوم وفطر يوم أفضل من سرد الصوم . مع أنه أكثر عملا. وهذا يدل على أنه مكروه ، لأنه إذا كان الفطر أفضل منه لم يمكن أن يقال بإباحته واستواء طرفيه. فإن العبارة لا تكون مستوية الطرفين ، ولا يمكن أن يقال : هو أفضل من الفطر ، بشهادة النص له بالإبطال ، فتعين أن يكون مرجوحاً . وهذا بين لكل منصف . ولله الحمد . ٢٣٢٤ - قال الحافظ شمس الدين : وفى صومه صلى الله عليه وسلم شعبان أكثر من غيره ثلاث معان : أحدها : أنه كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ، فربما شغل عن الصيام أشهراً، لجمع ذلك فى شعبان ، ليدركه قبل صيام الفرض . الثانى: أنه فعل ذلك تعظما لرمضان ، وهذا الصوم يشبه سنة فرض الصلاة قبلها تعظما لحقها الثالث: أنه شهر ترفع فيه الأعمال ، فأحب صلى الله عليه وسلم أن يرفع عمله وهو صائم . - ٣١٩ - ٠٠ صيام الفرض . وقيل : فعل ذلك لفضل رمضان وتعظيمه. وقيل: بل لما جاء ( أنه ترفع فيه الأعمال)) وقد قال صلى الله عليه وسلم ((فأحب أن يرفع عملى وأنا صائم)). ٢٣٢٥ - وعن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم، بمعناه، زاد ((كان يصومه إلا قليلا ، بل كان يصومه كله )) . وهذه الزيادة: أخرجها مسلم فى صحيحه. وفى البخارى أيضاً ((وكان يصوم شعبان كله)) وهذه الزيادة أخرجها مسلم فى صحيحه . وقوله ((كان يصومه إلا قليلا، بل كان يصومه كله )) قيل: معناه أكمله مرة، ومرة لم يكمله . فقيل: يصومه كله، أى يصوم فى أوله ووسطه وآخره ، لا يخص شيئاً منه ولا يعمه بصيامه . وقيل: ليس على ظاهره . وإنما المراد: أكثره لا جميعه. وعبر بالكل عن الغالب والأكثر . ١ فى صوم الاثنين والخميس [٢: ٣٠٠ ٢٣٢٦ - عن مولى قدامة بن مظعون، عن مولى أسامة بن زيد، (( أنه انطلق مع أسامة إلى وادى القُرى في طلب مالٍ له ، فكان يصوم الاثنين والخميس ، فقال له مولاه : لم تصوم يوم الاثنين ويوم الخميس، وأنت شيخ كبير؟ فقال: إن نىّ الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم الاثنين ، ويوم الخميس ، وسئل عن ذلك ؟ فقال: إنَّ أعمال العباد تُعْرِضُ يوم الاثنين ويوم الخميس)). ٢٣٢٦ - قال الشيخ ابن القيم : وأخرج النسائى من حديث المسيب بن رافع عن سواد الخزاعى عن عائشة قالت (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم الإثنين والخميس)) وأخرج عن المسيب عن حفصة قالت (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم الإثنين والخميس» وفى صحيح مسلم من حديث أبى قتادة قال (( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام الإثنين؟ فقال: ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت، أو أنزل على فيه)) وفيه من رواية شعبة ((وسئل عن صوم الإثنين والخميس؟)) قال مسلم: فسكتنا عن ذكر الخميس لما نراه وهما . - ٣٢٠ - وأخرجه النسائى . وفى إسناده: رجلان مجهولان. وقد أخرج النسائى من حديث أبى سعيد كَيْسان المقبرى. قال: حدثنى أسامة بن زيد قال: (( قلت: يارسول الله، إنك تصوم ، حتى لا تكاد تُطر ، وتفطر، حتى لا تكاد تصوم ، إلا يومين إن دخلا في صيامك ، وإلا صمتهما؟ قال: وأى يومين ؟ قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس . قال: ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، فأبُ أن يعرض عملى وأنا صائم)). وهو حديث حسن . وأخرج الترمذى والنسائى وابن ماجة من حديث ربيعة الجرْشى . عن عائشة قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى صوم الاثنين والخميس)) وقال الترمذى : حديث عائشة حديث حسن غريب من هذا الوجه . فى صوم العشر [٢: ٣٠٠] ٢٣٢٧ - عن هنيدة بن خالد، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. قالت: (( كان النبى صلى الله عليه وسلم يصوم تَسعَ ذى الحِجَّة، ويومَ عاشوراء، وثلاثةً أيام من كل شهر: أولَ اثنين من الشهر، والخميس)). وأخرجه النسائى . واختلف على هنيدة بن خالد فى إسناده . فروى عنه ، كما أوردناه. وروى عنه عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم . وروى عنه عن أمه عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم مختصراً . ٢٣٢٨ - وعن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مامِنْ أَيامٍ العَمَلُ الصالح فيها أحبُ إلى الله من هذه الأيام . يعني أيام العشر ، قالوا : يارسول الله، ٢٣٢٧ - قال الشيخ ابن القيم رحمه الله: وفى مسند أحمد وسين النسائى عن حفصة قالت ((أربع لم يكن يدعهن رسول الله صلى الله عليه وسلم: صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، والركعتين قبل الغداة)» وفى مسند أحمد أيضاً: عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم (( مامن أيام أعظم عند الله، ولا أحب إليه العمل فيهن، من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد)).