Indexed OCR Text

Pages 121-140

- ١٢١ -
امرأة من مُزَيْنَةَ ، فجاءت النبى صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما يُغْنِى عَنِى إلا كما تغنى
هذه الشعرة ، لشعرة أخذتها من رأسها ، فَرِّقْ بينى وبينه، فأخذت النبيَّ صلى الله عليه
وسلم ◌َميَّةٌ، فدعا برُ كَانَةَ وإخوته، ثم قال لجلسائه: أَثْرَوْنَ فلاناً يشبه منه كذا وكذا ،
من عبديزيد ، وفلاناً منه كذا وكذا؟ قالوا: نعم، قال النبى صلى الله عليه وسلم لعبد يزيد :
طَلِقِها، ففعل، ثم قال: راجع امرأتك أمَّ ركانة وإخوته، فقال: إنى طلقتها ثلاثاً
يا رسول الله، قال: قَدْ عَلَمْتُ، رَاجِعْها)) وتلا (٦٥: ١ يا أيها النبى إذا طلقتم النساء
فطلقوهن لعدتهن).
أبى رافع ، ولم يسته ، والمجهول لا يقوم به الحجة .
وقد روى أبو داود هذا الحديث بإسناد أجود منه: (( أن ركانة طلق امرأته البتة،
فأخبر النبى صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أردت إلا
واحدة ؟ فقال ركانة : والله ما أردت إلا واحدة ، فردها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فطلقها الثانية فى زمان عمر ، والثالثة فى زمان عثمان رضى الله عنهما )).
[ ثم ساق الخطابى حديث نافع بن عجير - الآتى ٢١٢٠].
ركانة بن عبيد طلق امرأته سهمة البتة ، فأخبر بذلك النى صلى الله عليه وسلم وقال : والله
ما أردت إلا واحدة ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: والله ما أردت إلا واحدة ؟ فقال ركانة:
والله ما أردت إلا واحدة، فردها إليه رسول الله صلي الله عليه وسلم ، فطلقها الثانية فى زمن
عمر رضى الله عنه، والثالثة فى زمن عثمان رضى الله عنه)) قال أبو داود: وهذا أصح من
حديث ابن جريج، يعنى الحديث الذى قبل هذا . تم كلامه . وهذا هو الحديث الذى ضعفه
الإمام أحمد ، والناس ، فإنه من رواية عبد الله بن على بن السائب عن نافع بن عجير عن ركانة ،
ومن رواية الزبير بن سعيد عن عبد الله بن على بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده ، وكلهم
ضعفاء، والزبير أضعفهم ، وضعف البخارى أيضاً هذا الحديث ، قال : علىبن يزيد بن ركانة عن
أبيه : لم يصح حديثه .
وأما قول أبى داود إنه أصح من حديث ابن جريج، فلأن ابن جريح رواه عن بعض بن رافع
مولى النبى صلى الله عليه وسلم عن عكرمة عن ابن عباس، ولأبى رافع بنون ليس فيهم من يحتج

- ١٢٢ -
قال أبو داود : وحديث نافع بن مُجير، وعبدِ الله بن على بن يزيد بن ركانة عن أبيه
عن جده: (( أن ركانة طلق امرأته، فردها إليه النبى صلى الله عليه وسلم)) أصح ، لأنهم
ولدُ الرجل، وأهله أعلم به، أن ركانة إنما طلق امرأته البتةَ، فجعلها النبى صلى الله عليه
(١)
وسلم واحدة(١) .
وقال الخطابى : فى إسناد هذا الحديث مقال ، لأن ابن جريج إنما رواه عن بعض بني
أبى رافع ، ولم يسمه ، والمجهول لا تقوم به الحجة. وحكى أيضاً أن الإمام أحمد بن حنبل
كان يضعف طرق هذا الحديث كلها .
قال الشيخ : قد يحتمل أن يكون حديث ابن جريج إنما رواه الراوى على المعنى دون
اللفظ، وذلك أن الناس قد اختلفوا فى ((البتة)»، فقال بعضهم: هى ثلاثة ، وقال بعضهم:
هى واحدة. وكأن الراوى له ممن يذهب مذهب الثلاث، فحكى أنه قال ((إنى طلقتها
ثلاثاً)) بريد البتة، التى حكمها عنده حكم الثلاث . والله أعلم
وكان أحمد بن حنبل يضعف طرق هذه الأحاديث كلها .
به إلا عبيد اللّه بن رافع، ولا نعلم هل هو هذا أو غيره؟ ولهذا - والله أعلم - رجح أبو داود
حديث نافع بن عجير عليه، ولكن قد رواه الإمام أحمد فى مسنده ، من حديث ابن اسحق
حدثنى داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس . وهذا أصح من حديث نافع بن عجير ،
ومن حديث ابن جريج. وقد صحح الإمام أحمد هذا السند فى قصة رد زينب ابنة رسول الله
صلى الله عليه وسلم على أبي العاص بن الربيع، وقال: الصحيح حديث ابن عباس ((أن رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم ردها على أبى العاص بالنكاح الأول))، وهو بهذا الإسناد بعينه من رواية
ابن اسحق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس . وهكذا ذكر الثورى والدار قطنى
أن رواية ابن اسحق هى الصواب ، وحكموا له على رواية حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم ردها عليه بنكاح جديد))، وحجاج بن أرطاة
أعرف من نافع بن عجير ومن معه .
وبالجملة فأبو داود لم يتعرض لحديث محمد بن إسحق ولا ذكره . والله أعلم .
(١) أبو داود روى أصل الحديث من طريق فيه راو مبهم «بعض بنى أبى رافع عن عكرمة))، ثم
رجح عليه ما ذكره هنا . ولكن الحديث رواه أحمد في المسند ٢٣٨٧ باسناد آخر صحيح متصل ، من
أحمد محمد شاكر
طريق داود بن الحصين عن عكرمة .

- ١٢٣ -
٢١١١ - وعن مجاهد قال: ((كنتُ عند ابن عباس نجاءه رجل فقال: إنه طلَّقّ امرأته
ثلاثاً؟ قال: فسكت ، حتى ظننتُ أنه رادُّهَا إليه ، ثم قال: ينطلق أحدكم فَيَرْ كَبْ
الحَموقة(١) ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس !! وإن الله قال (٦٥: ٣ ومَنْ يَتَّقِ الله
يجعل له مخرجاً ) وإنك لم تَتَّقِ الله، فلا أجد لك مخرجاً، عَصَيْتَ رَبَّكَ، وبَانَتْ منك
امْرَأَنُكَ، وإن الله قال (٦٦: ١ ياأيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن) فى قبلٍ عدتهن)).
هکذا وقع فى رواية أبى داود ، وقد روىعن مجاهد عن ابن عباس : (أنه سئل عن رجل
طلق امرأته مائة تطليقة ؟ قال : عصيت ربك ، وبانت منك امرأتك، لم تتق الله فيجعلَ
لك مخرجاً ، ثم قرأ (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن فى قبل عدتهن))). وروى عن
سعيد عن ابن عباس: (( فى رجل طلق امرأته ألفاً؟ قال : أماثلاث فتحرم عليك امرأتك ،
وبقيّهن عليك وزر ، اتخذت آيات الله هزواً)). قال البيهقى: ففى هذا دلالة على أنه جعل
الوزر فيما فوق الثلاثة . والله أعلم. وذكر أن الإمام الشافعى رواه من حديث عطاء بن
أبى رباح عن ابن عباس فى مائة، قال: ((وسبع وتسعون اتخذتَ آيات الله هزواً)) . وقال :
قال الشافعى: فعاب عليه ابن عباس كلَّ ما زاد فى عدد الطلاق الذى لم يجعله الله إليه ، ولم
يَعِبْ ما جعله الله إليه من الثلاث .
وساق أبو داود عدة طرق عن ابن عباس فى الطلاق الثلاث أنه أجازها ، قال :
((وبانت منك))، وذكر عن ابن عباس: ((إذا قال: أنت طالق ثلاثاً بفَم واحد ، فهى
واحدة)) وذكر أنه روى عن عكرمة قولَه. لم يذكر ابن عباس.
٢١١٢ - وعن محمد بن إياس : أن ابن عباس وأبا هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص سُئلوا
عن البكر يطلقها زوجها ثلاثاً؟ فكلّهم قال : لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره .
٢١١٣ - وعن طاوس: ((أن رجلاً يقال له أبو الصَّهباء كان كثير السؤال لابن عباس، قال:
٢١١٣ - قال الشيخ: وهذا تأويل ثالث، وهو أن ذلك إنما جاء فى طلاق غير المدخول
(١) الحموقة، بفتح الحاء، قال ابن الأثير: ((هى فعولة من الحمق، أى ذات حمق . وحقيقة الحمق:
وضع الشىء فى غير موضعه، مع العلم بقبحه)).

- ١٢٤ -
أما علمتَ أن الرجلَ كان إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدةً على عهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وصَدْرًا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلى ، كان
الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأبى بكر وصدراً من إمارة عمر ، فلما رأى الناسَ - يعنى عمر - قد تتايعوا فيها
قال: أجِيزُوهُنَّ عليهم )» .
الرواة عن طاوس مجاهيل .
٢١١٤ - وعن طاوس: ((أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاث
بها، وقد ذهب إلى هذا الرأى جماعة من أصحاب ابن عباس ، منهم سعيد بن جبير
وطاوس وأبو الشعثاء وعطاء وعمرو بن دينار ، وقالوا: من طلق البكر ثلاثاً فهى واحدة.
وعامة أهل العلم على خلاف قولهم .
وقال ربيعة بن أبى عبد الرحمن وابن أبى ليلى والأوزاعى والليث بن سعد ومالك
بن أنس ، فيمن تابع بين كلامه ، فقال لامرأته التى لم يدخل بها : أنت طالق، أنت طالق
أنت طالق، ثلاثاً: لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره ، غير أن مالكاً قال: إذا لم يكن
له نية ، وقال سفيان الثورى وأصحاب الرأى والشافعى وأحمد وإسحق : تبين بالأولى ،
ولا حكم لما بعدها .
٢١١٤ - قال الشيخ : اختلف الناس فى تأويل ماروى من هذا عن ابن عباس.
فقال بعضهم : قد كان هذا فى الصدر الأول ثم نسخ .
قال الشيخ: وهذا لا وجه له ، لأن النسخ إنما يكون فى زمان النبى صلى الله عليه وسلم
١٤ ٢١ - قال الشيخ الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله: قال البيهقى: هذا الحديث أحد
ما اختلف فيه البخاري ومسلم ، فأخرجه مسلم وتركه البخارى، وأظنه إنما تركه لمخالفته سائر
الروايات عن ابن عباس - وساق الروايات عنه - ثم قال: فهذه رواية سعيد بن جبير وعطاء بن
أبى رباح ومجاهد وعكرمة وعمربن دينار ومالك بن الحارث ومحمد بن إياس بن البكير، ورويناه

-- ١٢٥ -
"تجعل واحدة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبى بكر، وثلاثاً من إمارة عمر؟ قال
والوحى غير منقطع . فأما فى زمان عمر رضى الله عنه فلا معنى للنسخ ، وقد استقرت أحكام
الشريعة وانقطع الوحى، وإنما هو زمان الاجتهاد والرأى فيما لم يبلغهم عن النبى صلى الله
عليه وسلم نص وتوقيف ، وحدثنى الحسن بن يحيى عن ابن المنذر ، وروى هذا الحديث ،
ثم روى عن ابن عبد الحكم عن ابن وهب عن سفيان الثورى عن عمرو بن مرة عن سعيد
بن جبير عن ابن عباس «أنه قال لرجل طلق امرأته ثلاثاً: حرمت عليك)) قال ابن المنذر:
فغير جائز أن يظن بابن عباس أن يحفظ عن النبى صلى الله عليه وسلم شيئاً ثم يفتى بخلافه .
عن معاوية بن أبى عياش الأنصاري ، كلهم عن ابن عباس ، أنه أجاز الثلاث وأمضاهن : قال
ابن المنذر : فغير جائز أن نظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبى صلى الله عليه وسلم شيئاً ، ثم
يفتى خلافه(١).
وقال الشافعى: فان كان ، يعنى قول ابن عباس ((إن الثلاث كانت تحتسب على عهد رسول
الله صلى الله عليه وسلم واحدة))، يعنى أنه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالذى يشبه
-- والله أعلم- أن يكون ابن عباس قد علم أن كان شىء فنسخ.
(١) كلام البيهقى هو فى السنن الكبرى ٧: ٣٣٧ - ٣٣٨، وهذا نوع عجيب من التعليل
والاستدلال !! فان حديثاً يخرجه مسلم ولا يخرجه البخارى ، لا يجعل أنه من الأحاديث التى اختلف فيها
الشيخان ، فما زعم أحد قط أن كلا منهما عرض صحيحه على صاحبه ، ثم اختلفا أو اتفقا فيما أخرجا ! ! بل
ألف كل منهما صحيحه ، وما التزم واحد منهما أن يخرج كل الصحيح عنده وفى رأيه ، حتى يظن أن عدم
إخراج واحد منهما حديثاً بعينه تعليل له . وما أظن أن أحداً يفقه الحديث وأسانيده وعلله مستطيع أن
يدعى هذا !! وكثير من التراجم، أى الأحاديث التى رويت باسناد واحد، كصحيفة همام بن منبه مثلا،
أخرج كل واحد منهما أحاديث منها ، وترك كل واحد منهما أحاديث، وتركا معاً أحاديث ، ولم يكن هذا
سبباً - عند أهل المعرفة بالأسانيد والعلل - سبباً لتعليل ما تركا، أو ترك أحدهما. وأظن أن هذا
بديهى لا يخالف فيه أهل العلم بالسنة ، بل هو منصوص بمعناه فى كتب علوم الحديث (المصطلح ) . وأما
أنه ((غير جائز أن نظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبى صلى الله عليه وسلم شيئاً ويفتى بخلافه)) فانها
دعوى عريضة ، يستدل بها كثيراً أهل الرأى ، حين يريدون أن يخرجوا على الحديث الصحيح الثابت ،
ويردوه ويعرضوا عنه . وهذا الذى يرى البيهقى أنه غير جائز أن يظنه بابن عباس ، شىء ثابت عن ابن عباس
وعن غيره من الصحابة فى مسائل كثيرة ، وقد حققه علماء الحديث وعلماء الأصول ، واختلفوا فيه .
والراجح عند أهلى العلم ، وعند متبعى لحلديث: ترجيح رواية الصحابى أو التابعى على رأيه ، لأنا أمرنا
أن نتبع رواية الثقة ونأخذ بها. وما أمرنا قط أن هلد الثقة فى رأيه ، أيا كان، صحابيا أو غيره. وهذا
عندنا شىء بديهى، لا يصلح أن يكون موضع خلاف . والله أعلم .
أحمد محمد شاكر

- ١٢٦ -
ابن عباس: نعم )) .
قال الشيخ : ويشبه أن يكون معنى الحديث منصرفاً إلى طلاق البتة، لأنه قد روى
عن النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث ركانة (( أنه جعل البتة واحدة))، وكان عمر بن
الخطاب رضى الله عنه يراها واحدة ، ثم تتابع الناس فى ذلك ، فألزمهم الثلاث ، وإليه
ذهب غير واحد من الصحابة رضى الله عنهم ، روى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه
أنه جعلها ثلاثاً، وكذلك روى عن ابن عمر، وكان يقول ((أبتّ الطلاق طلاق البتة؟))
وإليه ذهب سعيد بن المسيب، وعروة، وعمر بن عبد العزيز ، والزهرى ، وبه قال مالك،
والأوزاعى ، وابن أبى ليلى، وأحمد بن حنبل ، وهذا كصنيعه بشارب الخمر ، فإن الحد كان
فى زمان النبى صلى الله عليه وسلم وأبى بكر أربعين، ثم إن عمر لما رأى الناس تتايعوا(١) فى
الخمر واستخفوا بالعقوبة فيها، قال: ((أرى أن تبلغ فيها حد المفترى. لأنه إذا سكر هذى،
وإذا هذى افترى)) وكان ذلك عن ملأ من الصحابة ، فلا ينكر أن يكون الأمر فى طلاق
البتة على شاكلته .
قال البيهقى: ورواية عكرمة عن ابن عباس فيها تأكيد لصحة هذا التأويل. يريد البيهقى
الحديث الذى ذكره أبو داود فى باب نسخ المراجعة ، وقد تقدم .
وقال أبو العباس بن سريح: يمكن أن يكون ذلك إنما جاء فى نوع خاص من الطلاق الثلاث،
وهو أن يفرق بين اللفظ ، كأن يقول : أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق ، وكان فى عهد
النبي صلى الله عليه وسلم، وعهد أبى بكر والناس على صدقهم وسلامتهم، لم يكن ظهر فيهم الحب
والخداع ، فكانوا يصدقون أنهم أرادوا به التوكيد ، ولا يريدون الثلاث . ولما رأى عمر رضى
الله عنه فى زمانه أموراً ظهرت وأحوالا تغيرت منع من حمل اللفظ على التكرار ، فألزمهم
الثلاث .
وقال بعضهم : إن ذلك إنما جاء فى غير المدخول بها ، وذهب إلى هذا جماعة من أصحاب
ابن عباس ، ورووا أن الثلاث لا تقع على غير المدخول بها، لأنها بالواحدة تبين ، فإذا ذل
(١) التابع، بالياء المثناة التحتية: الوقوع فى الشر من غير فكرة ولا روية ، والمتابعة عليه،
ولا يكون فى الخير .

- ١٢٧ -
وأخرجه مسلم والنسائى .
وفيه وجه آخر، ذهب إليه أبو العباس ابن سريج، قال: يمكن أن يكون ذلك إنما
جاء فى نوع خاص من الطلاق الثلاث ، وهو أن يفرق بين اللفظ ، كأنه يقول: أنت طالق
أنت طالق أنت طالق ، فكان فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم وعهد أبى بكر ، والناس
على صدقهم وسلامتهم ، ولم يكن ظهر فيهم الحبُّ والخداع ، فكانوا يُصدَّقون أنهم
أرادوا به التوكيد ، ولا يريدون الثلاث ، فلما رأى عمر رضى الله عنه فى زمانه أموراً
ظهرت وأحوالاً تغيرت ، منع من حمل اللفظ على التكرار، وألزمهم الثلاث .
أنت طالق بانت، وقوله (( ثلاثا)) وقع بعد البينونة، ولا يعتد به، وهذا مذهب إسحق بن
راهويه .
وقال بعضهم: قد ثبت عن فاطمة بنت قيس « أن أبا حفص بن المغيرة طلقها ثلاثاً ؛ فأبانها
النبى صلى الله عليه وسلم منه، ولم يجعل لها نفقة، ولا سكنى)) وفى حديث ابن عمر: أنه قال:
يارسول الله، أرأيت لو طلقتها ثلاثا ؟ قال : إذن عصيت ربك وبانت منك امرأتك))، رواه
الدار قطنى. وعن علي رضى الله عنه أنه قال «سمع النبى صلى الله عليه وسلم رجلا طلق امرأته البتة،
فغضب وقال: يتخذون آيات الله هزواً؟ أو دين الله هزواً ولعباً؟ من طلق البتة ألزمناه ثلاثاً،
لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ))، رواه الداقطنى أيضاً.
قالوا: وهذه الأحاديث أكثر وأشهر من حديث أبي الصهباء، وقد عمل بها الأئمة،
فالأخذ بها أولى .
وقال بعضهم المراد : أنه كان المعتاد فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم تطليقة واحدة ، وقد
اعتاد الناس الآن التطليقات الثلاث ، والمعنى كان الطلاق الموقع الآن ثلاثا موقعاً فى عهد
النبى صلى الله عليه وسلم وأبى بكر واحدة .
وقال بعضهم: ليس فى هذا الحديث أن ذلك كان بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقر عليه،
والحجة إنما هى فى إقراره بعد بلوغه ، ولما بلغه طلاق ركانة امرأته البتة استحلفه : ما أردت بها
إلا واحدة ؟ ولو كان الثلاث واحدة لم يكن لاستحلافه معنى ، وأنها واحدة ، سواء أراد بها
الثلاث أو الواحدة .
وقال بعضهم: الإجماع منعقد على خلاف هذا الحديث، والإجماع معصوم من الغلط والخطأ ،
دون خبر الواحد .

- ١٢٨ -
وقال بعضهم : إنما هذا فى طلاق السنة ، فانها كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
يراد بها الواحدة ، كما أراد بها ركانة ، ثم تتابع الناس فيها ، فأرادوا بها الثلاث ، فألزمهم
عمر إياها .
فهذه عشرة مسالك للناس فى رد هذا الحديث .
وقال أبو بكر بن العربى المعافرى فى كتابه الناسخ والمنسوخ: ( غائلة ) قال تعالى (الطلاق
مرتان): زل قوم فى آخر الزمان ، فقالوا : إن الطلاق الثلاث فى كلمة لا يلزم ، وجعلوه واحدة،
ونسبوه إلى السلف الأول ، فكوه عن على والزبير وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود
وابن عباس ، وعزوه إلى الحجاج بن أرطاة الضعيف المنزلة ، المغموز المرتبة ، ورووا في
ذلك حديثاً ليس له أصل ، وغوى قوم من أهل المسائل ، فتتبعوا الأهواء المبتدعة فيه، وقالوا
إن قوله : أنت طالق ثلاثا كذب ، لأنه لم يطلق ثلاثاً ، كما لو قال : طلقت ثلاثاً ، ولم يطلق
إلا واحدة ، وكما لو قال : أحلف ثلاثاً ، كانت يمينا واحدة .
( منبهة) لقد طوفت فى الآفاق ، ولفيت من علماء الإسلام وأرباب المذاهب كل صادق، فما
سمعت لهذه المقالة بخبر، ولا أحسست لها بأثر، إلا الشيعة الذين يرون نكاح المتعة جازاً ، ولا
برون الطلاق واقعاً ، ولذلك قال فيهم ابن سكرة الهاشمى :
يا من يري المتعة فى دينه» حلا ، وإن كانت بلا مهر
ولا يرى تسعين تطليقة * تبين منه ربة الخدر
من ههنا طابت مواليدكم * فاغتنموها يابنى الفطر
وقد اتفق علماء الإسلام ، وأرباب الحل والعقد في الأحكام ، على أن الطلاق الثلاث فى كلمة ،
؛ إن كان حراماً فى قول بعضهم ، وبدعة فى قول الآخرين ، لازم، وأين هؤلاء البؤساء من
عالم الدين ، وعلم الإسلام محمد بن اسمعيل البخارى ، وقد قال فى صحيحه : باب جواز الثلاث،
لقوله تعالى (٢: ٢٢٨ الطلاق مرتان) وذكر حديث اللعان ((فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول
الله صلى الله عليه وسلم ))، ولم يغير عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يقر على الباطل، ولأنه
جمع مافسح له فى تفريقه ، فألزمته الشريعة حكمه ، وما نسبوه إلى الصحابة كذب بحت لا أصل
له فى كتاب، ولا رواية له عن أحد. وقد أدخل مالك فى موطئه عن على (( أن الحرام ثلاث
لازمة في كلمة))، فهذا فى معناها. فكيف إذا صرح بها؟ وأما حديث الحجاج بن أرطاة فغير
مقبول فى الملة ، ولا عند أحد من الأئمة .
فان قيل : ففى صحيح مسلم عن ابن عباس - وذكر حديث أبى الصهباء هذا .
قلنا : هذا لامتعلق فيه من خمسة أوجه :

- ١٢٩ -
باب فيما عُنى به الطلاق والنيات [٢٣٠:٢]
٠۵
٢١١٥ - عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال
٢١١٥ - قال الشيخ: قوله ((إنما الأعمال بالنيات))، معناه أن صحة الأعمال ووجوب أحكامها
: الأول : أنه حديث مختلف فى صحته ، فكيف يقدم على إجماع الأمة ؟ ولم يعرف لها فى هذه
المسألة خلاف ، إلا عن قوم انحطوا عن رتبة التابعين، وقد سبق العصران الكريمان والاتفاق على
تزوم الثلاث ، فإن رووا ذلك عن أحد منهم فلا تقبلوا منهم إلا ما يقبلون منكم، نقل العدل عن
العدل ، ولا تجد هذه المسألة منسوبة إلى أحد من السلف أبداً.
الثانى : أن هذا الحديث لم يرو إلا عن ابن عباس، ولم يرو عنه إلا من طريق طاوس.
فكيف يقبل ما لم يروه من الصحابة إلا واحد، وما لم يروه عن ذلك الصحابى إلا واحد ؟
وكيف خفى على جميع الصحابة وسكتوا عنه إلا ابن عباس ؟ وكيف خفى على أصحاب ابن عباس
إلا طاوس ؟
الثالث: يحتمل أن يراد به قبل الدخول. وكذلك تأوله النسائى، فقال: باب طلاق الثلاث
للتفرقة قبل الدخول بالزوجة . وذكر هذا الحديث بنصه .
الرابع: أنه يعارضه حديث محمود بن لبيد، قال: ((أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
وجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فقام غضبان ، ثم قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين
أظهركم ؟ حتى قام رجل، فقال: يارسول الله ألا أقتله؟))، رواه النسائي. فلم يرده النبي صلى الله
عليه وسلم بل أمضاه، وكما فى حديث عويمر العجلانى فى اللعان حيث أمضى طلاقه الثلاث ولم يرده.
الخامس: وهو قوى فى النظر والتأويل، أنه قال: «كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم واحدة))، يحتمل أن يريد به كان حكم الثلاث إذا وقعت أن تجعل واحدة
وأن يريد به : كانت عبارة الثلاث على عهده أن تذكر واحدة ، فلما تتابع الناس فى الطلاق
وذكروا الثلاث بدل الواحدة أمضى ذلك عمر ، كما أمضاه رسول الله صلي الله عليه وسلم على
عويمر حين طلق ثلاثاً . فلا يبقى فى المسألة إشكال .
فهذا أقصى مايرد به هذا الحديث (١) .
(١) غريب جداً من الشيخ ابن القيم أنه ترك كلام القاضى أبى بكر بن العربى هذا من غير أن يجيب
عنه، مع أنه تكلم فى إغائة اللهفان من مصائد الشيطان كلاماً طويلا جداً ، حقق فيه بالححج القوية والبراهين
القاطعة : أن الثلاث بلفظ واحد طلقة واحدة . ولقد كانت هذه المسألة هى مثار الفتنة عليه وعلى شيخه
ابن تيمية رحمهما الله، فلعله اكتفى بما حقق هناك، وبما حقق فى مواضع أخر من كتبه . وانظر إغاثة
اللهفان ص ١٥٣ - ١٨٣ من طبعة الحلى سنة ١٣٢٠ وح ١ ص ٢٨٣ - ٣٣٨ من طبعة الحلبى سنة
١٣٥٧ بتحقيق محمد حامد الفقى، وكتاب نظام الطلاق فى الإسلام تأليف أحمد محمد شاكر .

- ١٣٠ -
بالنيّة ، وإنما لامرىء ما نوی ، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ،
ومن كانت هجرته لدنيا يُصيبُها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه)).
أخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
إنما يكون بالنية ، فإن النية هى المصرفة لها إلى جهاتها ، ولم يرد به أعيان الأعمال ، لأن
أعيانها حاصلة بغير نية، ولو كان المراد به أعيانها لكان خُلفاً من القول. وكلمة ((إنما))
مرصدة لإثبات الشىء ونفى ما عداه .
وفى الحديث دليل على أن المطلق إذا طلق بصريح لفظ الطلاق ، أو ببعض المكانى
التى يطلق بها، ونوى عدداً من أعداد الطلاق ، كان ما نواه من العدد واقعاً، واحدة أو
اثنتين ، أو ثلاثاً ، وإلى هذه الجملة ذهب الشافعى، وصرف الألفاظ على مصارف النيات ،
وقال فى الرجل يقول لامرأته أنت طالق ، ونوى به ثلاثاً : إنما تطلق ثلاثاً ، وكذلك
قال مالك بن أنس وإسحق بن راهويه وأبو عبيد ، وقدروى ذلك عن عروة بن الزبير.
وقال أصحاب الرأى : واحدة، وهو أحق بها ، وكذلك قال سفيان الثورى
والأوزاعى وأحمد بن حنبل .
وقال أصحاب الرأى فى المكانى، مثل قوله ((أنت بائن)) أو ((بتة))، فإنه يسأل عن نيته ؟
فإن لم ينو الطلاق، لم يقع عليها طلاق ، وإن نوى الطلاق فهو ما نوى ، إن أراد واحدة
فواحدة ، وإن نوى ثنتين فهى واحدة بائنة ، لأنها كلمة واحدة ، ولا يقع على اثنتين .
وإن نوى ثلاثاً فهو ثلاث ، وإن نوى الطلاق ولم ينو عدداً منه ، فهى واحدة بائنة ،
وكذلك كل كلام يشبه الفرقة مما أراد به الطلاق ، فهو مثل هذا، كقوله : حبلك على
غار بك، أو قد خليت سبيلك ، ولا ملك لى عليك ، والحقى بأهلك ، واستبربى، واعتدى.
قال الشيخ : وهذا كله عند الشافعى سواء .
فإن كان لم يرد به طلاقاً فليس بطلاق، وإن أراد طلاقاً ولم ينو عدداً، فهو تطليقة.
واحدة ، يملك فيها الرجعة ، وإن نوى ثنتين فهو ثنتان ، وإن نوى ثلاثاً فهو ثلاث .
وهذا أشبه بمعنى الحديث . والله أعلم .

- ١٣١ -
٢١١٦ - وعن كعب بن مالك - فساق قصته فى تبوك - قال: ((حتى إذا مضت أربعون
من المسین ، إذا رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم یأتی ، فقال : إنَّ رسول الله صلى الله
عليه وسلم يأمرك أن تَعْنَزِلَ امرأتك، قال: فقلت: أُطَلَّقُّهَا، أم ماذا أفعل؟ قال : لا ،
بل اعتزلها ، فلا تَقْرَبَنَّهَا ، فقلت لامرأتي: الحقى بأهلك، فكونى عندهم، حتى يقضى الله
تعالى فى هذا الأمر )).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى مطولاً ومختصراً .
باب فى الخيار [٢: ٢٣٠ ]
٢١١٧ - عن عائشة قالت: (( خَيَّرَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه، فلم يُعُدَّ
ذلك شيئاً )).
٢١١٦ - قال الشيخ: فى هذا دلالة على أنه إذا قال لها: الحقي بأهلك ، ولم يرد به طلاقاً،
فإنه لا يكون طلاقاً. والكنايات كلها على قياسه . وقال أبو عبيد، فى قوله: الحقى بأهلك:
هو تطليقة ، يكون فيها البعل مالكاً للرجعة ، إلا أن يكون أراد ثلاثاً .
٢١١٧ - قال الشيخ: فيه دلالة على أنهن لوكن اخترن أنفسهن كان ذلك طلاقاً .
وقد اختلف أهل العلم فيمن يخيّر امرأته: فقال أكثر الفقهاء : أمرها بيدها ، ما لم تقم
من محلها ، فإن قامت ولم تطلق نفسها ، فقد خرج الأمر من يدها فيما بعد . وإلى هذا ذهب
مالك والثورى والأوزاعى وأصحاب الرأى ، وهو قول الشافعى ، وقد روى ذلك عن
شريح ومسروق وعطاء ومجاهد والشعبى والنخعى .
وقال الزهرى وقتادة والحسن : أمرها بيدها فى ذلك المجلس وفى غيره ، ولا يبطل
خيارها بقيامها من المجلس .
واختلفوا فيه إذا اختارت نفسها : فروى عن عمر وابن مسعود وابن عباس رضى الله
عنهم أنهم قالوا : هى واحدة، وهى أحق بها، وهو قول عمر بن عبدالعزيز وابن أبى ليلى
وسفيان الثورى والشافعى وأحمد وإسحق .

- ١٣٢ -
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة. ولفظ البخارى ومسلم : « خيرنا
وسولى الله صلى الله عليه وسلم، أفكانَ طلاقاً؟)) وفى لفظ لمسلم: (( أن رسول الله صلى الله
عليه وسعلم خَيَّر نساءه، فلم يكن طلاقاً)).
باب فى أمرك بيدك [٢: ٣٣١]
٢١١٨ - عن حماد بن زيد قال: ((قلت لأيوب: هل تعلم أحداً قال بقول الحسن فى
((أَمْرُكِ بِيَدِكِ))؟ قال: لا ، إلا شىء حدثناه قَتَادة، عن كَثِير مولى ابن سَمُرة عن
أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم، بنحوه ، قال أيوب : فقدم علينا
"كَثير، فسألته؟ فقال: ما حدثتُ بهذا قط، فذكرته لقتادة؟ فقال: بلى، ولكنه نَسَى)).
وأخرجه الترمذى والنسائى. وقال الترمذى : لا نعرفه إلا من حديث سلمان بن حرب،
وذكر [عن ] البخارى أنه قال : إنما هو عن أبى هريرة موقوف ، ولم يعرف حديث
أبى هريرة مرفوعاً . وقال النسائى: هذا حديث منكر .
٢١١٩ - وعن الحسن فى: ((أمرك بيدك)) قال: ((ثلاث).
وروى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه أنه قال : هى واحدة بائنة ، وبه قال
أصحاب الرأى .
وقال مالك بن أنس : إذا اختارت نفسها فعى ثلاث ، وإن اختارت زوجها يكون
واحدة، وهو أحق بها، وروى ذلك عن الحسن البصرى .
٢١١٨ - قل الشيخ شمس الدين بن القيم: هكذا وقع فى السنن لأبى داود، ولم يفسر قول الحسن
فى حديثه. ورواه الترمذى مفسراً عن حماد بن زيد، قال: ((قلت لأيوب : هل علمت أحداً
قال : أمرك بيدك ثلاثاً إلا الحسن؟ قال: لا ، ثم قال: اللهم غفراً ، إلا ماحدثنى قتادة عن كثير
مولى بنى سمرة عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث)) ثم ذكر
الترمذى عن البخارى أنما هو موقوف .
قال أبو محمد بن حزم: وكثير مولى بنى سلمة مجهول. وعن الحسن فى ((أمرك بيدك)) قال: ثلاث

- ١٢٣ -
باب فى البتة [٢: ٢٣١ ]
ا
٢١٢٠ -عن نافع بن مجير بن عبد يزيد بن رُ كانة: ((أن رُ كانة بن عبد يزيد طلَّقَ امرأته
سُهْمَةَ البتة، فأخْبَرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بذلك، وقال: والله ما أردتُ إلا واحدةً،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله ما أَرَدْتَ إلا واحدة؟ فقال رُ كانة : والله
ما أردتُ إلا واحدةً ، فردَّها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطلّقَها الثانية فى زمان عمر،
والثالثة فى زمان عثمان)) .
٢١٢٠ - قال الشيخ : فيه بيان أن طلاق البتة واحدة، إذا لم يرد يها أكثر من واحدة ،
وأنها رجعية غير بائن .
وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم حلفه فى الطلاق ، فدل أن للأيمان مدخلاً فى الأنكحة
وأحكام الفروج ، كهو فى الأموال .
وفيه أن يمين الحكم إنما تصح إذا كان باستحلاف من الحاكم ، دون ما كان تبرعاً
منها من قبل الحالف .
وفيه أن اليمين باسم النساء كاف على التجريد، وإن لم يصلها بالتغليظ، مثل أن يقول:
بالله العظيم ، أو بالله الذى لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ، الطالب الغالب، مع سائر ما يقرن
به من الألفاظ التى قد جرت به عادة بعض الحكام.
وقد اختلف الناس فى (( البتة)): فذهب عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى أنها واحدة
يملك الرجعة فيها ، وروى نحوه عن سعيد بن جبير .
وقال عطاء : يُدَیَّن، فإن أراد واحدة فهی واحدة، وإن أراد ثلاثاً فثلاث ، وهو
قول الشافعى ، وقال فى البتة: إنها ثلاث، وروى ذلك عن ابن عمر أيضاً ، وهو قول
ابن المسيب وعروة بن الزبير والزهرى ، وبه قال مالك وابن أبى ليلى والأوزاعى .
وقال أحمد بن حنبل : أخشى أن يكون ثلاثاً ، ولا أجترى. أفتى به .
وقال أصحاب الرأى : هى واحدة بائنة، إن لم يكن له نية ، وإن نوى ثلاثاً فهو ثلاث.

-- ١٣٤ -
٢١٢١ - وعن عبد الله بن على بن يزيد بن رُكانة عن أبيه عن جده: ((أنه طلَّقَ
امرأته البتةَ ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما أردتُ إلا واحدة ، قال: آللّهِ؟
قال: آلله، قال: هُوَ عَلَى مَا أَرَدْتَ)).
. وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى: لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وسألت
محمداً - يعني البخارى - عن هذا الحديث؟ فقال: فيه اضطراب. وذكر الترمذى أيضاً
عن البخارى أنه مضطرب فيه : تارة قيل فيه : ثلاثاً ، وتارة قيل فيه: واحدة . وأصحه : أنه
طلقها البتة ، وأن الثلاث ذُكرت فيه على المعنى. وقال أبو داود : حديث نافع بن مجير
حديث صحيح . وفيما قاله نظر، فقد تقدم عن الإمام أحمد أن طرقه ضعيفة ، وضعفه أيضاً
البخارى وقد وقع الاضطراب فى إسناده ومتنه .
باب فى الوسوسة بالطلاق [٢: ٢٣٢]
٢١٢٢ - عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّ الله ◌َجَاوَزَ لأُمَّى عَمَّا
٢١٢٢ - قال الشيخ : فى هذا الحديث من الفقه أن حديث النفس وما يوسوس به قلب
الإنسان لا حكم له فى شىء من أمور الدين .
٢١٢١ - قال ابن القيم : وفى تاريخ البخارى : على بن يزيد بن ركانة القرشي عن أبيه ، لم يصح
حديثه، هذا لفظه . وقال عبد الحق الاشبيلي فى سنده: كلهم ضعيف ، والزبير أضعفهم . وذكر
الترمذى فى كتاب العلل عن البخارى أنه مضطرب فيه، تارة قيل فيه ((ثلاثاً))، وتارة قيل
فيه « واحدة)).
ثم ذكر الشيخ ابن القيم كلام الحافظ المنذري واعتراضه على أبي داود فى تصحيحه .- ثم
قال الشيخ : وفيما قاله المنذرى نظر ، فإن أبا داود لم يحكم بصحته ، وإنما قال بعد روايته : هذا
أصح من حديث ابن جريج ((أنه طلق امرأته ثلاثا)) لأنهم أهل بيته، وهم أعلم بقضيتهم وحديثهم،
وهذا لا يدل على أن الحديث عنده صحيح ، فإن حديث ابن جريح ضعيف ، وهذا ضعيف أيضاً،
فهو أصح الضعيفين عنده ، وكثيراً ما يطلق أهل الحديث هذه العبارة. على أرجح الحديثين
الضعيفين ، وهو كثير فى كلام المتقدمين ، ولو لم يكن اصطلاحاً لهم لم تدل اللغة على إطلاق الصحة
عليه، فإنك تقول لأحد المريضين: هذا أصح من هذا، ولا يدل على أنه صحيح مطلقاً .
والله أعلم .

- ١٣٥ -
لمِ تَتَكَلَّمْ به، أو تعملْ به ، وبما حدثتْ به أنفسها)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
باب فى الرجل يقول لامرأته: يا أختى [٢: ٢٣٢]
٢١٢٣ - عن أبى تميمة الهُجيمى - وهو طريف بن مجالد البصرى -: (( أن رجلاً قال
وفيه أنه إذا طلق امرأته بقلبه، ولم يتكلم به بلسانه ، فإن الطلاق غير واقع. وإلى
هذا ذهب عطاء بن أبى رباح وسعيد بن جبير وقتادة والثورى وأصحاب الرأى ، وهو
قول الشافعى وأحمد وإسحق .
وقال الزهرى : إذا عزم على ذلك وقع الطلاق ، لفظ به أو لم يلفظ ، وإلى هذا ذهب
مالك بن أنس ، والحديث حجة عليه .
وقد أجمعوا على أنه لو عزم على الظهار لم يلزمه حتى يلفظ به ، وهو بمعنى الطلاق .
وكذلك لو حدث نفسه بالقذف لم يكن قاذفاً، ولو حدث نفسه فى الصلاة لم يكن عليه
إعادة ، وقد حرم الله تعالى الكلام فى الصلاة ، فلو كان حديث النفس بمعنى الكلام
لكانت صلاته تبطل .
وأما إذا كتب بطلاق امرأته، فقد يحتمل أن يكون ذلك طلاقً، لأنه قال ((ما لم
تتكلم به أو تعمل به )) والكتابة نوع من العمل، إلا أنه قد اختلف العلماء فى ذلك :
فقال محمد بن الحسن : إذا كتب بطلاق امرأته ، فقد لزمه الطلاق ، وكذلك قال أحمد بن
حنبل ، وقال مالك والأوزاعى: إذا كتب وأشهد عليه فله أن يرجع ما لم يوجه الكتاب،
وإذا وجه الكتاب إليها فقد وقع الطلاق عند الشافعى ، وإذا كتب ولم يرد به طلاقاً
لم يقع .
وفرق بعضهم بين أن يكتبه فى بياض ، وبين أن يكتبه على الأرض ، فأوقعه إذا
كتب فيما يكتب فيه من ورق أو لوح ونحوهما ، وأبطله إذا كتب على الأرض .
٢١٢٣ - قال الشيخ: إنما كره ذلك من أجل أنه مظنة التحريم، وذلك أن من قال لامرأته:
أنت كأختى ، وأراد به الظهار، كان ظهاراً ، كما تقول : أنت كأمى، وكذلك هذا فى كل

- ١٣٦ -
لامرأته: يا أُخَيَّة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أختك هى؟! فكَرِهَ ذلك
ونهى عنه» .
هذا مرسل .
٢١٢٤ - وعن أبى تميمة عن رجل من قومه: ((أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم سمع
رجلاً يقول لامرأته: يا أُخَيَّة، فنهاه )).
وذكر أبو داود ما يدل على اضطرابه .
٢١٢٥ - وعن أبي هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((أن إبرهيم عليه السلام
لم يكذب قطَّ إلا ثلاث كذبات(١): ثنتان فى ذات الله تعالى: قوله (٨٩:٣٧ إنى سقيم)
وقوله (٦٣:٢١ بل فعله كبيرهم هذا)، وبينما هو يسير فى أرض جبَّارٍ من الجبابرة، إذ نزل
منزلاً ، فأتىَ الجبار، فقيل له: إنه نزل ههنا رجل معه امرأة ، هى أحسنُ الناس ، قال:
فأرسل إليه ، فسأله عنها؟ فقال: إنها أختى ، فلما رجع إليها قال : إن هذا سألنى عنكِ،
امرأة من ذوات المحارم ، وعامة أهل العلم ، أو أكثرهم، متفقون على هذا، إلا أن ينوى
بهذا الكلام الكرامة ، فلا يلزمه الظهار ، وإنما اختلفوا فيه إذا لم يكن له نية ، فقال كثير
منهم : لا يلزمه شىء .
وقال أبو يوسف: إذا لم يكن له نية فهو تحريم. وقال محمد بن الحسن : هو ظهار إذا
لم يكن له ئية .
فكره له رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول ، لئلا يلحقه بذلك ضرر فى أهلى،
أو يلزمه كفارة فى مال .
٢١٢٥ - قال الشيخ شمس الدين بن القيم: وفيه دليل على أن من قال لامرأته: إنها أختى ، أو
أمى، على سبيل الكرامة والتوقير، لا يكون مظاهراً. وعلى هذا فإذا قال لعبده : هو حر، يعنى
أنه ليس بفاجر ، لم يعتق ، وهذا هو الصواب الذى لا ينبغى أن يفتى بخلافه ، فإن السید إذا قيل
(١) فى السنن ((إلا ثلاثاً)).

- ١٣٧ -
فأنبأته أنكِ أختى، وإنه ليس اليوم مسلم غيرى وغيرك، وإنكِ أختى فى كتاب الله،
فلا تُكذّبینی عنده -وساق الحديث )) .
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى .
باب فى الظهار [٢: ٢٣٣ ]
١١٢٦ - عن سليمان بن يسار عن سَلَة بن صَخْر البياضى، قال: ((كنتُ امرءًا أصيب من
النساء ما لا يصيب غيرى ، فلما دخل شهر رمضان خِفْتُ أن أصيب من امرأتى شيئاً
◌ُتايمُ (١) بي حتى أصبح، فظاهرتُ منها حتی ینسلخ شهر رمضان، فبينا هی تخدُمنى ذات
٢١٢٦ - قال الشيخ: قوله ((أنت بذاك يا سلمة؟)) معناه: أنت الم بذاك والمرتكب له (٢).
وقوله ((بتنا وحشين)) معناه: بتنا مقفرين لاطعام لنا ، يقال : رجل وحش، وقوم أوحاش ،
قال الشاعر :
له : عبدك فاجر زان، فقال: ما هو إلا حر، قطع سامعه أنه إنما أراد الصفة ، لا العين ،
وكذلك إذا قيل له : جاريتك تبغى ، فقال : إنما هى حرة .
وسمى قول إبرهيم هذا كذباً لأنها تورية.
وقد أشكل على الناس تسميتها كذبة ، لكون المتكلم إنما أراد باللفظ المعنى الذى قصده ،
فكيف يكون كذباً ؟
والتحقيق فى ذلك: أنها كذب بالنسبة إلى إفهام المخاطب، لا بالنسبة إلى غاية المتكلم ، فان
الكلام له نسبتان ، نسبة إلى المتكلم ، ونسبة إلى المخاطب ، فلما أراد المورى أن يفهم المخاطب.
خلاف ما قصده بلفظه ، أطلق الكذب عليه بهذا الاعتبار ، وإن كان المتكلم صادقاً باعتبار
قصده ومراده .
٢١٢٦ - قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله: قد ورد فى هذه الكفارة ((أنه أمره
بإطعام وسق ، والوسق ستون صاعاً)) وهو أكثر ما قيل فيه ، وذهب إليه سفيان الثورى.
(١) أى : يلازمنى ، فلا أستطيع الفكاك منه ..
(٢) الظاهر أن المعنى: التعجب من حالته فى الجماع وشدته فيه .

- ١٣٨ -
ليلة، إذْ تَكَشَّفَ لى منها شىء ، فلم أَنْبَتْ أن نَزَوْتُ عليها ، فلما أصبحتُ خرجت إلى
قومى ، فأخبرتهم الخبر، وقلت : امشوا معى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قالوا:
لا والله ، فانطلقت إلى النبى صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: أنت بذاكَ يا سلمة؟ قلت:
أنا بذاك يا رسول الله، مرتين ، وأنا صابر لأمر الله عز وجل، فاحكم فىَّ ما أراك الله ، قال :
حَرِّرْ رقبةً ، قلت: والذى بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها ، وضربتُ سُفْحَةَ رقبتى ،
قال: فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ، قال: وهل أصبتُ الذى أصبت إلا من الصيام؟ قال :
فَأَطْعِمْ وَسُقَاً مِنْ تَمْرِ بَيْنَ سِتِيْنَ مِسْكِيناً ، قلت : والذي بعثك بالحق لقد بتنا وَحْشَيْنِ
مالنا طعام، قال: فَانْطَلِقْ إلى صاحب صدقة بنِى زُرَيق، فليدفعها إليك، فأطعم ستين مسكيناً
وإن بات وحشاً ليلة لم يضق بها ذراعاً، ولم يصبح لها وهو خاشع
ويقال لصاحب الداء: توخَّتْ ، أى اخْتمٍ.
وفيه دليل على أن الظهار الموقت ظهار كالمطلق منه . وهو إذا ظاهر من امرأته إلى
مدة ثم أصابها قبل انقضاء تلك المدة .
واختلفوا فيه إذا بَرَّ فلم يحنث : فقال مالك بن أنس وابن أبى ليلى: إذا قال لامرأته :
أنت علىَّ كظهر أمى إلى الليل، لزمته الكفارة، وإن لم يقربها .
وقال أكثر أهل العلم : لا شىء عليه، إذا لم يقربها . والشافعى فى الظهار الموقت
قولان : أحدهما : أنه ليس بظهار .
وفيه دليل على أن معنى العود لما قال فى الظهار ليس بأن يكرر اللفظ ، فيظاهر منها
مرتين، كما ذهب إليه بعض أهل الظاهر .
وأصحاب الرأى ، مع قولهم إن الصاع ثمانية أرطال بالعراقى ، وورد فيها : أنه أمر امرأة أوس
بن الصامت أن تكفر عنه بالعرق الذى دفعه إليها، والعرق الذى أعانته به .
واختلف فى مقدار ذلك العرق : فقيل : ستون صاعاً ، وهو وهم ، وقيل : ثلاثون ، وهو
الذى رجحه أبو داود، على حديث يحيى بن آدم ، وقيل : خمسة عشر ، فيكون العرقان ثلاثين
صاعاً ، لكل مسكين نصف صاع، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد ومالك .

- ١٣٩ -
وَسْقاً من تمر، وكُلْ أنتَ وعيالك بقيَّتها، فرجعت إلى قومى، فقلت: وجدتُ عندكم الضيقَ
وسُوءَ الرأى ، ووجدت عند النبى صلى الله عليه وسلم السَّعَةَ وحسنَ الرأى ، وقد أمرنى،
أو أمرلى، بصدقتكم(١))).
وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى: وهذا حديث حسن، وقال محمد - يعنى
البخارى -: سليمان بن يسار لم يسمع عندى من سلمة بن صَخْر. وقال البخارى أيضاً: هو
مرسل ، سليمان بن يسار لم يدرك سلمة بن صخر. هذا آخر كلامه . وفى إسناده محمد بن
إسحق ، وقد تقدم الكلام عليه .
وفيه حجة لمن ذهب إلى جواز أن يضع الرجل صدقته فى صنف واحد من الأصناف
الستة ، ولا يفرقها على السهام .
وفى قوله ((أعتق رقبة)) دليل على أنه إذا أعتق رقبة ما ، كانت من صغير أو كبير، أعور
كان أو أعرج ، فإنها تجزيه ، إلا ما منع دليل الإجماع منه ، وهو الزمن الذى لاحراك به.
وفيه حجة لأبى حنيفة فى أن خمس عشرة صاعاً لا يجزىء عن الكفارة فى الظهار ،
غير أنه قال : يجزيه ثلاثون صاعاً من البر، لكل مسكين نصف صاع .
وفى الرواية الأخرى : أن التمر الذى أمره أن يتصدق به كان قريباً من خمسة عشر صاعاً،
وإلى هذا ذهب الشافعى وعطاء والأوزاعى ، وروى عن أبى هريرة ، فيكون لكل مسكين
مد، وهو مقدار لاشيء بالنسبة إلى مايوجبه أهل الرأى ، فإنهم يوجبون صاعاً ، وهو ثمانية
أرطال ، فيوجبون زيادة على ما يوجبه هؤلاء ست مرات . وأخذ الشافعى ذلك من حديث
المجامع فى رمضان ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم أتى بعرق فيه خمسة عشر صاعاً ، فقال :
« خذه وتصدق به))، وسيأتى إن شاء الله تعالى .
ثم اختلفوا فى البر: هل هو على النصف من ذلك أم هو وغيره سواء ؟ فقال الشافعى : مد
من الجميع ، وقال مالك : مدان من الجميع ، وقال أحمد وأبو حنيفة : البر على النصف من غيره،
على أصلهما ، فعند أحمد مد من بر ، أو نصف صاع من غيره ، وعند أبي حنيفة مدان من
بر، أو نصف صاع من غيره ، على اختلافهما في الصاع .
(١) فى السنن: قال ابن إدريس: ((وبياضة بطن من بنى زريق)).

- ١٤٠ -
٢١٢٧ - وعن خويلة بنت مالك بن ثعلبة قالت: ((ظَاهَرَ منى زوجى أَوْسُ بن الصامت،
فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلنى فيه
ويقول: اتَّى الله، فإنه ابنُ عمك، فما برحت حتى نزل القرآن (١:٥٨ قد سمع الله قول
التى تُجادلك فى زوجها) إلى الفرض(١) فقال: يعتق رقبة، قالت: لا يجد ، قال: فيصوم
شهرين متتابعين، قالت: يا رسول الله، إنه شيخ كبير، ما به من صيام ، قال: فليطعم
ستين مسكيناً ، قالت: ما عنده من شىء يتصدق به، قالت: فأْتِىَ ساعتئذ بعَرْق (٢)
مِنْ تَمْرٍ ، قلت: يارسول الله، فإِى أُعينه بعَرَق آخر ، قال : قد أحسنتِ ، اذهبى فأطعمى
بها عنه ستين مسكيناً ، وارجعى إلى ابن عمك، قالت(٣): والعَرَقُ ستون صاعاً)).
٢١٢٧ - قال الشيخ : أصل العَرْق السفيفة التى تنسج من الخوص، فتتخذ منها المكاتل
والزَّبُل، وقد جاء تفسيره فى هذا الحديث (( أنه ستون صاعاً)).
وروى أبو داود عن محمد بن إسحق: أن العرق مكتل يسع ثلاثين صاعاً . وعن
أبى سلمة بن عبد الرحمن : أن العرق زنبيل يسع خمسة عشر صاعاً .
فدل على أن العرق قد يختلف فى السعة والضيق ، فيكون بعض الأعراق أكبر
وبعضها أصغر . فذهب الشافعى منها إلى التقدير الذى جاء فى خبر أبى هريرة من رواية
أبى سلمة ، وهو خمسة عشر صاعاً فى كفارة الجامع فى شهر رمضان ، وكذلك قال الأوزاعى
وأحمد بن حنبل : لكل مسكين مد ، وكذلك قال مالك ، إلا أنه قال : بمد هشام ،
وهو مد وثلث .
وذهب سفيان الثورى وأصحاب الرأى إلى حديث سلمة بن صخر، وهو أحوط الأمرين .
وقد يحتمل أن يكون الواجب عليه ستين صاعاً ، ثم يؤتى بخمسة عشر صاعاً فيقول له :
(١) أى إلى ما فرض الله فى هذه الآيات من كفارة الظهار.
(٢) العرق - بسكون الراء -: مكتل، وهو زنبيل يع خمسة عشر صاعاً، كما يأتى فى الحديث
(٢١٢٨) هذا هو المشهور، وما سيأتى فى المتن من تفسيره بما يسع ستين أو ثلاثين، هو مما أنكره
العلماء ، وتفرد بالأول معمر بن عبد الله بن حنظلة اهـ من هامش المنذرى
(٣) فى السنن ((قال)).