Indexed OCR Text
Pages 101-120
- ١٠١ - العين المغصوبة إلى مالكها ، ويقال للغاصب : ردها إليه ، ولا يدل ذلك على زوال ملك صاحبها عنها ، وكذلك إذا قيل : رد على فلان ضالته ، ولما باع علي أحد الغلامين الأخوين قال له النبى صلى الله عليه وسلم: ((رده، رده)) وهذا أمر بالرد حقيقة. قالوا : فقد وفينا اللفظ حقيقته التى وضع لها . قالوا: وأيضاً فقد صرح ابن عمر (( أن النبى صلى الله عليه وسلم ردها عليه ولم يرها شيئاً)) وتعلقكم على أبي الزبير مما لامتعلق فيه ، فإن أبا الزبير إنما يخاف من تدليسه . وقد صرح هنا بالسماع كما تقدم ، فدل على أن الأمر بمراجعتها لا يستلزم نفوذ الطلاق . قالوا : والذى يدل عليه أن ابن عمر قال فى الرجل يطلق امرأته وهى حائض: (( لا يعتد بذلك)» ، ذكره الإشبيلى فى الأحكام من طريق محمد بن عبد السلام الخشنى قال : حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفى حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنه قال، فى الرجل يطلق امرأته وهى حائض، قال ابن عمر: ((لا يعتد بذلك))، وذكره ابن حزم فى كتاب المحلى باسناده من طريق الخشنى. وهذا إسناد صحيح . قالوا: وقد روى الدار قطنى فى سننه باسناد شيعى عن أبي الزبير قال: «سألت ابن عمر عن رجل طلق امرأته ثلاثاً، وهى حائض ؟ فقال لى : أنعرف عبد الله بن عمر؟ قلت : نعم ، قال : طلقت امرأتى ثلاثاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فردها رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى السنة)) ، قال الدار قطنى: كلهم شيعة، ولم يزد على هذا. ولكن هذا الحديث باطل قطعاً، ولا يحتج به، وإنما ذكرناه للتعريف بحاله، ولو كان إسناده ثقات لكان غلطاً ، فإن المعروف من رواية الأثبات عن ابن عمر أنه إنما طلق تطليقة واحدة ، كما رواه مسلم فى الصحيح من حديث يونس بن جبير ، ولكن لو حاكمنا منازعينا إلى مايقرون به من أن رواية أهل البدع مقبولة ، فكم فى الصحيح من رواية الشيعة الغلاة ، والقدرية ، والخوارج والمرجئة ، وغيرهم، لم يتمكنوا من الطعن فى هذا الحديث بأن روانه شيعة، إذ مجرد كونهم شيعة لا یوجب رد حديثهم. وبعد ففى معارضته بحديث يونس بن جبير (( أنه طلقها تطليقة)) كلام ليس هذا موضعه، فن من جعل الثلاث واحدة قال هى ثلاث فى اللفظ، وهى واحدة فى الحكم ، على ما فى حديث أبى الصهباء عن ابن عباس . والله أعلم . قالوا : وأما قولكم إن نافعاً أثبت فى ابن عمر وأولى به من أبى الزبير وأخص ، فروايته أولى أن نأخذ بها، فهذا إنما يحتاج إليه عند التعارض ، فكيف ولا تعارض بينهما ؟ فإن رواية أبي الزبير صريحة فى أنها لم تحسب عليه، وأما نافع فرواياته ليس فيها شيء صريح قط، أن النبى - ١٠٢ - صلى الله عليه وسلم حسبها عليه، بل مرة قال ((فمه)) أى فما يكون ؟ وهذا ليس بإخبار عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه حسبها، ومرة قال (( أرأيت إن عجز واستحمق؟)) وهذا رأى محض ، ومعناه أنه ركب خطة عجز ، واستحمق، أى ركب أحموقة وجهالة ، فطلق فى زمن لم يؤذن له فى الطلاق فيه ، ومعلوم أنه لو كان عند ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم حسبها عليه لم يحتج أن يقول للسائل (( أرأيت إن عجز واستحمق؟))، فإن هذا ليس بدليل على وقوع الطلاق، فإن من عجز واستحمق يرد إلى العلم والسنة التى سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف يظن بابن عمر أنه يكتم نصا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الاعتداد بتلك الطلقة، ثم يحتج بقوله (( أرأيت إن عجز واستحمق))، وقد سأله مرة رجل عن شىء فأجابه بالنص ، فقال السائل: أرأيت إن كان كذا وكذا؟ قال: (( اجعل أرأيت باليمين))، ومرة قال ((تحسب من طلاقها ))، وهذا قول نافع ، ليس قول ابن عمر ، كذلك جاء مصرحاً به فى هذا الحديث فى الصحيحين، قال عبد الله لنافع ((مافعلت التطليقة؟ قال: واحدة، اعتد بها))، وفى بعض ألفاظه: ((خمسبت تطليقة))، وفى لفظ للبخارى عن سعيد بن جبير عن ابن عمر: ((حسبت على بتطليقة)) ، ولكن هذه اللفظة انفرد بها سعيد بن جبير عنه ، وخالف نافع وأنس بن سيرين ويونس بن جبير وسائر الرواة عن ابن عمر، فلم يذكروا ((حسبت على))، وانفراد ابن جبير بها، كانفراد أبى الزبير بقوله ((ولم يرها شيئاً))، فإن تساقطت الروايتان لم يكن فى سائر الألفاظ دليل على الوقوع، وإن رجح إحداهما على الأخرى فرواية أبي الزبير صريحة فى الرفع، ورواية سعيد بن جبير غير صريحة فى الرفع ، فإنه لم يذكر فاعل الحساب ، فلعل أباه رضي الله عنه حسبها عليه بعد موت النبى صلى الله عليه وسلم فى الوقت الذى ألزم الناس فيه بالطلاق الثلاث، وحسبه عليهم، اجتهاداً منه ، ومصلحة رآها للأمة ، لئلا يتتابعوا فى الطلاق المحرم ، فإذا علموا أنه يلزمهم وينفذ عليهم أمسكوا عنه ، وقد كان فى زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتسب عليهم به ثلاثاً فى لفظ واحد ، فلما رأى عمر الناس قد أكثروا منه رأى إلزامهم به، والاحتساب عليهم به . قالوا : وبهذا تأتلف الأحاديث الواردة فى هذا الباب ، ويتبين وجهها، ويزول عنها التناقض والاضطراب ، ويستغنى عن تكلف التأويلات المستكرهة لها، ويتبين موافقتها لقواعد الشرع وأصوله . قالوا : وهذا الظن بعمر رضى الله عنه أنه إذا احتسب على الناس بالطلاق الثلاث احتسب · على ابنه بتطليقته التى طلقها فى الحيض ، وكون النبى صلى الله عليه وسلم لم يرها شيئاً مثل كون الطلاق الثلاث على عهده كان واحدة ، وإلزام عمر الناس بذلك. كالزامه له بهذا، وأداه اجتهاده · رضى الله عنه إلى أن ذلك كان تخفيفاً ورفقاً بالأمة ، لعلة إيقاعهم الطلاق وعدم تتابعهم فيه، - ١٠٣ - فلما أكثروا منه وتتابعوا فيه ألزمهم بما التزموه، وهذا كما أداه اجتهاده فى الجلد فى الحمر ثمانين، وحلق الرأس فيه ، والنفى ، والنبي صلي الله عليه وسلم إنما جلد فيه أربعين، ولم يحلق فيه رأساً ، ولم يغرب ، فلما رأى الناس قد أكثروا منه واستهانوا بالأربعين ضاعفها عليهم، وحلق ونفى. ولهذا نظائر كثيرة ستذكر في موضع آخر إن شاء الله. قالوا : وتوهم من توهم أنا خالفنا الإجماع فى هذه المسئلة غلط ، فإن الخلاف فيها أشهر من أن يجحد، وأظهر من أن يستر. وإذا كانت المسئلة من موارد النزاع فالواحب فيها امتثال. ما أمر الله به ورسوله، من رد ما تنازع فيه العلماء إلى الله ورسوله، وتحكيم الله ورسوله ، دون تحكيم أحد من الخلق ، قال تعالى (٤: ٥٩ فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم يؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا). فهذه بعض كلمات المانعين من الوقوع. ولو استوفينا الكلام فى المسئلة لاحتمات سفراً كبيراً؛ فلنقتصر على فوائد الحديث: قال الموقعون : وفيه دليل على أن الرجعة يستقل بها الزوج دون الولى ورضا المرأة ، لأنه جعل ذلك إليه ، دون غيره ، ودلالة القرآن على هذا أظهر من هذه الدلالة . قال تعالى (٢: ٢٢٨ وبعولتهن أحق بردهن فى ذلك) جمل الأزواج أحق بالرجعة من المرأة والولى. واختلفوا فى قوله ((مره فليراجعها)): هل الأمر بالرجعة على الوجوب أو الاستحباب؟ فقال الشافعى وأبو حنيفة والأوزاعى وابن أبى ليلى وسفيان الثورى وأحمد في إحدى الروايتين ، بل أشهرهما عنه: الأمر بالرجعة استحباب . قال بعضهم: لأن ابتداء النكاح إذا لم يكن واجباً فاستدامته كذلك، وقال مالك فى الأشهر عنه ، وداود وأحمد فى الرواية الأخرى : الرجعة واجبة للأمر بها، ولأن الطلاق لما كان محرماً فى هذا الزمن كان بقاء النكاح واستدامته فيه واجباً ، وبهذا يبطل قولهم إذا لم يجب ابتداء النكاح لم تجب استدامته ، فإن الاستدامة ههنا واجبة لأجل الوقت ، فإنه لا يجوز فيه الطلاق . قالوا : ولأن الرجعة إمساك، بدليل قوله (٢ : ٢٢٩ الطلاق حرمان فامساك بمعروف أو تسريح بإحسانٍ ) فالامساك مراجعتها في العدة، والتسريح تركها حتى تنقضي عدتها . وإذا كانت الرجعة إمساكاً ، فلا ريب فى وجوب إمساكها فى زمن الحيض ، وتحريم طلاقها ، فتكون واجبة . ثم اختلف الموجبون للرجعة فى علة ذلك: فقالت طائفة: إنما أمره برجعتها ليقع الطلاق الذى أراده فى زمن الإباحة ، وهو الطهر الذى لم يمسها فيه ، فلو لم يرتجعها لكان الطلاق الذى ترتبت عليه الأحكام هو الطلاق المحرم ، والشارع لا يرتب الأحكام على طلاق محرم ، فأمر برجعتها ، ليطلقها طلاقاً مباحاً ، يترتب عليه أحكام الطلاق . - ١٠٤ - وقالت طائفة: بل أمره برجعتها عقوبة له على طلاقها فى زمن الحيض، فعاقبه بنقيض قصده ، وأمره بارتجاعها ، عكس مقصوده . وقالت طائفة : بل العلة فى ذلك أن تحريم الطلاق فى زمن الحيض معلل بتطويل العدة فأمره يرجعتها ليزول المعنى الذى حرم الطلاق فى الحيض لأجله . وقال بعض الموجبين : إن أبى رجعتها أجبر عليها ، فإن امتنع ضرب وحبس ، فان أصر حكم علیه برجعتها وأشهد أنه قد ردها عليه ، فتكونامرأته ، يتوارثان، ويلزمه جميع حقوقها، حتى. يفارقها فراقاً ثانياً ، قاله أصبغ وغيره من المالكية . ثم اختلفوا : فقال مالك : يجبر على الرجعة ، وإن طهرت ، مادامت فى العدة ، لأنه وقت للرجعة . وقال أشهب : إذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت لم تجب رجعتها فى هذه الحال ، وإن كانت في العدة ، لأنه لا يجب عليه إمساكها فى هذه الحال لجواز طلاقها فيه ، فلا يجب عليه رجعتها فيه، إذ لو وجبت الرجعة فى هذا الوقت لحرم الطلاق فيه. وقوله صلى الله عليه وسلم (( حتى تطهر ، ثم تحيض، ثم تطهر ، ثم إن شاء أمسك بعد ذلك وإن شاء طلق)) قال البيهقى : أكثر الروايات عن ابن عمر (( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يراجعها حتى تطهر ، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك)) فإن كانت الرواية عن سالم ونافع وابن دينار فى أمره «بأن يراجعها، حتى تطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر ))، محفوظة ، فقد قال الشافعى : يحتمل أن يكون إنما أراد بذلك الاستبراء ، أن يستبرئتها بعد الحيضة التى طلقها فيها بطهر قام ، ثم حيض تام ، ليكون تطليقها وهى تعلم عدتها ، أبالحمل هى أم بالحيض ؟ أو ليكون تطليقها بعد عليه بالحمل ، وهو غير جاهل ماصنع، أو يرغب فيمسك للحمل، أو ليكون إن كانت سألت الطلاق غير حامل أن تكف عنه حاملا. آخر كلامه . وأكثر الروايات فى حديث ابن عمر مصرحة بأنه إنما أذن فى طلاقها بعد أن تطهر من تلك الحيضة ، ثم تحيض ثم تطهر ، هكذا أخرجاه فى الصحيحين من رواية نافع عنه ، ومن رواية ابنه سالم عنه. وفى لفظ متفق عليه: (( ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض عنده حيضة أخرى، ثم يمهلها حتى تطهر من حيضها)»، وفى لفظ آخر متفق عليه: «مره فليراجعها حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التى طلقها فيها))، ففى تعدد الحيض والطهر ثلاثة ألفاظ محفوظة متفق عليها ، من رواية ابنه سالم ومولاه نافع وعبد الله بن دينار وغيرهم ، والذين زادوا قد حفظوا مالم يحفظه هؤلاء . ولو قدر التعارض فالزائدون أكثر وأثبت فى ابن عمر وأخص به ، فروايتهم أولى ، لأن نافعاً مولاه أعلم الناس بحديثه، وسالم ابنه كذلك ، وعبد الله بن دینار من أثبت الناس فيه ، وأرواهم عنه ، فکیف یقدم اختصار أبی الزبير ، ويونس بن جبير على هؤلاء ؟ . - ١٠٥ - ومن العجب تعليل حديث أبى الزبير فى ردها عليه من غير احتساب بالطلقة بمخالفة غيره له ، ثم تقدم روايته التى سكت فيها عن تعدد الحيض والطهر على رواية نافع وابن دينار وسالم ! فالصواب الذى لا يشك فيه أن هذه الرواية ثابتة محفوظة ، ولذلك أخرجها أصحاب الصحيحين . واختلف فى جواز طلاقها فى الطهر المتعقب للحيضة التى طلق فيها على قولين : هما روايتان عن أحمد ومالك. أشهرهما عند أصحاب مالك : المنع حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى تلك الحيضة، ثم تطهر ، كما أمر به النبى صلى الله عليه وسلم . والثانى : يجوز طلاقها فى الطهر المتعقب لتلك الحيضة وهو قول الشافعى وأبى حنيفة؟ وأحمد فى الرواية الأخرى . ووجهه أن التحريم إنما كان لأجل الحيض ، فاذا طهرت زال موجب التحريم، نجاز طلاقها فى هذا الطهر كما يجوز فى الطهر الذى بعده ، وكما يجوز أيضاً طلاقها فيه ، لو لم يتقدم طلاق فى الحيض ، ولأن فى بعض طرق حديث ابن عمر فى الصحيح « ثم ليطلقها طاهراً، أو حاملا)) وفى لفظ ((ثم ليطلقها طاهراً من غير جماع فى قبل عدتها)) وفى لفظ (( فإذا طهرت فليطلقها لطهرها ، قال: فراجعها ثم طلقها لطهرها)) وفى حديث أبى الزبير وقال «إذا طهرت فليطلق أو لمسك)) وكل هذه الألفاظ فى الصحيح . وأما أصحاب القول الثانى فاحتجوا بما تقدم من أمره صلى الله عليه وسلم بإمساكها حتى تحيض ، ثم تطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر . وقد تقدم. قالوا : وحكمة ذلك من وجوه : أحدها : أنه لو طلقها عقب تلك الحيضة كان قد راجعها ليطلقها . وهذا عكس مقصود الرجعة ، فإن الله سبحانه إنما شرع الرجعة لإمساك المرأة وإيوائها، ولم شعث النكاح، وقطع سبب الفرقة، ولهذا سماه إمساكاً ، فأمره الشارع أن يمسكها فى ذلك الطهر، وأن لا يطلق فيه حتى تحيض حيضة أخرى، ثم تطهر ، لتكون الرجعة للإمساك لا للطلاق . قالوا : وقد أكد الشارع هذا المعنى، حتى إنه أمر فى بعض طرق هذا الحديث بأن يمسها فى الطهر المتعقب لتلك الحيضة ، فإذا حاضت بعده وطهرت ، فإن شاء طلقها قبل أن يمسها، فانه قال « مره فليراجعها ، فإذا طهرت مسها ، حتى إذا طهرت أخرى ، فإن شاء طلقها ، وإن شاء أمسكها )) ذكره ابن عبد البر، وقال: الرجعة لا تكاد تعلم صحتها إلا بالوطء، لأنه المبتغى من النكاح ، ولا يحصل الوطء إلا فى الطهر ، فإذا وطئها حرم طلاقها فيه ، حتى تحيض ، ثم تطهر، فاعتبرنا مظنة الوطء ومحله ، ولم يجعله محلاً للطلاق. الثانى : أن الطلاق حرم فى الحيض لتطويل العدة عليها ، فلو طلقها عقب الرجعة من غير وطء لم تكن قد استفادت بالرجعة فائدة ، فإن تلك الحيضة التى طلقت فيها لم تكن تحتسب عليها - ١٠٦ - من العدة ، وإنما تستقبل العدة من الطهر الذى يلها، أو من الحيضة الأخرى، على الاختلاف فى الأقراء ، فإذا طلقها عقب تلك الحيضة كانت فى معنى من طلقت ثم راجعها، ولم يمسها حتى طلقها، فإنها تبنى على عدتها فى أحد القولين ، لأنها لم تنقطع بوطء ، فالمعنى المقصود إعدامه من تطويل العدة موجود بعينه هنا ، لم يزل بطلاقها عقب الحيضة ، فأراد رسول الله صلي الله عليه وسلم قطع حكم الطلاق جملة بالوطء ، فاعتبر الطهر الذى هو موضع الوطء ، فإذا وطىء حرم طلاقها ، حتى تحيض ، ثم تطهر . ومنها : أنها ربما كانت حاملا، وهو لا يشعر ، فان الحامل قد ترى الدم بلا ريب، وهل حكمه حكم الحيض ، أو دم فساد ؟ على الخلاف فيه ؛ فأراد الشارع أن يستبرئها بعد تلك الحيضة بطهر تام ، ثم بحيض تام ، فينئذ تعلم هل هى حامل أو حائل ؟ فانه ربما يمسكها إذا علم أنها حامل منه، وربما تكف هى عن الرغبة في الطلاق إذا علمت أنها حامل ، وربما يزول الشر الموجب للطلاق بظهور الحمل ، فأراد الشارع تحيق علمها بذلك، نظراً للزوجين ، ومراعاة لمصلحتهما ، وحسماً لباب الندم . وهذا من أحسن محاسن الشريعة . وقيل : الحكمة فيه أنه عاقبه بأمره بتأخير الطلاق جزاء له على ما فعله من إيقاعه على الوجه المحرم . ورد هذا بأن ابن عمر لم يكن يعلم التحريم ، وأجيب عنه بأن هذا حكم شامل له ولغيره من الأمة ، وكونه رضى الله عنه لم يكن عالماً بالتحريم يفيد نفى الإثم ، لا عدم ترتب هذه المصلحة على الطلاق المحرم فى نفسه . وقيل : حكمته أن الطهر الذى بعد تلك الحيضة هو من حريم تلك الحيضة ، فهما كالقرء الواحد ، فلو شرع الطلاق فيه لصار كموقع طلقتين فى قرء واحد ، وليس هذا بطلاق السنة . وقيل : حكمته أنه نهى عن الطلاق فى الطهر ، ليطول مقامه معها ، ولعله تدعوه نفسه إلى وطئها ، وذهاب ما فى نفسه من الكراهة لها، فيكون ذلك حرصاً على ارتفاع الطلاق البغيض إلى الله، المحبوب إلى الشيطان، وحضا على بقاء النكاح، ودوام المودة والرحمة . والله أعلم. وقوله صلى الله عليه وسلم ((ثم ليطلقها طاهراً)) وفى اللفظ الآخر («فاذا طهرت فليطلقها إن شاء)، هل المراد به انقطاع الدم ، أو التطهر بالغسل ، أو ما يقوم مقامه من التيم؟ على قولين ، هما روايتان عن أحمد : إحداهما : أنه انقطاع الدم ، وهو قول الشافعى . والثانية: أنه الاغتسال ، وقال أبو حنيفة : إن طهرت لأكثر الحيض حل طلاقها بانقطاع الدم ، وإن طهرت لدون أكثره لم يحل طلاقها حتى تصير فى حكم الطاهرات بأحد ثلاثة أشياء، - ١٠٧ - إما أن تغتسل ، وإما أن تتيمم عند العجز وتصلى ، وإما أن يخرج عنها وقت صلاة، لأنه متى وجد أحد هذه الأشياء حكمنا بانقطاع حيضها . وسر المسألة أن الأحكام المترتبة على الحيض نوعان : منها ما يزول بنفس انقطاعه ، كصحة الغسل والصوم ، ووجوب الصلاة فى ذمتها . ومنها ما لا يزول إلا بالغسل ، كل الوطء وصحة الصلاة ، وجواز اللبث فى المسجد، وصحة الطواف ، وقراءة القرآن على أحد الأقوال ، فهل يقال الطلاق من النوع الأول ، أو من الثانى ؟ ولمن رجح إباحته قبل الغسل أن يقول : الحائض إذا انقطع دمها صارت كالجنب ، يحرم عليها ما يحرم عليه، ويصح منها مايصح منه ، ومعلوم أن المرأة الجنب لا يحرم طلاقها . ولمن رجح الثانى أن يجيب عن هذا بأنها لو كانت كالجنب لحل وطؤها ، ويحتج بما رواه النسائى فى سننه من حديث المعتمر بن سليمان قال: سمعت عبيدالله عن نافع عن عبد الله: ((أنه طلق امرأته وهى حائض تطليقة ، فانطلق عمر فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: مر عبد الله فليراجعها، فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا يمسها حتى يطلقها، فإن شاء أن يمسكها فليمسكها . فإنها العدة التى أمر الله أن تطلق لها النساء)). وهذا على شرط الصحيحين، وهو مفسر لقوله ((فاذا طهرت )) فيجب حمله عليه . وتمام هذه المسألة : أن العدة هل تنقضى بنفس انقطاع الدم وتنقطع الرجعة ، أم لا تنقطع إلا بالغسل ؟ وفيه خلاف بين السلف والخلف ، يأتى فى موضعه إن شاء الله تعالى . وقوله صلى الله عليه وسلم (( ثم ليطلقها طاهراً قبل أن يمس))، دليل على أن طلاقها فى الطهر الذى مس فيه ممنوع منه، وهو طلاق بدعة ، وهذا متفق عليه. فلو طلق فيه، قالوا : لم يجب عليه رجعتها ، قال ابن عبد البر : أجمعوا على أن الرجعة لا تجب فى هذه الصورة، وليس هذا الإجماع ثابتاً ، وإن كان قد حكاه صاحب المغنى أيضا ، فإن أحد الوجهين فى مذهب أحمد وجوب الرجعة فى هذا الطلاق ، حكاه فى الرعاية ، وهو القياس ، لأنه طلاق محرم ، فتجب الرجعة فيه ، كما تجب فى الطلاق فى زمن الحيض . ولمن فرق بينهما أن يقول : زمن الطهر وقت للوطء والطلاق ، وزمن الحيض ليس وقتاً لواحد منهما ، فظهر الفرق بينهما ، فلا يلزم من الأمر بالرجعة فى غير زمن الطلاق الأمر بها فى زمنه ، ولكن هذا الفرق ضعيف جدا ، فان زمن الطهر متى اتصل به المسيس صاركزمن الحيض فى تحريم الطلاق سواء ، ولا فرق بينهما ، بل الفرق المؤثر عند الناس أن المعنى الذى وجبت لأجله الرجعة إذا طلقها حائضاً منتف فى صورة الطلاق فى الطهر الذى مسها فيه ، فانها إنما حرم طلاقها فى زمن الحيض لتطويل العدة عليها، فانها لاتحتسب بقية الحيضة قرءاً اتفاقا . - ١٠٨ - فتحتاج إلى استئناف ثلاثة قروء كوامل، وأما الطهر فإنها تعتد بما بقي منه قرءاً، ولو كان لحظة ، فلا حاجة بها إلى أن يراجعها ، فان من قال الأقراء الأطهار كانت أول عدتها عنده عقب طلاقها ، ومن قال هى الحيض استأنف بها بعد الطهر ، وهو لو راجعها ثم أراد أن يطلقها لم يطلقها إلا فى طهر ، فلا فائدة فى الرجعة . هذا هو الفرق المؤثر بين الصورتين . وبعد، ففيه إشكال لا ينتبه له إلا من له خبرة بمأخذ الشرع وأسراره ، وجمعه وفرقه . وذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم أمره أن يطلقها إذا شاء قبل أن يمسها، وقال: (فتلك العدة التى أمر الله أن تطلق لها النساء)، وهذا ظاهر فى أن العدة إنما يكون استقبالها من طهر لم يمسها فيه، إن دل على أنها بالاطهار ، وأما طهر قد أصابها فيه فلم يجعله النبى صلى الله عليه وسلم من العدة التى أمر الله أن تطلق لها النساء، فكما لا تكون عدتها متصلة بالحيضة التى طلق فيها ينبغى أن لا تكون متصلة بالطهر الذى مسها فيه. لأن النبى صلى الله عليه وسلم سوى بينهما فى المنع من الطلاق فيهما ، وأخبر أن العدة التى أمر الله أن تطلق لها النساء هى من وقت الطهر الذى لم يمسها فيه، فمن أين لنا أن الطهر الذى مسهافيه هو أول العدة التى أمر الله أن تطلق لها النساء؟ وهذا مذهب أبي عبيد، وهو فى الظهور والحجة كما ترى، وقال الإمام أحمد والشافعى ومالك وأصحابهم : لو بقى من الطهر لحظة حسبت لها قرءاً . وإن كان قد جامع فيه، إذا قلنا : الأقراء الأطهار . قال المنتصرون لهذا القول: إنما حرم الطلاق فى زمن الحيض دفعاً لضرر تطويل العدة عليها ، فلو لم تحتسب بقية الطهر قرءاً كان الطلاق فى زمن الطهر أضر بها وأطول عليها . وهذا ضعيف جداً، فانها إذا طلقت فيه قبل المسيس احتسب به، وأما إذا طلقت بعد المسيس كان حكمها حكم المطلقة فى زمن الحيض، فكما لا تحتسب ببقية الحيضة لا تحتسب ببقية هذا الطهر الممسوسة فيه. قالوا: ولم يحرم الطلاق فى الطهر لأجل التطويل الموجودفى الحيض ، بل إنما حرم لكونها مرتابة ، فلعلها قد جملت من ذلك الوطء ، فيشتد ندمه إذا تحقق الحمل ، ويكثر الضرر . فإذا أراد أن يطلقها طلقها طاهراً من غير جماع، لأنهما قد تيقنا عدم الريبة، وأما إذا ظهر الحمل فقد دخل على بصيرة وأقدم على فراقها حاملاً قالوا : فهذا الفرق بين الطلاق فى الحيض والطهر المجامع فيه ، قالوا : وسر ذلك أن المرأة إن كانت حاملا من هذا الوطء فعدتها بوضع الحمل ، وإن لم تكن قد حملت منه فهو قرء صحيح، فلا ضرر عليها فى طلاقها فيه . ولمن نصر قول أبى عبيد أن يقول : الشارع إنما جعل استقبال عدة المطلقة من طهر لم يمسها فيه، ليكون المطلق على بصيرة من أمره ، والمطلقة على بصيرة من عدتها أنها بالأقراء . فأما إذا مسها فى الظهر ثم طلقها، لم يدر أحاملا أم حائلا؟ ولم تدر المرأة: أعدتها بالحمل أم بالأقراء ؟ -- ١٠٩ - فكان الضرر علهما فى هذا الطلاق أشد من الضرر فى طلاقها وهى حائض ، فلا تحتسب ببقية ذلك الطهر قرءاً، كما لم يحتسب الشارع به فى جواز إيقاع الطلاق فيه . وهذا التفريع كله على أقوال الأئمة والجمهور . وأما من لم يوقع الطلاق البدعى فلا يحتاج إلى شىء من هذا . وقوله (( ليطلقها طاهراً أو حاملا)) دليل على أن الحامل طلاقها سنى، قال ابن عبد البر: لاخلاف بين العلماء أن الحامل طلاقها للسنة، قال الإمام أحمد: أذهب إلى حديث سالم عن أبيه ((ثم يطلقها طاهرا أو حاملا)) وعن أحمد رواية أخرى ، أن طلاق الحامل ليس بسنى ولا بدعى، وإنما يثبت لها ذلك من جهة العدد ، لامن جهه الوقت، ولفظة ((الحمل)» فى حديث ابن عمر انفرد بها مسلم وحده فى بعض طرق الحديث. ولم يذكرها البخارى . فلذلك لم يكن طلاقها سنيا ولا بدعيا، لأن الشارع لم يمنع منه. فان قيل : إذا لم يكن سنيا كان طلاقا بدعيا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أباح طلاقها فى طهر لميمسها فيه، فاذا مسها فى الطهر وحملت واستمر حملها، استمر المنع من الطلاق ، فكيف يبيحه تجدد ظهور الحمل ، فاذا لم يثبتوا هذه اللفظة لم يكن طلاق الحامل جائزا ؟ فالجواب : أن المعنى الذى لأجله حرم الطلاق بعد المسيس معدوم عند ظهور الحمل ، لأن المطلق عند ظهور الحمل قد دخل على بصيرة ، فلا يخاف ظهور أمر يتجدد به الندم ، وليست المرأة مرتابة لعدم اشتباه الأمر عليها، بخلاف طلاقها مع الشك فى حملها . والله أعلم . وقوله (« طاهراً أو حاملا))، احتج به من قال الحامل لا تحيض، لأنه صلى الله عليه وسلم حرم الطلاق فى زمن الحيض ، وأباحه فى وقت الطهر والحمل ، فلو كانت الحامل تحيض لم يبح طلاقها حاملا إذا رأت الدم ، وهو خلاف الحديث. ولأصحاب القول الآخر أن يجيبوا عن ذلك، بأن حيض الحامل لما لم يكن له تأثير فى العدة بحال، لا فى تطويلها ولا تخفيفها، إذ عدتها بوضع الحمل، أباح الشارع طلاقها حاملا مطلقاً، وغير الحامل لم يبح طلاقها إلا إذا لم تكن حائضاً ، لأن الحيض يؤثر فى العدة ، لأن عدتها بالأقراء، فالحديث دل على أن المرأة لها حالتان ، احداهما : أن تكون حائلا، فلا تطلق إلا فى طهر لم يمسها فيه، والثانية : أن تكون حاملا، فيجوز طلاقها . والفرق بين الحامل وغيرها فى الطلاق إنما هو بسبب الحمل وعدمه ، لا بسبب حيض ولا طهر ولهذا يجوز طلاق الحامل بعد المسيس، دون الحائل ، وهذا جواب سديد. والله أعلم . وقد أفردت لمسألة الحامل هل تخيض أم لا؟ مصنفاً مفرداً . وقد احتج بالحديث من يرى أن السنة تفريق الطلقات على الأقراء ، فيطلق لكل قرء طلقة ، وهذا قول أبى حنيفة وسائر الكوفيين ، وعن أحمد رواية كقولهم . - ١١٠ - -- قالوا: وذلك لأن النبى صلى الله عليه وسلم إنما أمره بإمساكها فى الطهر المتعقب للحيض، لأنه لم يفصل بينه وبين الطلاق طهر كامل ، والسنة أن يفصل بين الطلقة والطلقة قرء كامل ، فاذا طهرت ثم حاضت ثم طهرت . طلقها طلقة بائنة ، لحصول الفصل بين الطللقتين بطهر كامل، قالوا : فلهذا المعنى اعتبر الشارع الفصل بين الطلاق الأول والثاني . قالوا : وفى بعض حديث ابن عمر ((السنة أن يستقبل الطير، فيطلق لكل قرء)) وروى النسائى فى سننه عن ابن مسعود قال: ((طلاق السنة أن يطلقها تطليقة وهى طاهر فى غير جماع، فاذا حاضت فطهرت طلقها أخرى ، فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى ، ثم تعتد بعد ذلك بحيضة))، وهذا الاستدلال ضعيف، فان النبى صلى الله عليه وسلم لم يأمره بإمساكها فى الطهر الثانى، ليفرق الطلقات الثلاث على الأقراء، ولا فى الحديث ما يدل على ذلك ، وإنما أمره بطلاقها طاهراً قبل أن يمسها ، وقد ذكرنا حكمة إمساكها فى الطهر الأول . وأما قوله ((والسنة أن يستقبل الطهر فيطلق لكل قرء))، فهو حديث قد تكلم الناس فيه وأنكروه على عطاء الخراساني ، فانه انفرد بهذه اللفظة دون سائر الرواة ، قال البيهقى : وأما الحديث الذى رواه عطاء الخراسانى عن ابن عمر فى هذه القصة: أن النبى صلى اللّه عليه وسلم قال: ((السنة أن يستقبل الطهر فيطلق لكل قرء))، فانه أتى فى هذا الحديث بزيادات لم يتابع عليها ، وهو ضعيف فى الحديث لا يقبل منه ماينفرد به . وأما حديث ابن مسعود مع أنه موقوف عليه ، فهو حديث يرويه أبو إسحق عن أبى الأحوص عن عبد الله، واختلف على أبى إسحق فيه ، فقال الأعمش عنه كما تقدم، وقال سفيان الثورى عن أبى إسحق عن أبى الأحوص عنه: (( طلاق السنة أن يطلقها طاهراً من غير جماع))، ولعل هذا حديثان، والذى يدل عليه أن الأعمش قال. سألت إبراهيم ، فقال لى مثل ذلك . وبالجملة فهذا غايته أن يكون قول ابن مسعود، وقد خالفه على وغيره .. وقد روي عن ابن مسعود روايتان : إحدهما : التفريق، والثانية : إفراد الطلقة ، وتركها حتى تنقضي عدتها . قال: ((طلاق السنة أن يطلقها وهى طاهر، ثم يدعها حتى تنقضى عدتها، أو يراجعها إن شاء)) ، ذكره ابن عبد البر عنه. ولأن هذا أردا طلاق لأنه طلاق من غير حاجة إليه ، وتعريض لتحريم المرأة عليه إلا بعد زوج وإصابة ، والشارع لاغرض له في ذلك ولامصلحة للمطلق ، فكان بدعيا. والله أعلم . وقوله «فتلك العدة التى أمر الله أن تطلق لها النساء)»، احتج به من يرى الأقراء هى الأطهار. قالوا: واللام بمعنى الوقت، كقوله تعالى (١٧: ٧٨ أقم الصلاة لدلوك الشمس) وقول العرب: كتب لثلاث مضين، ولثلاث بقين. وفى الحديث ((فليصلها حين ذكرها ، ومن الغد للوقت)، قالوا : فهذه اللام الوقتية بمعنى (( فى )». - ١١١ - وأجاب الآخرون عن هذا بأن اللام فى قوله تعالى (٦٥: ١ فطلقوهن لعدتهن) هى اللام. المذكورة فى قوله صلى الله عليه وسلم (( أن تطلق لها النساء)، ولا يصح أن تكون وقتية ، ولا ذكر أحد من أهل العربية أن اللام تأتى بمعنى ((فى)) أصلا. ولا يصح أن تكون هنا بمعنى ((فى ))، ولو صح فى غير هذا الموضع، لأن الطلاق لا يكون فى نفس العدة، ولا تكون عدة الطلاق ظرفاً له قط، وإنما اللام هنا على بابها للاختصاص . والمعنى طلقوهن مستقبلات عدتهن، ويفسر هذا قراءة النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث ابن عمر: (( فطلقوهن فى قبل عدتهن))، أى فى الوقت الذى تستقبل فيه العدة . وعلى هذا فاذا طلقها فى طهرها استقبلت العدة. من الحيضة التى تليه، فقد طلقها فى قبل عدتها ، بخلاف ما إذا طلقها حائضاً ، فإنها لا تعتد بتلك الحيضة ، وينتظر فراغها وانقضاء الطهر الذى يلبها ، ثم تشرع فى العدة ، فلا يكون طلاقها حائضاً طلاقاً فى قبل عدتها ، وقد أفردت لهذه المسألة مصنفاً مستقلا ، ذكرت فيه مذاهب. الناس ومآخذهم، وترجيح القول الراجح، والجواب عما احتج به أصحاب القول الآخر . وقوله (مره فليراجعها)» دليل على أن الأمر بالأمر بالشيء أمر به. وقد اختلف الناس فى ذلك ، وفصل النزاع أن المأمور الأول إن كان مبلغاً محضاً كأمر النبى صلى الله عليه وسلم آحاد الصحابة أن يأمر الغائب عنه بأمره ، فهذا أمر به من جهة الشارع قطعاً ، ولا يقبل ذلك نزاعاً أصلا، ومنه قوله (( مرها فلتصبر ولتحتسب)) وقوله (( مروهم. بصلاة كذا فى حين كذا)) ونظائره، فهذا الثانى مأمور به من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم. فاذا عصاء المبلغ إليه فقد عصى أمر الرسول صلوات الله وسلامه عليه، والمأمور الأول مبلغ محض، وإن كان الأمر متوجهاً إلى المأمور الأول توجه التكليف ، والثانى غير مكلف ، لم يكن أمراً الثانى من جهة الشارع، كقوله صلى الله عليه وسلم ((مروهم بالصلاة لسبع))، فهذا الأمر خطاب للأولياء بأمر الصبيان بالصلاة ، فهذا فصل الخطاب فى هذا الباب . والله أعلم بالصواب. فهذه كلمات نبهنا بها على بعض فوائد حديث ابن عمر ، فلا تستطلها ، فانها مشتملة على فوائد جمة، وقواعد مهمة ، ومباحث، لمن قصده الظفر بالحق وإعطاء كل ذى حق حقه، من غير ميل مع ذى مذهبه ، ولا خدمة لإمامه وأصحابه ، بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل تابع للدليل حريص على الظفر بالسنة والسبيل ، يدور مع الحق أنى توجهت ركائبه ، ويستقر معه حيث استقرت مضاربه ، ولا يعرف قدر هذا السير إلا من علت همته، وتطلعت نوازع قلبه ، واستشرفت نفسه إلى الارتضاع من ثدى الرساله ، والورود من عين حوض النبوة ، والخلاص من شباك الأقوال المتعارضة ، والآراء المتناقضة، إلى فضاء العلم الموروث، عمن لا ينطق عن الهوى، ولا يتجاوز نطقه البيان والرشاد والهدى ، وبيداء اليقين التى من حلها حشد فى زمرة العلماء » - ١١٢ - باب الرجل يراجع ولا يشهد ) [٢٢٣:٢ ] ٢٠٩٩ - عن مُطرّف بن عبدالله: (( أن عمران بن حصين سئل عن الرجل يطلق امرأته، ثم يقع بها، ولم يُشهد على طلاقها، ولا على رجعتها؟ فقال: طلَّقْتَ لغير سنة، وَرَاجَعْتَ لغير سنة، أُشْهِدْ على طلاقها وعلى رجعتها ، ولا تَعُدْ)). وأخرجه ابن ماجة . باب فى سنة طلاق العبد (٢) [٢٢٣:٢] ٢١٠٠ - عن أبى حسن مولى بنى نَوْفل: (( أنه استفتى ابن عباس فى ملوك كانت تحته ملوكة ، فطلقها طلقتين، ثم عَتَقًا بعد ذلك، هل يصلح له أن يخطبها؟ قال: نعم ، قضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم))(٣). ٢١٠١ - وفى رواية: قال ابن عباس: ( بقيت لك واحدة، قضی به رسول الله صلى الله عليه وسلم )) . ٢١٠٠ - قال الشيخ: لم يذهب إلى هذا أحد من العلماء، فيما أعلم، وفى إسناده مقال ، وقد ذكر أبوداود عن أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق أن ابن المبارك قال لمعمر : من أبوالحسن هذا ؟ قال : لقد تحمل صخرة عظيمة . قال الشيخ : يريد بذلك إنكار ما جاء به من الحديث ، ومذهب عامة الفقهاء أن المملوكة إذا كانت تحت مملوك فطلقها تطليقتين ، أنها لا تحل له إلا بعد زوج . وعد من ورثة الأنبياء ، وما هى إلا أوقات محدودة ، وأنفاس على العبد معدودة ، فلينفقها فما شاء . فانظر لنفسك فى الهوى من تصطفى أنت القتيل لكل من أحببته (١) بوب المنذرى عليه ((باب فى نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث)) وهذا الباب سيأتى بعدأربعة أبواب. وذكر فيه هنا حديث ابن عباس الذى سيأتي رقم ٢١٠٨، ويبدو لى أن هذا التصرف خطأ والله أعلم. (٢) هذا الباب عند الخطابى مؤخر . (٣) رواه أحمد فى المسند ٢٠٣١، ٣٠٨٨، وأثبتنا فى الموضع الأول أن إسناده حسن . أحمد محمد شاكر - ١١٣ - وأخرجه النسائي وابن ماجة . قال الخطابي: لم يذهب إلى هذا أحد من العلماء فيما أعلم . .وفى إسناده مقال . وقد ذكر أبو داود عن أحمد بن حنبل عن عبد الرزاق : أن ابن المبارك قال لمعمر: مَنْ أَبو الحسن هذا؟ قال: لقد تحمَّل صَخْرةً عظيمة !!! قال الشيخ: يريد بذلك إنكار ما جاء به من الحديث. هذا آخر كلامه . وأبو الحسن هذا قد ذكر بخير وصلاح ، وقد وثقه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان ، غير أن الراوى عنه عمر بن مُعَنِّب ، وقد قال على بن المدينى : عمر بن معتب منكر الحديث ، وسئل أيضاً عنه ؟ فقال : مجهول ، لم يرو عنه غير يحيى -، يعنى ابن أبى كثير - وقال أبو عبد الرحمن النسائى: عمر بن معتب ليس بالقوى . وقال الأمير أبونصر بن ماكولا : منكر الحديث(*)، هذا. آخر كلامه . ومعتب : بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد التاء ثالث الحروف وكسرها وبعدها باء بواحدة. ٢١٠٢ - وعن عائشة، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((طَلَاقُ الأَمَةِ تطليقتان، وقُرُؤُها ٢١٠٢ - قال الشيخ : اختلف العلماء فى هذا : فقالت طائفة : الطلاق بالرجال ، والعدة (*) قال ابن القيم: وليس فى المسألة إجماع ، فإن إحدى الروايتين عن الإمام أحمد القول بهذا الحديث ، قال : ولا أرى شيئاً يدفعه وغير واحد يقول به : أبو سلمة وجابر وسعيد بن المسيب. هذا آخر كلامه . وقال مرة : حديث عثمان وزيد فى تحريمها عليه جيد ، وحديث ابن عباس يرويه عمر بن معتب، ولا أعرفه، ثم ذكر كلام ابن المبارك . قال أحمد : أما أبو حسن فهو عندى معروف ، ولكن لا أعرف عمر بن معتب . وقال الإمام أحمد فى رواية ابن منصور ، في عبد تحته مملوكة ، وطلقها تطليقتين ثم عتقا: يتزوجها وتكون على واحدة ، على حديث عمر بن معتب . وقال فى رواية أبى طالب فى هذه المسألة : يتزوجها ، ولا يبالى عتقا ، أو بعد العدة ، وهو قول ابن عباس وجابر بن عبد الله وأبى سلمة وقتادة. قال أبو بكر عبد العزيز: إن صح الحديث فالعمل عليه ، وإن لم يصح فالعمل على حديث عثمان وزيد . وحديث عثمان وزيد الذى أشار إليه: هو مارواه الأثرم فى سفنه عن سليمان بن يسار: ((أن تهيعاً مكاتب أم سلمة طلق امرأته حرة بتطليقتين ، فسأل عثمان وزيد بن ثابت عن ذلك ؟ فقالا : حرمت عليك )». ٢١٠٢٠ - قال ابن القيم: وللحديث بعد علة عجيبة، ذكرها البخارى فى تاريخه الكبير ، قال مظاهر م ٨ - مختصر الن - ١١٤ - حَيْضَتَان)» .. وفى رواية: (( وعِدَُّها حيضتان)). بالنسناء ، روى ذلك عن ابن عمر وزيد بن ثابت وابن عباس . وإليه ذهب عطاء بن أبى رباح ، وهو قول مالك والشافعى وأحمد ، وإسحق . وإذا كانت أمه تحت خُرٍ ، فطلاقها ثلاث ، وعدتها قرءان ، وإن كانت حرة تحت عبد ، فطلاقها اثنتان ، وعدتها ثلاثة أقراء، فى قول هؤلاء . بن أسلم عن القاسم عن عائشة رفعه «طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان)) قال أبو عاصم: حدثنا ابن جريج عن مظاهر، ثم لقيت مظاهراً حدثنا به وكان أبو عاصم يضعف مظاهراً ، وقال يحيي بن سلمان : حدثنا ابن وهب قال: حدثنى أسامة بن زيدبن أسلم عن أبيه: ((أنه كان جالساً عند أبيه، فأناه رسول الأمير ، فقال: إن الأمير يقول لك: كم عدة الأمة ؟ قال : عدة الأمة حيضتان ، وطلاق الحر الأمة ثلاث ، وطلاق العبد الحرة تطليقتان ، وعدة الحرة ثلاث حيض، ثم قال للرسول : أين تذهب؟ قال: أمرنى أن أسأل القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله ،قال فأقسم عليك إلا رجعت إلى فأخبرتنى ما يقولان ، فذهب ورجع إلى أبى، فأخبره أنهما قالا كما قال، وقالا له: قل: إن هذا ليس فى كتاب الله، ولا فى سنة رسول الله، ولكن عمل به المسلمون (١). (١) لست أدرى من أين قل ابن القيم كلام البخاري هذا، الذى ينسبه للتاريخ الكبير ، فان البخارى ترجم المظاهر فيه مرتين (ج ٤ ق ٢ ص ٦٨ وص ٧٣) قال فى الأولى: ((مظاهر بن أسلم المخزومى، سمع سعيداً المقبرى، روى عنه سليمان بن موسى الزهراني))، وقال فى الثانية: ((مظاهر بن أسلم عن القاسم عن عائشة رفعته، ( فى طلاق الأمة )، كان أبو عاصم يضعفه)). وترجمه أيضاً فى التاريخ الصغير ١٧٣ قال: ((حدثنا أبو عاصم عن ابن جريج عن مظاهر بن أسلم عن القاسم عن عائشة، رفعه: ((طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان))، قال أبو عاصم: ثم لقيت مظاهراً حدثنى به . وكان أبو عاصم يضعفه مظاهراً . [ قال البخارى ]: قال يحمي بن سليمان، قال حدثنا ابن وهب قال حدثنى أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن القاسم وسالم «عدة الأمة حيضتان، وطلاق الحر الأمة ثلاث، وطلاق العبد الحرة تطليقتان» وقال : ليس هذا فى كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن عمل به المسلمون. وهذا يرد حديث مظاهر)) . فهذا كلام البخارى فى التاريخ الصغير ، شبيه بما نقل ابن القيم عن التاريخ الكبير ، ومختصر منه ، ولكنه ليس به . فلعل البخارى ذكر ما نقل ابن القيم فى موضع آخر من الكبير ، أو فى التاريخ الأوسط . أحمد محمد شاكر - ١٢٥ - وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال أبو داود : هو حديث مجهول . وقال الترمذى : حديث غريب ، لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث مظاهر بن أسلم، ومظاهر لا يعرف له فى العلم. غيرهذا الحديث. هذا آخر كلامه . وقد ذكر له أبو أحمد بن عدى حديثاً آخر، رواه عن أبي سعيد المقبرى عن أبي هريرة: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ عشر آيات من آخر آل عمران كل ليلة )). قلت: ومظاهر ، هذا، مخزومى مكى ، ضعفه أبو عاصم النّبيل ، وقال يحيى بن معين : ليس بشىء مع أنه لا يعرف. وقال أبو حاتم الرازى: منكر الحديث . وقال الخطابى: والحديث حجة لأهل العراق، إن ثبت ، ولكن أهل الحديث ضعفوه، ومنهم من تأوله على أن يكون الزوج عبداً . وقال البيهقى: ولو كان ثابتاً قلنا به ، إلا أنَّا لا يثبت حديثاً يرويه من نجهل عدالته . وبالله التوفيق . هذا آخر كلامه. ومظاهر: بضم الميم وفتح الظاء المعجمة وبعد الألف هاء مكسورة وراء مهملة . باب فى الطلاق قبل النكاح [٢: ٢٢٤ ] ٢١٠٣ - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : وقال أبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثورى : الحرة تعتد ثلاثة أقراء ، كانت تحت حر أو عبد ، وطلاقها ثلاث كالعدة، والأمة تعتد قرأين ، وتطلق بطلقتين ، سواء كانت تحت حر أو عبد . قال الشيخ : والحديث حجة لأهل العراق ، إن ثبت، ولكن أهل الحديث ضعفوه، ومنهم من تأوله على أن يكون الزوج عبداً . ٢١٠٣ - قال الشيخ: قوله ((لا طلاق)) ومعناه نفى حكم الطلاق المرسل على المرأة قبل أن وذكر الدار قطنى حديث مظاهر، ثم قال: والصحيح عن القاسم خلاف هذا، وذكر عن القاسم أنه قيل له: بلغك فى هذا عن النبى صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا. وذكره الدار قطنى أيضاً من حديث ابن عمر مرفوعاً، وقال : تفردبه عمربن شبيب والصحيح أنه من قول ابن عمر . - ١١٦ - (( لا طَلَاقَ إلاَّ فيما تملك، ولا يعِتق إلا فيما تملك، ولا بيعَ إلا فيما تملك)) ٢١٠٤ - وفى رواية: ((ولا وفاء نذر إلا فيما تملك)). ◌ُملك بعقد النكاح، وهو يقتضى نفى وقوعه على العموم ، سواء كان فى امرأة بعينها أو فى نساء لا بأعيانهن. وقد اختلف الناس فى هذا : فروى عن على وابن عباس وعائشة رضى الله عنهم أنهم لم يروا طلاقاً إلا بعد النكاح ، وروى ذلك عن شريح وابن المسيب وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير وعروة وعكرمة وقتادة . وإليه ذهب الشافعى. وروى عن ابن مسعود إيقاع الطلاق قبل النكاح، وبه قال الزهرى ، وإليه ذهب أصحاب الرأى . وقال مالك والأوزاعى وابن أبى ليلى: إن خص امرأة بعينها، أو قال: من قبيلة أو بلد بعينه ، جاز، وإن عم فليس بشىء ، وكذلك قال ربيعة بن أبى عبد الرحمن ، وقال سفيان الثورى نحواً من ذلك إذا قال: إلى سنة ، أو وقت معلوم . وقال أحمد بن حنبل وأبو عبيد: إن كان نكح لم يؤمر بالفراق، وإن لم يكن نكح لم يؤمر بالتزويج . وقد رُوى نحو من هذا عن الأوزاعى . قال الشيخ : وأسعد الناس بهذا الحديث من قال بظاهره وأجراه على عمومه . إذ لا حجة مع من فرق بين حال وحال . والحديث حديث حسن . وقال أبو عيسى الترمذى: سألت محمد بن إسمعيل ، فقلت: أى شىء أصح فى الطلاق قبل النكاح ؟ فقال : حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده . وسئل ابن عباس عن هذا؟ فقرأ قوله عز وجل ( ٣٣: ٤٩ يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن ) الآية . وقوله ((ولا بيع إلا فيما تملك)) لا أعلم خلافاً أنه لو باع سلعة لا يملكها ثم ملكها أن البيع لا يصح فيها ، فكذلك إذا طلق امرأة لم يملكها ثم ملكها ، وكذلك هذا فى النذر . وسنذ کر الخلاف فیه فى موضعه إن شاء الله . - ١١٧ - ٢١٠٥ - وفى رواية: ((مَنْ حَلَفَ على مَعْصِيَةٍ فلا يَمِينَ له، ومن حَلَفَ على قطيعة وَرَحِيمٍ فلا يمين له)» . ٢١٠٦ - وفى رواية: «ولا نَذْرَ إلاَّ فِيما أُبْتُغِىَ وَجْهُ الله تعالى ذِكْرُهُ)). وأخرجه الترمذى وابن ماجة بنحوه . وقد روى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم . وقال الترمذى : حديث حسن ، وهو أحسن شىء روى فى هذا الباب ، وقال أيضاً: سألت محمد بن إسماعيل ، فقلت : أى شىء أصح فى الطلاق قبل النكاح؟ فقال : حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده . وقال الخطابي : وأسعد الناس بهذا الحديث من قال بظاهره، وأجراه على عمومه، إذ لا حجة مع من فرق بين حال وحال . والحديث حسن . باب فى الطلاق على غلط [٢: ٢٢٤ ] ٢١٠٧ - عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( لا طلاقَ ولا ٢١٠٥ - قال الشيخ : هذا يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون أراد به اليمين المطلقة من الإيمان ، فيكون معنى قوله ((لا يمين له))، أى لا يبر فى يمينه، ولكنه يحنث ويكفّر ، كما روى أنه قال: « من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها ، فليأت الذى هو خير، وليكفّر عن يمينه». والوجه الآخر : أن يكون أراد به النذر الذى مخرجه مخرج اليمين ، كقوله : إن فعلت كذا فله علىّ أن أذبح ولدى ، فإن هذه يمين باطلة ، لا يلزم الوفاء بها ، ولا يلزمه فيها كفارة ولا فدية، وكذلك هذا فيمن نذر أن يذبح ولده على سبيل التبرر والتقرب ، فالنذر لا ينعقد فيه ، والوفاء لا يلزم به ، وليس فيه كفارة . والله أعلم. ٢١٠٧ - قال الشيخ: معنى (( الإغلاق)) (١) الإكراه. وكان عمر بن الخطاب وعلى بن ٢١٠٧ - قال ابن القيم: قال شيخنا : والاغلاق السداد باب العلم والقصد عليه ، فيدخل فيه (١) بعض نسخ أبى داود ((إغلاق))، بكسر الهمزة، وهى التى شرحها الخطابى، وبعضها «غلاق)» بغير همزة، بفتح الغين، وهى التى عليها رواية المنذرى. ((الإغلاق)) المصدر، و((الغلاق)» الاسم منه. أحمد محمد شاكر - ١١٨ - مَتَاقَ فِى غَلاق )). قال أبو داود : الغلاق أظنه فى الغضب . وأخرجه ابن ماجة. وفى إسناده محمد بن عبيد بن أبى صالح المكى، وهو ضعيف . والمحفوظ فيه ((إغلاق))، وفسروه بالإ كراه، لأن المكره يغلق عليه أمره وتصرفه . وقيل: كأن يغلق عليه الباب ويحبس ويضيق عليه حتى يطلق. وقيل : الإغلاق ههنا : الغضب، كما ذكره أبو داود. وقيل: معناه: النهى عن إيقاع الطلاق الثلاث كله فى دفعة واحدة حتى لا يبقى منه شيء، ولكن ليطلق للسنة كما أمر . باب فى الطلاق على الهزل [٢٢٥:٢] ٢١٠٨ - عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((ثَلَاثْ جِدُّهُنَّ حِدٌّ أبى طالب وابن عمر وابن عباس رضى الله عنهم لا يرون طلاق المكره طلاقاً. وهو قول شريح وعطاء وطاوس وجابر بن زيد والحسن وعمر بن عبد العزيز والقاسم وسالم ، وإليه ذهب مالك بن أنس والأوزاعى والشافعى وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه . وكان الشعبى والنخعى والزهرى وقتادة يرون طلاق المكره جائزاً وإليه ذهب أصحاب الرأى . وقالوا فى بيع المكره : إنه غير جائز . وقال شريح: القيد كره ، والوعيد كره . وقال أحمد بن حنبل: الكره إذا كان القتل أو الضرب الشديد . وقال أصحاب الشافعى فى المكره: إنما لا يمضى طلاقه إذا ورّى عنه بشىء ، مثل أن ينوى طلاقاً من وثاق أو نحوه ، كما يكره على الكفر، فيورّى وهو يعتقد بقلبه الإيمان . ٢١٠٨ - قال الشيخ: اتفق عامة أهل العلم على أن صريح لفظ الطلاق إذا جرى على لسان طلاق المعتوه والمجنون والسكران والمكره والغضبان الذى لا يعقل ما يقول، لأن كلا من هؤلاء قد أغلق عليه باب العلم والقصد ، والطلاق إنما يقع من قاصد له ، عالم به . والله أعلم ٢١٠٨ - قال : وقد احتج به من يرى طلاق المكره لازماً ، قال : لأنه أكثر ما فيه أنه - ١١٩ - :وهَزْ لُهُنَّ جِدٌّ : النكاح، والطلاق، والرَّجْعة)). وأخرجه الترمذى وابن ماجة . وقال الترمذى: حديث حسن غريب . هذا آخر كلامه. وقال أبو بكر المعافرى: روى ((والعتق» ولم يصح شىء منه. فإن كان أراد ليس منه شىء على شرط الصحيح ، فلا كلام ، وإن أراد أنه ضعيف ، ففيه نظر ، فإنه حسن ، كما قال الترمذى . البالغ العاقل فإنه مؤاخذ به ، ولا ينفعه أن يقول: كنت لاعباً أو هازلاً، أو لم أنو به طلاقاً، أو ما أشبه ذلك من الأمور . واحتج بعض العلماء فى ذلك بقول الله تعالي (٢: ٢٣١ ولا تتخذوا آيات الله هزواً). وقال : لو أطلق للناس ذلك لتعطلت الأحكام، ولم يشأ مطلق أو ناكح أو معتق أن يقول: كنت فى قولى هازلاً [إلا قال](١) فيكون فى ذلك إبطال أحكام الله سبحانه وتعالى، وذلك جائز. فكل من تكلم بشىء مما جاء ذكره فى هذا الحديث لزمه حكمه ، ولم يقبل منه أن يدعى خلافه. وذلك تأكيد لأمر الفروج واحتياط له (٢) . والله أعلم. لم يقصده، والقصد لا يعتبر فى الصريح ، بدليل وقوعه من الهازل واللاعب ، وهذا قياس فاسد فإن المكره غير قاصد للقول، ولا لموجبه، وإنما حمل عليه وأكره على التكلم به ، ولم يكره على القصد . وأما الهازل فإنه تكلم باللفظ اختياراً وقصد به غير موجبه ، وهذا ليس إليه ، بل إلى الشارع ، فهو أراد اللفظ الذي إليه ، وأراد أن لا يكون موجبه، وليس إليه ، فإن من باشر سبب الحكم باختياره لزمه مسببه ومقتضاه، وإن لم يرده (٣). وأما المكره فإنه لم يرد لاهذا ولا هذا، فقياسه على الهازل غير صحيح . (١) زيادة ضروريه لتمام الكلام على وجهه. (٢) لعل الاحتياط لأمر الفروج أدعى أن لا يقع طلاق الهازل، لأنه مع تضعيف الامام أبى بكر المعافرى للحديث - فالقواعد الشرعية فى العقود تقتضى ان لا يقام لكلام الهازل وزن إلا التأديب . وقدحقق أخونا الشيخ أحمد شاكر ذلك فى كتابه نظام الطلاق . وكلام الخطابى على الحديث (٢١١٣) يرد عليه قوله هنا . فتأمل . (٣) ولكن كيف يصفع فى قوله فى الباب قبله: والطلاق إنما يقع من قاصد له عالم به ، على أن الحديث ضعيف، كما قال أبو بكر المعافرى: لم يصح شىء منه. والله أعلم. محمد حامد الفقى. - ١٢٠ - باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث [٢٢٥:٢] ٢١٠٩ - عن ابن عباس قال: (٢: ٢٣٨ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله فى أرحامهن ) الآية ، وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثاً ، فنسخ ذلك، وقال (٢٢٩:٢ الطلاق مرتان). [ الآية]. وأخرجه النسائى . وفى إسناده على بن الحسين بن واقد ، وفيه مقال . ٢١١٠ - وعن ابن عباس قال «طَلَّقَ عَبْد يزيد، أبو ركانة وإخْوَتِهِ، أمّ ركانة، ونكح واختلفوا فى الخطأ والنسيان فى الطلاق : فقال عطاء وعمرو بن دينار ، فيمن حلف على أمر لا يفعله بالطلاق ، ففعله ناسياً : أنه لا يحنث . وقال الزهرى ومكحول وقتادة: يحنث . وإليه ذهب مالك وأصحاب الرأى . وهو قول الأوزاعى والثوری وابن أبى ليلى . وقال الشافعى: يحنث فى الحكم. وكان أحمد بن حنبل يحنثه فى الطلاق ، ويقف. عند إيجاب الحنث فى سائر الأيمان إذا كان ناسياً . ٢١١٠ - قال الشيخ: فى إسناد هذا الحديث مقال، لأن ابن جريج إنما رواه عن بعض بنى ٢١٠٩ - قال الشيخ شمس الدين بن القيم رحمه الله: لم يذكر أبو داود فى النسخ غير هذين . وفيه أحاديث أصح وأصرح منها : منها حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ((كان الرجل إذا طلق امرأته ، ثم ارتجعها قبل أن تنقضى عدتها ، كان ذلك له ، وإن طلقها ألف مرة ، فعمد رجل إلى امرأة له فطلقها ثم أمهلها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها ارتجعها، ثم طلقها، وقال: والله لا آويك إلى، ولا تحلين أبداً، فأنزل الله عز وجل (٢: ٢٢٩ الطلاق مرتان، فإمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان)، فاستقبل الناس الطلاق جديداً من يومئذ من كان منهم طلق أو لم يطلق» ورواه الترمذي متصلا عن عائشة ، ثم قال : والمرسل أصح . وفيه حديث عائشة فى امرأة رفاعة ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: « لا، حتى تذوقى عسيلته ويذوق عسيلتك)) وهو فى الصحيحين، وهو صريح في تحريمها عليه بعد الطلقة الثالثة. ٢١١٠ - قال ابن القيم: والحديث الذى رجحه أبو داود هو حديث نافع بن عجير: (( أن.