Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ كتاب الوصايا تعريف الكبيرة واعلم(١) أنهم اختلفوا في تعديد الكبائر، وتحديدها، والظاهر أن ما جاء الوعيد عليها في القاطع، أو ما ثَبَت بقياسِ المجتهد على القاطع، فكلُّها كبائرُ. فائدة واعلم أنه سبق إلى بَعْض الأوهام أن الفَرْض لا يَثْبُت إلا بالقطعيِّ، وليس بصحيح فإِنَّ الفَرْض كما يَثْبُت بالقطعي، كذلك يَثْبت بالظنِّي، حتى بالقياس أيضًا؛ فيجوزُ للمجتهد أن يقول: إن هذا الجزءَ مِثْلُ هذا الجزءِ المنصوص عندي، فيكون فرْضًا مِثْلَه، إلا أَنَّ الفَرْق بين الفَرْضَيْن: أَنَّ الفَرْضَ الثابِتَ بالقاطع يكونُ قَطْعيًا، والثابِتَ بالقياس، أو بظنّي آخِر يكون ظنيًا. وذلك لأنَّهم قَسَموا ما ثبت بالكتابِ إلى أقسام، وهو قطعيَّ قَطْعًا، ثُم قالوا: إنَّ كلَّ ما ثبت بالكتاب يثبت بسائر الأدلة أيضًا، فاكتفوا بالإِجمال عن التفصيل، فاشتَبه الأَمْرُ على بعضهم، وزعم أَنَّ الفَرْض لا يَثْبُت إلا بالقاطع، حتى أَنَّه عَرَّف الفَرْض بما يكون ثابتًا بالقاطع، مع أنه تعريفٌ للقطعيِّ منه، لا مطلقًا، فإِنَّه قد يكونُ ظنيًا أيضًا، وذا يَثْبُت من الظني. ٢٥ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ اَلْيَتَمَّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ اَلْمُصْلِّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمّْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. لأَعْنَتَكُمْ: لِأَحْرَجَكُمْ وَضَيَّقَ عليكم. ﴿وَعَنَتِ﴾ [طه: ١١١]: خَضَعَتْ. ٢٧٦٧ - وَقَالَ لَنَا سُلَيمانُ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ قالَ: ما رَدَّ ابْنُ عُمَرَ عَلَى أَحَدٍ وَصِيَّتَهُ. وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ أَحَبُّ الأَشْيَاءِ إِلَيهِ في مالِ الْيَتِيم أَنْ يَجْتَمِعَ إِلَيهِ نُصَحَاؤُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ، فَيَنْظُرُوا الَّذِي هُوَ خَيْرٌ لَهُ. وَكانَ طَاوُسٌ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيءٍ مِنْ أَمْرٍ الْيَتَامِى قَرَأَ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. وَقَالَ عَطَاءٌ في يَتَامى الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ : يُنْفِقُ الوَلِيُّ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ بِقَدْرِهِ مِنْ حِصَّتِهِ . ٢٧٦٧ - قوله: (وكان ابنُ سِيرين) ... الخ، وفي ((الكنز)) أنه يجعل الوصيّ الجَدَّ وَوَصِيّه، والقاضي وَوَصِيّه، وقد تكون الأمُ أيضًا وصيًّا، فيجوز لهم التصرُّفُ فَحَسْب. حكاية رُوي أن تلميذًا من تلامذةِ محمدٍ مات، وكان معه في سفر، فباع محمدٌ مالَه، وكَفَّنه فيه. (١) وقد تكلّم عليه في ((المعتصر)) مبسوطًا، ولا يمكنُ تَلْخِيصُه في هذه الحاشية المختصرة، فليراجع. ١٤٢ كتاب الوصايا فقال له النَّاسُ: كيف فَعَلْت، ولم يأذن لك القاضي؟! فتلا محمدُ بنُ الحسن قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحْ﴾ [البقرة: ٢٢]. قلت: هذا لم يكن من باب الفقه، بل كان عملًا بالدِّيانة، كما قال هؤلاء السَّلَفُ: أن يجتَمِع إليه نُصحاؤه، ثم لينظروا في الذي هو خَيْرِ. ٢٦ - باب اسْتِخْدَامِ اليَتِيمِ في السَّفرِ وَالحَضَرِ، إِذَا كانَ صَلَاحًا لَهُ، وَنَظَرِ الأُمُّ أَوْ زَوْجِهَا لِلِيَّتِيمِ ٢٧٦٨ - حدّثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ المَدِينَةَ لَيسَ لَهُ خادِمٌ، فَأَخَذَ أَبُوَ طَلحَةَ بِيَدِّي، فَانْطَلَقَ بِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّ﴿ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَنَسّا غُلَامٌ كَيِّسٌ فَلَيَخْدُمْكَ، قالَ: فَخَدَمْتُهُ في السَّفَرِ وَالحَضَرِ، ما قالَ لِي لِشَيءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هذا هَكَذَا، وَلَا لِشَيءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَّمْ تَصْنَعْ هذا هَكَذا. [الحديث ٢٧٦٨ - طرفاه في: ٦٠٣٨، ٦٩١١]. أما نَظَرُ الأُم فمذكورٌ في الفقه أيضًا. وأما نَظَرُ زوجها "سوتيلا باب" فلم يذكر فيه، ولكن إذا لم يتهمه أَهْلُ المحلة، ورأوه ناصحًا له، فلا بأس به عند عدم التقاضي. ألا ترى أن محمدًا أيضًا رَاعى هذا الباب، مع كونِه باني الفقْه، ومؤسِّسًا له. ٢٧ - باب إِذَا وَقَفَ أَرْضًا وَلَمْ يُبَيِّنِ الحُدُودَ فَهُوَ جائزٌ، وَكَذلِكَ الصَّدَقَةُ ٢٧٦٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ إِسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلحَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: كانَ أَبُو طَلحَةَ أَكْثَرَّ أَنْصَارِيّ بِالْمَدِينَةِ مالًا مِنْ نَخْلٍ، وكَانَ أَحَبُّ مالِهِ إِلَيهِ بِيرُحَاءَ، مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ. قَالَ أَنَسُ: فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَنْ ثَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَا تُونَ﴾، [آل عمران: ٩٢] قَامَ أبو طَلحَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لَن نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِنَا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بِيرُحَاءِ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للَّهِ، أَرْجوُ بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا حَيثُ أَرَاكَ اللَّهُ، فَقَالَ: (بَخْ، ذلِكَ مالٌ رَابِحٌ - أَوْ رَايِحٌ؛ شَّكَّ ابْنُ مَسْلَمَةَ . وَقَدْ سَمِعْتُ ما قُلتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَها في الأَقْرَبِينَ)). قالَ أَبُو طَلحَةَ: أَفعَلُ ذلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ في أَقَارِبِهِ وَفِي بَنِي عَمِّهِ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، ويَحْيِى بْنُ يَحْيَى، عن مَالِكِ: ((رَايِحٌ)). [طرفه في: ١٤٦١]. ٢٧٧٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيم: أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنِي عِمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ ١٤٣ كتاب الوصايا رَجُلًا قالَ لِرَسُولِ اللّهِ وَِّ: إِنَّ أُمَّهُ تُوُفِّيَتْ، أَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ))، قالَ: فَإِنَّ لِي مِخْرَافًا، وَأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا. [طرفه في: ٢٧٥٦]. وإنما أَجازه المصنِّف، لأنه نَظَر إلى الواقف أنه وإنْ أَبهم الحُدودَ في الحالة الراهنة لكنه يُبيِّنُها عن قريبٍ عند إجرائه، فيزول الإِبهام. وأما عند فقهائنا فَتَعْيينُ الحدودِ ضروريٌّ. قلت(١): وهذا إذا لم تكن الأَرْضُ معروفةً، أما إذا كانت معروفةً بحدُودِها وأطرافِها، فلا حاجة إليه. ولما كانت بَيْرَحَاء مُسمّى مُعَيّنًا في الخارج، لم يَرِد علينا الحديثُ. ٢٨ - باب إِذَا أَوْقَفَ جَمَاعَةٌ أَرْضًا مُشَاعًا فَهُوَ جائزٌ ٢٧٧١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ ◌َّهَ بِنَاءِ المَسْجِدِ، فَقَالَ: ((يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هذا». قالُوا: لَا وَاللَّهِ، لَا نَظَلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ. [طرفه في: ٢٣٤]. واعلم أن وَقْف (٢) المُشاع لا يجوز عند أبي يوسف، ولا عند محمد؛ غير أنَّ أبا يوسف تَحَمَّل الشيوع أولًا، وأوجب عليه التقسيمَ آخِرًا، وأما محمدٌ فلمَّا كان الوَقْفُ عنده في حُكْم الصدقة، لم يتحملهُ مُطلقًا، بقي الحديث، فالوَقْفُ فيه وإن كان في المُشاع لكنه للمسجد. وهذا يَنْفُذ اتفاقًا، وينتقل إلى مِلْك الله تعالى اتفاقًا . ٢٩ - باب الوَقْفِ كَيفَ يُكْتَبُ؟ ٢٧٧٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيعٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: أَصَابَ عُمَرُ بِخَيبَرِّ أَرْضًا، فَأَتَى النَّبِيَّ ◌َِّ فَقَالَ: أَصَبْتُ أَرْضًا، لَمْ أُصِبْ مالًا قَظُ أَنْفَسَ مِنْهُ، فَكَيفَ تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قالَ: ((إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَضْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا)). فَتَصَدَّقَ عُمَرُ: أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَضْلُهَا، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ، في الفُقَرَاءِ، وَالقُرْبِى، وَالرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالضَّيْفِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ (١) قلت: هكذا فَصَّل فيه الحافظ العَيْني. (٢) قال العلامة العَيْني في ((باب إذا تصدق أو وَقَف بعَضَ ماله)) .. الخ؛ أما إذا وَقفَ بَعْضَ ماله فهو وَقْفُ المشاع، فإِنه يجوزُ عند أبي يوسف، والشافعيّ، ومالك، لأن القبض ليس بِشَرْط عندهم، وعند محمد لا يجوزُ وَقْفُ المُشَاعِ فيما يَقْبَلِ القِسْمة، لأن القبض شَرْطٌ عندهم)). وأما وَقْفُ بعض رَقِيقِهِ فإِنَّ فيه حُكْمين: أحدهما: أنه مُشاع، والحكم في ما ذكرنا؛ والآخر أنه وَقفُ المنقول، فإِنَّه يجوزُ عند مالك والشافعيّ، وأحمد. وبه قال محمد بن الحسن، فيما يتعارف وَقْفه للتعليل بها، وقال: وأما مذهب أبي يوسف، ومحمد فإنَّهما يريان وَقْفَ المَنْقُول بطريقِ التََّعِية، كآلات الحَرْث، وقال علي مما يتعلق بهذا الباب: قيل: احترز بقوله: جماعة، عما إذا وَقَفَ واحدٌ مشاعًا. فإِنَّ مالِكًا لا يُجيزُه، لئلا يُدْخِلَ الضَّرَرُ على شريكه، ورُدَّ عليه بأَنَّ وَقْفَ المُشاع جائزٌ مُظْلقًا. اهـ. ١٤٤ كتاب الوصايا يَأْكُلَ مِنْهَا بِالمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ. [طرفه في: ٢٣١٣] ولما كان الوَقْف معاملةً دائمةً، ناسب لها الكتابة. ثُم اعلم أني ما رأيتُ وَقْفًا من الأَوقاف إلا وقد تسلّط عليه الناسُ بعد بُرْهة، حتى أوقاف الأنبياء عليهم السلام، لا تجد لها اليوم اسمًا، ولا رسمًا. كيف! ومكَّة شرَّفها اللهُ تعالى، وُقِفَت نحو عشرة مرات، ثُم الناس تغلبوا عليها، فما بالُ سائرِ الأَوْقاف؟! ٣٠ - باب الوَقْفِ لِلِغَنِيِّ وَالفَقِيرِ وَالضَّيفِ ٢٧٧٣ - حدّثنا أَبُو عاصِم: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجَدَ مالًا بِخَيَبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ وََّ فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: ((إِنْ شِئْتَ تَصَدَّقْتَ بِهَا)). فَتَصَدَّقَ بِهَا في الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ، وَذِي القُرْبِى، وَالضَّيفِ. [طرفه في: ٢٣١]. يعني أن الوقف ليس صدقةً مُحضةً، فيجوز أن تُصْرَفَ غلته إلى الأغنياء أيضًا، وفي ((الهداية)): إن التصدُّق على الغنيّ هبةٌ، والهِبَةَ للفقير تَصدُّق. ٣١ - باب وَقْفِ الأَرْضِ لِلمَسْجِدِ ٢٧٧٤ - حدّثنا إِسْحاقُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قالَ: سَمِعْتُ أَبِي: حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ: قالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ المَدِينَةَ أَمَرَ بِالمَسْجِدِ، وقالَ: ((يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هذا)). قَالُوا: لَا وَاللَّهِ، لَا نَظْلُبُ ثَمَّنَهُ إِلَّ إِلَى اللَّهِ. [طرفه في: ٢٣٤]. ٣٢ - باب وَقْفِ الدَّوَابِّ وَالكُرَاعِ وَالعُرُوضِ وَالصَّامِتِ قالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ جَعَلَ أَلفَ دِينَارٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، وَدَفَعَهَا إِلَى غُلَامِ لَهُ تَاجِرٍ يَتَّجِرُ بِهَا، وَجَعَلَ رِبْحَهُ صَدَقَّةً لِلمَسَاكِينِ وَالأَقْرَبِينَ: هَلَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ رِبِّحِ ذلِكَ الأَلْفِ شَيْئًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَعَلَ رِبْحَهَا صَدَّقَّةً فِي الْمَسَاكِينِ؟ قالَ: لَيسَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا . ٢٧٧٥ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيى: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ عُمَرَ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَعْطَاهَا رَسُولُ اللَّهِ قَ صَلَى الَّه لَهُ لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا رَجُلًا، فَأُخْبِرَ عُمَرُ أَنَّهُ قَدْ وَقَفَهَاً يَبِيعُهَا، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ أَنْ يَبْتَاعَهَا ، فَقَالَ: ((لَا تَبْتَعْهَا، وَلَا تَرْجِعَنَّ في صَدَقَتِكَ)). [طرفه في: ١٤٨٩]. واعلم أنَّ وَقْفَ المَنْقول لا يَصِحُّ على أصل المذهب، وأجازه محمدٌ فيما تَعَارَفَهُ النَّاسُ، بقي حديثُ تَصَدُّقِ عمرَ بِفِرَسه، فهو في التصدُّقِ دون الوَقْف. قوله: (وقال الزُّهْرِيُّ: فِيمَنْ جَعَلَ أَلْفَ دينارٍ في سبيلِ اللهِ) ... الخ، وهي المسألةُ التي نَقَلْتُها من الأَنْصاري، أمن جواز وَقْف النَّقْد، كما مرَّ، ولما لم يَعْرِفه الناسُ حكموا بكونِه ١٤٥ كتاب الوصايا مجهولًا. قلت: سبحان الله! كيف، وهو تلميذُ زُفَر، وشَيخٌ للبخاري؟ !. ٣٣ - باب نَفَقَةِ القَيِّمِ لِلوَقْفِ ٢٧٧٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِنَ ◌ّ قالَ: ((لَا يَقْتَسِمْ وَرَثَتِي دِينَارًا وَلا دِرْهماً، ما تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي وَمَؤونَةٍ عامِلِي، فَهُوَ صَدَقَةٌ)). [الحديث ٢٧٧٦ - طرفاه في: ٣٠٩٦، ٦٧٢٩]. ٢٧٧٧ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ عُمَرَ اشْتَرَطَ في وَقْفِهِ: أَنْ يَأْكُلَ مَنْ وَلِيَهُ وَيُوكِلَ صَدِّيقَهُ، غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ مالًا . [طرفه في: ٢٣١٣]. ٢٧٧٦ - قوله: (ما تَرَكْتُ بعد نفقِة نسائي، ومَؤونَةٍ عاملي، فَهُو صَدَقة)، فَرَّق بينَ النفقةِ، والمؤونة؛ فاستعمل لَفْظ النفقةِ في نسائهِ، والمؤونة في عامليه، لأن المؤونة ما يُنْفَق، ويُعْطَى على قدر العمل، بخلافِ النَّفقة، فإِنه لا يُلاحظ فيها ذلك، فهي أوسعُ، والمؤونة أَضيقُ، وترجمتها " لاكت" . ٣٤ - باب إِذَا وَقَفَ أَرْضًا أَوْ بِثْرًا، أو اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ مِثْلَ دِلاَءِ المُسْلِمِينَ وَأَوْقَفَ أَنَسِّ دَارًا، فَكَانَ إِذَا قَدِمَهَا نَزَلَهَا. وَتَصَدَّقَ الزُّبَيرُ بِدُورِهِ، وَقَالَ لِلمَرْدُودَةِ مِنْ بَنَاتِهِ أَنْ تَسْكُنَ غَيرَ مُضِرَّةٍ وَلَا مُضَرّ بِهَا، فَإِنِ اسْتَغْنَتْ بِزَوْجِ فَلَيسَ لَهَا حَقٌّ. وَجَعَلَ ابْنُ عُمَرَ نَصِيبَهُ مِنْ دَارِ عُمَرَ سُكْنِى لِذَوِي الْحَاجَةِ مِنْ آلِ عَبْدِ اللَّهِ. ٢٧٧٨ - وَقَالَ عَبْدَانُ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ: أَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيثُ حُوصِرَ، أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ، وَقالَ: أَنْشُدُكُمْ، وَلَا أَنْشُدُ إِلَّا أَصْحَابَ النَّبِيِّ وََّ، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ قَالَ: «مَنْ حَفَرَ رُومَةَ فَلَهُ الجَنَّةُ)) فَحَفَرْتُهَا؟ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ قالَ: ((مَنْ جَهَّزَ جَيشَ العُسْرَةِ فَلَهُ الجَنَّةُ)) فَجهَّزْتُهُمْ؟ قالَ: فَصَدَّقُوهُ بِمَا قالَ. وَقَالَ عُمَرُ فِي وَقْفِهِ: لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ. وَقَدْ يَلِيهِ الوَاقِف وَغَيْرُهُ، فَهُوَ وَاسِعٌ لِكُلّ. يعني يَصِحُ أن يَشْترِط الوَاقِفُ لنفسه منفعة، وهو عندي مطلق، سواء كان في اللفظ، أو في النية، فلو وقف للفقراء والمساكين، ولم يَذْكُر نَفْسَه في اللفظ، ونوى به، ينبغي أن يكون صحيحًا. وذلك لأنهم اختلفوا في باب الأَيْمان، أنه هل يُعتبرُ التَّخصِيصُ في اللفظ العام؟ فَذَهب الخَصَّافُ إلى أنه يُعْتبر قضاءً وديانةً، فإِنْ قال: والله لا آكل طعامًا، ونوى به طعامًا دون طعام، صُدَّق عنده؛ وقال الآخرون: يُعتبر دِيانةً لا قضاءً؛ ١٤٦ كتاب الوصايا قلت: فإِذا اعتُبرت النِّيّةُ في تخصيص العام، ينبغي أن تُعتبر في باب الوَقْف أيضًا، فلا بُدَّ أن يُسأل عن نيته، إلا أنه لا مُنازع في تخصيص قوله: واللهِ لا آكُل طعامًا، فيعتبر بلا نِزاع ولا دفاع، بخلافه في باب الوقف، فإِنَّه إذا عَمم في اللفظ، ثم نوى الخاصَّ زاحمهُ مُستحقّون، ومصارفه في التخصيص، لكونه خلافًا للمتبادر. ٣٥ - باب إِذَا قالَ الوَاقِفُ: لاَ نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى اللَّهِ، فَهُوَ جائِزٌ ٢٧٧٩ - حدّثنا مُسَذَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّحِ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: (يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ)). قالُوا: لَا نَظْلِّبُ ثَمَنَّهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ. [طرفه في: ٢٣٤]. ٣٦ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهِدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى الْأَرَضِ فَأَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِّ تَحِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوْةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنٍ أَرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِ، ثَمَنَا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبِّ وَلَا تَكْتُمُ شَهَدَةَ الَّهِ إِنَّ إِذَا لَّمِنَ اُلْأَثِمِينَ ﴿ فَإِنْ عُثِرَ عَّ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ اُلَّذِينَ أُسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ اٌلْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِلَّهِ لَشَهَدَنْنَآ أَحَقُّ مِن شَهَدَتِهِمَا وَمَا أَعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذَا لَّمِنَ اُلِّمِينَ ذَالِكَ أَدْفَ أَنْ يَأْتُواْ بِالشَّهَدَةِ عَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَنْ تُرَدَّ أَيَُْ بَعْدَ أَيْمَنِهِمّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَسْمَعُوْاْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى [المائدة: ١٠٦ - ١٠٨] . ١٠٨ الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ الأوليانِ واحِدُهما أَولى ومنه: أَولى به. عُثِرَ: أُضْهِرَ. أَعْثَرْنا: أَظْهِرْنا. واعلم أنَّ أَوَّل مَنْ خدَم القرآنَ، وعلَّق عليه التفاسير هم النُّحاةُ؛ ويقال لهم: أصحابُ المعاني، ومنهم الزَّجاج، وهؤلاء هم الذين أرادَهم البغويُّ في ((معالم التنزيل)) من قولِه: قال أصحابُ المعاني. ثم جاء المحدِّثون من بعدهم، وجمعوا الآثار، والأحاديث، ولا يُظَنُّ أنَّ كُلَّ ما يُنقل عن السَّلَف في باب التفسير يكونُ مرفوعًا! كيف! وقد ثبت عندي كالعِيان أنَّ أكثرَها ظُنونٌ، وآراه، وأذواق وجدان، وقد مَهَّدنا مِنْ قَبْل أن التفسيرَ إذا لم يُوجب تغييرًا في العقيدة الإِسلامية، وتبديلًا في المسائل المتواترة، فلا بأس به. فالزَّجَّاجُ منهم مرّ على هذه الآياتِ، وعدَّها من أشكلها حُكْمًا وإعرابًا، لأنَّ في ألفاظها نُبُوًّا، وتَعْقيدًا في المعاني، وكذا الزمخشريُّ أيضًا رجلٌ من رجال هذا الفَنِّ. فَهمه أيضًا في إزالةِ هذا التعقيد. أما الرَّازي، فإِنْ كان الناسُ يَزْعُمون أنه يَجُول في ((الأطرافِ)) لكن له لفتةٌ عندي إلى هذه الإِشكالات أيضًا، وَوَجْهُ الصعوبةِ في نَظْمِ القرآنِ عندي، أنه أَبْدع بين كلامِ المؤرخ. والفَقِيه نوعًا ثالثًا. فإِنَّ المُؤرِّخِ يَسْرُد القِصَّة، ولا تكون له بالمسائل الشرعية عباية، والَفقيه يرتِبُ المسائلَ، ولا تكون له إلى الوقائع عناية، أما (١) وقد تكلّم العيني على تلك الآيات مُفَسِّرًا فراجعه، فإنه مهم. ١٤٧ کتاب الوصايا القرآن. فإِنَّه يسايرُ مع الواقع شيئًا عند بيانِ الأحكام، فلا يَحْكي القِصَّة مرسلًا، ولا يكتفي بِذِكر الأحكام بدون إيماءٍ إلى القِصة، فلما ركَّب نوعًا من النوعين أوْرَثَ ذلك تعقيدًا لا محالة، ولا سيما عند من لم يكن شاهدًا القصة فلا يَحْصُل له من العُنوان الجملي المشْعرِ بها شيءٌ. والحاصل أنَّهم عَدُّوه مِن أَشْكَل آيَاتِ القرآن، ولا بأسَ أن نُشيرَ إلى بَعْضِها أيضًا . قوله: (﴿أَثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ ءَاخَرَانٍ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾﴾ [المائدة: ١٠٦] والمرادُ منه الأجانبُ، أو الغيرُ في الدِّين، أي غيرِ المسلم؛ وعلى الثاني فيه إشكالٌ، كما سيأتي. ٢٧٨٠ - وَقَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ آدَمَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي القَاسِمِ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَّا قَالَ: خَرَجَّ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْم مَعَ تَمِيمِ الدَّارِيِّ وَعَدِيٌّ بْنِ بَدَّاءٍ، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضِ لَيسَ بِهَا مُسْلِمٌ، فَلَمَّا قَدِما بِتَّرِكَتِهِ فَقَدُوا جامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا مِنْ ذَهَبٍ، فَأَحْلَفَّهُمَا رَسُولُ اللَّهِ وَثَ، ثُمَّ وُجِدَ الجَمُ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: ابْتَعْنَاهُ مِنْ تَمِيمِ وَعَدِيّ، فَقَّامَ رَجُلَانٍ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، فَحَلَفَا: لَّشَهَادَتْنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَإِنَّ الِجَامَ لِصَّاحِبِهِمْ. قالَ: وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هذهِ الآيَةُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ شَهْدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ [المائدة: ١٠٦ ]. ٢٧٨٠ - قوله: (وليس بها مُسْلِمٍ)، أشار الراوي إلى كونه غيرَ مُسْلم. قلت: والمقررُ في شَرْعنا أن شهادة الكافر على المُسْلم لا تُقبل؛ وهذه الشهادةُ كذلك، فيقال بالنَّسْخِ، كما قال محمدٌ في كتاب ((الآثار))، وهو مُشْكِلٌ عندي. والأَوْجَه أن يقال: إنها مُعتيرة في السَّفر(١) لمكانِ الحاجة، ثُم إنْ وقع التنازعُ حتى بلغ الأَمْرُ إلى القاضي، فإِنَّه لا يسمعها، وَيُردُّها، وَيُحكُم حسب القواعد. ولقائل أن يقول: إن المرادَ من قوله: ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ هو الأجانبُ، وحينئذٍ لا يرِد شيءٌ، وإنَّما يَرِدُ الاعتراضُ إذا فَسَّرناه بالكافر، وفيه أن الآيةَ وَرَدت في قِصَّة تميم، وكان حينئذٍ كافرًا؛ اللهم إلا أن يقال: إنه كان مسلمًا، كما في قولٍ غيرِ مشهور، فإِنه ثبت أنه جاء مَكَة مرةً، وأما إذا اخترنا القولَ المشهورَ، فلا سبيل إلى الجواب، إلا ما ذكرناه. ثم إنَّ روايةَ الترمذي تدِلُّ على خيانةٍ تميم هذا. والأَوْلى عندي أن يسقط هذا اللفظ، ويُبَرَّأ ظهرُه مِن تلك الخيانة؛ فإِنَّه أَسْلم آخِرًا، وكان صحابيًا مخلِصًا، وكان في أَوَّلِ أَمْرِه نصرانيًا مِن الشام، وكان سأل النبيَّ نََّ أن يَكْتُب له مِن الشام كذا وكذا. ولم يكن فَتْحِّ بعد، فكتب له النبيُّ نََّ، فكان تميمٌ يومئذ كافرًا، ثُم لما فتح الشامَ أَعطى له ما كان النبيُّ وَّلَ كَتَبه له؛ وكان (١) قال العلامة المارديني في ((أصول أبي بكر الرازي)): قوله تعالى: ﴿أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] خاصٌ بالوصيةِ في السَّفَر، وقوله: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدّلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] خاصٌ بالرجعة، فكيف يُعترض بأحدهما على الأخرى. اهـ ((الجوهر النَّقي))، قلت: وهذا هو المحمل الذي ارتضى به الشيخ. ١٤٨ كتاب الوصايا هذا الكتابُ في ذُرِّيته. والحاصل أنه رجلٌ فَهْم وَفضل، فينبغي أن لا تُحمل عليه تلك الخيانةُ. قوله: (مُخَوَّصًا مِن ذَهب) "دهاری دار" . قوله: (فقام رجلانٍ من أوليائِهِ) أي أولياء السَّهْمِيُّ، (فحلفا: لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِن شَهادَتِهِما) فإِنْ قلت: إن هذين كانا مُدَّعىّ عليهما، ولا شهادةَ إلا على المُدَّعي، فكيف بشهادتهما؟! وأجاب عنه صاحب ((المدارك)) بأنهما صارا مُدَّعىّ عليهما في ضمن الكلام. وراجع له ((الهِداية)) لِتعلم أن المُدَّعَى عليه أيضًا قد يَنْقَلِبُ مُذَّعيًا. والأَصْوبُ فيه ما ذكره الشاه عبد القادر، فترجمه بالبيان الحلفي، فانحلَّ الإِشكالُ بلا تَكَلُّف، لأن إطلاقَ الشهادة على مِثلِ هذا البيان مما لا يُنْكَرُ عُرْفًا؛ ولا حاجةَ إلى جَعْلِهما مُدَّعىٌ عليهما، كما فعله صاحِبُ (المدارك)). هذا باعتبارِ الأحكام، وأما الكلامُ باعتبار النَّظْم والتعقيد، فطويلٌ لا يَسَعُه الوَقْت، وقد ذكرناه في مذكرتنا، وفي الفقه أَنَّ الشهداءَ لا يجبرونَ على الحِلِفِ، نعم يُعْرَض عليهم، فإِنْ فعلوا فيها، وإلّا فلا جَبْر عليهم، بقي الحَلِفُ بالطّلاقِ، فلا خلافَ فيه أن لا جَبْرَ عليه. قوله: ﴿فَآخَرَانٍ﴾ [المائدة: ١٠٧] إلخ قيل: المرادُ منه الأجانِبُ، وقيل: الكُفَّار. قوله: (وليس بها مُسْلِمٌ) أشار بها الرَّاوي إلى كونِهما كافِرَين، لأنه ذَكَر للاستشهاد عُذْرًا، أي لم يكن هناك مُسْلم، فاضطر إلى شهادةِ الكافر. قوله: (أحلف) أي حَلَّف رفَقاءه. قوله (أولياءه) أي السَّهْمِيُّ. وبالجملة قد دلَّ ذلك على قَبولٍ شهادة الكافر. وقد مرَّ معنا أنها تُعتبر لِلمُسْلِم لا عليه. وكان تميمٌ الدَّاري لم يكن أَسْلَم بعد، إلَّا على قولٍ غير مشهور، ثبت مجيئه بمكة، ومرَّ الإِمامُ محمد على تلك الرواية في كتاب ((الآثار))، وذهب إلى نَسْخها. قلت: وهو مُشْكِل، فيحمل على حال السفر، ويمكن أن تُعتبر شهادةُ الكافر على المُسْلم، عند فِقْدان مسلم . ٣٧ - باب قَضَاءِ الوَصِيِّ دُيُونَ المَيِّتِ بِغَيرِ مَحْضَرٍ مِنَ الوَرَثَةِ ٢٧٨١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ - أَوِ الفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْهُ -: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ فِرَاسٍ قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَني جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَّا: أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ، وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا، فَلَمَّا حَضَرَ جِدَادُ النَّخْلِ، أَتَيتُ رَسُولَ اللّهِ وَيِّ فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ عَلَيْهِ دَيْنًا كَثِيرًا، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الغُرَمَاءُ، قَالَ: ((اذْهَبْ فَبَيدِرْ كُلَّ تَمْرِ عَلَى نَاحِيَتِهِ)). فَفَعَلتُ، ثُمَّ دَعَوْتُ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيهِ أُغْرُوا بِي تِلكَ السَّاعَةَ، فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ أَطَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيدَرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَيهِ، ثُمَّ قالَ: ((ادْعُ أَصْحَابَكَ)). فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللَّهُ أَمانَةَ وَالِدِي، وَأَنَا وَاللَّهِ رَاضٍ أَنْ يُؤَدِّيَ اللَّهُ ١٤٩ كتاب الوصايا أَمانَةَ وَالِدِي، وَلَا أَرْجِعَ إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةٍ، فَسَلِمَ وَاللَّهِ البَيَّادِرُ كُلُّهَا، حَتَّى أَنِّي أَنْظُرُ إِلَى البَيْدَرِ الذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ كَأَنَّهُ لَّمْ يَنْقُصْ تَمْرَةً وَاحِدَةً. [طرفه في: ٢١٢٧]. ٢٧٨١ - قوله: (أُغْرُوا بي) "سك كىء ميرى آبروز يزى كرنيكى لىء" . - قوله: (جابر) وكانَ وَصِيًّا لوالده. واختلف الرواةُ في عدد أخواته، قال بعضُهم: ست؛ وقال الآخَرُ: تِسعٌ؛ وهكذا يكون من الرواة. ـة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَـ ٥٦ - كِتَابُ الجِهَادِ والسِّيَرِ ١ - باب فَضْلِ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةُ يُقَطِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى الثَّوْرَةِ وَالْإِنِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِّ فَأُسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِينَ﴾ [التوبة: ١١١، ١١٢]. قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الحُدُودُ: الطَّاعَةُ. ٢٧٨٢ - حدّثنا الحَسَنُ بْنُ صَبَّاح: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ: حَدَّثَنَا مالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ قالَ: سَمِعْتُ الوَلِيدَ بْنَ العَيزَارِ: ذَكَرَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشِّيِبَانِيِّ قالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّةِ، قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قالَ: ((الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا)). قُلتُ: ثُمَّ أَيٍّ، قالَ: (ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَينِ)). قُلتُ: ثُمَّ أَيِّ؟ قَالَ: ((الجِهَادُ فِي سَبِيلٍ اللَّهِ)). فَسَكَتُّ عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَّهَ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. [طرفه في: ٥٢٧]. ٢٧٨٣ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قالَ: حَدَّثَني مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: ((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا)). [طرفه في: ١٣٤٩]. ٢٧٨٤ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ: حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عائِشَةَ بِنْتِ طَلَحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرَى الجِهَادَ أَفضَلَ العَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قالَ: (لَكُنَّ أَفضَلُ الجِهَادِ حَجِّ مَبْرُورٌ)). [طرفه في: ١٥٢٠]. واعلم أنَّ شغل العِلْم أفضل الأشغال عند أبي حنيفة، ومالك؛ وعند أحمد الجهادُ أَفْضَلُها، كذا في ((منهاج السنة)) لابن تيمية، وفي كتاب السَّفاريني عن أحمدَ روايةٌ نَحْوَ أبي حنيفة، ومالك. وهذا كلَّه إذا لم يكنِ الجهادُ فَرْضَ الوقت، لأن الكلام في باب الفضائل دون الفرائض. ثمّ إنَّ مثل المجاهدِ عندي كالا جِير الخاصِّ، احتبس أوقاتَهُ كُلَّها، فيستحق الأَجْر على شأنِهِ كلُّه، ما دام في سبيل الله، وترجمته في الهندية "كارى آدمى ". ثُم لا يُعلم الجهادُ عَملًا في ١٥٠ ١٥١ كتاب الجهاد زَمن عيسى عليه الصلاة والسلام، وإن كان في الإِنجيل على شَاكلة المسألةِ، وإليها أشار القرآن: ﴿وَهْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِى الْتَّوْرَةِ وَالْإِنِجِيُ﴾ [التوبة: ١١١]، ولذا يُجاهِدُ بعد التُّزولِ. قوله: (قال ابن عباس: الحُدودُ: الطَّاعَةُ). واعلم أنَّ المُرَادَ من الحدودِ عند الفقهاء هو العقوباتُ المعروفة؛ والمرادُ منها ههنا هي التي نهى الشَّرْع عن التجاوز عنها، وهي حدودٌ أقامها الشَّرْع عند تجانس الطرفين، كخيار الشَّرْط، حَدَّدهِ الشارعُ بالثلاث من ولايته على خلاف القياس؛ وهي التي أرادها السَّرَخْسِي في عباراته: أنَّ المقادِيرَ والحدودَ مما لا يجري فيها القياسُ عند إمامنا، وذلك لأنَّ نَصْبَ المقاديرِ والحدود مما لا دَخْل فيها للعقل، فاستبدَّ به الشَّرْع. أما العقوباتُ وإن كانت هي أيضًا كذلك، إلا أن المرادَ منها في كلام السَّرخْسِي ما ذكرناه . ٢٧٨٣ - قوله: (لا هِجْرةَ بعد الفَتْح) أي الهجرة المَعْهُودة مِن مَّة، أما الهجرةُ العامَّة مِن دار الحَرْب إلى دار الإِسلام، فهي باقية. ٢٧٨٥ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: أَخْبَرَنَا عَقَّانُ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ قالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو حَصِينٍ: أَنَّ ذُكْوَانَ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ◌َ﴿ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلِ يَعْدِلُ الجِهَادَ، قالَ: ((لَا أَجِدُهُ». قالَ: ((هَل تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ المُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ، فَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ، وَتَصُومَ وَلَا تُفِطِرَ؟)) قالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذلِكَ؟! قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ فَرَسَ الْمُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ في طِوَلِهِ، فَيُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٍ . ٢٧٧٥ - قوله: (دُلَّني على عَمَلٍ يَعْدِلُ الجِهَادَ)، واعلم أنَّ القائمَ والصائمَ أيضًا قد يَعْدِلُ المجاهِدَ، وهذا على الأحوال. قوله: (فَرِسَ المجاهِدِ ليستَنُّ في طِوَلِهِ) دلَّ على كفايةِ النِّيّةِ الإِجماليةِ لإِحراز الأَجْر، كما مرَّ . ٢ - بابٌ أَفْضَلُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بِنَفسِهِ وَمالِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ هَلْ أَثْلُكُمْ عَلَى ◌ِجَزَقِ نُجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِ ﴿َ نُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَرَسُولِ وَتُهِدُونَ فِى سَبِيلِ الَّهِ بِأَقْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَّرٌ لَّكُمْ إِن كُ نَعْلَمُونَ ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [الصف: ١٠ - وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَحِهَا الْأَنْهَرُ وَمَسَكِنَ طَنِبَةً فِى جَنَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ١٢ ]. ٢٧٨٦ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبِرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: حَدَّثنيٍ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ: أَنَّ أَبَا سَعِيدِ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفسِهِ وَمالِهِ)). قالُوا: ثُمَّ مَنْ؟ ١٥٢ كتاب الجهاد قالَ: ((مُؤْمِنٌ في شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ، يَتَّقي اللَّهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ)). [الحديث ٢٧٨٦ . طرفه في: ٦٤٩٤]. ٢٧٨٧ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلّه يَقُوَّلُ: ((مَثَلُ المُجَاهِدِ في سَبِيلِ اللَّهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ - كَمَثَلِ الصَّائمِ القَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلمُجَاهِدِ فِيَ سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَقَّهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوَ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوَ غَنِيمَةٍ)). [طرفه في: ٣٦]. الشِّعْبُ - بالفتح - القيلةُ، و- بالكسر - "كهاتى " مع أَجْرٍ أو غنيمة، وقد مرَّ في أوائل الكتاب: أن ((أو)) تدخل بين الشيئين المتغايرين حقيقةً، وإن لم يتحقق بينهما مانِعةُ الجَمْع، فقد يرجع الغازي مع الأَجر، والغنيمة معًا. وهذا نظيرُ ما قال الميزانيون: إنَّ النِّسب بين المفرداتِ بحسب الحَمْلِ، وبين القضايا بحسب المصَداق، وكقوله: وهي اسمٌ، وفِعْل، وحَرْف - قيل: والمناسب حَرْفُ ((أو))؛ قلت: إن كان المقصودُ دَرْجَها في الكلمةِ، فالأَوْلى هو الواو، وإن كان المقصودُ بيانَ التقابل فيما بينهما، فالأَوْلى هو ((أو)). ٣ - باب الدُّعاءِ بِالجِهَادِ وَالشَّهَادَةِ للِرِّجالِ وَالنِّسَاءِ وَقَالَ عُمَرُ: ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي بَلَدِ رَسُولِكَ. ٢٧٨٨، ٢٧٨٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ إِسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلحَّانَ فَتُطْعِمُهُ، وَكانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ فَأَطْعَمَتْهُ، وَجَعَلتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ بََّ ثُمَّ اسْتَيقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قالَتْ: فَقُلتُ: وَما يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ((نَاسٌ مِنْ أُمَِّي، عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً في سَبِيلَ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هذا البَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ»، أَوْ: ((مِثْلَ المُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ)). شَكَّ إِسْحاقُ، قالَتْ: فَقُلتُ: يَاَ رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهِمْ، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ بَ، ثُمَّ وَضَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ اسْتَيقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((نَاسٌ مِنْ أَمَّتِي عُرِضِوا عَلَيَّ غُزَاةً في سَبِيلِ اللَّهِ). كما قالَ في الأَوَّلِ، قالَتْ: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ،َ قالَ: ((أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ)). فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ في زَمانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانِ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ، فَهَلَكَتْ. [الحديث ٢٧٨٨ - أطرافه في: ٢٧٩٩، ٢٨٧٧، ٢٨٩٤، ٦٢٨٢، ٧٠٠١]. [الحديث ٢٧٨٩ - أطرافه في: ٢٨٠٠، ٢٨٧٨، ٢٨٩٥، ٢٩٢٤، ٦٢٨٣، ٧٠٠٢]. ٢٢٨٨، ٢٧٨٩ - قوله: (يَدْخُل على أَمِّ حَرَامٍ) ... الخ، وكانت له قرابةٌ. قوله: (نَبَج هذا البحر) "اس درياكى ابرسى". واعلم أن الحديثَ دَلَّ على أن دعاءه ١٥٣ كتاب الجهاد كان متناولًا للشهادة الأَخْرَويَّة، فإِنَّ أم حرام لم تقتل في سبيل الله، ولكنَّها وَقَصَتها ناقتُها، فماتت؛ ونظيرُهُ(١) قوله تعالى: ﴿وَسَلَمُّ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ [مريم: ١٥] إلخ. مع أنه لم يمت، ولكنه قُتِل واستُشهد(٢). ٤ - باب دَرَجَاتِ المُجَاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ يُقَالُ: هذهِ سَبِيلِي وَهذا سَبِيلِي قال أبو عبد الله: غُزّاً واحدها غاز. هُم دَرَجاتٌ: لهم درجات. ٢٧٩٠ - حذَّتنا يَحْيِى بْنُ صَالِحٍ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَله: ((مَنَ آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، كَانَ حَقَّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، جاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ جَلَسَ في أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فيها)). فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أفلا نُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: إِنَّ في الجنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أعَدَّهَا اللَّهُ للمُجَاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ، ما بَيْنَ الدَّرَجَتَينِ كما بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ، وَأَعْلَى الجَنَّةِ - أُرَاهُ - وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمُنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ)). قالَ مُحَمَّدُ بْنِ فُلَيحِ، عَنْ أَبِيهِ: ((وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمُنِ)). [الحديث ٢٧٩٠ - طرفه في: ٧٤٢٣]. ٢٧٩١ - حدّثنا مُوسى: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ، قالَ قالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنٍ أَتَيَانِي، فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، لَمْ أَرَ قَطْ أَحْسَنَ مِنْهَا، قالا: أَمَّا هذهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ)). [طرفه في: ٨٤٥]. والسبيلُ يُذكَّرُ ويُؤنَّثُ. ٢٧٩٠ - قوله: (جَاهد في سبيل الله، أو جَلَس في أَرْضِه التي وُلِد فيها) دلَّ الحديثُ على تَرْك الهجرة في زمن، كما مرَّ في ((الزكاة)) من قول النبيِّ ◌َّ: اعملٌ مِن وراء البحار)) وأشار إليه القرآنُ أيضًا: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ وَهُوَ مُؤْمِرٌ﴾ [النساء: ٩٢] إلخ، فدل على تمَكَّن المؤمنِ في (١) قلت: ونظيرُه الآخَرُ ما في ((المشكاة) عن جابر، قال: ((فُقِدَ الجرادُ في سنة من سني عمرَ التي تُوفِّي فيها .. الخ. ففيه إطلاقُ التوَنِّي على الشهادة، وسيجيء الكلام فيه في ((المغازي)) إن شاء الله تعالى. (٢) قال العَيْنيُّ: وفيه أن الموتَ في سبيل الله شهادةٌ، ثم أخرج عن ابن أبي شيبةً عن عمر بإِسناده، قال رسول الله ◌َّ: ((مَنْ قُتِل في سبيل الله أو مات، فهو في الجنة))، اهـ. وَيَشْهدُ له قولُه تعالى: ﴿وَأَِّينَ مَاجَرُواْ فِىِ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُوْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [الحج: ٥٨] وبقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجٌ مِنْ بَيْنِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ أَلْمَوْتُ لَا فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُمُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية: [النساء: ١٠٠] وراجع الاختلاف فيه في ((عُمدة القاري)). ١٥٤ كتاب الجهاد دار الحرب، وتَرْك الهجرة عنها. ودلَّ أيضًا على أن الاتكالَ فيه من فضائل الأُمور دون فرائضه، فإِنَّه ذَكَرَ الفرائِضَ في صَدْر الحديث، ثُم الاتكالَ بعدها، وقد مرَّ تقريره. قوله: (مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْن، كما بينَ السَّماءِ والأَرْضِ) وهو كما عند التِّرْمذي عن ابن عباس: مسيرة خمسمائة عام. وقد تهافت فيها بعضُ الرُّواة، فذكرها مسيرةَ ثلاثٍ وسبعينَ عامًا، وسقط منه ذِكْر أربع مائة، مع بعض الكسر قطعًا؛ والصواب أنها مسيرةُ خمسمائة عام، وكذا سقط من رواية الترمذي ذِكْر الماء (١)، والكُرسيِّ، والعَرْش، والجنَّة، وليس فيها إلَّا بيانُ مسافةِ السموات. قوله: (وفَوْقَهُ عَرْشُ الرحمن) وهو سَقفُ الجنَّة، وحينئذٍ لا بأس بكونِ عَرْش الرحمن سَقفًا لجميع درجات الجنة، مع كونِ بَعْضِها أوسط، وبَعْضِها أعلى. واعلم أن لههنا مقامين: الأَوَّل في بيان مسافة درجات الجنة؛ والثاني في بيان حَيِّز الجنةِ. فنقول: إن مسافةَ الجنَّةِ مسيرةُ خمسين ألف سنةٍ. كما يلوحُ من رواية البخاريّ. فإِنَّ للجنَّةِ مائة درجة، وما بين كلِّ درجةٍ مسيرةُ خمسمائة عام، فَبِضَرْبها في المائة يحِصُّلُ العددُ المذكور. ويَرِدُ عليه قولُه تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَتِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِ يَوْرٍ كَانَ مِقْدَارُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]، على تفسير؛ والناس في تفسيره مختلفون، فقيل: إنه مدةُ يوم الحساب، وإن كانت المحاسبةُ فيه بلحظاتٍ (٢) يسيرة، وهي كما بين الظهر والعصر، كما في رواية؛ وهذا أيضًا حسابُ العوام. أما المقرَّبون فيحاسَبون في طَرْفَة عين (٣). وقيل: بل فيه بيانُ المسافة من الأرضِ إلى الجنة. وحينئذٍ ناقض الحديثُ ما في الآيةِ، فإِن تلك المسافة في الحديث مسافةٌ لدرجاتِ الجنَّة فقط، وبانضمام مسافةِ الأَرْض إلى السماء ومسافةِ السمواتِ فيما بينها تزيد عليه بنحو أربعة آلاف، فلا يلتئم الحديثُ بالقرآن . والجواب عندي أن المسافةَ في حديث البخاري هي مسافةُ درجات الجنة فقط، وهي مسيرةُ خمسين ألف سنةٍ، أما مسافة السمواتِ والأرض، فلم تتعرَّض إليها روايةُ البخاري، وذكرها الترمذيُّ. فروايةُ الترمذِيِّ تعرضت إلى مسافةِ العالم السُّفْلي فقط، أي من الأرض إلى السموات، وروايةُ البخاريّ دَلَّت على مسافةِ العالم العُلْوي فقط، وهي من السموات إلى (١) يقول العبد الضعيف: وفي ((المشكاة)) روايةٌ عن الترمذي، وأبي داود عن العباس بن عبد المطلب في حديث بيانٍ مسافةِ السموات، قال: ((إنَّ بُعْد ما بينهما، إما واحدةٌ، وإما ثِنْتان، أو ثلاثٌ وسبعونَ سنةً، والسماء التي فَوْقَها كذلك. وهذه هي مسافةٌ نَبَّه عليها الشيخُ، ثم قال: فوق السماءِ السابعةِ بَحْرٌ بين أعلاه وأسفلِه، كما بين كلٌ سماء، ثُمَّ فوق ذلك ثمانيةُ أَوْعال بين أَظلافِهن وَوِرْكِهن مثلُ ما بين سماءٍ إلى سماءٍ، ثُم على ظهورِهِنَّ العَرْشُ)). وجمع الحافِظُ بينهما، كما في ((بدء الخلق) بأَنَّ اختلافَ المسافة بينهما باعتبار بطء السَّير وسُرْعَته، اهـ. والشيخ قُدِّس سِرُّه لم يكن يتصدِّى لوجوهِ التَّوْفيق بين أوهامِ الرُّواةِ، وهو السبيلُ الأقْومُ. (٢) روى البيهقي في ((كتاب البعث والنشور))؛ عن أبي سعيد الخُذري، قال: سُئل رسولُ اللهِ وَّعن يوم كان مقداره خمسين ألف سنةٍ، ما طول هذا اليوم؟ فقال: والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكونَ أهونَ عليه من الصلاة المكتوبة يصلِّيها في الدنيا، كذا في ((المشكاة)) من باب الحساب، والقصاص، والميزان)). (٣) قلت: ومن هُهنا ظهر المرادُ من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النُّور: ٣٩]، مع كونِ يوم الحسابِ طويلًا. ١٥٥ كتاب الجهاد العرش. وعلى هذا لو ذهبنا إلى أن المذكورَ في الآية قَدْرُ المسافة دون سعةِ اليوم، فينبغي أن تكون تلك المسافة للعالم العُلوي فقط . وإنما تَعَرَّضْتُ إلى تعيين تلك المسافةِ، لأني أجدُ شُهْرَتها بين السَّلَف أيضًا، ففي حكايةٍ: أنَّ هارون الرشيد قال لمالك: إني أريدُ أن أستفيدَ منك شيئًا؛ فلم يزل ينتظره بعد ذلك، فلم يجىء، وكذلك الرشيدُ كان ينتظرُ الإِمام مالكًا، فلم يجىء أحدُهما إلى الآخر. فلما التقيا قال مالك: يا أميرَ المؤمنين إنَّ القرآن نزل من مسافةٍ خمسين ألف سنةٍ، فإِنْ لم تعظّمه أنت أيضًا، فَمن يعظمه؟ . وأما بيَانُ حَيِّز الجنة، فقد صرَّح الحديثُ أَنّها فوق السمواتِ، فهذه بدايتُها؛ وقد جاء في روايةِ البُخاري أَنَّ عَرْش الرحمن فوقها، فهذه نهايتُها، بقيت السمواتُ السَّبْع، والأَرَضون كذلك، فهي كُلُّها حيزٌ لجهنَّم عندي، وهو الذي سَمَّاه اللهُ تعالى ((أسَفَلَ السافلين)) في سورة التين، وأَمَرَنا أن نخرج عنها مصعدين إلى الجنَّةِ مأوِى أَبِينا، ومَنْ بقي فيه، ولم يَصْعَد، فقد بقي في دار الغُرْبة، وسَيَصْلى سعيرًا، فتلك العَرصةُ كُلُّها تنقلبُ حيِّزًا لجنهم. فنحن الآن في حَيِّز جهنّم، وقد جمع الله فيه من الجنة وجهنم أشياء، كالحجر الأسود، والمقام، والمساجد، والكعبة. وأمثالها. فإِنَّها كلّها من الجنة، وسترفع إليها، وكذا الشمس، والقمر، وأمثالهما، كلها مِنْ جهنّم، وستلقى فيها، فركَّب اللهُ سبحانه هذا العالمَ من أشياءَ بَعْضها من الجنة، وبَعْضها من جهنم، وإذا أراد أن تنتهي تلك النشأةُ، وَتَظْهَرَ النشأةُ الأُخرى، يَدُُّّ هذا العالمَ دَكًا، ويذهب (١) بالاشياء كلِّها إلى مقارِّها . وبالجملة المَعْدِنُ هو الجنَّةُ، أو النَّار فقط، وأما الدُّنيا فهي مستَقرُّ إلى حين، ولذا لم يخبرنا اللهُ سبحانه إلا بِنَسْف الجبال، وخَسْف القمر ﴿وَجُعَ الشَّتْسُ وَالْقَمَرُ ﴾﴾ [القيامة: ٩]، وانفطار السمواتِ. فهذه أحوالٌ كلَّها تعترِض على هذا العالم، وهو حيِّزُ جهنّم، ولم يخبرنا عما هو صانعٌ بما عنده فوق السموات، وهي الجنة؛ بل ذهب المفسِّرُون إلى أنها داخلةٌ فيما استثناه الله تعالى: فالحاصل أن المقرَّ الأصلي للإِنسان ليس إلا الجنةُ أو النار، فالجنَّةُ فوقَ السمواتِ، والسمواتِ مع الأَرَضين السَّبعةِ حَيِّزٌ لجهنم، وهذا هو مستقرُّنا إلى حين؛ فلما يريدُ الله سبحانه أن يُعيدَ الأشياء إلى مقارِّها، يُخرب الدنيا بما فيها، ويرتبها بالاندكاك والانفطار والانشقاق، مقرًا ناسب أهلها . ولا يحسبنَّ زائِغٌ أن جهنّم ليست بموجودة الآن، بل هي كما أخبر بها الله سبحانه، ولكن اختلاف العالمين منعنا عن إدراكها، أما حديد البصر فيراها الآن أيضًا. فالمعاصي هي النَّارُ بالفعل، لكنَّ ناريتها مستورةٌ عندنا، وظاهرةٌ عند حديد البصر، فالجنة مزخرفةٌ، وجهنّم تحطم بَعْضُها بعضًا، إلا أنهما تضعفان زينةً، وعذابًا من أفعالنا؛ وتلك الأفعالُ هي الزينةُ، أو العذابُ (١) ويؤيدُه ما أخرج الشافعيُّ، كما في ((المشكاة)) من كتاب ((الرِّقاق)) عن عمرو مرفوعًا فيه؛ ألا إنَّ الخيرَ كلَّه بحذافيره في الجنة، ألا وإن الشَّرَّ كلَّه بحذافيره في النار. اهـ. ١٥٦ كتاب الجهاد في الحالة الراهنة، يراها الخواصُ اليوم، وغدًا يراها العوامُ أيضًا، وكذلك الجنَّة والنار، ألا ترى أنَّ الكافر يُعَذَّب، ولا يسمعه الثَّقلان لاختلاف العالمين، فلا نعني بما حَقَّقت غيرَ هذا، ولكن مَنْ يقتحم أبوابَ الحقائق لا يجد لكشفها ألفاظًا تُوضِّحها، ومَنْ ليس له فَهْمٌ صحيح يقع في الزِّيغ، ويعزو إليّ ما لم أَرده، وهذا الذي وقع لأربابِ الحقائق، فلم ينتفع منهم إلا قليلٌ، فظاهِرُ الشريعةِ يبقى على ظاهرِها والمسائل المسَلَّمة على مكانها، وإنما هو نحوَ بيانٍ خاطبت به، ومَنْ لا يقدر على وَضْع الأشياء في مواضعها، فليس خطابي معه، ولا أحل له أن يَقْفُو ما ليس له به عِلْم، وإنما خلق الله لكل فنِّ رجالًا، ونعوذ بالله من الزَّيغ (١). قوله: (ومِنْهُ تَفَجَّرُ أنهارُ الجَنَّة) وهي نهرُ الماء، ونهرُ اللَّبن، ونهرِ العسل، ونهر الخمر، وقال الشيخُ الأكبر: إنها نهر الحياةِ، ونهر العِلم، ونهر الإِيمان، ونهرُ الذَّوْق. ٥ - باب الغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَابُ قَوْسٍ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ ٢٧٩٢ - حدّثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ: حَدَّثَنَا حُمَيدٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرَ قَالَ: ((لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَما فِيهَا)). [الحديث ٢٧٩٢ - طرفاه في: ٢٧٩٦، ٦٥٦٨]. ٢٧٩٣ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ: حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بْنُ فُلَيحِ قالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرِّيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ نَِّ قالَ: ((لَقَابُ قَوْسٍ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا تَطلُعُ عَلَيهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ)). وَقالَ: (لَغَدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ)). [الحديث ٢٧٩٣ - طرفه في: ٣٢٥٣]. ٢٧٩٤ - حدّثنا قَبِيصَةُ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ أَبِي حازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ بَّرَ قالَ: ((الرَّوْحَةُ وَالغَدْوَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ أَفضَلُ مِنَ الَدُّنْيَا وَما فِيهَا)). [الحديث ٢٧٩٤ - أطرافه في: ٢٨٩٢، ٣٢٥٠، ٦٤١٥]. قوله: (وقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُم) واعلمٍ أن تعيينَ الأمكنة عندهم كان بالأقواس والسِّياط، وعليه جاء الحديث؛ ومن هذا الباب قولُه وَله: ((مَوْضِعُ سَوْطِ في الجنَّة)) ... الخ، وهو قولُه تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَّوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ ﴾﴾ [النجم: ٩] والقَابُ والقيد واحد؛ وما ذكره الراوي في الباب الآتي قَيْدُه - يعني سَوْطه - فإِنْ كان بيانًا للمراد فصوابٌ، وإن كان بيانًا للترجمة فَغَلَطٌ. والمُفَسِّرون تأَوّلوا قوله تعالى: ﴿قَابَ قَوْسَيِنِ﴾ فقالوا: معناه: قابي قَوْس. والصواب عندي أنه (١) قلت: وقد أشرنا مِن قبل أن الشيخَ قد كان يقتحم أبوابَ الحقائق أيضًا، وإن كان خوفُ الزائغين لم يكن يُرخّص لي أن أذكرها، إلا أني ذَكَرتها، لأن في إخفائها إخفاءً لبابٍ من علوم، فذكرت بَعْضِها ليذوقَ منها أولو الأذواق، وأرجو من العلماء أن لا يَخْلِطُوا بين باب الحقائق والعقائد، فإِنَّ الفَرْقَ واضحٌ، والله الهادي، وهو المُلْهِم للصواب . ١٥٧ كتاب الجهاد على ظاهِره، والمرادُ من القوسين في الطول على عادتهم عند الهبوط في المنزل، فإِنَّهم كانوا إذا نزلوا مَنْزِلًا رموا بأقواسهم وسياطهم أولًا، ليكون ذلك مكانَهم بعد ما نزلوا ولا يُزاحِمُهم فيه أحدٌ، وعلى هذا العُرْف جرى القرآنُ والحديث. ٦ - باب الحُورِ العِينِ وَصِفَتِهِنَّ يَحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ، شَدِيدَةُ سَوَادِ العَينِ، شَدِيدَةُ بَيَاضِ العَينِ. ﴿وَزَوَّجْنَهُم﴾ [الدخان: ٥٤] أَنْكَحْنَاهُمْ. ٢٧٩٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيدٍ قالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِّ وَّرِ قَالَ: ((ما مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ، لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيرٌ، يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الذُّنْيَا، وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِلَّا الشَّهِيدَ، لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى)). [الحديث ٢٧٩٥ - طرفه في: ٢٨١٧]. ٢٧٩٦ - قَالَ: وَسَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرَ أنه قال: ((لَرَوْحَةٌ في سَبيلِ اللَّهِ، أَوْ غَدْوَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسٍ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ، أَوْ مَوْضِعُ قِيدٍ - يَعْنِي سَوْطَهُ - خَيرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتْ ما بَينَهُمَا، وَلَمَلأَتْهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَّأْسِهَا خَيرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَاَ فِيهَا)). [طرفه في: ٢٧٩٢]. ٧ - باب تَمَنِّي الشَّهَادَةِ ٢٧٩٧ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ نَّهَ يَقُولُ: ((وَالِذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا أَنَّ رِجالا مِنَ المُؤْمِنِينَ، لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّقُوا عَنِّي، وَلَا أَجِدُ ما أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، ما تَخَلَّتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُوِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وَالذَّي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أَقْتَلُ ثُمَّ أُخْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ)). [طرفه في: ٣٦]. ٢٧٩٨ - حدّثنا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ◌َِّ فَقَالَ: ((أَخَذَ الرَّايَةَ زَيَدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةً فَأُصِيبَ، ثُمّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ عَنْ غَيرِ إِمْرَةٍ فَفْتِحَ لَهُ))، وَقَالَ: ((ما يَسُرُّنَا أَنَّهُمْ عِنْدَنَا)). قالَ أَيُّوبُ: أَوْ قالَ: ((ما يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا)). وَعَيْنَاهُ تَذْرِفانٍ. [طرفه في: ١٢٤٦]. ٢٧٩٧ - قوله: (والذي نَفْسي بيده) ... الخ، مقولةٌ لأبي هريرة، نَبَّه عليه الترمذيُّ. ١٥٨ كتاب الجهاد ٨ - باب فَضْلِ مَنْ يُصْرَعُ في سَبِيلِ اللَّهِ فَمَاتَ فَهُوَ مِنْهُمْ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ اٌلْوِّتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ [النساء: ١٠]. وَقَعَ: وَجَبَ. ٢٧٩٩، ٢٨٠٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ: حَدَّثَنِي اللَّيثُ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ مُحمَّدِ بْنِ يَحْيِى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ، عَنْ خالَتِهِ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلحَانَ قالَتْ: نَامَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَوْمًا قَرِيبًا مِنِّي، ثُمَّ اسْتَيقَّظَ يَتَبَسَّمُ، فَقلتُ: مَا أَضْحَكَكْ؟ قَالَ: ((أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ، يَرْكَبُونَ هذا الْبَحْرَ الأَخْضَرَ، كالمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ)). قالَتْ: فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ نَامَ الثَّانِيَةَ، فَفَعَلَ مِثْلَهَا، فَقَالَتْ مِثْلَ قَوْلِهَا، فَأَجابَهَا مِثْلَهَا، فَقَالَتْ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: ((أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ)). فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ غازِيًا، أَوَّلَ ما رَكِبَ المُسْلِمُونَ البَحْرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ قَافِلِينَ فَتَزَلُوا الشَّأْمَ، فَقُرِّبَتْ إِلَيهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا فَصَرَعَتْهَا فَمَاتَتْ. [طرفه في: ٢٧٨٨]. فليس الشهيدُ هو المقتولَ فقط، بل مَنْ يخرج من بيته مهاجرًا إلى الله، ثم يدركه الموتُ، فقد وَقَع أَجْرُه على اللهِ. ٩ - باب مَنْ يُنْكَبُ أَوْ يُطْعَنُ في سَبِيلِ اللَّهِ ٢٨٠١ - حدّثنا حَفصُ بْنُ عُمَرُ الحَوْضِيُّ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ وَّهِ أَقْوَامًا مِنْ بَنِي سُلَيِمٍ إِلَى بَنِي عامِرٍ فِي سَبْعِينَ، فَلَمَّا قَدِمُوا قالَ لَهُمْ خالِيٍ: أَتَقدَّمُكُمْ، فَإِنْ أَمَّنُونِي حَتَّى أُبَلِّغَّهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وِ، وَإِلَّا كُنْتُمْ مِنِّي قَرِيبًا، فَتَقَدَّمَ فَأَمَّنُوهُ، فَبَينَمَا يُحَدِثُهُمْ عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿ إِذْ أَوْمَأْوِا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَطَعَنَهُ فَأَنْفَذَهُ، فَقَّالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ مَالُوا عَلَى بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ فَقَتَلُوهُمْ إِلَّا رَجُلٌ أَعْرَجُ صَعِدَ الجَبَلَ - قالَ هَمَّامٌ: فَأُرَاهُ آخَرَ مَعَهُ - فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ النَّبِيَّ وَِّ: أَنَّهُمْ قَدْ لَقُوا رَبَّهُمْ، فَرَضِيَ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ، فَكُنَّا نَقْرَأُ: أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا، أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا، فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدُ، فَدَعًا عَلَيهِمْ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، عَلَى رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وَبَنِي لِحْيَانَ، وَبَنِي عُصَيَّةَ، الَّذِينَ عَصَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَِّ. [طرفه في: ١٠٠١]. ٢٨٠٢ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ الأَسْوَدِ بْنِ قَيسٍ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفيَانَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِهِ كانَ في بَعْضِ المَشَاهِدِ، وَقَدْ دَمِيَتْ إِصْبَعُهُ، فَقَالَ: ((هَل أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ)). [الحديث ٢٨٠٢ - طرفه في: ٦١٤٦]. ٢٨٠١ - قوله: (أقوامًا مِن بَني سُليم) وَهْمٌ من الراوي، فإِنَّ النبيَّ نَِّ كان بعث القُرَّارَ، ولم يكونوا من بني سُلَیم. قوله: (فَقَتَلُوهم إلَّا رجلًا أَعْرَجْ صَعِدَ الجَبلِ) هذا هو الصوابُ، وفي المغازي عند ١٥٩ كتاب الجهاد البُخاري: ((فانطلق حرام أخو أمُّ سُلَيم، وهو رجلٌ أَغْرجُ)) ... الخ وهذا وَهْم، فإِنَّ حَرَامَ كان قُتِل، ولم يُقْتَل الأَغْرِجُ، بل صَعِد الجبلَ. قوله: (فَكُنَّا نَقْرَأُ: أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنا) .. الخ، ولما كانَ اللهُ سبحانه تَكَفَّل لهم بإِبلاغ خَبَرِهم إلى قَوْمهم أَنْزَله في القرآن، ثُم نَسَخه بعد إيفاءِ الوَعْد، لعدم الحاجة إليه. ١٠ - باب مَنْ يُجرَعُ في سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ٢٨٠٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيِرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَقَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُكْلَمُ أَخَّدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ إِلَّا جاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ)). [طرفه في: ٢٣٧]. ١١ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ تَرَنَّصُونَ بِنَآ إِلََّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢] وَالحَرْبُ سِجَالٌ ٢٨٠٤ - حدّثنا يَحْيى بْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّيِثُ قالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سُفيَانَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ هِرَّقْلَ قالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ كَيفَ كانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّ الحَرْبَ سِجَالٌ وَدُوَلٌ، فَكَذلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى، ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَةُ. [طرفه في: ٧]. ١٢ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيَّةٍ [الأحزاب: ٢٣ ] ٣٣ فَِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَن يَنْنَظِرِّ وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلًا ٢٨٠٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ الخُزَاعِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ حُمَيدٍ قالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ: حَدَّثَنَا زِيَادٌ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيدٌ الطّوِيلُ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: غابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلتَ المُشْرِكِينَ، لَئِنِ اللَّهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ المُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ ما أَصْنَعُ، فَلَمَّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَانْكَشَفَ الَمُسْلِمُونَّ، قالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ - يَعْنِي أَصْحَابَهُ . وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هُؤْلَاءِ - يَعْنِيِ المُشْرِكِينَ - ثُمَّ تَقَدَّمَ فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: يَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذِ الجَنَّةَ وَرَبِّ النَّصْرِ، إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ، قَالَ سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ. قالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيفِ أَوْ طَعْنَةٌ بِرُمْحِ أَوْ رَمْيَةً بِسَهْم، وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ. قَالَ أَنَسٌ: كُنَّأَ نُرَى، أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هذهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفي أَشْبَاهِهِ: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، إِلَى آخِرِ الآيَةِ. [الحديث ٢٨٠٥ - طرفاه في: ٤٠٤٨، ٤٧٨٣]. ١٦٠ كتاب الجهاد ٢٨٠٦ - وَقَالَ: إِنَّ أُخْتَهُ، وَهِيَ تُسَمَّى الرُّبَيِّعَ، كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ امْرَأَةٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ اَّ بِالقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لاَ تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَرَضُوا بِالأَرْشِ وَتَرَكُوا القِصَاصَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ». [طرفه في: ٢٧٠٣]. ٢٨٠٧ - حَدَّثَنَا أبو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ح. وحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قالَ: حَدَّثَنِي أَخِيٍ، عَنْ سُلَيمَانَ، أُرَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ خارِجَةَ بْنِ زَيدٍ، أَنَّ زَيدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: نَسَخْتُ الصُّحُفَ فيِ المَصَاحِفِ، فَفَقَدْتُ آيَّةً مِنْ سُورَةِ الأَحْزَابِ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقْرَأُ بِهَا، فَلَمْ أَجِدْهَا إِلَّ مَعَ خُزَيمَةَ بْنِ ثَابِتِ الأَنْصَارِيِّ، الَّذِي جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَيِّ شَهَادَتَهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿مِّنَ اُلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهٍ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. [الحديث ٢٨٠٧ - أطرافه في: ٤٠٤٩، ٤٦٧٩، ٤٧٨٤، ٤٩٨٦، ٤٩٨٨، ٤٩٨٩، ٧١٩١، ٧٤٢٥]. ٢٨٠٥ - قوله: (غَابَ عَمِّي أَنسُ بنُ النَّضْرِ عنَ قِتال بَدْر) أي تَخَلَّف عن بَدْر، لا أنه دَخَل فيها ثم غاب. ١٣ - بابٌ عَمَلٌ صَالِحٌ قَبْلَ القِتَالِ وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِنَّمَا تُقَاتِلُونَ بِأَعْمَالِكُمْ. كَبُرَ مَقْنَا عِندَ ٢ وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَنٌ مَرْصُوصٌ (®َ)﴾ [الصف: ٢ - ٤]. ٢٨٠٨ - حدّثنا مُحَمِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحيم: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارِ الفَزَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: أَتَّى النَّبِيَّ ◌َ رَجُلٌ مُقَنَّعْ بِالحَدِيدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُقاتِلُ وَأُسْلِمٌ؟ قالَ: ((أَسْلِمْ ثُمَّ قاتِل)). فَأَسْلَمَ ثُمَّ قاتَلَ فَقُتِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ نَّهِ: ((عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا)). لَعلَّه مأخوذٌ من قوله وَِّ: «كما تَحْيُونَ تموتون، وكما تموتون تُحْشَرون)). فهذا يُشْعِرُ بأنه ينبغي أن تكون خاتمةُ المرء على عَمَل خير؛ وكان السَّلف يستحبُّون أن يكون لهم عَمَلٌ صالح قبل القتال، لدلالتِه على الإِخلاص. قوله: (إنما تقاتِلُون بأعمالِكُم) أي إنَّ الأعمالَ الصالحةُ تُورِث ثباتَ القَدَمِ عند القتال، فالقتالُ يكون بسبب بركةِ الأعمال، فهي دخيلةٌ فيه. قوله: (﴿بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ﴾﴾ [الصفْ: ٤] ولعلَّ الشيطانَ يدخلُ صفوف القتال، كما يدخل صفوفَ الصلاة فيفسدها أيضًا، ولذا أمرنا بالتراصِّ في الصفوف أيضًا .