Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ كتاب الجهاد ١٤ - باب مَنْ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ ٢٨٠٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا حُسَينُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو أَحْمَدَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ البَرَاءِ، وَهِيَ أُمُّ حارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ، أَتَتِ النَّبِيَّ ◌ِ ﴿ فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَلَا تُحَدِّثُنَيَ عَنْ حارِثَةَ وَكانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَإِنْ كانَ فِي الجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيرَ ذلِكَ، اجْتَهَدْتُ عَلَيهِ في البُكاءِ؟ قالَ: ((يَا أُمَّ حَارِثَةَ، إِنَّهَا جِنَانٌ في الجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الفِرْدَوْسَ الأَعْلَى)). [الحديث ٢٨٠٩ - أطرافه في: ٣٩٨٢، ٦٥٥٠، ٦٥٦٧]. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمُنِ الرَّحِيمِ ١٥ - باب مَنْ قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُليا ٢٨١٠ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ فَقَالَ: الرَّجلُ يُقَاتِلُ لِلمَغْنَمْ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَىِ مَكَانُهُ، فَمَنْ في سَبِيلِ اللّهِ؟ قالَ: ((مَنْ قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الغُلَيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)). [طرفه في: ١٢٣]. أعرض عن التفصيلِ المتعذّر، وعَدَل إلى الجواب الجُمْلي، فقال: مَن قاتل لإِعلاء كلمةِ الله، فهو في سبيل الله. حكاية نُقِل أن تيمورلنك لمَّا رحل إلى الشام، وقتل الناس، وسفك دماءهم ظُلْمًا وعُلوًا، بنى من هاماتهم صُفَّةً وقعد عليها، ثم دَعى العلماء، فكان يُناظِرُهم ويقْتُل مَنْ خالفه منهم؛ فسألهم مرةً أنه كيف صنع في قتلهم؟ فأجاب عالمٌ منهم: إنَّ جوابَه في الحديث، وقرأ هذا الحديث: ((مَنْ قاتل لتكونَ كلمةُ اللهِ»، ... الخ، فتفطنَّ تيمر أنه أراد به تَخْلِيص رَقَبْتَه، فأغمض عنه. ١٦ - باب مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَماهُ في سَبِيلِ اللَّهِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَنْ زَّسُولِ اَللَّهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَتَ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة ١١٩، ١٢٠]. ٢٨١١ - حدّثنا إِسْحاقُ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُبَارَكِ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ حَمْزَةَ قالَ: حَدَّثَنَي يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا عَبَايَةُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيج قالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْسٍ، هُوَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ جَبْرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَه﴿ قَالَ: (مَا اغْبَرَّتْ قَدَما عَبْدٍ في سَبِيلٍ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ)). [طرفه في: ٩٠٧]. ١٦٢ كتاب الجهاد حمل المصنّف قوله: ((في سبيل الله)) على الجهاد، ولذا فَسَّره أبو يوسف ومحمد في (باب الزكاة)) بمنقطع الغزاة. قلت: والظاهر أنه عالمٌ لجميع سُبُل الخيرِ، كما يدلُّ عليه ما أخرجه الترمذيُّ في ((باب من اغبرت قدماه في سبيل الله)) عن يزيد بن أبي مَرْيم، قال: لحقَني عبايةُ بن رِفاعة بن رافع، وأنا ماشٍ إلى الجُمعة، فقال: أَبْشِر، فإِنَّ خُطاك هذه في سبيل الله؛ سمعت أبا عيش يقول: قال رسوَّلُ الله ◌ََّ: (مَنِ اغبرت قَدَماه في سبيلِ الله، فهما حَرَامٌ على النَّار)) اهـ. فهذا صريحٌ أن هذا اللفظ كان عامًّا عند الصحابيَّين المذكورينَ، ولذا حملاه على المَشْي إلى الجُمعة أيضًا، إلا أن الترمذيَّ أخرجه من ((باب الجهاد)) فَيوهم أنه أَخَذَه في الجهاد، كالمصنِّف، فله إطلاقانٍ: عامٌ، وخاصٌ، والذي يناسِب في نحو هذا الحديث هو الإِطلاقُ العام، ولعل المصنّف حمل على أنه اشتُهر في الجهاد عُرْفًا . حكاية نُقِل أن السُّلْطان بَايزِيدخان يلدرن غزا ثنتين وسبعين غزوةً، كلّها على أوروبا، وكان يَلْبَس في كلِّها قباءً واحدًا، ولا يُبدّلُه، وكان إذا فرغ منها يجمع ما وقع عليها من الغُبار في حقة، فإِذا أشرف على الموت، أوصى النَّاس، أن يدفنوها في قبره. ١٧ - باب مَسْحِ الغُبَارِ عَنِ النَّاسِ في السَّبِيلِ ٢٨١٢ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسىٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ: حَدَّثَنَا خالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لَهُ وَلِعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: انْتِيَا أَبَا سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ، فَأَتَيْنَاهُ وَهُوَ وَأَخُوهُ في حَائِطِ لَهُمَا يَسْقِيَانِهِ، فَلَمَّا رَآنَا جاءَ فَاحْتَبِى وَجَلَسَ، فَقَالَ: كُنَّا نَنْقُلُ لَبِنَ المَسْجِدِ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَكَانَ عَمَّارُ يَنْقُلُ لَبِنَتَينٍ لَبِنَتَينٍ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ وَّهَ وَمَسَحَ عَنْ رَأْسِهِ الغُبَارَ، وَقالَ: ((وَيحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الفِئَةُ البَاغِيَّةُ، عَمَّارٌ يَدْعُوهُمْ إِلَّى اللَّهِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ)). [طرفه في: ٤٤٧]. ٢٨١٢ - قوله: (وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُه الفِئةُ الباغيةُ) ... الخ، وقد مرَّ شَرْحه، وهذه جملةٌ موجودةٌ عند البخاريِّ، ثُم أنكرها الحافظ، فيما مرَّ . ١٨ - باب الغُسْلِ بَعْدَ الحَرْبِ وَالغُبَارِ ٢٨١٣ - حدّثنا مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ﴿ لَمَّا رَجَعَ يَوْمَ الخَنْدَقَّ، وَوَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَقَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ الغُبَارُ، فَقَالَ: وَضَعْتَ السِّلَاحَ، فَوَاللَّهِ مَا وَضَعْتُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((فَأَينَ؟)) قالَ: هَا هُنَا، وَأَوْمَأً إِلَى بَني قُرَيظَةَ. قالَتْ: فَخَرَجَ إِلَيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ. [طرفه في: ٤٦٣]. ١٦٣ كتاب الجهاد ١٩ - باب فَضْلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فَحِينَ بِمَآ (٢٦٩) ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٧٠)) (٣)﴾ [آل عمران: ١٦٩ - يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ١٧١]. ٢٨١٤ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَني مالِكٌ، عَنِ إِسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي طَلحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: دَعا رَسُولُ اللهِّ ◌َ﴿ عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوا أَصْحَابَ بِثْرِ مَعُونَةً ثَلَاثِينَ غَدَاةً، عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ أَنَسٌ: أُنْزِلَ في الَّذِينَ قُتِلُوا بِثْرِ مَعُونَةَ قُرْآنٌ قَرَ أْنَاهُ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ: بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا، فَرَضِيَ عَنَّا وَرَضِينَا عَنْهُ. [طرفه في: ١٠٠١]. ٢٨١٥ - حدّثنا عَلِيُّ بَنْ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو: سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: اصْطَبَحَ نَاسٌ الخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ قُتِلُوا شُهَدَاءَ، فَقِيلَ لِسُفيَانَ: مِنْ آخِرِ ذلِكَ اليَوْمِ؟ قالَ: لَيسَ هذا فِيهِ. [الحديث ٢٨١٥ - طرفاه في: ٤٠٤٤، ٤٦١٨]. واعلم أنه قد تكلمنا مرَّةً في معنى حياة الشهداء والأنبياء عليهم السلام؛ وحاصله: أن الحياة بمعنى أفعالِ الحياة، وإلا فالأرواحُ كلَّها حياةٌ، ولو كانتِ أرواح الكفار؛ ولكنها معطلةٌ عن أفعال الحياة. ولذا ترى القرآنَ والحديث لا يذكران الحياة إلَّا ويذكران معه فعلًا من أفعال الحياةِ أيضًا، كما رأيت في الآية المذكورة حيث قال: ﴿بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ٦٩] فَذَكَر كونَهم مَرْزُوقين، وهي من أفعال الحي، والمعنى أن غيرهم، وإن كانوا أحياءً أيضاً لكن هؤلاء يرزقون، ويفعلون أفعال الحياة، فأَوْلى أن يُسمّوا بالأحياء بخلاف غيرهم، وفي الحديث أَنَّهم يدخلون الجنَّة في حواصل طيرٍ خُضْرٍ، ولفظ ((الموطأ)) يقتضي أن هؤلاء مُشبّهون بالطَّرِ الخُضْرِ، إلا أنِ الطَيْرَ الخُضْر ظرفٌ لهم، ثم عند مالك في (موطئه)) في باب الشهيد ((إنما نَسْمَةُ المؤمنِ طيرٌ يعلَّقُ في الجَنَّة)). اهـ. وهذا يدلُّ على كونِه صفةً لعامَّة المؤمنين غيرِ الشهداءِ أيضًا . قلت: أما الشهداءُ فقد جاءت تلك الصِّفةُ في صِنْفِهم لِعَملهم؛ وأما غيرُهم فلعله يكون فيهم أيضًا مَنْ يكون على صِفَتهم، ثُم هذا أبدانُ مِثاليةٌ لهم، لا أنهم أرواحُ مجردةٌ، ولعله عَجَّلَ لهم ارزاقَهُم قبل الحَشْر، وأما سائر الناس فقد أخّر انتفاعُهم بها إلى يوم القيامة. واعلم أن الحديثَ أَسْنَد الأَكْلَ والشُّرْب إلى النَّسمة دون البدن والجسد، فإِنَّه في التراب، فدلَّ على أن النَّسمة غيرُ الجسد، وكذلك غيرُ الرُوحِ، لأن الروح لا يُسْند إليها الأكلُ والشُّرْب، ما لم تتصل بجسدٍ مادي، أو مِثالي؛ ولذا لم يقل: إنَّ أرواحَ المؤمن طير ... الخ، ولكن قال: نَسْمة المؤمن. ١٦٤ كتاب الجهاد والحاصل أن مَحَظّ الآية بيانُ كَوْنهم أحياءً فقط، ونبَّهت على أن المحط فيها قوله: ﴿يُرْزَقُونَ﴾ لا كونهم أحياءً فقط، فإِنَّ حياة الأرواح معلومةٌ، وعليها جرى الحديث، فقال: يعلق في الجنة، وكذا الأنبياء أحياء في قُبورهم يصلُّون، فتعرَّض إلى آثارِ الحياةِ من العَلَق، والصلاة، وراجع ((شرح الصدور، لأفعال الموتى والقبور)). فقد ورد فيه حَجُّهم، وتلاواتُهم، وصلاتُهم، وغيرها. أما الحجُّ والصلاة، فقد ورد في الانبياء عليهم السلام: وأما التلاوةُ ففي غيرهم أيضًا، فإِذن المَحظّ في كلِّها هو بيانُ هذه الأفعال، لا بيانُ نَفْس الحياة، وحينئذٍ معنى عَلِمت حياتهم ما هي أعني أنهم يفعلون أفعالَ الحيِّ، وليسوا بمعطلين. وإلى هذا المعنى أرشدَ القرآن بقوله: ﴿يُرْزَفُونَ﴾ والحديثُ بقوله: ((يصلون)). ليتعيَّن المرادُ من الحياة، ولتتميزَ حياتُهم عن حياة سائر الناس. ٢٠ - باب ظِلِّ المَلاَئِكَةِ عَلَى الشَّهِيدِ ٢٨١٦ - حدّثنا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ قالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَينَةَ قالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ المُنْكَدِرِ: أَنَّهُ سَمِعَ جابِرًا يَقُولُ: جِيءَ بِأَبِي إِلَى النَّبِّ ◌َّهِ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ، وَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيهِ، فَذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْ وَجْهِهِ، فَنَهَانِي قَوْمِي، فَسَمِعَ صَوْتَ نَائِحَةٍ، فَقِبِلَ: ابْنَةٌ عَمْرٍو، أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو، فَقَالَ: ((لِمَ تَبْكِي - أَوْ: لَا تَّبْكِي - مَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا)). قُلتُ لِصَدَقَةَ: أَفِيهِ: (حَتَّى رُفِعَ))؟ قالَ: رُبَّمَا قالَهُ. [طرفه في: ١٢٤٤]. قوله: (تُظلِّهُ الملائكةُ) ، ولعل في هذا الإِظلال إجلالًا للميت. ٢١ - باب تَمَنِّي المُجَاهِدِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا ٢٨١٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشَارٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ قالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مالِكِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ قالَ: ((ما أَحَدٌ يَدْخُلُ الجَنَّةَ، يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيءٍ إِلَّا الشَّهِيدُ، يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لِمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ)). [طرفه في: ٢٧٩٥]. ٢٢ - بابٌ الجَنَّةُ تَحْتَ بَارِقَةِ السُّيُوفِ وَقَالَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: أَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا وَّهِ، عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا: ((مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الجَنَّةِ)). وَقَالَ عُمَرُ لِلنَّبِّ ◌َِّ: أَلَيسَ قَتْلَانَا في الجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ في النَّارِ؟ قالَ: (بَلَى)). ٢٨١٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحاقَ، عَنْ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيدِ اللَّهِ، وَكانَ كاتِبًا، قالَ: كَتَبَ ١٦٥ كتاب الجهاد إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَ ﴿ِ قالَ: ((وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيوفِ». تَابَعَهُ الأُوَيسِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ. [الحديث ٢٨١٨ - أطرافه في: ٢٨٣٣، ٢٩٦٦، ٣٠٢٤، ٧٢٣٧]. ٢٨١٨ - قوله: (قتلانا في الجنة) .. الخ، قاله في - الحديبية -. قوله: (وكانَ كاتِبَه) وقد سها الحافظ هناك في ارجاع الضمير. وراجع ((حاشية)) لمُلاّ محمد يعقوب البمباني، والبمبان: محلة من بلدة لاهُور. ٢٣ - باب مَنْ طَلَبَ الوَلَدَ لِلِجِهَادِ ٢٨١٩ - وَقالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ هُرْمُزَ قالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ قالَ: ((قالَ سُلَيمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيهِمَا السَّلَامُ: لِأَطُوفَنَّ اللَّيلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأةٍ، أَوْ تِسْعِ وَتِسْعِينَ، كُلُّهُنَّ يَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُل إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَحْمِلِ مِنْهُنَّ إِلَّ امْرَأَةً وَاحِدَةٌ، جاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ)). [الحديث ٢٨١٩ - أطرافه في: ٣٤٢٤، ٥٢٤٢، ٦٦٣٩، ٦٧٢٠، ٧٤٦٩]. ٢٨١٩ - قوله: (فقال له صاحِبُه: قل: إن شاء الله) قيل: إنَّ آصف لَفَّته بهذا القولِ، ولكنه نَسِي، فلم يتكِلَّم، فلم تلد منهن غيرُ امرأةٍ، وَلَدَتْ سَقِطًا أُلْقي على كُرسيِّه. والقَصَص المذكورة في التفاسير كُلُّها موضوعةٌ، إنْ هذا إلا اختلاقٌ. ٢٤ - باب الشَّجَاعَةِ في الحَرْبِ وَالجُبْنِ ٢٨٢٠ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ وَاقِدٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ أَحْسَنَ النَّاسِ وأشْجَعَ النَّاسِ وأجْوَدَ النَاسِ، وَلَقَدْ فَزِعٌ أَهْلُ المَدِينَةِ، فَكَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ سَبَقَهُمْ عَلَى فَرَسٍ، وَقالَ: ((وَجَدْنَاهُ بَحْرًا)). [طرفه في: ٢٦٢٧]. ٢٨٢١ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيرِ بْنِ مُطْعِم أَنَّ مُحمَّدَ بْنَ جُبَيرِ قالَ: أَخْبَرَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطعم: أَنَّهُ بَينَما هُوَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وََّّ وَمَعَهُ النَّاسُ، مَقْفِّلَهُ مِنْ حُنَيْنِ، فَعَلِقَهُ النَّاسُ يُسْأَلُونَهُ، حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ النَّبِيُّنَّهِ فَقَالَ: ((أَعْطُونِي رِدَائِ، لَوْ كانَ لِي ١٦٦ كتاب الجهاد عَدَدُ هذهِ العِضَاءِ نَعَمَا لَقَسَمْتُهُ بَينَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا، وَلَا كَذُوبًا، وَلَا جَبَانًا)). [الحديث ٢٨٢١ - طرفه في: ٣١٤٨]. ٢٨٢١ - قوله: (الأَغْرَابُ يسألُونَه) ... الخ، والأعرابُ يقال لغةً لساكِني الباديةِ منهم. ٢٥ - باب ما يُتَعَوَّذُ مِنَ الجُبْنِ ٢٨٢٢ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيرِ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيمُونِ الأَوْدِيَّ قالَ: كانَ سَعْدٌ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هِؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ، كما يُعَلِّمُ المُعَلِّمُ الغِلمَانَ الكِتَابَةَ، وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْهُنَّ دُبْرَ الصَّلَاةِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وأَعُوذُ بكَ أَنْ أُرَدَّ إلَى أرْذَل العُمُرِ، وأعوذُ بِكَ مِنْ فتنة الدُّنْيَا وَأعوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ)). فَحَدَّثْتُ بِهِ مُصْعَبًا فَصَدَّقَهُ. [الحديث ٢٨٢٢ - أطرافه في: ٦٣٦٥، ٦٣٧٠، ٦٣٧٤، ٦٣٩٠]. ٢٨٢٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قالَ: سَمِعْتُ أَبِي قالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالجُبْنِ وَالهَرم، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ)). [الحديث ٢٨٢٣ - أطرافه في: ٤٧٠٧، ٦٣٦٧، ٦٣٧١]. ٢٦ - باب مَنْ حَدَّثَ بِمَشَاهِدِهِ في الحَرْبِ قالَهُ أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ سَعْدٍ. ٢٨٢٤ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا حاتِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: صَحِبْتُ طَلحَةَ بْنَ عُبَيدِ اللَّهِ، وَسَعْدًا، وَالمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ، وَعَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ وََّ، إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ طَلحَةَ يُحَدِّثُ عَنْ يَوْم أُحُدٍ. [الحديث ٢٨٢٤ - طرفه في: ٤٠٦٢]. قلت: وذلك أَمْرُ يختلف باختلاف النِّيات؛ فإِنْ كانت نِيْتُه المراآةَ والإِسماعَ، سَمَّع الله به، وراءى به، وإن كانت نِيتُه الإِخلاصَ ومرضاة اللهِ، فله الحُسْنی وزيادةُ. ٢٧ - باب وُجُوبِ النَّفِيرِ، وَما يَجِبُ مِنَ الجهَادِ وَالنِّيَّةِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ ◌َّكُمْ إِن كُمْ تَعْلَمُونَ ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًّا قَاصِدًا لََّتَبَعُوَكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُفَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١، ٤٢] الآيَةَ. وَقَوْلِهِ: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُ انِفِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضَِّ أَرَضِيتُم بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٨ ١٦٧ كتاب الجهاد يُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿اَنْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ [النساء: ٧١]: سَرَايَا مُتَفَرِّقِينَ؛ يُقَالُ: أَحَدُ الثُّبَاتِ ثُبَّةٌ . ٢٨٢٥ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ عَلِيّ: حَدَّثَنَا يَحْيي: حَدَّثَنَا سُفِيَانُ قالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ نَّ قَالَ يَوْمَ الفَتْحِ: ((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادُ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا)). [طرفه في: ١٣٤٩]. ٢٨ - باب الكَافِرِ يَقْتُلُ المُسْلِمَ، ثُمَّ يُسْلِمُ، فَيُسَدِّدُ بَعْدُ وَيُقْتَلُ ٢٨٢٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسَفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ قالَ: ((يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلُّينِ، يَقْتَّلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، يَدْخُلَانِ الجَنَّةَ: يُقَاتِلُ هذا في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى القَاتِلِ، فَيُسْتَشْهَدُ)) . ٢٨٢٧ - حدّثنا الحُمَيدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قالَ: أَخْبَرَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: أَتَيتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهُ وَهُوَ بِخَيْبَرَ بَعْدَ ما افتَتَحُوهَا، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْهِمْ لِي، فَقَالَ بَعْضُ بَنِي سَعِيدِ بْنِ العَاصِ: لَا تُسْهِمْ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ھذا قاتِلُ ابْنِ قَوْقَلٍ، فَقَالَ ابْنُ سَعِيدٍ بْنِ العَاصِ: وَاعَجَبًا لِوَبْرٍ، تَدَلَّى عَلَيْنَا مِنْ قَدُومِ ضَأْنٍ، يَنْعَى عَلَّيَّ قَتْلَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْرَمَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيَّ، وَلَمْ يُهِنِّي عَلَى يَدَيهِ. قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَسْهَمَ لَهُ أَمْ لَمْ يُسْهِمْ لَهُ . قالَ سُفيَانُ: وَحَدَّثَنِيهِ السَّعِيدِيُّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : السَّعِيدِيُّ هو عَمْرُو بْنُ يَحْيِى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ. [الحديث ٢٨٢٧ - أطرافه في: ٤٢٣٧، ٤٢٣٨، ٤٢٣٩]. والضابطة فيه أن القاتِل لا يجتمعُ مع المقتول، فإِنْ ذهب أحدُهما إلى الجنة يذهبُ الآخَرُ إلى النَّار؛ ولا بُعْد أن يكون ابنُ عباس قال بتخليد قاتلِ المؤمن نظرًا إلى هذه القاعدة؛ لأن مقتولَة المُسْلم لما ذهب إلى الجنةِ يجب أن لا يجتمع معه قاتِلُه في الجنة، فَلَزِم الخلودُ لا محالة؛ ولكنَّ الله قد يرى عجائبَ قدرتِه في الخَلْقِ، فيجمع بينهما في الجنة، بأن يُوفِّق هذا الكافرَ للإِسلام، بعد قَتْل المُسْلم، ثُمَّ يَمُنَّ عليه بالشهادةِ في سبيله، فيدخل القاتلُ والمقتولُ في الجنَّة؛ ولذا قال النبيُّ وَّه: ((يَضحكُ الله إلى رجلين؛ وذلك لدخولهما في الجنَّةِ معًا، وكذلك الإِنسان إذا ظفر بمنيته على خِلاف الضابطة، يضحك منه تعجبًا لا محالة. ٢٩ - باب مَنِ اخْتَارَ الغَزْوَ عَلَى الصَّؤْمِ ٢٨٢٨ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا ثابِتُ البُنَانِيُّ قالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مالِكٍ ١٦٨ كتاب الجهاد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كَانَ أَبُو طَلحَةَ لَا يَصُومُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ نََّ مِنْ أَجْلِ الغَزْوِ، فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ وََّ لَمْ أَرَهُ مُفْطِرًا إِلَّ يَوْمَ فِظْرٍ أَوْ أَضْحَى. ٣٠ - بابٌ الشَّهَادَةُ سَبْعُ سِوَى القَتْلِ ٢٨٢٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قالَ: ((الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللّهِ)). [طرفه في: ٦٥٣]. ٢٨٣٠ - حدّثنا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللّهِ: أَخْبَرَنَا عاصِمٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ نَ لَ قَالَ: ((الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لَكُلِّ مُسْلِمٍ)). [الحديث ٢٨٣٠ - طرفه في: ٥٧٣٢]. ٣١ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِىِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمّ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَقْوَلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةٌ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىَّ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَِهِدِينَ عَلَى اُلْفَعِدِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٩٥، ٩٦]. ٢٨٣١ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ قالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دَعا رَسُولُ اللَّهِ بَلِّ زَيدًا، فَجَاءَ بِكَتِفٍ فَكَتَبَهَا، وَشَكاً ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ضَرَارَتَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾. [الحديث ٢٨٣١ - طرفاه في: ٤٥٩٣، ٤٥٩٤، ٤٩٩٠]. ٢٨٣٢ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللّهِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ الزُّهْرِيُّ قال: حَدَّثَنِي صَالحُ بنُ كَيْسَانَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ قالَ: رَأَيتُ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَم جالِسًا في المَسْجِدِ، فَأَقْبَلتُ حَتَّىَ جَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَأَخْبَرَنَا أَنَّ زَيدَ بْنَ ثَابِتٍ أَخْبَّرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّرَ أَمْلَى عَلَيهِ: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ﴾. قالَ: فَجَاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ يُمِلُّهَا عَلَيَّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَسْتَطِيعُ الجِهَادَ لَجَاهَدْتُ، وَكَانَ رَجُلاً أعْمَى، فأنْزَلَ اللَّهُ تباركَ وَتَعَالى على رَسُولِهِ وَّهَ، وفَخِذُهُ على فَخْذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتَّى خِفتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَّرِ﴾. [الحديث ٢٨٣٢ - طرفه في: ٤٥٩٢]. وإنما أنزل ﴿غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾ إيضاحاً وإفصاحاً، وإلا فلا إشكال في الآية بدونه أيضاً، لأن القاعد غير المقعد، والآية إنما وردت ناعية على القاعدين، دون المقعدين. ١٦٩ كتاب الجهاد ٣٢ - باب الصَّبْرِ عِنْدَ القِتَالِ ٢٨٣٣ - حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرِو: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مُوِسى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِم أَبِي النَّصْرِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفِى كَتَبَ، فَقَرَأْتُهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قالَ: ((إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا)). [الحديث: ٢٨٣٣ - أطرافه في: ٢٨١٨، ٢٩٦٦، ٣٠٢٤، ٧٢٣٧]. ٣٣ - باب التَّحْرِيضِ عَلَى القِتَالِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ حَرْضِ الْمُؤْمِينَ عَلَى اُلْقِتَالِّ﴾ [الأنفال: ٦٥]. ٢٨٣٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍوٍ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيدٍ قالَ: سَمِعْتُ أَنَسّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ إِلَى الخَنْدَقِ، فَإِذَا المِهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذلِكَ لَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ وَالجوعِ، قالَ: فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهْ» فَقَالُوا مُجِيِينَ لَهُ: («اللَّهُمَّ إِنَّ العَيشَ عَيشُ الآخِرَهْ نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا عَلَى الجِهَادِ ما بَقِينَا أَبَدَا [الحديث ٢٨٣٤ - أطرافه في: ٢٨٣٥، ٢٩٦١، ٣٧٩٥، ٣٧٩٦، ٤٠٩٩، ٤١٠٠، ٦٤١٣، ٧٢٠١]. ٢٨٣٤ - قوله: (نَحْنُ الذين بايَعُوا محمدًا) ... الخ كانوا يَرتَجزُون بها عند حَفْر الخندق، كما يدندن أحدُكم عند الشغل في عملٍ، لئلا يسأمَ منه، فإِنَّ الإِنسانَ إذا اشتغل في مَشَقَّة، وجعل نَفْسِه في زَمْزَمٍ لا يتعب، لأنه بِشُغْله فّ زمزمته لا يَحُسُّ ما يَلْحَقُه من التعب في عمله. ٣٤ - باب حَفرِ الخَتْدَقِ ٢٨٣٥ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: جَعَلَ المُهَاجِرُونُّ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَّ الخَنْدَقَ حَوْلَ المَدِينَةِ، وَيَنْقُلُونَّ التّرَابَ عَلَى مُتُونِهِمْ، وَيَقُولُونَ : نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا عَلَى الإِسْلَامِ ما بَقِينَا أَبَدا وَالنَّبِيُّ ◌َّهَ يُجِيبُهُمْ، وَيَقُولُ: ((اللَّهُمَّ إِنَّه لَا خَيرَ إِلَّا خَيرُ الَآخِرَةِ، فَبَارِكْ فِي الأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَهْ)). [طرفه في: ٢٨٣٤]. ٢٨٣٦ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ البَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: كانَ النَّبِيُّ وَلِّ يَنْقُلُ وَيَقُولُ: ((لَوْلَا أَنْتَ ما اهْتَدَيْنَا)). [الحديث ٢٨٣٦ - أطرافه في: ٢٨٣٧، ٣٠٣٤، ٤١٠٤، ٤١٠٦، ٦٦٢٠، ٧٢٣٦]. ١٧٠ كتاب الجهاد ٢٨٣٧ - حدّثنا حَفصُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ، عَنِ البَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّه يَوْمَ الأَحْزَابِ يَنْقُلُ التُّرَابَ، وَقَدْ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّينَا ((لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَینَا وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَينَا فَأَنْزِلِ السَّكِينَةَ عَلَينَا إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا)) إِنَّ الأُلَّى قَدْ بَغَوْا عَلَينَا [طرفه في: ٢٨٣٦]. ٣٥ - باب مَنْ حَبَسَهُ العُذْرُ عَنِ الغَزْوِ ٢٨٣٨ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا زُهَيرٌ: حَدَّثَنَا حُمَيدٌ: أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ قالَ: رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَةِ تَبُوك مَعَ النَّبِيِّ ◌َِّ. [الحديث ٢٨٣٨ - طرفاء في: ٢٨٣٩، ٤٤٢٣]. ٢٨٣٩ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، هُوَ ابْنُ زَيدٍ، عَنْ حُمَيدٍ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ كَانَ فِيَ غَزَاةٍ، فَقَالَ: ((إِنَّ أَقْوَامًا بِالمَدِينَةِ خَلفَنَا، ما سَلَكْنًّا شِعْبًا وَلَا وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَنَا فِيهِ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ)). [طرفه في: ٢٨٣٨]. وَقالَ مُوسى: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ: عَنْ حُمَيدٍ، عَنْ مُوسى بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ: قالَ النَّبِيُّ وَّهَ. قالَ أَبو عَبْدِ اللَّهِ: الأَوَّلُ أَصَحُ. ٣٦ - باب فَضْلِ الصَّؤْمِ في سَبِيلِ اللَّهِ ٢٨٤٠ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ نَصْرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجِ قالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ وَسُهَيلُ بْنُ أَبِيَّ صَالِحٍ: أَنَّهُمَا سَمِعَا النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشِِّ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَِّ يَقُولُ: ((مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا)». قد مرَّ أنَّ البخاريَّ، وتلميذة الترمذي حملاه على الجهاد لِشُيوع هذا اللفظ في الجهادِ والأَّوْلى عندي أن يُتْرك على عمومِهِ، ويكونَ الجهادُ فرْدًا منه: فالصومُ في سبيل الله مطلقًا يوجِبُ الوَعْد والأجْر، وإن تفاوت أَجْر وأَجْرٌ، بحسب المشاق؛ فإِنَّ العطايا على متن البلايا، أو على قَدْر البلايا . ٣٧ - باب فَضْلِ النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ ٢٨٤١ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفصِ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ نَ قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَينٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، دَعاهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ، كُلُّ خَزَنَةِ بَابٍ: أَيَ فُلُ هَلُمَّ)). قالَ أَبو بَكْرٍ: يَا رَسُوَلَ اللَّهِ، ذَّاكَ الَّذِي لَا تَوَى ١٧١ كتاب الجهاد عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ)). [طرفه في: ١٨٩٧]. ٢٨٤٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ: حَدَّثَنَا فُلَيِحٌ: حَدَّثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِل ◌َ﴿ قَامَ عَلَى المِنْبَرِ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا أَخْشى عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي ما يُفتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَرَكاتِ الأَرْضِ)». ثُمَّ ذَكَرَ زَهَرَةَ الدُّنْيَا، فَبَدَأَ بِإِحْدَاهُمَا وَثَنَّى بِالأُخْرَى، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ يَأْتِي الخَيرُ بِالشَّرِّ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ، قُلْنَا: يُوحِى إِلَيهِ، وَسَكَتَ النَّاسُ كَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِهِم الطَّيرَ، ثُمَّ إِنَّهُ مَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ الرُّحَضَاءَ، فَقَالَ: ((أَيْنَ السَّائِلُ آنِفًا؟ أَوَ خَيرٌ هُوَ، ثَلَاثًا؛ إِنَّ الخَيرَ لَا يَأْتِي إِلَّ بِالخَيرِ، وَإِنَّهُ كُلَّمَا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ ما يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ، كُلَّمَا أَكَلَتْ إِلَّا آكِلَةَ الخُضَرِ، حَتَّى إِذَا امْتَلَأَتْ خاصِرَتَاهَا، اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ، فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ ثُمَّ رَتَعَتْ، وَإِنَّ هذا المالَ خَضِرَةٌ حُلوَةٌ، وَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِم لِمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ فَجَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْيَتَامى وَالمَسَاكِينِ، وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْهُ بِحَقِّهِ فَهُوَ كالآكِلِ الذِي لَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ عَلَيهِ شَهِيدًا يَوْمَ القِيَامَةِ)). [طرفه في: ٩٢١]. ٣٨ - باب فَضْلٍ مَنْ جَهَّزَ غازِيًا أَوْ خَلَفَهُ بِخَيرٍ ٢٨٤٣ - حدّثنا أبو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ: حَدَّثَنَا الحُسَينُ قالَ: حَدَّثَنِي يَحْيِى قالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ قالَ: حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ قالَ: حَدَّثَنِي زَيدُ بْنُ خالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّيهِ قالَ: ((مَنْ جَهَّزَ غازِيًا في سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غازِيًا في سَبِيلِ اللّهِ بِخَيرٍ فَقَدْ غَزَ!». ٢٨٤٤ - حدّثنا مُوسى بْنُ إسماعيلُ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ إِسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ بَيْتًا بِالمَدِينَةِ غَيْرَ بَيْتِ أُمِّ سُلَيمٍ إِلَّا عَلَىّ أَزْوَاجِهِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: ((إِنِّي أَرْحَمُهَا، قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي)). واعلم أنَّ الفِعْل قد يحصُل من واحد، وقد يَحصل من جماعةٍ، فإذا كان يحصُّل من الجماعة يحصُلِ لكلِّ منهم أجرٌ كفاعِله، سواء كان فَعَله بنفسِه، أو أعان عليه بِنَوْعِ، كالجهاد، فإِنه لا يَحْصُل إلَّا من جماعةٍ تَغْزُو، وكذا لا بد له ممَّن يُعيِن عليهِ، ويقوم على الغازّين، فالمُعِين له، والقائمُ عليه كُلُّهم كالغزاةِ في سبيل الله. ونظيرُه القراءةُ، فإِنَّها فِعْلٌ واحِدٌ، ولا تَتِمُّ القراءةُ من الإِمام إلا باستماع المُقْتدي، فالقراءة فِعل واحِدٌ، وحظّ الإِمام منها نَفْسُ القراءةِ، وحَظُ المُقتدي الاستماع إليها دون المنازعة معه؛ وحينئذٍ لا نقولُ: إن صلاةَ المُقتدي تَتِمُّ بدون القراءة، ولكنَّا نقولُ: إن عليه قراءةً أيضًا، ولكنَّ حظّه منها الإِنصاتُ فقط؛ فالقراءةُ فِعْلٌ واحِدُ يتقوَّمُ حقيقتُها من قراءةِ الإِمام، واستماع المُقْتدي؛ أما إذا كانت قراءتُه في نفسه، أي لامع الجماعة فلا كلام فيه، وكذلك الخطبة لا تتأتى إلا باستماع المُقْتدي؛ ولذا قال: ((مَنْ مَسَّ الحصى فقد لغا)). ١٧٢ کتاب الجهاد فالحاصل أنَّ من باشر القِتال، ومَن أعان عليه بنوع، كلُّهم مشترٍكون في الجهاد، وإن اختلفوا في الأجْر زيادةً ونُقْصانًا بحسب تَفاؤُتِ مراتب الخلوص، وسماحةِ الأَنْفُس، وصَرْف الأموال، وَبذْل المهج. فائدة واعلم أنَّ العبادَ وأفعالَهم كُلُّهم مخلوقون لله تعالى: لا كما زعم المعتزلة؛ إنَّ العبادَ خالِقون لأفعالهم، كيف! وأَنَّه لا بد للخالق أن يكونَ مُطَّلِعًا على مخلوقة من جميع الوجوه والجِهات، فإِنَّ الخَلْقَ لا يتأتى إلَّ بالعلم المحيط بالمخلوق. قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخِيرُ ﴾ [المُلك: ١٤] فاستشهد على خَلْقه بِعِلمه، فإِنَّ الخالق لا يكون إلَّا عالمًا بما خَلَقه، والعبدَ لا عِلْم له بمبادىء أَفعاله، فكيف يكون خالقًا لها، ومنه ظهر الفَرْق بين الخَلْق والكَسْب؛ فإِنَّ المكسوبَ يتَّصِلُ بكاسبه، ولا يشترط في الكاسب أن يكونَ عنده عِلْمٌ بالمبادىء أيضًا، بخلاف المخلوق، فإِنَّه ينفصل عن خالِقه ويُشترط فيه أن يكون عند خالِقِهِ عِلْمُهُ التام. وما قال الدوَّاني: إنَّ فِعْل العبد يتأتى من مجموع القُدْرتَين: قُدرة العَبْد وقدرة الله. فليس بشيء؛ فإِنَّ ذلك إنما يصِحُّ لو كانت للعبدِ قدرةٌ في نفسه، فإذا لم يكنِ لِقُدْرته تَقَوُّمٌ بدون القدرة الإِلهية لم يَحْصُل مجموعُ القدرتين، لانتفاء أحد جزئيه. ألا ترى أَنَّ العبد ليس له وجودٌ في نَفْسِهِ، أي مع قَطْع النَّظر عن إيجادِ خالقه، فإِذا لم يستقلَّ في وُجُوده لم يستقلَّ في سائر صفاته، فكلُّ صفةٍ تفرض تكون تلك أيضًا تحت القدرةٍ، وعلى هذا فقُدرتُه أيضًا تحت قُدْرتِه تعالى، ويجري الكلامُ فيها أيضًا بِمِثْله، فيتسلسل(١). (١) يقول العبد الضعيف: فإِنْ قلت: إنَّ المراد من قدرة العبد هي عَقِيب الفعل التي كالعلة له، وحينئذ يحصُل المجموعُ، قلت: هَبّ، ولكنه لا يدفع الإِشكال، فإِنا نتكلّم في تلك القدرة، كيف هي؟ فلا بد إما أن يقال: إنَّها من العبد، أو تنتهي إلى الله تعالى، وعلى كلِّ تقدير يعود المحذورُ، وما يخطر بالبال بعد الفهم من الكلمات المتفرقة لللشيخ: أنَّ ما يأتي من الله سبحانه بلا توسُّط العبد، فهو مخلوقٌ له تعالى، وما يخلقه بواسطة العبد فهو مَكْسُوب للعبد، ومخلوقٌ لله تعالى، لأن ما خلقه بنفسه بلا واسطة، فهو مخلوقٌ له فقط، ولا تظهرُ فيه علاقة للعبد، بخلاف ما خلقه بواسطة العبد، فإِنَّ العبد إذا صار واسطةً فيه، ثبت له رَبْطٌ بينه وبين الفعل أيضًا، وهو الذي نعنيه بالكسب، فربطُ الأشياءِ كلها بالنسبة الى الله سبحانه، تُسمى بالخالقية فلها ارتباطً بتلك الواسطة أيضًا، وهو المسمَّى بالكَسْب. والحاصل أنَّ في أفعال العباد مذاهبَ، فقال المعتزلة: إنها مخلوقةٌ للعباد. والعياذ بالله، كيف! والمخلوق كيف لا يكون خالقًا؟ وقال الجبريةُ: هي مخلوقة لله تعالى، ولا مدخل فيها للعبد أَضْلاً، وهؤلاء أيضًا على طرف آخر من السفاهة، حيث خرقوا المشاهدةَ، وأنكروا البداهة، وقال الدَّوَّاني: إنها من مجموع القدرتين، وهو أيضًا باطلٌ، لأن المجموع يتحقق بأجزائه، ولا تحقُّقَ لقدرةِ العبد بحيث يمكن التفكيكُ فيها، أن هذا القدر من العبد، وهذا القدر من الله تعالى، فإِنَّه لا يتحقق جزءٌ منها، إلا ويكونُ تحت قُدرتِه تعالى، ولا تستطيعُ أن تَحْكُم على جزء من قدرةِ العبد أنها له، وإذا انتفى أحدُ جزأي المجموع، انتفى المجموع. والمشهورُ عند علماء الكلام أنها مکسوبةٌ للعبد، ومخلوقةٌ لله تعالى، ولعَمْري هو أعدلُ الأمور، وأَوْجَهُها، وما أوردوا عليه ليس بوارد، لأنَّ غايته أنا لم نقدر على = ١٧٣ کتاب الجهاد ٣٩ - باب التَّحَتُّطِ عنْدَ القِتَالِ ٢٨٤٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ: حَدَّثَنَا خالِدُ بْنُ الحَارِثِ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُوسى بْنٍ أَنَسٍ قالَ: وَذَكَرَ يَوْمَ اليَمَّامَةِ قالَ: أَتَى أَنَسٌ ثَابِتَ بْنَ قَيسٍ، وَقَدْ حَسَرَ عَنْ فَخِذَيهِ وَهُوَ يَتَخَّنَّطُ، فَقَالَ: يَا عَمِّ، ما يَحْبِسُكَ أَنْ لَا تَجِيءَ؟ قالَ: الآنُّ يَا ابْنَ أَخِي، وَجَعَلَ يَتَخَنَّطُ، يَعْنِي مِنَ الحَنُوطِ، ثُمَّ جاءَ فَجَلَسَ، فَذَكَرَ في الحَدِيثِ انْكِشَافًا مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ: هَكَذَا عَنْ وُجُوهِنَا حَتَّى نُضَارِبَ القَوْمَ، ما هَكَذَا كُنَّا نَفعَلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ بِئْسَ ما عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُمْ. رَوَاهُ حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ. كان من دأبِ السَّلف أنهم إذا تهيأوا للقتال حُنِّطوا. مخافة أن تتغير أجسادُهم بعد القتل، لأنَّ الأوانَ أوانُ الحرب، وقد يتأخّر فيه الدَّفْنُ، وكان أهلُ مِصْر يَظْلون أجسادَهم ببعض الأدوية، فلم تكن تَفْسُد أجسادُهم إلى مدة طويلةٍ، حتى وُجدت أجسادُ بَعْضِهم بعد قرون، كما دُفِنت: ثم فُقدت تلك الأدوية، وبقي استعمال الحَنُوط. ٢٨٤٥ - قوله: (قد حَسَرَ عن فخذيْه) لا حُجَّة فيه على عَدم كَوْنِ الفَخِذ عورةٌ(١)، لكونه فِعْل صحابيٍّ في محلٌّ مُخْتَلَفٍ فيه. بيان الحقيقة، فلا بأس. وتفصيله أن الجواهِرَ والأعراض كلّها مخلوقةٌ لله تعالى. والفَرْق بيننا وبين الجبريةِ أنهم لم = يروا بين المخلوقٍ بالواسطة وبدونِها فرقًا، فخالفوا البداهة، وركبوا السفاهة: وأما علماءُ الحقِّ، فقالوا به، فإِنَّ الفِعْل إذا ظهر على أيدي العبد، صار له مدخل، ولو كان في الجملة، فإِنْ شِئت سَمَّته كَسْبًا، أو غير ذلك، لا تزاحمك فيه، وإذن لا يكون النزاع إلاَّ في التسمية . وإن أردت أن تقولَ بِعَدم الفَرْق بين المخلوقِ بلا واسطة، وبين المخلوق على أيدي العباد، فلا تجد الى إثباتِه سبيلاً، إلاَّ بمصادمة البداهة، والركوب على السفاهةِ، فإِنَّ الفرق بينهما جَليّ، يحسُّه كلُّ عاقل، وإنما تعذّر حل المقام على الأنام، لأن فِعْل العبد مما لا نظير له، وذلك لأنه ليس شيء، إلاَّ وهو تحت قُذْرتِه تعالى، فإِذا أردنا أن نجد شيئًا لا تتحقق فيه وجهة إلى الله تعالى فقدرناه، فنلتجىءُ إلى إسناده إلى الله تعالى، ثُمَّ إذا نظرنا إلى الأشياءِ قد يوجدها العباد، ومن الأشياء ما لا دخل للعباد في وجودِها، نضطر إلى بيانِ الفَرْق بينهما، لا محالة. ولا نستطيعُ أن نقولَ بكونها مخلوقةً للعباد، لِضَعْفهم، وَوَهَن بنيانهم، والأشياءُ أيضًا تأبى أن تكون وجوداتُهم مستندةً إلى مَن لا يستقلُّ في وجوده بنفسه، فعبَّرنا عنه بالكَسْب، ولا معنى له إلاَّ كونُ تلك الأفعال ظاهرةً على أيديهم. فالكَسْب أخفُّ من الخَلْق، فالنسبة بين الفِعْلين كالنسبة بين الفاعلين، وأنت تعلم أن العبد بحذاء أشعةٍ أنوار ذاتِه متلاشئ، ولولا حُجُبُ النور لأحرقت سُبحاتُ وَجْهِه ما انتهى إليه بصره تعالى من خلقه. وإنما أطلنا الكلامَ لِتعلم أن البلوغَ إلى غايته، مما لا يمكنُ، فإِنَّ نَفْس وجودِ العبد مما تحير فيه الفُحول: فبعضهم قالوا: بَوحدة الوجود، وآخرون ذهبوا إلى تعدُّد الموجود، مع القولِ بوحدة الوجود، إلى غير ذلك من الأقوال، فلا تذهب نَفْسك عليه حسراتٍ، وقد سمعت بَعْضه من شيخي، وإنما ذكرته في الحاشية لأن تعبيره بهذا النحو من عندي. والله تعالى أعلم بالصواب. (١) قلت: ولا سيما إذا كان للتحنط، فلعله كان يستعمله، ولم يكن عنده إذ ذاك أَحَدٌ، ولما دخل عليه أَنَسٌ رآه على هذا الحال، وليس فيه أنه لم يُغطّها بعد ما جاءه أَنَسٌ، فيمكن أن يكون غَطَّاها بعد دُخُولُه. ١٧٤ كتاب الجهاد قوله: (انكِشَافًا مِن النَّاس) أي نوع انهزام، لأنَّ الناس إذا تَرَكوا مواضِعَهم وتفرَّقُوا، حَصَل الانكشاف لا محالة. قوله: (هكذا عَنْ وُجُوهِنا) أي خلوا وقومُوا عنَّا لِنُضارب القَوْمَ. واعلم أن ثابت بنَ قَيس(١) هذا كان خطيب النبيِّ وَّهِ؛ قُتِل يوم اليمامةِ؛ وكانت دِرْعُه سُرِقت فدساها أحدٌ منهم تحت وَبَرِ الإِبل، فرآه أحدٌ في المنام يقول: أن بَلِغ أبا بكرٍ مني السَّلام، وقل له: إنه لا يكون لكم عُذّرٌ عند الله ورسولِه أنْ وُجِد منكم خُشوعٌ في الحرب، وأن دِرْعه في مَوْضع فلان، فأخرجه. ذكره مُسْلمٌ مَبسوطًا . ٤٠ - باب فَضْلِ الطَّلِيعَةِ ٢٨٤٦ - حدّثنا أَبو نُعَيم: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قالَ: قالَ النَّبِيُّ وََّ: ((مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ القَوْمِ؟)) يَوْمَ الأَحْزَابِ، قالَ الزُّبَيرُ: أَنَا، ثُمَّ قالَ: ((مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ القَوْم؟)) قالَ الزُّبَيرُ: أَنّا، فَقَالَ النَّبِيُّ وَِّّهِ: ((إِنَّ لِكُلِّ نَبِيّ حَوَارِيًّا، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيرُ)). [الحديث ٢٨٤٦ - أطرافه في: ٢٨٤٧، ٢٩٩٧، ٣٧١٩، ٤١١٣، ٧٢٦١]. ٤١ - باب هل يبعث الطليعة وحده ٢٨٤٧ - حدّثنا صَدَقَةُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَينَةَ: حَدَّثَنَا ابْنُ المُنْكَدِرِ: سَمِعَ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: نَدَبَ النَّبِيُّ وَِّ النَّاسَ - قَالَ صَدَقَّةُ: أَظُنُّهُ يَوْمَ الخَنْدَقِ - فَانْتَدَبَ الزُّبَيرُ، ثُمَّ نَدَبَ النَّاسَ فَانْتَدَبَ الزُّبِيرُ، ثُمَّ نَدَبَ النَّاسَ فَانْتَدَبَ الزُّبَيرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِ: ((إِنَّ لِكُلِّ نَبِيّ حَوَارِيًّا، وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوَّامِ)). [طرفه في: ٢٨٤٦]. ٤٢ - باب سَفَرِ الاثْنَينِ ٢٨٤٨ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا أَبو شِهَابٍ، عَنْ خالِدِ الحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ مالِكِ بْنِ الحُوَيرِثِ قالَ: انْصَرَفتُ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ لَنَا، أَنَا وَصَاحِبٍ لِي: ((أَذِّنَا وَأَقِيمًا، وَلَيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا)). [طرفه في: ٦٢٨]. ترجم بجوازِ سَفَرَ الرجُلين، ونَظرُه إلى ما رُوي عن النبيِّ ◌َّ أنَّ الواحد شيطان، والاثنين شيطانانٍ، والثلاثةُ رَكْبٌ وحاصل المقام أن الشَّرْعِ لا يَتْرك النُّصْح في كلِّ موضع، فَيُعلِّم ما هو الأَنْسب للنَّاس، والأَوْلى بحالهم، مع عِلْمه أن الناس قد لا يأتون به للعجز عنه في بعض الأحوال، كما في الحديث المذكور، فإِنَّ الرفاقة قد تعوز، ويضطر الإِنسانُ إلى السَّفر منفردًا، فيجيزُه الشَّرْع لا محالة، مع بيان الضَّررِ فيه. وهذا كما نهى النبيُّ نَّهِ عن كَسْب الحِجامة، ثم لا بد للناس من احتجام؛ وكالعِرافة نَهى عنها، ثم قال: ولا بدَّ لهم من العرافة. فيحتاجُ النَّاسُ إلى أمورٍ بحسب حوائجهم، يكون فيها لهم ضررٌ، فيأتي الشَّرْعُ، ويخبرهم بما فيه من الضرر، (١) ذَكَر العَيْني قِصَّته في ((العمدة)) فراجعها، وفيه قِصَّةٌ أخرى ذَكَرَها. ١٧٥ كتاب الجهاد وَيَدُلَّهم على ما هو الأَنْفَعُ لهم، مع عِلْمه أن النَّاس لا مناص لهم من الاقتحام فيه تكوينًا؛ ويجتمع في مثل هذه المواضع النهيُ مع بيانِ الجواز، وكلاهما مَعْقُولٌ، كما عرفت. ٤٣ - بابٌ الخَيلُ مَعْقُودٌ في نَوَاصِيهَا الخَيرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ ٢٨٤٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ: حَدَّثَنَا مالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((الخَيلُ فِي نَوَاصِيهَا الخَيرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ». [الحديث ٢٨٤٩ - طرفه في: ٣٦٤٤]. ٢٨٥٠ - حدّثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُصَينٍ وَابْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الجَعْدِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ ◌َّ قالَ: ((الخَيلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)). [الحديث ٢٨٥٠ - أطرافه في: ٢٨٥٢، ٣١١٩، ٣٦٤٣]. قالَ سُلَيمانُ، عَنْ شُعْبَةَ: عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الجَعْدِ. تَابَعَهُ مُسَدَّدٌ، عَنْ هُشَيمٍ، عَنْ حُصَينٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الجَعْدِ. ٢٨٥١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بِنَ سعيدٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((البَرَكَةُ في نَوَاصِي الخَيلِ)). [الحديث ٢٨٥١ - طرفه في: ٣٦٤٥]. وهذا لكونه آلةً للجهاد، فهو إشارةٌ إلى أن الجهادَ ماضٍ إلى يومِ القيامة. ٤٤ - بابٌ الجِهَادُ ماضٍ مَعَ البَرِّ وَالفَاخِرِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ◌ََّ: ((الخَيلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)). ٢٨٥٢ - حدّثنا أَبُو نُعَيم: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عامِرٍ: حَدَّثَنَا عُرْوَةُ البَارِقِيُّ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّرَ قالَ: ((الخَيلُ مَعْقُودٌ فَي نَوَاصِيهَا الَخَيرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ: الأَجْرُ وَالمَغْنَمُ)). [طرفه في: ٢٨٥٠]. فيه إيماءٌ إلى أَصْلِ عظيم، وهو أَنَّ الأمور التي تتقوَّمُ منِ الجماعةِ لا يُنْظر فيها إلى أحوال الأفراد خاصَّةً فإن الجماعة لاَ تخلو عن بَرِّ وفاجر دائمًا، ويتعذّرُ وجودُ جماعةٍ لا يكون فيها إلَّا الخيار؛ فلو توقف الأمر على تَلَّوُّم مِثْل تلك الجماعة لأدَّى إلى تعطيل أكثرِ أعمال الخير، وقد سار في المثل السائر: ما لا يُدركُ كُلُّه، لا يترك كُلُّه. فلما كان ((الجهادُ ماضٍ إلى يوم القيامة))، وهو أَمْرُ جماعةٍ، ومعلوم أنَّ خيرَ الأئمة لا يتيسر دائمًا، فإما أن يتعطّل الجهادُ، أو يبَقَى مع كل بَرِّ وفاجر؛ فَتّه على أن لا تمتنعوا عن الجهادِ بفُجُورِ الأئمة، فإِنَّ الله تعالى قد يُؤْيِّد دِينَه بالرَّجُل الفاجر أيضًا. فإِنَّ في تَفَخُّص أحوال الناس، والتأخّر عن فاجرهم تأخرًا عن الخيرِ المخْضِ، وهو الجهاد، وذلك قد يؤدِّي إلى انعدامه، فإِطاعةُ فاجٍ أَوْلى من إعدام خَيْرٍ، والتطوُّقَ بالذُّلّ أَبَدَ الدَّهْرِ. ١٧٦ كتاب الجهاد وقد مرَّ في العِلْمِ: أن الطائفةَ التي تبقى ظاهرةً على الحقِّ إلى يوم القيامة، هي طائفةٌ المجاهدين، حتى يَنْزِلَ المسيحُ ابنُ مريم، فيجاهد في سبيلِ الله، وهو قوله تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ أَُّوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ إِلَى يَوْمِ اُلْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٥٥] وراجع تفصيله في رسالتي ((عقيدة الإِسلام، في حياة عيسى عليه الصلاة والسلام)). ٤٥ - باب مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِن رِّبَاطِ اٌلْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]. ٢٨٥٣ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ حَفصٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ: أَخْبَرَنَا طَلِحَةُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ قالَ: سَمِعْتُ سَعِيدًا المَقْبُرِيَّ يُحَدِّثُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّةُ: ((مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا في سَبِيلِ اللَّهِ، إِيمَانًا بِاللَّهِ، وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ، فَإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» . ٤٦ - باب اسْمِ الفَرَسِ وَالحِمَارِ ٢٨٥٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: حَدَّثَنَا فُضَيلُ بْنُ سُلَيمَانَ، عَنْ أَبِي حازِمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ◌َرَ، فَتَخَلَّفَ أَبُو فَتَادَةَ مَعَ بَعْضٍ أَصْحَابِهِ، وَهُمْ مُحْرِمُونَ وَهُوَ غَيرُ مُحْرِمٍ، فَرَأَوْا حِمَارًا وَحْشِيًّا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، فَلَمَّا رَأَوَّهُ تَرَكُوهُ حَتَّى رَآهُ أَبُو قُتَادَةَ، فَرَكِبَ فَرَسًاَ لَّهُ يُقَالُ لَهُ الجَرَادَةُ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ فَأَبَوْا، فَتَنَاوَلَهُ فَحَمَلَ فَعَقَّرَهُ، ثُمَّ أَكَلَ فَأَكَلُوا، فَقَدِمُوا، فَلَمَّا أَدْرَكُوهُ قالَ: ((هَل مَعَكُمْ مِنْهُ شَيءٌ؟)) قالَ: مَعَنَا رِجْلُهُ، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ◌َِّ فَأَكَلَهَا. [طرفه في: ١٨٢١]. ٢٨٥٥ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ: حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسى: حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كانَ لِلنَّبِيَِّ لَ في حائِطِنَا فَرَسٌ يُقَالُ لَهُ اللُّحَيفُ. فذكر فيه فَرس أبي قتادة أي الجرادة، واسم فَرَس النبيِّ وََّ، وهو اللَّخِيف - واسم حِمارِهِ - وهو عُفَيره وفي ((السِّير)) أن هذا العُفَير ألقى نفسه في حفرةٍ بعد وفاةِ النبيِّ ◌َّر، ومات. ٢٨٥٥ - قوله: (كان النبيِّي ◌َّ في حائطنا فرسٌ) أي كان يربى ويُربطُ في حائطنا. واعلم أن التاء في أسماء الذكور كثيرةٌ في لسان العرب، لكونها منقولةً، كطلحةً، فإِنَّها كانت اسمًا لشجرةٍ ذاتِ شَوْك، ثُم سُمِّي بها رجلٌ من الصحابة، وبقيت التاء فيه على الأصل؛ فقالوا: بأنه غيرُ مُنْصِرِف للتاء والعَلَمية. ٢٨٥٦ - حدّثني إِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أنه سَمِعَ يَحْيِىِ بْنَ آدَمَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيمُونٍ، عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ وَهُ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ، فَقَالَ: ((يَا مُعَاذُ، هَل تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَمَا حَقُّ العِبَادِ ١٧٧ كتاب الجهاد عَلَى اللَّهِ؟)) قُلتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قالَ: ((فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيئًا)). فَقُلتُ: يَا رَسُوَلَ اللَّهِ، أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قالَ: ((لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا)). [الحديث ٢٨٥٦ - أطرافه في: ٥٩٦٧، ٦٢٦٧، ٦٥٠٠، ٧٣٧٣]. ٢٨٥٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: كَانَ فَزَعْ بِالمَدِينَةِ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ نَ فَرَسًا لَنَا يُقَالُ لَهُ مَنْدُوبٌ، فَقَالَ: ((ما رَأَيْنَا مِنْ فَزَعِ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا)). [طرفه في: ٢٦٢٧]. ٤٧ - باب ما يُذْكَرُ مِنْ شُؤْمِ الفَرَسِ ٢٨٥٨ - حدّثنا أبو اليمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َّهَ يَقُولُ: ((إِنَّمَا الشُّؤْمُ في ثَلَاثَةٍ: في الفَرَسِ، وَالمَرْأَةِ، وَالدَّارِ)). [طرفه في: ٢٠٩٩]. ٢٨٥٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ أَبِي حازِمِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّرَ قالَ: ((إِنْ كانَّ فِي شَيءٍ: فَفِي المَرْأَةِ، وَالفَرَس، وَالمَسْكَنِ)). [الحديث ٢٨٥٩ - طرفه في: ٥٠٩٥]. ٢٨٥٨ - قوله: [إنَّما الشُّومُ في ثَلاثةٍ] واعلم أنَّ الأحاديثَ في الشُّؤْم قد تَرِد بلفظ الخبر، كما في الحديث المذكور؛ وقد ترِد بلفظ الشَّرْط، هكذا لو كان الشُّؤْمُ لكان في ثلاثةٍ، فما لم يتعيَّن اللفظُ لم يَثْبت الشُّؤْمُ عند الشَّرعِ، ثُم المرادُ من الشؤم(١)، عند العماء هو عدمُ ملاءمتها؛ وإنما خصَّصها بالذكر لأهميتها، ولكونها أكثرَ معاملةِ الرَّجل بها. ثُم لا بد من تسليم خصائص شِيَاتِ الفَرَس، لما في ((جامع التَّرْمذي)) أن فَرَس كذا فيه شِيَةُ كذا، يكون كذا، وفَرَس كذا فيه شِيَةُ كذا، يكون كذا. وهذا كلَّه يُعْلم من التجربة، كما اشتهر عند أهل العُرْف: كُلّ طويلٍ أحمق. فتلك الفُروقُ باقيةٌ في الأحاديث. أما النحوسةُ التي هي عند أهل الجاهلية، فقد وضعهاً الشَّرْعُ تحت قَدَمِهِ (٢) . (١) قلت: ويؤيده ما رواه أبو داود عن رافع بن مكيث أن النبي ◌ّ قال: حسن الملكة يمن، وسوء الخلق شؤم، كذا في ((المشكاة - من باب النفقات)) وحق المملوك، فليس الشؤم ما كان عند أهل الجاهلية، بل هو على حد ما في حديث رافع، وراجع البحث فيه من العيني: ص ٦٠٠، ٦٠١ - ج٦، فقد سط فيه جداً، وإن كان بعض الأجوبة ما لو لم يذكره لكان أحسن، والله تعالى أعلم، وكذا تكلم عليه الألوسي في («تفسيره)) ص٢٥٤ - ج٣، و((المعتصر)) ص٣٥٧. (٢) يقول العبد الضعيف: وقد رأيت في مكتوبات الشيخ المجدد السرهندي: ص٢٥٦، وص٢٧٨ من المجلد الأول، أن النحوسة كانت في الأيام قبل بعثته ◌َّر، فلما بعث النبي ◌َّل رحمة للعالمين، صارت كلها سواء، لا نحوسة فيها، ولا شؤم، وهذا لطيف جداً . ١٧٨ كتاب الجهاد ٤٨ - بابٌ الخَيلُ لِثَلاَثَةٍ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْخَلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّكَبُهَا وَزِينَةٌ﴾ [النحل: ٨]. ٢٨٦٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قالَ: ((الخَيلُ لِثَلَاثَةٍ: لِرَجُلٌ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ، فَأمَّا الَّذِي لَه أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا في سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَطَالَ في مَزَّجِ أَوْ رَوْضَةٍ، فَمَا أَصَابَتْ في طِيَلِهَا ذلِكَ مِنَ المَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ، وَلَوْ أَنَّهَا قَطَعَتْ طِيَلَهَا، فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَينٍ، كَانَتْ أَزَّوَاتُهَا وَآثَارُهَا حَسَنَاتٍ لَّهُ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَهَا كَانَ ذلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ، وأما الرجل الذي هي عليه وزر فَهِو رَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِئَاءً وَنِوَاءٌ لأَهْلِ الإِسْلَام فَهِيَ وِزْرٌ عَلَى ذلِكَ)). وسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ بِله عَنِ الحُمُرِ، فَقَالَ: ((ما أُنْزِلَ عَلَيَّ فَيَهَا إِلَّ هَذهِ الآيَةُ الجَامِعَةُ الفَاذَّةُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ٨ [الزلزلة: ٧ - ٨]. [طرفه في: ٢٣٧١]. وقد كُنت تَمسَّكْت بالحديثِ على وُجوبِ الزَّكاة على الفَرَس أيضًا . قوله: (ولم يرد السقيا) إلخ وهذا ما كنت أقوله: إن النية الإجمالية تكفي لإحراز الثواب فإن صاحب الفرس لم ينو سقياه؛ ثم عد ذلك حسنة له، فالأجر قد يحصل عند عدم سنوح التفصيل أيضاً . ٤٩ - باب مَنْ ضَرَبَ دَابَّةَ غَيرِهِ في الغَزْوِ ٢٨٦١ - حدّثنا مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا أَبو عَقِيلٍ: حَدَّثَنَا أَبو المُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ قالَ: أَتَيتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيَّ فَقُلِتُ لَهُ: حَدِّثْنِي بِمِّ سَمِعْتَ مِنْ رَسُول اللَّهِ وَلِّ، قالَ: سَافَرْتُ مَعَهُ في بَعْضٍ أَسْفارِهِ - قالَ أَبو عَقِيلٍ: لَا أَدْرِي غَزْوَةً أَوْ عُمْرَةً - فَلَمَّا أَنْ أَقْبَلنَا، قَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَعَجَّلَ إِلَى أَهْلِّهِ فَليُعَجِّل)). قالَ جابِرٌ: فَأَقْبَلنَا وَأَنَا عَلَى جَمَلٍ لِي أَرْمَكَ، لَيسَ فِيهِ شِيَةٌ، وَالنَّاسُ خَلِفِي، فَبَيْنَا أَنَا كَذلِكَ، إِذْ قَامَ عَلَيَّ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ ◌َّ: (يَا جابِرُ، اسْتَمْسِكْ)). فَضَرَبَهُ بِسَوْطِهِ ضَرْبَةً فَوَثَبَ الْبَعِيرُ مَكَانَهُ، فَقَالَ: ((أَتَبِيعُ الجَمَلَ؟)) قُلتُ: نَعَمْ، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ وَدَخَلَ النَّبِيُّ وَِّ المَسْجِدَ فِي طَوَائِفِ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلتُ إِلَيهِ، وَعَقَلتُ الجَمَلَ فِي ناحِيَةِ البَلَاطِ، فَقُلتُ لَهُ: هذا جَمَلُكَ، فَخَرَجَ فَجَعَلَ يُطِيفُ بِالجَمَّلِ وَيَقُولُ: ((الجَمَلُ جَمَلُنَّا)). فَبَعَثَ النَّبِيُّ وَّهِ أَوَاقٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: ((أَعْطُوها جابِرًا)). ثُمَّ قالَ: ((اسْتَوْفَيَتَ الثَّمَنَ؟)) قُلتُ: نَعَمْ، قَالَ: ((الثَّمَنُ وَالجملُ لكَ)). [طرفه في: ٤٤٣]. ٢٨٦١ - قوله: (جَمَلٍ أَرْمَكَ) "خاكستر أونت" . قوله: (لَيْس فيه شِيةٌ) أي بُقْعةٌ خلاف لَوْنِها . ١٧٩ كتاب الجهاد قوله: (وعَقَلْتُ البعير في ناحِيةِ البلاطِ) وهذا صريحٌ في أنَّه لم يَعْقِلها في متن المسجد، ولكنها كانت في ناحية البلاط؛ فلا عبرةً بإِبهامِ الرُّواةٍ، لأنه شاع عندهم التعبيرُ عن المكان القريب بذلك المكانٍ بعينه . ٥٠ - باب الرُّكُوبِ عَلَى الدَّابَّةِ الصَّعْبَةِ وَالفُحُولَةِ مِنَ الخَيلِ وقَالَ راشدُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ السَّلَفُ يَسْتَحِبُّونَ الفُحُولَةَ، لأَنَّهَا أَجْرَى وأجْسَرُ. ٢٨٦٢ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحمَّدٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا شُعْبةُ، عَنْ قَتَادَةَ قالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ بِالمَدِينَةِ فَزَعٌ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ وََّ فَرَسًا لأَبِي طَلحَةً يُقَالُ لَهُ مَنْدُوبٌ، فَرَكِبَهُ، وَقالَ: ((ما رَأَيْنا مِنْ فَزَع، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا)). [طرفه في : ٢٦٢٧]. - قوله: (وقال راشِدُ بنُ سَعْد) ... الخ، وهو راوٍ من رُواةِ الشَّام. قوله: (لأنها أَجْرَى)، وقد اشتهر في العُرْف أن الفَرَس أَجْرَى الحيواناتِ، وأَشْجَعُها، وأفرسها؛ ولذا سُمِّي فَرَسًا، لِشِدَّة فِرَاستِهِ في الحرب. ٥١ - باب سِهَامِ الفَرَسِ ٢٨٦٣ - حدّثنا عُبَيدُ بْنُ إِسْماعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَة، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ ﴿وَ جَعَلَ لِلِفَرَسِ سَهْمَينِ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمًا . وَقالَ مالِكٌ: يُسْهَمُ لِلخَيلِ، وَالبَرَاذِينِ مِنْهَا، لِقَوْلِهِ: ﴿وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِّكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨]. وَلَا يُسْهَمُ لأَكْثَرَ مِنْ فَرَسٍ. [الحديث ٢٨٦٣ - طرفه في: ٤٢٢٨]. البِرْذَون ما يكونُ أحدُ أبويه عَجمِیًا . ٢٨٦٣ - قوله: (جَعَل لِلفَرس سَهْمين) وعند أبي داود، أَنَّ رسولَ اللهِ وَّ أَسْهم لرجلٍ، ولِفَرسِه ثلاثة أسهم: سهمًا له، وسَهْمَينٍ لِفَرسه. اهـ. فسقط ما ذكروه من التأويل، ولنا ما عند أبيّ (١) داود: في حديث قِسْمة خيبر على أَهْل الحُدَيبية: أن النبيَّ وَلَ قَسَمها على ثمانية عشر سَهْمًا؛ وكان الجيش ألفًا وخمسمائة، فيهم ثلاث مائة فارس؛ فأعطى الفارِسَ سَهْمين، والراجلِ سَهْمًا . (١) قلت: وقد تكلم المارديني على حديث مجمع بن جارية الذي رواه أبو داود، وأجاب عما تعقبوا عليه، فحكى عن الشافعي أن مجمع بن يعقوب الذي هو أحد رواته شيخ لا يعرف، قال المارديني: أخرج حديثه الحاكم، وقال: هو معروف، وقال صاحب ((الكمال)): أدى عنه القعنبي، ويحيى الوحاظي، وإسماعيل بن أبي أوس، ويونس المؤدب، وأبو عامر القعدي، وغيرهم، وقال ابن سعد: توفي بالمدينة، وكان ثقة، وقال أبو حاتم، وابن معين: ليس به بأس - ومعلوم أن ابن معين إذا قال: ليس به بأس، فهو توثيق - وروى له أبو داود، والنسائي، اهـ. وفي ((التهذيب)) لابن جرير الطبري: روى عن أبي موسى أنه كما أخذ تستر، قتل مقاتلهم، جعل للفارس سهمين، وللراجل سهماً، اهـ. وفي - مصنف ابن أبي شيبة - عن علي، قال: للفارس سهمان، ونقل عنه خلافه أيضاً، ١٨٠ كتاب الجهاد فإِنَّ قلت: إنَّ الجيش على ما في ((البخاري)) في المغازي كان ألفًا وأربعمائة، أو أكثر؛ وحينئذٍ لا يستقيم الحديثُ على مذهب الحنفية. قلت: وفيه مِثْل ما عند أبي داود أيضًا؛ فلا بُدَّ من تسليم العَدَدَيْن؛ ويقال: إن في أحد الظُّرق بيان عددِ المقاتلةِ، وفي الأخرى بيان عدد المجموع. وأما حديثُ ثلاثة أَسهم - كما عند أبي داود - فمحمولٌ على التنفيل(١) عندنا، وهو إلى رأي الإِمام، وذلك لأنَّ الجِهاد محلُّ التحريض، فورد فيه التنفيلُ بالسَّلب، والثلث، والربع، إلى غير ذلك؛ فلما ثبت هذا النوعُ في هذا الباب لم يبق في حَمْله على النَّفْلِ بُعْدٌ. قوله: (﴿لِّكَبُوهَا وَزِينَةٌ﴾) فالركوبُ من مقاصِدها الأصلية، والزينةُ من أَوْصافها الخارجية التابعة، ولذا ذكرها بالعطف. من لههنا عُلِم أن لا حُجَّةَ للشافعيةِ في قول عمر؛ أن رَفْع اليدين زينةٌ للصلاة. لأنَّ لفظ الزينة يُنبىء عن كونِها معنىَ زائدًا. والمصنِّف كَرَّرَه، وطحنه في جزء ((رَفْع اليدين))؛ فظنَّ أنَّ قوله حجةٌ له، مع أن كونه للزينةِ يدلُّ على خِقَّة أَمْره، وأنه ليس مقصودًا لِذاتِه. ٥٢ _ باب مَنْ قَادَ دَابَّةَ غَيرِهِ في الحَرْبِ ٢٨٦٤ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: قالَ رَجُلٌ لِلِبَرَاءِ بْنِ عازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَهِ يَوْمَ حُنَينٍ؟ قالَ: لكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ لَمْ يُفِرَّ، إِنَّ هَوَازِنَ كانُوا قَوْمًا رُمَاةً، وَإِنَّا لَمَّا لَقِينَاهُمْ حَمَلْنَا عَلَيهِمْ فَانْهَزَمُوا، فَأَقْبَلَ المُسْلِمُونَ عَلَى الغَنَائم وَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ، فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ وَه فَلَمْ يَفِرَّ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى بَغْلَتِهِ البَيضَاءِ، وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانً آخِذٌ بِلِجَامِهَا وَالنَّبِيُّ وَِّ يَقُولُ: ((أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ)). [الحديث ٢٨٦٤ - أطرافه في: ٢٨٧٤، ٢٩٣٠، ٣٠٤٢، ٤٣١٥، ٤٣١٦، ٤٣١٧]. ٥٣ - باب الرِّكابِ وَالغَرْزِ للدَّايَّةِ ٢٨٦٥ - حدّثني عُبَيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ هذا ملخص ما في ((الجوهر النقي)) ص ٦٠ - ج٢، قال الشيخ - في درس الترمذي -: نقل عن أبي حنيفة أنه قال: لا = أفضل الفرس على الإنسان، بأن يعطى له سهمان، والإنسان سهم، وهو تفقه قوي، ثم إنه روي عن ابن عمر نحوه أيضاً، وإن اختلف النقل عنه، فبقي حديث مجمع بن جارية حجة لنا على ما فيه من اختلاف العدد، والله تعالى أعلم. (١) قلت: وهذا الجواب ذكره الرازي في ((أحكام القرآن)) وسنذكر نصه في ((باب غزوة خيبر)) من المغازي من حديث ابن عمر، في قسمة سهام خيبر، فراجعه، وكذا نذكر ما ذكره ابن الملك في ((الحاشية»، وقد ذكرنا لك عبارة المارديني في الهامش عن قريب، فراجع المواضع الثلاثة، تغنيك عن مراجعة الأسفار إن شاء الله تعالى.