Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
كتاب تفسير القرآن
﴿وَءَامَنَهُمْ﴾ [٤] مِنْ كُلِّ عَدُوِّهِمْ في حَرَمِهِمْ. قالَ ابْنُ عُيَينَةَ: لإِيلاَفِ: لِنِعْمَتِي عَلَى
فَرَيشٍ.
قوله: (والجار يتعلق من قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيَّفَ﴾ ومع ذلك هما سورتان) وقد وقع
مِثْلُه في القرآنِ، فإِنْ صَعُب عليك فَهْمُه، فلك أن تقدّر فَعْلاً آخَر مُناسباً للمقام، وراجع
((الكشاف)).
بِسْمِ اللَّهِ الرََِّ الرَّحِيمَـ
سُورَةُ ﴿أَرَءَيْتَ﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يَدْعُ﴾ [٢] يَدْفَعُ عَنْ حَقِّهِ، يُقَالُ: هُوَ مِنْ دَعَعْتُ. ﴿يَدْعُونَ﴾
[الطور: ١٣] يُدْفَعُونَ. ﴿سَاهُونَ﴾ [٥] لاَهُونَ. وَ ﴿ اَلْمَاعُونَ﴾ [٧] المَعْرُوفُ كُلُّهُ، وَقَالَ
بَعْضُ العَرَبِ: المَاعُونُ: المَاءُ، وَقالَ عِكْرِمَةٍ: أَعْلَاَهَا الزَّكَاةُ المَفْرُوضَةُ، وَأَدْنَاهَا عَارِيَّةُ
المَتَاعِ.
قوله: (﴿اُلْمَاعُونَ﴾) "جوكام مروت کی هوتی هین."
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
سُورَةُ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ
وَقَالَ ابْرُ عَبَّاسٍ: ﴿شَانِئَكَ﴾ [٣] عَدُوََّ.
١ - باب
٤٩٦٤ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شَيبَانُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَمَّا
عُرِجَ بِالنَّبِيِّ نَّةٍ إِلَى السَّمَاءِ، قالَ: ((أَتَيتُ عَلَى نَهَرٍ، حافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤْ مُجَوَّف، فَقُلتُ:
ما هذا يَا جِبْرِيلُ؟ قالَ: هذا الكَوْثَرُ)). [طرفه في: ٣٥٧٠].
٤٩٦٥ - حدّثنا خالِدُ بْنُ يَزِيدَ الكاهِلِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي
عُبَيْدَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ قالَ: سَأَلْتُهَا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ
﴾ قالَتْ: نَهَرٌ أُعْطِيَهُ نَبِيُّكُمْ بِِّ شَاطِئَاهُ عَلَيْهِ دُرِّ مُجَوَّفٌ، آنِيَتُهُ كَعَدَدِ النُّجُومِ.
رَوَاهُ زَكَرِيَّاءُ، وَأَبُو الأَخْوَصِ، وَمُطَرِّفْ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ.
٤٩٦٦ - حدّثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرِ، عَنْ سَعِيدٍ بْن
جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قالَ في الكَوْثَرِ: هُوَ الخَيْرُ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهَ
إِيَّاهُ. قالَ أَبُو بِشْرٍ: قُلتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ: فَإِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَهَرٌ في الجَنَّةِ؟ فَقَالَ

٤٦٢
كتاب تفسير القرآن
سَعِيدٌ: النَّهَرُ الذِي في الجَنَّةِ مِنَ الخَيرِ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. [الحديث ٤٩٦٦ - طرفه في:
٦٥٧٨].
واعلم أنَّ الكَوْثر أصلُه في الجنة، ثُم جيء به إلى فِناء الجَنّة، فهو دون الصِّراط،
فإِنه لما كان أَصْلُه في الجنة، فالظاهر أنه لا يكون إلاَّ في حواليها. وهذه أيضاً قرينةٌ
على كَوْن الحَوْض وراء الصِّراط، لأنَّ ماء الكوثر يغط في الحوض، أما المَحْشر فهو
تلك الأَرْضُ المسكونةُ بِعَيْنِها .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
ثورَةُ: ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ
يُقَالُ: ﴿لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الكُفرُ، ﴿وَلِىَ دِينٍ﴾ [٦] الإِسْلاَمُ، وَلَمْ يَقُلِ دِينِي، لأَنَّ الْآيَاتِ
بِالنُّونِ، فَحُذِفَتِ الْيَاءُ، كما قالَ: ﴿يَهْدِيَنٍ﴾ [الشعراء: ٧٨]، ﴿وَيَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠].
[٢] الآنَ، وَلاَ أُجِيبُكُمْ فِيما بَقِيَ مِنْ
وَقَالَ غَيرُهُ: ﴿لَّ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ
عُمُرِي. ﴿وَلَآَ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ (٣)﴾ [٣ - ٥] وَهُمُ الَّذِينَ قالَ: ﴿وَلَيَزِيدَنَ كَثِيرًا مِنْهُم
◌َّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكَ ◌ُغْيَنًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: ٦٤، ٦٨].
وقد مَرَّ ابنُ القَيِّم في ((بدائع الفوائد)) على التكرار في هذه الآية، وقد تَوَجَّه إليه
البخاري أيضاً، فحمل إحدى الجملتين على الحال، والأخرى على الاستقبال.
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَيَةِ
ثورَةُ: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾
١ - باب
٤٩٦٧ - حدّثنا الحَسَنُ بْنُ الرَّبِيع: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي
الضُّحى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: ما صَلَّى النَّبِيُّنَ صَلاَةً بَعْدَ أَنْ
نَزَّلَتْ عَلَيهِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتِّحُ (٣)﴾ إِلاَّ يَقُولُ فِيهَا: ((سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ،
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي)). [طرفه في: ٧٩٤].
٢ - باب
٤٩٦٨ - حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحى، عَنْ
مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَلِ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ
وَسُجُودِهِ: ((سُبْحَانَكَ اللَّهُمْ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي)). يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ. [طرفه في: ٧٩٤].

٤٦٣
كتاب تفسير القرآن
﴾﴾ [٢]
٣ - باب ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِ دِينِ اُللَّهِ أَفْوَاجًا
٤٩٦٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيبَةَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ
حَبِيبٍ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَهُمْ
عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾﴾. قَالُوا: فَتْحُ المَدَائِنِ وَالقُصُورِ،
قالَ: ما تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ قالَ: أَجَلٌ، أَوْ مَثَلُ ضُرِبَ لمُحَمَّدٍ وَّهِ، نُعِيَتْ لَهُ نَفسُهُ.
[طرفه في: ٣٦٢٧].
ج
٤ - بابٌ قَوْلُهُ: ﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ
إِنَّهُ كَانَ تَوَّابً ا﴾ [٣]
تَوَّابٌ عَلَى العِبَادِ، وَالتَّوَّابُ مِنَ النَّاسِ التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ.
٤٩٧٠ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسماعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
جُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس قالَ: كانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَكَأَنَّ بَغْضَهُمْ وَجَدَ في
نَفْسِهِ، فَقَالَ: لِمَ تُدْخِلُ هذا مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟ فَقَالَ عُمَّرُ: إِنَّهُ مِنْ حَيثُ عَلِمْتُمْ، فَدَعا
ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ، فَمَا رُئِيَتْ أَنَّهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلاَّ لِيُرِيَهُمْ، قالَ: ما تَقُولُونَ في قَوْلٍ
اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ﴾﴾؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أن نَحْمَدُ اللَّهَ
وَنَسْتَغْفِرُهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا، وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُل شَيئاً، فَقَالَ لِي: أَكَذَاكَ تَقُولُ يَا
ابْنَ عَبَّاسِ؟ فَقُلتُ: لاَ، قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ أَعْلَمَهُ لَهُ، قالَ:
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ جَ﴾ وذُلِكَ عَلَاَمَةُ أَجَلِكَ. ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرُهُ
ج
﴾﴾. فَقَالَ عُمَرُ: ما أَعْلَمُ مِنْهَا إِلاَّ ما تَقُولُ. [طرفه في: ٣٦٢٧].
إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا
والمرادُ من الفَتْحِ هُهنا فَتْحُ مكة، وفي سورة الفتح صُلْح الحديبية؛ ثُم إنَّ في
السورة إيذاناً بوفاةِ النبيِّ وَل﴿ لتمامية ما بُعِث له، كما نَبّه عليه ابنُ عباس. وهذا كما أُشير
إلى وفاةٍ عيسى عليه الصلاة والسلام في قوله: ﴿يَعِيسَىّ إِّ مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَ﴾ [آل
عمران: ٥٥] أي إنّي رافعك الآن إليّ، ومتوفيك بعد تمامية ما فَوَّضْتُه إليك، فإِن بشارةَ
الوفاة قبل انصرام الخدمات إنذارٌ، ومعلوم أنه قد بقيت له عدة خدمات مُهِمّة، فيلزم أن
يكون حَيّاً، فإذا أتمها الله على يديه، فحينئذ يموتُ كما مات النبيُّ ◌َلّم بعد الفراغ عما
فُوّض إليه، وهذا على وَجْه، وفي الآية وجوه أُخرى، وأخرى؛ وأُخرى بسطناها في
رسالتنا ((عقيدة الإِسلام في حياة عيسى عليه الصلاة والسلام)).
قوله: (﴿فَسَيِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ﴾) وهو عندي اختصارٌ من الجملتين، سبحان الله، والحمد
لله، وما ذكر فيه السّيوطي ليس بمرضي عندي.

٤٦٤
كتاب تفسير القرآن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
سورَةُ ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ وَتَبَّ
﴿تَبَابِ﴾ [غافر: ٣٧] خُسْرَانٌ. ﴿تَنْبِبٍ﴾ [هود: ١٠١] تَدْمِيرٌ.
١ - باب
٤٩٧١ - حدّثنا يُوسُفُ بْنُ مُوسى: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ: حَدَّثَنَا
عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: لَمَّا نَزَلَتْ:
﴾ [الشعراء: ٢١٤] وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ، خَرَجَ رَسُولُ
٢١٤)
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَفْرِينَ
اللَّهِ وَِّ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا، فَهَتَفَ: ((يَا صَبَاحاهْ)). فَقَالُوا: مَنْ هذا؟ فَاجْتَمَعُوا إِلَيهِ، فَقَالَ:
(أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيلاَ تَخْرُجُ مِنْ سَفحِ هذا الجَبَلِ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟)). قالُوا: ما
جَرَّبْنَا عَلَيكَ كَذِباً، قَالَ: (فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَي عَذَابٍ شَدِيدٍ)). قالَ أَبُو لَهَبِ: تَبَّاً لَكَ،
ما جَمَعْتَنَا إِلَّ لِهذا؟ ثُمَّ قامَ. فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ وَتَبَ ﴾﴾ وَقَدْ تُبَّ. هَكَذَا
قَرَ أَهَا الأَعْمَشُ يَوْمَئِذٍ. [طرفه في: ١٣٩٤].
[٢ - ٣]
٢ - بابٌ قَوْلُهُ: ﴿وَتُبْ مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (
٤٩٧٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ عُبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ خَرَجَ إِلَى البَطْحَاءِ، فَصَعِدَّ إِلَىَ
الجَبَلِ فَنَادَى: ((يَا صَبَاحَاه). فَاجْتَمَعَتْ إِلَيهِ قُرَيشٌ، فَقَالَ: ((أَرَأَيْتُمْ إِنْ حَدَّثْتُكُمْ أَنَّ العَدُوَّ
مُصَبِّحَّكُمْ أَوْ مُمَسِّيكُمْ، أَكُنتُمْ تُصَدِّقُونِي؟)) قالُوا: نَعَمْ، قالَ: ((فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَي
عَذَابٍ شَدِيدٍ)). فَقَالَ أَبُو لَهَبِ: أَلِهِذا جَمَعْتَنَا؟ تَبَّ لَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿تَبَّتْ يَدَآ
أَبِى لَهِّبٍ﴾ إِلَى آخِرِهَا. [طرفه في: ١٣٩٤].
[٣]
٣ - بابٌ قَوْلُهُ: (سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَبٍ
٤٩٧٣ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفصٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ
مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابْنٍ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: قَالَ أَبُو لَهَبِ: تَبَّ لَكَ، أَلِهذا
جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ: ﴿َتَبَّتَْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ﴾. [طرفه في: ١٣٩٤].
@﴾ [٤]
٤ - بابٌ ﴿وَأَمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْخَطَبِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿حَمَّالَةَ الْخَطَبِ﴾ [٤] تَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ. ﴿فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾
[٥] يُقَالُ: مِنْ مَسَدٍ: ليفِ المُقْلِ، وَهيَ السِّلسِلَةُ الَّتِي في النَّارِ.
قوله: (لِيف المُقْل) "كوكل كى جهال " لأنه يَأْخُذ النَّار بالسُّرْعة.

٤٦٥
كتاب تفسير القرآن
بِسْمِ اللّهِ الرََّنِ الرَّحَيَـ
سُورَةُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ
يُقَالُ: لاَ يُنَوَّنُ ﴿أَحَدٍ﴾ُ أَي وَاحِدٌ.
١ - باب
٤٩٧٤ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: حَدَّثَنَا شُعَيبٌ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ نَّ قالَ: ((قالَ اللَّهُ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنَّ لَهُ ذلِكَ،
وَشَتَمَنِي وَلَّمْ يَكُنْ لَهُ ذلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيسَ أَوَّلُ
الخَلقِ بِأَهْوَنَّ عَلَيَّ مِنْ إِعادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ،
لَمْ أَلِذْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ)). [طرفه في: ٣١٩٣].
٢ - بابٌ قَوْلُهُ: ﴿اَللَّهُ الصَّمَدُ
[٢ ]
٢
وَالعَرَبُ تُسَمِّي أَشْرَافَهَا الصَّمَدَ، قَالَ أَبُو وَائِلٍ: هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهِى سُودَدُهُ.
٤٩٧٥ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّرَ: ((كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلِّمْ
يَكُنْ لَّهُ ذلِكَ، أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي لُّنْ أُعِدَهُ كَمَا بَدَأْتُهُ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ أَنْ
يَقُولَ: أَنَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً، وَأَنَا الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ)).
٣ - باب ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
كُفُؤَا وَكَفِيْئاً وَكِفَاءَ : وَاحِدٌ
وَلَمْ يَكُنْ لَّمُ كُفُوا أَحَدٌ (@)*
قوله: (﴿أَحَدٍ﴾) ترجمته: "يكانه"، فَهُوَ وَصْف باعتبارٍ ذاته تعالى، والواحد من
جملة العدد، فكلنا واحد لا اثنان، فالواحد يدل على وجودٍ غيرِه سواه، بخلاف لفظ
أَحَد، ولذا وَصَفه به، فإِنه كان ولم يكن شيءٌ غَيْرُهُ(١). وراجع ((الإتقان)) للفَرْق بين أَحَد
وبین واحد.
(١) قلت: وإليه أشار الشيخ في نونيته:
ومن الصفات حياته، وبقاؤه
أحد، فلم يك غيره في غابر،
لا بد أن في الكون تظهر وحدة
صفة له خلق، كذلك وحدة،
ومن الخصائص، كيف يشتركان!
صمد بقي بالملك، والسلطان
من غير ما ثانٍ، وكلِّ فانٍ
كصفاته العُظمى، فلا يقفان
=

٤٦٦
كتاب تفسير القرآن
قوله: (يقال: لا يُنَوّن ﴿أَحَدًا﴾) إلخ، على حَدّ قول الشاعر:
لا ذَاكر الله إلاَّ قليلاً
قوله: (﴿الصَّمَدُ﴾) ترجمته: "نرادهر بى نياز ومستقل ــ ((أدهر)) بيج مين
لتكاهوا . "
فائدة مهمة :
واعلم أنه قد تتحدث بعضُ النفوس أن لو كان القرآنُ على شاكلةِ البراهين
المنطقية، مُطّردة منعكسة، ويزعمونه زيناً للقرآن، ولا يدرون أن ذلك شَيْن له، فإِنه طريقُ
الفلسفة المجهولة المستحدثة، والقرآن نزل بحوار عرب العرباء، وهم لا يتكلمون فيما
بينهم، إلا بالخطابة، فلو كان القرآنُ نزل على أمانيّهم، لعجز عن فَهْمه أكثرُ الناس،
ولانسَدّ عليهم بابُ الهداية. نعم تتضمن تلك الخطابةُ براهينَ قاهرة، على دَعاويه، فلو
أراد أَحَدُ أن يستنبطها منه لَفَعل، ولكن لا تكون تلك من مَدْلولاتِه، وإن كانت من مراميه،
فلا تَصْلح تلك الأشياءُ أن تُسمَّى تفسيراً للقرآن، كيف! وأنه لم ينزل إلاَّ بِلُغتهم
ومحاورَتهم، وهم لا يعرفون ذلك، أما لو سَمّيتها فوائد وزوائد، فلا بأس به.
وبالجملة إنَّ مادة تلك الأشياء، وإنْ كانت في القرآن، لكنها لا تليقُ أن تُسمّى
تفسيراً، ولذا أقول: إنَّ ما اختاره التفتازاني في قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَاِهَةٌ﴾ ... إلخ أنه
خطابة، وليس بِبُرهان هو الصواب. ومَنْ أراد أن يَقْلبه في قوالب البراهين، فقد أَحسَن
فهذه الأبيات في أحديته تعالى، ودونك منها أبياتاً أُخْرى كصفاته، فإِنَّ الفَنَّ خَيْرُ كُلّه:
فعل، وفرع من جلالة ذاته،
والكون لولا كان مظهر فعله
بدأ الزمان بعالم الأجسام
فالممكنات لأصلها معدومة،
دع علةً معلولها من شأنها
لا بائناً منها، وكان تنزلا
من أمره مهما أراد، فقال: كن،
وله بالفارسية في هذا الباب:
/ آن کس که بابداع زمان رفت نفهمید
/ جون واحد حق است بهر مرتبه بايد
لولاه ماذا شاب من نقصان
وصفاته لم يبد من كتمان
فيما عداه تصرف الأزمان،
وله الغنى في كل شأن شان
زوجان: هذي أول، ذا ثان
فالله مُبْدع سائر الأكوان
سبحانه من مبدىء ديان
كز عمر حق اين حصه بمخلوق ببخشيد/
نى مرتبة ذهن كه يك كفت بتعديد/
وكان للشيخ شغف بمسألةِ التوحيد، وإثبات الصانع، وحدوثِ العالم، وله في ذلك رسائل أبهى من الدُّرر، وأزهى
من الغُرر، والشيخ كان يباهي بها في عمره، وسمعته يقول: ولقد أتيت في تلك الرسائل ما لم يأت بها الدَّوّاني،
وأمثالُه، فهل لك في تلك الرسائل، فتشتريها بأَرخص ثمن.

٤٦٧
كتاب تفسير القرآن
أيضاً، إلاَّ أنا لا نسمِّيه تفسيراً. وإنما يَذُوق ما قلنا مَنْ كان له يدٌ في فنون البلاغة، ومَنْ
كان ارتاض بالفنون العقلية، فإنه يشمئز منه، ويمل، فليفعل، فإِن الحق أحقُّ أن يُتّبع.
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَمَةِ
سُورَةُ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الفَلَقُ﴾ الصُّبْحُ، و﴿غَاسِقِ﴾ اللَّيلُ. ﴿إِذَا وَقَبَ﴾ [٣] غُرُوبُ
الشَّمْسِ؛ يُقَالُ: أَبْيَنُ مِنْ فَرَقٍ وَفَلَقِ الصُّبْحِ. ﴿وَقَبَ﴾ إِذَا دَخَلَ في كُلِّ شَيءٍ وَأَظْلَمَ.
٤٩٧٦ - حدّثنا قُتَيبةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عاصِم وعَبْدَةَ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ
قالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَنِ المُعَوِّذَتَينِ فَقَالَ: سَأَلِتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ فَقَالَ: ((قِيلَ لِي
فَقُلتُ)). فَتَحْنُ نَقُولُ كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ يَّر. [الحديث ٤٩٧٦ - طرفه في: ٤٩٣٧].
قوله: (فقال: قيل لي فقلت) واعلم أنه نُسِب إلى ابن مسعود أن المُعَوّذتين لم
تكونا عنده من القرآن، وكان يقول: إنهما نزلتا للحوائج الوقتيةِ، كالتعوذ، فهما وظيفتانِ
وقتيتان على شاكلةٍ سائر الوظائف والأدعية، فلا يجوز إدخالُهما في القرآن، وكان
يتمسك له مِن قوله: ﴿قُلْ﴾، فإِنه يدل على تعليمه إياه، على طريق سائر الأدعية. فأجاب
عنه زِرّ بن حُبَيش، وهو تلميذ ابن مسعود. وحاصله أنَّ النبيِّ قال له جبرئيلُ عليه
الصلاة والسلام: ﴿قُلْ﴾ فقال كما أَمَره، فنحن أيضاً نقول كما قال النبيُّ ◌َّ، على أن
* في سورة الإِخلاص أيضاً.
وبالجملة كان الخلافُ بينهما كالخلافِ في الرَّمَل في الحج، زعمه بَعْضُهم سُنةً
وقتية، والجمهور على أنه سُنّة مستمرة، فهكذا كان ابنُ مسعود يراهما وظيفةً وقتية، لا
أنه كان يُنْكر كَونَهما مُنْزَلَتين من السماء. وبحث فيه الحافظُ، وآل إلى أنه لم يكن يُنْكِر
قرآنيته، ولكنه كان يُنْكر كتابته في المصحف. ومَرّ عليه(١) بحرُ العلوم في ((شَرْحِ مُسَلَّم
(١) قال في ((الإِتقان)): الأغلب على الظَنِّ أنّ نَقْل هذا المذهب عن ابن مسعود نَقْلُ باطل، وفيه نَقْل عن القاضي أبي
بكر أنه لم يَصحّ هذا النَّقل عنه، ولا حُفِظ عنه. ونقل عن النووي في ((شرح المهذب)»: أجمع المسلمونَ على أن
المعوّذتين والفاتحة من القرآن، وأن مَنْ جحد شيئاً منها كَفَر، وما نُقِل عن ابن مسعود باطلٌ غيرُ صحيح. وفيه
أيضاً قال ابنُ حَزْم: هذا كَذِبٌ على ابن مسعود مَوْضُوع، وإنما صح عنه قراءةُ عاصم عن زِرّ عنه، وفيهما
المعوذتان والفاتحة. فما قال الشيخ ابنُ حجر في شرح صحيح البخاري: إنه قد صحّ عن ابن مسعود إنكارُ ذلك،
باطلٌ لا يلتفت إليه، والذي صَحّ عنه ما روى أحمد، وابنُ حِبان أنه كان لا يكتب المعوّذتين في مُصْحفه، ثُم إنه
كان يَقْتدي في كلِّ شهر رمضان في مسجد رسول الله وَّر في صلاة التراويحِ، والإِمام يقرأهما، ولم يُنْكر عليه
قَطّ، فَنِسبةُ الإِنكار غَلَط، وهذا شاهِدٌ قوي على عدم الصحة. ثم إنَّ سند عاصم هكذا: أنه قرأ على أبي عبد
الرحمن عبد الله بن حبيب، وقرأ على أبي مريم زِرّ بن حُبيش الأسدي، وعلى سعيد بن عَيّاش الشيباني، وقرأ =

٤٦٨
كتاب تفسير القرآن
الثُّبوت))، تحت تعريف القرآن، وقال: إنَّ سلسلة القراءةِ التي تبلغ اليوم إلى ابن مسعود
نجد فيها المعوّذتَين بالاتفاق؛ وحينئذ ينبغي أن يؤول في النقل المذكور (١).
بِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحِيمَةِ
سُورَةُ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: ﴿اَلْوَسْوَاسِ﴾ [٤] إِذَا وُلِدَ خَنَسَهُ الشَّيطَانُ، فَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ عَزَّ
وَجَلَّ ذَهَبَ، وَإِذَا لَمَ يُذْكَرِ اللَّهُ ثَبَثَ عَلَى قَلِهِ.
٤٩٧٧ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، عَنْ
زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ (ح). وَحَدَّثَنَا عاصِمٌ، عَنْ زِرّ قالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ: قُلتُ: يَا أَبَا
المُنْذِرِ، إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا؟ فَقَالَ أُبَيِّ: سَأَلِثْ رَسُولَ اللّهِ فَقَالَ لِي:
((قِيلَ لِي فَقُلتُ)). قالَ: فَنَحْنُ نَقُولُ كما قالَ رَسُولُ اللَّهِ
هؤلاء على عبد الله بن مسعود، وقرأ هو على رسولِ الله ◌َّ. ولعاصم سندٌ آخر أيضاً، هو أنه قرأ سعيد، وزِرّ على
=
أمير المؤمنين عثمان، وعلى أمير المؤمنين عليّ، وعلى أبيّ بن كعب، وهم قرؤوا على رسولِ الله مَلٍ، فقد ظهر
بهذا السند الصحيح الذي اتفق على صحته الأمة أن ابن مسعود قرأ على أصحابه المذكورين قراءة عاصم، وفيها
المعوذتان والفاتحة .
ثم اعلم أنَّ سند حمزةً أيضاً ينتهي إلى ابن مسعود، وفي قراءته أيضاً المعوذتان والفاتحة. واعلم أن سند الكسائي
ينتهي إلى ابن مسعود، لأنه قرأ على حمزةَ، ومثله ينتهي سند خلف - الذي من العشرة - إلى ابن مسعود، فإنه قرأ
على سليم، وهو على حمزةً، وإسناد القراء العشرة أصحُ الأسانيد بإجماع الأمة، وتلقى الأمة له بِقَبولها. وقد ثبت
بالأسانيد الصحاح أنَّ قراءة عاصم، وقراءة حمزةً، وقراءة الكسائي، وقراءة خلف كلها تنتهي إلى ابن مسعود في
هذه القراءات المعوذتان، والفاتحة جزء من القرآن، وداخل فيه، فنسبةُ إنكارٍ كونها من القرآن إليه غَلَط فاحِش.
ومَنْ أسند الإِنكارَ إلى ابن مسعود فلا يُعبأ بسنده، عند معارضةِ هذه الأسانيدِ الصحيحة بالإِجماع، والمتلقاة بالقبول
عند العلماء الكرام، بل والأمة كلّها كافة. اهـ: ((فواتح الرحموت)).
(١) قلتُ: وقد وَجَدت لجوابه تقريراً آخَر عن الشيخ فيما كتبه عنه الفاضل عبد القدير، قد وقع الشيخُ ابنُ الهمام فيه
في التشويش، وما سنح له ما يشفي الصدور، فتحير في تحرير الأصول، وأنا أقول: إنه لا يُنْكر كونَهما من
التأليف السماوي، والوحي الإلهي، وإنما كان زَغْمه أنهما ممتازان من القرآن، في باب القرآنية، كما أن البسملة
عندنا كذلك، فحالهما عنده كحالها عندنا، حيث نُسلّم أنها آيةٌ من القرآن، ومع ذلك نقول: إنّه خارج من بابه،
ولهذا امتازت ببعض الأمور، كعدم الجَهْر به، حيث يجهر، وغير ذلك، وكم مِن فرق بين إنكار كونه من الوحي
المتلو، وبين كونها خارجةً ممتازةً عن الغير، لبعض الأمور المختصّة.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
٦٦ - كتاب فَضَائِلِ القُرْآنِ
١ - باب كَيفَ نُزُولُ الوَحْي، وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ
قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: المُهَيمِنُ: الأَمِينُ، القُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى كُلِّ كِتَابٍ قَبْلَهُ.
٤٩٧٨، ٤٩٧٩ - حدّثنا عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ
قالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهَ عَنْهُمْ قالاَ: لَبِثَ النَّبِيُّ نَّهِ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ
يُنْزَلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، وَبِالمَدِينَةِ عَشْراً. [طرفه في: ٣٨٥١].
٤٩٨٠ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قالَ: سَمِعْتُ أَبِي، عَنْ أَبِي
عُثْمانَ قالَ: أُنْبِئْتُ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ◌ََّ وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ، فَجَعَلَ يَتَحَدَّثُ، فَقَالَ
النَّبِيُّ وَِّ لِأُمِّ سَلَّمَةَ: ((مَنْ هَذا؟)). أَوْ كما قالَ، قَالَتْ: هذا دِحْيَةُ، فَلَمَّا قامَ قالَتْ: وَاللَّهِ
ما حَسِبْتُهُ إِلاَّ إِيَّاهُ، حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ النَّبِيِّ بَّهُ يُخْبِرُ خَبَرَ جِبْرِيلَ، أَوْ كما قالَ. قالَ أَبِي:
قُلتُ لأَبِي عُثْمانَ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هذا؟ قالَ: مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ. [طرفه في: ٣٦٣٤].
٤٩٨١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قِالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((ما مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلاَّ أُعْطِيَ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيهِ
البَشَرُ، وَإِنَّمَا الَّذِي أُوتِيتُ وَحْياً أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعاً يَوْمَ
القِيَامَةِ)). [الحديث ٤٩٨١ - طرفه في ٧٢٧٤].
٤٩٨٢ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ
صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ اللَّهَ
تَعَالَىَّ تَابَعَ عَلَى رَسُولِهِ وَ﴿َ الوَحْيَ قَبْلَ وَفَاتِهِ، حَتَّى تَوَفَّهُ أَكْثَرَ ما كانَ الوَحْيُ، ثمَّ تُوُفِّي
رَسُولُ اللَّهِ مَّهِ بَعْدُ.
٤٩٨٣ - حدّثنا أَبُو نُعَيم: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيسٍ قالَ: سَمِعْتُ جُنْدُباً
يَقُولُ: اشْتَكِى النَّبِيُّ ◌َّهِ، فَلَمَّ يَقُمْ لَيلَةً أَوْ لَيَلَتَينٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَثٌ: يَا مُحَمَّدُ، مَا أُرَى
شَيطَانَكَ إِلَّ قَدْ تَرَكَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالضُّحَى ﴿﴿ وَلَيْلِ إِذَا سَجَى ﴿ مَا وَدَعَكَ رَبُّكَ
(٣)﴾ [الضحى: ١ - ٣]. [طرفه في: ١١٢٤].
وَمَا قَلَى
٤٩٨١ - قوله: (ما مِنْ نبيٍّ مِن الأنبياء إلاَّ أَعْطِي ما مِثْلُه آمَن عليه البَشَرُ) ما
٤٦٩

٤٧٠
كتاب فضائل القرآن
موصولةٌ، ومثلُهُ مبتدأٌ، وآمَن عليه البَشَرُ خبرُهُ، والمبتدأ مع خبرِهِ صِلةٌ للموصول.
والمعنى أنَّ كلَّ نبيِّ أُعطي من المعجزات ما ناسبَ زمانَه، ليؤمن به البشرُ في زمانه.
واعلم أنَّ ((على)) لم يوجد في صلة الإيمان إلاَّ في هذا الحديث، فاختار الطيبيُّ
التَّضْمِين. قلتُ: والحديثُ ليس بحُجَّةٍ عندي في باب اللغة، لِفُشُوّ الروايةِ بالمعنى، فلا
حاجةً إلى الجواب.
٢ - باب نَزَّلَ القُرْآنُ بِلِسَانٍ قُرَيْشٍ وَالعَرَبِ
﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسُف: ٢]، ﴿يِسَانٍ عَرَبٍ مُبِينٍ
﴾ [الشعراء: ١٩٥].
٢١٩٥)
٤٩٨٤ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: حَدَّثَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مالِكٍ
قالَ: فَأَمَرَ عُثْمَانُ: زَيدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَسَعِيدَ بْنَ العَاصِ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيرِ، وَعَبْدَ الرَّحْمُنِ
ابْنَ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، أَنْ يَنْسَخُوهَا في المَصَاحِفِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيدُ بْشُ
ثَابِتٍ في عَرَبِيَّةٍ مِنْ عُرَبِيَّةِ القُرْآنِ، فَاكْتُبُوهَا بِلِسانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّ القُرْآنَ أَنْزِلَ بِلِسَانِهِمْ،
فَفَعَلوا . [طرفه في: ٣٥٠٦].
٤٩٨٥ - حدّثنا أَبُو نُعَيم: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ: حَدَّثَنَا عَطَاءٌ. وَقالَ مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَن
ابْنِ جُرَيج قالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءً قالَ: أَخْبَرَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّ يَعْلَى كانَ يَقُولُ:
لَيْتَنِي أَرَىّ رَسُولَ اللَّهِ نَّ حِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ، فَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ◌َ بِالجِعْرَانَةِ، وعَلَيهِ
ثَوْبٌ قَدْ أَظَلَّ عَلَيهِ، وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، كَيفَ تَرى في رَجُلٍ أَحْرَمَ فِي جُبَّةٍ بَعْدَ ما تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فَنَظَرَ النَّبِيُّ وَلَ سَاعَةً، فَجَاءَهُ
الوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ إِلَى يَعْلَى: أَنْ تَعَالَ، فَجَاءَ يَعْلَى فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ، فَإِذَا هُوَ مُحْمَرُ الوَجْهِ،
يَغِظُ كَذلِكَ سَاعَةً، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: ((أَيْنَ الَّذِي يَسْأَلُنِي عَنِ العُمْرَةِ آَنِفاً؟)) فَالْتُمِسَ الرَّجُلُ
فَجِيءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ، فَقَالَ: ((أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ، فَاغْسِلُهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الجُبَّةُ
فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ في عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ في حَجِّكَ)). [طرفه في: ١٥٣٦].
٣ - باب جَمْعِ القُرْآنِ
٤٩٨٦ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ
عُبَيدِ بْنِ السَّبَّاقِ: أَنَّ زَيدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكرٍ مَقْتَّلَ أَهْلِ
اليَمامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عِنْدَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ:
إِنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمَامَةِ بِقُرَّاءِ القُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَجِرَّ القَتْلُ بِالقُرَّاءِ
بِالمَوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْع القُرْآنِ. قُلتُ لِعُمَرَ: كَيفَ
تَفْعَلُ شَيْئاً لَمْ يَفْعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلهَ؟! قالَ عُمَرُ: هذا وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَل عُمَرُ يُرَاجِعُنِي

٤٧١
كتاب فضائل القرآن
حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذلِكَ، وَرَأَيتُ في ذلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ. قالَ زَيدٌ: قالَ أَبُو بَكْرٍ:
إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٍّ عاقِلٌ لاَ نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللّهِ، فَتَتَبَّعِ القُرْأَنَ
فَاجْمَعْهُ. فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ ما كانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ
القُرْآنِ. قُلتُ: كَيفَ تَفْعَلُونَ شَيْئاً لَمْ يَفْعَلُهُ رَسُولُ اللَّهِ إِ؟! قالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيرٌ، فَلَمْ يَزِّلُ
أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِيِ شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعَمَرَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا، فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ العُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجالِ، حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ
سُورَةِ الثَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ، لَمَّ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرَهُ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ
◌ِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] حَتَّى خاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ
أَبِي بَكْرِ حَتَّى تَوَقَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عنْدَ حَفصَةَ بِنْتِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
[طرفه في: ٢٨٠٧].
٤٩٨٧ - حدّثنا مُوسى: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ: أَنَّ أَنَسَ بْنَ مالِكٍ حَدَّثَهُ:
أَنَّ حُذَيفَةَ بْنَ اليَمانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمانَ، وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّأُمْ فِي فَتْحِ إِرْمِينِيَةَ وَأَذْرَبِيِجَانَ
مَعَ أَهْلِ العِرَاقِ، فَأَفْزَعَ حُذَيفَةَ اخْتِلاَفُهُمْ في القِرَاءَةِ، فَقَالَ حُذَيفَةُ لِعُثْمانَ: يَا أَمِيرَ
المُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هذهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا في الكِتَابِ اخْتِلاَفَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى. فَأَرْسَلَ
عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ: أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخَهَا في المَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا إِلَيكِ،
فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيدَ بْنَ ثَابِثٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيرِ، وَسَعيدَ بْنَ
العَاصِ، وَعَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَنَسَخُوهَا في المَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمانُ
لِلرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثَّلاثَةِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي شَيءٍ مِنَ القُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانٍ
قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ، فَفَعَلُوا، حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ في المَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمانُ
الصُّحُفَ إِلَى حَفصَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقِ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا، وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ
القُرْآنِ في كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ. [طرفه في: ٣٥٠٦].
٤٩٨٨ - قالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي خارِجَةُ بْنُ زَيدِ بْنِ ثَابِتٍ: سَمِعَ زَيدَ بْنَ ثَابِتٍ
قالَ: فَقَدْتُ آيَةً مِنَ الأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا المُصْحَفَ، قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقْرَأُ
بِهَا، فَالتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيمَةَ بْنِ ثَابِتِ الأَنْصَارِيِّ: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا
عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهٍ﴾ [الأحزاب: ٢٣] فَأَلحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا في المُصْحَفِ. [طرفه في: ٢٨٠٧].
بَحْتٌ نَفِيسٌ في الفَرْق بين: السّخْرِ، والمُعْجِزة، والكرامة
واعلم أنَّ مَن أرادَ أن يتحصَّل على الفَرْق بينهما حتى يدرِكَه، كالحسِّياتِ
والمشاهَدات، فقد أَتْعَب نَفْسه، كيف! وفي بُنْيةِ هذا العالم التلبيسُ والتخليط، ولو تميَّز
الحقُّ عن الباطلِ، بحيث لا يشوبُه رَيْبٌ، لما احتِيج إلى القيامةِ، وإنما تقومُ القيامةُ

٤٧٢
كتاب فضائل القرآن
للفَصْلِ بين الخبيثِ والطيِّبِ، قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْ جِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[الأنعام: ٦٠]، وإذن لا يكونُ التمييزُ بينهما إلاَّ علمياً، فاعلم أنَّ الدنيا مجموعةُ الأضداد،
كالظُلمة والنُّور، والظل والحَرُور، والطَّيِّب والخَبِيث، والكُفْر والإِيمان، فإِذا نظرنا أنها
بُسِطت على هذا المِنْوال، عَلِمنا أنه لا بدَّ أن تكون فيها نفوسٌ على نقاضة المُرْسَلين.
فإِنَّ لكل شيءٍ ضِدّاً، وأضداد هؤلاء الطائفةِ لا تكون إلاَّ مِن جِنْسهم من الدجاجلة.
ثُم إذا عَلِمنا المعجزةَ، وهي حقيقةٌ قُدْسيَّةٌ، يُظْهرُها الله على أيدي المقدسين،
عَلِمِنا أنه لا بدَّ أن يكونَ هناك شيءٌ على مناقضَتِها أيضاً، وهو السِّخْر.
ثم المعجزةُ على نحوين: حِسِّيّة أو عِلْمية. أما الحسِّية، كاليدِ البيضاء، أو العصا،
فقد مضت بصاحِبها. أما العِلْمية فهي باقيةٌ إلى يوم التناد. ولو أَمْعَنت النَّظرَ لَعَلِمت أن
المعجزةَ الحِسِّية أيضاً تنتهي إلى العِلْم أو العَقْل، وذلك لأنَّه لا سبيل إلى التمييزِ بين
المعجزةِ والسِّخر، ولو كانت حِسِّيةً إلاَّ بالعِلْم والعَقْلِ، فعلم أنَّ انتهاءَ المعجزةِ الحِسّية
أيضاً إلى العِلْم والعقل، دون المشاهدة. فإِذا دريت أَنَّ الفَرْق بينهما عَقْلي وعِلْمي، حتى
بين الحسِّية والسِّخْر أيضاً، فأقول: إنهما يَفْتَرِقان عِلْماً، بحيث لا يكادُ يلتبس على أحدٍ.
فإنَّ الفَرْق إما يكونُ من جهةِ الفاعل، أو المادَّة، أو الغاية، وذلك بأنواعها متحقِّقٌ ههنا .
أما الأَوَّل: فالساحِرُ يكونُ خبيثَ النَّفْس، رديءَ الأخلاق، مُتلبّساً بالخبائث. وأما
صاحبُ المعجزة: فيكونُ طَيِّبَ النَّفْس، حسنَ المَلَكة، شريفَ الأخلاق، ذَكي الطَّبْع،
بعيداً عن الأَرْجاس؛ وأما مِن جهةِ المادة، فمادةُ السِّحر كلَّها تُبنى على الخُبْث،
كالاستمداد بالشياطين والأرواح الخبيثة، والذهاب إلى جماجم الأمواتِ، واستعمال
عظام نَخِرة، بخلاف المعجزةِ، فَإِنَّها في أَغْلب الأحوالِ تَصْدُر بلا سبب، كاليدِ البيضاء،
والعصا، فتلك لا مادّةً لها، وما تَصْدُر عن سببٍ لا تكونُ مادَّتُها غيرَ القدس والطهارة،
كقراءةِ النبيِّ رَّ بكلمات في طعام، والبركةِ منها؛ أما الصورة، فإِنَّما تأتي على المادة
كيف كانت، فهي أيضاً تتبعها. بقيت الغايةُ فهي على ظاهرِ الأَمْر.
هذا في الفَرْق بين السِّخر، والمعجزة. أما الفَرْقُ بين الكرامةِ والمعجزة: فبأن
الكرامةَ تحتاجُ إلى صَرْفِ هِمَّة الولي، فللكَسْب والاكتساب دخلٌ فيها، بخلاف
المعجزةِ، فإِنَّها لا تَحْتاج إلى صَرْف الهِمَّة. وقراءةُ الكلماتِ شيءٌ آخَرُ، وإنَّما نعني مِن
صَرْف الهِمَّة عزيمةَ صاحبها، وكذا لا دخل فيها للرياضات والاكتساب، فإِنَّها إما أن
تكونَ من الدُّعاء، أو بدونِ سابقيةٍ أَمْر، بخلافِ الكراماتِ فإِنَّها مُمْكِنَةُ الحُصُولِ
بالرياضاتِ؛ أما المعجزة فكما قال تعالى: ﴿فَإِنِ اُسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِىَ نَفَفًّا فِى الْأَرْضِ أَوَ سُلَّمَا
فِى السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم فَتَأْتِيَهُم﴾ الآية [الأنعام: ٣٥]. وراجع ((فتح العزيز)) عند تفسير قوله:
وَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢].

٤٧٣
كتاب فضائل القرآن
٤٩٨٧ - قوله: (وأمَرَ بما سِوَاه من القرآنِ في كلِّ صحيفةٍ، ومصحف أن يُحْرَق)
والإِحراقُ لهُهنا لِدَفْع الاختلاف، وهو جائزٌ.
٤ - باب كاتِبِ النَّبِيِّ
٤٩٨٩ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ ابْنَ
السَّبَّاقِ قالَ: إِنَّ زَيدَ بْنَ ثَابِتٍ قالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: إِنَّكَ كُنْتَ
تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَه، فَاتَّبِعِ القُرْآنَ، فَتَتَبَّعْتُ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَينِ
مَعَ أَبِي خُزَيمَةَ الأَنْصَارِيِّ، لَمْ أَجِدْهُما مَعَ أَحَدٍ غَيرِهِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ
أَنفُسِكُمْ عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إِلَى آخِرِهَا. [طرفه في: ٢٨٠٧].
٤٩٩٠ - حدّثنا عُبِيدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ
قالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُؤْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَّهِدُونَ فِ سَبِيلِ الَّهِ﴾ [النساء:
٩٥] قالَ النَّبِيُّ وَّه: ((ادْعُ لِي زَيداً، وَلَيَجِىءُ بِاللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ وَالكَتِفِ، أَوِ: الكَتِفِ
وَالدَّوَاةِ)). ثمَّ قالَ: ((اكْتُبْ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَِّدُونَ﴾)). وَخَلِفَ ظَهْرِ النَّبِيِّ ◌َ عَمْرُو ابْنُ أُمِّ
مَكْتُومِ الأَعْمى، قالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَأْمُرُنِي، فَإِنِّي رَجُلٌ ضَرِيرُ البَصَرِ؟ فَنَزَلَتْ مَكانَهَا:
﴿لاَ يِّسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُجَاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ غَيرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾. [طرفه
في : ٤٥٩٤].
٤٩٩٠ - قوله: (فَنَزَلَتْ مَكَانَها: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ﴾) ... إلخ. فيه دليلٌ على ما
قاله الأصوليون من نزولِ الكلمة الناقصةِ، فإن المقصودَ كان قوله: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾
[النساء: ٩٥] إلا أنَّ الآيةَ تُلِيت تامةً مع زيادة: ﴿غَيْرُ أُؤْلِ الضَّرَرِ﴾.
٥ - باب أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلَى سَبْعَةٍ أَحْرُفٍ
٤٩٩١ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيرٍ قالَ: حَدَّثَنِي اللَّثُ قالَ: حَدَّثَنِي عُقَيلٌ، عَنِ ابْنِ
شِهَاب قالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حَدَّثَهُ: أَنَّ
رَسُولِ اللَّهِ نَِّ قالَ: ((أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ، فَرَاجَعْتُهُ، فَلَمْ أَزَل أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي،
حَتَّى انْتَهِى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ)). [طرفه في: ٣٢١٩].
٤٩٩٢ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيرٍ قالَ: حَدَّثَني اللَّيِثُ قالَ: حَدَّثَنِي عُقَيلٌ، عَنِ ابْنِ
شِهَابِ قالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ: أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَة وَعَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ عَبْدِ القَّارِيَّ
حَدَّثَاةُ: أَنَّهُمَا سَمِعًا عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ
فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ، فَاسْتَمَعْتُ لَقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِتْنِيهَا
رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ في الصَّلاَةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ، فَلَبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَقُلتُ: مَنْ

٤٧٤
كتاب فضائل القرآن
أَقْرَأَكَ هذهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ، فَقُلتُ: كَذَبْتَ، فَإِنَّ
رَسُولَ اللَّهِ نَّهَقَدْ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيرِ ما قَرَأْتَ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ لَه
فَقُلتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هذا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الفُرْقَانِ عَلَى حَرُوفٍ لَمْ تُقْرِتِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ:
(أَرْسِلُهُ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ)) فَقَرَأَ عَلَيهِ القِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: « كَذلِكَ
أُنْزِلَتْ)). ثُمَّ قالَ: ((اقْرَأْ يَا عُمَرُ)). فَقَرَأْتُ القِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّ:
((كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إِنَّ هذا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَؤُوا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ)). [طرفه في:
٢٤١٩].
قيل: إنَّ عددَ السبعةِ للتكْثِير، وقيل: للتحديدِ. وراجع الزُّرقاني - ((شَرْح الموطأ)) -
والقَسْطِلاَّني، ففيهما أنَّ تلك الاختلافاتِ كلَّها راجِعةٌ إلى السبعةِ، وقد تكلمنا عليه
(١)
مُفَصَّلاً مِن قَبْلِ(١) .
٦ - باب تَأْلِيفِ القُرْآنِ
٤٩٩٣ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسى: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُف: أَنَّ ابْنَ جُرَيج أَخْبَرَهُمْ.
وَأَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ ماهَكٍ قَالَ: إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهًا إِذْ جَاءَهَا
عِرَاقِيٍّ فَقَالَ: أَيُّ الكَفَنِ خَيْرٌ؟ قالَتْ: وَيحَكَ وَما يَضُرُّكَ. قالَ: يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ أَرِينِي
مُصْحَفَكِ، قالَتْ: لِمَ؟ قَالَ: لَعَلِّي أُؤَلِّفُ القُرْآنَ عَلَيهِ، فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيرَ مُؤَلَّفٍ، قَالَتْ: وَمَا
يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ، إِنَّمَا نَزَلَ أُوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ، فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ
وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلاَمِ نَزَلَ الحَلاَلُ وَالحَرَامُ، وَلَوَ نَزَلَ أَوَّلَ شَيءٍ: لاَ
تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الخَمْرَ أَبَداً، وَلَوْ نَزَلَ: لاَ تَزْنُوا، لَقَالُوا: لاَ نَدَعُ الزِّنَا
أَبَداً، لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَّهَ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلعَبُ: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى
وَأَمَرُّ ٦
؟ [القمر: ٤٦]. وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالنِّسَاءِ إِلَّ وَأَنَا عِنْدَهُ، قَالَ: فَأَخْرَجَتْ لَهُ
المُصْحَفَ، فَأَمْلَتْ عَلَيهِ آيَ السُّورَةِ. [طرفه في: ٤٨٧٦].
٤٩٩٤ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ
يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ في بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالكَهْفِ وَمَرْيَمَ وظْهَ وَالأَنْبِيَاءِ: إِنَّهُنَّ
مِنَ العِتَاقِ الأُوَلِ، وَهُنَّ مِنْ تِلاَدِي. [طرفه في: ٤٧٠٨].
٤٩٩٥ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ: سَمِعَ البَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ قالَ: تَعَلَّمْتُ ﴿سَيِّجِ أَسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى: ١] قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ النَّبِيُّ ◌َُّ.
. (١) قلتُ: قد كنتُ وَعَدْتُك فيما مَرَّ أن سوفَ أَبْسُطُ الكلامَ فِيه في التفسير، وما نسيتُه بعدُ، ولكن عاقتني عنه عوائقُ،
والمرء إذا كان في نيته الإِيفاء، ثُم لم يُوف، فإِنَّه لا يُلام.

٤٧٥
كتاب فضائل القرآن
٤٩٩٦ - حدّثنا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ قالَ: قالَ عَبْدُ
اللَّهِ: قَدْ عَلِمْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَقْرَؤُهُنَّ اثْنَيْنِ اثْنَينٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَقَامَ عَبْدُ
اللَّهِ وَدَخَلَ مَعَهُ عَلقَمَةُ، وَخَرَجَ عَلقَمَةُ فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: عِشْرُونَ سُورَةً مِنْ أَوَّلِ المُفَصَّلِ،
عَلَى تَأْلِيفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، آخِرُهُنَّ الحَوَامِيمُ. [طرفه في: ٧٧٥].
٤٩٩٣ - قوله: (فإِنَّه يُقْرَأُ غيرَ مُؤَلَّف) كان أهلُ العراق يقرؤونَ القرآنَ على تأليفٍ
ابن مسعود، فأشار هذا العِرَاقي إلى مُصْحَفه، وعَرَض إليه، ولم يكن ابنُ مسعودٍ تَرَك
قراءتَه بعد تأليفِ عثمانَ أيضاً، وذلك لأنَّ عثمانَ لم يُدْخِلْه في جَمْع القرآن، فَحَزِن له،
فقال لأَهْل العراق: اكتُموا مصاحِفَكم، فإِنَّ اللَّهَ تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ
اَلْقِيَمَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] - كما رواه الترمذي - فردَت عليه عائشةُ أَنَّه أيضاً مُؤلف، ثم
انتقلت إلى بيانٍ أَمْر آخَر، وهو أنَّ ترتيبَ النزولِ إنما هو باعتبارٍ يُسْرِ الناس. فإِنَّ السُّوَرَ
المكيَّةَ أكثرُها في بيانِ العقائد، والمَدَنِيَّةَ أكثرُها في الأحكام فَرُوعي التخفيفُ على
الناس في ترتيب نزول القرآن، حتى إذا رسخَ الإِسلامُ في بواطنَهم، وخفَّ عليهم التعبُّدُ
بالشَّرْعِ، نزلت السُّوَرُ بالأحكام، وذلك في المدينةِ.
٤٩٩٦ - قوله: (قد عَلِمْتُ النَّظائِرَ) وفي لَفْظ: القَرَائن، دلَّ على تَناسُبِ بين
السورتين اللتين كان النبيُّ وَل﴿ يُقْرِن بينهما. وقد مرّ معنا تحقيقُ لفظ القرائن، وأنه لا
مَمْسكَ فيه لمن قال: إنَّ الوِتْر ركعةٌ من الليل.
قوله: (وآخِرُهُنَّ الحَوامِيمُ) يعني - حم وإلى سورتين - السُّوَر التي في أولها ((حم))،
فالألف واللام ترجمتها في الهندية: "والا ."
٧ - بابٌّ: كانَ جِبْرِيلُ يَعْرِضُ القُرْآنَ عَلَى النَّبِيِّ
ـلاته
وَقَالَ مَسْرُوقٌ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ فاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلامُ: أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ ◌َّ:
((أَنَّ جِبْرِيلَ يُعَارِضُنِي بِالقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي العَامَ مَرَّتَينٍ، وَلاَ أَرَاهُ إِلَّ حَضَرَ
أجلِي».
٤٩٩٧ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ قَزَعَةَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيد
اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّ أَجْوَدَ النَّاسِ
بِالخَيرِ، وَأَجْوَدُ ما يَكُونُ فَي شَهْرِّ رَمَضَانَ، لِأَنَّ جِبْرِيلَ كانَ يَلقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فِي شَهْرِ
رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﴿وَالْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ، كانَ أَجْوَدَ
بِالخَيرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ. [طرفه في: ٦].
٤٩٩٨ - حدّثنا خالِدُ بْنُ يَزِيدَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ ◌َهِ القُرْآنَ كُلَّ عامِ مَرَّةً، فَعَرَضَ عَلَيهِ مَرَّتَّيْنٍ

٤٧٦
كتاب فضائل القرآن
في العَامِ الَّذِي قُبِضَ، وَكانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ عامِ عَشْراً، فَاعْتَكَفْ عِشْرِينَ في العَامِ الَّذِي
قُبِضَ. [طَرفه في: ٢٠٤٤].
وفي هذه الروايةِ قال: ((إنَّ عُمْرَ كلِّ نبيِّ نِصْفُ عُمْرَ الذي كان قَبْله)). وهو في
((المستدرك)) وقد تكلَّمنا عليه مُفضَّلاً. وفي روايةٍ: ((أنَّ أَهْلَ الجنةِ يكونون أبناءَ ثلاثٍ
وثلاثينَ، على ميلادِ عيسى عليه الصلاة والسلام)). ومرادُه كونُهم على حال المتشابه،
مِثْل عيسى عليه الصلاة والسلام في السماء، فإِنَّهم يَشِبُّون، فلا يَشِيبون فيها أبداً، كما أن
عيسى عليه السلام لم يَتَغيَّر مع طول الزمان، وينزل كما رُفِع، بدون أن يَلْحَقه نَصَبٌ.
٨ - بابُ القُرَّاءِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ
٤٩٩٩ - حدّثنا حَفصُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
مَسْرُوقٍ: ذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: لاَ أَزَالُ أُحِبُّهُ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َلَه
يَقُولُ: ((خُذُوا القُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ، وَمُعاذٍ، وَأَبَيِّ بْنِ
كَعْبٍ)). [طرفه في: ٣٧٥٨].
٥٠٠٠ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفصٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ: حَدَّثَنَا شَقِيقُ بْنُ
سَلَمَةَ: قالَ: خَطَبَنَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسَعودٍ فَقَال: وَاللَّهِ لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ وَه
بِضْعاً وَسَبْعِينَ سُورَةً وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ نَّهِ أَنِّي مِنْ أَعْلَمِهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَمَا أَنَا
بِخَيرِهِمْ.
قالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ في الحِلَقِ أَسْمَعُ ما يَقُولُونَ، فَمَا سَمِعْتُ رَادّاً يَقُولُ غَيرَ ذلِكَ.
٥٠٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ: أَخْبَرَنَا سُفيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ
عَلقَمَةَ قالَ: كُنَّا بِحِمْصَ، فَقَرَأَ ابْنُ مِّسْعُودٍ سُورَةً يُوسُفَ، فَقَالَ رَجُلٌ: ما هَكَذَا أُنْزِلَتْ،
قالَ: قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ وَّهِ فَقَالَ: ((أَحْسَنْتَ)). وَوَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الخَمْرِ، فَقَالَ: أَتَّجْمَعُ
أَنْ تُكَذِّبَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَتَشْرَبَ الخَمْرَ؟ فَضَرَبَهُ الحَدَّ.
٥٠٠٢ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفصٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ: حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، عَنْ
مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَاللَّهِ الَّذِي لاَ إِلهَ غَيرُهُ، ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ
كِتَابِ اللَّهِ، إِلاَّ أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ، وَلاَ أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، إِلاَّ أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ
أُنْزِلَثَ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَداً أَعْلَمَ مِنِّيَ بِكِتَابِ اللَّهِ،َ تَبْلُغُهُ الإِبِلُ، لَرَكِبَتُ إِلَيْهِ.
٥٠٠٣ - حدّثنا حَفصُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ
مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَنْ جَمَعَ القُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ بَيِ؟ قالَ: أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ
الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيدٍ. تَابَعَهُ الفَضْلُ، عَنْ
حُسَينِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ ثُمَّامَةَ، عَنْ أَنَسٍ. [طرفه في: ٣٨١٠].

٤٧٧
كتاب فضائل القرآن
٥٠٠٤ - حدّثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُثَنَّى قالَ: حَدَّثَنِي ثَابِتٌ البُنَانِيُّ
وَثُمَامَةُ، عَنْ أَنَسِ قالَ: ماتَ النَّبِيُّ نَّهُ وَلَمْ يَجْمَعِ القُرْآنَ غَيرُ أَرْبَعَةٍ: أَبُوَ الدَّرْدَاءِ،
وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيدٍ. قالَ: وَنَحْنُّ وَرِثْنَاهُ. [طرفه في: ٣٨١٠].
٥٠٠٥ - حدّثنا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ: أَخْبَرَنَا يَحْيى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ بْنِ أَبِي
ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: قَالَ عُمَرُ: أُبَيُّ أَقْرَؤُنَا، وَإِنََّ لَنَدَعُ مِنْ
لَحْنِ أُبَيّ، وأُبَيِّ يَقُولُ: أَخَذْتُهُ مِنْ فِي رَسُوّلِ اللَّهِ نَّهِ فَلاَ أَتْرُكُهُ لِشَيءٍ، قالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. [طرفه في: ٤٤٨١].
٥٠٠٠ - قوله: (فجلَسْتُ في الحِلَقِ، أسمعُ ما يقولون) أي لأَسمع ما يقولون في
جواب ما قاله ابنُ مسعود، فلم أرَ أحداً منهم رَدَّ قوله، بل سلّموا كلهم.
٥٠٠١ - قوله: (وَجَدَ رِيحَ الخَمْر) وإنما وقع ذلك من ابنِ مسعودٍ، حين ذهب إلى
الشام، وفيه مسألتان: الأُولى: أنه لا حدَّ عندنا بِوِجْدانٍ ريح الخَمْر فقط، لأنَّ الحدودَ
تَنْدَرِىء بالشُّبهاتِ، وله أنْ يقول: إنما سقيتها كرهاً أو غيره، فَإِنْ أَقرَّ، فالحدُّ لإِقْرَاره، لا
لأَجل الرِّيح؛ والثانية: أن الحدَّ للإِمام، فكيف أقامَه ابنُ مسعود، ولنا فيه أَثَرُ عليٍّ.
٥٠٠٣ - قوله: (مَنْ جَمَع القرآنَ على عَهْد النبيِّ ◌َّ؟ قال: أربعةٌ كُلّهم مِن
الأَنْصار) واعلم أنَّ القرآنَ جَمَعَهُ غيرُهم أيضاً، وهم كثيرونَ، وإنما يَذْكرُ الرواةُ أعداداً
مُعَيَّنة، بحسب قَيْدٍ في نِيَّتهم، فَيُرَى في الظَّاهر أنهم أرادوا الحَصْرِ مُطْلقاً .
٩ - بابُ فَاتِحَةِ الكِتَابِ
٥٠٠٦ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قالَ: حَدَّثَنِي
خُبَيبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ خَفصِ بْنِ عاصِم، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلَّى قالَ: كُنْثٌ
أُصَلِّي، فَدَعَانِي النَّبِيُّنَهَ فَلَمْ أُجِبْهُ، قُلتُ: يَا رَّسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، قالَ: ((أَلَمْ يَقُلِ
اللَّهُ: ﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾؟)) [الأنفال: ٢٤]. ثُمَّ قالَ: ((أَلاَ أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ
في القُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ؟)) فَأَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ، قُلتُ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ، إِنَّكَ قُلتَ: ((لأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ)). قالَ: ((﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
[الفاتحة: ١] هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي، وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ)). [طرفه في: ٤٤٧٤].
٢
٥٠٠٧ - حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنَا وَهْبٌ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ
مَعْبَدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُذْرِيِّ قالَ: كُنَّا في مَسِيرٍ لَنَا فَنَزِلَنَا، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ
سَيِّدَ الحَيِّ سَلِيمٌ، وَإِنَّ نَفَرَنَا غُيَّبٌ، فَهَل مِنْكُمْ رَاقٍ؟ فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ ما كُنَّا نَأْبُنُهُ بِرُقْيَةٍ،
فَرَقَاهُ، فَبَرَأَ فَأَمَرَ لَهُ بِثَلاَثِينَ شَاةً، وَسَقَانَا لَبَناً، فَلَمَّا رَجَعَ قُلنَا لَهُ: أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَّةٌ، أَوْ
كُنْتَ تَرْقِي؟ قالَ: لاَ، ما رَقَيتُ إِلاَّ بِأُمّ الكِتَابِ، قُلنَا: لاَ تُحْدِثُوا شَيئاً حَتَّى نَأْتِيَ، أَوْ

٤٧٨
كتاب فضائل القرآن
نَسْأَلَ النَّبِيَّ ◌َهِ، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ ذَكَرْنَاهُ لِلنَّبِيِّ ◌َ، فَقَالَ: ((وَما كانَ يُدْرِيِهِ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟
اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْم)).
وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ: حَذَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: حَدَّثَنِي
مَعْبَدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ بِهذا. [طرفه في: ٢٢٧٦].
٥٠٠٦ - قوله: (قال: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾﴾ هي السَّبْعُ المَثانِي والقُرْآنُ
العَظِيمُ) ... إلخ. وقد ألقينا عليك في التَّفْسير أنه يقال لها: أُمُ الكِتاب، لأنَّ الأُمَّ في
اللّغةِ هي الدجاجةُ التي تُقَرْقِرُ لتجمعَ إليها أفراخَها، ثُم قيل لِلْواء: الأُمّ، لاجتماع
الجيشِ إليها عند الكَرِّ والفَرِّ، فإِنَّه ينبغي في الحَرْب مكاناً يجتمعونَ إليه عند الضَّرُورةِ،
ويكونَ مَرْجِعاً لهم عند الذهاب والإِياب، وعليه تسميةُ الفاتحةِ بأُمِّ الكتاب، فإِنَّ الكتاب
يذهب منها ويَرْجِعُ إليها، فهي المَرْجِع، كاللواء والأُم.
أما في القراءة، فهو ظاهرٌ، فإِنَّها مُتْعَيّنة، كأَنها في مَوْضِعِها، وسائر الكتابِ يَنْضُمُ
معها بَدَلاً، فكأَنَّها أُمِّ للقراءة، حيثُ تبتدأُ قراءة السُّوَر منها، ثُم تَرْجِع إليها في الرَّكْعة
الثانيةِ، ولذا سُمِّيت بالمَثاني، أي لكونها مُتكرِّرَةً متعينة، بخلاف سائر السُّور، فإِنَّها
واجِبةٌ عندنا على التخيير، وهي الشَّاكلة في الأحاديثِ، فقال: ((لا صلاةَ لمن لم يقرأ
بفاتحة الكتاب فصاعِداً))، وفي بعض الألفاظ: ((وما تيسر))، فجعل الفاتحةَ واجِبةً بعينها،
وسائر السُّوَر مُخَيَّرة، فعبر عنها بقوله: ((فصاعداً)) تارةً، وبقوله: ((ما تيسر)) أُخْرى، وعليه
: [الحجر: ٨٧]، فعبَّر عن سائرٍ
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانِيْنَكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِىِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ
الكِتابِ سواها بالقرآنِ العظيم، وعَبَّر عن الفاتحة بالسَّبْعِ المثاني، فكانت الفاتحةُ واجِبةً
عَيْناً، والقرآنُ العظيمُ واجِباً مخيَّراً، يقرأ منه ما تيسّر. وحينئذٍ ففيه إشارةٌ إلى وجوبٍ ضَمِّ
السُّورَةِ أيضاً، لأَنَّك قد عَلِمت فيما مرَّ أنَّ ما قَبْل ((فصاعداً))، وما بعده يستويان في
الوجوبِ وعدمِه، وعلى هذا وجوبُ السورةِ متعيّن في الحديث، لأن وجوبَ الفاتحةِ مما
لا يُنْكِرَ، والتسويةُ بين ما قَبْل ((فصاعداً) وما بعده مما قد اشتُهر، فلزِم الوجوبُ فيهما،
غيرَ أنَّ الفاتحةَ واجبةٌ عَيْناً، والسورةَ واجبةٌ بدَلاً، وإذا اتحدت شاكِلةُ القرآنِ والحديث،
لزِم الاتحادُ بين مفادِ الشاكلتين أيضاً، وهو وجوبُ ضِّ السورة.
ثُم إن في وَصْف الفاتحةِ بالمَثاني إشارةً إلى أنَّ أقلَّ الصلاةِ شَفْع، لأنَّه لما وَصَفها
به، عَلِم أنها حيثما تُقْرأ تقرأ مكررةٌ، لَتَتَّصِف بالمثاني، ولا تَكرارَ في ركعةٍ واحدةٍ
اتفاقاً، فلا يكونُ أقلُّ الصلاةِ إلَّ مَثْنِى، فكونُ الركعةِ صلاةً برأسِها منفيٍّ في نظر الشَّارِعِ،
وقد قَرَّرناه في الوِتْر بأبسطٍ وَجْهِ، ثُم لما لم تكن في الثلاثيةِ رَكْعةٌ رابعةٌ، وضع العَقْدةَ
على الثانيةِ، وختم على الثالثةِ. وقد مَرَّ معنا أن القرآنَ العظيمَ في نصِّ القرآنِ عبارةٌ عن
سائرِ الكتاب غيرَ السَّبْع المثاني، بخلافه في الحديث، فإِنَّه ليس من باب عَطْف الخاصّ

٤٧٩
كتاب فضائل القرآن
على العام، كما فهمه الحافظ، بل القرآنُ العظيمُ هو السَّبْعُ المثاني، وذلك لأنَّ القرآنَ إذا
عَبَّر عن الفاتحةِ بالسَّبْع المثاني، وعن سائر الكتابِ بالقرآنِ العظيم، أَوْهَم عَدَم شمولٍ
هذا العُنوان للفاتحةِ، فجاء الحديثُ، واستدركه، وقال: إنَّ السَّبْع المثاني هو القرآنُ،
فلا يتوهمنَّ أحَدٌ من عَظْف القرآنِ عليها أَنَّها ليست قرآناً، بل هي القرآنُ العظيم.
وبالجملة المزايا والنكاتُ في القرآنِ والحديث مختلفةٌ، ولولا الاعتباراتُ لبطلت
الحِكْمةُ، وهذه أمورٌ ذَوْقيَّة لا براهينَ، ويَذُوقُها مَنْ يرجع إلى وجدانه بِمَلَكَةٍ راسخةٍ،
وبَرْد صَدْر، وعَدْلٍ ونِصَفة، فتأمل (١). وقد جعل بَعْضُهم الفاتحةَ أَمّاً باعتبارِ جامِعيةٍ
مضامينها، فكأنها تَجْمَعُ القرآنَ كلَّه إليها، وذلك أيضاً نظر، ولتكن النكات كلتاهما، فإِنَّه
لا تَزَاحُم بينها، بل يزيدُ حُسْناً إلى حُسْن، كقوله:
إذا ما زِدْته نَظَرا
يزيدُك وَجْهُه حُسْناً
١٠ - بابٌ فَضْلُ البَقَرَةِ
٥٠٠٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ
الرَّحْمنِ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرَ قَالَ: ((مَنْ قَرَأَ بِالْآَيَتَينِ ... )).
٥٠٠٩ - حدّثنا أَبُو نُعَيم: حَدَّثَنَا سُفِيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ
الرَّحْمُنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ النَّبِيُّ وَّهَ: ((مَنْ قَرَأَ بِالْآَيَتَينِ
مِنْ آخِرَ سُوَرَةِ الْبَقَرَةِ في لَّيْلَةٍ كَفَتَاهُ)). [طرفه في: ٤٠٠٨].
٥٠١٠ - وَقَالَ عُثْمانُ بْنُ الهَيثَمَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهِ عَنْهُ قالَ: وَكَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَبِحِفِظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ، فَجَعَلَ
يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلتُ: لأَرْفَعَتَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهَـ فَقَصَّ الحَدِيثَ - فَقَالَ:
إِذَا أَوَيتَ إِلَى فِرَّاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ، لَنْ يَزَالَ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ حافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبُّكَ شَيطَانٌ
حَتَّى تُصْبِحَ. وَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((صَدَقَكَّ وَهُوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ شَيطَانٌ)). [طرفه في: ٢٣١١].
قوله: (كَفَتَاهُ) أي عن حقِّ القرآن، فإِنَّه ما من امرىء مُسْلم، إلاَّ وحق عليه أن يأتي
بجزءٍ منه في اللَّيل، فمن قرأهما كَفَتاه عن هذا الحقِّ، ولا يُطالِبِهُ القرآنُ فيه.
٥٠٠٩ - قوله: (عن أبي مَسْعُوه) ... إلخ، وعند محمد في ((كتاب الآثار)) ابنُ
(١) قلتُ: وإنما ذكرتُ كلامه مرَّةً أُخرى، لأنه قد كان بعضُ الفوائد فات مني في التفسير، ثُم وجدتُها في تقريرٍ آخَر
كنت أَمْليتها عنه في سالفٍ من الزمان، وأردتُ أَنْ لا أَضنَّ به، فأفدتُك به، وأعدتُ بَعْضَ الكلماتِ الماضية،
لأنَّ بعض التعبيراتِ قد تكون أَوْضَح من بعض، وأن العَوْدَ أَحْمدُ، وقد فعلت نحوَهُ في بعض المواضع أيضاً،
فلا تحسب أني أذكرُها سَهْواً، بل ذكرتُها عَمداً لبعض فوائدَ، يعلمها الناظِرُ، والله تعالى أعلم بالصواب.

٤٨٠
كتاب فضائل القرآن
مسعود، وبقيَّةُ الرواة ثِقاتٌ في الإِسنادين. وروى محمدٌ عن أبي حنيفةً بهذا الإِسناد أنَّ
الوِتْر ثلاثُ رَكعاتٍ، وذَكَر لها ثلاثَ سُوَر، فاعلمه.
١١ - باب فَضْلِ الكَهْفِ
٥٠١١ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ خالِدٍ: حَدَّثَنَا زُهَيرٌ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قالَ:
كانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ، وَإِلَى جانِبِهِ حِصَانٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَينِ، فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ
تَدْنُو وَتَدْنُو، وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَّى النَّبِيَّ ◌َجَ فَذَّكَرَ ذلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ((تِلكَ
السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالقُرْآنِ». [طرفه في: ٣٦١٤].
٥٠١١ - قوله: (بِشَطَنَينٍ) "دور سيان جو كھوری کی تهورى كى نيجى باندهتى
هین" .
قوله: (سَحابَةٌ) وهذه تُمثِّلُ السكينةَ، أراد اللَّهُ سبحانه أن يُرِيها، ولعل تلك الدَّوِي
كانت من تسبيح الملائكةِ، ولا بُعْد في التمثُّل، فإِنَّه قد ذَكَر ابنُ خلدون أن المُشَعْبذين
يُنْزلون الشيءَ أَوَّلاً في متخيلتهم، ثُم يُنْزِلونه من القوةِ المخيلة إلى الخارج، ولكنه لا
ثباتَ له إلاَّ بِصَرْف هِمَّتهم، فإِذا كَفّوا هِمتَهم عنه انعدم. قلتُ: وإذا تمثّلت المعاني في
الدنيا، فما الاستبعادُ عنه في الآخرة؟ .
١٢ - باب فَضْلِ سُورَةِ الفَتْحِ.
٥٠١٢ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قالَ: حَدَّثَني مالِكٌ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ كَانَ يَسِيرُ في بَعْضٍ أَسْفَارِهِ، وَعُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَّيْلاً، فَسَأَلَهُ عُمَرُ
عَنْ شَيءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ وَيْهِ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقَالَ عُمَرُ:
ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، نَزَرْتَ رَسُولَ اللّهِ وَلهَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، كُلَّ ذلِكَ لاَ يُجِيبُكَ، قَالَ عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ
بَعِيرِي حَتَّى كُنْتُ أَمامَ النَّاسِ وَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخاً
يَصْرُُّ، قَالَ: فَقُلتُ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ، قالَ: فَجِثْتُ رَسُولَ اللَّهِ عَهُ
فَسَلَّمْتُ عَلَيهِ، فَقَالَ: ((لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيهِ
الشَّمْسُ)). ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا فُِّينًا
[الفتح: ١]. [طرفه في: ٤١٧٧].
١٣ - باب فَضْلِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ
فيه عَمرةُ عنْ عائشة عن النبي
عَلى الله
٥٠١٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عَبْدٍ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ: أَنَّ رَجُلاً سَمِعَ رَجُلاً
[الإخلاص: ١] يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَه
يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ