Indexed OCR Text

Pages 561-580

٥٦١
کتاب التوحید
هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضى الخَلقَ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي
سَبَقَتْ غَضَبِي)). [طرفه في: ٣١٩٤].
٧٤٢٣ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ: حَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيحِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِيِ:
حَدَّثَنِي هِلاَلٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بٌَّ قَالَ: ((مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلاَةَ، وَصَامَ رَمَّضَانَ، كَانَ حَقّاً عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، هَاجَرَ في
سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ جَلَسَ في أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا)). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلاَ نُنَبِىُ النَّاسَ
بِذلِكَ؟ قَالَ: ((إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلمُجَاهِدِينَ في سَبِيلِهِ، كُلُّ دَرَجَتَينِ مَا
بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ،
وَأَعْلَى الجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحَمْنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ)). [طرفه في: ٢٧٩٠].
٧٤٢٤ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ - هُوَ
التَّيِمِيُّ - عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ: دَخَلتُ المَسْجِدَ وَرَسُولُ اللّهِ وَلّهِ جَالِسٌ، فَلَمَّا غَرَبَتِ
الشَّمْسُ قَالَ: ((يَا أَبَا ذَرّ، هَل تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَب هذهِ؟)). قَالَ: قُلتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ،
قَالَ: فَإِنَّهَا تَذْهَب تَسْتَأُذِنُ فِي السُّجُودِ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا: ارْجَعِي مِنْ حَيثُ
جِئْتٍ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا)) ثُمَّ قَرَأَ: ((ذلِكَ مُسْتَقَرِّ لَهَا)) في قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ. [طرفه في: ٣١٩٩].
٧٤٢٥ - حدّثنا مُوسَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيدِ بْنِ السَّبَّاقِ: أَنَّ
زَيدَ بْنَ ثَابِتٍ. وَقَالَ اللَّيثُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ
السَّبَّاقِ: أَنَّ زَيدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ، فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ، حَتَّى وَجَّدْثَ
آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيمَةَ الأَنْصَارِيِّ، لَّمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيرِهِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ
رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ. [طرفه في: ٢٨٠٧].
حدّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ يُونُسَ بِهذا، وَقَالَ: مَعَ أَبِي خُزَيمَةَ
الأَنْصَارِيِّ.
٧٤٢٦ - حدّثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي
العَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ وَّهَ يَقُولُ عِنْدَ الكَرْبِ: ((لاَ إِلَهَ
إِلَّ اللَّهُ العَلَيْمُ الحَلِيمُ، لاَ إِلَّهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لاَ إِلَّهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ
وَرَبُّ الأَرْضِ رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ)).
٧٤٢٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ بََّ، قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهَ: ((يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَإِذَا أَنَا
بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ)). [طرفه في: ٢٤١٢].
٧٤٢٨ - وَقَالَ المَاحِشُونَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الفَضْلِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي

٥٦٢
کتاب التوحید
هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ، فَإِذَا مُوسَى آخذٌ بِالعَرْشِ)). [طرفه في:
٢٤١١].
٢٣ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]
وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠].
وَقَالَ أَبُو جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: بَلَغَ أَبَا ذَرّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ◌َِّ، فَقَالَ لأَخِيهِ: اعْلَمْ
لِي عِلمَ هذا الرَّجُلِ، الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَالْعَمَلُ
الصَّلِحُ﴾ [فاطر: ١٠]: يَرْفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ. يُقَالُ: ﴿ذِى الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج: ٣]: المَلائِكَةُ
تَعْرُجُ إِلَى اللهِ.
٧٤٢٩ - حدّثنا إِسْماعِيلُ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرِجِ، عَنْ أَبِيِ
هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَلَ قَالَ: ((يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيَلِ وَمَلاَئِكَةٌ
بِالَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ العَصْرِ وَصَلاَةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيَكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ،
وَهُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ، فَيَقُولُ: كَيفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلَّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ
وَهُمْ يُصَلُّونَ)). [طرفه في: ٥٥٥].
٧٤٣٠ - وَقَالَ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي
صَّالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَنْ تَصَدَّقَّ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ،
وَلاَ يَّصْعَدُ إِلَى اللَّهِ إِلَّ الطَيْبُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِيهَا لِصَاحِبِهِ كمَا يُرَبِّيَ أَحَدُّكُمْ
فَلُؤَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ)). وَرَوَاهُ وَرْقَاءُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ: ((وَلاَ يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ إِلَّ الطَّيِّبَ)). [طرفه في: ١٤١٠].
٧٤٣١ - حدّثنا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَبِع: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ
قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي العَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللّهِ وََّ كَانَ يَدْعُوَ بِهِنَّ عِنْدَ الكَرْبِ: ((لاَ
إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ،َ لاَ إِلَّهَ إِلَّ اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ
السَّمَاوَاتِ، وَرَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ)). [طرفه في: ٦٣٤٥].
٧٤٣٢ - حدّثنا قَبِيصَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ، أَوْ أَبِي نُعْم -
شَكَّ قَبِيصَةُ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: بُعِثَ إِلَى النَّبِيِّ بَ بِذُهَيِبَةٍ فَقَسَّمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةٍ. وَحَدَّثَنِي
إِسْحاقُ بْنُ نَصْرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا سُفَيَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمِ، عَنْ أَبِي
سَعِيدٍ الخُذْرِيِّ قَالَ: بَعَثَ عَلِيٍّ، وَهُوَ بِالْيَمَنِ، إِلَى النَّبِّ وََّ بِذُّهَيِبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا، فَقَسَمَهَا
بَيْنَ الأَقْرَعِ بْنَ حَابِسِ الحَنْظَلِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِيَ مُجَاشِعٍ، وَبَيْنَ عُيَينَةَ بْنِ بَدْرِ الفَزَارِيِّ، وَبَيْنَ
عَلقَمَةَ بْنَ عُلاَثَةَ العَامِرِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلاَبٍ، وَبَيِّنَ زَيدِ الخَيلِ الطَّائِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي
نَبْهَانَ، فَتَغَضَّبَتْ قُرَيشٌ وَالأَنْصَارُ، فَقَالُوا: يُعْطِيهِ صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَيَدَعُنَا، قَالَ: ((إِنَّمَا

٥٦٣
كتاب التوحيد
أَتَأَلَّفُهُمْ)). فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غائِرُ العَينَينِ، نَاتِىءُ الجَبِينِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الوَجْنتَينِ،
مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اتَّقِ اللَّهَ، فَقَالَ النَّبِيُّ وََّ: ((فَمَنْ يُطِيعُ اللَّهَ إِذَا عَصَيتُهُ؟
فَيَأْمَنِّي عَلَى أَهَّلِ الأَرْضِ، وَلاَ تَأْمَنُونِي)). فَسَأَلَ رَجُلُّ مِنَ القَوْمِ قَتْلَهُ - أُرَاهُ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ
- فَمَنَعَّهُ النَّبِيُّ وَّهِ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((إِنَّ مِنْ ضِتْضِىءٍ هذا قَوْماً يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ،
لاَ يُجَاوِزُ حَنَّاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلامِ
وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لِأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ)). [طرفه في: ٣٣٤٤].
٧٤٣٣ - حدّثنا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيمِيِّ
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ: سَأَلتُ النَّبِيَّ نَّهَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَا﴾
[يس: ٣٨] قَالَ: ((مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ العَرْشِ)). [طرفه في: ٣١٩٩].
ذَهَبَ الحافظُ ابن تَيْمِيَة إلى قِدَم العرش - قِدَماً نوعيّاً -، وذلك لأنه إذا أخذ
الاستواء بالمعنى المعروف، اضْطَرَّ إلىَ قِدَم العرش لا محالة، مع حديثٍ صريحٍ عند
الترمذيِّ في حدوثه، ففيه: ((ثم خَلَقَ عرشه على الماء)). بَقِيَ الأشعريُّ، فلا حقيقةَ له
عنده غير تعلَّق صفةٍ من صفات الله تعالى به. قلتُ: أمَّا الاستواءُ بمعنى جلوسه تعالى
عليه، فهو باطلٌ لا يَذْهَبُ إليه إلاَّ غبيٌّ، أو غويٌّ. كيف! وأن العرشَ قد مرَّت عليه
أحقابٌ من الدهر لم يَكُنْ شيئاً مذكوراً، فهل يُتَعَقَّلُ الآن الاستواء عليه بذلك المعنى؟
نعم أقول: إن هناك حقيقةً معهودةً عبَّر عنها بهذا اللفظ، فليس الاستواءُ عندي محمولاً
على الاستعارة، ولا على الحسيِّ الذي نتعقَّلُه، بل هو نحوٌ من التجلي، وقد كشفنا عنه
من قبل.
قوله: (﴿أُسْتَوَىّ إِلَى السَّمَاءِ﴾) ... إلخ، أثبت لله تعالى العُلُوَّ على ما يَلِيقُ بشأنه.
قال الحافظُ ابن تَيْمِيَة: من أَنْكَرَ الجهَةَ لله تعالى، فهو كمن أَنْكَرَ وجودَه عزَّ برهانه.
فإِنه وجودُ الممكن، كما لا يكون إلاَّ في جهةٍ، وإنكارُ الجهة له يَؤُول إلى إنكار
وجوده. كذلك الله سبحانه، لا يكون إلاَّ في جهةٍ وهي العُلُو، وإنكارها يَنْجَرُّ إلى إنكار
وجوده .
قلتُ: ويا للعجبَ! ويا للأسف، كيف سوَّى أمرَ الممكن، والواجب؟! أَمَا كان له
أن يَنْظُرَ أنَّ من أَخْرَجَ العالمَ كلَّه من كتم العدم إلى بقعة الوجود، كيف تكون علاقته معه
كعلاقة سائر المخلوقات؟ فإنَّ اللهَ تعالى كان ولم يكن معه شيءٌ، فهو خالقٌ للجهات.
وإذن كيف يكون استواؤه في جهةٍ كاستواء المخلوقات، بل استواؤه كمعيته تعالى
بالممكنات، وكأقربيته. والغُلُو في هذا الباب يُشْبِهُ القولَ بالتجسيم، والعياذ بالله أن
نتعدَّى حدودَ الشرع.

٥٦٤
كتاب التوحيد
قوله: (﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾) يَحْتَمِلُ معنيين: الأول: أن
الكَلِمَ الطَّيِّبِ يَصْعَدُ إلى الله تعالى، لكنه لا بُدَّ للصعود من مَصْعَدٍ يُصْعِدُهُ، فَدَلَّ على أنه
العملُ الصالحُ. والثاني: أن الكلمات الطيبات تَصْعَدُ إلى الله تعالى، ولا تحتاج إلى
مصعد. وأمَّا العملُ الصالح، فإنه لا يُرْفَعُ إلَّ برفعه إليه، وذاك إذا كان خالصاً لوجهه
الكريم. وما فسَّر به مجاهد، فَيُوَافِقُ التفسيرَ الأوَّل.
٢٤ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿رُجُوهُ يَؤْمِدٍ نَاضِرَةُ
[القيامة: ٢٢ - ٢٣ ]
) إِلَى ◌َِّهَا نَاظِرَةٌ
٢٢
٧٤٣٤ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ وَهُشَيْمٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَن
جَرِيرٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ النَّبِيِّ ◌ََّ، إِذْ نَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيلَةَ البَدْرِ، قَالَ: ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ
رَبَّكُمَّ كَمَا تَرَوْنَ هذا القَمَرَ، لاَ تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لا تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ
قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَصَلاَةٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَافِعَلُوا)). [طرفه في: ٥٥٤].
٧٤٣٥ - حدّثنا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ يُوسُفَ اليَرْبُوعِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو
شِهَابٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حازِمِ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَّ رَبَّكُمْ عِيَاناً)). [طرفه في: ٥٥٤].
٧٤٣٦ - حدّثنا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ: حَدَّثَنَا بَيَانُ بْنُ
بِشْرٍ، عَنْ قَيسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ نَِّ لَيلَةَ البَدْرِ،
فَقَالَ: ((إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَّوْمَ القِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ هذا، لاَ تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ)). [طرفه في:
٥٥٤].
٧٤٣٧ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيِثِيِّ، عَنْ أَبِيَ هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ،َ هَلَ نَرَى رَّبُّنَا يَوْمَ
القِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ: ((هَل تُضَارُّونَ في القَمَرِ لَيلَةَ البَدْرِ؟)). قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ
اللَّهِ، قَالَ: ((فَهَل تُضَارُّونَ فيِ الشَّمْسِ لَيسَ دُونَهَا سَحَابَ؟)). قَالُوا:َ لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:
((فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذلِكَ، يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسََ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيئاً فَلْيَتْبَعْهُ، فَيَتْبِعُ
مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشَّمْسَ، وَيَتْبِعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ القَمَرَ القَمَرَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ
الطّوَاغِيتَ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هذهِ الأُمَّةُ فِيهَا شَافِعُوهَا، أَوْ مُنَافِقُوهَا - شَكَّ إِبْرَاهِيمُ - فَيَأْتِيهِمُ
اللَّهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقَولُونَ: هذا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَنَا رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ،
فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ في صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا فَيَتَّبِعُونَهُ،
وَيُضْرَبِ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَي جَهَنَّمَ فَأَكُونُ أَنَا وَأُمَّتِي أَوَّلَ مَنْ يجِيزُهَا، وَلاَ يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلاَّ
الرُّسُلُ، وَدَعْوَى الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَفِي جَهَنَّمَ كَلَاَلِيب مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ،
هَل رَأَيْتُمُ السَّعْدَانَ؟)). قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيرَ أَنَّهُ

٥٦٥
كتاب التوحيد
لاَ يَعْلَمُ مَا قَدْرُ عِظَمِهَا إِلاَّ اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمُ المُوبَقُ بَقِيَ بِعَمَلِهِ، أَوِ
المُوثَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمُ المُخَرْدَلُ، أَوِ المُجَازَى، أَوْ نَحْوُهُ، ثُمَّ يَتَجَلَّى، حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ
القَضَاءِ بَيْنَ العِبَادِ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ المَلائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا
مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًاً، مِمَّنْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْحَمَهُ، مِمَّنْ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَّهَ إِلَّ
اللَّهُ، فَيَعْرِفُونَهُمْ في النَّارِ بِأَثَرِ السُّجُودِ، تَأْكُلُ النَّارُ ابْنَ آدَمَ إِلاَّ أَثَرَ السُّجُودِ، حَرَّمَ اللَّهُ عَلَّى
النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتُحِشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيهِمْ مَاءُ الحَيَاةِ،
فَيَنْبُتُونَ تَحْتَهُ، كمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيلِ، ثُمَّ يَفرُغُ اللَّهُ مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ العِبَادِ، وَيَبْقى
رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِه عَلَى النَّارِ، هُوَ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ دُخُولاً الجَنَّةَ، فَيَقُولُ: أَي رَبِّ اصْرِف
وَجْهِي عَنِ النَّارِ، فَإِنَّهُ قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَخَرَقَنِيَ ذَكَاؤُهَا، فَيَدْعُو اللَّهَ بِمَا شَاءَ أَنْ يَدْعُوَهُ،
ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ: هَل عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذلِكَ أَنْ تَسْأَّلَنِي غَيِرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَ وَعِزَّتِكَ لاَ أَسْأَلُكَ
غَيْرَهُ، وَيُعْطِي رَبَّهُ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَائِيقَ مَا شَاءَ، فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ عَلَى
الجَنَّةِ وَرَآهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَي رَبِّ قَدِّمْنِي إِلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ
اللَّهُ لَهُ: أَلَسْتَ قَدْ أَعْطَيتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لاَ تَسْأَلَنِي غَيرَ الَّذِي أُعْطِيتَ أَبَداً؟ وَيَلَكَ يَا
ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ! فَيَقُولُ: أَي رَبِّ، وَيَدْعُو اللَّهَ حَتَّى يَقُولَ: هَل عَسيتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذلِكَ أَنْ
تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لاَ وَعِزَّتِكَ لاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، وَيُعْطِي مَا شَاءَ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ، فَيُقَدِّمُهُ
إِلَى بَاب الجَنَّةِ، فَإِذَا قَامَ إِلَى بَابِ الجَنَّةِ انْفَهَقَتْ لَهُ الجَنَّةُ، فَرَأَى مَا فِيهَا مِنَ الحَبْرَةِ
وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَي رَبِّ أَدْخِلِنِي الجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللَّهُ:
أَلَسْتَ قَدْ أَعْطَيْتَ عُهُودَكَ وَمَوَاثِيقَكَ أَنْ لاَ تَسْأَلَ غَيْرَ مَا أُعْطِيتَ؟ فَيَقُولُ: وَيَلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا
أَغْدَرَكَ، فَيَقُولُ: أَي رَبِّ لاَ أَكُونَنَّ أَشْقَى خَلقِكَ، فَلاَ يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ اللَّهُ مِنْهُ،
فَإِذَا ضَحِكَ مِنْهُ قَالَ لَهُ: ادْخُلِ الجَنَّةَ، فَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ اللَّهُ لَهُ: تَمَنَّهْ، فَسَأَلَ رَبَّهُ وَتَمَنَّى، حَتَّى
إِنَّ اللَّهَ لَيُذَكِّرُهُ، يَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، حَتَّى انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ، قَالَ اللَّهُ: ذلِكَ لَك وَمِثْلُهُ
مَعَهُ)). [طرفه في: ٨٠٦].
٧٤٣٨ - قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ: وَأَبُو سَعِيدِ الخُدْرِيُّ مَعَ أَبِي هُرَيرَةَ، لاَ يَرُدُّ عَلَيهِ مِنْ
حَدِيثِهِ شَيئاً، حَتَّى إِذَا حَدَّثَ أَبُوَ هُرَيْرَةَ: أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ: ((ذلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ)) .
قَالَ أَبُو سَعِيدِ الخُدْرِيُّ: ((وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ)) يَا أَبَا هُرَيْرَةَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا حَفِظْتُ إِلاَّ
قَوْلَهُ: ((ذلِكَ لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ)). قَالَ أَبُو سَعِيدِ الخُدْرِيُّ: أَشْهَدُ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللّهِ وَهِ
قَوْلَهُ: ((ذلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ)). قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَذلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولاً
الجَنَّةَ. [طرفه في: ٢٢].
٧٤٣٩ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ
سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ، عَنْ زَيدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ قَالَ: قُلنَا: يَا

٥٦٦
كتاب التوحيد
رَسُول اللَّهِ، هَل نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ: ((هَل تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ إِذَا
كَانَتْ صَحْواً؟)). قُلنَا: لاَ، قَالَ: ((فَإِنَّكُمْ لا تُضَارُّونَ في رُؤْيَةِ رَبَّكُمْ يَوْمَئِذٍ إِلاَّ كَمَا تُضَارُّونَ
فِي رُؤْيَتِهِمَا)). ثُمَّ قَالَ: ((يُنَادِي مُنَادٍ: لِيَذْهَبَ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، فَيَذْهَب
أَصْحَاب الصَّلِيبِ مَعَ صَلِيبِهِمْ، وَأَصْحَابِ الأَوْثَانِ مَعَ أَوْثَانِهِمْ، وَأَصْحَاب كُلِّ آلَهِةٍ مَعَ
آلِهَتِهِمْ، حَتَّى يَبْقِى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرّ أَوْ فَاجِرٍ، وَغُبَّرَاتٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، ثُمَّ يُؤْتَى
بِجَهَنَّمَ تُعْرَضُ كَأَنَّهَا سَرَابٌ، فَيُقَالُ لِلَهُودِ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ
اللَّهِ، فَيُقَالُ: كَذَبْتُمْ، لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ وَلاَ وَلَدٌ، فَمَا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا،
فَيُقَالُ: اشْرَبُوا، فَيَتَسَاقَطُونَ في جَهَنَّمَ. ثُمَّ يُقَالُ لِلنَّصَارَى: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: كُنَّا
نَعْبُدُ المَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ، فَيُقَالُ: كَذَّبْتُمْ، لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ صَاحِبَةٌ وَلاَ وَلَدٌ، فَمَا تُرِيدُونَ؟
فَيَقُولُونَ: نُرِيدُ أَنْ تَسْقِيَنَا، فَيُقَالُ: اشْرَبُوا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي جَهَنَّمَ، حَتَّى يَبْقِى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ
اللَّهَ، مِنْ بَرَّ أَوْ فَاجِرٍ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا يَحْبِسُكُمْ وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ؟ فَيَقُولُونَ: فَارَقْنَاهُمْ
وَنَحْنُ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَيْهِ اليَوْمَ، وَإِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي: لِيَلحَقْ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ،
وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ رَبَّنَا، قَالَ: فَيَأْتِيهِمُ الجَبَّارُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فيها أوَّلَ مَرَّةٍ،
فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، فَلاَّ يُكَلِّمُهُ إِلَّ الأَنْبِيَاءُ، فَيَقُولُ: هَل بَيْنَكُمْ وَبَينَهُ
آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ؟ فَيَقُولُونَ: السَّاقُ، فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، وَيَبْقى مَنْ كَانَ
يَسْجُدُ لِلَّهِ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَب كَيمَا يَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقاً وَاحِداً، ثُمَّ يُؤْتَىِ بِالجَسْرِ
فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَي جَهَنَّمَ)). قُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الجَسْرُ؟ قَالَ: ((مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةُ، عَلَيهِ
خَطَاطِيفُ وَكَلاَلِيبُ، وَحَسَكَةٌ مُفَلَطَحَةٌ لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيفَاءُ، تَكُونُ بِنَجْدٍ، يُقَالُ لَهَا:
السَّعْدَانُ، المُؤْمِنُ عَلَيْهَا كالطَّرْفِ وَكالبَرْقِ وَكالرِّيحِ، وَكَأَجَاوِيدِ الخيلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجِ
مُسَلَّمٌ وَنَاجِ مَخْدُوشٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَىَ يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبَ سَحْباً، فَمَا أَنْتُمّ
بِأَشَدَّ لِي مُنَاشَدَةً فِي الحَقِّ قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنَ المُؤْمِنِ يَوْمَئِذٍ لِلِجَبَّارِ، وَإِذَا رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا
في إِخْوَانِهِمْ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا إِخْوَانُنَا، الَّذِين كانُوا يَّصَلُّونَ مَعَنَا، وَيَصُومُونَ مَعَنَا، وَيَعْمَلُونَ
مَعَنَا، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ في قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِ جُوهُ،
وَيُحَرِّمُ اللَّهُ صُوَرَهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيَأْتُونَهُمْ وَبَعْضُهُمْ قَدْ غَابَ في النَّارِ إِلَى قَدَمِهِ، وَإِلَى
أَنْصَافِ سَاقَيهِ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا، ثُمَّ يَعُودُونَ، فَيَقُولُ: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلِهِ
مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا ثُم يَعُودُونَ، فَيَقُولُ: اذْهَبُوا فَمَنْ
وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِ جُوهُ، فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا)). قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَإِنْ
لَمْ تُصَدِّقُونِي فَاقْرَؤُوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةُ يُضَعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]
((فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالمَلائِكَةُ وَالمُؤْمِنُونَ، فَيَقُولُ الجَبَّارُ: بَقِيَتْ شَفَاعَتِي، فَيَقْبِضُ قَبْضَةٌ مِنَ
النَّارِ، فَيُخْرِجُ أَقْوَاماً قَدِ امْتُحِشُوا، فَيُلقَوْنَ في نَهَرٍ بِأَفوَاهِ الجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ: مَاءُ الحَيَاةِ،

٥٦٧
کتاب التوحید
فَيَنْبُتُونَ في حافَتَيْهِ كمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيلِ، قَدْ رَأَيْتُمُوهَا إِلَى جَانِبِ الصَّخْرَةِ،
إِلَى جَانِبِ الشَّجَرَةِ، فَمَا كَانَ إِلَى الشَّمْسِ مِنْهَا كَانَ أَخْضَرَ، وَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَىَ الظُّلِّ كَانَ
أَبْيَضَ، فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ، فَيُجْعَلَّ في رِقَابِهِمُ الخَوَاتِيمُ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَيَقُولُ
أَهْلُ الجَنَّةِ: هَؤُلاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمُنِ، أَدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ بِغَيرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلاَ خَيرٍ قَدَّمُوهُ،
فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلُهُ مَعَهُ)). [طرفه في: ٢٢].
٧٤٤٠ - وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ: حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَس
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: ((يُحْبَسُ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُهِمُّوا بِذلِكَ،
فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحُنَا مِنْ مَكانِنَا، فَيَأْتُّونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَدَمُ أَبُو
النَّاسِ، خَلَقَّكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ
شَيءٍ، لِتَشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكانِنَا هذا، قَالَ: فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، قَالَ:
وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ: أَكْلَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا، وَلكِنِ اثْتُوا نُوحاً أَوَّلَ نَبِيّ
بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، فَيَأْتُونَ نُوحاً فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي
أَصَابَ: سُؤَالَهُ رَبَّهُ بِغَيرِ عِلم، وَلكِنِ اثْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمُنِ، قَالَ: فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ
فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيُذْكُرُ ثَلاَّثَ كَلِمَاتٍ كَذَّبَهُنَّ، وَلكِنِ اثْتُوا مُوسَى: عَبْداً آتَاهُ اللَّهُ
التَّوْرَاةَ وَكَلَّمَهُ وَقَرَّبَهُ نَجِيّاً، قَالَ: فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: إِنِّي لَّسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ
الَّتِي أَصَابَ: قَتْلَهُ النَّفْسَ، وَلكِنِ اثْتُوا عِيسى عَبْدَ اللَّه وَرَسُولَهُ، وَرُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، قَالَ:
فَيَأْتُّونَ عِيسى فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلكِنِ اثْتُوا مُحَمَّداً فِيَةِ، عَبْدَاً غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ
ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِي، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ
سَاجِداً، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، فَيَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلٍ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ،
وَسَلَ تُعْطَهُ، قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّيٍ بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهٍ، فَيَحُدُّ لِي حَدّاً،
فَأَخْرُجُ فَأَدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ - قَالَ قَتَادَةُ: وَسَمِعْتُهُ أَيْضاً يَقُولُ: فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ
وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ - ثُمَّ أَعُودُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّ فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ
سَاجِداً، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِيٍ، ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلٍ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ
تُشَفَّعْ، وَسَلِ تُعْطَّهْ، قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُتْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، قَالَ: ثُمَّ
أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدَّاً، فَأَخْرُجُ فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ - قَالَ قَتَادَةُ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: فَأَخْرُجُ
فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ - ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِئَةَ، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ فَيُؤْذَنُ
لِي عَلَيهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدِاً، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ
محَمَّدُ، وَقُلِ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَل تُعْطَةْ، قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَثْنِي عَلَى رَبِّي بِشَاءٍ
وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، قَالَ: ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدّاً، فَأَخْرُجُ فَأَدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ - قَالَ قَتَادَةُ: وَقَدْ
سَمِعْتُهُ يَقُولُ: فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّة - حَتَّى مَا يَبْقى في النَّارِ إِلَّ مَنْ

٥٦٨
كتاب التوحيد
حَبَسَهُ القُرْآنُ)) أي وَجَبَ عَلَيهِ الخُلُودُ. قَالَ: ثُمَّ تَلاَ هذهِ الآيَةَ: ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا
تَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قَالَ: وَهذا المَقَامُ المَحْمُودُ الَّذِي وُعِدَهُ نَبِيُّكُمْ وَّ. [طرفه في: ٤٤].
٧٤٤١ - حدّثنا عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنِي عَمِّي: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ
صَالحِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسَّ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ أَرْسَلَ إِلَى
الأَنْصَّارِ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ وَقَالَ لَهُمْ: ((اصْبِرُوا حَتَّى تَلقَوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنِّي عَلَى
الحَوْضِ)). [طرفه في: ٣١٤٦].
٧٤٤٢ - حدّثني ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيج، عَنْ سُلَيمَانَ
الأَحْوَلِ، عَنْ طَاؤُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َُِّّ إِذَا تَهَجَّدَ مِنَ
اللَّيْلِ قَالَ: ((اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ قَيمُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ
رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ
فِيهِنَّ، أَنْتَ الحَقُّ، وَقَوَّلُكُ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَلِقَا ؤُكَ الحَقُّ، وَالجنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ
حَقُّ والسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيكَ تَوَكَّلتُ، وَإِلَيكَ خَاصَمْتُ،
وَبِكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ
مِنِّي، لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ قَيسُ بْنُ سَعْدٍ وَأَبُو الزُّبَيرِ، عَنِ طَاوُسٍ:
(قَيَّامُ)). وَقَالَ مُجَاهِدٌ: القَيُّومُ القَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، وَقَرَأَ عُمَرُ: القَيَّامُ. وَكِلاَهُمَا مَدْخٌ.
[طرفه في: ١١٢٠].
٧٤٤٣ - حدّثنا يُوسُف بْنُ مُوسَى: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ: حَدَّثَنِي الأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَةَ،
عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيسَ
بَينَهُ وَبَينَهُ تُرْجُمَانٌ، وَلاَ حِجَابٌ يَحْجُبُهُ)). [طرفه في: ١٤١٣].
٧٤٤٤ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ أَبِي
عِمْرَانَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ نَ ﴿ قَالَ: ((جَنَّتَانِ مِنْ
فِضَّةٍ، آنِيَتُهمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَثَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ، آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ القَوْمِ وَبَينَ أَنْ
يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّ رِدَاءُ الكِبْرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ». [طرفه في: ٤٨٧٨].
٧٤٤٥ - حدّثنا الحُمَيدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ أَعْيَنَ، وَجَامِعُ بْنُ أَبِي
رَاشِدٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: (مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ
امْرِىءٍ مُسْلِم بِيَمِينِ كَاذِبَةٍ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيهِ غَضْبَانُ)). قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللّهِ :
مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَا قَلِيلًا أُوْلَّكَ لَا خَلَقَ
لَهُمْ فِ اُلْآَخِرَةِ وَلَّ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧٧] الآيَةَ. [طرفه في: ٢٣٥٦].
٧٤٤٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحمَّدٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ

٥٦٩
كتاب التوحيد
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ قَالَ: ((ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيهِمْ: رَجُلٌ
حَلَفَ عَلَى سِلَعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ
بَعْدَ العَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ أَمْرِىءٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ، فَيَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ:
اليَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَّمْ تَعْمَل يَدَاكَ)). [طرفه في: ٢٣٥٨].
٧٤٤٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ،
عَنِ ابْنٍ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قَالَ: ((الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيَتَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ
اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو
القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَب مُضَرَ الَّذِي بَينَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ، أَيُّ شَهْرٍ هذا؟)).
قُلنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيرِ اسْمِهِ، قَالَ: (أَلَيسَ ذَا
الحجَّةِ؟)). قُلنَا: بَلَى، قَالَ: ((أَيُّ بَلَدٍ هذا؟)). قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا
أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيرِ اسْمِهِ، قَالَ: ((أَليسَ البَلدَةَ؟)). قُلنَا: بَلَى، قَالَ: ((فَأَيُّ يَوْم هذا؟)). قُلْنَا:
اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَّم، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيرِ اسْمِهِ، قَالَ: ((أَلَيْسََّ يَوْمَ النَّحْرِ؟)).
قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: ((فَإِن دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ - وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَّيْكُمْ
حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هِذَا، في شَهْرِكُمْ هذا، وَسَتَلِقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ
أَعْمَالِكُمْ، أَلاَ فَلاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلاَّلاً يَضْرِبِ بَعْضُكُمْ رِقَابٍ بَعْضٍ، أَلاَ لِيُبْلِغِ الشَّاهِدُ
الغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَىِ لَهُ مِنْ بَعْضٍ مَّنْ سَمِعَهُ)) فَكَانَ مُحمَّدٌ إِذَا
ذَكَرَهُ قَالَ: صَدَقَ النَّبِيُّ ◌َّهِ. ثُمَّ قَالَ: ((أَلاَ هَل بَلَّغْتُ؟ أَلاَ هَل بَلَّغْتُ؟)). [طرفه في: ٦٧].
شرع في مسألة الرؤية.
٧٤٣٧ - قوله: (ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ منَ القَضَاءِ بَيْنَ العِبَادِ). لا يريد أن اللَّهَ تعالى كان
ممنوعاً عن شيءٍ إلى الآن، ثم فَرَغَ، فإن الله تعالى كل يوم هو في شأنٍ، لا يُشْغِلُهُ شيءٌ
عن شيءٍ، فلو أراد أن يَفْعَلَ جملةَ الأمور في آنٍ واحدٍ لُفعل، لكنه لمَّا كان خروجُ
الأشياء في الخارج مترتباً، عبّر عن ترك شيءٍ والأخذ بالآخر بالفراغ. أعني أنه صورةٌ
الفراغ من الشغل، مع أنه لا شغلَ ولا فراغَ عند التحقيق(١).
قوله: (انْفَھَقَت): "کھلکھلانا."
قوله: (فإذَا ضَحِكَ - اللَّهُ - مِنْهُ، قَالَ لَهُ: ادْخُلِ الجَنَّةَ)، وفيه: ثبوتُ باب الظرافة
عند ربِّك أيضاً .
(١) قلت: وراجع له كلام الحافظ التوربشتي في معنى تردده تعالى عند موت عبده، نقلناه في ((البدر الساري)» يفيدك
لكشف معنى الفراغ، وهو الذي عناه الشيخ إن شاء الله تعالى، وكذلك معنى الضحك من ذلك الموضع.

٥٧٠
كتاب التوحيد
قوله: (حَسَكَةٌ): "کو کھرو" .
قوله: (ويُحَرِّمُ اللَّهُ صُوَرَهُمْ عَلَى النَّارِ)، فيه: أن صورةَ الشيء غيره، فإن هؤلاء
كانوا قد امْتُحِشُوا، وصاروا كالحُمَم، ثم يُقَال فيهم: إن اللَّهَ تعالى يُحَرِّمُ صُوَرَهم على
النار. وقد مرَّ: أن هؤلاء هم الذين عندهم الإِيمان فقط، ولا عملَ عندهم من الخيرات،
وليسوا من أهل الفَتْرَةِ، وقد مرَّ التفصيل في كتاب الإيمان.
فائدةٌ: وهل دريت السِّرَّ في قوله: ((ثم يُؤْتَى بجهنَّمَ تُعْرَضُ كأنَّها سَرَابٌ))، وذلك أن
اليهودَ كانوا في الدنيا في تلبيسٍ وتخليطٍ، يَخْبِطُون في مفاوز الضلال، فَخُلِطَ عليهم
الأمر في المحشر أيضاً. وبالجملة: الناسُ في المحشر يكونون على أحوال: منهم من
يُسْحَبُ على وجهه، ومنهم من يَبْقَى في تخليطه حتى يُقْضَى عليه، ومنهم من يَلْتَقِطُه عنقٌ
من جهنّم. والعياذ بالله العلي العظيم.
٢٥ - باب مَا جَاءَ في قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]
٧٤٤٨ - حدّثنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ: حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي
عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ قَالَ: كَانَ ابْنٌّ لِبَعْضِ بَنَاتِ النَّبِّ ◌َّهَ يَقْضِي، فَأَرْسَلَتْ إِلَيهِ أَنْ يَأْتِيَهَا،
فَأَرْسَلَ: ((إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَغْطَى، وَكُلٍّ إِلَّى أَجَلِ مُسَمَّى، فَلَتَصْبِرْ وَلتَحْتَسِبْ)).
فَأَرْسَلَتْ إِلَيهِ، فَأَقْسَمَتْ عَلَيهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهَ وَقُمْتُ مَعَهُ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَيُّ بْنُ
كَعْبٍ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، فَلَمَّا دَخَلْنَا، نَاوَلُوا رَسُولَ اللَّهِ لَّهَ الصَّبِيَّ، وَنَفسُهُ تَقَلِقَلُ في
صَذْرِهِ، حَسِبْتُهُ قَالَ: كَأَنَّهَا شَنَّةٌ، فَبَكِى رَسولُ اللّهِ بَلَّ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: أَتَبْكِي؟
فَقَالَ: ((إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ)). [طرفه في: ١٢٨٤].
٧٤٤٩ - حدّثنا عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ
صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّرُ قَالَ: ((اخْتَصَمَتِ الجَنَّةُ
وَالنَّارُّ إِلَى رَبِّهِمَا، فَقَالَّتِ الجَنَّةُ: يَا رَبَّ، مَا لَهَا لاَ يَدْخُلُهَا إِلَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ،
وَقَالَتِ النَّارُ - يَعْنِي - أُوثِرْتُ بِالمُتَكَبِّرِينَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي، وَقَالَ
لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُصِيب بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلؤُهَا، قَالَ: فَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ
اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِنْ خَلقِهِ أَحَدَاً، وَإِنَّهُ يُنْشِىءُ لِلنَّارِ مَنْ يَشَاءُ، فَيُلِقَوْنَ فِيهَا، فَتَقُولُ: هَل مِنْ
مَزِيدٍ؟ ثَلاَثاً، حَتَّى يَضَعَ فيهَا قَدَمَهُ فَتَمْتَلِىءُ، وَيُرَدُّ بَعْضُها إِلَى بَعْضٍ، وَتَقُولُ: قَطْ قَطْ
قَظَ)). [طرفه في: ٤٨٤٩].
٧٤٥٠ - حدّثنا حَفصُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،

٥٧١
كتاب التوحيد
عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ: ((لَيُصِيبَنَّ أَقْوَاماً سَفعٌ مِنَ النَّارِ، بِذُنُوبِ أَصَابُوهَا عُقُوبَةً، ثُمَّ يُدْخِلُمُ
اللّهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ، يُقَالُ لَهُمُ: الجَهَنَّمِيُّونَ)). وَقَالَ هَمَّامٌ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ: حَدَّثَنَا أَنَسٌِّ،
عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ. [طرفه في: ٦٥٥٩].
يريد إثباتَ الرحمة، أو قربها .
٧٤٤٩ - قوله: (فَأَمَّا الجَنَّةُ، فإنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِنْ خَلْقِهِ أحداً، وإنَّهُ يُنْشِىءُ للَّارِ مَنْ
يَشَاءُ، فَيُلْقَوْنَ فِيهَا). قلتُ: وهذا غلطٌ من الراوي بلا ريب، وما كان لأرحم الراحمين
أن يُنْشِىءَ خلقاً للنار، فَيُلْقَى فيها، ولكن الأمرَ على عكسه، فإنه يَخْلُقُ خلقاً، ويُدْخِلُهُ
في الجنة من فضله. ولا يَظْلِمُ أحداً، فَيُلْقِي في النار بلا عملٍ (١).
٢٦ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١]
٧٤٥١ - حدّثنا مُوسَى: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرِاهِيمَ، عَنْ عَلقَمَةَ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ نَّ فَقَالَ: يَا مُحمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ يَضَعُ السَّمَاءَ
عَلَى إِصْبَعِ، وَالأَرْضَ عَلَى إِصْبَعِ، وَالجِبَالَ عَلَى إِصْبَعِ، وَالشَّجرَ وَالأَنْهَارَ عَلَى إِصْبَع،
وَسَائِرَ الخَلقِ عَلَى إِصْبَعْ، ثُمَّ يَقُوَّلُ بِيَدِهِ: أَنَا المَلِكُ، فَضُحِكَ رَسُولُ اللَّهِ مَله وَقَالَ: ﴿وَمَا
قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. [طرفه في: ٤٨١١].
واعلم أنَّ من الأشياء ما نَرَاهَا موجودةٌ ومعدومةً بأعيننا كسائر الحيوانات
والنباتات، فإن الحيواناتِ نراها موجودةً بعد انعدامها، ثم تَفْنَى. وكذلك النباتات تَنْبُتُ
فَتَخْضَرُّ، ثم تَهِيجُ مصفرّةً حتى تذروها الرياح. ومن أشياء ما لم نَرَ انعدامها كالأفلاك،
وسائر الأجسام الأَثِيرِيَّةَ، مثل الشمس والقمر. ومن ههنا ذَهَبَ بعضُ من لا دراية لهم من
الناس أنها قديمةٌ بالشخص. وما أجهلهم، ما غرَّ هؤلاء إلاَّ استحالة الخَرْقِ والالتئام
فيها. وقد ثَبَتَ اليومَ أن الشمسَ مركّبةٌ، حتى أنهم دوَّنوا عناصرها، ويدَّعون فيه
مشاهدتهم، ولا أقلّ من أن الانعدامَ إذا ثَبَتَ في العالم السُّفْليِّ الذي هو من جنسه، لا
بُدَّ من القول به في العالم العُلْويِّ أيضاً، كذلك الاشتراك. وقد أقرَّ به أرسطو في
أثولوجيا، وقد أقرَّ فيه بقيام القيامة لهذا الدليل. ثم لا أدري لِمَ نَكَصَ على عَقِبَيْهِ. نعم
القدر يَغْلُبُ، وإليه يَرْجِعُ الإِنسانُ آخراً. وبالجملة: إذا كان الممكنُ معدوماً حقيقة
(١) قلت: ورأيت في تقرير مولانا عبد العزيز دام مجده شيئاً آخر، لطيفاً جداً، وهو أن الله تعالى يزيد الكافر جسامة
وبدانة، حتى يكون ضرسه مثل أحد، فيحصل منه أيضاً نحواً من الامتلاء، فافهم، وذق من حقائق الشيخ، واشكر
له، قال تعالى: ﴿وَقَلِلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾.

٥٧٢
كتاب التوحيد
العَدَم، لا بُدَّ لوجوده من يُمْسِكُهُ، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ ... إلخ(١) [فاطر: ٤١].
٢٧ - باب مَا جَاءَ في تَخْلِيقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَغَيرِهَا مِنَ الخَلاَئِقِ
وَهُوَ فِعْلُ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَأَمْرُهُ، فَالرَّبُّ بِصِفَاتِهِ وَفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ، وَهُوَ الخَالِقُ هُوَ
المُكَوِّنُ، غَيرُ مَخْلُوقٍ. وَمَا كَانَ بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ وَتَخْلِيقِهِ وَتَكْوِينِهِ، فَهُوَ مَفعُولٌ ومَخْلُوقٌ
ومُكَوَّنٌ.
٧٤٥٢ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا مُحمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: أَخْبَرَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ في بَيْتِ مَيمُونَةَ لَيْلَةَ، وَالنَّبِيُّ ◌َِ
عِنْدَهَا، لَأَنْظُرَ كَيفَ صَلاَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَّهَ بِالَّلَّيْلِ، فَتَحَدَّثَّ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةٌ
ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيلِ الآخِرُ، أَوْ بَعْضُهُ، فَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَرَأَ: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ
السَمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]. ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَاِسْتَنَّ، ثُمَّ
صَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ أَذَّنَ بِلاَلٌ بِالصَّلاَةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَينٍ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى لِلنَّاس
الصُّبْحَ. [طرفه في: ١١٧].
واعلم أن المصنِّفَ أشار في تلك الترجمة إلى أمرين: الأوَّل إلى إثبات صفة
التكوينِ، القائل بها علماؤنا المَاترِيدِيَّة، حتى صرَّح به الحافظُ مع أنه ممن لا يُرْجَى منه
أن يتكلَّمَ بكلمةٍ يكونِ فيها نفعٌ للحنفية. وأَنْكَرَهَا الأشاعرةُ. فالتفصيلُ: أن الصفات عند
الأشاعرة سبع، واللَّهُ تعالى مع صِفاته السبع قديمٌ. وقالوا في نحو صفة الإِحياء،
والإِماتة، والترزيق أنها عبارةٌ عن تعلَّق القدرة بها. فالإِحياءُ عندهم عبارةٌ عن تعلّق القدرة
والإِرادة مع حياة أحدٍ، وكذلك أمثالها. فاستغنوا عن صفة التكوين، ورَأوْا أن لهم
بمجموع القدرة والإِرادة غُنْيَةً عن التكوين. ثم قالوا: إن تلك الصفات، وإن كانت
قديمةً، إلاَّ أن تعلُّقَهَا بالمرزوقات ونحوها حادثٌ.
وزاد المَاترِيِديَّةُ على هذه السبع، صفةً ثامنةً سَمَّوْهَا بالتكوين، وقالوا: إن القدرةَ
تكون على الجانبين. أمَّا الإِرادةُ فأيضاً تتعلَّق بالجانبين - وإن كان بدلاً - فتارةً تتعلَّق
بوجود الشيء، وأخرى بعدمه، بخلاف التكوين، فإنه يتعلَّق بوجود الشيء فقط، ولا
يتعلَّق بالعَدَمِ أصلاً .
(١) قلت: وإنما خصص من بين سائر الممكنات السموات والأرضين، لكونهما أشد المخلوقات، وأكبرها، وأحفظها
من التغيرات، فلما كان حالها ما سمعت، فما بال ما كان محطاً للتحولات، مهاداً للتغيرات أضعف خلق الله؟!
كالإنسان، فاعلمه.

٥٧٣
كتاب التوحيد
قلتُ: ولعلَّهم أَخَذُوهَا من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَّهُ كُنْ
فَيَكُونُ
:[يس: ٨٢]، والمشيئةُ عندي ما به تَحْصُلُ الشيئية في الشيء، فإذا أراد اللَّهُ
أن يُلْبِسَهُ لباسَ الوجود جاء التكوين، وقال له: كن. ففي الآية ما يُشِيرُ إلى أن الشيئيةَ في
الشيء تكون مقدمةً على تكوينه.
وبالجملة القدرةُ والإِرادةُ إذا تعلَّقتا بجانبي الشيء، ولم تُفِيدًا فعلية وجوده، احتاج
إلى صفةٍ تكون منشأ للفعلية، وهي التكوين. فإِذا أراد الفعلية، قال له: كُنْ، أي جاء
التكوين فَأَوْجِدَهُ. ثم إن تلك مراتب عقلية، لا أنه يتخلَّل بين ذلك زمان، ولكنه إذا أراد
شيئاً لم يتخلَّف عنه مراده طرفة عين (١).
فالصفاتُ عند علمائنا، كما في ((الدر المختار)) في باب الإِيمان على نحوين:
صفات ذاتية، وصفات فِعْليَّة: والأولى ما تكون هي صفة الله تعالى دون ضدها،
كالعلم، فإنه صفةُ الله تعالى، وليس ضده - أعني الجهل - صفةً له تعالى. وكذلك
الحياة، فليس الموت من صفاته تعالى. وهكذا فليقس عليه سائر الصفات. والثانية ما
هي صفةٌ لله تعالى وكذلك أضدادها، كالإِحياء، فإن ضده الإِماتة، وهو أيضاً صفةٌ له
تعالى. والصفاتُ بنحويها قديمةٌ، ذاتيةً كانت أو فعليةً. نعم تعلَّقاتها حادثةٌ.
فهناك ثلاثةُ أمورٍ عند الأشاعرة، وأربعةٌ عند المَاترِيدِيَّة: الذات، وصفاتها السبع،
وهاتان بالاتفاق. أمَّا الصفاتُ الفعليةُ، فقال بها المَاترِيدِيَّةُ فقط، واستغنى عنها
الأشاعرةُ، فقالوا: إنَّها ليست إلاَّ تعلُّقات القدرة، وتلك التعلَّقات حادثةٌ عندهم. فالاثنان
من الثلاث قديمةٌ عندهم، والواحد [حادثة].
أمَّا عندنا، فالصلاتُ الفِعْلِيّةُ أيضاً قديمةٌ، كالصفات الذاتية. نعم تعلُّقاتها حادثةٌ.
فالمراتبُ أربعٌ، الثلاث منها قديمةٌ، والرابعة حادثةٌ.
ثم إن صفةَ التكوين هل هي مبادىء الصفات الفعلية، أو القدرُ المُشْتَرَكُ بينهما؟
(١) قلت: وقد كنت سمعت من الشيخ أن مغزى الآية التنبيه على أن الله عز وجل لا يحتاج في أفعاله إلى المزاولة،
بخلاف غيره من المخلوقات، فإنهم إذا أرادوا أن يفعلوا شيئاً لا بد لهم من القيام بأسبابه، ومزاولتها، وبعدها
أيضاً لا يلزم أن لا يتخلف مرادهم، والله عز وجل إذا أراد شيئاً استغنى عن أسبابه والمزاولة بها، ولكن أمره إذا
أراد، قال له: كن فيكون، بدون مباشرة الأسباب منه، مع لزوم المراد واستحالة التخلف عنه، كيف! وأن التأثير
في الأسباب أيضاً ليس إلا من جهته تعالى، وهو القوي العزيز، فهذا معنى الآية على ما فهمت، والله تعالى
بحقيقة الحال أعلم، وأنت أيضاً تفكر فيه تجد نورها إن شاء الله تعالى. ومن أراد البسط في تقرير هذا المرام،
فليرجع إلى المكاتيب الشريفة للشيخ المجدد السرهندي رحمه الله تعالى، فقد بسط فيه بما لا مزيد عليه.

٥٧٤
كتاب التوحيد
ففيه اختلافٌ لأصحابنا، فبعضُهم ذَهَبَ إلى أنها اسمٌ للقدر المشترك، وآخرون إلى أنها
مبادىء تلك الصفات.
قلتُ: وقد أَحْسَنَ المَاتِيدِيَّةُ حيث جَعَلُوها صفةً برأسها مستقلّةً، فإنَّ القرآنَ يُشْعِرُ
باستقلالها، فإنه سمَّى اللَّهَ تعالَى مميتاً، ومحيياً. وإرجاعُ تلك كلِّها إلى القدرة والإِرادة
بعيدٌ، فالأَوْلَى أن تُسَمَّى تلك أيضاً باسمٍ، وهو صفةُ التكوين.
بَقِيَ الأفعالُ الجزئيةُ المُسْنَدةُ إلى الله تعالى كالنزول، والاستواء، وأمثالهما،
فاختلفوا فيها بأنها قائمةٌ بالباري تعالى، أو منفصلةٌ عنه، مع الاتفاق على حدوثها .
فذهب الجمهورُ إلى أنها منفصلةٌ. وذَهَبَ الحافظُ ابن تَيْمِيَة إلى كونها قائمةً بالباري
تعالى، وأَنْكَرَ استحالةَ قيام الحوادث بالباري تعالى، وأصرَّ على أن كون الشيء محلاً
للحوادث لا يُوجِبُ حدوثه. واسْتَبْشَعَهُ الآخرون، لأن قيامَ الحوادث به يَسْتَلْزِمُ كونه
محلاً لها، وهذا يَسْتَشْبِعُ حدوثه، والعياذ بالله.
قلتُ: أما كون الباري عزَّ اسمه محلاً للحوادث، فأنكره هذا التعبير، غير أن
السمعَ وَرَدَ بنسبتها إليه تعالى. ويرى المتكلِّمون كافةً إلى تلك الأفعالَ كلَّها مخلوقةٌ
حادثةٌ. والحافظُ ابن تَيْمِيَة مع قوله بحدوثهما، لا يقولُ: إنها مخلوقةٌ، ففرَّق بين
الحدوث والخلق. وإليه مال المصنِّفُ، فجعل الأفعالُ حادثةً قائمةً بالباري تعالى على
ما يَلِيقُ بشأنه، غير مخلوقةٍ.
وأمَّا الثاني، فهو تأسيسٌ للجواب عمَّا أُورِدَ عليه في مسألة كلام الباري تعالى،
وهذه هي المسألةُ التي ابْتُلِي بها البخاريُّ، وقاسى فيها المصائب. فترجم أوّلاً ترجمةً
طويلةً جامعةً كالباب، ثم ترجم تراجمَ أخرى في هذا المعنى كالفصول له.
كما كان فعل في كتاب الإِيمان حيث ترجم أوّلاً تَرجمةً مبسوطةً مفصّلةً، ثم ترجم
بعدها كالفصول لها، إلاَّ أنه لم يُفْصِحْ بالجواب، ولكنَّه عَرَضَ إليه بالإِيماءات
والإِشارات.
فاعلم أنه لم يَذْهَبْ أحدٌ من أئمة الدين إلى أن القرآنَ مخلوقٌ، وامْتَنَعُوا بِإِطلاق
المخلوق عليه. كيف! وأنه صفةٌ للرَّبِّ، والصفاتُ ليست مخلوقةً، وإلاَّ كانت حادثةً،
وإذ ليست، فليست. ولمَّا جاء البخاريُّ قال: لفظيٍ بِالقرآن مخلوقٌ. ولم يَكُن البخاريُّ
يُحِبُّ أن يُفْشِيَه بين الناس، إلاَّ أن محمد بن يحيى الذَّهْلي شيخ مسلمٍ لم يَتْرُكُهُ، واضْطَرَّه
إلى التكلَّم به، فكرَّر عليه بالمسائل. فلمَّا لم يَجِد المصنِّفُ بُدّاً إلاّ من إفصاح مراده،
قال للسائلين عنه: لفظي بالقرآن مخلوقٌ. فلم يُدْرِكِ الناسُ مرادَه، فصاحوا عليه، ورَمَوْهُ

٥٧٥
كتاب التوحيد
بالابتداع والاعتزال. حتى جَلَبُوا عليه من المصائب ما لا حاجةً لنا إلى نشرها، والله
يَغْفِرُ لنا، ولهم(١).
وإذن لا بُدَّ لنا أن نوضِّحَ مراده رحمه الله تعالى، ولنمهِّد له مقدمةً تُعِينُكَ في فَهْم
المراد، وهي: أن المفعولَ المطلقَ أصلُ سائر المفاعيل، ولذا قدَّموه في الذكر، وذلك
لكونه فعلَ الفاعل حقيقةً، نحو ضَرَبْتَ ضرباً، فلا شكَّ أن ما هو فعلك هو الضربُ لا
غير. أمَّا المفعولُ به، فليس من فعلك أصلاً، ولكن هو الذي يَقَعُ عليه فعلُك، فنحو
ضَرَبْتَ زيداً، معناه أن ضَرْبَكَ الذي هو فعلُك وَقَعَ على زيدٍ الذي ليس من فعلك.
فالمفعولُ به ليس من فعل الفاعل، ولا تأثيرَ له فيه، فهو مُسْتَغْنَى عنه باعتبار ذاته، وإن
كان مَوْرِداً لفعله. نعم أثرُ فعله هو المفعولُ المطلق.
قال ابنُ الحَاجِبِ: إن السموات والأرض في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾
[الأنعام: ١] مفعولٌ مطلقٌ، وذهب الجمهورُ إلى أنها مفعولٌ به. وذلك لأنَّ المفعولَ المطلقَ
عند ابن الحاجب لا يكون موجوداً من قبلٍ، بل يُوجَدُ من فعل الفاعل. والمفعول به ما
كان موجوداً من قبل، ثم يَقَعُ عليه فعل الفاعل. ولمَّا كانت السمواتُ والأرضون معدومةً
من قبل، أَوْجَدَها فعل الرَّبِّ سبحانه، سمّاها مفعولاً مطلقاً على اصطلاحه. كسائر أفعال
الممكنات، فإِنها من أفعال الفاعلين، تُوجَدُ بفعلهم. فالضربُ لا يتحقَّقُ إلاَّ بضرب زيدٍ،
وكذلك الأفعالُ الجزئيةُ الخاصَّةُ لا تحقُّق لها إلاَّ من جهة فاعلها. وأنت تَعْلَمُ أن كلَّ
فاعلٍ لا يَحْتَاجُ في فعله إلى مادَّةٍ، ولكن الاحتياجُ إليها إنما يكون إذا كانت المادةُ موردَ
الفعل. فالضاربُ لا يحتاج في ضربه إلى مادَّةٍ، ولكنه يُحْدِثُهُ من كتم العَدَمِ.
ومن ههنا قلتُ: إن العالمَ بأسره فعلٌ للرَّبِّ سبحانه، كالمفعول المطلق لفاعله،
فَيَحْدُثُ بلا مادةٍ. ولو فَهِمَهُ الفلاسفةُ الأغبياءُ لَمَا تَسَارَعُوا إلى القول بِقِدَمِها، ولكن
المحرومون لم يَهْتَدُوا إلى الفرق بين المفعولين، فَجَعَلُوا الله سبحانه محتاجاً إلى المادة
لِيُظْهِرَ فيها خلقَه وتصويرَه. كيف! وإن المادَّةَ نفسها مخلوقةٌ له. ولنا فيه كلامٌ طويلٌ،
بَسَطْنَاه في رسالتنا ((في حدوث العالم))، وليس ههنا موضع بسطه.
وإنَّما المقصودُ هُهنا بيانُ أن ابنَ الحَاجِبِ ذَهَبَ إلى أن السمواتِ والأرضَ مفعولٌ
(١) قلت: وهذا هو ذنب الحنفية في - باب الإيمان - حيث قالوا: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ولما كان من
مقولة السلف: الإيمان يزيد وينقص، وترك هؤلاء عنوانهم، لما سنح لهم فيه مصالح، أكبوا عليهم، وجعلوا
يطعنونهم أيضاً، فإن كان ترك العنوانات مأئمة، ومجلبة للمطاعن، فلسنا متفردين فيه، ولكن البخاري أيضاً
شاركنا فيه، فهلا فعلوا به فعالهم بنا؟ ولكنه كما قيل:
أصم عن الشيء الذي لا أريده
وأسمع خلق الله حين أريد

٥٧٦
كتاب التوحيد
مطلقٌ، لِمَا تقرَّر عنده أن ما يُوجَدُ من فعل الفاعل مفعولٌ مطلقٌ، وما وَقَعَ عليه فعلُه، فهو
مفعولٌ به. أمَّا المعاني المصدريَّةُ، فكلُّها مفعولٌ مطلقٌ عندهم. غير أن الجُرْجَانِيَّ ذَهَبَ
إلى أن المفعولَ المطلقَ هو الحاصلُ بالمصدر. ولم يَذْهَبْ إليه أحدٌ من النحاة غيره،
وذلك لأن الحاصلَ بالمصدر خفيٍّ عندهم، وإنما نوَّه بشأنه المعقولُّون.
فإن قلتَ: ما حَمَلَ الجُرْجَانيُّ على جعل الحاصل بالمصدر - الذي هو أثرُ فعل
الفاعل - مفعولاً مطلقاً؟ قلتُ: نعم، الذي حَمَلَهُ عليه هو أن الحاصلَ بالمصدر قد يكون
هيئةً مُبْصَرَةً، كحركة اليد، كما صرَّح بحرُ العلوم في ((حاشية الملا جلال)) فإذا جَعَلْنَا
المعنى المصدريَّ مفعولاً مطلقاً، وزيداً مثلاً مفعولاً به، فماذا نسمِّي تلك الهيئة
المشهودة، فَأَدْخَلَهُ على المفعول المطلق لهذا التشويش.
وبعبارة أخرى: إن الضربَ إذا صَدَرَ من فاعلٍ، فهناك ثلاثة أمور: الضرب الذي
هو فعلُه، أعني به المعنى المصدريَّ. والثاني: أثرُ هذا الضرب الذي قام بالفاعل، أعني
هيئةَ الضَّرْب، وهيئةَ تلك الحركة. ولا شَكَّ أنها غير المعنى المصدريِّ، فإنها تابعةٌ وأثرٌ
له. والثالث: محلُّ وقوع ذلك الفعل. فإذا كان الأوَّلُ: مفعولاً مطلقاً، والثالث: مفعولاً
به عندهم، حدث التردُّدُ في الثاني ماذا نسمِّيه، وماذا نقول فيه؟ فَرَأَوْهُ أشبه بالمفعول
المطلق، وأَدْرَجُوه تحته. وهذا الذي عُرِضَ لابن الحاجب حيث جَعَلَ السمواتِ
والأرضَ في قوله تعالى المذكور مفعولاً مطلقاً .
وأمَّا عند الجمهور، فالحاصلُ بالمصدر داخلٌ في المفعول به فضرباً في قولنا :
ضَرَبْتُ ضرباً، مفعولٌ مطلقٌ عندهم. إن قلنا: إنه مصدرٌ، وإن أخذناه حاصلاً بالمصدر،
فكذلك عند الجُرْجَانيِّ .
وبالجملة: اتَّفَقُوا على أن الحاصلَ بالمصدر ليس قسماً ثالثاً، فهو إمَّا داخلٌ في
المفعول المطلق، كما اختاره الجُرْجَانيُّ، أو في المفعول به، كما هو عند الجمهور.
وبعد اللَّتَيًّا والتي، إن المفعولَ المطلقَ غيرُ المفعول به، وهَدْرُ الفرق بين فعل الفاعل،
ومورد فعله غباوةٌ. والخَلْطُ بين فعل العبد، ومورد فعله شقاوةٌ، وسيأتي تفصيله.
إذا عَلِمْتَ هذا، فاعلم أن البخاريَّ لم يَقُلْ: إن القرآنَ مخلوقٌ. كيف! وهو صفةٌ
الرَّبِّ عزَّ وجلَّ، ولكنه قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ. فهناك شيآن: التلفُّظُ، وهو فعلُه.
والقرآنُ. وهو الذي وَرَدَ عليه فعلُه. فالحكمُ بالخلق على لفظي، دون القرآن. والأوَّلُ
نائبٌ مناب المفعول المطلق، والثاني مناب المفعول به. وقد عَلِمْتَ أن المفعولَ به
يكون مفروغاً عن تأثّر فعل المتكلِّم، ولا يكون لإيجاده دَخْلٌ إلاَّ في فعله، وهو المفعولُ
المطلقُ، وليس هو في المثال المذكور غير التلفُّظَ .

٥٧٧
كتاب التوحيد
وحاصلُ معنى كلامه: أن التلفُّظَ الذي هو من فعل العبد مخلوقٌ، وهذا التلفُّظُ تعلَّق
بالقرآن الذي هو غيرُ مخلوق، وصفةٌ للرَّبِّ جلَّ مجده. ومن لا يميِّزُ بين فعل العبد،
وصفة الرَّبِّ جلَّ مجده، يَقَعُ في الخبط. فهذا أصلُ جوابه، أَوْمَأَ إليه في هذه الترجمة،
حيث قال: إن الرَّبَّ بصفاته، وأمره، وفعله، وكلامه هو الخالقُ المكوَّنُ. فكلامُ الله من
حيث كونه صفةً له تعالى في جانب الخالق، ومن يَجْتَرِىءُ أن يقولَ: إنه مخلوقٌ من هذه
الجهة؟ وأمَّا تلفُّظُنَا به، فذاك ليس من صفته تعالى، بل من صفاتنا، ونحن بما فينا من
الصفات مخلوقون لله تعالى.
وجملته أن الواردَ مخلوقٌ، والمورد غيرُ مخلوقٍ. وهاك أجلي نظيرٍ له، فإِنك إذ
تَقْرَأُ كتاباً، فيكون هناك أوَّلاً قراءتك، ولا يَمْتَرِي أحدٌ أنه فعلُك. وثانياً الذَي تَقْرَأُهُ، ولا
يَشُقُّ أحدٌ أيضاً أنه ليس من فعلك، بل هو من الشيخ السعدي. فهكذا القرآن، وقراءتنا
به .
ومحصّل تلك الترجمة: أن اللَّهَ تعالى وما يتعلَّق به من صفاته وأمره كلِّها غيرُ
مخلوقٍ، والعالمَ بقَضِّه وقَضِيضِه مخلوقٌ.
[الصافات: ١٧١ ]
٢٨ - باب قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ
٧٤٥٣ - حدّثنا إِسْماعِيلُ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ نَّهِ قَالَ: ((لَمَّا قَضَى اللَّهُ الخَلَقَ، كَتَبَّ عِنْدَهُ فَوْقَ
عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي)). [طرفه في: ٣١٩٤].
٧٤٥٤ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ: سَمِعْتُ زَيدَ بْنَ وَهْبِ: سَمِعْتُ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِنَّهِ وَهُوَ الصَّادِقُ المَضْدُوقُ: ((إِنَّ
خَلقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ في بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَأَرْبِعِينَ لَيلَةٌ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَهُ، ثمَّ يَكونُ
مُضْغَةً مِثْلَهُ، ثُمَّ يُبْعَثُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ، فَيُؤْذَنُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيَكْتُبُ: رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَعَمَلَهُ،
وَشَقِيٍّ أَمْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، فَإِنَّ أَحَدِّكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى لاَ يَكُونُ
بِينَهَا وَبَينَهُ إِلَّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلَ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ. وَإِنَّ
أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنِهَا وَبَيْنَهُ إِلَّ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الكِتَابُ،
فَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا)). [طرفه في: ٣٢٠٨].
٧٤٥٥ - حدّثنا خَلَّدُ بْنُ يَحيى: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرّ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ قَالَ: ((يَا جِبْرِيلُ، مَا
يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مَّا تَزُورُنَّا؟)). فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا نَزَّلُ إِلََّ بِأَمْرِ رَبِكٌ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينًا وَمَا
خَلْفَنَا﴾ [مريم: ٦٤] إِلَى آخِرِ الآيَةِ. قَالَ: هذا كَانَ الجَوَابَ لِمُحَمَّدٍ وَلِّ. [طرفه في: ٣٢١٨].
٧٤٥٦ - حدّثنا يَحْيَى: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلقَمَةَ، عَنْ

٥٧٨
كتاب التوحيد
عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ نَّهَ فِي حَرْثٍ بِالمَدِينَةِ، وَهُوَ مُتَّكِىٌ عَلَى
عَسِيبٍ، فَمَرَّ بِقَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِيَعْضِ: سَلُوِهُ عَنِ الرُّوحِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ
تَسْأَلُوَهُ، فَسأَلُوَهُ عَنِ الرُّوحِ، فَقَامَ مُتَوَكِّئاً عَلَى العَسِيْبِ، وَأَنَا خَلَفَهُ، فَظَنْتُ أَنَّهُ يُوحِى إِلَيهِ،
فَقَال: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوَعُ قُلِ الزُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَّ أُوْتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٥﴾﴾ [الإسراء:
٨٥]، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: قَدْ قُلنَا لَكُمْ لاَ تَسْأَلُوهُ. [طرفه في: ١٢٥].
٧٤٥٧ - حدّثنا إِسْماعِيلُ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قَالَ: ((تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لاَّ يُخْرِجُهُ إِلا الجِهَادُ
فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَاتِهِ، بِأَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، مَعَ
مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ)). [طرفه في: ٣٦].
٧٤٥٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ: حَذَّثَنَا سُفيانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ
أَبِي مُوسَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ وَّهِ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ شَجَّاعَةً،
وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، فَأَيُّ ذلِكَ في سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُليَا، فَهُوَ
في سَبِيلِ اللَّهِ)). [طرفه في: ١٢٣].
يعني أن الكلمةَ والكلامَ، والقرآن كلَّه يُظْلَقُ في جَنَابِهِ تعالى، بخلاف اللفظ، فإنَّه
لا يُسْتَعْمَلُ فِي جَنَابِهِ تعالى، لِمَا عُرِفَ في ((حواشي شرح الجامي)). وقد جوَّز المصنِّفُ
إطلاق الصوت أيضاً، وأَبَى عنه الجمهور من أهل السنة. وسيجيء.
٧٤٥٤ - قوله: (ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ) وقد عَلِمْتَ الفرقَ بين النَّسَمَةِ، والروح. فإنَّ
النَّسَمَةَ تُوصَفُ بالولادة، فورد في الخبر: ((أنَّ ما من نسمةٍ مولودةٍ)) ... إلخ. بخلاف
الروح، فإنها لا تتصفُ به، وإن اتَّصَفَتْ بالنفخ، والخلق. وبالجملةِ: إن الروحَ بعد
نفخها في الجسد تَكْتَسِبُ أحوالاً تتغيَّر منها خواصُها، فَتُسَمَّى نَسَمَةً، وغيرها. وقد مرَّ
بسطه. فالشيءٌ واحدٌ، وله مراتِب، فهو نَسَمَةٌ في المرتبة التحتانية، وما دام لم تتعلَّق
بالجسد، وكانت تُسْنَدُ إلى اللَّهِ تعالى وأمرهِ روحٌ. ولعلَّ فوقها مراتب أخرى أيضاً،
بعضها فوق بعضٍ في التجرُّدِ، أَدْرَكَهَا الصوفيَّةُ، بها تتصل سلسلة الأكوان، مع ربِّها،
ولم يتعرَّض إليها العلماء، فإنَّ لكلِّ فنّ موضوعاً، ولكلِّ موضوعٍ باحثاً.
٧٤٥٦ - قوله: (﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرٍ رَبِّ﴾). قد مرَّ بعضُ الكلام في كتاب العلم.
والحاصلُ: أنهم اختلفوا في تحديد عَالَم الأمر والخلق. قال الغزاليُّ: إن فيه
اصطلاحات عديدةً. فقيل: ما تُدْرِكُهُ الحواسَ، فهو عالمُ الخلق، وما لا، فهو عالم
الأمر. وقال الشيخُ المجدِّد السَّرْهَنْدِي: إن الذي تحتِ العرش عالم الخلق، وما هو
فوقه فعالم الأمر. وقال الشيخُ الأكبرُ: إن ما خَلَقَهُ اللَّهُ تعالى بلا واسطةٍ، فهو عالمُ

٥٧٩
كتاب التوحيد
الأمرِ، وما خَلَقَ الشيء من الشيء - أعني بالواسطة - فعالمُ الخلق. فالروحُ من عالم
الأمر، لكونها مخلوقة بلا واسطة، بخلاف الجسم، فإنه من العناصر. وذَهَبَ ذاهبٌ إلى
أن نفس الجسمية عالم الخلق، وتحريكها من عالم الأمر، كالآلات الميكانيكية، التي
تتخذ من الحديد إذا تعلَّقت بها الكهربائية تتحرَّك وتجري. فهذه أربعةُ فروقٍ من نحو
أربعة أوجهٍ .
٧٤٦٠ - قوله: (وَهُمْ بالشَّام)، يريد معاويةُ رضي الله تعالى عنه: أن قولَ النبيِّ
((لا يَزَالُ قومٌ من أمتي)) ... إلخ، صادقٌ عليه، وعلى أصحابه، لكونهم بالشام. مع أن
في الحديث: ((أنهم الأَبْدَال الذين يكون أربعون منهم بالشام)). أمَّا الحديثُ، فقد أَثْبَتَهُ
من كان على طريق الصوفية، وأَسْقَطَهُ المحدِّثُون. فإن لم يَكُنْ في حقٌّهم، فهو في عيسى
عليه الصلاة والسلام وأصحابه الذين يَكُونُونَ معه بعد نزوله من السماء.
٢٩ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]
٧٤٥٩ - حدّثنا شِهَاب بْنُ عَبَّادٍ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ،
عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهَ يَقُولُ: ((لاَ يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ ظَاهِرِينَ عَلَى
النَّاسِ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ)). [طرفه في: ٣٦٤٠].
٧٤٦٠ - حدّثنا الحُمَيدِيُّ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ: حَدَّثَنِيٍ عُمَيرُ بْنُ
هَانِىءٍ: أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يَقُولُ: ((لاَ يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قائِمَةٌ
بِأَمْرِ اللَّهِ، مَا يَضُرُّهُمْ مَنْ كَذَّبَهُمْ وَلاَ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذلِكَ)).
فَقَالَ مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ: سَمِعْتُ مُعَاذَاً يَقُولُ: وَهُمْ بِالشَّأْمِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: هذا مَالِكٌ يَزْعُمُ
أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذَاً يَقُولُ: وَهُمْ بِالشَّأُمِ. [طرفه في : ٧١].
٧٤٦١ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَينِ: حَدَّثَنَا
نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَقَفَ النَّبِيُّ وَّةٍ عَلَى مُسَيلِمَةَ فَي أَصْحَابِهِ فَقَالَ: ((لَوْ
سَأَلْتَنِي هذهِ القِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكُهَا، وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ، وَلَئِنْ أَذْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ)).
[طرفه في: ٣٦٢٠].
٧٤٦٢ - حدّثنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ: عَنْ عَبْدِ الوَاحِدِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ إِبْرَاهِيمَ،
عَنْ عَلقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ◌َّه فَي بَعْضٍ حَرْثِ المَدِينَةِ،
وَهُوَ يَتَوَكَأُ عَلَىَ عَسِيْبٍ مَعَهُ، فَمَرَرْنَا عَلَى نَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: سَلُوهُ عَنِ
الرُّوحِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ تَسْأَلُوهُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ بِشَيءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ،
فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ، مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ ◌ِهِ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ

٥٨٠
كتاب التوحيد
يُوحِى إِلَيهِ، فَقَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتُوا مِنَ العِلم إِلاَّ
قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] قَالَ الأَعْمَشُ: هكذَا فَي قِرَاءَتِنَا. [طرفه في: ١٢٥].
٣٠ - بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿قُل لَّوْ كَانَ اُلْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنَفَدَ كَلِمَتُ رَبِّ وَلَوْ جِثْنَا بِمِثْلِهِ،
مَدَدًا (3)﴾ [الكهف: ١٠٩]، ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِى الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَهُ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةٌ
أَنْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَنتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]، ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى
بِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِىِ الَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْفَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَتٍ
﴾ [الأعراف: ٥٤]. سَخَّرَ: ذَلَّلَ.
٥٤
◌ِأَمْرِفَةَ أَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ
٧٤٦٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَ قَالَ: ((تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لاَ يُخْرِجُهُ مِنْ
بَيْتِهِ إِلَّ الجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ، أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهِ بِمَا نَالَ
مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ)). [طرفه في: ٣٦].
قوله: (﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾)، قد أَعْلَنَ القرآنُ
جِهَاراً: أن العالمَ خُلِقَ في ستة أيَّام، ثم حصل الاستواء بعدها. وحينئذٍ فالخلقُ بُدِىءَ
من يوم السبت، وتَمَّ على يوم الخميس، هكذا عند مسلم عن أبي هريرة. وفي ((مسند
الشافعيّ))، عن أنس: ((أن الاستواءَ كان يوم الجمعة)). نعم لمَّا أراد اللَّهُ سبحانه بعد ذلك
بأزمانٍ متطاولةٍ - لا يعلمها إلاَّ هو - خَلْقَ آدم عليه الصلاة والسَّلام يوم الجمعة، فَتَبَادَرَ
إلى بعض الأوهام أن تلك الجمعة هي التي كانت عَقِيب الستة التي خَلَقَ فيها العالم،
وليس كذلك. هكذا قرَّر ابنُ دقيق العيد: أن الجمعة التالية كان فيها تعطيلاً، ولم يَخْلُق
الربُّ سبحانه فيها شيئاً، وهو معنى الاستواء.
وقد اضطرب الناس في معناه، والرَّزِيَّةُ أن القرآنَ، والحديثَ يعبِّران عن المغيبات
بما في عالمنا، فيجيءُ قليلُ الفَهْم، قليلُ الديانة، كثيرُ الجهل، فَيَحْمِلُهَا على ظواهرها،
ثم يؤوِّلها بعين ما فيٍ عالمنا، ومن ثَمَّ يقع في الإِلحاد. مع أن أعدلَ الأمورِ إمرارُها على
ظواهرها مع عدم التكلَّم في معناها، كما مرَّ عن أئمة الدين رحمهم الله تعالى.
وذَهَبَ الحافظُ ابن تَيْمِيَة إلى أن الخلقَ بُدِىء من يوم الأحد، وتمَّ على يوم
الجمعة، ويوم التعطيل يوم السبت، وذلك لأنه رأى أن الحديثَ يَدُلُّ على أن آدم عليه
الصلاة والسَّلام خُلِقَ يوم الجمعة، وأنها آخرِ يوم تَمَّ فيها الخلق. ودَلَّ القرآنُ أن الخلقَ
تمَّ في ستة أيام. وإذن فالستةُ لا تكون إلاَّ منّ يوم الأحد، ويكون التعطيلُ في يوم
السبت. بقي حديث مسلم: فقال: إن أصلَه عن أُبَيّ بن كعبٍ، وليس عن النبيِّ لَه