Indexed OCR Text

Pages 241-260

- ٢٤١ -
ببیعةٍ ، قلنا : قد بايعناك ، حتى قالها ثلاثا ، و بسطنا أيدينا فبايعنا ، فقال قائل : يارسول الله
إنا قد بايعناك، فعلامَ نبايعك؟ قال: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وتصلُوا الصلوات
الخمس، وتسمعوا وتطيعوا، وأسَرَّ كلمةً خَفِيَّة ، قال: ولا تسألوا الناس شيئاً، قال: فلقد
كان بعض أولئك النَّر يَسقُط سَوطُهُ، فما يسأل أحداً أن يُناوله إياه)).
وأخرجه مسلم والنسائى وابن ماجة .
١٥٧٨ - وعن ثَوْبان ، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (( من تَكَفَّلَ لى أنْ لا يسأل الناسَ شيئاً وأتكفَّل له بالجنة؟ فقال ثوبان :
أنا ، فكان لا يسأل أحداً شيئاً )).
بابٌ فى الاستعفاف [٤٢:٢]
١٥٧٩ - عن أبى سعيد الخدرى: ((أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فأعطاهم ، ثم سألوه فأعطاهم ، حتى [ إذا ] نَفِدٍ ما عنده، قال: ما يكون عندى من
خير فلن أدَّخِرَه عنكم، ومن يستعففْ يُعنَّه الله، ومن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله، ومن يَتَصَبَّرْ
يُصَبِّه الله، وما أُعطِىَ أحد من عطاء أوسعَ من الصبر)).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائى.
١٥٨٠ - وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أصابته فاقَةٌ
فأنزلها بالناس، لم تُسَدَّ فاقته، ومن أنزلها بالله ، أوشك الله له بالغنى ، إما بموت عاجل ، أو
غِىَّ عاجل» .
وأخرجه الترمذى ، وقال: حسن صحيح غريب (١).
١٥٨١ - وعن ابن الفِرَاسى: ((أن الفِراسىَّ قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أسألُ
يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، وإن كنتَ سائلاً. لا بُدَّ، فسَل
الصالحين)).
وأخرجه النسائى . ويقال فيه: عن الفراسي ، ومنهم من يقول : عن ابن الفراسي عن.
(١) ورواه أحمد فى المسند ٣٦٩٦.
(١٦ - مختصر السنن ج ٢)

- ٢٤٢ -
أبيه، كما ذكره أبو داود ، وهو من بنى فراس بن مالك بن كنانة ، حديثه عند أهل مصر»
وله حديث آخر فى البحر ((هو الطهور ماؤه ، الحل ميتته)) كلاهما يرويه الليث بن سعد .
١٥٨٢ - وعن ابن الساعِدِيّ قال: ((استعملنى عمر على الصدقة، فلما فرغتُ منها وأَدَّيتها
إليه، أمر لى بُعُمَالة ، فقلت: إنما عملت الله، وأجرى على الله، قال : خذ ما أُعطيت، فإنى
قد عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَعَتَّلنى، فقلت مثلَ قولك، فقال لى
رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أُعطيت شيئاً من غير أن تسأله فكُلْ وتصدقْ)).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى ، ورواه الزهرى عن السائب بن يزيد عن حُوَيطب
بن عبد العُزَّى عن عبد الله بن السَّعْدى عن عمر (١)، فاجتمع فى إسناده أربعة من الصحابة ،
وهو أحد الأحاديث التي جاءت كذلك. ووقع فى حديث الليث بن سعد (( ابن الساعدى»
كما قدمناه، وهو عبد الله بن السعدى، ولم یکن سعديا، وإنما قيل لأبيه السعدى ، لأنه كان
مُسْترضَعا فى بنى سعد بن بكر ، وهو قرشى عامرى مالكي ، من بنى مالك بن حِسْل،
واسم السعدى : عمرو بن وَقْدان، وقيل: قُدامة بن وقدان. وأما الساعدى: فنسبة إلى
بنى ساعدة من الأنصار، من الخزرج، ولا وجه له ههنا ، إلا أن يكون له نزول أو حلف.
أو خُؤولة ، أو غير ذلك .
١٥٨٢ - قال ابن القيم رحمه الله: واختلف العلماء فيما أمر به النبى صلى الله عليه وسلم،
من ذلك ، بعد إجماعهم على أنه أمر ندب وإرشاد ، فقيل : هو ندب من النبى صلى الله عليه
وسلم لكل من أعطى عطية ، كانت من سلطان أو عامى ، صالحاً كان أو فاسقاً ، بعد أن يكون
ممن تجوز عطيته، حكى ذلك غير واحد، وقيل: ذلك من النبى صلى الله عليه وسلم ندب إلى
قبول عطية من غير السلطان ، فأما السلطان ، فبعضهم منعها، وبعضهم كرهها ، وقال آخرون :
ذلك ندب لقبول هدية السلطان دون غيره، ورجح بعضهم الأول ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم
لم يخص وجهاً من الوجوه ، إلى هنا تم كلامه . وسياق الحديث إنما يدل على عطية العامل على
الصدقة ، فإنه يجوز له أخذ عمالته وتمولها ، وإن كان غنياً ، والحديث إنما سيق لذلك ، وعليه
خرج جواب النبى صلى الله عليه وسلم ، وليس المراد به العموم فى كل عطية من كل معط ،.
والله أعلم.
(1) هذه الرواية فى المسند رقم ١٠٠ من طريق شعيب عن الزهري، والحديث فيه أيضاً ٢٧٩،.
٢٨٠، ٠٢٧١

- ٢٤٣ -
وقوله ( فعملى)) بفتح العين المهملة، وتشديد الميم وفتحها، أى جعل لى العُمَالة ، وهى
أجرة العمل . وفيه جواز أخذ الأجرة على أعمال المسلمين وولاياتهم الدينية والدنيوية ، قيل:
وليس معنى الحديث فى الصدقات ، وإنما هو فى الأموال التى يقسمها الإمام على أغنياء الناس
وفقرائهم، واستشهد بقوله فى بعض طرقه ((يَتَمَوَّله)) وقال: الفقير لا ينبغى أن يأخذ من
الصدقة ما يتخذه مالاً ، كان عن مسئلة أو عن غير مسئلة .
١٥٨٣ - وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر،
وهو يذكر الصدقة والتعفّف منها والمسألة (( اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا
المنفقة، والسفلى السائلة)).
١٥٨٣ - قلت: رواية من قال ((المتعففة)) أشبه وأصح فى المعنى، وذلك أن ابن عمر ذكر
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هذا الكلام، وهو يذكر الصدقة والتعفف منها ،
فعطف الكلام على سببه الذى خرج عليه وعلى ما يطابقه فى معناه أولى .
وقد يتوهم كثير من الناس أن معنى العليا: هو أن يد المعطى مستعلية فوق يد الآخذ،
يجعلونه عن على الشىء إلى فوق، وليس ذلك عندى بالوجه، وإنما هو من علاء المجد والكرم
يريد به الترفع عن المسألة والتعفف عنها . وأنشدنا أبو عمر قال : أنشدنا أبو العباس ، قال :
أنشدنا ابن الأعرابى فى معناه:
١٥٨٣ - قال ابن القيم رحمه الله: وتفسير من فسر اليد العليا بالآخذة ، باطل قطعاً من وجوه:
صـ
أحدها : أن تفسير النبى صلى الله عليه وسلم بالمنفقة يدل على بطلانه .
الثانى: أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنها خير من اليد السفلى، ومعلوم بالضرورة أن العطاء
خير وأفضل من الأخذ ، فكيف تكون يد الآخذ أفضل من يد المعطى ؟.
الثالث : أن يد المعطى أعلى من يد السائل حساً ومعنى، وهذا معلوم بالضرورة .
الرابع: أن العطاء صفة كمال دال على الغنى والكرم والإحسان والمجد، والأخذ صفة
نقص، مصدره عن الفقر والحاجة ، فكيف تفضل يد صاحبه على يد المعطى ؟ هذا عكس الفطرة
والحس والشريعة ، والله أعلم .

- ٢٤٤ -
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى بهذا اللفظ ((اليد العليا المنفقة، والسفلى السائلة)).
وقد ذكر أبو داود عن أيوب ((العليا المتعففة)) وروى عن الحسن البصرى : أن
السفلى الممسكة المانعة ، وقد ذكرفى حديث مالك بن نَصْلة الذى بعده «أن الأيدى ثلاثة».
وذهبت المتصوفة إلى أن اليد العليا هي الآخذة ، لأنها نائبة عن يد الله تعالى . وما جاء فى
الحديث الصحيح من التفسير مع فهم المقصد من الحث على الصدقة أولى . فعلى التأويل
الأول هى عليا بالصورة ، وعلى التانى عليا بالمعنى . وفى الحديث ندب إلى التعفف عن
المسألة، وحَضّ على معالى الأمور ، وترك دَنِيّها، وفيه أيضاً حض على الصدقة.
قال أبو داود: اختلف على أيوب عن نافع فى هذا الحديث ، قال عبد الوارث: ((اليد
العليا المتعفة))، وقال أكثرهم عن حماد بن زيد عن أيوب: ((اليد العليا المنفقة)) وقال
واجد - يعنى - عن حماد بن زيد: ((المتعففة))
١٥٨٤ - وعن مالك بن نَضْلة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الأيدى ثلاثة،
فيد الله العليا ، ويد المعطى التي تليها ، ويد السائل السفلى، فأعطِ الفضل ، ولا تَعْجِزْ عن
نفسك )) .
باب الصدقة على بنى هاشم [٢: ٤٥ ]
١٥٨٥ - عن أبي رافع - وهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أن النبى صلى الله عليه
بعث رجلاً على الصدقة من بني مَخْزوم ، فقال لأبى رافع : اصْحَبْنى، فإنك تصيب منها ،
قال : حتى آتي النبى صلى الله عليه وسلم فأسأله، فأتاه فسأله ، فقال : مولى القوم من أنفسهم
وإنَّا لا تَحِلُّ لنا الصدقة ».
إذا كان بابُ الذَّلِّ من جانب الغنى سموتُ إلى العلياء من جانب الفقر
يريد به التعزز بترك المسألة والتنزه عنها .
١٥٨٥ - قلت : أما النبى صلى الله عليه وسلم فلا خلاف بين المسلمين أن الصدقة لاتحل له،
وكذلك بنوهاشم فى قول أكثر العلماء .

- ٢٤٥ -
وأخرجه الترمذى والنسائى. وقال الترمذى: هذا حديث حسن صحيح . هذا آخر كلامه.
وهذا الرجل الذى بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأرقَ بن أبى الأرقم القرشى
المخزومى، كان من المهاجرين الأولين ، وكنيته أبو عبد الله، وهو الذى استخفى رسولُ الله
صلى الله عليه وسلم فى داره بمكة فى أسفل الصفا، حتى كملوا أربعين رجلاً ، آخرهم عمر بن
الخطاب ، وهى التى تعرف بالخيزُران. وأبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه
إبرهيم ، وقيل : أسلم ، وقيل : ثابت ، وقيل : هُرْمز.
وقال الشافعى : لاتحل الصدقة لبنى المطلب، لأن النبى صلى الله عليه وسلم أعطاهم من
سهم ذى القربى وأشركهم فيه مع بنى هاشم، ولم يعط أحداً من قبائل قريش غيرهم ، وتلك
العطية عوض عُوّضوه بدلاً عما حرموه من الصدقة .
فأما موالى بنى هاشم فإنه لاحظ لهم فى سهم ذي القربى ، فلا يجوز أن يُحرموا
الصدقة .
ويشبه أن يكون إنما نهاه عن ذلك تنزيهاً له، وقال: ((مولى القوم من أنفسهم» على
سبيل التشبيه فى الاستنان بهم والاقتداء بسيرتهم، فى اجتناب مال الصدقة ، التى هى أوساخ
الناس .
ويشبه أن يكون صلى الله عليه وسلم قد كان يكفيه المؤنة ويزيح له العلة ، إذ كان أبو
رافع مولى له ، وكان يتصرف له فى الحاجة والخدمة ، فقال له على هذا المعنى : إذا كنت
تستغنى بما أعطيت فلا تطلب أوساخ الناس. فإنك مولانا ومنّا .
قلت : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ، ولا يأخذ الصدقة لنفسه ، وكأن
المعنى فى ذلك أن الهدية إنما يراد بها ثواب الدنيا ، فكان صلى الله عليه وسلم يقبلها ويثيب
عليها، فتزول المنَّة عنه، والصدقة يراد بها ثواب الآخرة، فلم يجز أن يكون يدٌ أعلى من يده
فى ذات الله وفى أمر الآخرة .

- ٢٤٦ -
١٥٨٦ - وعن قتادة عن أنس: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يمر بالثمّرة العائرة، فما
يمنعه من أخذها إلا مخافة أن تكون صدقة )).
١٥٨٧ - وعنه (( أن النبى صلى الله عليه وسلم وجد ◌َرة ، فقال: لولا أنى أخاف أن تكون
صدقة لأكلتُها )).
وأخرجه مسلم .
١٥٨٨ - وعن ابن عباس قال: ((بمثنى أبى إلى النبى صلى الله عليه وسلم فى إبل أعطاها
إياه من الصدقة )» .
وفى رواية (( آتى بيدلها (١))) .
وأخرجه النسائى .
١٥٨٦ - (( العائرة)) هى الساقطة على وجه الأرض، لا يعرف مَنْ صاحُبها، ومن هذا قيل:
عار الفرس ، إذا انفلت على صاحبه ، فذهب على وجهه ولا يدفع . وهذا أصل فى الورع ،
وفى أن كل مالا يستبينه الإنسان من شىء طلقاً لنفسه (٢) ، فإنه يجتنبه ويتركه .
وفيه دليل على أن التمرة ونحوها من الطعام إذا وجدها الإنسان ملقاة فى طريق ونحوها أن
له أخذها وأ كلها إن شاء ، وأنها ليست من جملة اللقطة التى حكمها الاستيناء بها،
والتعريف لها .
١٥٨٨ - قلت: وهذا لاأدرى ماوجهه ؟ والذى لا أشك فيه أن الصدقة محرمة على العباس ،
والمشهور أنه أعطاه من سهم ذوى القربى من الفيء. ويشبه أن يكون ما أعطاه من إبل
الصدقة ، إن ثبت الحديث ، قضاء عن سلف كان تسلفه منه لأهل الصدقة ، فقد روى أنه
شُكي إليه العباس فى منع الصدقة، فقال: «هى علىَّ ومثلها )» أنه كان قد تسلف منه صدقة
عامين فردها ، أورد صدقة أحد العامين عليه ، لما جاءته إبل الصدقة ، فروى الحديث من
رواه على الاختصار، من غيرذكر السبب فيه . والله أعلم.
(١) وفى السنن وعون المعبود ((أبى)) بالباء الموحدة بين الألف والياء التحتانية أى عباس بن
عبد المطلب ((يبدلها)) بصيغة المضارع. وفى نسخة ((أى ببدلها)) وفى نسخة ((أتى يبدلها)) وفى
بعضها (( آتى ببدلها)) ثم قال: ولم يترجح لى واحدة من هذه الأربع النسخ.
(٢) يقال : هذا لك طلقاً أى حلا مباحاً لك.

- ٢٤٧ -
باب الفقير يُهدى للغنى من الصدقة [٢: ٤٧]
١٥٨٩ - عن أنس ((أن النبى صلى الله عليه وسلم أتى بلحْم، قال: ما هذا ؟ قالوا: شىء
تُصُدِّق به على بَرِ يرَة، قال: هو لها صدقة، ولنا هدية)).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى .
باب من تصدق بصدقة ثم ورثها [٢ : ٤٧ ]
١٥٩٠ - عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: ((أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فقالت : كنت تصدقت على أمى بوليدةٍ ، وإنها ماتت ، وتركت تلك الوليدة، قال: قد
وجب أجْرُك، ورجعت إليك فى الميراث)).
وأخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجة .
باب فى حقوق المال [٢: ٤٧]
١٥٩٧ - عن عبد الله - وهو ابن مسعود - قال: « كنا نَعُدُّ الماعون على عهد رسول الله
صلى الله عليه وسلم عارية الدَّلْو والقِدْر)).
١٥٩٠ - قلت : الصدقة فى الوليدة معناها التمليك، وإذا ملكتها فى حياتها بالإقباض ثم ماتت،
كان سبيلها سبيل سائر أملاكها .
والوليدة : الجارية الحديثة السن ، والولائد الوصائف .
١٥٩١ - قلت: يقال فى تفسير ((الماعون)) أنه الشىء الذى لا يجوز منعه، من الأرفاق التى
للناس فيها متاع . وزعم بعض أهل اللغة أن الماعون مشتق من المعن ، وهو الشيء القليل،
وزنه فاعول منه. والعرب تقول: ماله سَعْنة ولامَعْنة، أى لاقليل ولا كثير. وقال النَّرِ بن
تَوْلَبَ :
فإن هلاك مالك غير مَعْن
وإنما اشتق للصدقة والمعونة هذا الاسم، لأن الواجب من حق الزكاة والصدقات إنما هو
قليل من كثير، وقد جاء الماعون بمعنى الزكاة ، قال الراعى:

- ٢٤٨ -
١٥٩٢ - وعن أبى صالح عن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من
صاحب كَنْزِلا يُؤَدِّى حَقًّ إلا جعله الله يوم القيامة يُحْمَى عليها فى نار جهنم ، فُكْوى بها
جبهته وجئبه وظهره ، حتى يقضى الله بين عباده، فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما
تَعُدُّون، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب غنم لا يؤدى حقها
إلا جاءت يوم القيامة أوفرَ ما كانت، فيُبْطَح لها بقاعٍ قَرْ قَرِ ، فتنطحه بقرونها، وتَطؤُه
بأظلافها، ليس فيها عَقْصَاء ولا جَلْحاء، كما مضت أُخراها رَدَّت عليه أولاها ، حتى يحكم
الله بين عباده، فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تَعُدُّون، ثم يرى سبيله، إما إلى
الجنة وإما إلى النار ، وما من صاحب إبل لا يؤدى حقها إلا جاءت يوم القيامة أوفر ما كانت
فيبطح لها بقاع قَرْقَر، فتطؤه بأخفافها، كلما مضت أُخراها رُدَّت عليه أولاها، حتى يحكم
الله بين عباده ، فى يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ، ثم يرى سبيله ، إما إلى
الجنة وإما إلى النار)).
وفى رواية: قال فى قصة الإبل: ((من حقها حَلْبُها يوم وِردها » .
وأخرجه مسلم ، وأخرجه البخارى والنسائى مختصراً بنحوه من حديث الأعرج عن
أبى هريرة .
١٥٩٣ - وعن أبى عمر الغُدَانى عن أبى هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
- نحو هذه القصة - فقال له - يعنى لأبى هريرة: (( فما حق الإبل؟ قال تعطى الكريمة،
وَمَنحُ الغزيرة، وتُفْقِرُ الظَّهر، وتُطْرِق الفحل، وتسقى اللبن)).
قوم على الاسلام لما يمنعوا ماعوَهم ويضيعوا التهليلا
يريد الصلاة والزكاة .
١٥٩٢ - ((القرقر)) المستوى الأملس من الأرض. و((العقصاء)) الملتوية القرن. و((الجلحاء))
التى لا قرن لها. وإنما اشترط نفى العقص والالتواء فى قرونها ليكون أنكى لها ، وأدنى أن
تمور فى المنطوح .
١٥٩٣ - ((الغزيرة)) الكثيرة اللبن. و((المنيحة)) الشاة اللَّبون، أو الناقة ذات الدَّرّ

- ٢٤٩ -
وأخرجه النسائى .
١٥٩٤ - وعن عُبيد بن عمير قال: ((قال رجل: يارسول الله، ما حقَّ الإبل؟ - فذكر
نحوه - زاد: وإعارة دلوها)).
وهذا مرسل ، عبيد بن عمير: ولد فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل:
رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسمع من عمر بن الخطاب وغيره ، معدود من کبار
التابعين ، ولأبيه صحبة .
١٥٩٥ - وعن جابر بن عبد الله: ((أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر من كلّ جادّ عشرةٍ.
أوسُق من التمر بقِنْوٍ يُعلق فى المسجد للمساكين»
١٥٩٦ - وعن أبى سعيد الخدرى قال: ((بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى
سفر، إذ جاء رجل على ناقة له ، فجعل يُصَرّ فها يميناً وشمالاً ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم: من كان عنده فَضْل ظَهْرِ فَلَيَعُدْ به على من لا ظهر له، ومن كان عنده فضل زاد
فليعُدْ به على من لا زاد له ، حتى ظننا أنه لا حقَّ لأحد منّا فى الفضل » .
وأخرجه مسلم .
"تُعَارِلَدَرِها. فإذا حلبت رُدَّت إلى رَّبها و((إفقار الظهر)) إعارته للركوب،يقال: أفقرتُ
الرجل بعيرى ، إذا أعرته ظَهْرَه يركبه، ويبلغ عليه حاجته. ( وإطراق الفحل)) إعارته
للضِّراب لا يمنعه إذا طلبه ، ولا يأخذ عليه عَسباً ، ويقال: طرق الفحل الناقة، فهى مطروقة،
وهى طَرُوقة الفجل ، إذا حان لها أن تطرق .
١٥٩٥ - قوله ((جادّ عشرة أوسق)» قال إبرهيم الحربى: يريد قدراً من النخل يُجَذَّ منه عشرة
أوسق، وتقديره تقدير مجذوذ، بمعنى مفعول . وأراد بالقنو: العِذْقَ بما عليه من الرُّطَب
والبسر، يعلق المسا كين يأكلونه، وهذا من صدقة المعروف ، دون الصدقة التى هى
فرض واجب .

- ٢٥٠ -
١٥٩٧ - وعن ابن عباس قال: ((لما نزلت هذه الآية (٩: ٣٤ الذين يكنزون الذهب
والفضة) قال: كَبُر ذلك على المسلمين. فقال عمر: أنا أفرّج عنكم، فانطلقوا ، فقال:
يا نبيَّ الله، إنه كبر على أصحابك هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لم
يفرض الزكاة إلا ليُطيّب ما بقى من أموالكم، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم،
قال: فكبر عمر ، ثم قال له: ألا أخبرك بخير ما يكنز؟ المرأة الصالحة ، إذا نظر إليها سَرَّته،
وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته)) (١).
باب حق السائل [٢: ٥١ ]
١٥٩٨ - عن حسين بن على قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المسائل حق،
وإن جاء علی فرس » (٢)
فى إسناده: يعلى بن أبي يحيى ، سئل عنه أبو حاتم الرازى ؟ فقال: مجهول. وقال أبو
على سعيد بن عثمان بن السَّكَن : قد روى من وجوه محاح حضور الحسين بن على
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعبه بين يديه وتقبيله إياه، فأما الرواية التى تأتى عن الحسين
بن على عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلها مراسيل وقال أبو القاسم البغوى نحواً
١٥٩٨ - قلت: معنى هذا الكلام: الأمر بحسن الظن بالسائل إذا تعرض لك ، وأن
لاتجبهه بالتكذيب والرد ، مع إمكان الصدق فى أمره. يقول : لا تخيب السائل إذا سألك
وإن راقك منظره، فقد يكون له الفرس يركبه ، ووراء ذلك عَيْلة ودَيْن يجوز له معهما أخذ
الصدقة ، وقد يكون من أصحاب سهم السبيل، فيباح له أخذها مع الغنى عنها ، وقد يكون
صاحب حمالة أو غرامة لديون ادّانها فى معروف وإصلاح ذات البين ، ونحو ذلك ، فلا
يرد، ولا يخيب مع إمكان أسباب الاستحقاق .
واختلفوا فيمن أعطى من الصدقة على أنه فقير فتبين غنيًّا : قال أبو حنيفة ومحمد بن
(١) نقله ابن كثير فى التفسير ٤: ١٥٥ من تفسير ابن أبى حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس،
وقال: ((ورواه أبو داود والحاكم فى مستدركه وابن مردويه ، من حديث يحي بن يعلى ، به ،
وقال الحاكم: صحيح على شرطهما ولم يخرجاه )).
(٢) رواه أحمد فى المسند ١٧٣٠، وقد بينا هناك صحة إسناده. أحمد محمد شاكر

- ٢٥١ -
من ذلك. وقال أبو عبد الله محمد بن يحيى بن الحدَّاء: سمع النبيَّ صلى الله عليه وسلم ورآه،
ولم يكن بينه وبين أخيه الحسن إلا طهر واحد .
١٥٩٩ - وعن أمّ ◌ُجيد - ويقال: اسمها حواء بنت يزيد بن السَّكن - وكانت ممن بايع
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنها قالت له: يارسول الله، إن المسكين ليقوم على بابى،
فما أجد له شيئاً أعطيه إياه؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لم تجدى له شيئاً
تعطينه إياه إلا ظِلّفاً مُحَرَّقاً فادفيه إليه))(١) .
وأخرجه الترمذى والنسائى. وقال الترمذى: حسن صحيح.
باب الصدقة على أهل الذمة [٢: ٥١ ]
١٦٠٠ - عن أسماء - وهى ابنة أبي بكر الصديق - قالت: ((قدمت علىَّ أمى راغبة فى عهد
قريش، وهي راغمة مشركة ، فقلت: يارسول الله ، إن أمى قدمت علي وهى راغمة مشركة،
أُفَأْصِلُها؟ قال : نعم ، فصلى أمك ».
وأخرجه البخارى ومسلم . قيل : هى أمها من الرضاعة ، وقيل : بل هى التى ولدتها ،
وهى قُتَيلة، ويقال: قَتَلة، بنت عبد العُزَّى القرشية العامرية، وهي بضم القاف وفتح
التاء ثالث الحروف وسكون الياء آخر الحروف .
الحسن : يجزئه، وروى ذلك عن الحسن البصري . وقال الثورى : لا يجزئه ، وكذلك قال
الشافعى فى أحد قوليه، وهو قول أبى يوسف .
١٦٠٠٠ - قولها (راغبة فى عهد قريش)) أى طالبة برّى وصلتى. وقولها ((راغمة)) معناه: كارهة
للإِسلام، ساخطة علىَّ ، تريد أنها لم تقدم مهاجرة راغبة فى الدين ، كما كان يقدم المسلمون
من مكة للهجرة والإقامة بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما أمر بصلتها لأجل الرحم.
فأما دفع الصدقة الواجبة إليها فلا يجوز، وإنما هى حق للمسلمين لا يجوز صرفها إلى غيرهم.
ولو كانت أمها مسلمة لم يكن أيضاً يجوز لها إعطاؤها الصدقة ، فإن خَلّتها مسدودة بوجوب
النفقة لها على ولدها ، إلا أن تكون غارمة فتعطى من سهم الغارمين ، فأما من سهم الفقراء
والمسا كين فلا. وكذلك إذا كان الوالد غازياً جاز للولد أن يدفع إليه من سهم السبيل.
(١) فى السنن: (( فادفعيه إليه فى يده)).

- ٢٥٢ -
باب ما لا يجوز منعه [٢: ٥١ ]
١٦٠١ - عن بُهَيْسة - وهى الفزارية - عن أبيها قالت: ((استأذن أبى النبى صلى الله عليه
وسلم، فدخل بينه وبين قميصه، فجعل يُقَبِّل ويلتزم، ثم قال: يارسول الله، ما الشىء الذى
لا يحل منعه؟ قال: الماء، قال: يا نبي الله، ما الشىء الذى لا يحل منعه؟ قال : الملح ،
قال: يا نبي الله، ما الشىء الذى لا يحل منعه؟ قال: أن تفعل الخير حير لك)).
وأخرجه النسائى. وبهيسة : بضم الباء الموحدة وفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف
وبعدها سين مهملة مفتوحة وتاء تأنيث.
باب المسألة فى المساجد [٢: ٥٢]
١٦٠٢ - عن عبد الرحمن بن أبى بكر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هل منكم
أحد أطعم اليوم مسكيناً ! فقال أبو بكر: دخلت المسجد ، فإذا أنا بسائل يسأل ، فوجدت
كِسْرة خبز فى يد عبد الرحمن ، فأخذتها ، فدفعتها إليه )).
قال أبو بكر البزَّار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الرحمن بن أبى بكر إلا
بهذا الإسناد، وذكر أنه روی مرسلاً. وقد أخرجه مسلمفى صحيحه ، والنسائی فی سننه ، من
حديث أبي حازم سلمان الأشجعى عن أبى هريرة بنحوه أتمّ منه .
باب كراهية المسألة بوجه الله عز وجل [٢: ٥٢]
١٦٠٣ - عن جابر - وهو ابن عبد الله ... قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((لا يُسأل بوجه الله إلا الجنة)).
فى إسناده سليمان بن معاذ، قال الدارقطنى : سليمان بن معاذ هو سليمان بن قرم .
وذكر أبو أحمد بن عدِيّ هذا الحديث فى ترجمة سليمان بن قرم ، وقال : هذا الحديث
لا أعرفه عن محمد بن المنكدر إلا من رواية سليمان بن قرم ، وعن سليمان يعقوب بن إسحق
الحضرمى، وعن يعقوب أحمد بن عمرو العُصْغرى . هذا آخر كلامه . وهذا الإسناد هو

- ٢٥٣ -
الذى أخرجه أبو داود فى سننه به ، وأحمد بن عمرو العصغرى : هو أبو العباس القَلَوْرِى
الذی روی عنه أبو داود هذا الحدیث . وسليمان بن قرم تكلم فيه غير واحد .
باب عطية من سأل بالله عز وجل [٢: ٥٢]
١٦٠٤ - عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من استعاذ بالله
فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعا كم فأجيبوه ، ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه ،
فإن لم تجدوا ماتكافئوه(١) فادعوا له، حتى تروا أنكم قد كافأ تموه)».
وأخرجه النسائى.
باب الرجل يخرج من ماله [ ٢: ٥٣]
١.٦٠٥ - عن جابر بن عبد الله الأنصاری ، قال: « کنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم،
إذ جاء رجل بمثل بَيْضَةٍ من ذهب ، فقال: يارسول الله ، أصبت هذه من مَعْدِن ، فخذها
فعى صدقة ، ما أملك غيرها ، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أناه من قِبَلَ
رُكْنِهِ الأيمن، فقال مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم أناه من قبل رُ كنِهِ الأيسر، فأعرض
عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه من خَلْه ، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فَذَفه بها ، فلو أصابته لأَوْ جَعْتُه ، أو لعَقّرتْه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يأتى
أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ، ثم يقعد يَسْتَكِفُّ الناس، خير الصدقة ما كان عن
ظَهْرْ غِنِىَّ)).
١٦٠٥ - قوله ((يستكف الناس)) معناه يتعرض للصدقة، وهو أن يأخذها ببطن ڪفه،
يقال: تَكَفَّفَ الرجلُ واستكفَّ، إذا فعل ذلك . ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم لسعد
رضى الله عنه: (( إنك أن تَدَعَ ورثتك أغنياء خيرٌ لك من أن تَدَعَهم عالً يَتَكَفَّفُون
الناس)).
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)) أى عن غنى يعتمده
(١) أصلها ((تكافئون) وحذف النون من غير ناصب ولا جازم ورد كثيراً. انظر ما كتبناه
فى شرح المسند ١٤٠١، ١٤١٢. وعند المنذرى ((تكافئوه)». أحمد محمد شاكر

- ٢٥٤ -
وفى رواية « خُذْ عنّا مالك، لا حاجة لنابه».
فى إسناده : محمد بن إسحق . وقد تقدم الكلام عليه .
١٦٠٦ - وعن أبى سعيد الخدرى قال: ((دخل رجل المسجد ، فأمر النبى صلى الله عليه وسلم
الناس أن يطرحوا ثياباً ، فطرحوا، فأمر له منها بثوبين ، ثم حَثَّ على الصدقة، فجاء فطرح
أحد الثوبين، فصاح به، وقال : خُذْ ثوبك)) .
وأخرجه النسائى أتمّ منه . وفى إسناده محمد بن عجلان ، وقد وثقه بعضهم ، وتكلم فيه
بعضهم . وقد أخرجه الترمذى بهذا الإسناد، بقصة دخول المسجد والإمام يخطب، ولم يذكر
فيه قصة الثوبين ، وقال : حسن صحيح .
١٦٠٧ - وعن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ خير الصدقة
ما ترك غنّى ، أو تُصُدّق به عن ظَهْ غَنَّى، وابدأ بمن تعول)) .
وأخرجه البخارى والنسائى بنحوه. وأخرجه مسلم والنسائى من حديث حكيم بن حزام
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ويستظهر به على النوائب التي تنوبه، كقوله فى حديث آخر: ((خير الصدقة ما أبْقَتْ
غِنَّى» .
وفى الحديث من الفقه: أن الاختيار للمرء أن يستبقى لنفسه قوناً ، وأن لا ينخلع من
ملكه أجمع مرة واحدة ، لما ◌ُخاف عليه من فتنة الفقر، وشدة نزاع النفس إلى ماخرج من
يده، فيندم ، فيذهب ماله ، ويبطل أجره، ويصيركلّ على الناس .
قلت : ولم ينكر على أبى بكر الصديق رضى الله عنه خروجه من ماله أجمع ، لما علمه من
صحة نيته ، وقوة يقينه ، ولم يخف عليه الفتنة ، كما خافها على الرجل الذى رد عليه الذهب .
١٦٩٧ - قوله ((ماترك غنى)) يتأوَّل على وجهين: أحدهما : أن يترك غنى للمتصدق عليه،
بأن تجزل له العطية. والآخر: أن يترك غنى للمتصدق. وهو أظهرهما، ألا تراه يقول: ((وابدأ
بمن تعول)) أى لا تضيع عيالك، وتفضل على غيرك.

- ٢٥٥ -
باب الرخصة فى ذلك [٢: ٥٤]
١٦٠٨ - عن أبى هريرة: ((أنه قال: يارسول الله، أىُّ الصدقة أفضل؟ قال: جُهْدُ المُقِلّ،
وابدأ بمن تعول ».
١٦٠٩ - وعن عمر بن الخطاب قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق،
فوافق ذلك مالاً عندى ، فقلت : اليوم أسبقُ أبا بكر، إن سبقته يوماً ، نجئت بنصف مالى،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبْقْيتَ لأهلك؟ قلت : مثله، قال : وأتى أبو بكر
بكل ما عنده ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ قال : أبقيت لهم
الله ورسوله ، قلت : لاأسابقك إلى شىء أبداً)).
وأخرجه الترمذى . وقال: صحيح .
باب فى فضل سَقي الماء [٢: ٥٤ ]
١٦١٠ - عن سعيد - وهو ابن المسيب: ((أن سعداً - وهو ابن عُبادة ــ أتى النبي صلى الله
عليه وسلم فقال: أى الصدقة أعجبُ إليك؟ قال: الماء )).
وفى رواية، عن سعيد بن المسيَّب ، والحسن ، عن سعد بن عبادة ، عن النبى صلى
الله عليه وسلم ، نحوه .
١٦١١ - وفى رواية: عن أبى إسحق - يعنى السبيعى - عن رجل، عن سعد بن عُبادة،
أنه قال: ((يارسول الله، إنَّ أُمَّ سعدٍ ماتت، فأيُّ الصدقة أفضل؟ قال: الماء ، قال : ففر
بئراً، وقال : هذه لأم سعد )) .
وأخرجه ابن ماجة بنحوه من حديث ابن المسيب، وهو منقطع ، فإن سعيد بن المسيب
والحسن البصري لم يدركا سعد بن عبادة ، فإن مولد سعيد بن المسيب سنة خمس عشرة ،
ومولد الحسن البصرى: سنة إحدى وعشرين، وتوفى سعد بن عبادة بالشام سنة خمس عشرة،
وقيل : سنة أربع عشرة ، وقيل : سنة إحدى عشرة ، فكيف يدركانه ؟!
١٦١٢ - وعن أبى سعيد - وهو الخدرى - عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((أيُّمَا مُسْلِم
كما مسلماً ثوباً على عُرَى كساه الله من خُضْر الجنة ، وأيما مسلم أطعم مسلماً على جُوع

- ٢٥٦ -
أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سَقَى مسلماً على ظمٍ سقاه الله عز وجل من الرَّحيق
المختوم».
فى إسناده أبو خالد يزيد بن عبد الرحمن المعروف بالدَّالانى ، وقد أثنى عليه غير واحد،
وتكلم فيه غير واحد . وقد تقدم الكلام عليه .
باب فى المنيحة [ ٢: ٥٥ ]
١٦١٣ - عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أربعون خَصْلَةً
أعلاهن مَنِيحَةُ الَنْز، ما يعملُ رجل بخَصْلةٍ منهارَجَاءَ ثوابها، وتَصْدِيقَ موعودها ، إلا أدخله
الله بها الجنة)) وفى حديث مسدد: قال حسان - يعنى ابن عطية - : فعددنا مادون منيحة
الَعَنْزِ مِنْ رَدّ السلام، وتَشْمِيت العاطس، وإماطة الأَذَى عن الطريق ، ونحوه ، فما
استطعنا أن نبلغ خمس عشرة خَصلة .
باب أجر الخازن [٥٦:٢]
١٦١٤ - عن أبي موسى - وهو عبد الله بن قيس الأشعرى - قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (( إن الخازن الأمين الذى يُعطِى ما أُمر به كاملاً مُوَفَّاً طَيِّبَةً به نفسُه ،
حتى يدفعه إلى الذى أمر له به : أحد المتصدقّيْن)).
وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى.
باب المرأة تصَّدق من بيت زوجها [٢: ٥٦ ]
١٦١٥ - عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أنفقت المرأةُ من
١٦١٥ - قلت : هذا الكلام خارج على عادة الناس بالحجاز وبغيرها من البلدان ، فى أن رَبَّ
البيت قد يأذن لأهله ولعياله وللخادم فى الإنفاق مما يكون فى البيت من طعام وإدام ونحوه،
ويطلق أمرهم فى الصدقة منه إذا حضرهم السائل، ونزل بهم الضيف ، فضهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم على لزوم هذه العادة، واستدامة ذلك الصنيع ، ووعدهم الأجر والثواب

- ٢٥٧ -
بيت زَوجها غيرَ مُفْسِدَةٍ، كان لها أَجْرُ ما أنفقت، ولزوجها أجرُ ما اكتسب، والخازنه
مثلُ ذلك، لا يَنْقُصُ بعضُهم أجرَ بعض )).
وأخرجه البخارى ومسلم والترمذى والنسائي وابن ماجة .
١٦١٦ - وعن سعد - وهو ابن أبى وقاص - قال: ((لما بايع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
النساء ، قامت امرأةٌ جليلة، كأنها من نساء مُضَر، فقالت: يانبيَّ الله، إنَّا كَلٌّ على آبائنا
عليه ، وأفرد كل واحد منهم باسمه ، ليتسارعوا إليه ولا يتقاعدوا عنه.
و(الخازن)) هو الذى يكون بيده حفظ الطعام والمأكول، من خادم وفَهرمان وَقَتّم لأهل
المنزل فى نحو ذلك، من أمر الناس وعاداتهم فى كل أرض وبلد، وليس ذلك بأن تفتات
المرأة أو الخازن على رَبّ البيت بشىء لم يؤذن لهما فيه، ولم يُطلق لهما الإنفاق منه، بل
يُخاف أن يكونا آثمين إن فعلا ذلك . والله أعلم.
١٦١٦ - قوله: ((امرأة جليلة)) الجليلة تكون بمعنيين: أحدهما: أن تكون خليقة
جسمية. يقال: امرأة خليقة، وخِلِيقاء، كذلك. والآخر: أن تكون بمعنى المسنة ، يقال
جلَّ الرجل ، إذا كبر وأسَنَّ ، وجلت المرأة إذا عجزت . وإنما خص الرَّطْب من الطعام
لأن خطبه أيسر، والفساد إليه أسرع، إذا ترك فلم يؤكل، وربما عَفِين ولم ينتفع به ، فيصير
إلى أن يلقى ويرمى به . وليس كذلك اليابس منه، لأنه يبقى على الخزن، وينتفع به
إذا رُفع واذُّخِر ، فلم يأذن لهم فى استهلاكه . وقد جرت العادة بين الجيرة والأقارب
أن يتهادَوا رَطب الفاكهة والبقول، وأن يَغْرِفوا لهم من الطبيخ، وأن يُتحِفوا الضيف
والزائر بما يحصرهم منها ، فوقعت المسامحة فى هذا الباب، بأن يترك الاستيدان له ،
وأن يجرى على العادة المستحسنة فى مثله . وإنما جاء هذا فيمن ينبسط إليه فى ماله من
الآباء والأبناء، دون الأزواج والزوجات ، فإن الحال بين الوالد والولد ألطف من أن
يحتاج معها إلى زيادة استقصاء فى الاستثمار، الشركة النسبية بينهما ، والبعضية الموجودة
فيهما .
( ١٧ مختصر السن - ج ٢ )

- ٢٥٨ -
وأبنائنا - قال أبو داود: وأُرى فيه: وأزواجنا - فما تَحَلَّ لنا من أموالهم؟ فقال: الرَّطْبُ
تَأْ كُلْنَهُ وُهدينه )) .
قال أبو داود: الرَّطْبُ: الخبز والبَقْل والرُّطَب.
١٦١٧ وعن حَمَّام عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أنفقت
المرأةُ من كَسْب زوجها عن غير أمرِهِ فلها نصفُ أجره ».
وأخرجه البخارى ومسلم .
١٦١٨ - وعن عطاء، عن أبى هريرة: ((فى المرأة تَصَدَّق من بيت زوجها؟ قال : لا،
إلا من قُوتها، والأجرُ بينهما، ولا يَحِلُّ لها أن تَصَدَّقَ من مال زوجها إلا بإذنه)).
باب فى صلة الرحم [ ٢: ٥٨ ]
١٦١٩ - عن أنس قال: (( لما نزلت (٣: ٩٢ لن تنالوا البرَّحتى تُنْفقوا مما يُحِبُّون) قال
فأما نفقة الزوجة على الزوج فإنها معاوضة على الاستمتاع (١) ، وهى مقدرة بكمية.
ومتناهية إلى غاية، فلا يقاس أحد الأمرين بالآخر ، وليس لأحدهما أن يفعل شيئاً من ذلك.
إلا بإذن صاحبه . وقد وضعه أبو داود فى باب المرأة تصدق من بيت زوجها .
١٦١٩ - قلت: فيه من الفقه أن الحبس إذا وقع أصله مُبهماً ولم يذكر سبله وقع صحيحاً .
وفيه دلالة على أن من أحبس عقاراً على رجل بعينه فمات المحبّس عليه، ولميذكر المحبّس
مَصرفها بعد موته ، فإن مرجعها يكون إلى أقرب الناس بالواقف .
وذلك أن هذه الأرض التى هى ((بأريحا)) لما حبسها أبو طلحة ، بأن جعلها الله عز وجل،.
ولم يذكر سبلها، صرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أقرب الناس به من قبيلته . فقياس
ذلك فيمن وقفها على رجل فمات الموقوف عليه وبقى الشىء محبس الأصل غير مبين السبل ،
(١) هذا غيرواضح. لأن الاستمتاع مشترك بين الزوجين بلا شك، ولعل الأولى أن ترجع العلة فى
ذلك إلى ما جعل الله للرجل من قيام على المرأة، كما قال (٤: ٣٤ الرجال قوامون على النساء بما.
فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) والله أعلم. وكتبه محمد حامد الفقي

- ٢٥٩ -
أبو طَلْحة: يارسول الله، أُرى رَبَّا يسألُنا من أموالنا، فإنى أُشهدُك أنى قد جعلتُ أرْضى
بَرْ بَحَاءَ (١) له، فقال [ له ] رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعلها فى قَرابتك، فَقْسَها
بين حَسَّان بن ثابت وأبىّ بن كعب)).
قال أبو داود: بلغنى عن الأنصارى، محمد بن عبد الله، قال: أبو طلحة زيد بن سَهْل
بن الأسود بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عَدِيّ بن عمرو بن مالك بن النَّجار ،
وحسان بن ثابت بن المنذر بن حَرام ، يجتمعان إلى حرام، وهو الأبُ الثالث، وأبىُّ بن كعب
بن قيس بن عَتيك بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار ، فعمرو: يجمع حَسَّان
وأبا طلحة وأبيًّا، قال الأنصارى: بين أُبىّ وأبى طلحة ستة آباء.
أن يوضع فى أقاربه ، وأن يَتوخَّى بذلك الأقرب فالأقرب ، ويكون فى التقدير كأن
الواقف قد شرطه له . وهذا يشبه معنى قول الشافعى.
وقال المزبى : يرجع إلى أقرب الناس به إذا كان فقيراً .
وقصة أبي بن كعب تدل على أن الفقير والغنى فى ذلك سواء . وقال الشافعى : كان
أُبِىّ يُعَدّ من مياسير الأنصار.
وفيه دلالة على جواز قَسْم الأرض الموقوفة بين الشركاء ، وأن للقسمة مدخلاً فيما ليس
مملوك الرقبة . وقد يحتمل أيضاً أن يكون أُريد بهذا القسم قسمة ريعها دون رقبتها . وقد
امتنع عمر بن الخطاب رضى الله عنه من قسمة أحباس النبى صلى الله عليه وسلم بين على والعباس
لما جاآه يلتمسان ذلك .
(١) فى هامش المنذرى: هكذا وقع ههنا (بَارْتحا)) والمشهور فيه ((بيرحا)» وقد اختلف الرواة
فيه: فقيل: بضم الراء فى الرفع، وفتحها فى النصب، وكسرها فى الجر، مع الاضافة أبداً إلى ((حا)»،
وجاء على لفظ الحاء من حروف المعجم. وقيل: إنما هى بفتح الراء فى كل حال . وقيل : إنما هى
بفتح الباء والراء (( بيرحا)) ورواه بعضهم بكسر الباء وفتح الراء والقصر. وهذا كله يدل على
أنها ليست بثر. وقال بعضهم: هو موضع بقرب المسجد. وقال بعضهم: سميت ((بيرجا)) برَخْى الإبل
عنها، وذلك أن الابل يقال لها إذازجرت عن الماء، وقدرويت: حا، حا. وقال بعضهم: « بيرها)
هو من البرح، الباء زائدة. وقال الزمحشرى: (( فَيُعَلى)) من البراح، وهى الأرض المنكشفة الظاهرة.

- ٢٦٠ -
وأخرجه مسلم والنسائى، وليس فى حديثهما كلام الأنصارى ، وأخرجه البخارى
ومسلم والنسائى من حديث إسحق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس بن مالك، أتمّ منه .
١٦٢٠ - وعن سليمان بن يسار عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ((كان
لى جارية، فأعتقتها ، فدخل على النبى صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال: آجَرَكِ الله،
أما إنَّكِ لو كنتِ أعطيتها أخوالك كان أعظمَ لأجرِك)».
وأخرجه النسائى ، وأخرجه البخارى ومسلم والنسائى من حديث كريب عن ميمونة .
١٦٢١ - وعن أبى هريرة قال: ((أمرَ النبيّ صلى الله عليه وسلم بالصدقة، فقال رجل:
يارسول الله، عندى دينار، فقال: تصدق به على نفسك، قال : عندى آخر ، قال :
تصدق به على ولدك ، قال : عندی آخر ، قال : تصدق به على زوجتك - أو زوجك ،
قال : عندى آخر، قال: تصدق به على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنْتَ أَبْصَرُ)).
وأخرجه النسائى. فى إسناده محمد بن عجلان ، وقد تقدم الكلام عليه .
١٦٢١ - قلت: هذا الترتيب إذا تأملته علمت أنه صلى الله عليه وسلم قدم الأولى فالأولى
والأقرب، وهو أنه أمره بأن يبدأ بنفسه، ثم بولده، لأن ولده كبعضه، فإذا ضيعه هلك ولم
يجد من ينوب عنه فى الإنفاق عليه، ثم ثلَّث بالزوجة، وأخرها عن درجة الولد، لأنه إذا لم يجد
ما يتفق عليها فُرُق بينهما ، وكان لها من يمونها من زوج أو ذى رحم تجب نفقتها عليه، ثم ذكر
الخادم، لأنه يباع عليه إذا عجز عن نفقته ، فتكون النفقة على من يبتاعه ويملكه، ثم قال له
فيما بعد: ((أنت أبصر)) أى إن شئت تصدقت، وإن شئت أمسكت . وقياس هذا ، فى قول
من رأى أن صدقة الفطر تلزم الزوج عن الزوجة ، ولم يفضل من قوته أكثر من صاع : أن
يخرجه عن ولده دون الزوجة، لأن الولد مقدم الحق أعن الزوجة، ونفقة الأولاد إنما تجب بحق
البعضية النسبية ، ونفقة الزوجة إنما تجب بحق المتعة الموضية ، وقد يجوز أن ينقطع ما بين
الزوجين بالطلاق ، والنسب لا ينقطع أبداً ، ومعنى الصدقة فى هذا الحديث : النفقة.