Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ كتاب استتابة المرتدين مُوسَى، أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، إِلَى الْيَمَنِ)). ثُمَّ أَتْبَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيهِ أَلْقَى لَهُ وِسَادَةٌ، قَالَ: انْزِل، وَإِذَا رَّجُلٌ عِنْدَهُ مُوَثَقٌ، قَالَ: مَا هذا؟ قَالَ: كَانَ يَهُودِيّاً فَأَسْلِمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ، قَالَ: اجْلِسْ، قَالَ: لاَ أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ، ثُمَّ تَذَاكَرْنَا قِيَامَ اللَّيْلِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَرْجُو في نَوْمَتِي مَا أَرْجُو في قَوْمَتِي. [طرفه في: ٢٢٦١]. ولا تُقْتَلُ المرتدةُ عندنا خلافاً للجمهور، لعمومِ نَهْي النَّبِيِّ وَّ عَنْ قَتْلِ النِّسْوان والصبيان، نعم إن كانت تَسُبُّ النَّبِيَّ وَلَ تُقْتَلُ عندنا أيضاً، وهو المَحْمَلُ عندي فيما يُرْوَىَ مِنْ قَتْلِ المرأةِ في بعضِ المَوَاضِعِ. (﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾) [النساء: ١٣٧] ليس فيه أَنَّ الإِسلامَ لا يَقْبَلُ عنه بعد المرَّةِ الثالثةِ، لأنَّ الآيَةَ فيمَنْ صارَ أَمْرُهم إلى الكُفْرِ في الثالثة، ولم تَذْكُر أَنَّهُم رَجَعوا بعدَها إلى الإِسلام، فهذه فيمَنْ كان آخرُ أَمْرِهم الكُفْرِ، والعياذُ بالله، وأمَّا مَنْ تَابَ، وآمَنَ، وعمِلَ عملاً صالحاً، فإنَّه يَجِدُ عند اللَّهَ متاباً، وإِنَّ بَلَغَتْ ذُنُوبَهُ عَنانَ السَّمَاءِ. ٦٩٢٢ - قوله: (أُتِيَ عليٍّ(١) بِزَنَادِقَةٍ) ... إلخ، والزَّنَادِيق قيل هم: الذين يَتَعبَّدُونَ - بالزند - والقاف ملحق في المعربات؛ ثُلْتُ: والزِّنْدِيقِ مَنْ يُحَرِّفُ في معاني الأَلِفَاظِ، مع إِبْقَاءِ ألفاظِ الإِسلام كهذا اللعين في القاديان، يَدَّعِي أَنَّهُ يُؤْمِنُ بِخَتْمِ النُّبُوةِ، ثُمَّ يَخْتَرِعُ لَهُ معنىّ مِنْ عندِهِ يَصْلُحُ لهُ بعدَهُ الخَتم دليلاً على فَتْح بابِ النُّبُورةِ، فهذاً هو الزَّنْدَقَةُ حقاً، أي التغيير في المصاديق، وتبديلِ المعاني على خِلاَّفِ مَا عُرِفَتْ عند أَهْلِ الشَّرْعِ، وصَرْفِها إلى أَهْوَائِهِ مع إِبْقَاءِ اللفظِ على ظَاهِرِهِ، والعياذُ بالله. تنبيه مهم لا يسوغ الجهل عنه طرفة عين وَاعْلَمْ أَنَّ في كُتُبٍ فُقْهِنا أَنَّ مَنْ كان فيه تِسْعٌ وتسعونَ وجهاً مِنَ الكُفْرِ، وَوَجْهٌ مِنَ (١) قال الخَطَّابيُّ: قَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فيما كان مِنْ عليٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجهَهُ في أَمْرِ المُرْتَدِّين، فَرَوَى عكْرِمَة أَنَّه أَخْرَفَهُم بالنَّارِ، وَزَعَمَ بَعْضُهم أَنَّه لم يُخْرِقْهُم بِالنَّار، ولَكِنَّهُ حَفَرَ لهم أَسْرَاباً، وَدَخَّنَ عليهم، واسْتَتَابَهُم، فلم يَتُوبوا، حتى قَتَلَّهُم الدُّخَان، واحْتَجَّ أهلُ الرّوايةِ الأُولَى لقول الشاعر فيهم، أنشدنا ابنُ الأَغْرَابي عن أبي مَيْسَرة عن الحُمَيْدِي عن سُفْيَانَ بنِ عُبَيْنَةً عن بَعْضِهم في هذه القصيدةِ: الترمٍ بِي المَنَايا حيثُ شَساءَتْ إذا لم تَرْمٍ بي في الحُفْرَتَيْنِ إذا ما قَرَّبُوا حَطَباً، ونَارَاً فَذَاكَ الموتُ نّقْداً غير دَيْنِ زَعَمُوا أَنَّه حَفَرَ لهم حُفَراً، وأَشْعَلَ النَّارِ، وَأَمَرَ أَنْ يُرْمَى بهم فيها، اهـ: ص٢٩٣ - ج٣ ((معالم السنن)) وقد ذَكّرْنًا مسألة التَّخْرِيقِ فِيما مَرَّ مُفَصَّلاً. ٤٠٢ كتاب استتابة المرتدين الإِسلام، فإِنَّهُ لا يُحْكَمُ عليه بالكُفْرِ، والتبسَ ذلك على بَعْضٍ مَنْ لا دِرَايةَ لهم في الفقه، فَغَلِطُواَ في مُرَادِهِ. فَزَعَمُوا أَنَّ أحداً لو أَتَى على أَفْعَالِ الكُفْرِ عدَدَ ما ذَكَرْنَا وأَتَّى بفعلِ واحدٍ من الإِسلام، فإنَّه لا يَكْفُر، وهو باطلٌ، ليس فيه أَدْنَىَ ريبٍ وريبةٍ، كيفَ! وأَنَّ مسلماً لو أتَى بفِعْلَ مِنْ أَفْعَالِ الكُفْرِ، فإِنَّه يَكْفُر، فكيف إذا كانت جُلُّ أَفْعَالِهِ كُفْرَاً . وإِنَّما كانت مسألةُ الفُقَهاءِ في جنسِ الأَقْوال، فَتَقَلُوهُ في الأفعال، ومُرَادُهم أَنَّ أحداً منهم لو قال كلمةً احْتَمَلَت وجهاً مِنَ الإِسلام، نَحْمِلُها عليه، ولا نَحْمِلُها على أَوْجُه الكُفْرِ وإِنْ كثرت، لأَنَّا ما لم نتبين الحال، وَلم نَدْرِ أَنَّه أَرَادَ هذا الاحتمال، لا نَحْكُم عليه بالكفرِ بتلكَ الكلمة المحتملة، ولا نبادر إلى الإِكْفَارِ، أَمَّا إذا تَبيَّنَ غَيُّه من رُشْدِهِ، وانْفَصَل اللَّبَنُ عَنِ الرَّغْوَة، وحَصْحَصَ الحقُّ، وظَهَرَ الباطلُ، ولم يَبْقَ أَمْرُهُ كالأفواه، تَنَقَّلَ مِنْ بلدٍ إلى بلدٍ، بل أَعْنَ بكُفْرِهٍ على المنائِرِ والمنابرِ، وسود به الصحائف والدفاتر، فإِنَّه كافرٌ مُكَفَّر بلا رَيبٍ، ولاَ يَتَأَخَّرُ عن إِكْفَارِهِ إلا مُصَابٌ أو مجهولٌ ولو كان معنى كلامِهم ما فهموه، لما سَاغَ حُكْمُ الكُفْرِ على أحدٍ أَبَدَ الذَّهْرِ، ومَنْ يَعْجَزُ عن إخْرَاج احتمالٍ ضعيفٍ. وهذا مسيلمة الكذَّاب، قد كان يَشْهَدُ بنبوةِ سيدنا ونبينا محمدٍ بَيِّ، إلاَّ أَنَّهُ كان يُحبُ أَنْ يَشْتَرِكَ معه في الأمر، فهل أَنْقَذَهُ ذلك مِنَ الكُفْرِ وَالضَّلالِ، فليَتَنَبَّه العلماءُ لهذه الدَّقِيقةِ، ولا يَتَأَخِرُوا في مثلِ هذه المحال، ولْيَخْشَ العزيز الجبار، فإِنَّه شديدُ المَحال. ٣ - باب قَتْلِ مَنْ أَبِى قَبُولَ الفَرَائِضِ وَمَا نُسِبُوا إِلَى الرِّدَّةِ ٦٩٢٤ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَّ النَّبِيُّ ◌َِّ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرِ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْغَرَبِ، قَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيفَ تُقَّاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَّهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لاَ إِلَّهَ إِلَّ اللَّهُ، عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللّهِ). [طرفه في: ١٣٩٩]. ٦٩٢٥ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لأُقاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَّقاً كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللّهِ نَّهَ لَقَاتَلتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ رَأَيتُ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلِتَالِ، فَعَرَفتُ أَنَّهُ الحَقُّ . [طرفه في: ١٤٠٠]. يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بكلمةِ الإِسلام، وأَنْكَرَ فرائِضَهُ، فإِنَّه كافرٌ ما لم يُؤْمِنْ بالدِّين كُلِّه، وإِنَّما بَوَّبَ بتلكَ المسألةِ إِذَاحَةً لِمَاَ عَسَى أَنْ يَخْتَلِجَ مِنَ التَّرَدُدِ في الحُكْمِ بالكُفْرِ، مع إِقْرَارِهِ بالإِسلامِ. ٤٠٣ كتاب استتابة المرتدين ٤ - بابٌ إِذَا عَرَّضَ الذِّمِّيُّ وَغَيرُهُ بِسَبِّ النَّبِيِّ ◌َّهِ وَلَمْ يُصَرِّخْ، نَحْوَ قَوْلِهِ: السَّامُ عَلَيكَ ٦٩٢٦ - حدّثنا محمَّدُ بْنُ مُقَاتِلِ أَبُو الحَسَنِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ وَلَفَقَالَ: السَّامُّ عَلَيكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ له: ((وَعَلَيْكَ)). فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َ: (أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ؟ قَالَ السَّامُ عَلَيكَ)). قالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ نَقْتُلُهُ؟ قَالَ: ((لاَ، إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الكِتَابِ، فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ)). [طرفه في: ٦٢٥٨]. ٦٩٢٧ - حدّثنا أَبُو نُعَيم، عَنِ ابْنِ عُيَينَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ رَهْطُ مِنَ الْيَهُوَدِ عَلَى النَّبِيِّ بَّهِ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيكَ، فَقُلْتُ: بَل عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ: ((يَا عَائِشَةُ، إِن اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ في الأَمْرِ كُلِّه)). قُلتُ: أَوَ لَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: ((قُلتُ: وَعَلَيْكُمْ)). [طرفه في: ٢٩٣٥]. ٦٩٢٨ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ ومَالِكِ بْنِ أَنَسٍ قالاً: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: قَالِّ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: ((إِنَّ الَهُودَ إِذَا سَلَّمُوا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنَّمَا يَقُولُونَ: سَامٌ عَلَيكَ، فَقُل: عَلَيكَ)). [طرفه في: ٦٢٥٧]. ٥ باب ٦٩٢٩ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفص: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ وَّهُ يَحْكِي نَبِيّاً مِنَ الأَنْبِيَاءِ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، فَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: (رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)). [طرفه في: ٣٤٧٧]. ٦ - باب قَتْلِ الخَوَارِجِ وَالمُلحِدِينَ بَعْدَ إِقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيهِمْ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَهُمْ حَتَّى يُبَيِنَ لَهُم مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَاهُمْ شِرَارَ خَلقِ اللَّهِ، وَقَالَ: إِنَّهُمُ انْطَلَقُوا إِلَى آيَاتٍ نَزَلَتْ في الكُفَّارِ، فَجَعَلُوهَا عَلَى المُؤْمِنِينَ. ٦٩٣٠ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفصِ بْنِ غِيَاثٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ: حَدَّثَنَا خَيْثَمَةُ: حَدَّثَنَا سُوَيِدُ بْنُ غَفَلَةَ: قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ◌ُِّ حَدِيثاً، فَوَاللَّهِ لأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ، أَحَبُّ إِلَّيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيهِ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَينَكُمْ، فَإِنَّ الحَرْبَ خِدْعَةٌ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((سَيَخْرُجُ قَوْمٌ في ٤٠٤ كتاب استتابة المرتدين آخِرِ الزَّمَانِ، حُدَّاثُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيرٍ قَوْلِ البَرِيَّةِ، لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَتَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمَّرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَأَينَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْراً لِمَنْ قَتَلَّهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ)). [طرفه في: ٣٦١١]. ٦٩٣١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّهُمَا أَتَيَا أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، فَسَأَلاَهُ عَنِ الحَرُورِيَّةِ: أَسَمِعْتَ النَّبِيَّ وََّ؟ قَالَ: لاَّ أَدْرِيَ مَا الحَرُورِيَّةُ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ يَقُولُ: ((يَخْرُجُ في هذهِ الأُمَّةِ - وَلَّمْ يَقُل مِنْهَا - قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ، يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ، أَوْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَيَنْظُرُ الرَّامِي إِلَى سَهْمِهِ، إِلَى نَصْلِهِ، إِلَى رِصَافِهِ، فَيَتَمَارَى في الفُوقَةِ، هَل عَلِقَ بِهَا مِنَ الدَّمِ شَيءٌ)). [طرفه في: ٣٣٤٤]. ٦٩٣٢ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ سُلَيمَانَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ: أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَذَكَرَ الحَرُورِيَّةَ، فَقَالَ: قُّالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ)). وكان مالك يُفْتي الخَوارِجِ والمُلحِدُون: هم الذين يُؤولونَ في ضروريات الدين، الإِجْرَاءِ أَهْوَائِهم. - قوله: (إقامة الحُجَّةِ عليهم) أي بَعْدَ تَبْلِيغِهم. - قوله: (فَجَعَلُوهَا على المُؤْمِنِينَ) وهذا كحَالِ المُذَّعِينَ العَملَ بالحديثِ في دِیَارِنا، فإِنَّ كل آيَاتٍ نَزَلتْ في حق الكُفَّار، فإِنَّهم يَجْعَلُونَها في حَقِّ المُقَلِّدِين، سِيما الحَنَفَية، كَثُّرَ الله تعالى حِزْبَهم، وقد رَأَيْنَا بعض هذا في كلام الحافظ ابنِ تيمية أيضاً، ولَيْس أَحَدٌ يتجاوزُ عن حَدِّ الاعتِدَالِ إلا يَضْطَرُ إلى الاقتحَام في مِثْلِه، فليُحْتَرَزْ عن الإِفْرَاطِ والتَّغْرِيطِ، وليحل حول حمى الحق. فإِنَّ النَّبِيَّ وََّ قَال: ((سَدِّدُوا وقارِبوا)). ألا تَرى أَنَّ الأَشْعَرِيَّ لمَّا بَالغَ في التنزيه وشَدَّدَ فيه، لَزِمَهُ نفي كثيرٍ مِنَ الصِّفاتِ التي أَثْبَتَها السَّمْعُ حتى قارَن المُعَطّلة، فلم يَبْقَ للاستواءِ المَنْصُوصِ عِنْدَهُ مصداق، وصارَ نحو ذلك كُلُّهُ مِنْ بابِ المُجَازَاتِ عِنْدَهُ، فالقُرْآنُ يَأْبَى عمَّا يُرِيدُهُ الأشعري من تنزيههِ هذا تباركَ وتعالى؛ وقدَ نَقَلْنَا لك فيما أَسْلَفْنَا أَنَّا لم نَجِدْ تعبيراً في القرآن أَزْيَد إِيهاماً مِنْ قوله تعالى: ﴿إني أنا الله﴾ ومِنْ قولِهِ: ﴿بُورِكَ مَن فِ النَّارِ﴾ [النمل: ٨] وكان ذلك مسموعاً مِنَ النارِ، فالأشعري يزعمه خلاف التنزيه . قلتُ: فعليه أَنْ يَكْرَهَ هذا التعبيرَ أيضاً، ولكنَّ القرآن قد أَتَى به، ولم يُبَالِ بذلكَ الإيهام، ولا رَآهُ مخالِفاً للتنزيهِ، وذلك لأَنَّ إِيهام الظرفية هُهنا كالعَدَم، فإِنَّه لا يَجْعلُ ٤٠٥ كتاب استتابة المرتدين الشجرةَ إلهاً إلا مصابٌ، أو مجنونٌ، فلم يَكُنْ فيه محلُ ريبٍ، وكان بديهياً أَنَّ هناك أَمْرٌ غيبي، وليس المُتَكَلمُ هو الشَّجَرةُ حقيقةً؛ وبالجملةِ قد ثبت إسنادُ كثيرٍ من الأشياءِ في السَّمْع، ولا يَرْضَى الأشعريُّ إلا بقَطْعِها عنِ اللَّهِ تعالى، مع أَنَّ القرآنَ على ما يَظْهر لا يَسلكَ مَسْلَكَ تلكَ التنزيهاتَ العَقْلِيةِ، وعلى نِقَاضَتِهِ الحافظُ ابنُ تيمية، فإِنَّه لمَّا بالغ في إثباتِها، وشدَّد فيه قاربَ المُشَبِّهةَ في التعبيرِ، فهذا حالُ التَّجَاوز عن الحدودِ، ومنٌ أَتَّى عليه لا يَخْلصُ عن العدولِ عن الصَّوابِ. والفَصْلُ في تلك الأسانيد عندي، أَنَّها تُتْرَكُ على ظاهرِها إذا لم تَكُن موهمةٌ مَغْلَطة، كحالِ الشجرة، فإنَّه يُسْتَحمقُ مَنْ يَدَّعي كونَ تلكَ الشجرة إلهاً، مع إِذْعَانِهِ أَنَّها كانت شجرة كسائرِ الأشجار، قَبْلَ تَكلُّمِها بالكلام الذي كلمته الآن، فهل هُهنا مَغْلَطة بكونِها إِلَهاً بَعْدَ التكلم بتلكَ الكلمة، وإِذَا كان بُطلَانُه مِنْ أَجْلَى البديهاتِ، يُتْرَكِ القُرآنُ في مثله على ظاهِرِهِ، وأَمَّا إذا كان غيرَ ذلك، فغير ذلك، والعياذُ بالله مِنَ الزيغِ والإِلحادِ . وبالجملةِ قولوا: إِنَّ اللَّهَ تعالى ليسَ كمثلِهِ شيءٌ، واكتَفُوا بهذا القدرِ مِنَ التنزِيهِ، ولا تَحْكُموا على اللَّهِ بِشيءٍ مِنْ عند أَنْفُسِكُم، وبعدَ ذلك أَسْنِدُوا إليه كلَّ ما هو مسندٌ إليه في نفس كلامِهِ، ولا تَخَافُوا، ولا تَحْزَنوا، أَليس أهلُ العُرفِ قد يَحْذِفُون الوسائِطَ في بعضِ المَواضِعِ، ويُسْنِدون الفعل إلى ما ليس بفاعلٍ له، ولا يعدون ذلك شيئاً له، كقولهِم: بَنَى الأميرُ المدينةَ، وهزمَ الأميرُ الجُندَ، مَعَ أَنَّهُ معلومٌ أَنَّ البِنَاءَ لم يُسْنَدْ إلا إلى البَاني حقيقةً، والأميرُ ليسَ بِبَاني، غيرَ أَنَّهُ لمَّا كان آمِرَاً ومُسَبِبَاً حَلَّ مَحلَّ الباني، وأُسْنِد إليه ما يُسْنَدُ إلى البَاني، فهكذا حالُ الأسانيدِ التي وَرَدَت في السمع، فليتْرُكُهَا على ظواهِرِها، كما وَرَدَتْ في النَّصِ مُسْنَدَةً، والأشعريُ يَنْفِيهَا أيضاً، وأمَّا الحافظُ ابنُ تيمية فَحَقَّقَهَا في الخارج حتى قَارَبَ التَّشْبِيه، كما كُنْتُ سَمِعْتُ مِنْ حالِهِ، أَنَّهُ كان جالساً على المِنْبَرِ، فَسَأَلَهُ سائِلٌ عن نُزُولِهِ تعالى، فَنَزَلَ ابنُ تيمية إلى الدَّرَجةِ الثانيةِ، فقال: مَكَذَا النُّزُولَ، فَحقَّقَهُ في الخَارِجِ، وبالَغَ فيه، حتى أَوْهَم كلامُهُ التَّشْبِيه. والصَّوابُ إِنْ شاء الله تعالى ما ذَكَرْنَا(١) . ٦٩٣١ - قوله: (يَخْرُجُ في هذه الأُمَّةِ - ولم يَقُلْ منها - قومٌ) أي لمَّا وَصَفَ النَّبِيُّ ◌َهُ الخَوارِجَ، لم يَقُل في حقهم: يَخْرُجُ مِنْ هذه الأمةِ قومٌ سِمَاتُهم كذا، بل قال: ((في هذه الأمة)) وبينهما فَرْقٌ، فإنَّ قولَهُ وََّ: من هذه الأمة، يَدُلُّ على كَوْنِهِم مِنْ أَفْرَادِ هذه الأمة (١) قلتُ: وسَمِعْتُ مِنَ الشَّيخِ أَنَّ ابناً للإِمام أحمد، كان يشرحُ قولَهِوَ له: ((قلوبُ بني آدم بين إصبعي الرَّحْمن)) - أو كما قال - فَأَشَارَ بِإِصَبَعيه، يُصَوِّرُه، فَكَرِهَهُ أحمد، ولم يُحب تلكَ الإِشَارة عند ذِكْرٍ أَصَابِعِ الرَّحمْنِ، فإِنَّها توهمُ التَّشْبِيه، واللَّهُ تعالى أعلم بالصَّواب. ٤٠٦ كتاب استتابة المرتدين أَوّلاً ثُمَّ تحولُهم إلى ما صاروا إليه، بخلاف الثاني، فإنَّه لا دَلالةَ فيه على كونِهِم مِنْ هذه الأمةِ في أَوَّلِ أَمْرِهم أيضاً . ٧ - باب مَنْ تَرَكَ قِتَالَ الخَوَارِجِ لِلتَّأَلُّفِ، وَأَنْ لاَ يَنْفِرَ النَّاسُ عَنْهُ ٦٩٣٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحمَّدٍ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ◌َّهُ يَقْسِمُ، جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذِي الخوَيصِرَةِ التَّمِيمِيُّ فَقَالَ: اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: ((وَيَلَكَ مَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِل)). قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّاب: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ، قَالَ: دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَاباً، يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِ، يَمْرُفُونَ مِنَ الدِّينِ كِمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنْظُرُ في قُذَذِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي نَصْلِهِ فَلا يُوَجَدُ فِيهِ شَيءٌ، ثُمَّ يُنْظُرُ فِي رِصَافِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي نَضِيُّهِ فَلاَ يوجَدُ فِيهِ شَيءٌ، قَدْ سَبَقَ الفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ إِحْدَى يَدِيهِ، أَوْ قَالَ: ثَذْيَيهِ، مِثْلُ ثَدْي المَرْأَةِ، أَوْ قَالَ: مِثْلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، يَخْرُجُونَ عَلَى حِينٍ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ)). قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ سَمِعْتُ مِنَ النَّبِّ وَِّ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيّاً قَتَلَهُمْ، وَأَنَّا مَعَهُ، جِيءَ بِالرَّجُلِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَهُ النَّبِيُّ ◌ََّ، قَالَ: فَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَتِ﴾ [التوبة: ٥٨]. [طرفه في: ٣٣٤٤]. ٦٩٣٤ - حدّثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ: حدَّثَنَا الشَّيبَانِيُّ: حَدَّثَنَا يُسَيرُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: قُلْتُ لِسَهْلِ بْنِ حُنَيفٍ: هَل سَمِعْتَ النَّبِيَّ نَّهَ يَقُولُ في الخَوَارِجِ شَيئاً؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ، وَأَهْوَىَ بِيَدِهِ قِبَلَ العِرَاقِ: ((يَخْرُجُ مِنْهُ قَوْمٌ يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ، لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ». أَرَادَ منه البُخاري التنبيه على بيانِ التوجيه لعدم قتل ذي الخُوَيْصِرَة رأسِ الخَوارِج، فَذِكْرُهُ له تَأْوِيلاً، وهذا البابُ مخصوصٌ بالأنبياءِ عليهم السّلامِ، لا يجوزُ العملُ به لِغَيْرِهِم، فانْتَهَى بانتهائِهم، وقد بَسَطْنَاهُ مِنْ قَبْل. ٨ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ وَجَ: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِئَتَانِ، دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ)) ٦٩٣٥ - حدّثنا عَلِيٌّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وََّ: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانٍ، دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ)). [طرفه في: ٨٥]. ٩ - باب مَا جَاءَ في المتَأَوِّلِينَ ٦٩٣٦ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ اللَّيثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قال: ٤٠٧ كتاب استتابة المرتدين أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ: أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ عَبْدِ القَارِيَّ أَخْبَرَاهُ: أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الخَّطابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيم يقْرَأْ سُورَةَ الفُرْقَانِ فِي حَياةٍ رَسُولِ اللَّهِ وَه، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَؤُهَا عَلَى حُرُّوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِتْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ وَيَ كَذلِكَ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ في الصَّلاَةِ، فَانْتَظَرْتُهُ حَتَّى سَلَّمَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ أَوْ بِردَائِي، فَقُلتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هذهِ السُّوْرَةَ؟ قَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَِّ، قُلْتُ لَهُ: كَذَبْتَ، فَوَاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ أَقْرَأَنِي هِذِهِ السُّوَرَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَؤُهَا، فَانْطَلَقْتُ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَه فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي سَمِعْتُ هذا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِتْنِيهَا، وَأَنْتَ أَقْرَأْتَنِي سُورَةَ الفُرْقَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَيّ: ((أَرْسِلُهُ يَا عُمَرُ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ)). فَقَرَأَ عَلَيهِ القِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَؤُهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((هَكَذَا أُنْزِلَتْ)) ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((اقْرَأْ يَا عُمَرُ)). فَقَرَأْتُ، فَقَالَ: ((هَكَذَا أُنْزِلَتْ)). ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ هذا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسّرَ مِنْهُ)). [طرفه في: ٢٤١٩]. ٦٩٣٧ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ (ح). حَدَّثَنَا يَحْيَى: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هذهِ الأَيَةُ: ﴿ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيَمْنَهُم بِظُلْمٍ ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َّةِ، وَقالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَجْهِ: ((لَيسَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كمَا قَالَ لُقْمَانُ لإِبْنِهِ: ﴿يَبُنَّ لَا تُشْرِكِ بِالَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾)) [لقمان: ١٣]. [طرفه في: ٣٢]. ٦٩٣٨ - حدّثنا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيع قَالَ: سَمِعْتُ عِثْبَانَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: غَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَّا: ذلِكَ مُنَافِقٌ، لاَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((أَلاَ تَقُولُوهُ؛ يَقُوَّلُ لاَ إِلهَ إِلَّ اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذلِكَ وَجْهَ اللَّهِ)). قَالَ: بَلَى، قَالَ: (فَإِنَّهُ لاَ يُوَافِي عَبْدٌ يَوْمَ القِيَامَةِ بِهِ، إِلَّ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ النَّارَ)). [طرفه في: ٤٢٤]. ٦٩٣٩ - حدّثنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَينٍ، عَنْ فُلاَنٍ قَالَ: تَنَازَعَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمُنِ وَحِبَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمُنِ لحِبَّانَ: لَقَدْ عَلِمْتُ الَّذِي جَرَّأَ صَاحِبَكَ عَلَى الدَّمَاءِ - يَعْنِي عَلِيّاً - قَالَ: مَا هُوَ لاَ أَبَا لَكَ؟ قَالَ: شَيءٌ سَمِعْتُهُ يَقُولُهُ، قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ وَالزُّبَيرَ وَأَبَا مَرْئَدٍ، وَكُلُّنَا فَارِسٌ، قَالَ: ((انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ حاجٍ - قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: هَكَذَا قَالَ أَبُو عَوَانَةَ: حاج - فَإِنَّ فِيهَا امْرَأَةً مَعَهَا صَحِيفَةٌ مِنْ حَاطِبٍ بْنِّ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى المُشْرِكِينَ، فَأُتُونِي بِهَا))، فَانْطَلَقْنَا عَلَى أَفرَاسِنَا حَتَّى أَدْرَكْنَاهَا حَيثُ قَالَ لَّنَا رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ، تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، وَكَانَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ بِمَسِيرِ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ إِلَيهِمْ، فَقُلنَا: أَينَ الكِتَابِ الَّذِيَّ مَعَكِ؟ قَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ، ٤٠٨ كتاب استتابة المرتدين فَأَنَخْنَا بِهَا بَعِيرَهَا، فَابْتَغَيْنَا فِي رَحْلِهَا فَمَا وَجَدْنَا شَيْئاً، فَقَالَ صَاحِبِي: مَا نَرَى مَعَها كِتَاباً، قَالَ: فَقُّلتُ: لَقَدْ عَلِمْنَا مَا كَذَبَ رَسُولُ اللّهِ بَه، ثمَّ حَلَفَ عَلِيٍّ: وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، لَتُخْرِجِنَّ الكِتَابَ أَوْ لِأُجَرِّدَنَّكِ، فَأَهْوَتْ إِلَى حُجْزَتِهَا، وَهيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ، فَأَخْرَجَتِ الصَّحِيفَةَ، فَأَتَوْا بِهَا رَسُولَ اللَّهِ بَّهِ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، دَعْنِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يَا حاطِبُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟)). قَالَ: يَا رَسُوَّلَ اللَّهِ، مَا لِي أَنْ لاَ أَكُونَ مُؤْمِناً بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ وَلكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ القَوْمِ يَدِ يُدْفَعُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي، وَلَيْسَ مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلَّ لَهُ هُنَالِكَ مِنْ قَوْمِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، قَالَ: ((صَدَقَ، لاَ تَقُولُوا لَهُ إِلَّ خَيراً)). قَالَ: فَعَادَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، دَعْنِي فَلَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، قَالَ: ((أَوَلَيسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟ وَمَا يُدْرِيكَ، لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ أَوْجَبْتُ لَكُمُ الجَنَّةَ)). فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: خَاخِ أَصَحُّ؛ ولكنْ كذلك قَالَ أَبُو عَوَانَةَ: حَاجٍ، وحَاجٌ تَصْحِيفٌ، وهُوَ مَوْضِعٌ؛ وهُشَيمٌ يَقُولُ: خَاخِ. [طرفه في: ٣٠٠٧]. يعني أَنَّ مَنْ سَبَقَ على لسانِهِ كلمةً الكفر بمنشأ صحيح، فإِنَّهُ لا يُكْفَر، كما أُنْكَر عمرُ قراءةَ هِشام بن حَكِيم - سورة الفرقان - حينَ سَمِعَهُ يَقْرَؤُها على غيرِ ما أَقْرَأَها النَّبِيِ نَّه عُمرَ، ولكنَّه كان بمنشأ صحيح، فلم يَعْبَأُ به، وكذا رَمَى عمر صحابياً مُخْلِصَاً بالنِّفاق، كما في هذا البابِ، ولكنَّهُ أيضاً كان بمنشأ صحيح، وذلك لِكَثْرَةِ مجالسةِ هذا الصحابي الكُفَّار. قلتُ: وممَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَم أَنَّ التأويلَ إِنَّما يُقْبَلُ في غيرِ ضَرُورِيَّات الدِّين، أَمَّا في ضَرُورِيَّاتِ الدِّين فلا يُسْمَع، ومن أَرَادَ التفصيلَ، فَلْيَرْجِع إلى رسالتِنا في هذا المَوْضِعِ ((إِْفَارُ المُلْحِدِينَ، في شيءٍ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّين)). بِسْمِ اللَّهِ الرََّى الرَّحـ ٩٠ - كِتَاب الإِكْرَاه وقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَئِنُّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النَّخْل: ١٠٦]. وَقَالَ: ﴿إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، وَهيَ تَقِيَّةٌ. وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَُّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِىِ الْأَرْضَِّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٧، ٩٩] ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْرِجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَنِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجُنَا مِنْ هَذِهِ اْقَرْيَةِ الظَّالِ أَهْلُهَا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَُّنكَ وَلِيًّا وَأَجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥] فَعَذَرَ اللَّهُ المسْتَضْعَفِينَ الذِينَ لاَ يَمْتَنِعُونَ مِنْ تَرْكِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَالمُكْرَهُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ مُسْتَضْعَفاً، غَيرَ مُمْتَنِعٍ مِنْ فِعْلِ مَا أُمِرَ بِهِ. وَقَالَ الحَسَنُ: التَّقِيَّةُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَنْ يُكْرِّهُهُ اللُّصُوَصُ فَيُطَلِّقُ: لَيسَ بِشَيءٍ. وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيرِ وَالشَّعْبِيُّ وَالحَسَنُ. وَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((الأعْمَالُ بِالنِّيَّةِ)). ٦٩٤٠ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ، عَنْ هِلاَلٍ بْنِ أُسَامَةَ: أَنَّ أَبًّا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ أَخَبَرَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً: أَنَّ النّبِيَّ ◌ََّ كَانَ يَدْعَوَ فِي الصَّلاَةِ: ((اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِ رَبِيعَةً، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامِ، وَالْوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أَنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَّ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَظْأَتَكَ عَلَى مُضَرِّ، وَابْعَثْ عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يَوَسُفَ)). [طرفه في: ٧٩٧]. واعلم أَنَّ الإِمامَ البُخاري شدَّدَ الكلامَ في هذا البابِ علىِ الإِمام أبي حنيفةً النُّعمان، وكذا في كتابِ الحِيَل، ووجْهُ ذلك: أَنَّ البخارِيَّ لَم يَتَعَلَّم فِقْهَ الحنفيةِ حقَّ التَّعَلُّم، وإِنْ نُقِلَ عنهُ أَنَّه رَأَىَ فِقْهَ الحنفية، لكن ما يَتَرَشَّحِ مِنْ كِتَابِهِ هو أنه لم يُحَقِّقْ فُقْهَنا، ولم يَبْلُغْهُ إلا شَذَرَاتٍ منه، وهذا الذي دَعاهُ إلى ما أَتَى عليه في هذا الباب، ولو دَرَىَ ما الإِكراهُ في فُقْهِنَا لَمَا أَوْرَدَ علينا شيئاً. وجملةُ الكلام فيه، أَنَّ الإِْرَاهَ عندنا لا يَتُمُّ إلا بتَهْدِيدِ إيقَاعِ الفِعْلِ المُهَدَّدِ به على ذاته، أو أَظْرَافِهِ، أوَ القَرِيبِ مِنْ أَقَارِبِهِ، فإِنْ سَابَّهُ أو هَذَّدَهُ بإيقاعَ الفعْلِ على غَيْرِهِ، لا يكونُ مَكْرَهاً، فإِنْ قال لَهُ: اشرَبِ الخَمْرَ وإلا أَقْتُلُ زيداً، لا يكون مكرهاً، وإِنْ وَجَبَ ٤٠٩ ٤١٠ كتاب الإكراه عليه أَنْ يَشْرَبَ الخَمْرَ، وذلك لأنَّ حَقْنَ دَم امْرِىءٍ، مُسْلِمٍ فَرِيضة، ولَكِنَّهُ بابٌ آخر، والبخاريُّ لمَّا عدَّ كله مِنْ وَادٍ واحِدٍ، فَجَعَلَ الإِكْرَاهِ على نفسِهِ وَأقارِبه، والإِكْرَاهَ على الغيرِ، والبعيد مِنْ أقارِبِهِ، والتَّسَابُب كُلَّه مِنْ بابٍ واحدٍ، فَوَقع فيما وَقَعَ، ولو تَنَّه على هذا الفَرْقِ لَمَا تَقَدَّمَ إلى مِثْلِ هذِهِ الإِيرَادَاتِ. وَرَاجِعِ أَقْسَامَ الإِكْرَاهِ، وأحكامِهِ مِنَ «الهِدَايةِ». - قوله: (﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَبِنٌّ ◌ِاْإِيمَانِ﴾ [النمل: ١٠٦]) وهذا الإِكْرَاهُ بِإِجْرَاءِ كلمةِ الكُفْرِ، ثُمَّ إِنَّ في فُقْهِنَا تفصيلاً بأَنَّ فِعْلَ المُكْرَه عليه قَدْ يَكُونُ عزيمةٌ، وقد يكونُ رخصةٌ، فالعزيمةُ في مسألةِ إِجْرَاءِ كلمةُ الكُفْرِ أَنْ يَمْتَنِعَ عنه، ويَسْمَحَ بنفْسِهِ، والأَوْلَى في شُرْبِ الخَمْرِ أَنْ يَشْرَبَهُ، ويُنْقِذَ نَفْسَهُ، وذلك لأنَّ حُرْمَةً إِجْرَاءِ كلمةِ الْكُفْرِ بَدِيهي، ولم تَزِلْ تلكَ الكلمةُ حَرَامًا مِنْ لَدُنْ آدَمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى يومِنَا، بخلافٍ شرب الخمرِ فإنَّه وإِنْ كان حَرَاماً أيضاً، إلا أَنَّه كان حلالاً في زمانٍ، ثم نُسخ، فسُومِحَ فيه بشربِ الخَمْرِ عندَ الإِكْرَاهِ. - قوله: (والمُكْرَهُ لا يَكُونُ إلَّ مُسْتَضْعَفاً) ... إلخ، وهذه مقدمةٌ للتنبيهِ على أَنَّ المُكْرَه - بالفتح - ليس إلا من ضعَّفَه المكرِه - بالكسر -. - قوله: (وقال الحَسَنُ) ... إلخ، يريدُ أَنَّ تَحْصيلَ الثُّقَاة باقٍ إلى يومِ القيامةِ، وليس مختصاً بعهدِ النَّبِيِّ ◌َلِّر. - قوله: (وقال ابنُ عبَّاسٍ، فِيمَنْ يُكْرِهُهُ اللُّصُوصُ، فَيُطَلِّقُ: لَيْسَ بِشَيْءٍ) قلنا: إِنَّ طلاق المُكْره واقعٌ، فإِنَّ الإِكْرَاهِ يَعْدِمُ الرِّضاء دُونَ الاخْتِيَار. - قوله: (وبه قال ابنُ عُمَرَ) ... إلخ، قلنا: قَدْ ذَهَبَ غيرُ واحدٍ مِنَ العلماءِ إلى ما ذَهَبَ إليه الإِمامُ الهُمامُ أيضاً(١) . - قوله: (الأعمالُ بالنِّيَّةِ) وقد بَسَطْنَا الكلامَ فيه في أَوَّلِ الكتابِ، وأَنَّه لا تَعلقَ له بموضِعِ النَّاعِ. ١ - باب مَنِ اخْتَارَ الضَّرْبَ وَالقَتْلَ وَالهَوَانَ عَلَى الكُفرِ ٦٩٤١ - حدّثنا محمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْشَبِ الطَّائِفِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَنسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: ((ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُوَّنَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ (١) وفي - ((البِنَايةِ - وعمدة القاري: ((أَنَّ مَذْهَبَنَا مذهب عمر، وعليٍّ، وعبد الله بن عمر، وبه قال الشَّعْبيُّ، وابنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعي، والزُّهْرِي، وسعيدُ بنُ المسَيَّب، وشُرَيْحِ القاضي، وأبو قِلابَةَ، وقَتَادَةُ، والثوريُّ رحمهُ الله تعالى عليهم أجمعين، وقدْ ذَكَرْنَاهُ فيما مَرَّ مَبْسُوطًاً . ٤١١ كتاب الإكراه يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ في الكُفرِ، كمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ)). [طرفه في: ١٦]. ٦٩٤٢ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيمَانَ: حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، عَنْ إِسْماعِيلَ: سَمِعْتُ قَيساً سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيدٍ يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيتُنِي، وَإِنَّ عُمَرَ مُوثِقِي عَلَى الإِسْلاَمِ، وَلَوِ انْقَضَّ أُحُدٌ مِمَّا فَعَلْتُمْ بِعُثْمَانَ، كَانَ مَحْقُوقاً أَنْ يَنْقَضَّ. [طرفه في: ٣٨٦٢]. ٦٩٤٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحيى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا قَيْسٌ، عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّةِ، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ في ظِلِّ الكَعْبَةِ، فَقُلنَا: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلاَ تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: ((قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ في الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالمِيشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَينٍ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذا الأَمْرُ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِب مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ، وَالذِّتْبَ عَلَى غَنْمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ)). [طرفه في: ٣٦١٢]. أي مَنْ أُكْرِهَ على الكُفْرِ، فَأَبَى عنه، واختارَ هذه الأشياء، وتَحَمَّلَ التأذي، وبهِ نقول . ٢ - بابٌ في بَيعِ المُكْرَهِ وَنَحْوِهِ، في الحَقِّ وَغَيرِهِ ٦٩٤٤ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَينَمَا نَحْنُ في المَسْجِدِ إِذْ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ فَقَالَ: ((انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ)). فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الِمِدْرَاسِ، فَقَامَ النَّبِيُّ ◌َ فَنَادَاهُمْ: ((يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا)). فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا القَاسِمِ، فَقَالَ: ((ذلِكَ أُرِيدُ)). ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا القَاسِمِ، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: ((اعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ، فَمَنْ وَّجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيئاً فَلَيَبِعْهُ، وَإِلَّ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا الأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ)). [طرفه في: ٣١٦٧]. وبيع المُكْرَه موقوفٌ عندنا، بخلافِ الطَّلاقِ، لأنَّهُ مِنَ الإِسقَاطَاتِ، والبيعُ مِنَ الإِثْبَاتَاتِ،َ فَيَتَوَقف . - قوله: (ونَحْوِهِ) وفَسَّرَهُ العَيْنِي بالمُضْطَرِ، لَيَعُمَّ الإِكْرَاهَ الفِقهي وغيرِهِ، كالبيع في أيام القَحْطِ، فإِنَّ النَّاسَ يَتبايَعُونَ فيها بالغَبْنِ الفَّاحِشْ، ولا يُسَمَّى ذلك إِكْرَاهَاً فِقْهياً، فهو إِذَنَ بيعُ المُضْطَرِ، ولا بُدَّ مِنْ مُرَاجَعِةٍ كُتبِ الفِقْه لحكْم مثلِ هذه البُيوع، فإِنَّ عامةً ما يُوجَدُ فيها حُكْمُ الغَبنِ الفَاحِشِ، أَمَّا أَمْثَال تلك البُيوع ما حُكمَهَا؟ فلم أَرَه فَلْيفتَّش. - قوله: (في الحَقِّ) أي إِنَّ الإِكْرَاه وإِنْ تحقق، لكِنْ المكْرِه - بالكسر - كان فيه على الحقِّ، كما أَنَّ النَّبيَّ وَّرَ أَكْرَه اليهودَ على الجَلاءِ، وكان على الحقِّ في ذلك. ٤١٢ كتاب الإكراه قلتُ: وهذا ليس إِكْرَاهَاً فِقْهاً، فإِنَّه تحقق لو كان النَّبِيُّ ◌َِّ هَذَّدَهُم بِقَتْلِ أَنْفُسِهم، أو بِقَطْعِ عضوهم، وإِذْ ليس، فليس. - قوله: (وغَيْرِهِ) أَي إنَّ الإِكْرَاه قد يكونُ على غيرِ الحقِّ أيضاً. ٣ - بابٌ لاَ يَجُوزُ نِكَاحُ المُكْرَهِ ﴿ وَلَا تُكْرِهُواْ فَيَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدَنَ تَحَضُّنَا ◌ِبَغُواْ عَرَضَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِهُِنَّ فَإِنَّ اللَّهُ مِنْ بَعْدٍ إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣]. ٦٩٤٥ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ القَاسِم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ وَمُجَمِّع ابْنَي يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَام الأَنْصَارِيَّةِ: أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهَيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذلِكَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ وََّ فَرَدَّ نِكَاحَهَا. [طرفه في: ٥١٣٨]. ٦٩٤٦ - حدّثنا محمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو، وَهُوَ ذَكْوَانُ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنَّهَا قَالَتْ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يُسْتَأْمَرُ النِّسَاءُ في أَبْضَاعِهِنَّ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)). قُلتُ: فإِنَّ الِكْرَ تُسْتَأْمَرُ فَتَسْتَحْسِي فَتَسْكُتُ؟ قَالَ: ((سُكَاتُها إِذْنُهَا» . والإِكْرَاه على النِّكَاحِ بأَنْ يُهدِّدَهُ بالنَّفْسِ، أوِ العُضْوِ، إِلا أَنْ يَتَكَلَّم بالإِيجابِ أو القَبُولِ؛ وحينئذٍ حديثُ خَنَّسَاءَ في غيرِ مَحِله، فإِنَّ أباها كان زَوَّجَها بعبَارَتِه، ولم يَكُنْ أَكْرَهَها على الإِيجاب والقَبُولِ، وليسَت وِلاَيَةُ الإِجْبَارِ مِنْ بابِ الإِكراه في شيءٍ، فإِنَّ مَعْنَاها نفاذُ القَوْلِ عليها بدونِ رِضَاها، وليس معناها أَنْ يَضْرِبَها الأبُ أَو الوليُّ، فَيُجْبِرَها أَنْ تُنْكِحَ نَفْسَها، كما زَعَم. ٤ - بابٌ إِذَا أُكْرِهَ حَتَّى وَهَبَ عَبْداً أَوْ بَاعَهُ لَمْ يَجُزْ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: فَإِنْ نَذَرَ المُشْتَرِي فِيهِ نَذْراً، فَهُوَ جَائِزٌ بِزَعْمِهِ، وَكَذلِكَ إِنْ دَبَّرَهُ. ٦٩٤٧ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ: عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ دَبَّرَ مَمْلُوكاً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالَ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ ذلِكَ رَسُولَ اللَّهِ وَّةِ، فَقَالَ: ((مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟)). فَاشْتَرَاهُ نُعَيمُ بْنُ النَّحَّامِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ. قَالَ: فَسَمِعْتُ جَابِراً يَقُولُ: عَبْدَاً قِبْطِيّاً، مَاتَ عَامَ أَوَّلَ. [طرفه في: ٢١٤١]. ٥ - بابٌّ مِنَ الإِكْرَاهِ ﴿كَرْهٌ﴾ [الأحقاف: ١٥] وَ﴿كُرْهُ﴾ [آل عمران: ٨٣] وَاحِدٌ. ٤١٣ كتاب الإكراه ٦٩٤٨ - حدّثنا حُسَينُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمدٍ: حَدَّثَنَا الشَّيبَانِيُّ سُلَيْمَانُ بْنُ فَيرُوزٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ الشَّيْبَانِيُّ: وَحَدَّثَنِي عَطَاءٌ أَبُو الحَسَنِ السُّوائِيُّ، وَلاَ أَظُنُّهُ إِلَّ ذَكَرَّهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لََّ يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ اُلِسَآءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] الْآيَةَ. قَالَ: كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ: إِنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا، وَإِنْ شَاؤُوا زَوَّجوهَا، وَإِنْ شَاؤُوا لَمْ يُزَوِّجوهَا، فَهُمْ أَحَقُّ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا، فَنَزَلَتْ هذهِ الآيَةُ بِذلِكَ. [طرفه في: ٤٥٧٩]. وبه قال بعضُ النَّاسِ: فَإِنْ نَذَرَ المُشْتَري فيه نَذْرَاً، فهو جائزٌ بزَعْمِهِ، وكذلِكَ إِنْ دَبَّرَهُ. والمرادُ بقولِه: لم يَجُزْ أي لم يَلْزَم، بل يَبْقَى موقوفاً. وأمَّا مسألةُ النذر، فإن كان البُخَارِي نَقَلَها لمُنَاقَضَتِها بمسألةِ البيع والهبةِ، فهذا غيرُ وارِدٍ، لأنَّ التَّذْبِيرَ ونحوَهُ مِنَ التَّصرُفاتِ اللَّزِمَةِ، والمُشْتَري إذا أَتَّىَّ بتلكَ التَّصرُّفَاتِ، وَجَبَ القَوْلُ بِنَفَاذِهَا، ولُزُومٍ البيعِ لا مَحالَة، كما في - البِيَاعاتِ الفاسدة - فإِنَّ المُشْتَرِي إذا أَتَى فيها بِتَصَرُّفٍ غيرِ قابلٍ للنقضَ، يَلزمُ البيع، ولا يَبْقَى خيارُ الفَسْخِ. ورَاجِع ((الهداية)). ٦ - بابٌ إِذَا اسْتُكْرِهَتِ المَرْأَةُ عَلَى الزِّنَا فَلاَ حَدَّ عَلَيْهَا في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُكْرِهِهُنَ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدٍ إِكْرَمِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣]. ٦٩٤٩ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي نَافِعُ: أَن صَفِيَّةَ ابْنَةَ أَبِي عُبَيدٍ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ عَبْداً مِنْ رَقِيقِ الإِمَارَةِ وَقَعَ عَلَى وَلِيدَةٍ مِنَ الخُمُسِ، فَاسْتَكْرَهَهَا حَتَّى اقْتَضَّهَا، فَجَلَدَهُ عُمَرُ الحَدَّ وَنَفَاهَ، وَلَمْ يَجْلِدِ الوَلِيدَةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ اَسْتَكْرَهَهَا. قَالَ الزُّهْرِيُّ في الأَمَةِ الِكْرِ يَفتَرِعُهَا الحرُّ: يُقِيمُ ذلِكَ الحَكَمُ مِنَ الأَمَةِ العَذْرَاءِ بِقَدْرٍ قِيمَتِهَا وَيُجْلَدُ، وَلَيسَ في الأَمَةِ الثَّيِّبِ في قَضَاءِ الأَئِمَّةِ غُرْمٌ، وَلكِنْ عَلَيهِ الحَدُّ. [طرفه في: ٥١٣٧]. ٦٩٥٠ - حدّثنا أَبُو الْيَمَانِ: حَدَّثَنَا شُعَيبٌ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّرَ: «هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةً، دَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ المُلُوكِ، أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: أَنْ أَرْسِل إِلَيَّ بِهَا، فَأَرْسَلَ بِهَا فَقَامَ إِلَيهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ، فَلاَ تُسَلِّطْ عَلَيَّ الكَافِرَ، فَغُظَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ)). [طرفه في: ٢٢١٧]. وهي المسألةُ عندنا . ٦٩٤٩ - قوله: (رَقِيقِ الإِمَارَةِ) وهو العبدُ الذي لم يُسْهَم لأحدٍ بعد، فإِنَّه يُضاف إلى بيتِ المَالِ . ٤١٤ كتاب الإكراه قوله: (يُقِيمُ ذَلِكَ الحَكَمُ - أي المُنْصِفُ العَادِلُ - من الأَمَةِ العَذْرَاءِ بِقَدْرٍ ثَمَنِهَا) وهذا هو الأَرْش. قوله: (ويُجْلَدُ) الزاني هذا إذا كان غيرُ مُحْصَنٍ، وإلا فَيُرْجَمِ، أَوْ تكونُ المسألةُ عندَهُ في الأمةِ المَزْنِية، هي هذه، أي لا يكونُ الرَّجْمُ واجباً على مَنْ زَنَى بها، ويُمكِنُ أنْ يكونَ المرادُ منه أقلَّ ما يجبُ عليه، وهو الجَلَد. قوله: (وَلَيْسَ فِي الأَمَةِ الثَّيِّبِ في قَضَاءِ الأَئِمَّةِ غُرْمٌ) أي في حُكْم العُلماء. ٧ - باب يَمِينِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ أَنَّهُ أَخُوهُ، إِذَا خَافَ عَلَيهِ القَتْلَ أَوْ نَحْوَهُ وَكَذلِكَ كُلُّ مُكْرَهٍ يَخَافُ، فَإِنَّهُ يَذُبُّ عَنْهُ المَظَالِمَ، وَيُقَاتِلُ دُونَهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ، فَإِنْ قَاتَلَ دُونَ المَظْلُومِ فَلاَ قَوَدَ عَلَيْهِ وَلاَ قِصَاصَ. وَإِنْ قِيلَ لَهُ: لَتَشْرَبَنَّ الخَمْرَ، أَوْ لَتَأْكُلَنَّ المَيْتَةَ، أَوْ لَتَبِيعَنَّ عَبَّدَكَ، أَوْ تُقِرُّ بِدَينٍ، أَوْ تَهَب ◌ِبَةً، وَتَحُلُّ عُقْدَةً، أَوْ لَنَقْتُلَنَّ أَبَاكَ أَوْ أَخَاكَ في الإسْلاَم، وَسِعَهُ ذلِكَ، لِقَوْلِ الَّبِّ ◌َِّهِ: ((المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمْ)). وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَوْ قِيلَ لَهُ لْتَشْرَبَنَّ الخَمْرَ، أَوْ لَتَأْكُلُّنَّ المَيْتَةَ، أَوْ لَنَقْتُلَنَّ ابْنَكَ أَوْ أَبَاكَ، أَوْ ذَا رَحِم مُحَرَّمَ، لَمْ يَسَعْهُ، لأَنَّ هِذا لَيسَ بِمُضْطَرّ، ثُمَّ نَاقَضَ فَقَالَ: إِنْ قِيلَ لَهُ: لَنَقْتُلَنَّ أَبَاكَ أَوِ ابْنَكَ أَوّْلَتَبِيعَنَّ هذا العَبْدَ، أَوْ تُقِرُّ بِدَيْنٍ أَوْ تَهَبُ، يَلزَمُهُ في القِيَاسِ، وَلكِنَّا نَسْتَحْسِنُ وَنَقُولُ: البَيْعُ وَالْهِبَةُ، وَكُلُّ عُقْدَةٍ في ذلِكَ بَّاطِلٌ. فَرَّقُوا بَيْنَ كُلُّ ذِي رَحِم مُحَرَّم وَغَيرِهٍ، بِغَيرِ كِتَابٍ وَلاَ سُنَّةٍ. وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ﴿: ((قَالَ إِبْرَاهِيمُ لإِمْرَأَتِهِ: هذهِ أُخْتِيٍ، وَذلِكٌ في اللّهِ). وَقَالَ النَّخَعِيُّ: إِذَا كَانَ المُسْتَحْلِفُ ظَالِمَاً فَنِيَّةُ الْحَالِفِ، وَإِنْ كَانَ مَظْلُوماً فَنِيَّةُ المُسْتَحْلِفِ . ٦٩٥١ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ سَالِماً أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِّ قَالَ: ((المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِم، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ في حاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ في حاجَتِهِ)). [طرفه في: ٢٤٤٢]. ٦٩٥٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيم: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيمَانَ: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَنْسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِهِ: (انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِماً أَوْ مَظْلُومَاً)). فُقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُوماً، أَفَرَ أَيتَ إِذَا كَانَ ظَالِماً كَيفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: ((تَحْجُزُهُ، أَوْ تَمْنَعُهُ، مِنَ الظُّلمِ فَإِنَّ ذلِكَ نَصْرُهُ)). [طرفه في: ٢٤٤٣]. قوله: (وإنْ قِيلَ لَهُ: لَتَشْرَبَنَّ الخَمْرَ، أَوْ لَتَأْكُلَنَّ الْمَيْتَةً، إلى قوله: أو تَحُلُّ عُقْدَةً)، وهذه ستةُ أَشْياءَ عَدِيل واحد، وعَدِيلُه الآخر قوله: أو لنقتلن أباك أو أخاك. وحاصله: ٤١٥ كتاب الإكراه أَنه أُكْرِهَ على هذه الأشياء، وهَدَّدَهُ بقتلِ الأبِ، أَوْ أَخ في الإِسلام، فهو مُكْرَهٌ عند المصنف . قُلنا: إِنَّه ليس بِإِكْرَاهِ، ولَكِنَّه بابٌ آخر، فإِنَّ حِفْظَ دم امْرِىءٍ مسلم واجبٌ في كلِّ أَوَانٍ. - قوله: (يَلْزَمُهُ في القِيَاسِ) أي يكونُ البيعُ لازماً، ولا يكونُ موقوفاً، فكان الإِكْرَاه غيرَ معتبرٍ فيهِ، وإن كان الاسْتَحْسَانُ يُوجِبُ اعتبارَهُ وبُطْلانَ البيع، ثُمَّ الإِكْرَاهُ عِنْدَنا لا يكونُ إلا إذا أَوْقَع بقتْلِه، أو بِقَتْلِ أَقَارِهِ، أَمَّا إذا هَدَّدَ بِقَتْلِ أَجْنَبِيّ فَلَيسِ بِإِكْرَاهِ، والبُخاريُّ يُسَوِّي الأقارب والأخ في الإِسلام (١). (١) قلتُ: تَفْصِيلُ المَقَام بحيثُ يَنْحَلُّ به المَرَامُ، أَنَّ الإِكْرَاه عندنا على نَحْوَيْنِ: مُلجىءٌ، وغيرُ ملجىءٍ، والإِلجاء يَتَحَقَّقُ فيما إذا خَانَ بَه على نفسِهِ، وعضوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، فإِنَّه يُعْدِمُ الرّضاءَ، ويُوجِبُ الإِلجاءَ، فإِنَّ الإِنسانَ مَجْبُولٌ على حِفْظِ نَفْسِهِ . وغيرُ الملجىءٍ: وهو الإِكْرَاهُ القَاصِر، بأَنْ لا يَخافَ به على نَفْسِهِ، ولا على تَلَف عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، كالإِكْرَاهِ بالضَّرْبِ الشَّدِيدِ والحبسٍ، فإِنَّه يُعْدِمُ الرِّخاءَ، ولا يُوجِبُ الإِلجاءَ، ولا يُفْسِد الاختيار، بخلافِ النّوعِ الأَوَّل، وهذا النّوع لا يُؤَثِّر إلا في تَصْرُّفِ يَحْتَاجُ فيه إلى الرِّضَاءِ، كالبيع، والأول يُؤَثِّر في الكُل، ومِنْ هُهُنَا علمتَ أنَّ الإِكْرَاه في شُرْبِ الخَمْرِ وأكل الميتة، ليس كالإِكْرَاه في البيع ونحوِهَ. فإِنْ قال لهُ: لَتَشْرَبَنَّ الخَمْرَ، أو لِنَقْتُلَنَّ أَبَاكَ أو ابنَكَ، لم يَسَعْهُ أَنْ يَشْرَبَها، لأَنَّ حُزْمَةَ هذه الأشياء ثابتة بالنَّصِ، ولا تُباحُ إلا عند قيام الضَّرُورَةِ، وهي حالة الاضْطِرَارِ، كما في المَخْمَصَةِ، وهو لا يَتَحَقُّقُ إلا بإِكراه مُلْجىءٍ، بأن يخافُ على نَفْسِهِ، أو عُضْوِهِ، ولو أكْرَهَهُ على البيع في الصُورَةِ المذكورةِ، لم يَلْزَمْه البيعَ استحساناً، ويُغْتَبَرُ في مِثْله الإِكْرَاهِ، لأَنَّهُ مما يَخْتَاجُ إلى الرُضَاء، والإِكْرَاهِ بِكِلاً نَوْعَيْهِ - المُلْجِىءُ، وغيرِ الملجىءِ - يُفْسِدُ الرِّضا الذي هو شَرْطُ هذه التَّصرفات. وجملةُ الكلامَ أَنَّ الإِكْرَاهَ المُلْجِىء يُؤَثِّرُ في سائرِ الأَنَّوَاعِ، فلو أَكْرَهَهُ على شُرْبِ الخَمْرِ بِقَتْلِ نَفْسِهِ أو عُضْوِهِ، وَسِعَهُ أَنْ يَشْرَبَها، وإِنْ فَعَلَهُ في البيعِ لا يَلْزَمْهُ. أَمَّا في غيرِ الْمُلْجِىءٍ، فإِنْ تَحَقِّقَ فيما لا يَعْتَمِدُ الرِّضَاءِ، كشُرْبِ الخَمْرِ، لم يَسَعْهُ شُرْبِها، وإِنْ تَحَقْقَ فَيما يَعْتَمِدُ الرِّضَاء كالبيعِ يُغْتَبَر بِهِ، ولا يَلْزَمُهُ البيعَ في الاستحسانِ، كما ذكرنا، وإن كان القياسُ يَحْكُم بالتسويةِ بَيْنَ الفَصْلَيْنِ، ثُمَّ إِنَّ التهديدَ بِقَتْلِ الأَبِ أو ذي رَحِم مَحْرَمِ، يُحَقْقُ الإِلْجَاءَ ولو قاصراً، فإنَّ الإِنسانَ حَرِيصٌ على القِتَالِ دُونَهم، ومولعٌ بصيَانَةِ دِمَائِهم ولوعَه بِصِيَانةٍ دَمِه، أَمَّا إذا هَدَّدَهُ بِقَتْلٍ أجنبي، فإِنَّه ليس مِن الإِكْرَاهِ في شيءٍ. أمّا كونُه واجباً في نَفْسِهِ، فلا نُنْكِرُهُ، ولكنَّه بابٌ آخر، وليس كُلُّ ما يجبُ على الإِنسانِ فِعْلُه يتحقَّقُ به الإِلْجَاءِ، والبُخاريُّ لمَّا لم يُذْرِكْ الفَرْقَ بين الطَّائِفَتَيْنِ، جَعَلَ الإِكْرَاهِ بِقَتْلِ الأبِ كالإِكْرَاهِ بقتله الأجْنَبِي، وقد أَدْرَكَهُ إمامُنا أبو حنيفةً، فقال به: كيفَ! ومسائلُ الميراثِ، ووجوبُ النفقة ونحوُها تنادي بأَعْلَى نِدَاءٍ على أَنَّ بين الأَجْنَبي، وذي رَحِم مَخْرَمٍ بَوْنَاً بعيداً، حيث يثبتُ الميراثُ لهم دون الأجنبي، وَأَوْجَبَ عليهِ النَّفَقَةَ لأقاربه، بخلافِ الأجانبِ، ونحوَ هذه الفُروق غيرُ قليلٍ في الفِقْه، فكيف حَكْمَ البخاري بالتسويةِ بين الطَّائِفتَين، مع وجودٍ فارقٍ بينهما مِنَ الكتاب والسُّئَّةِ؟ ثُمَّ إِنَّ حِفْظَ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لو كان واجباً على الفورِ، فَهَلاَّ عَجَّلَ النَّبِيُّ ◌َّة إلى استيفاءِ دمِ خُبَيْبٍ، فَعُلِمَ أَنَّ وجوبَ حِفْظِ دِمِ امْرِىَءٍ مُسْلِمٍ علىّ الفَورِ، ليس بضابطةٍ كُلِّيَةٍ. إذا علمت هذا، فاعلم أَنَّ مُلَخّص إيرادِ البُخاري في هذا الباب أمران: الأول: تفريقُ الإِمامِ الأعظم بين حُكْمِ الأَقَاربِ وبين الأجنبي المُسلمِ، مَع قولِ النبيِّ ◌َّ: المسلمُ أَخُ المُسْلِم. والثاني: فَرْقُه بين خَّكُمٍ شُرْبِ الخَمْرِ وَنحو البيع . 11 ٤١٦ كتاب الإكراه - قوله: (قَالَ النَّخعيُّ: إذا كَانَ المُسْتَحْلِفُ ظَائِماً) ... إلخ، ولم يَجِد الحافظُ تَخْرِيجَهُ إلا ((من كتاب الآثار))، لمحمد، فلينظر الناظر أَنَّ تعليقَ البُخَاري لو توقف إسنادُه على كتاب، ولم يُوجد في غيرِهِ، فهل يَصْلُح له أَنْ يُقال: إِنَّهُ على شَرْطِ البُخَارِي أَوْ لا؟ ولَمَّا لَمْ يَكُن لهذا التَّعليقِ طرِيقَ، إلا كان محمدُ بنُ الحسنِ واقعاً فيه، ساغَ لنا أَنْ نقول: إِنَّه مِنْ رِجَال البُخاري، وإنْ كان شَأْنُه في الواقع أَعْلَى مِنْ هذا، عند مَنْ يَعْرِفُه . ومِنْ هُهُنا علمتَ أَنَّ تَقْرِيرَ المُناقَضَةِ من البُخاري، إِنَّما يَتَأتَى على حُكُمِ الاستحسانِ في بابِ البيعِ، أمَّا في القياس، = فحكْمُه كحُكُمِ شُرْبِ الخَمْرِ مِنْ عَدَمِ اعتبار الإِكْرَاءِ فِي الْبَابَيْنِ، وإِذْ قَدَ قُلْنا بعبْرَةِ الإِكْرَاهِ، في نحَوِ البيعِ استحساناً، فَقَدْ وافَقْنَا الْبُخَاري في دائرةِ العَمَلِ، لأَنَّ كونَ القياسِ فيه عدمُ اعتبارِهِ عِنْدَنَا نظرٌ فقط، أَمَّا ما ظهر في العَملِ فهو حكْمُ الاستحسانِ، وقد اسْتَوَيْنَا فيه حَذْو المِثْقَالِ بالمثقالِ، فأيُّ إيرادٍ بَعْدَه، وأيُّ قَلَقٍ؟ . وقد ظهر لك الجوابُ عمَّا أَوْرَدَهُ الْبُخَاريّ ممَّا فَصَّلْنَا لكَ مِنْ مَذْهَبِ الإِمام الهُمَام، فلا نَطولُ الكلامَ بذكْرِهِ؛ وفي تقريرٍ مِنْ شيخ الهند رحمه الله تعالى عندي، أَنَّ ما احتجَّ به البُخاريّ - مِنْ قَولِهِ وَّرَ: ((المسلمُ أَخُ المسلم)» - بعد الإِمعانِ، حجَةٌ لنا، فإِنَّ المكْرَهِ إذا بَاعَ مالَهُ، وأَنْقَذَ أَخَاهُ مِنَ القَتْلِ، فقد أعَانَ أخاهُ المُسْلِمِ أَلْبَتَةَ، حيث رضي بإِضْرَارِ نَفْسِهِ، وآثَرَهُ على ضَرَرِ أخِيهِ، بخلافِ ما إذا قُلنا: إِنَّ بَيْعَهُ غيرُ معتبرٍ، فإِنَّه بالبيع على هَذا التَّقْدير لم يَتَحَمَّل ضرراً على نفسِهِ، فإِنَّ ماله بَعْدَ زَوَالِ الإِكْرَاهِ، يَرْجِعُ إلى مِلكه فلم يَتَضَرَّر بشيءٍ، والأخوة في الإِعانة مع الرّضاء بالتَّضَرُّرِ، أَظْهَرُ منها بدونِهِ، وحينئذٍ فالحديثُ أصدقُ على مَذْهَبِنَا، واللَّهُ تعالى أعلمُ بالصَّوابِ. بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ ٩١ - كتاب الحِيَلِ ١ بابٌ في تَرْكِ الحِيَلِ، وَأَنَّ لِكُلِّ امْرِىءٍ مَا نَوَى في الأَيَمَانِ وَغَيرِهَا ٦٩٥٣ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحمَّدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَخْطُبِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َ يَقُولُ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لاِمْرِىءٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ هَاجَرَ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)). [طرفه في: ١]. واعْلَمْ أَنَّ البُخاري لم يُفَرِّقْ بين جَوازِ الحِيلَةِ ونفاذِها، فَكُلُّ ما كان يَرِدُ على القَوْلِ بالجَوازِ، أَوْرَدَهُ على القَوْلِ بِالنَّفَاذِ مع فَرْقٍ جَلِي بَيْنَ الأَمْرَيْنِ، فَرُبَّ شيءٍ لا يكونُ فِعْلُه جائزاً عِنْدَ الشَّرْعِ، فإِنْ تَجَاسَرَ عليه أَحدُ يُعْتَبَرُ لا مُحَالَةَ أَلَا تَرَى أَنَّ الطَّلاقَ في زَمنِ الحَيْضِ مَحْظُورٌ، مع ذلك لو طَلَّقَهَا فيه وَقَعَ ونَفَذَ، ولا أقل مِنْ أَنَّ النظرَ يتردّدُ فيه، فالأوَّلُ لا يَسْتَلْزِمِ الثاني، فإن أحداً منهم لم يَقُلْ بجوازِ الطَّلاقِ زَمَنَ الخَيْضِ، وإنْ ذَهَبَ شِرْذِمَة إلى هَذْرِهِ، وكيفَ ما كان دارَ النظرُ في الثاني، مَعَ الاتِّفَاقِ في الأوَّلَ. ثُمَّ إِنَّ منْ نَقْلِ الحِيَل، ولم يَنْقُل عبارةَ أَبي يُوسف فِي أَوَّلِها فَقَدْ قَصَّرَ جداً، لأنَّ النَّاظِرَ إذا رَأَى الحِيَّل لِدَفْع الحقوقِ، مضبوطةً مكتوبةٌ، يَظُنُّها جائزةً، فَيَتَحَيَّرُ مِنْ جوازِ هذه الخديعةِ في الإِسلام،َ بَعْدَ أَنَّه قَدْ كان جَاءَ لِمِحْقِهَا واسْتِثْصَالِها، فكيف بهذا الإِفسادِ بعد الإِصلاح، ولو كتبواَ في أَوَّلِ الباب، أَنَّ الحِيَلَ لأَخْذِ أموالِ النَّاسِ حرامٌ عندنا، لَثَلَجَ الصَّدْرُ، فإِنَّها لِمِنْ ابْتُلِيَ، وَأَرَادَ تخليصَ رَقَبَتِهِ مما قد أُحِيطَ به، فأَشفَّاهُ على الهَلاكِ، لا لأَنَّ المقصودَ منها ترْوِيجُها وإباحتُها لحبطِ الأموال، والعياذ بالله. والحقُّ قد يَعْتَرِيهِ سُوء تَعْبير فلم يَرِد ما وَرَدَ علينا إلا مِنْ سُوء هذا الصنيع. ولذا وَجَبَ علينا أَنْ نَأْتي أَوَّلاً بِما في الحيل من التشديد عند علمائنا. قال الحافظُ: ونَقَلَ أبو حَفْصٍ الكبير، راوي كتابَ الحِيَل عن مُحمدٍ بنِ الحسنِ أَنَّ محمداً قال: ما احتالَ به المسلمُ حتى يَتَخَلَّصَ به من الحرام، أو يَتَوَصَّل به إلى الحلال، فلا بأس به وما احتالَ به حتى يُبْطِلَ حقاً، أو يُحقَّ باطلاً، أو ليُدْخِلَ به شبهة في حَقٍ فهو مكْرُوه، والمكْرُوه عندَهُ إلى الحرامِ أقرب، اهـ. ٤١٧ ٤١٨ كتاب الحيل وفي ((العيني)) كما في الهامش، قال النَّسَفيِّ في ((الكافي)) عن محمدِ بنِ الحسن، قال: ليس مِنْ أَخْلاقِ المؤمنين الفِرار عن أحكام الله تعالى بالحيلِ الموصِلَةِ إلى إِبْطَالِ الحق، اهـ. وفي ((الفتح)): قال أبو يوسفٍ في كتاب الخَرَاجِ، بعد إِيرَادٍ حديثٍ: ((لا يُفَرَّقُ بين مجْتَمِعٍ)) ولا يَحِلُ لرجلٍ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ مِنعُ الصَّدَقَةِ، ولا إخراجُها عن مِلْكِهِ لِمِلكِ غيرِهِ، ليفَرِقَها بِذلكَ، فتبطلُ الصدقةُ عَنها، بَأَنْ يصيرَ لكلِّ واحدٍ منها ما لا تجبُ فيه الزَّكاة، ولا يُحتالُ(١) في إيطالِ الصَّدَقَةِ بوجهٍ، اهـ. ٢ - بابٌ في الصَّلاَةِ ٦٩٥٤ - حدّثني إِسْحاقُ بْنُ نصر: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ (١) قلتُ: أَمَّا عباراتُ أَيِمتُنَا، فَقَدْ نَقَلْتُها في الصُلب برُمَّتِها، وحسْبُكَ بعدَها من تصريحاتِ أَئِمَّتِنا رحمهمُ اللَّهُ تعالى، ثُمَّ هُهنا كلامُ مِنَ الحافظِ في صَدَّدِ البابِ يفيدُ النَّاظرَ بصيرةُ آتيكَ به أيضاً، لِمَا أرى فيه منفعةً عظيمةٌ، قال الحافظُ: وهي - أي الحيل - عند العلماءَ على أَقْسَامِ، بحسب الحاملِ عليها. فإِنْ تُوصِّلَ بها بطريقٍ مباحٍ إلى إِنْطَالِ حقٌ، أو إِثِبَاتٍ باطلٍ، فهي حرام. أَوْ إلى إثباتٍ حقٍ، أو رَفعٍ باطلٍ، فهي واجبةٌ، أو مستحبةٌ. وإنْ تُوَصِّلَ بها بطريقٍ مباحٍ إلى سَلامةٍ مِنْ وقوعٍ في مَكْرُوهٍ، فهي مستحبةٌ، أو مَباحةٌ. أو إلى تَرْكِ مندوبٍ، فهي مكروهةٌ، وَوَقَع الخلافُ بينَ الأئمةِ في القِسْمِ الأَوْلِ، هل يصحُ مطلقاً، ويَنْفُذُّ ظاهراً وباطناً، أو يَبْطِلُ مطلقاً، أو يصحُ مع الإِثْمِ. ولمن أَجَازَها مطلقاً، أو أبْطَلَها مطلقاً أدلةً كثيرة، فمن الأول: قولُه تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْئًا فَأَسْرِبِ بِ، وَلَا تَّحْتَثُّ﴾ [ص: ٤٤] وقد عَمِلَ به ◌َّةُ في حقِّ الضَّعِيفِ الذي زَنَى، وهو مِنْ حديثٍ أَبِي أُمَامَةُ بنِ سَهْلٍ في - السُّئَنِ -. ومنه قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَكًا﴾ [الطلاق: ٢] وفي الحِيَلِ مُخارج من المضَايق، ومنه مشروعيةٌ الاستثناءِ، فإِنَّ فيه تخْلِيصاً مِنَ الحِنْث، وكذلك الشُّروط كلُّها، فَإِنَّ فيها سلامةً مِنَ الوقوعِ في الحَرَجِ، ومنه حديثُ أبي هريرة، وأبي سعيدٍ في قِصةِ بلالٍ: بع الجمع بالدّراهم، ثم أَتْبِعِ الدَّرَاهم ◌َنِيّاً. ومن الثاني: قِصَةُ أصحابِ السبتِ. وحديثُ: ((حرمت عليهم الشحوم، فحملوها، فبَاعُوها، وأكلوا ثمنها)»، وحديث: النهي عن النجش، وحديث: ((لعن الله المحلِّلَ، والمحلُلَ له)) والأصل في اختلافِ العلماءِ في ذلك اختلافهم هل المعتبر في صِيَغ العُقُودِ أَلفاظها، أو معانيها؟ فَمَنْ قال بالأَوَّلِ أَجَازَ الحِيّل، ثم اخْتَلَفُوا، فمنهم مَنْ جَعَلَها تنفذ ظَاهِرَاً، وباطِئاً في جميع الصُّوَرِ، أو في بَعْضِها ومنهم مَنْ قال: تَنْفذُّ ظاهراً لا باطِناً، ومَنْ قال بالثاني أَبْطَلَها، ولم يُجِزْ منها إلا ما وَافَقَ فِيه اللَّفْظُ المعنى، الذي تدل عليه القَرَائِن، وقَدْ اشْتَهَرَ القولُ بالحِيَل عنٍ الحنفيةِ، لكون أبي يوسف صنَّفَ فيه كتاباً، لكن المعروفُ عنه وعن كثيرٍ من أَئِمَّتهم تقييدُ أعمالِها بِقَصْدِ الحقِّ. قال صاحب ((المحيط)): أصلُ الحِيّل قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْنًا ... ﴾ [ص: ٤٤] الآية، وضَابِطُها: إن كانت ◌ِلَفَرَارِ مِنَ الحَرَامِ، والتَّاعُدِ مِنَ الإِثْمِ، فحسنّ؛ وإنْ كانت لإِبْطَالِ حقٍ مُسْلِمٍ، فلا، بل هي إثمّ وعدوان، اهـ. قلتُ: وفي هذه العبارةِ فوائد تُزري الجُمان، عليك بالتَأمُّلِ فيها، وإِنْما لم أَبْسُطُهَا مُخَافَةَ الإِطْتَابِ، ومِنْ أَممِّها: أَنَّ نِسْبَةَ الحِيَلِ إِنَّما اشْتَهَرَت إلى الحنفية لكونِ أبي يوسف دَوَّنَ فيها كتاباً، وأَنَّهُ قَيِّدَها بما إذا كانت لإِحياءِ حقٍ؛ وإِنَّ مِنَ الحِيَلِ ما هي واجبةٌ أو مستحبةٌ، وأَنَّها ليست مكروهةً على الإِطْلاَقِ، وإِنَّ نَفْسَها ثابتةٌ مِنَ الكتابِ والسُّنَّةِ، وأَنَّ الخِلاَفَ في الثَّفَاذِ مع الاتّفَاقِ على القَوْلِ بِعَدَمِ الجَوَازِ إلى غيرِ ذلك واللَّهُ تعالى أَعْلَمُ. ٤١٩ كتاب الحيل أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ◌َلَ قَالَ: ((لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاَةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ)). [طرفه في : ١٣٥]. ٦٩٥٤ - قوله: (لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاَةَ) لعلَّ غَرَضَهُ منهُ الإِيرَادُ على القولِ بالبِنَاءِ، قلتُ: أمَّا القولُ بالبناءِ فهو رِوَايةٌ عنِ الشَّافعي في - القَدِيم - وله عندنا حُجة، ثُمَّ الاستخلافُ معتبرٌ عند الإِمام البُخاري أيضاً، ويمكِنُ أَنْ يَكُونَ بين البِنَاءِ والاسْتِخْلاَفِ فرقاً عِنْدَهُ، فيقولُ بمَنْعِ البِنَاءِ دُونَه، وراجع الهامش. ٣ - بابٌّ في الزَّكَاةِ، وَأَنْ لاَ يُفَرَّقَ بَينَ مُجْتَمِعٍ، وَلاَ يُجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ ٦٩٥٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَس: أَنَّ أَنَساً حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((وَلاَ يُجْمِّعُ بَينَ مُتَفَرِّقٍ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ)). [طرفه في: ١٤٤٨]. ٦٩٥٦ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سُهَيلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ طَلِحَةَ بْنِ عُبَيدِ اللَّهِ: أَنَّ أَغْرَابِيّاً جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مَ ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقَال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخَبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ؟ فَقَالَ: ((الصَّلَوَاتِ الَخَمْسَ إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ شَيئاً)). فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّه عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ قَالَ: ((شَهْرَ رَمَضَانَ إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ شَيئاً)). قَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ قَالَ: فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ بِشَرَائِع الإِسْلاَم. قَالَ: وَالَّذِيَ أَكْرَمَكَ، لاَ أَتَطَوَّعُ شَيئاً، وَلاَ أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيئاً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالِهِ: (أَفَلَحَ إِنْ صَدَقَ، أَوْ: دَخَلَ الجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ)). وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ في عِشْرِينَ وَمِائَةِ بَعِيرٍ حِقَّتَانٍ، فَإِنْ أَهْلَكَهَا مُتَعَمِّداً، أَوْ وَهَبَهَا، أَوِ احْتَالَ فِيهَا فِرَاراً مِنَ الزَّكَاةِ، فَلاَ شَيءَ عَلَيهِ. [طرفه في: ٤٦]. ٦٩٥٧ - حدّثني إِسْحاقُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ القِيَأْمَةِ شُجَاعاً أَقْرَعَ، يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ، فَيَطْلُبُهُ وَيَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ، قَالَ: وَاللَّهِ لَنْ يَزَالَ يَطْلُبُهُ، حَتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ فَيُلِقِمَهَا فاهُ)). [طرفه في: ١٤٠٣]. ٦٩٥٨ - وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَيْهِ: ((إِذَا مَا رَبُّ النَّعَمْ لَمْ يُعْطِ حَقَّهَا تُسَلَّطُ عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، تَخْبِطُ وَجْهَهُ بِأَخْفَافِهَا)). وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ فَي رَجُلٍ لَهُ إِلٌ، فَخَافَ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ، فَبَاعَهَا بِإِلٍ مِثْلِهَا أَوْ بِغَنَمِ أَوْ بِبَقَرٍ أَوْ بِدَرَاهِمِّ، فِرَاراً مِنَ الصَّدَقَّةِ بِيَوْمٍ احْتِيَالاً، فَلاَ بَأْسَ عَلَيهِ. وُّهُوَ يَقُولُ: إِنْ زُكَّى إِلَهُ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الحَوْلُ بِيَوْمٍ أَوْ بِسَنَةٍ جَازَتْ عَنْهُ. [طرفه في: ١٤٠٢]. ٤٢٠ كتاب الحيل ٦٩٥٩ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا ليثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَفَتَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ الأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِّ فِي نَذَرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ، تُؤُفِّيَّتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ ◌ِّ: ((اقْضِهِ عَنْهَا)). وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِذَا بَلَغَتِ الإِبِلُ عِشْرِينَ فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاءٍ، فَإِنْ وَهَبَهَا قَبْلَ الحَوْلِ أَوْ بَاعَهَا فِرَاراً وَاحْتِيَالاً لإِسْقَاطِ الزَّكَاةِ، فَلاَّ شَيءَ عَلَيهِ، وَكَذلِكَ إِنْ أَتْلَفَهَا فَمَاتَ، فَلاَ شَيءَ في مَالِهِ. [طرفه في: ٢٧٦١]. ٦٩٥٦ - قوله: (وقَالَ بعضُ النَّاسِ: في عشرين ومائة بَعِيٍ حِقَّتَانِ، فإنْ أَهْلَكَهَا مُتَعَمِّداً، أو وَهَبَهَا، أو احْتَالَ فيها فِرَاراً من الزَّكَاةِ، فلا شَيْءَ علَيه) قوله: وقال بعضُ النَّاسِ في رجل له إبلٌ، فَخَافَ أَنْ تَجِبَ عليه الصَّدَقة، فَبَاعَها بإِبل مِثلِها، أو بِغَنَمِ، أو بِبَقَرِ، أو بِدَرَاهِمَ، فِرَارَاً من الصَّدَقَةِ بيوم، واحتيالاً، فلا شيءَ عليه، وهو يقولُ: إِنَّ زَكَّى إِبْلَهُ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الحولُ بيومٍ، أَوْ بِسَنَةٍ جَازَتْ عنه . ٦٩٥٩ - قوله: (وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِذَا بَلَغَتِ الْإِبِلُّ عشرين، فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاءٍ. فإنْ وَهَبَهَا قبل الحول، أو بَاعَهَا فِرَاراً، أو احْتِيَالاً لإِسقاطَ الزَّكَاةِ، فلا شيء عليه. وكذلك إِنْ أَتْلَفَهَا، فَمَاتَ، فَلَا شَيْءَ في ماله) وهذا كما تَرَى، ثلاثُ إِيرَادَاتٍ من المصنِّفِ على الحنفية، بثلاثِ عباراتٍ، والمآلُ واحد، فإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: إِنَّها واحدٌ، وإِنْ شِئْتَ اعتبرتَهُما ثلاثاً، ثُمَّ المُصَنِّفُ أضَافَ قَيْدَ الفِرَارِ والاحْتِيَالِ تَفْخِيماً وتَقْبِيحَاً، فالإِيرَاد الأوَّلُ على صورةِ الإِهلاكِ، أو الهِبَةِ، وذلكَ هو الثاني، بَيْدَ أَنَّه مَفْرُوضٌ في البَيْعِ، مع ذِكْرِ المُنَاقَضَةِ بين التَّخْفِيفِ في أَمْرِ الزَّكَاةِ بِسْقَاطِها مِنْ تلكَ الحِيَلِ، وبين التَّشْدِيَدِ فيه بأَدَائِها قَبْلَ الحَوْلِ؛ ولا فَرْقَ في الأَوَّلِ والثالثِ إلا بِتَغَايُرِ الصُّوَرِ، فإِنَّ الأَوَّلَ مَفْرُوضٌ في عشرين ومائةٍ بَعِير، والثالث في عشرين إِبْلاً، والنَّوعِ واحدٌ. وبالجملة، لم يَقْصِد به المُصَنِّف إلا تَكْثِير العَدَدِ لا غَيْرِ قُلنا: أَمَّا كونُ تِلكَ الحِيل وبالاً ونَكَالاً لصَاحِبها، فلا نُنْكِرُه أيضاً، كما نَقَلْنَاهُ عنِ أَئِمَتِنَا، وأَمَّا أنَّها لا حُكم لها وإنْ فَعَلَها أَحدٌ، ففيهِ نَظَرٌ قَوِيٌّ، فإِنَّ من النَّاسِ مَنْ هو فَاعِلُها لا مَحَالَةَ، لسوءِ طِبَاعِهِ، فلا بُدَّ لَنَا أَنْ نَذْكُرَ لها أَحْكَاماً ثَبَتَت عِنْدَنا مِنْ قَوَاعِد الشَّرْعِ، مَعَ قَطْعِ النَّظرِ عِن حُكْمِهَا عِنْدَ اللَّهِ تعالى، مِنَ الإِثْم أَوِ غَيْرِهِ، فإِذَا أَهْلَكَ أَحِدٌ جَميعَ نِصَابِهِ، فَمَا لَنَا أَنْ لا نَقُولَ بِسُقُوطٍ الزَّكَاةِ عنه، كيف! وإنَّها قطعة مِنَ المالِ، أَوْجَبَت عليه حَقًَّ للفُقَراءِ، فَإِذا عُدِمَ المالُ، فقد عُدِمَ مَحلُ وجوبِ الزَّكَاةِ، فَفِي ماذا تَجِبْ، وَلِذَا قُلْنَا بِسُقُوطِهَا، وأَمَّا أَدَاؤُهَا قَبْلَ الحَوْلِ، فَلِوُجُودِ النِّصابِ، وهو سَبَبُ نَفْسِ الوجوبِ، فلم نَقُل بأَدَائِها إلا بَعْدَ تَحَقُّقِ السَّبَبِ، والأداءُ بعد تَحقُّقِ السببِ معهودٌ عند الشَّرعِ، فلا بُعْدَ فيه.