Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
كتاب الحيل
٤ - بابٌ الحيلةُ في النكاح
٦٩٦٠ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَيِّ نَهى عَنِ الشِّغَارِ. قُلتُ لِنَافِعِ: مَا الشِّغَارُ؟
قَالَ: يَنْكِحُ ابْنَةَ الرَّجُلِ وَيُنْكِحُهُ ابْنَتَهُ بِغَيرٍ صَدَاقٍ، وَيَنَكِحُ أُخْتَ الرَّجُلِ وَيُنْكِحُهُ أُخْتَهُ بِغَيرٍ
صَدَاقٍ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنْ احْتَالَ حَتَّى تَزَوَّجَ عَلى الشِّغَارِ فَهُوَ جَائِزٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ.
وَقَالَ في المُتْعَةِ: النِّكَاحُ فَاسِدٌ، وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ: المُتْعَةُ وَالشِّغَارُ جَائِزٌ،
وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. [طرفه في: ٥١١٢].
٦٩٦١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنِ
الحَسْنِ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَي مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِمَا: أَنَّ عَلِيَّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قِيلَ لَهُ: إِنَّ
ابْنَ عَبَّاسٍ لاَ يَرَى بِمُتْعَةِ النِّسَاءِ بَأْساً، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ◌َّه نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ
لُحُومِ الحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنِ احْتَالَ حَتَّى تَمَنَّعَ فَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ، وَقَالَ
بَعْضُهُمْ: النِّكَاحُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ. [طرفه في: ٤٢١٦].
٦٩٦٠ - قوله: {وقال بَعْضُ النَّاسِ: إِن احْتَالَ حتَّى تَزَوَّجَ على الشُّغَارِ، فهو جائزٌ،
والشَّرْطُ باطلٌ. وقال في المُتْعَةِ: النِّكَاَحُ فَاسِدٌ، والشَّرْطُ بَاطِلٌ. وقال بعضُهم: المُتْعَةُ،
والشِّغَارُ جائزٌ، والشَّرُ باطلٌ) واعْلَمْ أَنَّ نِكَاحَ الشِّغَارِ نافِذٌ عندنا، وأَمَّا وُرُودُ النَّهْي عنه
فهو مُسَلَّم، إِلا أَنَّه ليس كُلُّ نَهْي يَقْتَضِي الْبُطْلان، وإِنَّما القُبْحُ فيهِ مِنْ جِهَةِ خُلُوٌّ البضعين
عن العِوَضِ، وقَدْ قُلْنَا بوجُوبٍ مُّهْرِ المِثْل فيه، فانْعَدَمَ المعنَى، فلو فَعَلَهُ أَحَدٌ نَفَذَ، ولَزِمَهُ
مَهْرُ المِثْلِ، وإِليْهِ ذَهَبَ بعضُ السَّلَفِ، كما عند الترمذي.
ونظيرُه قولُهُ وَّهِ: (اشترطي لهم الوَلاَءَ))، فكذا يصح النِّكاح، ويَلْغُو الشرط، وأمَّا
إِيرَادُه بِجَوازِ المُتْعَةِ، فَلَمْ يَقُلْ به مِنَّا أحدٌ، غَيْرَ أَنَّ زُفَرَ ذَهَبَ إلى تَنْفِيذِ نِكَاحِ المُوَقَّتِ، فإِنَّ
لِنَفَاذِهِ صُورَةٌ بِإِبْطَالِ الوَقْتِ، أَما في المُتْعَةِ، فَقَد اتفقُوا على بُطْلانِها .
فائدة: قد نَبَّهْنَاكَ فيما مَرَّ على أنَّ الشيخَ ابنَ الهُمَام بَحَثَ فيِ المُتْعَةِ، بأَنَّ مُقْتَضَى
الذَّلِيلِ أَنْ يَكُونَ أَمْرُها، وأَمْرُ النِّكَاحِ المُؤَقَّتِ سَوَاء، زعَماً مِنهُ أَنَّ الأحكامَ تُبْنَى على
المعنىَ دونَ الأَلْفَاظِ، وإذ كان معناهُّما واحداً، وَجَبَ القولُ باتحادِ حُكميهما، كيف!
وأَنَّ لَفْظَ: الميم، والتاءِ، والعينِ، لا دَخْلَ لها في الحُكْمِ، والمَقْصُودُ هو النِّكاحِ بأي
لَفْظِ کَان؟ .
قلتُ: وهذا ليس بِنَاهِضٍ، لأَنَّ الشَّرْعَ أقامَ هناك أنواعاً، وأَغْطَى لِكُلِّ نوع حُكْمَاً،
ثُمَّ أشارَ إلى تلكَ الأنواع بِمادّةٍ مَخْصُوصَةٍ، تَدُلُّ على ذلك النَّوع؛ وحاصِله: أَنَّ القَصْرَ
على المعاني، وقطعَ النَّظَرِ عن الأَلْفَاظِ ليس مُطَرِدَاً، لِيُنَاطَ به عِبْرَةُ الأحكامِ، وهَدْرِها.

٤٢٢
كتاب الحيل
٥ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الإِحْتِيَالِ في البُيُوعِ، وَلاَ يُمْنَعُ فَضْلُ
المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ فَضْلُ الكَلإِ
٦٩٦٢ - حدّثنا إِسْماعِيلُ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَّهِقَالَ: ((لاَ يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ فَضْلُ الكَلاٍ)).
٦ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّنَّاجُشِ
٦٩٦٣ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ مََّ نَهى عَنِ النَّجْشِ. [طرفه في: ٢١٤٢].
٧ - باب مَا يُنْهِى مِنَ الخِدَاعِ في البُيُوعِ
وَقَالَ أَيُّوبُ: يُخَادِعُونَ اللَّهَ كمَا يُخَادِعُونَ آدَمِيّاً، لَوْ أَتَوُا الأَمْرَ عِيَاناً كَانَ أَهْوَنَ
عَلَيَّ .
٦٩٦٤ - حدّثنا إِسْماعِيلُ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَجُلاً ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ وَ أَنَّهُ يُخْدَعُ في الْبُيُوعِ، فَقَالَ: ((إِذَا بَايَعْتَ
فَقُل لاَ خِلاَبَةَ)). [طرفه في: ٢١١٧].
٨ - باب مَا يُنْهَى مِنَ الإِحْتِيَالِ لِلوَلِيِّ في اليَتِيمَةِ المَرْغُوبَةِ، وَأَنْ لاَ يُكَمِّلَ صَدَاقَهَا
٦٩٦٥ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ: حَدَّثَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ عُرْوَةُ يُحَدِّثُ: أَنَّهُ
سَأَلَ عَائِشَةَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ اَلْثَى فَأَنْكِحُوْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ اُلْنِسَآِ﴾ [النساء: ٣]،
قَالَتْ: هِيَ اليَتِيمَةُ فِي حَجْرٍ وَلِيُّهَا، فَيَرْغَب في مَالِهَا وَجَمَالِهَا، فَيُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِأَذْنَى
مِنْ سُنَّةِ نِسَائِهَا، فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنَّ إِلاَّ أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ في إِكْمَالِ الصَّدَاقِ، ثُمَّ اسْتَفتَى
النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ وََّ بَعْدُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِ اُلِسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧]، فَذَكَرَ
الحَدِيثَ. [طرفه في: ٢٤٩٤].
٩ - بابٌ إِذَا غَصَبَ جَارِيَةً فَزَعَمَ أَنَّهَا مَاتَتْ، فَقُضِيَ بِقِيمَةِ الجَارِيَةِ المَيِّتَةِ، ثُمَّ
وَجَدَهَا صَاحِبُهَا فَهِيَ لَهُ، وَيَرُدُّ القِيمَةَ وَلاَ تَكُونُ القِيمَةُ ثَمَناً
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: الجَارِيَةُ لِلغَاصِبِ، لِأَخْذِهِ القِيمَةَ. وَفِى هذا احْتِيَالٌ لِمَنِ اشْتَهى
جَارِيَةَ رَجُلٍ لاَ يَبِيعُهَا، فَغَصَبَهَا وَاعْتَلَّ بِأَنَّهَا مَاتَتْ، حَتَّى يَأْخُذَ رَبُّهَا قِيمَتَهَا، فَيَطِيب
لِلغَاصِبِ جَّارِيَةَ غَيرِهِ. قَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((أَمْوَالُكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ. وَلِكُلِّ غادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ
القِيَامَةِ» .

٤٢٣
كتاب الحيل
٦٩٦٦ - حدّثنا أَبُو نُعَيم: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ الَنَّبِيِّ بَِّ قَالَ: ((لكُلِّ غادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ)). [طرفه
في: ٣١٨٨].
واعْلَمْ أَنَّ بِنَاءَ إِيرَادِه على خِلافيةٍ أُخْرَىَ، وهي أَنَّ قَضَاءَ القاضي بِشَهَادَةِ الزُّورِ هل
يَنْفُذُ ظاهراً وباطناً، أَمْ لا؟ وقَدْ فَصَّلَها في - المَبْسُوطِ - بما لا مَزِيدَ عليه، والشيخُ ابنُ
الهُمَامِ وإِنْ نَقَلَ بَعْضَهُ، إلا أَنَّه لا يُغْنِي عن الإِصْبَاحِ بِالمِصْبَاحِ، فَرَاجِع كلامَ («المُبْسُوطِ)»
فإِنَّه كَفَى وَشَفی .
وجملةُ الكَلَامِ أَنَّ في المَسْأَلَةِ قُيُوداً وشُرُوطاً:
منها: كونُه في العُقُودِ والفُسُوخ، دون الأَمْلاكِ المُرْسَلَةِ؛ ومنها: كونُ المَحَلِّ
صالحاً للإِنْشَاءِ؛ ومنها: أَنْ لا يَكُونَ القَاضِي عَلِمَ بِكَذِبِ الشَّاهِدَيْنِ .
أَمَّا الفَرْقُ بين العُقُودِ والفُسُوخِ، فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوي: أَنَّها عِبَارةٌ عن الإِيجابِ
والقَبُولِ، ولَيس لها مَحْكي عنه سوَى هذا القول، فإذا حَكَمَ بها القاضي، فَكَأَنَّه يَتَوَّلَّىَ
بِإِنْشَائِها(١) الآن، بخلافِ الأملاكِ المُرْسَلَةِ، فإِنَّها عبارةٌ عَنْ دَعوَى المِلْكِ بلا سَبَبٍ
مُعَيَّنِ، فَلَها محكي عنه فِي نَفْسِ الأمْرِ أيضاً، فلو حَكَمَ بها لأحدٍ لا يَحِلُ له أَنْ يَتَصَرَّفَ
فيه تُّصَرُّفَ المَالِكِ، لأَنَّه ليسَ بِيَدِ القَاضي إِثباتُها على غير ما ثَبَتَتْ عليهِ في الواقع،
بخلافِ العُقُودِ، فإِنَّها إِنْ لم تَكُنْ ثابتةً في الواقع، فَقَدْ أَثبتَها القاضي الآن مِنْ ولايَتِهِ،
ففيها إِثْبَاتُ ما ليس بِثَابتٍ في الخارجِ، لا أَنَّه تغييرُ الوَاقِعِ عمَّا هو عليه.
وبِعِبَارَةٍ أُخْرَى: إنَّ الأملاكَ المرسلةِ إذا كان لها مَحْكِي عنه، فهي حاكية عن حقيقةٍ
ثابتة في نَفْسِ الأَمْرِ، وليس بيدِ القاضي تغييرها عمَّا هي عليه في الوَاقِع، بخلاف
العُقُودِ، فإِنَّهاَ إنشاءاتٌ ليست حاكيةً عن شيء، وبِيَدِ العَاقِدَيْنِ إِنْشَاؤُهَا، فَكَمَاَ جَازَ لَهُما
العَقْدُ والفسخُ، حال رِضَائِهما، كذلك جازَ أَنْ يَنُوبَ عنهما القاضي عند اخْتِلافِهما، وإِلاَّ
فأيُ حِيلةٍ لِرَفْعِ النِّزَاعِ عند تَجَاذُب الآرَاءِ؟ فَأَقَامَهُ الشَّرْعُ مَقَامَ العاقَدَيْنِ، بل يَجِبُ أَنْ يكونَ
تَصَرُفُهُ أَقْوَىْ مِنْهُما،َ حتَى يَنْفُذَ عليهما، على خلافٍ رِضَاهُما.
وأَمَّا اشتراط صلاح المَحلِّ، فلأنَّ المَحَلَّ إذا لم يَضْلُح له، كيف يَنْفُذُ قَضَاؤُه
باطناً، فإِنْ كانت امرأةٌ مَعَتدةُ الغير، أو منكوحةً، وادعى عليها رجلٌ أَنَّها امرأتُه، وأَتَى
(١) قال صَدْرُ الشَّرِيعَةِ: وجوابُه إِنْ لم نَجْعَل الحرامُ المحض، وهي الشَّهَادة الكاذبة من حيث إِنَّه إخبارٌ كاذبٌ، سبباً
للحِلِّ، بل حُكْمُ القاضي صارَ كإِنشاءِ عَقْدٍ جديدٍ، وهو ليس حراماً، بل هو واجبٌ، لأَنَّ القاضي غيرُ عالمٍ بِكَذِبِ
الشُّهودِ، اهـ. قُلْتُ: وهذا الجوابُ غيرُ وافٍ، ما لم يُراجَع إلى ما ذَكَرَهُ الشيخُ قُدِّس سِرُّهُ، واللَّهُ تعالَى أَعْلَمُ
بالصّوابِ.

٤٢٤
كتاب الحيل
عليها بِبَيَِّةٍ، فحكم بها القاضي، ليس له أَنْ يَطَأَهَا، ولا يَنْفُذُ قضاؤُه باطناً، لأَنَّها مَشْغُولةٌ
بحقِ الغَيْرِ، وقضاؤُه إِنَّما يَنْفُذُ باطناً إذا صَادَفَ محلاً صالحاً لِنَفَاذِهِ، ولم يُوجَدْ، ولو قُلْنَا
به لَزِمَ اجتماعُ الحُكْمَيْنِ المُتَنَاقِضَيْنِ في محلٍ واحدٍ .
ونَعْنِي بِقَوْلِنَا: يَنْفُذُ باطناً، أَنَّها تَحِلُّ للمُدَّعي إذا كانت فارغةً عن حقِ الغَيْرِ، ولا
يكونُ الزَّوْجُ أَئِماً، بِوَظْئِها، ولا هي بِتَمْكِينِهِ، ولا القاضي بقضائه، أَمَّا عَدَمُ تَأْثِيم
القاضي، فظاهرٌ، فإِنَّه تَابِعٌ للحُجَّةِ، فإِنَّه لا عِلْمَ له بِالبَوَاطِن، وإِذْ لمِ يَعْلَمِ الوَاقِعَ، فإِنَّه
يَحْكُم بالحُجَّةِ لا مَحَالَة، كيفَ كانت، وهو مَعْنَى قولِهِ بََّ: ((ولعلَّ بعضَكُم أَنَّ يكونَ
أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ من بعض ... )) إلخ، وكذا المرأةُ غيرُ آئمةٍ في التَّمْكِينِ، لأنَّ القاضي إذا
حَكَمَ عليها بِحُجَّةٍ شرعيةٍ، لم يَسَع لها النُّشُوز، نعم في الزَّوْجِ بعضُ إشكالٍ، فَإِنَّه قد عَلِمَ
أَنَّها ليست مَنْكُوحَة، ولا هو مَجْبُورٌ في الاستِمْتَاعِ منها، فكيفَ يَحِل لهُ أَنْ يَطَأَهَا؟.
قُلْنَا: إِنَّا لم نَحْكُم بِحِلِّ الاستمتاعِ مع قِيَامِ المُحَرَّمِ، كما زَعَمُوهُ، فَأَلزَمُوا علينا أَنَّ
فِيه توفيراً للزّنَا، وتَرْوِيجاً للفَوَاحِش، بل نقولُ: إِنَّها أَحَلُّهَا القَضاءُ، فَيَسْتَمْتِعُ منها، وهي
حلالٌ له، أَلاَ تَرَى أَنَّ النِّكاحَ ليسِ عِبَارةٌ إلا عَنِ الإِيجابِ والقَبُولِ بِحَضْرَةِ الشَّاهِدَيْنِ،
فإِذا تَعَذَّرَ العِلْمُ بالحقيقةِ، فَقَدْ تَوَلَّى به القاضي ونابَ عنهما؛ حتى إِنَّ بَعْضَ الحنفيةِ
شَرَطُوا الشَّهَادَةَ عند صُدُورِ هذا القضاء أيضاً، لتكونَ شاكلةَ القضاءِ كشَاكِلَةِ العَقْدِ بِعَيْنِها،
وهذا ليس بمُخْتَار، فإن الشهادَةَ إِنَّما تُشْتَرَطُ للعَقْدِ القَصْدي، وهذا عَقْدٌ ضِمْني، وكُمْ مِنْ
شيءٍ يَثْبُتِ ضِمْنَاً، ولا يَثْبُتُ قَصْدَاً، فالصَّوابُ أَنَّ الشَّهَادَةَ لا تُشْتَرَطُ له.
وبالجملة إنَّ الإِشْكَالَ(١) إِنَّما هو على مَنْ قالَ بحلِّ الاسْتِمْتَاعِ مع عَدَم النِّكاح، أَمَّا
مَنْ قال: إِنَّ قَضَاءَهُ حَلَّ مَحَلَّ النِّكاح، فلا إِيرَادَ عليه أصلاً، نعم يَّلْزَمُ الزِّناَ على مَذْهبٍ
الشافعيةِ، فإِنَّه إذا قَضَى عليها بالنِّكَاحَ، ولم يَنْفُذْ قَضَاؤُه باطناً، فحينئذٍ لا يكونُ استمتَاعُه
إلا حَرَاماً، وزِنَا، فليَعْدِل أَنَّ توفِيرَ الزُّنَا على أي المَذْهَبَيْنِ أَلزَم، على أَنَّه ماذا يكونُ
حُكْمُ الأَوْلادِ عِنْدَهُم؟ فإِنَّها كُلُّها ولدُ زَنْيَة على هذا التقدير؛ وبالجملة يَلْزَمُ عليه مَفَاسد
غير عديدة، ولذا تَرَدَّدَ فيه الشيخُ الأكبر أيضاً.
ولعلَّ أصلَ النِّزاعِ فِي أَنَّ فَصْلَ الأقْضِيَةِ إذا وَقَعَ حسبَ قَواعِدِ الشَّرْع، فهل يكونُ
ذلك قضاءً على الوَاقِعِ،َ أَوْ لاَ؟ فَمَنِ اخْتَارَ أَنَّهُ فَضْلٌ بِحَسَبِ الوَاقِعِ أيضاً ذَهَبَ إلى نَفَاذِهِ
(١) قال مولانا فَتحُ محمد: إِنَّ القضاءَ بشهادةِ الزُّورِ مُشْكِلٌ، فخلافُه أيضاً مُشْكِلٌ في مسألةِ القَضَاءِ الرَّجُلِ على
المرأةِ، لأنَّ القضاءَ إن لم يَنْفُذ باطناً، فيجبُ على المرأةِ المظلومة إما أَنْ تَعْصي الإِمامَ، أو تَفِرُّ وتَخْتَفي، حيثُ
لا يَجِدْهَا أحدٌ، أو تَرْضَى بما لا تَرْضَى به النَّفْسُ، وهو الوطءُ الحَرَامُ، ويلزَمُها أَنْ لا تَأْخُذ منه النفقةَ، ولا
المهرَ، ولا الميراثَ، إلى آخر ما قال في حاشية ((شرحِ الوقاية)).

٤٢٥
كتاب الحيل
ظاهراً وبَاطِناً، ومَنْ أَنْكَرَهُ قَصَرَ على الظّاهِرِ فَقَط، ولم يَقُل بِنَفَاذِهِ في البَاطِنِ، وهناكَ
مسألةٌ أُخْرَى عند المَالِكِيةِ عَبَّرُوا عنها بَقَضَاءِ القاضي بخلافِ عِلْمِهِ، فقالوا: إِنَّه إذا عَلِمَ
الواقِعَ، ثم جَاءَ عندَهُ المُدَّعِي يُقِيمُ البينةَ بخِلافِهِ ليس لهُ أَنْ يَقْضي بِها، ولَكِنَّه يَرْفَعُهَا إلى
قاضٍ آخر لِيَحْكُم بها بما أَرَاهُ اللَّهُ، وإليهِ ذَهَبَ الشيخُ الأَكْبَر، وقال: إِنَّ العَمَلَ بقَوَاعِدٍ
الشَّرْعِ لا يَجِبُ أَنْ تُطَابِقَ الواقِعَ دائماً، فإذا خَالفَ الواقِعَ لا يكونُ موجباً للبَرَكَةِ، وهو
معنى قوله ◌َّ: ((ولعلَّ بعضكم ألحن من بعض)).
ومن هُهنا اخْتَلَفت الأَنْظَارُ، فَذَهَبَ بعضُهم إلى أَنَّ الحُكْمَ إذا وَقَعَ على قَواعدِ
الشَّرْع، قامَ مَقَامَ الواقع، فكأَنَّهُ الواقع، وإِنْ كان خِلافُه في نَفْسِ الأَمْرِ، وسَنَحَ لَبَعْضِهم
أَنَّه بَعُّدَ على خلافِ الواقع كما كان، واختارَ الشيخُ الأكبر اعتبارَهُ كالواقع في حق
الأموالِ، دون الحُدُودِ والنّفُوسِ، لأَنَّ أَمْرَهَا أشَدُّ إلا أَنَّه سَمَّاهُ بقضاءِ القاضي بخلافٍ
علمه .
ولنا ما في ((البَدَائع)) نَقْلاً عن ((المَبْسُوطِ)) (١): أَنَّ علياً قَضَى في رَجُلِ اذَّعَى على
امرَأَةٍ بمثلٍ ذلك، فَلمَّا رَأَتِ المرأةُ ذلكَ قالت: زَوِّجْني يا أميرَ المؤمنين، تُرِيدُ العَفَافَ
عَنِ الزّنَا: فقال لها: شاهِدَاكِ زَوَّجَاكِ فَتَأَيَّدَ ما قُلْنا، بِقَضَاءِ مَنْ كان أَقْضَاهُمِ وأَرْضَاهُم
له، ولعلَّ قضاءَ عليّ هذا لم يَبْلُغ أهلَ المدينةِ، وإلا لقَالوا به أَلْبَتَةً، وذلك لأَنَّ مالكاً لم
يَتَعَلَّمِ فتاوَى عليّ إلا من قِبَلِ ابْنٍ إِذْرِيس، فإِنَّه كان يَخْتَلِفُ إليه، ولم تَكُنْ عندَهُ ذَرِيعةٌ
مستقلةٌ، فَأَخَذَ عنه ما كان عِنْدَهُ، وما فاتَ عنه فقد فاتَ عنه أيضاً .
ثُمَّ إِنَّ الطَّحَاوِي قد استدلَّ للمذهبِ من القياسِ على اللُّعان، فإِنَّ الواقِعَ فيه غَيرُ
معلوم للقاضي، ثُمَّ إِنَّكم قلتم: إِنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنِ الزَّوْجَيْنِ، ورأَيتُم أَنَّ تَفْرِيقَه نافذٌ باطناً أيضاً،
فإِذا نّابَ القاضي عن الزَّوْجِ في حقِ التفريقِ عندَكم حتىٍ قُلْتُم: إِنَّ تَفريقَهُ طلاقٌ كذلك.
قلنا: بقيامه مقامهُ في حقِّ التزويج، كيفَ! وقد عَلِمْتُم أَنَّ الشّرْعَ لم يَجْعَل الطلاقَ إلا بيدِ
مِنْ كان له عُقْدَةُ النِّكاح، فلا نَرَىُ بينَ الأَمرينِ فرقاً، فكما قُلْتُم: إنَّها حَرُمَتْ عليه بعد
التفريقِ، مع أَنَّها كانت حلالاً له، كذلك قلنا: إِنَّها حلَّتْ له بعدَ قضائه، وإِنْ كانت حراماً
قَبْلَهُ، وعلى عكْسِهِ نقولُ: إِنَّ القاضي إِنْ كان لا ينوبُ عنه في التزويج، فكيفَ نابَ عنه
في التفريقِ؟ فتبيَّنَ منه أَنَّ الشرعَ عند جهالةِ الواقِعِ أَقَامَ القضاءَ مِقامَ الواقع، وجعَلَهُ إنشاءً
في الحال مِنْ ولايَتِه. ولذا قال النَّبيُّ نََّ في قِصَّة اللعانِ: ((إِنَّ أحدَكُما كاذبٌ))، ثُمَّ لم
(١) قلتُ: قال الشيخُ في - دَرْسِ الترمذي -: لم أجِدْهُ إلا عند السَّرَخْسِي في ((المبسوطِ)) ولا أَذْكُر أَنَّ ذَكَرَ له إسناداً،
ولعلهُ من المبلَّغاتِ، غَيْرَ أَنَّ الحافظَ نقلَهُ في ((الفتحِ)) ثم سَكّتَ عنه، وفي ((المبسوط)) فتوَى الشَّعْبي أيضاً، بمثل
ما مرَّ عن عليٍّ.

٤٢٦
كتاب الحيل
يتوجه إلى إثباتِ كَذِبِ أحدِهِما، بل فَرَّقَ بينهما، ورآه تَفْرِيقاً في الوَاقِعِ، وإلا لَزِمَ أَنْ
يكونَ حق الرجل باقياً في تلكَ المرأةِ بعد قضائِهِ مَّأيضاً، فافهم.
قلتُ: ولي فيهِ نَظَرٌ مَرَّ، فَتَذَكَّرْهُ، وإِنْ صحَّ قياس الطحاوي، فأقولُ: إِنَّ للفسخ عند
علمائِهِم صُوَراً أُخْرَى أيضاً، فقالوا بالتَّفريق في صورةٍ إِعْسَارِ الزوجِ، ولا دَليلَ عليه
عندَهُم غيرَ ما نقلوهُ عن سعيد بن المسَيَّب، ولا شيءَ له في المرفوعِ،َ ولا عنِ السَّلفِ،
وكذا قالوا به في العيوب الخَمسةِ في الزوج، فالعجبُ أَنَّهم ضَيَّقُوَا في العقودِ، حتى
طَعَنُوا على مَنْ قال بها، ووسَّعُوا في الفُسوخ أزيدَ منَّا، فقالوا بنفاذِهَا ظاهِرَاً وباطِنَاً.
ثمَّ إِنَّ الشامي سها في الردّ على مَنْ قال: إِنَّ القضاءَ مثبتٌ، واخْتَارَ أَنَّه مُظْهِرٌ،
قلتُ : فيه جهتانِ: جهةُ الإِثباتِ، وجهةُ الإِظهارِ، فَقَضاؤُه مثبتٌ أيضاً، إلا أَنَّ الحنفيةَ
احتاطوا في الحُدُودِ، وقصرُوه في العقودِ والفسوخ، وذلك أيضاً بشرائِطَ، ولذا أَقُول: إِنَّ
صاحبَ ((الهدايةِ)) لو أَتَى بلفظ الأموالِ، بدلَ الأَملاكِ المُرْسَلَةِ، لكان أحسن، لدَلالِتِه
على خِفَّةِ أمرِ الأَمْوَالِ بالنّسبةِ إلى الحدودِ، إلا أَنَّ مِنَ الأموالِ ما كان يَدْخُلُ تحتَ العقودِ
والفسوخ، فَأَدْرَجَها فيها، وَوَضَع لفظ: الأملاكِ المرسلةِ بَدَلَها، ويَدُلَّك على ما قلنا ما
ذَكَرَهُ صاحبِ ((الهداية)): أَنَّ تَصَرُّفاتِ الصبي إذا لَحِقَهُ القضاءُ يصيرُ مُحْكماً، لأنَّ فيها
ضَعْفاً، فإِذا لَحِقَهُ القضاءُ زال، وما ذلك إلا أَنَّه اعتُبِرَ فيه جهةُ الأثباتِ، والله تعالى أعلم
بالصواب (١).
فإن قلتَ: إِنَّ قوله ◌ََّ: ((لعل بعضَكم)) أَنْ يكونَ ألحنَ بحجتِهِ من بعض، فَأَقْضِي له
على نحو ما سَمِعَ، فمن قَضَيْتُ له مِن أخيهِ شيئاً، فلا يَأْخُذ، فإِنَّما أَقْطَع له قطعة من
النار)) صريحٌ في عدم نفاذٍ قَضَائِهِ باطناً قلتُ: أَيْنَ أنتَ منهُ، فإِن الحديثَ لاَ يَمَسُّ بموضع
النّزاع، لأنَّه لم يَرِدْ فَيمن أَتَى ببينةٍ كاذبةٍ، إِنَّما هو فِيمَن قَطَعَ له النَّبِيِ بَيْرِ مالاً مِنْ أَجْلِّ
طلاقَةٍ لسانِه، وفصاحَةِ مَنْطِقِه، وهو المرادُ بلحنِ الحُجَّة، لا أَنَّه أَتَى بشهادةِ الزُّور،
ومعلومٌ أَنَّ الإِنسانَ قد يتأثرُ من سورةِ الكلام، - وإِنَّ منَ البيانِ لسِحْرَاً - فِذلكَ بابٌ آخر،
فَأَمْعَنَ النَّظر فيه بعينِ القَبُولِ، ولا تُسرع فَي الرَّدِ والقبولِ، وترجمةُ اللَّحْنِ في الحُجةِ
"جرب زبانى"، وأنت تَعلمُ أَنَّه لا دخلَ له في القضاءِ، فهو كذلك عندنا أيضاً، لأَنَّه
لیس بشهادةٍ، بضابطةِ الشَّرْع. وحاصلُه في لسانِنا " که اکر زبان زوری اور جرب زبانی
سى هى كونى فيصله كراى تواو سكايه حكم هى " ثم إِنَّه قد يَذْهَب إلى بعض الأَوْهَام أَنَّه
لا غَائِلَةَ بإِتيانِ شهادةِ الزُّورِ عندنا، قلتُ: حاشا للحنفيةِ أَنْ يقولوا به :
(١) قلتُ: وقد بلغني أَنَّ في المسألةِ كلاماً شريفاً مِنْ شيخِ الهندِ ذَكَرَه في رسالته ((إيضاحُ الأَدِلَّةِ) إلا أني أتأسفُ على
أني لم أَنْتَهِزَ فرصةً لمراجَعَتِها، فعليكَ بها .

٤٢٧
كتاب الحيل
هم نَقَلُوا عني ما لم أَفِه بهِ وما آفةُ الأَخْبَارِ إلا رُواتُها!
فإنَّهم قد صَرَّحوا أَنَّ صاحبَهُ استوجبَ النَّارُ(١).
١٠ - بابٌ
٦٩٦٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ، عَنْ سُفيَانَ، عَنْ هِشَام، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَينَبَ ابْنَةِ
أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّرَ قَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌّ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ، وَلَعَلَّ
بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيتُ لَهُ
مِنْ حَقِ أَخِيهِ شَيئاً فَلاَ يَأْخُذْ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ)). [طرفه في: ٢٤٥٨].
١١ - بابٌ في النِّكَاحِ
٦٩٦٨ - حدّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي
سَلَمَّةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهَ قَالَ: ((لاَ تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، وَلاَ الثَّيِّب حَتَّى
تُسْتَأْمَرَ)). فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: ((إِذَا سَكَتَتْ)). وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنْ
لَمْ تُسْتَأْذَنِ البِكْرُ وَلَمْ تَزَوَّجْ، فَاحْتَالَ رَجُلٌ، فَأَقَامَ شَاهِدَي زُورٍ: أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِرِضَاهَا،
(١) قلتُ: وحينئذٍ ساغَ لك أَنْ تحمِلَ عليه الوعيدَ الوارِدَ في الحديث، فهو إِذَن على الفِعْل، لا أَنَّ القضاءَ لا يَنْفُذُ
باطناً، وسمعتُ مِنَ الشيخ في - دَرْسِ الترمذي - أَنَّ الوعيدَ فيه يُمْكِنُ أَنْ يكونَ على الجِنْسِ، ولا ريبَ أَنَّ هذا
الفِعْلَ يستوجبُ النارَ في الْجِنْسِ، كما في الأملاكِ المرسَلَةِ، فإِنَّه لا يَثْبتُ له بقضائِه حقُّ، وهذا كما قَرَّرَ الشيخُ
في قوله ◌َّه: ((أنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها، فإِنَّه وَصْفٌ لها بِحَسَبِ حُكْمِها في الجنس، وإِنْ لم يَتحقَّقْ في حقِّ
المقتدي خاصةً، فهكذا لمَّا كان القضاءُ بشهادةِ الزُّورِ، قد لا يَنْفُذُ باطناً، صحَّ أَنْ يُوصَف بالنَّارِ مطلقاً، باعتبارِ
الجنسِ، تُخْويفاً وتعظيماً لأمْرِها، فإنَّها وإن تَخلَّفَ عنها مقْتَضاها لخصوص المقام، لكنَّها شيءٌ يُوجِبُ النَّارَ،
فإِنَّ فاعِلَها لا يُمدَحُ عند أحدٍ، وإِنَّما الكلامُ إذا أَتَى بها، فهل لها أثَّرٌ في الباطنِ، أَمْ لَا؟.
فقلنا به في محلٍ أَمْكِنُ القولُ به، مع أَنَّ فيه مَخْلصاً عن الزنا، وعن الحُكُم بكونِ الأولادِ أولادُ زَنيَة، ثم رأيتُ
جواباً آخرَ عن الشيخِ في تقريرِهِ للترمذي عندي، أَنَّه يمكنُ أَنْ يكونَ من باب وصَفِ الشيءِ بحالٍ سببهٍ، والسببُ لمَّا
كان محظُوراً، أي اللحنُ في الحُجةِ، وصفُه بالنَّار، نظراً إليه، وذلك مُسلَّمٌ عندنا أيضاً، وأمثالُ تلك التوسعاتِ في
وصفِ الأشياءِ معروفٌ، ألا تَرَىَ أَنَّ النُّحاةَ قَسَّمُوا الوصفَ إلى كونِه باعتبارِ حالِ نفسِ الشيء، وكونِه باعتبار
متعلقه؛ وحينئذٍ حاصِلُه أَنَّكَ وإِنْ ملكتَ المالَ بعد القضاءِ، إلا أَنَّ سببه وهو اللحنُ في الحُجةِ، يستوجبُ النَّارَ،
فكان الوعيدُ في الحقيقةِ وَصْفَاً للسَّبِ، لكنَّه وُصِفَ به المسبب على طريقِ ما قلنا، فَتَلَخَّصَ مِنَ المجموعِ ثلاثة
أجوبة :
الأول: أَنَّه من بابٍ وصفِ المُسَبَّبِ بصفةِ السَّبَبِ. والثاني: أَنَّه من بابِ وصفِ الشيءِ بالنَّظرِ إلى الجِنْسِ.
والثالث: أَنَّه مِنْ بابِ القضاءِ على طريق التَّحْكِيم، فإِنَّ القضاءَ قد يكونُ بالشاهدَيْنِ، وقَد يكونُ من يمينِ المُذَّعَى
عليه، وهو المعروفُ في القضاءِ، أمّا القضاء بشهادَةِ الوِجْدَان بعد سَماع حجةِ الخَضْمَينِ على طريقِ الأمورِ البينيةِ،
فذلك بابٌ آخر، وهو أيضاً معروفٌ بين الناسِ، كقضاءِ النبيِّ ◌َُّ على بعضِ الصحابةِ أَنْ يضع شطر دَيْنِهِ، واللَّهُ
تعالى أعلم.

٤٢٨
كتاب الحيل
فَأَثْبَتَ القَاضِي نِكَاحَهَا، وَالزَّوْجُ يَعْلَمُ أَنَّ الشَّهَادَةَ بَاطِلَةٌ، فَلاَ بَأُسَ أَنْ يَطَأَهَا، وَهُوَ تَزْوِيجٌ
صَحِيحٌ. [طرفه في: ٥١٣٦].
٦٩٦٩ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ
القَاسِمِ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ وَلَدِ جَعْفَرٍ، تَخَوَّفَتْ أَنْ يُزَوِّجَهَا وَلِيُّهَا وَهيَ كَارِهَةٌ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى
شَيخَينَ مِنَ الأَنْصَارِ: عَبْدِ الرَّحْمْنِ وَمُجَمِّع ابْنَي جَارِيَةَ، قالاَ: فَلاَ تَخْشَيْنَ، فَإِنَّ خَنْسَاءَ
بِنْتَ خِذَامٍ أَنْكَحَهَا أَبُوهَا وَهيَ كَارِهَّةٌ، فَرَدَّ اَلنَِّيُّ نَّهِ ذلِكَ. قَالَ سُفيَانُ: وَأَمَّا عَبْدُ الرَّحْمُنِ
فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ عَنْ أَبِيهِ: إِنَّ خَنْسَاءَ. [طرفه في: ٥١٣٨].
٦٩٧٠ - حدّثنا أَبُو نُعَيم: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحِيى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةً
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((لاَ تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلاَ تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ)).
قَالُوا: كَيفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: ((أَن تَسْكُتَ)). وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنِ احْتَالَ إِنْسَانٌ بِشَاهِدَي زُورٍ
عَلَى تَزْوِيجِ امْرَأَةٍ ثَيِّبٍ بِأَمْرِهَا، فَأَثْبَتَ القَاضِي نِكَاحَهَا إِيَّاهُ، وَالزَّوْجُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا
قَطْ، فَإِنَّهُ يَّسَعُهُ هذا النِّكَاحُ، وَلاَ بَأْسَ بِالمُقَامِ لَّهُ مَعَهَا. [طرفه في: ٥١٣٦].
٦٩٧١ - حدّثنا أَبُو عَاصِم، عَنِ ابْنِ جُرَيج، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيكَةَ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ
عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((البِكْرُ تُسْتَأْذَنُ)). قُلتُ: إِنَّ الِكْرَ
تَسْتَحْيِي؟ قَالَ: ((إِذْنُهَا صُمَاتُهَا)). وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنْ هَوِيَ رَجُلٌ جَارِيَةً يَتِيمَةً أَوْ بِكْراً،
فَأَبَتْ، فَاحْتَالَ فَجَاءَ بِشَاهِدَي زُورٍ عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا، فَأَذْرَكَتْ فَرَضِيَتِ اليَتِيمَةُ، فَقَبِلَ
القَاضِي شَهَادَةَ الزُّورِ، وَالزَّوْجُ يَعْلَمُ بِبُطْلَانِ ذلِكَ، حَلَّ لَهُ الوَظْءُ. [طرفه في: ٥١٣٧].
٦٩٦٨ - قوله: (قال بعضُ النَّاسِ: إن لم تَسْتَأْذِنِ البِكْرُ ولم تَزوج، فاحْتَالَ رجلٌ،
فأقامَ شاهِدَيْ زورٍ ... ) إلخ، وهذا الإِيرادُ أيضاً يُنْبىء على خِلافِيَةٍ ذَكَرْنَاهَا. والجوابُ
الجواب.
٦٩٦٩ - قوله: (قال سُفْيَانُ: وأمَّا عبدُ الرحمنِ، فسمعتُهُ يقولُ عن أبيه: إِنَّ
خنساء ... ) إلخ، واختلف الرُّواةُ في خنساء، أَنَّها كانتَ بِكْرَاً أَمْ ثَيَِّاً؟ ثُمَّ إِنَّ في الحديثِ
دَلالة على أَنَّه لا إجبار على البِكْرِ الْبَالِغَة، كما قُلنا، فإِنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ رَدَّ نِكَاحَها حين عَلِمَ
أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَها وهي كارهة، وَأَقرَّ الشيخُ تقي الدين السُّبْكي الشافعي أَنَّ مذهب الحنفيةِ
فيه أَقْوَى؛ فإِنَّ كونَ الصِغَرِ علةً للولايةِ قد ظَهَرَ في أبوابِ الأموالِ، وشَهِدَ بها الشَّرِعُ،
وهو الذي اعتبرَهُ الحنفيةُ في النِّكاحِ، أَمَّا الْبَكَارَة والثِّيَابة، فلم يَثْبُت لها أَثَرٌ.
٦٩٧٠ - قوله: (وقال بعضُ النَّاسِ: إِنِ احتالَ إنسانٌ بشاهدَيْ زُورٍ على تَزْوِيجِ امرأةٍ
ثيبٍ بَأَمْرِهَا ... ) إلخ.
٦٩٧١ - وكذا قوله: (قال بعضُ النَّاسِ: إِنْ هَوَى رجلٌ جاريةٌ يتيمةً، أو بِكْرَاً،

٤٢٩
كتاب الحيل
فَأَبَتْ، فاحتَالَ ... ) إلخ، كل ذلك تكريرٌ في اللَّفْظِ، مع أَنَّ المعنى في كلِّها واحدٌ، وهو
الخلافيةُ المذكورةُ، وكأَنَّ الإِمامَ البُخاري يتلذَّذُ بهذا التكْرِيرِ، فيأتي بِهِ كل مرةٍ، مع تغییرٍ
يسير، تكثيراً لعدَدِ الإِيرَادَاتِ لا غير.
١٢ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ احْتِيَالِ المَرْأَةِ
مَعَ الزَّوْجِ وَالضَّرَائِرِ، وَمَا نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ ◌َ﴿ في ذلِكَ
٦٩٧٢ - حدّثنا عُبَيْدُ بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ نَِّ يُحِبُّ الحَلوَاءَ، وَيُحِبُّ العَسَلَ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى العَصْرَ
أَجَازَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْهُنَّ، فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ، فَاحْتَبَسَ عِنْدَهَا أَكْثَرَ مِمَّا كَانِ يَحْتَبِسُ،
فَسَأَلِتُ عَنْ ذلِكَ، فَقَالَ لِي: أَهْدَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةَ عَسَلٍ، فَسَقَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَ مِنْهُ
شَرْبَةٌ، فَقُلتُ: أَمَا وَاللَّهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ، فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِسَوْدَةَ، قُلتُ: إِذَا دَخَلَ عَلَيكِ فَإِنَّهُ
سَيَدْنُو مِنْكِ، فَقُولِي لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكَلتَ مَغَافِيرَ؟ فإِنَّهُ سَيَقُولُ: لاَ، فَقولِي لَهُ: مَا
هذهِ الرِّيحِ؟ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَشْتَدُّ عَلَيهِ أَنْ تُوجَدَ مِنْهُ الرِّيحُ، فَإِنَّهُ سَيَقُولُ: سَقَتْنِي
خَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَقُولِي لَهُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُرْفُطَ، وَسَأَقُولُ ذلِك، وَقُولِيهِ أَنْتِ يَا
صَفِيَّةُ، فَلَمَّا دَخَلَّ عَلَى سَوْدَةَ، قُلتُ: تَقُولُ سَوْدَةُ: وَالَّذِي لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ، لَقَدْ كِدْتُ أَنْ
أُبَادِرَهُ بِالَّذِي قُلتِ لِي وَإِنَّهُ لَعَلَى الْبَابِ، فَرَقاً مِنْكِ، فَلَمَّا دَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ قُلتُ لهُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، أَكَلتَ مَغَافِيرَ؟ قَالَ: ((لاَ)). قُلتُ: فَمَا هذهِ الرِّيحُ؟ قَالَ: ((سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةً
عَسَل)). قُلتُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ العُرْفُطَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيَّ قُلتُ لَهُ مِثْلَ ذلِكَ، وَدَخَلَ عَلَى
صَفِيَّةٌ فَقَالَتْ لَهُ مِثْلَ ذلِكَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى حَفصَةَ قَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَلاَ أَسْقِيكَ
مِنْهُ؟ قَالَ: ((لاَ حاجَةَ لِي بِهِ)). قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، لَقَدْ حَرَمْنَاهُ، قَالَتْ: قُلْتُ
لَهَا : اسْكُتِي. [طرفه في: ٤٩١٢].
أي ما يَقعُ بين الضَّرَائِرِ مِنَ الاخْتِلاَفَاتِ، والاحتيالِ فيها .
٦٩٧٢ - قوله: (فَدَخَل على حَفْصَةَ)، وهو وَهْمٌ، وإِنَّما هي قِصَةٌ في بيتِ زَيْنَبَ.
قوله: (قلتُ لها: اسكُتي) أي لا تقولي الآن شيئاً، فإِنَّ فيه شراً، فاسْكُتي.
١٣ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الإِحْتِيَالِ في الفِرَارِ مِنَ الطَّاعُونِ
٦٩٧٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنِ مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عَامِرٍ بْنِ رَبِيعَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ إِلَىِّ الشَّأْمَ، فَلَمَّا جَاءَ بِسَرْغَ،
بَلَغَهُ أَنَّ الوَبَاءَ وَقَعَ بِالشَّأْمِ، فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ عَوْفٍ: أَنَّ رَسُولُ اللَّهِو ◌َ قَالَ: ((إِذَا
سَمِعْتُمْ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ)). فَرَجَعَ

٤٣٠
كتاب الحيل
عُمَرُ مِنْ سَرْغَ. وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَن عُمَرَ إِنَّمَا انْصَرَفَ؛ مِنْ
حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ. [طرفه في: ٥٧٢٩].
٦٩٧٤ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ: حَدَّثَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ
أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أُسَامَةَ بْنَ زَيدٍ يُحَدِّثُ سَعْداً: أَنَّ رَسُوَلَ اللَّهِ بَّهَ ذَكَرَ الوَجَعَ فَقَالَ:
((رِجْزٌ، أَوْ عَذَابٌ، عُذِّبَ بِهِ بَعْضُ الأُمَمِ، ثُمَّ بَقِيَ مِنْهُ بَقِيَّةٌ، فَيَذْهَبِ المَرَّةَ وَيَأْتِي
الأُخْرَى، فَمَنْ سَمِعَ بِأَرْضٍ فَلاَ يُقْدَمَنَّ عَلَيهِ، وَمَنْ كَانَ بِأَرْضٍ وَقَعَ بِهَا فَلاَ يَخْرُجْ فِرَاراً
مِنْهُ)). [طرفه في: ٣٤٧٣].
١٤ - بابٌ في الهِبَةِ وَالشُّفعَةِ
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنْ وَهَبَ هِبَةً، أَلفَ دِرْهَم أَوْ أَكْثَرَ، حَتَّى مَكَثَ عِنْدَهُ سِنِينَ،
وَاحْتَالَ في ذِلِكَ، ثُمَّ رَجَعَ الوَاهِب فِيهَا فَلاَ زَكَاةَ عَلَّى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. فَخَالَفَ الرَّسُولَ ◌َ
صَلى الله
وستكم
في الهِيَةِ، وَأَسْقَطَ الزَّكَاةَ.
٦٩٧٥ - حدّثنا أَبُو نُعَيم: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهَ: «العَائِدُ في هِبَتِهِ كَالكُلبٍ يَعُودُ فِي فَيْئِهِ،
لَيْسَ لَنَا مِّثَلُ السَّوْءِ)). [طرفه في: ٢٥٨٩].
٦٩٧٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحمَّدٍ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ ◌َّه الشُّفْعَةَ في كُلَّ
مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُوَذُ، وَصُرِّفَتِ الْظُرُقُ، فَلاَ شُفْعَةَ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ:
الشُّفْعَةُ لِلِجِوَارِ، ثمَّ عَمَدَ إِلَى مَا شَدَّدَهُ فَأَبْطَلَهُ، وَقَالَ: إِنِ اشْتَرَى دَاراً، فَخَافَ أَنْ يَأْخُذَهَا
الجَارُ بِالشُّفْعَةِ، فَاشْتَرَى سَهْماً مِنْ مِائَةٍ سَهْم، ثُمَّ اشْتَرَى البَاقِيَ، وَكَانَ لِلجَارِ الشُّفْعَةُ في
السَّهْمِ الأَوَّلِ، وَلاَ شُفْعَةً لَهُ في بَاقِي الدَّارِ، وَلَهُ أَنْ يَحْتَالَ في ذلِكَ. [طرفه في: ٢٢١٣].
٦٩٧٧ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيسَرَةَ: سَمِعْتُ
عَمْرَو بْنَ الشَّرِيدِ قَالَ: جَاءَ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَنْكِبِي، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ إِلَى
سَعْدٍ، فَقَالَ أَبُوِ رَافِعٍ لِلمِسْوَرِ: أَلاَ تَأْمُرُ هذا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنِّي بَيتِي الَّذِي في دَارِي؟ فَقَالَ:
لاَ أَزِيدُهُ عَلَى أَرْبَعِمَاتَةٍ، إِمَّا مُقَطَّعَةٍ وَإِمَّا مُنَجَّمَةٍ، قَالَ: أُعْطِيتُ خَمْسَمِائَةٍ نَقْدَاً فَمَنَعْتُهُ،
وَلَوْلاً أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهُ يَقُولُ: ((الجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ)) مَا بِعْتُكَهُ، أَوْ قَالَ: مَا أَعْطَيْتُكَهُ.
قُلْتُ لِسُفْيَانَ: إِنَّ مَعْمَرَاً لَمْ يَقُل ◌َكَذَا، قَالَ: لكِنَّهُ قَالَ لِي هَكَذَا. وقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِذَا
أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ الشُّفْعَةَ فَلَهُ أَنْ يَحْتَالَ حَتَّى يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ، فَيَهَبِ البَائِعُ لِلمُشْتَرِيَ الدَّارَ
وَيَحُدُّهَا، وَيَدْفَعُهَا إِلَيهِ، وَيُعَوِّضُهُ المَشْتَرِي أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَلاَ يَكُونُ لِلشَّفِيعِ فِيهَا شُفْعَةٌ.
[طرفه في: ٢٢٥٨].

٤٣١
كتاب الحيل
٦٩٧٨ - حدّثنا مُحمدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيسَرَةَ، عَنْ
عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ: أَنَّ سَعْداً سَاوَمَهُ بَيْتاً بِأَرْبَعِمِائَةِ مِثْقَالٍ، فَقَّالَ: لَوْلاَ أَنِّي
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: ((الجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ) لَمَا أَعْطَيْتُكَ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنِ
اشْتَرَى نَصِيبَ دَارٍ، فَأَرَادَ أَنْ يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ، وَهَبَ لإِبْنِهِ الصَّغِيرِ، وَلاَ يَكُونُ عَلَيهِ يَمِينٌ.
[طرفه في: ٢٢٥٨].
قوله: (وقال بعضُ النَّاسِ: إِنْ وَهَبَ هِبَةً، ألفَ درهم أَوْ أَكْثَرَ، حتى مَكَثُ عندَهُ
سِنِينَ، واحتَالَ في ذلكَ، ثُمَّ رَجَعَ الوَاهِبُ فيها فلا زَكَاةَ على واحدٍ منهمَا - قال أبو عبد
الله - فَخَالَفَ رسولُ الله ◌َّهِ في الهبةِ، وأَسْقَطُ الزكاةَ) ومُحصِّلُه، أَنَّ القُبْحَ في مَذْهَبٍ
الحنفيةِ مِنْ وجْهَینِ :
الأول: مِنْ قولِهم بجوَازِ الرُّجوعِ في الهبةِ، والثاني: بحكْمِهِم بسقوطِ الزَّكاةِ
بالحِيلَةِ، وفيهما نظرٌ. أمَّا الرجوع في الَهبةِ، فمكْرُوهٌ عندنَا تحريماً أو تَنْزِيهاً ديانة، وإِنْ
نَفَذَ بالقضاءِ أو الرضاء؛ فإذا رَجَعَ فيها يَتَمَلَّكُها بمِلْكِ مستَأْنَفٍ، فإِذا ثَبَتَ له المِلْكُ الآن
كيف تجبُ عليه الزَّكَاةُ لِسنين قَبْلَّه، أَمَّا الموهوبُ له، فقد تَلِفَ مَالُه، وظَهَرَ أَنَّهِ لم يكُنْ
ذلك مالُهُ مِن يوم وهِبَ له، فكيفَ نُوجِبُ عليه الزكاةَ في مالٍ ظَهَر أَنَّه لم يتمَلَّكُهُ، ولا
أَرَى أحداً يُنكِرُ مَقَدِّمات الدَّليل، فكيف بالنَّتِيحَةِ، وكذلك الدَّليلُ يَعْملُ العجائب، نعم من
قال الإِسْقَاطِ الزكاة، فقد سوَّدَ وَجْهَهُ عند الله تعالى، وذلك أَمْرٌ آخر، إِنَّما البحثُ باعتبارٍ
أحكامِ الدُّنيا.
٦٩٧٦ - قوله: (قال بعضُ النَّاسِ: الشُّفْعَةُ للجوارِ، ثُمَّ عَمَدَ إلى مِا شدَّدَهُ،
فَأَبْطَلَهُ ... ) إلخ، أَي أَثْبَتَ أَوَّلاً للجَارِ شِفْعَةً، ثُمَّ وَضَعَ لِإِبْطَالِها حيلةً، وهي أَنْ يَشْتَرِيَ
المُشْتَري سهماً مِنْ مائةٍ سَهْم أَوَّلاً، لِئَلاَّ يُزَاحِمَ الجَار، فإِنَّ ما يَفْعَل بهذا السهم الواحد
من مائة، وبعد الشِّراءِ يكونُ شريكاً في نَفْسِ المَبِيع، وهو مُقَدَّمٌ على الجَار؛ وحينئذٍ له
أَنْ يَشْتَرِيَ الباقي، فلا يكونُ لِجَارِهِ حقُّ الشُّفَّعَةِ، فَفَيَ تِلْكَ الحِيلَةِ إبطالٌ لحقِّ الجَارِ .
قلتُ: لم يأتِ البُخَاري بشيءٍ مما يُخالِفُ ما ذَهَبَ إليه الإِمامُ غيرَ الاستعجابِ،
والاستبعادِ، قُلنا: إِنَّ الاستعْجَابَ إِنْ كان مِنْ إِبْطَالِ حقِّ الغيرِ بلا وَجْهٍ، فهو حقٌّ، ولم
نَقُل به، وإِنْ كانَ للتَّحرُّزِ عن تَأَذِي الجارِ الفَاسِقِ، فلا استِعْجَاب فيه ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ الَّهِ
النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١].
٦٩٧٧ - قوله: (وقال بعضُ النَّاسِ: إذا أَرَادَ أن يَبِيعَ الشُّفعة، فلهُ أَنْ يَحْتَال ... )
إلخ، وهذه صورةٌ أُخْرى لإِسقاطِ حقِّ الجَّارِ، وهي أَنْ يَغَمَّلَ العاقِدَانِ عَمَلَ البيع والشراءِ
معنّى، وعقدَ الهِبَةِ لفظاً، وحينئذٍ ليس للشَّفِيعِ أَنْ يَدَّعي بالشُّفْعَةِ، فإِنَّ صاحبَ الدَّارِ يقول:

٤٣٢
كتاب الحيل
إِنِيٍ لم أَعْقِد عَقْدَ البيع، ولكِنِّي وهبْتُها له، فلا تكونُ له شُفْعة، فَفِيهِ إبطالٌ لِحَقِّهِ، قُلْنَا:
إِنْ أَرَادَ بِهِ إِبْطَالَ حق أَخِيهِ ظُلْماً، فهو ظلماتٌ يومَ القِيَامَةِ، وإِنْ كان لمعنّى غيرِ ذلك، فلا
غَائِلَةً، فإِنَّ الإِبْطَال ليس إِلا عَنْ قَواعِد مستنبطة من الشَّرْعِ، ولذا لم يَسْتَطِعِ المصنّف أَنْ
يَسْتَدِلّ على خِلاَفِهِ بشيء.
قوله: (وَیحُدُّها) "حد بندی کردى" .
٦٩٧٨ - قوله: (وقال بعضُ النَّاسِ: إِنِ اشترَى نصيبَ دارٍ، فَأَرَادَ أَنْ يُبْطِلَ الشُّفْعَةَ،
وَهَبَ لابْنِهِ الصغيرِ، ولا يكونُ عليه يَمَينٌ) أي إذا وَهَبَ الأبُ لابْنِهِ الصغيرِ داراً يكونُ
الصغيرُ شريكاً في نَفْسِ المَبيعِ، فلو ادَّعَى عليه الشَّفِيعُ لا يتوجَهُ إليه اليمينُ حتى يَبْلُغ.
١٥ - باب احْتِيَالِ العَامِلِ لِيُهْدَى لَهُ
٦٩٧٩ - حدّثنا عُبَيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَن أَبِي
حُمَيدِ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهَرَجُلاً عَلَى صَدَقَاتِ بَنِّي سُلَيِم، يُدْعى ابْنَ
اللَّتْبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حاسَبَهُ، قَالَ: هذا مَالُكُمْ وَهذا هَدِيَّةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِّ وَهُ: ((فَهَلاَ
جَلَسْتَ في بَيتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ، حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً)). ثُمَّ خَطَنَا، فَحَمِد اللَّهَ
وَأَثْنِى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى العَمَّلِ مِمَّ وَلَّنِي اللَّهُ،
فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هذا مَالُكُمْ وَهذا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، أَفَلاَ جَلَسَ فِي بَيتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ
هَدِيَّتُهُ، وَاللَّهِ لاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيئاً بِغَيرِ حَقِّهِ إِلَّ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَلأَغْرِفَنَّ
أَحَداً مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيراً لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيعَرُ)). ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ
حَتَّى رُؤيَ بَيَاضُ إِبْطِهِ، يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ هَل بَلَّغْتُ)). بَصْرَ عَيْنِي وَسَمْعَ أَذْنِي. [طرفه في :
٩٢٥].
٦٩٨٠ - حدّثنا أَبُو نُعَيم: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
الشَّرِيدِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَلِّهِ: ((الجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ)). وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنَّ
اشْتَرَى دَاراً بِعِشْرِينَ أَلفَ دِرْهَم، فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَحْتَالَ حتَّى يَشْتَرِيَ الدَّارَ بِعِشْرِينَ أَلِفَ
دِرْهَم، وَيَنْقُدَهُ تِسْعَةَ الاَفِ دِرْهَمَ، وَتِسْعَمِائَةِ دِرْهَم، وَتِسْعَةَ وَتِسْعِينَ، وَيَنْقُدَهُ دِينَاراً بِمَا بَقِيَ
مِنَ الْعِشْرِينَ الأَلْفَ. فَإِنْ طَلَبَ الشَّفِيعُ أَخَذَهَا بِعِشْرِينَ أَلِفَ دِرْهَم، وَإِلَّ فَلاَ سَبِيلَ لَهُ عَلَى
الدَّارِ. فَإِنِ اسْتُحِقَّتِ الدَّارُ رَجَعَ الِمُشْتَرِي عَلَىِ الْبَائِعِ بِمَا دَفَعَ إِلَيْهِ، وَهْوَ تِسْعَةُ آلْآَفِ دِرْهَم
وَتِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ دِرْهَماً وَدِيْنَارٌ، لأَنَّ البَيْعَ حِينَ اسْتُحِقَّ انْتَقَضَ الصَّرْفُ في
الدِّينَارِ، فَإِنْ وَجَدَ بِهذهِ الدَّارِ عَيباً، وَلَمْ تُسْتَحَقَّ، فَإِنَّهُ يَرُدُّهَا عَلَيهِ بِعِشْرِينَ أَلِفَ دِرْهَم.
قَالَ: فَأَجَازَ هذا الخِدَاعَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وَقَالَ قال النَّبِيُّ بَ: ((لاَ دَاءَ وَلاَ خِبْئَةَ وَّلاَ
غائِلَةَ)). [طرفه في: ٢٢٥٨].

٤٣٣
كتاب الحيل
٦٩٨١ - حدّثنا مُسدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ،
عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ: أَنَّ أَبَا رَافِع سَاوَمَ سَعْدَ بْنَ مَالِكِ بَيْتاً بِأَرْبَعِمِائَةٍ مِثْقَالٍ، وَقَالَ: لَوْلاً
أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهُ يَقُولُ: ((الجَّارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ)) مَا أَعْطَيتُكَ. [طرفه في: ٢٢٥٨].
٦٩٨٠ - قوله: (وقال بعضُ النَّاسِ: إذا اشتَرَى داراً بعشرينَ ألف دِرْهَم ... ) إلخ،
ومُحصِّل الحِيلَةِ أَنْ يجعل الثمن أَوَّلاً عشرين ألف دِرْهَم، ثم يَنْقُدُه منه تسعة آلافِ دِرْهَم،
وتسع مائة وتسعة وتسعين، وينقده بما بقي دِينَارَاً، باعتبارِ بيع الصَّرْفِ، وحينئذٍ يُقَوِّمُ له
الدَّار بعشرةِ آلافٍ دِرْهم إلا دِرهم وبدينار، ولا يكونُ للشفيعِ إِلَيها سبيل، لأنَّه إِنْ يأُخُذَها
يأخذ بعشرين ألفِ دِرْهَم، وفيه غَبْنٌ فاحشٌ، فيتركها استعظاماً للثَّمَنِ، ويأخذَها المشتري
بنقد عشرة آلاف إلا دِرهَم، وبنقدٍ دينارٍ من حيث عقد المُصَارَفَةِ، ثَمَّ إِنْ ظَهَرَ الاستحقاقُ
لا يَرِدُ البائعُ إلا ما أَخَذَ،َ وهو عشرةُ آلافٍ إلا درهم ودينارٍ، وذلك لأنَّ بَيْعِ الصَّرْفِ كان
مبنياً على شِرَاءِ الدَّارِ، فإِذا انْفَسَخَ ما بنَى عليه، فلاَ يَلْزَمُ عليه إلا رَدُّ ما قَبَضَهُ، أَمَّا إذا لم
يَظْهَر الاستحقاق، ولكن ردَّ البيعَ بعيبٍ في الدَّارِ، فإِنَّه يَرد عليه عشرينَ أَلفَ دِرْهَم.
ووجهُ الفَرْقِ أَنَّ ◌ُظُهورَ العَيْبِ لا يَمْنَعُ صحةَ العَقْدِ، بل الرجوعُ فيه بعْد تَمام
الصَّفَقَةِ، ولذا احتيجَ إلى القضاءِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ فَسْخِهِ بطلانُ الصَّرْفِ، قال الكَرْماني: فإِنَّ
قُلْتَ: ما الغرضُ في جَعْلِ الدِّينَارِ في مُقَابَلَةٍ عَشْرَةِ آلافٍ ودِرْهَم، ولم لم يَجْعَلُه في
مقابلةِ عشرةِ آلافٍ فقط؟ قلتُ: رِعايةً لنُكْتَةٍ، وهي أَنَّ الثَّمنَ بالحقيقةِ عشرةُ آلاف، بقرينةٍ
نَقْدِهِ هذا القدر، فلو جَعَل العَشَرَ - و - الدينار في مقابلة الثَّمنِ، لَزِمَ الربا، بخلافٍ ما إِذَا
نقصَ دِرهماً، فإِنَّ الدِّينارَ في مقابَلَةِ ذلك الواحد. والألف إلا واحداً في مقابلة الألف إلا
واحداً، فلا مُفَاضَلة، كذا في الهامش.
أقولُ: بل تطويلُ الحسابِ، لِئِلاَّ ينتقلُ منه الذهن إلى حيلَتِهِ، وهكذا دَيْدَنُ معاشرَ
التُّجَارِ، فإِنَّهم إذا أَرَادُوا التَّلبِيسَ في الثمنِ ذَكَروا معه الكُسور، فلا ينتقل ذهن المشتري
إلى أَنَّهم عدلوا عن أصل الثمنِ، فينخَدِعُونَ، فالوجه فيه أَنَّ المقصودَ في هذا التطويلِ
إخفاءُ عَقْدِ المصارَفَةِ، فافهم.

بِسْمِ اللهِ الرََّى الرَّحِيمَةِ
٩٢ - كِتَاب التَّعْبِيرِ (١)
١ - بابٌ أَوَّلُ مَا بُدِىءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾ِ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ
٦٩٨٢ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. وَحَدَّثَنِي
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأُخْبَرَنِيَّ عُرْوَةُ، عَنْ
عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِىَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ مَ﴿ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ
في النَّوْمِ، فَكَانَ لاَ يَرَى رُؤْيَا إِلَّ جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، فَكَانَ يَأْتِي حِرَاءً فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -
وَهُوَ التَّعَبِّدُ - اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةً فَتُزَوِّدُهُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى
فَجِتَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ المَلَكُ فِيهِ، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((فَقُلْتُ:
مَا أَنَا بِقَارِىءٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلتُ: مَا أَنَا
◌ِقَارِىءٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلت: مَا
أَنا بِقَارىٍ، فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾
حَتَّى بَلَغَ: ﴿مَا لَ يَعْلَمْ﴾)) [العلق: ١ -٥]. فَرَجَعَ بِهَا تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ،
فَقَالَ: ((زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي)). فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ ((يَا خَدِيجَةُ، مَا لِي)).
وَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ، وَقَالَ: ((قَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفسِي)). فَقَالَتْ لَّهُ: كَلاَّ، أَبْشِرْ، فَوَ اللَّهِ لاَ يُخْزِيكَ
اللَّهُ أَبَداً، إِنكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيفَ، وَتُعِينُ
عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ. ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَّلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدٍ
العُزَّى بْنِ قُصَيٍّ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخُو أَبِيهَا، وَكَانَ امْرَأَ تَنَصَّرَ في الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ
يَكْتُبِ الكِتَابَ العَرَبِيَّ، فَيَكْتُب بِالعَرَبِيَّةِ مِنَ الإِنْجِيلِ، مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيخاً
كَبِيراً قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيِ ابْنَ عَمِّ، اسْمَّعْ مِن ابْنٍ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: ابْنَ
أَخِي مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ ◌َيْهِ مَاَ رَأَى، فَقَالَ وَرَقَةُ: هذَا النَّامُوسُ الذِي أُنْزِلَ عَلَى
مُوسَى، يَا لَيتَنِي فِيهَا جَذَعَاً، أَكُونُ حَيَّاً حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّيِّ:
(أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟)). فَقَالَ وَرَقَةَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي
(١) واعلم أنَّ الشيخَ الألوسي قد أجادَ في تحقيق الرُّؤيا، فراجعه من تفسيره: ص٢٤٢ وص ٢٤٣ وص ٢٤٤ - ج٣
((روح المعاني)).
٤٣٤

٤٣٥
كتاب التعبير
يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْراً مُؤَزَّراً. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُؤُقِّيَ، وَفَتَرَ الوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ
النَّبِيُّ ◌َّةِ، فِيمَا بَلَغَنَا، حُزْناً غَدَا مِنْهُ مِرَاراً كَي يَتَرَدَّى مِنْ رُؤُوسِ شَوَاهِقِ الجِبَالِ، فَكُلَّمًا
أَوْفَى بِذِرْوَةٍ جَبَلٍ لِكَي يُلِقِيَ مِنْهُ نَفسَهُ، تَبَدَّى لَّهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ
حَقَّاً. فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ، وَتَقِرُّ نَفْسُهُ، فَيَرْجِعُ، فَإِذَا طَالَتْ عَلَيهِ فَتْرَةُ الوَحْي غَدَا لِمِثْلٍ
ذلِكَ، فَإِذَا أَوْفَى بِذِرْوَةٍ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهُ مِثْلِ ذلِكَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: ﴿فَالِقُ
الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦]: ضَوْءُ الشَّمْسِ بِالنَّهَارِ، وَضَوْءُ القَمَرِ بِاللَّيلِ. [ظرفه في: ٣].
وراجع لتحقيق الرُؤيا رسالة الشاه ولي الله ((الأنوارُ الملكية)) وما ذَكَرَهُ في ((مجمع
البِحَارِ)) نقلاً عن البَغَوي، وللتعبيرِ ما صَنَّفَهُ الشيخُ عبدُ الغني التَّابُلْسي في مجلدين، وهو
معاصرٌ لصاحب ((الدُّر المُختَار))، وصوفي غال، وقد رَدَّ عليه في مسألة.
٢ - باب رُؤْيَا الصَّالِحِينَ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ
ءَامِنِينَ يُحِلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُفَصِّرِينَ لَا تَخَافُونٌَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا
قَرِيبًا
[الفتح: ٢٧].
٢٧
٦٩٨٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ إِسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي
طَلَحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَ﴿ قَالَ: ((الرُّؤْيَا الحَسَنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ،
جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَزْبَعِينَ جُزْأَ مِنَ النُّبُوَّةِ)). [الحديث ٦٩٨٣ - طرفه في: ٦٩٩٤].
٦٩٨٣ - قوله: (الرؤيا الحسنةُ من الرجلِ الصالح، جُزءٌ من ستةٍ وأربعينَ جُزّْاً من
النُّبوةِ) وقد تَصَدَّى العلماءُ إلى إِحْدَاثِ المناسباتِ في العددِ المخصُوصِ، فتصحُ في
بعضِ دونَ بَعْضٍ، ومَنْ شاء الكلامَ فيها على طَوْرِ الصوفيةِ، فليُرَاجِع له ((الإِبريز)) ثُمَّ إِنَّه
لا يَلْزَم مِنْ بَقَاءِ جُزْءٍ من النُّبُوة كونَ النبوة باقية أيضاً، لما عند الطبري: ذهبت النبوة،
وبقيت المُبَشرَات. فإِنَّ جزء الشيء يُغَايِرُهُ، ألا تَرَى أَنَّا قد اشْتَرَكْنَا مع اللَّهِ سبحانه في
كثير مِنَ الأشياءِ، وإن كانت شَرِكَةً اسمية، كالوجودِ، والعِلْم، والسمع، والبصرِ ...
إلخ. فهل يُصَحَّحُ ذلك الاشتراكُ، إِطلاقَ اسم الله أيضاً، أوَ الاشتراكَ في الألوهية،
والعياذ بالله، فما بال هذا المتنبي الكاذب يدَّعي النُّبوة من الاشتراكِ في جُزْءٍ من ستةٍ
وأربعينَ جزءً مِنَ النُّبوةِ - لو كان - وهلاَّ يدَّعي الحمارية لاشتراكِه معه في سائر الأجزاء،
.(١)
غيرَ جُزءٍ واحدٍ، وهو الناهقية
(١) قلتُ: وماذا يَتَعلقُ بهذا الشقي من قوله ◌ََّ، فإِنَّ الجزئيةَ في نصِ الحديثِ الرَّجُلِ الصالحِ، أَمَّا مَنْ كان أَشقَاهُم،
فما له وللمُبَشِّرَاتِ، فليُثْبِتْ أَوَّلاً صلاحَهُ، ثم ليتعلق به، كما قيل: ثَبِتْ العَرْشَ، ثم انقُش، وبالجُملَةِ لا مَسْكةً له
فيه، ولو كان فيه مساغاً له، لكشَفْنَا عنه بحمدِ اللَّهِ تعالى، حتى ظَهَرَ مثلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، إِنْ شاءَ اللَّهُ تعالى.

٤٣٦
كتاب التعبير
٣ - باب الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ
٦٩٨٤ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا زُهَيرٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعتُ أَبَا قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرَ قَالَ: ((الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ، وَالحُلمُ مِنَ
الشَّيْطَانِ)).
[طرفه في: ٣٢٩٢].
٦٩٨٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي ابْنُ الهَادِ، عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ نَّهَ يَقُولُ: ((إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤيَا
يُحِبُّهَاَ، فَإِنَّمَّا هِيَ مِنَ اللَّهِ، فَلَيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهَا وَلَيُحَدِّثْ بِهَا، وَإِذَا رَأَى غَيرَ ذلِكَ مِمَّا
يَكْرَهُ، فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيطَانِ، فَلَيَسْتَعِذْ مِنْ شَرِّهَا، وَلاَ يَذْكُرْهَا لِأَحَدٍ، فَإِنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ)).
٦٩٨٥ - قوله: (إذا رَأَى أَحَدُكم رُؤْيَا يحبُّها، فإِنَّما هي مِنَ الله ... وإذا رَأَىُ غيرَ
ذلك مما يكره، فإِنَّما هي مِنَ الشيطان ... ) فتلك علامةٌ مِنَ الشَّرِيعَةِ، لكونِ الرُّؤْيَا مِنَ
الله، ومِنَ الشيطان، وهذه هي السبيل إلى عِلْمِنَا بها، وليست تلكَ أيضاً كُلِّيَّة، ولَكِنَّها
علامةً باعتبارِ الأَكْثَرِ(١).
٤ - بابٌ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِنَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْأَ مِنَ النُّبُوَّةِ
٦٩٨٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ - وَأَثْنَى عَلَيهِ خَيراً، -
وقَالَ: لَقِيتُهُ بِاليَمَامَةِ - عَنْ أَبِيهِ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ قَالَ:
(١) قُلْتُ: وذلك لأنَّ النبيَّ ◌َ﴿ رَأَىُ رُؤيا فيما لقي مِنَ الكُفَّارِ في غَزْوةٍ أُحد، وكذا رَأَىْ في كذَّابَيْن يَخْرِجَانِ بعدَه،
إلى غيرِ ذلك؛ وكذلك قد يَرَىُ عامةُ النَّاسِ أيضاً في رُؤْيَاهُم، ممَّا يَكْرَهُون، ثُمَّ لا يكونُ فيها مُدْخَلٌ للشَّيْطانِ،
بل تكونُ مِنَ الله، فلا بُدَّ أَنْ يُقَال: إِنَّها أَكْثَرِيَّة، نَعَمَ ما في بَعْضِ الرُّواياتِ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ، وتَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطانِ،
يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَقِيم الحصرُ فيه باعتبارٍ أَنَّ مَقْصُودَ الشيطانِ ممَّا يُلْقَى في صَدْرِ النَّائِم، ليس إلا تَحْزِينُه، بخلافِ ما
كان مِنَّ اللَّهِ، فإِنَّه لا يكونُ للنَّحْزِينِ، ثُمَّ تبيَّنَ لي أنَّ هذه النِّسب مِنْ بابِ الآدَابِ، فإِنَّ البركاتِ والخَيْرَاتِ كلَّها
تُنْسَبُ إلى اللَّهِ تعالى، والشُّرُورَ كلَّها تُنْسَبُ إلى الشيطانِ، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَّاً أَسَئِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾
[الكهف: ٦٣] وقوله تعالى: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩] وكما في سورة يوسف: ﴿فَأَنْسَنَهُ الشَّيْطَانُ
ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢]. وإِنْ كانت الأمورُ كلُّها بيدِ اللَّهِ المتعال، إلا أنَّ الأدَبَ أَنْ تُنْسَب الخيراتُ إليه
تعالى، وما كان خلافها فالأولى فيه إمَّا أَنْ تَنْسِبْها إلى نَفْسِكَ أو إلى الشيطان، وما أَلطفُ ما ذَكَرَهُ العَيْني: أَنَّ
الحُلُم في عُرْفِ الشَّرْعِ مُخْتَصٌ بالشيطان، والرؤيا بما كان مِنَّ اللَّهِ تعالى، وعلى هذا ما يَراهُ النائم مما يَكْرَهُ،
فهو مِنْ بابِ الحُلُم، وَيَقْرُبُ ممَّا ذَكَرْنَا ما في ((مَجْمَعِ البِحَار)) أَنَّ حقيقتَهُ عند أَهْلِ السُّنَّةِ: أَنَّهُ تعالى يَخْلُقُ في
قَلْبِ النَّائِمِ اعتقادات جَعَلَها عَلَماً على أمورٍ تَلْحَقُها بعدَ، كما جَعَل الغَيْمَ عَلَماً على المَطَرِ، ويَخْلُقَ عِلْمَ المَسَرَّةِ
بغيرِ حُضُورٍ الشيطان، وعلم المُساءَةِ بحضُورِهِ، فيُنْسَبُ إليه مجازاً، لا أَنَّه يَفْعَل شيئاً، واللَّهُ تعالى أَغْلَمُ
بالصَّواب.

٤٣٧
كتاب التعبير
((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، والحُلمُ مِنَ الشَّيطَانِ، فَإِذَا حَلَمَ فَلَيَتَعَوَّذْ مِنْهُ، وَلِيَبْصُقِ عَنْ
شِمَالِهِ، فَإِنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ)). وَعَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ
الشَِّّ وَّهِ مِثْلَهُ. [طرفه في: ٣٢٩٢].
٦٩٨٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرَ قَالَ: (رُؤْيَا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ
جُزْأَ مِنَ النُّبُوَّةِ» .
٦٩٨٨ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ قَالَ: ((رُؤْيَا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ
سِتَّةٍ وَأَزْبَعِينَ جُزْأَ مِنَ النُّبؤَّةِ)). رَوَاهُ ثَابِتٌ، وَحُمَيدٌ، وَإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَشُعَيبٌ، عَنْ
أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ [الحديث ٦٩٨٨ - طرفه في: ٧٠١٧].
٦٩٨٩ - حدّثني إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حازِمِ وَالذَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُذْرِيِّ: أَنهُ سَمِعَ رَسُوَّلَ اللَّهِ وَلَهِ يَقُولُ: ((الرُّؤْيَا
الصَّالَحِةُ جُزَءٌ مِنْ سِنَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْأَ مِنَ النُّبَوَّةِ» .
٥ - باب المُبَشِّرَاتِ
٦٩٩٠ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ
المُسَيَّب: أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ نَّه يَّقُولُ: ((لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّهُوَّةِ إِلَّ
المُبَشِّرَاتُ)). قالُوا: وَمَا المُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ)).
٦ - باب رُؤْيَا يُوسُفَ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِ يَأَبَتِ إِنِّيْ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
قَالَ يَبُنَّ لَا نَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَّ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ
(٤
رَأَيْنُهُمْ لِ سَجِدِينَ
وَكَذَلِكَ يَجْنَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُنْذُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ
لِلْإِنسَنِ عَدُوٌ مُبِينٌ
وَعَلَّ ءَالِ يَعْقُوبَ كُمَا أَتَمَّهَا عَّ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَهِيَمَ وَإِشْحَقُّ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾﴾ [يوسُف: ٤
- ٦]. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَنِىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِ حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِىّ إِذْ
أَخْرَجَنِى مِنَ السِّجْنِ وَجَّمَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَفِتَّ إِنَّ رَبِىِ لَطِيفٌ
لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ اُلْعَلِمُ الْحَكِيمُ ﴾ رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِ مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِىِ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِّ فَاطِرَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَنَتَ وَلِ، فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ تَوَقَّنِى مُسْلِمًا وَأَلَحِفْنِى بِالصَّالِحِينَ
(١) . [يوشُف:
١٠٠ - ١٠١]. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فاطِرٌ وَالبَدِيعُ وَالمُبْدِعُ وَالبَارِىءُ وَالخَالِقُ وَاحِدٌ مِنَ البَدْءِ:
بَادِئَةٍ .

٤٣٨
كتاب التعبير
٧ - بابٌ رُؤْيَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَبُنَّ إِنَّ أَرَى فِىِ الْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا
١٠٣
فَلَمَّ أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِيِنِ
تَرَّ قَالَ يَتَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرُّ سَتَجِدُنِىّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ
وَنَدَيْنَهُ أَنْ يَإِرَهِيمُ ﴿َ قَدْ صَدَّقْتَ الزُؤْيَاْ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
[الصافات: ١٠٢ - ١٠٥].
قَالَ مُجَاهِدٌ: أَسْلَمَا: سَلَّمَا مَا أُمِرَا بِهِ، وَتَلَّهُ: وَضَعَ وَجْهَهُ بِالأَرْضِ.
٨ - باب التَّوَاطُؤْ عَلَى الرُّؤْيَا
٦٩٩١ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ عُقَيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ أُنَاساً أُرُوا لَيلَةَ القَدْرِ فيّ السَّبْعِ
الأَوَاخِرِ، وَأَنَّ أُنَاساً أُرُوَهَا أَنَّهَا في العَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ : ((الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعَ
الأَوَاخِرِ )). [طرفه في: ١١٥٨].
٩ - باب رُؤْيَا أَهْلِ السُّجُونِ وَالفَسَادِ وَالشِّرْكِ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ اٌلْسِّجْنَ فَتَيَانٍ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنَّ أَرَنِىّ أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ
ثَ قَالَ
إِنَّ أَرَبِيّ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزً تَأْكُلُ اُلّطَّيْرُ مِنْهُ نَبِئْنَا بِتَأْوِيَِّ إِنَّا نَرَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَائٍِ إِلَّا نَبَّأْتَكُمَا بِتَأْوِيلِهِ، قَبْلَ أَن يَأْتِيَّكُمَّا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلََّنِ رَبِيَّ إِنِى تَرَّكْتُ مِلَّةَ
وَأَبَعْتُ مِلَّةَ ءَبَآءِىّ إِنْزَهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا
قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ
كَانَ لَّا أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَىْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
٣٨
يَشْكُرُونَ
يَصَحِتِ السِّجْنِ ءَ أَرْبَابٌ مُتَّفَرِقُونَ﴾ [الآيات: ٣٦ -٣٩] وَقَالَ الفُضَيلُ لِبَعْضٍ
الأَتْبَاعِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ: ﴿َأَرْبَابٌ مُتَفَرِقُونَ خَيْرُ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَارُ ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ:
إِلَّ أَسْمَآءَ سَقَيْتُمُوهَا أَخُمْ وَءَابَآؤُكُمْ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍّ إِنِ اُلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِّ أَمَرَ أَّا تَعْبُدُوْاْ
يَصَحَِى السّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا
٤٠
إِلَّ ◌ِيَّاهُ ذَلِكَ الِيْنُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (
فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْأَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ، قُضِىَ الْأَمْرُ الَّذِى فِيهِ تَسْنَفْتِيَانٍ
وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاِجِ مِنْهُمَا أَذْكُرْنِ عِندَ رَيْكَ فَأَنْسَنَهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ، فَلَبِثَ
٤١
فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّ أَرَى سَبْعَ بَقَرَتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعُ عِجَانٌ وَسَبْعَ
قَالُواْ
سُنْبُلَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ بَابِسَبٍّ ◌َيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِ فِ رُهِيَنِىَ إِن كُتُمْ لِلْزُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (جَ
وَقَالَ الَّذِىِ نَجَا مِنْهُمَا وَأَذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنْكِنُكُمْ
أَضْغَثُ أَحْلَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَعْلَمِ بِعَلِينَ (®
يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّذِيقُ أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَ سَبْعُ عِبَانٌ وَسَيْعِ
٤٥
بِتَأْوِيلِهِ، فَأَرْسِلُونِ
سُنْبُلَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَتٍ لَّعَلَّ أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَابًا فَا
حَصَدْتُمْ فَذَرُؤُهُ فِى سُنْبُلِهِ: إِلَّا قَلِيلًا مِّعَّا نَأْكُونَ ﴿٨ ثُمَّ يَأْتِ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَيْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ

٤٣٩
كتاب التعبير
وَقَالَ
* ثُمَّ ◌َأَِّ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
لَكُنَّ إِلَّا قَلِيلاً مِمَا تُحْصِنُونَ
الْمَلِكُ ابْنُونِي بِهِ، فَلَمَّا جََّهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَيَِّ﴾ [يوسُف: ٣٩ - ٥٠]. وَاذَّكَرَ: افتَعَلَ مِنْ
ذَكَرَ، أُمَّةٍ: قَرْنٍ، وَيُقْرَأُ: أَمَهِ: نِسْيَانٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْصِرُونَ: الأَعْنَابَ وَالدُّهْنَ.
تُحْصِنُونَ: تَحْرُسُونَ.
٦٩٩٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّد بْنِ أسْمَاءَ: حَدَّثَنَا جُوَيرِيَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ وَأَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَّاهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَ ﴿: ((لَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ، ثُمَّ أَتَانِي الدَّاعِي لأَجَبْتُهُ».
٦٩٩٢ - قوله: (لو لبثتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ يُوسف ... ) إلخ، أخرج الحديثُ لِذِكْرِ
السِّجن فيه، وإلا لیس فيه ذِكْرُ الرُّؤیا .
١٠ - باب مَنْ رَأَى النَِّيَّ ◌ََّ في المَنَامِ
٦٩٩٣ - حدّثنا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: حَدَّثَنِي أَبُو
سَلَمَةَ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَلَ يَقُولُ: ((مَنْ رَآنِي فَي المَنَامِ فَسَيَرَانِي في
اليَقَظَةِ، وَلاَ يَتَمَثَّلُ الشَّيطَانُ بِي)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِذَا رَآهُ فِي صُورَتِهِ.
[طرفه في: ١١٠].
٦٩٩٤ - حدّثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُخْتَارٍ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ البُنَانِيُّ،
عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((مَنْ رَآنِي في المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ
الشَّيطَانُّ لاَ يَتَخَيَّلُ بِي، وَرُؤْيَا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْأَ مِنَ النُّبُوَّةِ». [طرفه في:
٦٩٨٣].
٦٩٩٥ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ:
أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َةِ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَالحُلمُ
مِنَ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأَى شَيئاً يَكْرَهُهُ فَلَيَنْفِثْ عَنْ شِمَالِهِ ثَلاَثًاً وَلَيَتَعَوَّذْ مِنَ الشَّيطَانِ، فَإِنَّهَا لاَ
تَضُرُّهُ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَزَايَا بِي)). [طرفه في: ٣٢٩٢].
٦٩٩٦ - حدّثنا خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنِي الزُّبَيدِيُّ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَالَ أَبُو قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى
الحَقَّ)). تَابَعَهُ يُونُسُ وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ. [طرفه في: ٣٢٩٢].
٦٩٩٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ: حَدَّثَنِ ابْنُ الهَادِ، عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ خَبَّابِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ: سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َلَ يَقُولُ: ((مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى
الحَقَّ،َ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَكَوَّنُنِي)).

٤٤٠
كتاب التعبير
٦١٩٣ - قوله: (من رَآني في المَنَامِ، فسيراني في اليقظةِ، ولا يتمثَّلُ الشيطانُ
بي)(١)
١١ - باب رُؤْيَا اللَّيلِ
رَوَاهُ سَمُرَةُ.
٦٩٩٨ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ المِقْدَامِ العِجْلِيُّ: حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الظُّفَاوِيُّ:
حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرِّيرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ بِّهِ: ((أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الكَلِم،
وَنُصِرْتُ بِالرُّغْبِ، وَبَينَمَا أَنَا نَائِمٌّ البَارِحَةَ إِذْ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحٍ خَزَائِنِ الأَرْضِ حَتَّى وُضِعَتْ
في يَدِي)). قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَذَهَبَ رَسُولُ اللّهِ وَي﴿ وَأَنْتُمْ تَنْتَقِلُونَهَا. [طرفه في: ٢٩٧٧].
٦٩٩٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ: ((أُرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الكُعْبَةِ، فَرَأَيْتُ رَجُلاً آدَمَ،
(١) قلتُ: قال الحافظُ في ((التعبير)): زَادَ مسلمٌ مِنْ هذا الوجهِ: ((أو فَكَأَنَّما رآني في اليقظة))؛ وعند الإِسماعيلي:
((فقد رآني في اليقظة))، بدلَ قوله: ((فسيرَاني))، وعند ابن ماجه: («فكأَنَّما رآني في اليقظة)»، وجُلُّ أحاديث الباب
كلفظ ابن ماجه، إلا قوله: ((في اليقظة)). ثم ذَكَرَ أَنَّ معنى قوله: ((فسيراني في اليقظة)) عند بعضهم: فَسَيْرَى تفسير
ما رأى، لأنَّه حقٌ وغَيْبٌ ألْقَى فيه، وقيل: معناهُ فسيراني في القيامة، ولا فائدة فيه.
قلتُ: وقد مرَّ عن الشيخ أَنَّه مَضْمُونْ آخر: يَقْتَصِرُ على حياةِ النبيِّ ◌َيهِ، ومعناه أَنَّ من رَآهُ في حياتِه الطيبة، فليُرجِ
نَفْسَهُ أَنَّه سوفَ يَراهُ في اليقظة بعيني رأسه أيضاً إن شاء الله تعالى، ذَكَرَهُ الحافظُ احتمالاً. أما قوله: ((فكأنما رآني
في اليقظة))، فهو تشبية، ومعناهُ: أَنَّه لو رآه في اليقظةِ لطَابَقَ ما رَآهُ في المنام، فيكونُ الأولُ حقاً وحقيقةً، والثاني
حقاً وتمثيلاً، ثُمَّ ذَكَرَ الحافظ قُبِيلَ تنبيهٍ - في هذا البابِ - أَنَّ مَنْ رَآه على صفةٍ أو أكثر، مما يَخْتَصُ به، فقد رَآهُ،
ولو كانت سائر الصفات مخالفة، وعلى ذلك فتتفاوتُ رؤيا مَنْ رآهُ، فمن رآه على هيئتِهِ الكاملة، فرؤياه الحقُّ الذي
لا يَحْتَاجُ إلى تعبير، وعليها يَتَنَزَّل قولُه: ((فقد رأى الحق))، ومهما نَقَصَ من صِفَاتِه، فيذخُل التأويل بحسب ذلك،
ويصحُ إطلاقُ: أَنَّ كلَّ مَنْ رَآهُ في أي حالةٍ كانت من ذلك فقد رَآه حقيقةً .
ثم ذكر الحافظُ تنبيهاً مهماً جداً، قال: جَوَّزَ أهلُ التعبير رؤية الباري عز وجل في المنام مطلقاً، قال الغزالي: ليس
معنى قوله: ((رآني))، أَنَّه رأى جسْمي وبَدَني، وإِنَّما المرادُ أَنَّه رَأَى المِثَالَ، صارَ ذلك المِثَال آلةٌ يَتَأَذَّى بها المعنى
الذي في نفسي إليه، كذلك قوله: ((فسيراني في اليقظة»، ليس المرادُ أَنَّه يَرَى بَدَني وجِسْمي، قال: والآلةُ تارةً
تكونُ حقيقية، وتارةً تكونُ خَيَالِيَّة، والنّفْسُ غيرُ المِثَالِ المُتَخَيَّلِ، فلمَّا رَآهُ مِنَ الشَّكْلِ ليس هو رُوحِ المُصْطَفَى ولا
شَخْصِه بل هو مثالٌ له على الثَّحقيقِ.
قال: ومِثْلُ ذلك مَنْ يَرَى اللَّهُ سبحانَهُ وتعالى في المَنام، فإِنَّ ذاتَهُ منزَّهَةٌ عن الشَّكْلِ والصُّورَةِ، ولكن تَنْتَهي تعريفاتُه
إلى العبدِ بوَاسِطَةٍ مثالٍ مَحْسُوسٍ مِنْ نُورٍ أو غَيْرِهِ، ويكونُ ذلك المِثَالَ حقاً في كونه واسِطَةُ التَّعريفِ، فيقولُ
الرائي: رأيتُ الله في المَنامِ، لا يعني: أني رأيتُ ذاتَ اللَّهِ تعالى، كما يقولُ في غيرِه، اهـ. قلتُ: وهذا معنى
التَّجَلي على ما فضَّلْنَا لكَ مِرَارَاً عن الشَّيْخِ، فأذْرِكُهُ مِنْ كلامِ الغزّالي، فإِنَّ عبارَتَهُ أَوْفَى، وإِنْ لم تَكُن لك رغبةٌ
فيه، فانح عنَّا لا رَغْبَةَ لنا فيكَ أيضاً، ثُمَّ إِنَّ هذا مُلْتَقَطْ مِنْ كلام الحافظِ، مُلخصاً غايةَ التلخيصِ باعتبارِ الأغراضِ
التي أردتها، وقد بَسَطَها الحافظُ فيه بما لا مزيدَ عليه، فراجِعْ كلَامَهُ، فإِنَّه يحتوي على دُوَرِ النُّقُولِ، وغُرَرِ الأفْكَارِ .