Indexed OCR Text
Pages 581-600
٥٨١ كتاب الطلاق كَعْبٍ، وَسُلَيْمانَ بْنِ يَسَارٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، وَعَمْرِو بْنِ هَرِمِ، وَالشّعْبِيِّ: أَنَّهَا لاَ تَطْلُقُ. وهو المسألةُ عندنا، إلاَّ إذا أضافه إلى المِلْك، أو سببه. وعند الشافعية لا تأثير للتعليق مطلقاً، سواء أضافه إلى المِلك، أو إلى سببه، فلا طلاق ولا تعليق عندهم إلاَّ بعد تحقَّق النكاح، والأَصْل فيه أنَّ الحنفية نظروا إلى تناسبٍ بين الشرط والجزاء، فإِذا وجدوهما متناسِبَين، قالوا بتأثير التعليق، وإلاَّ فلا. وإذ لاَ تَناسُب في قوله: إن دخلتِ الدَّار، فأنت طالق للأجنبية، فإِنه لا حَقّ له عليها تَنْجِيزاً، أو تعليقاً قالوا ببطلانه، بخلاف ما إذا أضاف طلاقها إلى زمانٍ (١) صَلَح للطلاق، كالنِّكاح، وهذا كما قالوا في الكفالة: إنَّ تعليقها بنحو: إنْ هَبّت الريح، مهمل، بخلاف إن ركب عليك دَيْن، فإِنه معتبر . ١٠ - بابٌ إِذَا قَالَ لامْرَأَتِهِ وَهُوَ مُكْرَةٌ: هذهِ أُخْتِي، فَلاَ شَيءَ عَلَيهِ قالَ النَّبِيُّ ◌َّهُ: ((قالَ إِبْرَاهِيمُ لِسَارَةَ: هذهِ أُخْتِي، وَذلِكَ فِي ذَاتِ اللّهِ عَزَّ وَجَلَ)). وقد جمع البخاريُّ لههنا من السَّلف أسماءً كثيرة، والسبب في ذلك أنه وقع مِثْله في زمن ابن عبد الملك، فاستفتى علماءَ زمانه، فاجتمعت عنده فُتياهم على عدم تأثيره، فنقلها البخاريُّ، ومَنْ أراد أن يجمع أسامي الذين أجابوا على وَفْق مذهب الحنفية، فليراجع ((الجَوْهر النَّقي)) (٢)، و((الزَّيلعي))، و((العيني)). (١) قلتُ: أخرج الطحاويّ عن هشام بن سعد أنه قال لابنِ شِهاب، وهو يذاكره: هذا النحوُ طلاقُ مَنْ لم يَنْكح، وعتق مَنْ لم يملك، ألم تبلغ أنَّ رسولَ الله ◌َّه قال: «لا طلاقَ قبل النِّكاح، ولا عِثْق قبل مِلك؟ قال ابنُ شهاب: بلى، قد قاله رسولُ الله ◌َّرَ، لكن أنزلتموه على خلاف ما أراد رسولُ اللهِ وَّةِ، إنما هو أن يَذْكر الرجلُ المرأةَ، فيقال له: تَزوَّجها، فيقول: هي طالقٌ ألبتة. فهذا ليس بشيء، فأما مَنْ قال: إن تزوجت فلانةً فهي طالق ألبتة، فإِنما طَلَّقها حين تزوّجها، أو قال: هي حُرةٌ إن اشتريتها، فإِنما أعتقها حين اشتراها. ((مُشْكل الآثار))، ثم بسط الكلام فيه، وأفاض من علومه مما يتحيّر منها الناظرُ، حتى ختم كلامَه باستدلالٍ من القرآن، فقال: ثم وجدنا اللهَ تعالى قد قال في كتابه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَهَدَ اللَّهَ لَإِنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ،﴾ إلى قوله: ﴿وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧]، وكان ما كان منهم بقولهم: ﴿لَإِنْ ءَتَئِنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ﴾ مما قد أوجب عليهم إذا آتاهم ما وعدوه أن يفعلوه فيه إذا آتاهم إياه، وكان ذلك بخلافٍ قولهم فيما لا يملكون، فمثل ذلك قولُ الرجل: إنْ تزوجت فلانةً فهي طالق، خلاف حُكْمه، إذا قال: هي طالق، ولم يقل: إذا تزوجتها، وبالله نسأله التوفيق، اهـ، وفي العبارة بَعْضُ قلق. (٢) وفي ((الاستذكار)) قيل لابنٍ شهاب: أليس قد جاء: ((لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل الملك؟)) فقال: إنما ذلك إذا قال: فلانةٌ طالق، ولا يقول: إنْ تزوّجتها، وأما إن قال: إنْ تزوّجتها فهي طالق، فهو كما قال إذا وقع النِّكاح وقع الاطلاق. وبهذا قال مَكْحول، وأبو حنيفة، وأصحابه، وعثمان البتيِّ؛ ورُوي عن الأَوْزاعي، والثَّوري؛ وفي ((موطأ)) مالك بلغه: أنَّ عمرَ، وابنه، وعبدَ الله بن مسعود، وسالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسليمان بن يَسار، وابن شِهاب، كانوا يقولون: إذا حلف الرَّجل بطلاق المرأة قبل أنْ يَنكِحها، ثُم أَثِم، ولعل لفظ ((أثم)» سهو: إنَّ ذلك لازِمٌ له إذا نَكَحها . = ٥٨٢ سـ كتاب الطلاق قلتُ: ولنا ما عن عمر عند مالك في ((موطئه))(١)، وهو وإنْ كان في الظُّهار، لكن وقال صاحب ((الاستذكار)): لا أعلم أنه رُوي عن عمرَ في الطلاق قبل النّكاح شيءٌ صحيح، وإنّما روي عنه = فيمَن ظاهرَ مِن امرأةٍ إن تَزوَّجها، أنه لا يَقْربها إن تزوجها حتى يُكفِّر، وجائز أن يُقاس على هذا الطلاق؛ وحكى أبو بكر الرَّازي هذا القَوْلَ عن عمرَ، والنَّخَعي، والشّعبي، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، قال: واتفق الجميعُ على أنَّ النَّذر لا يصحُّ، إلاَّ في مِلك، وإنَّ مَنْ قال: إن رزقني اللَّهُ ألفاً، فللَّه عليَّ أن أتصدّق بمائة منها، أنه ناذِرٌ في مِلْك، حيث أضافه إليه، وإنْ لم يكن مالكاً في الحال، ولو قال لأمّته: إن وَلَدتِ ولداً، فهو حرِّ فولدت، عَتَق وإن لم يكن مالِكاً حالَ القَوْل، لأنه أضاف العِثْق إلى المِلْك، وإن لم يكن مالِكاً في الحال، وفي (مِشْكلِ الحديث)) للطحاوي: وقال عليه الصلاة والسلام لعمرَ: ((حَبّس الأَصْل، وسَبّل الثمرة)). فدل على جواز العقود فيما لم يَمْلكه وَقْت العقد، بل فيما يستأنف. وأجمعوا على أنه إِنْ أَوْصى بثُلث مالِه أنه يُعتبر وقت الموت، لا وقت الوصيّة، وقال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَنْ عَهَدَ اَللَّهَ لَيْنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّذَّقَنَّ﴾ فهذا نظيرُ: إن تزوجت فلانةً فهي طالق . وفي ((الاستذكار)»: لم يختلف عن مالك أنه إن عَمّم لا يلزمه، وإنْ سَمّى امرأة أو أرضاً، أو قبيلةً لَزِمه، وبه قال ابنُ أبي لَيْلى، والحسن بن صالح، والنَّخَعي، والشَّعبي، والأَوْزاعي، والليث؛ ورُوي عن الثّوري، وخَرْج وكيع عن الأسود: أنه طَلّق امرأةً؛ إن تزوجها، فسأل ابنَ مسعود، فقال: أعلمها بالطلاقٍ ثُم تزوّجها. يعني أنه كان قد تزوجها، إذ سأل ابن مسعود فأجابه بهذا، وتكون عنده على اثنين إن تزوّجها؛ ورُوي عنه فيمن قال: إِنْ تزوّجت فلانةً، فهي طالق، أنه كما قال. وقال ابنُ أبي شيبةً: حدثنا عبدُ الله بن نُمير، وأبو أسامة عن يحيى بن سعيد، قال: كان القاسم، وسالم، وعمرُ بنُ عبد العزيز يَرَوْن الطلاقَ جائزاً عليه إذا عيّن. قال: وحدثنا أبو أسامة عن عمر بن حمزة أنه سأل القاسم بن محمد، وسالماً، وأبا بكر بن عبد الرحمن، وأبا بكر بن محمد بن عُمرو بن حَزْم، وعبد الله بن عبد الرحمن عن رجل، قال: يومَ أتزوّج فلانةً فهي طالق، قال: فهي طالق. وقال أيضاً: حدثنا إسماعيل بن عُلَية عن عبد الله، قلت لسالم بن عبد الله: رجلُ قال: وكلّ امرأةٍ يتزوّجها فهي طالق، وكلّ جارية يشتريها فهي حرة، فقال: أما أنا فلو كنتُ، لم أَنْكِح، ولم أشتر. ثُم ذكر البيهقيُّ عن ابن عباس أنه استدلّ على عدم الوقوع بقوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُمّ ◌َلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، قلت: الآيةُ دَلّت على أنه إذا وُجِد النكاح، ثُم طَلّق قبل المسيس، فلا ◌ِدّة، ولم تتعرض الآية لصورة النزاع أصلاً، اهـ ((الجَوْهر النّقي)). قال الشيخ في درس الترمذي: مَنْ فَرّق بين المُعيّنة وغيرها، والمضافة إلى بلدة وغيرها، فكأنه أَراد أنَّ مَنْ أطلق في التعليق ولم يقيده بقيد، فقد حَجَر النُّكاح على نَفْسه مُطْلقاً، فينبغي أن لا يُعْتبر بقوله، أما مَنْ خصّص بوقتٍ، أو بلدةٍ، فلا بأس أن نعمل قوله، فإن فيه إعمالاً لقوله مع عدم حَجْر النّكاح على نفسه. ثُم وجدته في البداية المجتهد)» قال: وأما الفَرْق بين التعميم والتخصيص فاستحسانٌ مَبْني على المصلحة، وذلك أنه إذا عَمّم فأوجبنا عليه التعميم، لم يجد سبيلاً إلى النكاح الحلال، فكان ذلك عَنَتاً به، وحَرَجاً، وكأنه من باب نَذْر المعصية؛ وأما إذا خَصّص، فليس الأمر كذلك إذا ألزمناه الطلاق. اهـ. (١) أخرج مالك عن سعيد بن عَمْرو بن سُليم الزُّرقي أنه سأل القاسم بن محمد عن رَجُل طَلّق امرأة إنْ هو تَزوّجها، قال: فقال القاسم بن محمد: إنّ رجلاً جعل امرأةً عليه كظهر أُمه إنْ هو تزوّجها، فأمره عمرُ بنُ الخَطَّاب إنْ هو تزوّجها، لا يقربها حتى يُكفِّر كفارةَ المتظاهر. اهـ. ثُم رأيت أنَّ الشيخ ابنَ الهُمام أيضاً قد تَمسّك به، وقال: فقد صَرّح عمرُ بصحةٍ تعليقِ الظهار بالملك، ولم ينكر عليه أحد، فكان إجماعاً. كذا في ((فتح القدير))؛ قلتُ: وقد عَلِمت أنه سبقه أبو عمر، فذكره في ((الاستذكار» كما نقله العلامة المارديني في ((الجَوْهر النقي)»، وقد رأيت نَصّه آنِفاً . ٥٨٣ كتاب الطلاق إذا صحَّ الظهار في الأجنبية، فلا وَجْه أن لا يصحَّ تعليقُ الطلاقِ فيها . ١١ - بابُ الطَّلاَقِ فِي الإِغْلاَقِ، والمُكْرَهِ، وَالسَّكْرَانِ وَالمَجْنُونِ وَأَمْرِهِمِا، وَالغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ فِي الطَّلاَقِ وَالشّرْكِ وَغَيرِهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ نَّهَ: ((الأَعْمَالُ بِالنّيةِ، وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى)). وَتَلاَ الشَّعْبِيُّ: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآَ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وَمَا لاَ يَجُوزُ مِنْ إِقْرَارِ المُوَسْوِسِ. وَقالَ النَّبِيُّ ◌ََّ لِلَّذِي أَقَرَّ عَلَى نَفسِهِ: ((أَبِكَ جُنُونٌ؟)) وَقَالَ عَلِيٍّ: بَقَرَ حَمْزَةُ خَوَاصِرَ شَارِفَيَّ، فَطَفِقَ النَّبِيُّ وَّ يَلوُمُ حَمْزَةَ، فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ مُحْمَرَّةٌ عَيْنَاهُ، ثُمَّ قالَ حَمْزَةُ: هَلِ أَنْتُمْ إِلاَّ عَبِيدٌ لأَبِي، فَعَرَفَ النَّبِيُّ وَّرَ أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ، فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ. وَقَالَ عُثْمانُ: لَيسَ لِمَجْنُونٍ وَلاَ لِسَكْرَانَ طَلَاقٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: طَلَاَقُ السَّكْرَانِ وَالمُسْتَكْرَهِ لَيْسَ بِجَائِزِ. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ: لاَ يَجُوزُ طَلَاقُ المُؤَسْوِسَِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا بَدَأَ بِالطَّلاَقِ فَلَهُ شَرْطُهُ. وَقَالَ نَافِعٌ: طَلَّق رَجُلٌ امْرَأَتَهُ البَّةَ إِنْ خَرَجَتْ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنْ خَرَجَتْ فَقَدْ بُتَّتْ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ فَلَيْسَ بِشَيءٍ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ قالَ: إِنْ لَمْ أَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا فَامْرِأَتِي طَالِقٌ ثَلاَثَاً، يُسْأَلُ عَمَّا قَالَ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حِينَ حَلَفَ بِتِلك اليَمِينِ؟ فَإِنْ سَمَّى أَجَلاً أَرَادَهُ وَعَقَدَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ حِينَ حَلَفَ، جُعِلَ ذلِكَ في دِينِهِ وَأَمانَتِهِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنْ قالَ: لاَ حَاجَةَ لِي فِيكِ، نِيَُّهُ، وَطَلاَقُ كُلِّ قَوْم بِلِسَانِهِمْ. وَقَالَ قَتَادَةُ: إِذَا قَالَ: إِذَا حَمَلتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثً، يَغْشَاهَا عِنْدَ كُلَّ طُهْرٍ مَرَّةً،ً فَإِنِ اسْتَبَانَ حَمِلُهَا فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ. وَقال الحَسَنُ: إِذَا قال: الحَقِي بِأَهْلِكِ، نِيَّتُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: الطَّلاقُ عَنْ وَطَرٍ، وَالعَتَاقُ ما أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللّهِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِنْ قالَ: ما أَنْتِ بِامْرَأَتِّي، نِيَّتُهُ، وَإِنْ نَوَى طَلَاَقاً فَهُوَ مَا نَوَى. وَقَالَ عَلِيٍّ: أَلَمْ تَعلَمْ أَنَّ القَلَمَ رُفعَ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيقِظَ. وَقَالَ عَليٍّ: وَكُلُّ الطَّلاَق جائِزٌ، إِلاَّ طَلاَقَ المَعْتُوهِ. ٥٢٦٩ - حدّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: حَدَّثَنَا قَتَادةُ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي ما حَدَّثَتَ بِهِ أَنْفُسَهَا، ما لَمْ تَعْمَل أَوْ تَتَكَلَّمْ)). وقالَ قَتَادَةُ: إِذَا طَلَّقَ في نَفْسِهِ فَلَيْسَ بِشَيءٍ . [طرفه في : ٢٥٢٨]. ٥٢٧٠ - حدّثنا أَصْبَغُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عبدِ الرَّحِمِنِ، عَنْ جابِرٍ: أَنَّ رَجْلاً مِنْ أَسْلَمَ أَتَّى النَّبِيَّ ◌َّهَ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ زَنَى، فَأَغْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَخَّى لِشِقِّهِ الَّذِي أَعْرَضَ، فَشَهِدَ عَلَى نَفِسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَدَعاهُ فَقَالَ: ((هَل ◌ِكَ جُنُونٌ؟ هَلِ أَحْصَنْتَ؟)). قالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ أَن يُرْجَمَ بِالمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ جَمَزَ حَتَّى أُدْرِكَ بِالحَرَّةِ فَقُتِلَ. [الحديث: ٥٢٧٠ - أطرافه في: ٥٢٧٢، ٦٨١٤، ٦٨١٦، ٦٨٢٠، ٦٨٢٦، ٧١٦٨]. ٥٨٤ كتاب الطلاق ٥٢٧١ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ وَسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قالَ: أَتَى رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ رَسُولَ اللّهِ وَ﴾ وَهُوَ في المَسْجِدِ، فَنَادَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنَّ الأَخِرَ قَدْ زَنَى - يَعْنِي نَفِسَهُ - فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَخَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذي أَعْرَضَ قِبَلَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنَّ الأَخِرَ قَدْ زَنَى، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَخَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ، فَقَالَ لَهُ ذلِكَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَتَنَخَّى لَهُ الرَّابِعَةَ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفسِه أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ فَقَالَ: ((هَل بِكَ جُنُونٌ؟)). قالَ: لاَ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوه)). وَكانَ قَدْ أُحْصِنَ. [الحديث ٥٢٧١ - أطرافه في: ٦٨١٥، ٦٨٢٥، ٧١٦٧]. ٥٢٧٢ - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جِابِرَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ الأَنْصَارِيَّ قالَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالمُصَلَّى بِالمَدِينَةِ، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الحِجَارَةُ جَمَزَ، حَتَّى أَدْرَكْنَاهُ بِالحَرَّةِ، فَرَجَمْنَاهُ حَتَّى ماتَ. [طرفه في: ٥٢٧٠]. والإِغلاق لفظ حديث ابن ماجه، واختُلف في شَرْحه، قيل: هو الإِكراه، وقيل: الجنون، والمتبادر من لفظه هو الأَوّل، والأكثرون في طلاق المُكْره، إلى أنه لا يقع، ويقع (١) عندنا. ومَرّ عليه السُّهيلي في ((الروض الأنف)) وصرح أنَّ الوَجْه الفِقْهي يؤيِّدُه، وقَوّى مذهب الحنفية. قلتُ: وقد رَخّص الحنفية للمكره بالتوريةِ(٢)، فاعتبروا توريتَه ديانةً وقضاءً، فقد أخرجوا له سبيلاً، إلاَّ أنه إذا عجز واستحمق هو، ولم يعمل بما رُخِّص به، فكيف لا نعتبرُ بطلاقه؟! وراجع ((شرح الوقاية))(٣). قوله: (السَّكْران) "نشه والا"، وليست ترجمته "بيهوش"، ولنا في السُّكر من الحَرَامِ قولان، فإِن كان من الحلالِ لا يقعُ طلاقُه، قولاً واحداً. قوله: (والغَلَط) وهو الخطأ، أي أراد أن يسبِّح اللَّهَ، فسبق على لسانه ذِكْر الطلاق. (١) وفي ((البِناية)) و((عُمدة القاري)) أنَّ مَذْهبنا مذهبُ عُمر، وعلي، وعبد الله بن عُمر رضي الله عنهم، وبه قال الشَّعبي، وابنُ جُبير، والنَّخعي، والزّهري، وسعيد بن المُسيَّب، وشُرَيح القاضي، وأبو قِلابة، وقَتادة، والثّوري، وراجع ((المعالم)). (٢) قال الخطابي: قال أصحابُ الشافعي في الكُره: إنما لا يمضي طلاقُه إذا وَرّى عنه بشيء، مثل أن ينوي طلاقاً من وَثاق، أو نحوه، كما يُكْره على الكُفْر، فيؤدِّي وهو يعتقِدُ بقلبه الإِيمان. اهـ ((معالم)). قلتُ: وحينئذ فليحرر الفَرْق بينه وبيننا . (٣) قال ابن رُشْد: وسببُ الخلافِ هل المُطلّقِ من قبل الإِكراه مختارٌ أم ليس بمختار؟ لأنه ليس يُكْره على اللفظ إذا كان اللفظُ إنما يقع باختيارِه، والمُكْره على الحقيقةِ، هو الذي لم يكن له اختيار في إيقاع شيءٍ أصلاً. اهـ ((بداية المجتهد)». وراجع ((الجَوْهر الثَّقي)). ٥٨٥ كتاب الطلاق قوله: (والنسيان) واستُشكلت على بَعْضهم صورةُ النِّسيان، وذَكَر له في ((البحر)) صوراً، نحو أن يقول: إن أجزتُ لك أن تذهبي إلى بيتٍ فُلان، فأنت طالق، فنسي وأجاز. قوله: (والشِّرك) وإنما أضافه لكونه لفظاً قرآنياً، إلا أنه مُقيّد بكونٍ قلبه مطمئناً بالإِيمان. قوله: (الأعمال بالنية) وقد علمت أنَّ الحديث في بيان أن نوعَ الأعمال من تَنَوُّع النيات، فإِيراده هُهنا في غير موضعه. قوله: (وتلا الشَّعبي: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َِّينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا﴾) ... إلخ، ولذا سبق مني ج أنَّ النِّسيان والخطأ اعتُبر في الشَّرْعِ عُذْراً، أزيدُ مما اعتبره الحنفيةُ في نِقْههم. قوله: (والمُوَسوس) المَجْنُون، أو المَعْتوه، والعَتْه أخفُّ من الجنون، وضَبْطُه مُشْكِل. قوله: (أَبِك جُنونٌ) فدلّ على أن الجُنون مُسْقِط. قوله: (إذا بدأ بالطلاقِ فله شَرُْه) يعني لا فَرْق بين تقديم الشَّرط وتأخِيره، ولا تناسب له في سلسلة المسائل. قوله: (يُسْأل عَمّا قال) يعني ما أراد مِن قوله: كذا وكذا. وفي ((الكنز)) أن في قوله: لا آكُل طعاماً بلفظ عام قولان: قيل: لا يُعتبر فيه الخُصوص، وقال الخَصّاف(١) : يُعتبر ديانةً. قوله: (فإِنْ سَمّى أَجَلاً) ... إلخ. والنيةُ عندنا تَعْمل في الملفوظ فقط، فهذا مخالِفٌ لنا، لأن بيانَ الأَجَل تقييدٌ لا تخصيص. قوله: (جُعِل ذلك في دِينِه) هذا هو الدِّيانة التي تُقابل القضاء. (١) قلتُ: وفي ((الدُّرِّ المختار)) من كتاب الإِيمان: إنْ أكلتُ، أو شرِبتُ، أو لبستُ، أو نكحت، ونحو ذلك، فعبدي حُرّ، ونوى مُعَيّناً أي خبزاً، أو لبناً، أو قطناً مثلاً، لم يصدّق أَصْلاً، فَيَحْنَث بما أكل، وشرب، وقيل: يُدَيَّن، كما لو نوى: كلّ الأطعمة، وكلّ مياه العالم، حتى لا يحنث أصلاً، ولو ضم: إن أكلت طعاماً، أو شربت شراباً، أو لبست ثوباً دُيِّن، وقال: تخصيص العام يَصِح ديانةً إجماعاً، فلو قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، ثم قال: نويت من بلد كذا لا يصدّق قضاء، وكذا مَنْ غَصَب دراهمَ إنسان، فلما استحلفه الخَضْم عامّاً، نوى خاصّاً، به يفتى، خلافاً للخَصّاف. وفي ((الوالولجية)). متى حَلّفه الظالم، أو أخذ بِقَول الخَصّاف، فلا بأس به. وقالوا: النِّية للحالف، ولو بِطلاقٍ، وعِتاق، وكذا بالله لو مظلوماً، وإنْ ظالماً فللمُسْتَحلِف، ولا تعلّق للقضاءِ في اليمين بالله. انتهى، ففيه تصريحٌ بجواز تخصيصٍ العام ديانةً. ٥٨٦ كتاب الطلاق قوله: (لا حاجةً لي فيك) ولا يقع منه الطلاق عندنا وإنْ نواه، وَوَجْهه في ((البحر)). قوله: (وقال ابن عباس: الطلاق عن وَطَر) أي يكون بحاجةٍ، ولا يكون بلا وَجْه. قوله: (والعَتاق ما أُريد به وَجْهُ الله) فلو قال: أنت حُرٌّ للشيطان، عَتَق عندنا، أما قوله: ((للشيطان))، فلغوٌ. قوله: (وقال عليّ: ألم تعلم) ... إلخ، وهي القِصّة التي قال فيها عمرُ: لولا عليّ لهلك عمرُ، وتفصيل القصة: أنَّ عمرَ أمَر برجم امرأةٍ، فاستقبلها عليٍّ، فأخذها، وذهب بها إلى عمرَ، وقال: ألم تعلم ... إلخ. قلتُ:َ والوَجْهُ عندي أن عمرَ لم يُدْرِك جنونَها، وإلا فالرَّجْم على المجنونةِ بديهي البطلان، وذلك لأن في الرواية أنه لما أَمَر برجمِها كانت تَضْحك. فقال عليٍّ: لعلّ في عقلها فُتوراً. ولا تحزن باختلاف الرواة، بأنه كان في الرواية الأولى؛ أنّ علياً استقبلها، ثم ذهب بها إلى عمرَ، وفي رواية أخرى: أنه كان قاعداً عنده وَقْت القضاء، ورآها ضاحِكةً، فإِن ذلك معروفٌ فيما بينهم، وعليك بالقَدْر المشترك. ٥٢٦٩ - قوله: (إذا طَلَّق في نفسه، فليس بشيء) وهو مَذْهبنا، بل كلُّ شيء يتلفظ به لا يتعلق بتصوره في ذِهْنه، حُكمٌ عندنا، ما لم تسمعه أذناه، كالقراءة في الصلاة. ١٢ - بابُ الخُلع(١) وَكَيفَ الطَّلاَقُ فِيهِ وَقَوْلِ اللّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحِلُ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُواْ مِمَّاَ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّ أَن يَخَافَآَ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وَأَجازَ عُمَرُ الخُلعَ دُونَ السُّلطَانِ. وَأَجازَ عُثْمانُ الخُلعَ دُونَ عِقَاصِ رَأْسِهَا. وَقَالَ طَاوُسٌ: ﴿إِلَّ أَنْ يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فِيما افتَرَضَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ في العِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ، وَلَمْ يَقُل قَوْلَ السُّفَهَاءِ: لاَ يَحِلُّ حَتَّى تَقُولَ لاَ أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ. ٥٢٧٣ - حدّثنا أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقِفِيُّ: حَدَّثَنَا خالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ امْرَأَةً ثَابِتِ بْنٍ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ ◌ِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ، ثَابِتُ بْنُ فَيَسٍ،َ ما أَعْتُبُ عَلَيهِ في خُلُقٍ وَلَاَ دِينٍ، ولكنِّي أَكْرَهُ الكُفرَ في الإِسْلاَمِ، فَقَالَ (١) أخرج المارديني عن - مصنف ابن أبي شيبة - عن عمران بن حصين، وابن مسعود يقولان في التي تفدي من زوجها: لها طلاق ما كانت في عدتها، ورجال هذا السند على شرط الجماعة، وفي (الاستذكار)) هو قولُ أبي حنيفةً، والثَّوري، والأَوْزاعي، وابن المُسيّب، وشُرَيح، وطاوس، والزُّهري، وظاهر الكتاب يشهد لهذا القول. أهـ، ثُم قَرره، كما هو مشهور في كُتب أصول الفقه، وراجع له ((بداية المجتهد)) فإِنه مهم. ٥٨٧ كتاب الطلاق رَسُولُ اللّهِ وَله: ((أَتَرُّدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟)) قالَتْ: نَعَمْ، قالَ رَسُولُ اللّهِ بَّهِ: ((اقْبَلِ الحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطِلِيقَةً)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لا يُتَابِعُ فِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. [الحديث ٥٢٧٣ - أطرافه في: ٥٢٧٤، ٥٢٧٥، ٥٢٧٦، ٥٢٧٧]. ٥٢٧٤ - حدّثنا إِسْحاقُ الوَاسِطِيُّ: حَدَّثَنَا خالِدٌ، عَنْ خالِدِ الحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ أُخْتَ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أُبَيِّ: بِهذا، وَقَالَ: ((تَرُدِّينَ حَدِيقَتَهُ؟)) قالَتْ: نَعَمْ، فَرَدَّتْهَا، وَأَمَرَهُ يُطَلِّقْهَا. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ خالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَة، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ: ((وَطَلِّقْهَا)) [طرفه في: ٥٢٧٢]. ٥٢٧٥ - وَعَنْ أيوب بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: جاءَتِ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ، إِنِّي لاَّ أَعْتُبُ عَلَى ثَابِتٍ في دِينٍ وَلاَ خُلُقٍ، وَلكِنِّي لاَ أُطِيقُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّه: ((فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟)). قالَّتْ: نَعَمْ [طرفه في: ٥٢٧٢]. ٥٢٧٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ المُبَارَكِ المُخَرِّمِيُّ: حَدَّثَنَا قُرَادٌ أَبُو نُوح: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قالُ: جاءَتِ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِّ قَيِسِ بْنِ شِمَّاسٍ إِلَى النَّبِيِّ ◌َهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ، ما أَنْقِمُ عَلَى ثَابِتٍ في دينٍ وَلاَ خُلُقٍّ، إِلاَّ أَنِّي أَخَافُ الكُفْرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: «تَرُدِّينَ عَلَيهِ حَدِيقَتَهُ؟)) فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَرَدَّتْ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُ فَفَارَقَهَا. [طرفه في: ٥٢٧٢]. ٥٢٧٧ - حدّثنا سُلَيمانُ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ جَمِيلَةَ، فَذَكَرَ الحَدِيثَ. [طرفه في: ٥٢٧٢]. لعله أشار إلى الخِلاف في الخُلْعِ، أنه طلاقٌ بائن، أو فَسْخ، كما هو روايةٌ عند الشافعية. قوله: (أجاز عمرُ الخُلْع دون السلطان) يعني أنَّ الخُلْعِ يحتاجُ إلى القضاءِ أَو لا . قوله: (وأجاز عثمانُ الخُلع دون عِقَاص رأسها) أي لو خالعه بمالها كله، حتى أنه لم يبق لها غيرُ عِقَاصها، جاز أيضاً. قوله: (ولم يقل قَوْل السفهاء) ... إلخ، هذا من مقولةِ المُصنِّف، يعني أن طاوساً أجاز الخُلْع عند إقامة حدود الله، ولم يقل كما قال بعضُ السفهاء: إنه لا يجوز له الخُلْع حتى تقولَ المرأةُ: لا أغتسل لك من جنابةٍ، فحينئذ تكون ناشِزةً، ويجوز الخُلْعِ. ٥٢٧٣ - قوله: (ثابت بن قَيْس ما أعتب عليه) وكانت تحته بِنْتُ أُبَي، وكانت جميلةٌ، وكان ثابتٌ أدم قصيراً . قوله: (وطَلِّقها تطليقةً) والظاهر أنه مِن صريح لَفْظ الطلاق، وليس بلفظِ الخُلْع، إلا أن الطلاقَ بالمال، والخلع كلاهما طلاقٌ بائن. ٥٨٨ كتاب الطلاق ١٣ - بابُ الشِّقَاقِ وَهَل يُشِيرُ بِالخُلعِ عنْدَ الضَّرُورَةِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمَا مِنْ أَهْلِهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥]. ٥٢٧٨ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيِكَةَ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ الزُّهرِيِّ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ بِّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ بَنِيَ المُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا فِي أَنْ يَنْكِحَ عَلِيٌّ ابْنَتَهُمْ، فَلاَ آذَنُ)). [طرفه في: ٩٢٦]. في فِقْه (١) المالكية: أنَّ للحَكَمين خياراً بالتفريق، فإِذا فَرّقا، فلا خِيار للزوجين، وهو حيلةٌ لمن فُقِد أزواجُهن، وتركهن كالمعلقة. وإنما للحَكَمين عندنا المكالمةُ في الصّلح وغيره فقط، قلتُ: وتبادر القرآن إلى المالكية، ولذا قال أبو بكر بن العربي المالكي: إنّ الآيةَ أقعدُ بمذهبهم . ١٤ - بابٌ لاَ يَكُونُ بَيْعُ الأَمَّةِ طَلاَقاً ٥٢٧٩ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ قالَ: حَدَّثَني مالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا، زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َ لِ قَالَتْ: كانَ في بَرِيرَةَ ثَلاَثُ سُنَنٍ: إِخْدَى السُّنَنِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ : (الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقِ)). وَدَخَلَ رَسُولُ اللّهِ وَلَهُ وَالبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْم، فقُرِّبَ إِلَيهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْم البَيتِ، فَقَالَ: ((أَلَمْ أَرَ البُرْمَةَ فِيهَا لَحْمٌ؟)) قالُوا: بَلَى، وَلِكِّنْ ذلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيَرَةَ، وَأَنْتَ لاَ تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ. قالَ: ((عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ)). [طرفه في: ٤٥٦]. یرید خلافَ ما تفرد به أَنَس . ١٥ - بابُ خِيَارِ الأَمَةِ تَحْتَ العَبْدِ ٥٢٨٠ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ وَهَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَيتُهُ عَبْداً، يَعْنِي زَوْجَ بَرِيرَةَ. [الحديث ٥٢٨٠ - أطرافه في: ٥٢٨١، ٥٢٨٢، ٥٢٨٣]. ٥٢٨١ - حدّثنا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: ذَاكَ مُغِيثٌ عَبْدُ بَنِي فُلاَنٍ - يَعْنِي زَوْجَ بَرِيرَةَ - كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيهِ يَتْبَعُهَا في سِكَّكِ المَدِينَةِ، يَبْكِي عَلَيهَا. [طرفه في: ٥٢٨٠]. ٥٢٨٢ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قالَ: كانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْداً أَسْوَدَ، يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ، عَبْدَاً لِبَنِي (١) هكذا فَصّله ابنُ رُشْد في ((بداية المجتهد)). ٥٨٩ كتاب الطلاق فُلاَنٍ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيهِ يَطُوفُ وَرَاءَهَا في سِكَكِ المَدِينَةِ. [طرفه في: ٥٢٨٠]. خالف أبا حنيفة، وجعل لها الخِيَارَ إن كانت تحت العبد، وإن كانت تحت الحُرِّ فلا خيار لها، وراجع ((الحاشية))، و((العيني)). ١٦ - بابُ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ◌َّرِ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ ٥٢٨٣ - حدّثنا مُحَمِدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كانَ عَبْداً يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ،َ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيهِ يَطُوفُ خَلِفَهَا يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَهْ لِعِبَّاسِ: ((يَا عَبَّاسُ، أَلاَ تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مغيثاً؟!)). فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: (لَوْ رَاجَعْتِيه)). قالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ تَأْمُرُنِي؟ قالَ: ((إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ)). قالَتْ: لاَ حاجَةَ لِي فِيهِ. [طرفه في: ٥٢٨٠]. ١٧ - بابٌ ٥٢٨٤ - حدّثنا عَبْدُ اللّهِ بْنُ رَجاءٍ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عنِ الأَسْوَدِ: أَنَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ، فَأَبِى مَوَالِيهَا إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِّطُوا الوَلاَءَ، فَذَكَرتَ لِلِنَّبِيِّ نَّةِ، فَقَالَ: ((اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقَيْهَا، فَإِنَّمَا الولاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)). وَأَّتِيَ النَّبِيُّ ◌َّهَ بِلَحْمٍ، فَقِيلَ: إِنَّ هذا ما تُصُدِّقَ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: ((هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ)). [طرفه في: ٤٥٦]. حدّثنا - آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، وَزَادَ: فَخُيِّرَتْ مِنْ زَوْجِهَا . ١٨ - بابُ قَوْلِ اللّهِ تَعَالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] ٥٢٨٥ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا لَيثُ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ نِكاح النَّصْرَائِيَّةِ وَاليَهُودِيَّةِ، قالَ: إِنَّ اللّهَ حَرَّمَ المُشْرِكاتِ عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَلاَ أَعْلَمُ مِنَ الإِشْرَاكَ شَيْئاً أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تَقُولَ المَرْأَةُ: رَبُّهَا عِيسى، وَهُوَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللّهِ. ٥٢٨٥ - قوله: (إنَّ ابنَ عُمر كان إذا سُئِل عن نِكاح النصرانية، أو اليهودية، قال: إنَّ الله حَرَّم المشركاتِ) ... إلخ، وهذا مما تضرر به ابنُ عمرَ في عدم إباحة النكاح بالكتابية. وأجاب الجمهورُ أن القرآن أباح لنا نِكاحَهنّ، مع العلم بأنهنَّ مشركاتٌ، فكأنّ هذا النوع اختص من المشركين بأحكام على حِدَة، ولعله يقول: إنَّ القرآن، قَيّد جوازَ نكاح الكتابيات بالإِحصان. ومَنْ دَعَى نِداً، وقال: ثالثُ ثلاثة، فإنه ليس بِمُحْصَن. ١٩ - بابُ نِكاح مَنْ أَسْلَمَ مِنَ المُشْرِكَاتِ وَعِدَّتِهِنَّ ٥٢٨٦ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوَسى: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنِ ابْنٍ جُرَيجٍ. ٥٩٠ كتاب الطلاق وَقَالَ عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كانَ المُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنَ النَّبِيِّ نَ وَالمُؤْمِنِينَ، كانُوا مُشْرِكِي أَهْلِ حَرْبٍ، يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ، وَمُشْرِكِي أَخَلِ عَهْدٍ، لاَ يُقَاتِلُهُمْ وَلاَ يُقَاتِلُونَهُ، وَكَانَ إِذَاَ هَاجَرَّتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الحَرْبِ لَمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَظْهُرَ، فَإِذَا طَهُرَتْ حَلَّ لَهَا النِّكَاحُ، فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَاَ قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ، رُدَّتْ إِلَيهِ، وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ مِنْهُمْ أَوْ أَمَةٌ، فَهُمَا حُرَّانٍ، وَلَهُمَا مَا لِلِمُهَاجِرِينَ، ثُمْ ذَكَرَ مِنْ أَهْلِ العَهْدِ مِثْلَ حَدِيثٍ مُجَاهِدٍ : وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ لِلمُشْرِكِينَ أَهْلِ العَهْدِ لَمْ يُرَدُّوا. وَرُدَّتَْ أَثْمَانُهُمْ. ٥٢٨٧ - وَقَالَ عَطَاءُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كانَتْ قُرَيْبَةُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، فَطَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَهَا مُعَاوِيَّةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ. وَكانَتْ أُمُّ الحَكَمِ ابْنَةُ أَبِي سُفْيَانَ تَحْتَ عِيَاضٍ بَنِ غَنْمِ الفِهْرِيِّ، فَطَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ عُثْمانَ الثَّقَفِيُّ. أي ما الحكم فيما إذا أسْلم أحدُ الزَّوْجَين؟ قلنا: إنْ كان الزَّوْجانِ في دار الإِسلام يُعْرض الإِسلامُ على الآخَر، فإِن أسلم هو أيضاً، فهما على نكاحهما، وإلاَّ بانت منه؛ وإنْ كانا في دار الحرب، لم تقع الفُرْقة حتى تحيضَ ثلاثَ حِيض، وقرره صاحب ((الهداية)): إنَّ عَرْض الإِسلام لما تعذّرِ لانقطاع ولاية العرض، وتبايُنِ الدَّارين، ولم يهاجر هو أيضاً، ولا بدّ من الفُرقة رَفْعاً للفساد، أقمنا شرطها وهو مُضي الحيضِ مقام السبب، وإذا خرجت المرأةُ إلينا مُهاجِرةً وقعت البينونةُ بمجرد المهاجَرة، ولا عِدّة عليها . ٥٢٨٧ - قوله: (لم تُخطب حتى تَحِيض وتَطهر) وهو مذهب أبي حنيفة. ثُم إنها لیست بِعِدّة عندنا . قوله: (وإن هاجر عبد منهم، أو أمة، فهما حُرّان) وهو مذهبُ أبي حنيفةً. قوله: (ثُم ذكر من أهل العهد مثل حديث مجاهد) وحديثُ مجاهد ذكره عَقِیبه، وليعلم أن ما نقله المصنّف من الآثار تفيد الحنفية في أنه لا عِدّة عليها . ٢٠ - بابٌ إِذَا أَسْلَمَتِ المُشْرِكَةُ أَوِ النَّصْرَانِيَّةُ تَحْتَ الذِمِّيَّ أَوِ الحَرْبِيِّ وَقَالَ عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا أَسْلَمَتِ النَّصْرَانِيَّةُ قبْلَ زَوْجِهَا بِسَاعةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ. وَقالَ دَاوُدُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الصَّائِغَ: سُئِلَ عَطَاءٌ: عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ العَهْدِ أَسْلَمَتْ، ثُمَّ أَسْلَمَ زَوْجُهَا في العِدَّةِ، أَهِيَ امْرَأَتُّهُ؟ قالَ: لاَ، إِلاَّ أَنْ تشَاءَ هِيَ بِنِكَاحِ جَدِيدٍ وَصَدَاقٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا أَسْلَمَ في العِدَّةِ يَتَزَوَّجُهَا. وَقَالَ اللّهُ تَعَالَى: ﴿لَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَ هُمْ يَحِلُونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وَقَالَ الحَسَنُ وَقَتَادَةُ في مَجُوسِيَّينِ أَسْلَمَاهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَإِذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَأَبى الآخَرُ بَانَتْ، لاَ سَبِيلَ لَهُ عَلَيهَا. وَقَالَ ابْنُ جُرَيج: قُلتُ لِعَطَاءٍ: امْرَأَةٌ مِنَ المُشْرِكِينَ جاءَتْ إِلَى المُسْلِمِينَ، ٥٩١ كتاب الطلاق أَيُعَاوَضُ زَوْجُهَا مِنْهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَءَانُوهُم مَّا أَنَفَقُواْ﴾؟ [الممتحنة: ١٠]. قال: لاَ، إِنَّما كانَ ذَلِكَ بَيْنَ النَّبِّوَّهِ وَبَيْنَ أَهْلِ العَهْدِ. وقالَ مُجَاهِدٌ: هذا كلَّهُ فِي صُلحِ بَيْنَ النَّبِيِّ ◌َِ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ. ٥٢٨٨ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. وَقالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ: حَدَّثَنِي يُونُسُ: قَالَ ابْنُ شِهَابَ: أَخْبَرَنِي عُروَةُ بْنُ الزُّبَيرِ: أَنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَّوْجَ النَّبِيِّ ◌َّرِ قَالَتْ: كانَتِ المُؤْمِنَاتُ إِذَا هَاجَرْن إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّهُ يَمْتَحِنُهُنَّ بِقَوْل اللّهِ تَعَالَى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ إِذَا جَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] إِلى آخِرِ الآية. قالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أَقَرَّ بهذا الشَّرْطِ مِنَ المُؤْمِنَاتِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالِمِحْنَةِ، فَكَانَ رَسُولُ اللّهِ وََّ إِذَا أَقْرَرْنَ بِذلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ قالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللّهِ وَّ : ((انْطَلِقْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ)). لاَ وَاللَّهِ ما مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللّهِ وَلَ يَدَ امْرَأَةٍ قَطْ، غَيْرَ أَنَّهُ بَايَعَهُنَّ بِالكَلاَم، وَاللّهِ ما أَخَذَ رَسُولُ اللّهِ وَيَ عَلَى النِّسَاءِ إِلاَّ بِمَا أَمَرَهُ اللّهُ، يَقُولُ لَهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَلَيهِنَّ: ((قَدْ بَايَعْتُكُنَّ)) كَلَاماً. [طرفه في: ٢٧١٣]. واعلم أنَّ الذِّمي أو الحربي ليسا بِلَقَبين من حيثُ المذهب، بل هما لقبان من تلقاء الدَّار. قوله: (عن ابن عباس إذا أسلمت النصرانيةُ قبل زَوْجِها بساعة، حَرُمت عليه) فقال بالحرمة بدون عَرْض الإِسلام أو غيره، وهو مختارُ البخاري، فيقطع الفُرقة بلا مُهْلة. قوله: (إذا أسلم في العِدّة يتزوّجان) فاعتبر بالعِدّة. قوله: (في مجوسِيّين أسلما) أي أسلما معاً، فهما على نِكاحِهما، وهو المذهبُ عندنا، ولا عبرةَ بالنَّظر المنطقي، بأن صورة إسلامهما معاً متعذُّر، فلا بدّ من التقدّم، ولو يسيراً، لأنَّ التقدّم مِثْله ساقِطٌ لا يُعتبر به. قوله: (وإذا سبق أَحَدُهما صاحِبه، وأَبى الآخَرُ بانت) ... إلخ، وهذا يشيرُ إلى عَرْضِ الإِسلام أيضاً، لأنه أدارَ البينونةَ على الإِباء، والإِباء يُشْعر بِعَرْض الإِسلام عنده أيضاً . ٥٢٨٨ - قوله: (فَقَد أقرَّ بالمِحْنةِ) "بابندى أحكام شرع كى " أي التقيّد والتعبُّد بالشَّرْع. ٢١ - بابُ قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى: ﴿لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَابِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةٍ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُو﴾ : رَجَعُوا ٢٢ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ٢٢٧ وَإِنْ عَزَمُواْ الطَلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ ٥٢٨٩ - حدّثنا إِسْماعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيسٍ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ سُلَيمانَ، عَنْ حُمَيدٍ الطِّيلِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مالِكِ يَقُولُ: أَلَى رَسُولُ اللّهِ نَّهُ مِنْ نِسَائِهِ، وَكَانَتِ انْفَكَّتْ ٥٩٢ كتاب الطلاق رِجْلُهُ، فَأَقَامَ في مَشْرُبَةٍ لَهُ تِسْعاً وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ، آلَيتَ شَهْراً؟ فَقَالَ: ((الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ)). [طرفه في: ٣٧٨]. ٥٢٩٠، ٥٢٩١ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا كانَ يَقُولُ في الإِيلاَءِ الَّذِي سَمَّى اللهُ تعالى: لاَ يَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدَ الأَجَلِ إِلاَّ أَنْ يُمْسِكَ بِالمَعْرُوفِ، أَوْ يَغْزِمَ الطَّلاَقَ كَمَا أَمَرَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ لِي إِسْماعِيلُ: حَدَّثَني مالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرِ: يُوقَفُ حَتَّى يُطَلِّقَ، وَلاَ يَقَعُ عَلَيهِ الطَّلاَقُ حَتَّى يُطُلِّقَ. وَيُذَكَرُ ذلِكَ عَنْ: عُثْمانَ، وَعَلِيٍّ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعائِشَةَ، وَاثْنَي عَشَرَ رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِّ ◌ََّ . واعلم أنَّ الشَّرْع اعتُبِر الإِيلاء بما دونَ أربعة أشهر يميناً كسائر الأَيْمان، ولم يدخل فيه بنفسه، فإِذا حلف بالمدةِ المذكورة، فكأنّه أراد الحَيْف عليها، فجعل له باباً، وبنى له أَحْكاماً، فإِن جامَع المولى في المدّة عليه كفارةُ يمينه، وإنْ بَرّ فيه، ولم يُجامع بانَت منه بلا تفريق القاضي. وقال الآخَرُون: إنَّ القاضي يُجْبر عليه بعد مُضي المُدّة. إما أن يفيء، أو يُفرِّق القاضي بينهما، فإِن فاء عليه كفارةُ يمينه، وأَتَى البخاريُّ بآثارٍ على خلاف مذهب الحنفية. قلتُ: والأَصْل أن المَدار فيه على التفَقّه (١) ، وقد مَرّ معنا أن سطح الإِيلاء يقتضي أن لا يحتاج الفُرقة فيه إلى قضاءِ القاضي، وذلك لأنه ضَرَب فيه مُدّة، ومُضي تلك المدّةِ لا يحتاجُ إلى القضاء، بل ذلك أَمْر يَتِم وهي في بيتها أيضاً، بخلاف اللِّعان، كما قَرّرناه. ولما تبينت أن المسألة سَرى فيها الاجتهادُ، لم أتأثر مِن تعديد المصنّف أسماء السَّلف. وراجع(٢) من الشروح أسماء مَنْ وافقنا مِن السَّلف. (١) ذكره ابنُ رُشْد، فقال: وأما أبو حنيفة فإِنه اعتمد في ذلك تَشْبيه هذه المدةِ بالعِدّة الرجعية، إذ كانت العِدة إنما شُرِعت لئلا يقعَ منه ندم؛ وبالجملةَ فَشَبّهوا الإِيلاء بالطلاق الرجعي، وشبهوا المُدّة بالعدّة، وهو شَبَهُ قوي، وقد رُوي ذلك عن ابن عباس. اهـ ((بداية المجتهد)). قال العلامة المارديني بعدما تكلم في أسانيد ما رُوي عن ابن مسعود: وظهر بهذا كلِّه أن ابن مسعود يرى وقوعَ الطَّلاق، بمعنى المدة، ولهذا قال صاحب ((الاستذكار)): هو مذهبُه المحفوظ عنه. وقال ابنُ أبي شيبة عن عليٍّ، قال: إذا مضت أربعةُ أشهر، فهي تطليقةٌ بائنةٌ، ومثله رَوى عنه ابنُ حَزْم، والطحاوي؛ وروى ابنُ أبي شيبة عن ابن عمرَ، وابن عباس نحوه. وفي ((الأشراف)) لابن المُنْذر: كذا قال ابنُ عباس، وابن مسعود. ورُوي ذلك عن عثمانَ بن عَفّان، وعليّ، وزَيْد بن ثابت، وابنِ عمرَ. ونقل صاحِب ((الاستذكار)) نحوه عن هؤلاء، وقال: هو قولُ أبي بكر بن عبد الرحمن، وهو الصحيح عن ابن المسيّب، ولم يختلف فيه عن ابن مسعود. وقاله الأوزاعي، ومَكْحول، والكوفيون، وأبو حنيفة، وأصحابه، والثَّوري، والحسن بن صالح، وبه قال عطاءُ، وجابر بن زَيْدٍ، ومحمد ابن الحنفية، وابن سيرين، وعِكرمة، ومَسْروق، وقَبِيصة بن ذؤيب، والحسن، والنَّخَعي. وذَكَرِه مالك عن مَرْوان بن الحَكَم، وأخرج ابن أبي شيبةَ نحوه عن أبي سَلَمة، وسالم. اهـ مختصراً، مع خلاف الأسانيد: ((الجوهر النقي)). (٢) ٥٩٣ كتاب الطلاق ٥٢٩١ - قوله: (يُوقَف) ... إلخ، أي يَحْضُر عند القاضي. قوله: (ليفيء) أو يُفَرّق بينهما(١) . ٢٢ - بابُ حُكْم المَفْقُودِ في أَهْلِهِ وَمالِهِ وَقَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: إِذَا فُقِدَ في الصَّفِّ عِنْدَ القِتَالِ تَرَبَّصُ امْرَأَتُهُ سَنَةً. وَاشْتَرَى ابْنُ مَسْعُودٍ جَارِيَةً، وَالْتَمَسَ صَاحِبَهَا سَنَةً، فَلَمْ يَجِدْهُ، وَفُقِدَ، فَأَخَذَ يُعْطِي الدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَينِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ عَنْ فُلاَنٍ فإِنْ أَبَى فُلانٌ فلي وَعَلَّيَّ، وَقالَ: هَكَذَا فَافِعَلُوا بِاللُّقَطَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ في الأَسِيرِ يُعْلَمُ مَكانُهُ: لاَ تَتَزَوَّجُ امْرَأَتُهُ، وَلَ يُقْسَمُ مالُهُ، فَإِذَا انْقَطَعَ خَبَرُهُ فَسُنَتُهُ سُنَّةُ المَفْقُودِ. ٥٢٩٢ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللّهِ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ يَحْيِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ: أَنَّ النَّبِيَّ نََّ سُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الغَنَمِ، فَقَالَ: ((خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلِذُّتْبِ)). وَسُئِلَ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ، فَغَضِبَّ وَاحْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، وَقالَ: ((ما لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا الحِذَاءُ وَالسِّقَاءُ، تَشْرَبُ المَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا)). وسُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: ((اعْرِف وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، وَعَرِّفِهَا سَنَةً، فَإِنْ جاءَ مَنْ يَعْرِفُهَا، وَإِلَّ فَاخْلِظْهَا بِمَالِكَ)). قَالَ سُفيَانُ: فَلَقِيتُ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ، قالَ سُفَيَانُ: وَلَّمْ أَحْفَظْ عَنْهُ شَيئاً غَيرَ هذا. فَقُلتُ: أَرَأَيتَ حَدِيثَ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثَِ في أَمْرِ الضَّالَّةِ، هُوَ عَنْ زَيدِ بْنِ خالِدٍ؟ قالَ: نعَمْ. قَالَ يَحْيى: وَيَقُولُ رَبِيعَةُ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زَيدِ بْنِ خالِدٍ. قالَ سُفيَانُ: فَلَقِيتُ رَبِيعَةَ فَقُلتُ لَهُ. [طرفه في: ٩١]. ويُحْكم عندنا بموتِه بموتِ أقرانِهِ، ثُم يجري الإِرثُ في ماله. وفي ((الهداية)): أنه هو الأَقيسُ، وقد قَدَّره بَعْضُهم بتسعينَ، وغيره. وأما عند مالك فينتظر أربعَ سنين، ثُم يُحكم بموتِه، وبه يفتي علماءُ زماننا. ونقل الشاميُّ مَذْهب مالك، ثُم لم ينقل شرائطه (١) قال ابنُ رُشْد: أما اختلافُهم هل تَطْلق بانقضاءِ الأربعة أشهر نفسها، أم لا تطلق؟ وإنما الحُكُم أن يوقف، فإِما فاء، وإما طَلّق. فإِنَّ مالكاً، والشافعي، وأحمد، وأبا ثور، وداود، والليث ذهبوا إلى أنه يوقف بعد انقضاء الأربعة الأشهر، فإِما فاء، وإما طَلّق، وهو قول علي، وابن عمرَ، وإن كان قد رُوي عنهما غيرُ ذلك، لكن الصحيح هو هذا. وذهب أبو حنيفة، وأصحابُه، والثّوري، وبالجملة الكُوفيون إلى أنّ الطلاق يقع بانقضاء الأربعةِ أَشهر إلاَّ أن يوفيء فيها، وهو قولُ ابن مسعود، وجماعةٍ من التابعين، وسبب الخلاف هل هو قوله تعالى: ﴿فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي فإِن فاؤوا قَبْل انقضاء الأربعة أشهر، أو بعدها، فَمَن فَهِم منه قَبْل انقضائها، قال: يَقَعُ الطلاقُ، ومعنى العَزْمِ عنده في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَرَبُواْ الْطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ أن لا يفيء حتى تنقضي المُدّة. فَمَن فَهِم من اشتراط الفيئة اشتراطها بعد انقضاء المدة، قال: معنى قوله: ﴿وَإِنْ عَرَبُواْ اَلْطَّلَقَ﴾ أي باللفظ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ الخ. ((بداية المجتهد)). ٥٩٤ كتاب الطلاق عنده، والناس اليوم يفتون بمذهبه، ولا يراعون شرائطَه المدونة عندهم. فهؤلاء لا يعملون بمذهبهم، ولا بمذهبه، وإنما اعتَبَر مالك أربعَ سنين، لأنه أكثرُ مُدّة الحمل عنده، فعليها أن تنتظر تلك المدة، وتستبرىء فيها رَحِمها، ثُم إنه فَصل في تلك المدةِ، بكون المفقود في المعركة، أو القَحْط، أو الوباء، ليغلب هلاكُه، إلى غير ذلك من التفاصيل. والناس يُفتون بلا مراعاةٍ تلك الشرائط(١). واعلم أن مسائلَ الأئمة على ثلاثة أقسام: الأول: ما تتناقض في الظاهر أيضاً، مثلاً: وجوب الفُرْقة في مسألةٍ عند إمام، وعَدَمه عند إمام. فهذان الحُكْمان متناقضان ظاهراً. والثانية: ما ائتلف سطحاها، واختلف مبناها، كما ترى فيما نحن فيه، فإِن مَبْنى عبرةٍ المدّة المذكورة - عند مالك - كونُها أكثرَ مدّة الحَمْل، ثم التفريق بعده، لكونه مما (١) قال ابنُ رُشْد: واختلفوا في المفقود الذي تُجهل حياتُه، أو موتُه في أرض الإِسلام، فقال مالك: يُضْرب لا مرأتِه أربعُ سنين من يوم أن تَرْفع أَمْرَها إلى الحاكم، فإِذا انتهى الكَشْف عن حياته أو موته، فَجُهِل ذلك، ضَرب لها الحاكِم الأَجْل، فإِذا انتهى اعتدّت عِدّة الوفاة أربعةً أشهر وعشراً، وحلّت. قال: وأما مالُه فلا يورَث، حتى يأتي عليه من الزَّمان ما يُعلم أن المفقودَ لا يعيش إلى مِثْله غالباً، فقيل: سبعون، وقيل: ثمانونَ، وقيل: تسعون، وقيل: مائة، فيمن غاب وهو دون هذه الأسنان. ورُوي هذا القولُ عن عمرَ بن الخطاب، وهو مرويٌّ أيضاً عن عثمانَ، وبه قال الليث. وقال الشافعي، وأبو حنيفة، والثَّوري: لا تَحِلّ امرأةُ المفقود حتى يَصِحّ مَوْته. وقولُهم مَرويّ عن علي، وابن مسعود. والمفقود عند المحصلين من أصحاب مالك أربعة: مفقود في أرض الإِسلام، وَقَع الخلافُ فيه: ومفقودُ في أرض الحرب؛ ومفقودٌ في حروب الإِسلام - أعني فيما بينهم -؛ ومفقود في حروب الكفار. والخلافُ عن مالك، وعن أصحابه في الثلاثة أصناف من المفقودين كثير، فأما المفقود في بلاد الحرب، فَحكْمُهُ عندهم حُكْم الأسير، لا تتزوج امرأتُه، ولا يُقسم ماله حتى يَصحّ موتُه، ما خلا أَشْهبَ، فإنه حَكَم له بِحُكُم المفقود في أرض المسلمين. وأما المفقود في حروب المسلمين، فقال: إنَّ حُكْمه حُكْمُ المقتول، دون تَلوم، وقيل: يتلوم له بحسب بُعْد المَوْضِع الذي كانت فيه المعركة، وقُرْبِهِ، وأقصى الأجل في ذلك سَنة. وأما المفقودُ في حروب الكُفّار ففيه في المذهب أربعةُ أقوال، قيل: حُكْمه حُكْم الأَسير، وقيل: حُكُمه حُكْم المقتول بعد تلوم سَنة، إلا أن يكون بموضع لا يخفى أَمْرُه، فيُحكم له بِحُكم المفقود في حروب المسلمين وفتنهم. والقول الثالث: إنَّ حُكُمه حُكْم المفقود في بلاد المسلمين. والرابع: حُكُمه حُكْم المقتول في زوجته، وحُكُم المفقود في أرض المسلمين في ماله، أعني يعمر، وحينئذٍ يُورَث. وهذه الأقاويلُ كلّها مبناها على تجويز النظر بحسب الأَصْلح في الشّرع، وهو الذي يُغْرف بالقياس المُرسل، وبين العلماء فيه اختلافُ، أعني بين القائلين بالقياس. اهـ «بداية المجتهد)). وفي ((المُدَوّنة الكُبرى)) من باب ضَرْب أَجْل المفقود: قلت: أرأيت امرأةً المفقود، أتعتدُّ الأربع سنين في قول مالك بغير أمر السلطان؟ قال: قال مالك: لا، قال مالك: وإن أقامت عشرينَ سنةً، ثم رفعت أمْرها إلى السلطان نظر فيها، وكتب إلى مَوْضعه الذي خرج إليه، فإِذا يئس منه ضَرَب لها من تلك الساعة أربعَ سنين. فقيل لمالك: هل تعتدّ بعد الأزبع سنين عِدّة الوفاة أربعةً أشهر وعشراً، من غير أن يأمرَها السلطان بذلك؟ قال: نعم، ما لها وما للسلطان في الأربعة أشهر وعشراً التي هي العدة. اهـ. ٥٩٥ كتاب الطلاق يتولى به الحاكم عنده مُطلقاً. وللحنفية خلافٌ فيهما، فإِن أكثرَ مدّة الحمل عندنا سنتان، وأما التفريق من القاضي فليس عندنا إلا في باب اللعان. والثالثة: ما لا تَناقُض فيه في الظاهر، ولا في المَبْنى، إلا أن بينهما شَبَه التناقض، والتناقض بأنواعه لا يُحْتمل في الدِّين. فَمَن يفتي بمذهب مالك في مسألة المفقود يلزم عليه التناقض من حيثُ لا يدريه، فإِنه يفتي بمذهبه، ولا يشعر بأنه قد التزم في ضمنه كونَ أَكْثر مُدّةِ الحمل سنتين، وأربع سنين معاً، وكذا لا يشعر بأنه ابتُلي في التناقض في مسألة التفريق، ولو دراه لَعَلِم أنه بإِفتائه هذا قد هَدم أبواباً من فِقْه الحنفية، وإن زعم في الظاهر أنه لم يخالفه إلاَّ في تلك الجزئيةِ. فلمسائلِ الأئمة سلسلةٌ وارتباط فيما بينهما، وليست على طريق البخت والاتفاقِ، والاطلاعُ علَى أصولها، ودَرْكُ مبناها، مما يعز في هذا الزمان، فليحذر في مثل هذه المواضع، ولينظر في أن له حقاً لذلك أَوْ لا، وإنّما هو لمن كان عنده عِلْمٌ بمسائل الأئمة، ومبناها، وذَوْقٌ بمدارك الفقهاء ومغزاهم، وإلاَّ فهو رَكِبَ مَتْن عمياء، وخَبط خَبْط عشواء. قوله: (اللهم عن فلانٍ، فإِن أتى، فَلي، وعليَّ)، أي فإِن أتى صاحِبُها، فَأَجْرُ التصدُّق لي، والغرامة عليّ. وعلم منه ما كان طريقُ الإِثابة عند السلف، فاعلمه، فإنه مهم. أقول: فحينئذٍ لا حاجةَ في إيصال ثوابِ العبادات إِلّ أَنْ يقال: إني أَصُوم عن فلان، وأَهَبُ ثوابَه لفلان، فأَرْسله مني مثلاً، فالطريق المأثور، كما هو المذكور. ٢٣ - بابٌ الظّهَارِ، وقَوْلِ الله تَعَالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اَللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُحَدِلُكَ فِىِ زَوْجِهَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ١ -٤] وَقالَ لِي إِسْمَاعِيلُ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ: أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ ظِهَارِ العَبْدِ، فَقَالَ: نَحْوُ ظِهَارٍ الحُرِّ، قالَ مالِكٌ: وَصِيَامُ العَبْدِ شَهْرَانٍ. وَقَالَ الحَسَنُ بْنُ الْحُرِّ: ◌ِهَارُ الحُرِّ وَالعَبْدِ، مِنَ الحُرَّةِ وَاْلأَمَةِ، سَوَاءٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: إِنْ ظَاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ فَلَيسَ بِشَيءٍ، إِنَّمَا الِِّهَارُ مِنَ النِّسَاءِ. وَفي العَرَبِيَّةِ ﴿لِمَا قَالُواْ﴾ أي فِيمَاَ قالُوا، وفي بَعْضٍ ما قالُوا، وَهَذا أَوْلَى، لأَنَّ اللّهَ تعالى لَمْ يَدُلَّ عَلَى المُنْكَّرِ وَقَوْلِ الزُّورِ . دخل في باب الظهار. قوله: (وقال الحسنُ: ظِهار الحرّ) ... إلخ. وهي مسألة(١) أنَّ الطلاق بالرِّجال، أو بالنِّساء؟ وراجع له الفِقْه. (١) قال ابن رُشْد: وأما اختلافُهم في اعتبار نقص عدد الطلاق البائن بالرُّق، فمنهم مَنْ قال: المعتبر فيه الرجال، فإِذا كان الزوج عبداً كان طلاقُه البائن الطلقة الثانية، سواء كانت الزوجةُ حرةً، أو أَمَة. وبهذا قال مالك، والشافعيّ، ومن الصحابة عثمانُ بن عفان، وزيدُ بن ثابت، وابنُ عباس، وإن كان اختلف عنده في ذلك، = ٥٩٦ كتاب الطلاق قوله: (إنما الظهار من النساء) أي الحرائر. واعلم أن الظاهري تكلّم في وجوب الكفارة في الظهار، فقال: إنْ قلنا: عليه أن يأتي امرأته، ثُم يكفِّر عن ظهاره، يلزم أن يجبره على إتيان ما كان حَرَّم هو على نَفْسه بنفسه، وإنْ قلنا: إنه يكفِّر أَوّلاً، ثُم يَقْرَب امرأته، فلا وَجْه له، فإِنه لم يَكْسب ذنباً بعدُ لنوجِب عليه الكفارةَ، وإن قال الشافعيةُ بجواز تقديم الكفارة في اليمين، لكن الحنفية خالفوهم، ولم يوجِبُوا الكفارةَ إلاَّ بعد الحِنْث لذلك المحذور. قلتُ: والجواب أن العَوْد عندنا مُفَسّر بالعَزْم على القُرْبان، فإِن القُرْبان لا يَصْلُح له مِن أجل ظهاره، فأقيم عَزْمُ القُربان مقامَ القُربان، وعلّق به الكفارة. والعجب من الظاهري حيث فَسّره بالمعاودة إلى هذا القول مرة أخرى، وليت شِعري ما حمله على ذلك، مع أنّ القرآن نعى على قوله الأَوّل، وجعله مُنْكراً من القول وزوراً، وعاقبه بالكفارةِ، وهذا يحمله على المعاودةِ إليه مَرّة أخرى. ثُم العجب على العجب أَنَّ قَوْله: في المَرّة الأُولى إذا لم يكن موجِباً للكفارة عنده، فكيف يكون موجباً في المرة الثانية؟! إن هذا لمن عجب. قوله: (﴿لِمَا قَالُواْ﴾) فَسّره البُخاري بقوله: ((فيما قالوا))، فإِنَّ الله تعالى ما كان ليأمرَه أن يعودَ لمثله ثانياً، وقد نعى عليه أوّلاً. واستدلَّ منه الطحاوي على أن النهيَ لا يقتضي البُطلانَ، فإِنَّ الله سبحانه مع تشنيعِه على الظهار وَضَع له أَحْكاماً، فدلّ على أنَّ الشيء يكون منهياً عنه، ثم تكون له أحكامُ عند الشَّرْع. فائدة : واعلم أنه جرت مناظرةٌ بين الطبراني وبين محمد بن داود في مسألة: وكانا جالِسين على أرضٍ يابسةٍ، إذ مَرّ بهما ابنُ العميد، وأوقف دابته عليهما، فما بالا به، لكن الأشهر عنه هو هذا القول. ومنهم مَنْ قال: إنَّ الاعتبار في ذلك هو بالنساء، فإذا كانت الزوجةُ أَمةً كان طلاقُها = البائن الطلقة الثانية، سواء كان الزَّوج عبداً أو حراً، وممن قال بهذا القول من الصحابة عليٍّ، وابنُ مسعود، ومن فُقهاء الأمصار أبو حنيفة، وغيرُه. وفي المسألة قولٌ أشذّ من هذين، وهو: أن الطلاق يُعتبر برقٌ مَنْ رق منهما، قال ذلك عثمانُ البتّي، وغيره، ورُوي عن ابنِ عمر. وسبب هذا الاختلاف: هل المؤثر في هذا هو رقّ المرأة، أو رقّ الرجل؟ فمن قال: التأثير في هذا لمن بيده الطلاق، قال: يُعتبر بالرجال؛ ومَنْ قال: التأثير في هذا للذي يقع عليه الطلاق، قال: هو حُكم من أحكام المطلّقة، فشبهوها بالعِذة. وقد أجمعوا على أن العِدَّة بالنساء، أي نقصانها تابع لرق النساء، واحتج الفريق الأَوّل بما روي عن ابن عباس مَرْفوعاً إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام: أنه قال: ((الطلاقُ بالرِّجال، والعدة بالنّساء». إلا أنه حديثُ لم يثبت في الصحاح. وأما مَن اعتبر مَنْ رَقْ منهما، فإِنه جعل سببَ ذلك هو الرقُّ مُطلقاً، ولم يجعل سببَ ذلك لا الذُّكورية، ولا الأنوثية، مع الرقّ. اهـ ((بداية المجتهد)). وقد تكلّمنا في المسألة فيما مرّ مبسوطاً، مع التنبيه على تَفَقُّه صاحب ((الهداية))، والطحاوي، فراجعه. وراجع ((المعالم)) للخطّابي. ٥٩٧ كتاب الطلاق وبقيا على ما كان يجري بينهما، حتى مضى لحاجته. وابنُ العميد هذا من وُزراء الخلافةِ العَبّاسية، أديبٌ كبير، كان عَضُد الدولة دعاه إلى الوزارة، فأجابه إني أحتاج إلى أَربع مائة مِن الإِبل تَحْمِلُ كُتبي، وكان في زمنه أديبٌ آخرَ، يُسمّى أبا إسحاق، وكان صابئياً، وكان وزيراً للسَّلْطنة السُّلْجُوقية، ثم أُسْلم بعده، وكان يُعَد أَفْضَل منه، وكان ابنُ العميد، يقول: لم تبق في نفسي حاجةٌ، إلاَّ أن يقول لي أبو إسحاق: يا أستاذ، والفصل في حقهما، كما قيل: إن الصابئي يَكْتب كما يُراد، وابنَ العميد يَكْتب كما يُريد. قلتُ: وبينهما بونٌ بعید. ثُم إنَّ البخاري خالف الظاهريَّ، ولم يُرد مِن العودِ ما أراده الظاهريُّ مع كونه رفيقَه، ومنه تَعلّم قوله: ((لفظي بالقرآنِ مخلوق))، وكان الظاهري سافر إلى أحمدَ، فلما بلغه أَبَى أن يلاقِيه، وقال: لا أُحِبّ الملاقاةِ بِمَنْ قال بِخَلْق القرآن. قلتُ: وكان البخاري أيضاً سافر إليه، إلا أنه تُوفِّي قبل أن يَبْلُغه، ولو بلغه لردّه خائباً، كما ردّ الظاهري، لاشتراكهما في المقولة(١). ٢٤ - بابُ الإِشَارَةِ فِي الطَّلاَقِ وَالأُمُورِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َ هَ: ((لاَ يُعَذِّبُ اللّهُ بِدَمْعِ العَينِ، وَلكِنْ يُعَذِّبُ بِهذا)). فَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مالِكِ: أَشَارَ النَّبِيُّ ◌َ إِلَيَّ أَي: ((خُذِ النَّصْفَ)). وَقَالَتْ أَسْمَاءُ: صَلَّى النَّبِيُّ ◌َِّ في الكُسُوفِ، فَقُلتُ لِعَائِشَةَ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ - وَهيَ تُصَلِّي - فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى الشَّمْسِ، فَقُلتُ: آيَةٌ؟ فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا وَهِيَ تُصَلِّي: أَنْ نَعَمْ. وَقَالَ أَنَسٌ: أَوْمَّأَ النَّبِيُّ ◌َلَهَ بِيَدِهِ إِلَّى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوْمَأَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِيَدِهِ: (لاَ حَرَجَ)). وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: قالَ النَّبِيُّ ◌َّرَ فِي الصَّيدِ لِلمُحْرِمِ: ((أَحَدٌ مِنْكُمْ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟)) قالُوا: لاَ، قَالَ: (فَكُلُوا)). ٥٢٩٣ - حدّثنا عَبْدُ اللّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو عامِرٍ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَمْرٍو: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ خالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طَاَفَ رَسُولُ اللَّهِ مَ﴿ عَلَّى بَعِيرِهِ، وَكَانَ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ، أَشَارَ إِلَيَهِ وَكَّبَّرَ. وَقَّالَتْ زَيْنَبُ: قالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((فُتِحَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هذهٍ)). وَعَقَدَ تِسْعِينَ. [طرفه في: ١٦٠٧]. (١) قلتُ: وراجع ((بداية المجتهد))، فإِنه بسط في معنى العود مع بيان مذاهبٍ الأئمة في ذلك. وقال المارديني: والمشهور عن مالك أنه العَزْم على الوطء، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحمد. وذكر النووي أنَّ أبا حاتم القَزْويني حكاه قَوْلاً عن القديم للشافعي، وقال القاضي إسماعيل: إذا قَصَد الوَطء فقد قصد إبطالَ ما كان منه من التحريم، فقد عاد في ذلك القول، كما يقال: عاد في هبته، أي رجع عنها. وما ذهب إليه الشافعيُّ من تفسيره بالإمساك استضعفه إسماعيل، وغيره، وردُّوه بأشياء. اهـ: ((الجَوْهر النّقي))، وراجع بسط تلك الأشياء منه. ٥٩٨ كتاب الطلاق ٥٢٩٤ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلقَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ وَله: ((في الجُمُعَةِ سَاعَةٌ، لاَ يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ قَائمٌ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللّهَ خَيراً إِلاَّ أَعْطَاهُ)). وَقَالَ بِيَدِهِ، وَوَضَعَ أَنْمُلَتَهُ عَلَى بَظْنِ الوُسْطَى وَالخِنْصِرِ، قُلنَا: يُزَهِّدُهَا. [طرفه في: ٩٣٥]. ٥٢٩٥ - قَالَ: وَقَالَ الأُوَيسِيُّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ شُعْبَةَ بْنِ الحِجَّاجِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ قالَ: عَدَا يَهُودِيٌّ فيِ عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ فِيهَ عَلَى جَارِيَةٍ، فَأَخَذَ أَوَضَاحاً كانَتْ عَلَيهَا، وَرَضَخَ رَأْسَهَا، فَأَتَى بِهَا أَهْلُهَا رَسُولَ اللّهِ بَلْ وَهيَ في آخِرٍ رَمَقِ وَقَدْ أُصْمِتَتْ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللّهِ وَهَ: «مَنْ قَتَلَكِ؟ فُلاَنٌ؟» لِغَيرِ الَّذِي قَتَّلَهَا، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَنْ لاَ، قَالَ: فَقَالَ لِرَجُلٍ آخَرَ غَيرِ الَّذِي قَتَلَهَا، فَأَشَارَتْ: أَنْ لاَ، فَقَالَ: (فَقُلاَنٌ؟)) لِقَاتِلِهَا، فَأَشَارَتْ: أَنْ نَعَمْ، فَأَمِّرَ بِهِ رَسُولُ اللّهِ بَل﴿ فَرُضِخَ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَينِ. [طرفه في: ٢٤١٣]. ٥٢٩٦ - حدّثنا قَبِيصَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َّهَ يَقُولُ: ((الفِتْنَةُ مِنْ هُنَا)). وَأَشَارَ إِلَى المَشْرِقِ. [طرفه في: ٣١٠٤] . ٥٢٩٧ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللّهِ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ الشَّيبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كُنَّا فِيَ سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللّهِ نَّةِ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قَالَ لِرَجُلٍ: ((انْزِلَ فَاجْدَحْ لِي). قالَ: يَا رَسُولُ اللّهِ لَوْ أَمْسَيتَ، ثُمَّ قالَ: ((انْزِل فَاجْدَحْ)). قالَ: يَا رَّسُولَ اللّهِ لَوْ أَمْسَيْتَ، إِنَّ عَلَيكَ نَهَاراً، ثُمَّ قالَ: ((انْزِل فَاجْدَحْ)). فَنَزَلَ فَجِدَحَ لَهُ فِي الثالِثَةِ، فَشَرِبَ رَسُولُ اللّهِ وَهَ، ثُمَّ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى المَشْرِقِ، فَقَالَ: ((إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا، فَقَدْ أَفطَرَ الصَّائِمُ)). [طرفه في: ١٩٤١]. ٥٢٩٨ - حدّثنا عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع: عَنْ سُلَيمانَ التَّيمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمانَ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َيهِ: (لاَ يَمْنَعَنَّ أَحَداً مِنْكُمْ نِدَاءُ بِلاَلٍ - أَوْ قالَ أَذَنْهُ - مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّمَا يُنَادِي - أَوْ قَالَ يُؤَذِّنُ - لِيَرْجِعَ قَائِمُكُمْ وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ - كَأَنَّهُ يَعْنِي - الصُّبْحَ أَوِ الفَجْرَ)). وَأَظْهَرَ يَزِيدُ يَدَيهِ، ثُمَّ مَدَّ إِحْدَاهُما مِنَ الأُخْرَى. [طرفه في: ٦٢١]. ٥٢٩٩ - وَقالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ هُرْمُزَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلّهِ: ((مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُنْفِقِ، كَمَثَلِ رَجُلَينٍ عَلَّيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ لَدُنْ ثَدْيَيهِمَا إِلَى تَراقِيهِمَا، فَأَمَّا الَمُنْفِقُ: فَلاَ يُنْفِقُ شَيئاً إِلَّ ماذَتْ عَلَى جِلدِهِ، حَتَّى تُجِنَّ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ. وَأَمَّ الْبَخِيلُ: فَلاَ يُرِيدُ يُنْفِقُ إِلَّ لَزِمَتْ كُلُّ حَلقَةٍ مَوْضِعَهَا، فَهُوَ ٥٩٩ كتاب الطلاق يُوسِعُهَا فَلاَ تَتَّسِعُ)). وَيُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ إِلَى حَلِقِهِ. [طرفه في: ١٤٤٣]. وهي معتبرةٌ عندنا في عدد الطلاق، لا في نَفْس الطلاق، وقد مَرّت الجزئية في (الأشباه والنظائر)). وقد اعتبر بها البخاري في الطلاق، وغيره، إلا أنه أتَى بالأُمور البينية لا من باب الحُكْم والقضاء، وكلامنا في الثاني دون الأَوّل. ٥٢٩٥ _ قوله: (فَرُضِخ رأسُه بين حَجَرَين) قد فَسّر الراوي لهُهنا، وأتى بتمام القصة، فلا إشكال في الرَّضخ، وقد أجمل في بعض المواضع، فذكر الرَّضْخ، ولم يذكر اعترافاً منه، وحينئذ يُشْكل الرّضخ بقول جاريته فقط، ولا سيما إذا كانت في سياق الموت، وذلك لأنه قد مَرّ معنا مِراراً، أن الرواة لا بَحْث لهم عن تخريج المسائل، وتصحيح التفريعات، وإنما هم بِصَدد نَقْل القصة فقط، فلا يأتون بالألفاظ ناظرين إلى المسائل المختلفة، وإنما هو مِن أفعال المجتهد، وأما الراوي فلا عناية له، إلى أنه كيف القِصاص، وهل يُشترط فيه المماثلةُ أو لا؟ فتنبه. ٢٥ - بابُ اللِّعَانِ وَقَوْلِ اللّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَّقُونَ أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّمْ شُهَدَآءُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [النور: ٦ -٩]. فَإِذَا قَذَفَ الأَخْرَسُ امْرَأَتَهُ، بِكِتَابَةٍ أُوْ إِشَارَةٍ أَوْ بِإِيمَاءٍ مَعْرُوفٍ، فَهُوَ كالمُتَكَلِّم، لأَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَدْ أَجازَ الإِشَارَةَ في الفَرَائِضِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضٍ أَهْلِ الحِجَازِ وَأَهْلِ العِلم، وَقَالَ اللّهُ تَعَالَى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي اُلْمَهْدِ صَبِيًّا ﴿َ﴾ [مريم: ٢٩] وَقالَ الضَّحَّاكُ: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] الإِشَارَةً، وَقالَ بَعْضُ النَّاسِ: لاَ حَدَّ وَلاَ لِعَانَ، ثُمَّ زَعَمَ: أَنَّ الطَّلاَقَ بِكِتَابٍ أَوْ إِشَارَةٍ أَوْ إِيمَاءٍ جائزٌ، وَلَيْسَ بَيْنَ الطَّلاَقِ وَالقَذْفِ فَرْقٌ. فَإِنْ قالَ: القَذْفُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِكَلام، قِيلَ لَهُ: كَذلِكَ الطَّلاَقُ لاَ يَجُوزُ إِلاَّ بِكَلَامِ. وَإِلَّ بَطَلَ الطَّلاَقُ وَالقَذْفُ، وَكَذلِكَ العِثْقُّ، وَكَذلِكَ الأَصَمُّ يُلاَعِنُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَقَتَّادَةُ: إِذَا قالَ أَنْتِ طَالِقٌ، فَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ، تَبِينُ مِنْهُ بِإِشَارَتِهِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: الأَخْرَسُ إِذَا كَتَبَ الطَّلاَقَ بِيَدِهِ لَزِمَهُ. وَقَالَ حَمَّادٌ: الأَخْرَسُ وَاْلأَصَمُّ إِنْ قالَ بِرَأْسِهِ جازَ. ٥٣٠٠ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا لَيثٌ، عَنْ يَحْيِى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مالِكِ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللّهِ بِ: ((أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخَيرِ ذَورِ الأَنْصَارِ؟)). قالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللّهِ، قالَ: ((بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ بَنُوَ عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ بَنُو الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ بَنُو سَاِدَةَ)). ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ فَقَبَضَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ بَسَطَهُنَّ كَالرَّامِي بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيرٌ)). ٥٣٠١ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللّهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: قالَ أَبُو حازِمِ: سَمِعْتُهُ مِنْ سَهْلِ بْنِ ٦٠٠ كتاب الطلاق سَعْدِ السَّاعِدِيِّ، صَاحِبٍ رَسُولِ اللّهِ نَّهَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَةَ: ((بُعِثْتُ أَنَا والسَّاعَةُ كَهذهِ مِنْ هذهِ، أَوْ قالَ: كَهَاتَينٍ)). وَقَرَنَ بَيْنَ السَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى. ٥٣٠٢ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا جَبَلَةُ بْنُ سُحَيم: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قالَ النَّبِيُّ ◌َّةِ: ((الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا)). يَعْنِي: ثَلاَثِينَ، ثُمَّ قالَ: ((وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا)). يَعْني تِسْعاً وَعِشْرِينَ، يَقُولُ مَرَّةً ثَلاَثِينَ، وَمَرَّةٌ تِسْعاً وَعِشْرِينَ. [طرفه في: ١٩٠٨]. ٥٣٠٣ - حدّثنا محمَّدُ بْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: وَأَشَارَ النَّبِيُّ نَّهُ بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَنِ: ((ألإِيمَانُ هَا هُنَا - مَرَّتَيْنِ - أَلاَ وَإِنَّ القَسْوَةَ وَغِلَظَ القُلُوبِ في الفَذَّادِينَ - حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَاَ الشَّيْطَانِ - رَبِيعَةَ وَمُضَرَ)). [طرفه في: ٣٣٠٢] . ٥٣٠٤ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حازِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْل: قالَ رَسُولُ اللّهِ بَّر: ((أَنَا وكَافِلُ اليَتِيم في الجَنَّةِ هَكَذَا)). وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ والوُسَّطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيئاً. [الحديث ٥٣٠٤ - طرفه في: ٦٠٠٥]. قوله: (فإِذا قذف الأخرس امرأته بكتابته) ولا تَثْبت الحدودُ عندنا بهذه الأشياءِ الشبهةٍ فيها، والحدود تندرىء بالشُبهات. قوله: (وقال بعضُ الناس) ... إلخ. يريد به الحنفية. وحاصل كلامِه أن أبا حنيفة يَعْتبر الكتابةَ، والإِيماء، والإِشارة في بابِ الطلاق، ولا يعتبِرُها في القَذْف، ولا فرق بينهما، لكونهما من جنس الكلام. والجواب أنَّ الطلاق أيضاً لا يَقَع عندنا بالإِشارة، كما علمت، نعم لو طَلّق باللفظ، ثُم أشار بالأصابع إلى العدد يُعتبر، وأما الكتابة فإِن وقع بها الطلاق، لكنه لا يُعتبر بها عند الجحود، فهو من باب الدِّيانة دون القضاء. وأما قولُه بعدم الفَرْق فلا نسلِّمه، كيف! واللِّعان والقَذْف من الحدود، وهي مما تَنْدرىء بالشُّبهات، بخلاف الطلاق. قوله: (قال القَذْف لا يكون) ... إلخ. وقد سقطت منه حَرْف ((إن))، أي إن قال: القَذْف لا يكون ... إلخ. قوله: (قال إبراهيم: الأَخْرس إذا كَتب الطلاقَ بيده لَزِمه) والكِتابة عندنا على أنحاء: مُستبينةُ، وغيرُ مستبينة، كالكتابة على الهواء والماء. والأُولى إما مرسومةٌ، أو غيرُ مرسومة، والثانية لا عبرة بها، لأنها لا تَعْرى عن شبهةٍ، بخلاف الأُولى. قوله: (وقال حَمَّاه) ... إلخ. أرادَ به التدافُعَ بين كلام أبي حنيفة، وكلام شيخه حَمّاد بن أبي سليمان. واعلم أنَّ حَمّاداً أيضاً ممن رُمي بالإِرجاء، كأبي حنيفة، فلا أدري ما وَجْهُ كَفّارة المُحدِّثين من أبي حنيفة دون حَمّاد، فإن المحذور مُشْتَرك.