Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ كتاب الهبة أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظُّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ ما يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلَيَفْعَل)). فَقَالَ النَّاسُ: طَيِّبْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ، فَقالَ لَهُمْ: ((إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِيهِ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ)). فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النَّبِيِّ وَجَ فَأَخْبَرُوهُ: أَنَّهُمْ طَيِّبُوا وَأَذِنُوا. وَهذا الَّذِي بَلَغَنَا مِنْ سَبْىٍ هَوَازِنَ. هذا آخِرُ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ، يَعْنِي: فَهذَا الَّذِي بَلَغَنَا. [طرفاه في: ٢٣٠٧، ٢٣٠٨]. فبّب بجوازِ الشُّيوعِ بِكِلا نَحْويه، وتَمسك له بِسَبِي هوازن، وغَرَضُه أن يُسوَّغ فيه الأمران، فان شِئت قلت: إنَّ الواهِبَ هُهنا واحدٌ، والموهوبَ له متعدِّد، وإنْ شِئت قلت بالعكس، فتحقَّق فيه الشُّيوع بالنَّحوين، وقد وعدناك غيرَ مرةٍ أنه كان إعتاقًا منهم، لا هبة، فتسقط تفريعاتُ المصنّف بأسرها . [قال البخاري(١): ((باب إذا وهب جماعة لقوم، أو وهب رجل جماعة مقسوما وغير مقسوم)) اهـ]. واستدل على ذلك بَرِدِّ السَّبْي على وَفْد هَوازِن، وقال قَبْله: وقد وَهَب النبيُّ وَِّ، وأصحابُه لهوازِن ما غَنِموا منهم، وهو غيرُ مَقْسوم لهوازِن، اهـ. أي وإنْ كان قُسِم بين الغانمِين، وفي استدلاله نَظَر، فإِنَّهم كانوا رسلا عن هوازنٌ يَسألُ كلٌّ عن سَبْيه: فليس هناك شُيوعٌ، ثُم ما الوجه في أنه ◌َّر اعتذر إلى الوَفْد بؤُقوع المقاسم: فقالٍ، على ما في ((الفتح)) عن مغازي موسى بن عُقبة: ما طلب لكم، وقد وقعت المقاسِم، فأَيَّ الأَمْرين أَحبُّ إليكم؛ السَّبي أم المال؟! اهـ وقال - في وزعم - بلى؛ والذي نفسي بيده إنَّ الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم لم تُصِبها المقاسِمُ، لتشتعل عليه نارًا، اهـ. أخرجه هو ابتغاءَ العَدْل في القسمة، أو لئلا يقعَ تَصَرُّف فيما ليس خالصًا له، وأن الشِّرْك في المُشاع لا يكفي للانتفاع الذي جنح إليه البخاريُّ هو الثاني، ويترجم عليه في ((أواخر الذبائح)) لا ((الأضاحي)) فقال: ((باب إذا أصاب قومٌ غنيمةً فذبح بعضُهم غَنَمًا، أو إبلا بغير أَمْر أصحابِه لم تؤكل، حديث رافع))، اهـ. وعارضه في (الفتح)) بحديث الشاةِ التي ذَبَحَتْها المرأةُ بغيرِ إذْنِ صاحبها. فقال النبيُّ وَِّ: ((اطْعِمُوها الأُسَارى)) والظاهر أنَّه لِمعنى النهبة، كما عند أبي داود في حديثٍ آخَر، فراجع ((الفتح)) وإذا كان كذلك دَلَّ على أن المُشاع لا يخلص، وإليه ذهب أبو حنيفة، ثُم راجع هل كانت القسمةُ في غنيمة هوازن، وقعت تَفصِيلًا أم لا؟ ويلائمه السؤال عن الغُرماء، وإلَّا لتبيَّن طيب كلٌّ بإِرساله السَّبي، والله أعلم. [كخيبر] فيما يَظْهر، ويحتمل أن يكونَ القَسْمُ الثابت في الرواياتِ قَسْم أموالٍ، وأم في السَّبي فقليلٌ، على شاكلة التنفيل، وراجع ما عند البخاري من باب ما كان النبيُّ وَلِّ يُعطي (١) هذه قطعة تتعلق بهذا الباب منقولة من مذكرة الشيخ إمام العصر رحمه الله بقلمه ولفظه، أدرجها فضيلة الأستاذ الجامع، ونحن نقدم له شكراً جزيلاً على أمثال ذلك، فإن فيها فوائد سامية. ووجدت في موضعين عبارة مكتوبة بالهامش، فأدرجتها فيما خلته ملائماً، وعلامة ذلك جعلها بين الخطين هكذا: []، فليتنبه. [البنوري عفا الله عنه]. ٦٢ كتاب الهبة المؤلفةَ قلوبُهم وغيرهم من الخمس، ونحوه أن جاريتي كانتا من الخمس، فراجع ((الفتح)) (كنز). ثُم طرد الحنفيةُ حُكْم المُشاع فيما إذا دفع الشيء إلى رجل واحد بجهتين، كأداء دَيْنٍ في بعض، والهِبة في بعض؛ وكان الزَّعم أن يكون كهِبة نَخْلٍ في أرضٍ لَمْن الأَرْضُ له ((راجع)) الأمِ و(فتاوى)) ابن تيمية وقول البخاري: ((باب مَن رأى الهِبة الغائبة جائزة)) يريدُ به - والله أعلم - أنَّ الهبةَ في قصة هَوازِن وقعت غائبةً عن الموهوبِ لهم، وهم كُلُّ مَنْ أرسل الوفد، وإنْ وقع الخطاب مع الوفد؛ ولا يريدُ في هذه الترجمة مسألةً المُشاع، كما قرره الشارحون: يَطِيب الأكلُ فيها، مع فساد مضاربةٌ، مزارعةٌ، وأَجْر أزال الشَّرْطِ، يرجع للسراد وفي التأجيل من بيعٍ إذا ما يَصِحًا لا يَطيب، فبالرشاد وأما البيع، و .... فما لم على حُكْم الدِّيانةِ في العباد وفي المَكْرُوه أوجب فَسْخ بَيْعِ وراجع ((الدر المختار)) في المهر للتصرفات الفاسدة؛ وراجع ما عند أبي داود و((المراسيل)). وأخذ شتى من ((الدر)) رواية في معنى قَفِيز الطحان، فيما أرى - والله أعلم - في ((الكنز))، وفي - ضمان الأَجِير المشترك. وما ذكره البخاريُّ من جواز الهِبة الغَيْرِ المقسومةِ، لم يأتِ فيه بدليلٍ، فوجه حديث هوازن - قد مرَّ - وأنه غيرُ مُشاع، نَعم يُشْكِلَ تخريجُهُ على الأصول، فإِنَّ ظاهِرَهَ تَرْكُ السَّبي بعد ثبوت المِلْك، والمَنّ عليهم لا إعتاقهم، كما عند البخاري من الخُمْس من رسول الله بََّ على السَّبي، ثُم وجدت عنده: في عِثْقِ سَبْي هوازن، فراجع ((الفتح))، اللهم إلا أن يكون التقسيمُ على العِرافةِ، والرايات لا تفصيلًا، وأما حديثُ جابر، فكانت الزيادةُ مُنفصلةً لا تفارق قرابه. وراجع ما ذكره الحافظ عن المُحِبِّ الطبري مِنْ وَزْن الدَّراهم لا عدِّها؛ وما أخرجه البخاري في (باب إذا وَكَّل رجلٌ رجُلا أن يُعْطي شيئًا، ولم يُبَيِّن كم يُعطي، فأعطى على ما يتعارَفُه الناس)). وجعل في ((الجوهر النقي)) هذا زيادة في الثمن لاهِبة: أخرجه هو، الخ. وقال وهوالرعية الجهني: أما ما أدْرَكْت من مالِك بِعَيْنه قَبْل أن يُقْسم، فَأَنْت أَحَقُّ به، ـ حم عب - (كنز))؛ وعن جماعةٍ من السَّلف فيما غَنِمِ المسلمون ما كان الكفارُ غَنِموه منهم، وقُسِم بين المسلمين يأخذُه المالِكُ الأَضْليُّ بالثمن، راجع التخريج، وفي ((الموطأ)) في غير فرس لابن عَمْرو، أو خالد عليه، وذلك قبل أن يصيبهما المقاسم، اهـ. وراجع (الفتح)). ثمُ إنَّ الذي يَظْهر أن أَحْكَامَ الحنفيةِ في المُشاع إنما هي عند ((المنازعة - كما في ضابطة لفظه: كل من (رد المحتار)) - أوائل البيع -، ومسألة تسبيب الدابة من الحج، وإلقاء شيء من اللَّقطة - لا عند السماحةِ، وهو التوفيق في إفادة قبض المِلْك في المُشاع، على خلاف فيه، وإنما يَظْهَرُ عند الخصومة؛ وراجع ما ذكروا في الفَرْق بين التمليك والإِباحة، وحرر في ((رد المحتار)) في آخِرِ الشَّركة: أن المُنْفِقِ على دارٍ يمكِنُ قسْمَتُها مُتبرِّعٌ؛ وكذا في ((الدر المختار)) من شتى الوصايا، ومِثْلُه ما ذكره في البيع، بِشَرْطِ جَرى العُرْف به، ولعلَّه الوَجْه فيما ذكره في ((رد المحتار)) في الشَّرْطه الفاسد، إذا ذُكِر بعد العقد، وراجع ((السَّعاية)) في التيمم للإِباحة، والتمليك، ٦٣ كتاب الهبة لكن هناك أن الهِبة للجميع لا تتضمَّن إباحةَ الماء كلَّه لواحدٍ، ولا يضرنا. ٢٥ - بابُ مَنْ أُهْدِيَ لَهُ هَدِيَّةٌ وَعِنْدَهُ جُلَسَاؤُهُ، فَهُوَ أَحَقُّ وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ جُلَسَاءَهُ شُرَكَاؤُهُ، وَلَمْ يَصِحَّ. ٢٦٠٩ - حدّثنا ابْنُ مُقَاتِلٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَة بْنِ كُهَيلٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ أَنَّهُ أَخَذَ سِنَّا، فَجَاءَ صَّاحِبُهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالُوا لَهُ، فَقَالَ: ((إِنَّ لِصَاحِبِ الحقِّ مَقَالًا)). ثُمَّ قَضَاهُ أَفضَلَ مِنْ سِنِّهِ، وَقالَ: ((أَفْضَلُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً)). [طرفه في: ٢٣٠٥]. ٢٦١٠ - حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَينَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ كانَ مَعَ النَّبِيِّ وَّةِ فِي سَفَرٍ، فَكَانَ عَلَى بَكْرٍ صَغْبٍ لِعُمَّرَ، فَكَانَ يَتَقَدَّمُ النَّبِيَّ نَّهِ، فَيَقُولُ أَبُوهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَا يَتَقَّدَّمُ النَّبِيَّنَّ أَحَدٌ. فَقَالَّ لَهُ النَّبِيُّ ◌َيُّ: (بِعْنِيهِ)). فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ لَكَ، فَاشْتَرَاهُ، ثُمَّ قالَ: ((هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ، فَاصْنَعْ بِهِ ما شِئْتَ)). [طرفه في: ٢١١٥]. وقد مرَّت فيه قصةُ أبي يوسف: وحاصله أن الهدية مِلْك للمُهْدى له، ولكنه يشرك جُلساءه مروءةً، كما في الحديث الآتي، أن النبيَّ ◌َّه قال لعبد الله: هو لك يا عبدَ الله، فكان هدية له)) ولم يشرك فيها عبدُ الله بن عمَر أحدًا. قوله: (ثم قضاه أفضل من سنه) وتمسك به المصنف، بأن الزيادة التي أعطاها النبي وَل ثبتت في ملكه كذلك، هدايا المجلس تكون ملكاً للمهدى إليه. ٢٦ - بابٌ إِذَا وَهَبَ بَعِيرًا لِرَجُلٍ وَهُوَ رَاكِبُهُ فَهُوَ جائِزٌ ٢٦١١ - وَقالَ الحُمَيدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّنَّهَ فِي سَفَرٍ، وَكُنْتُ عَلَىٍ بَكْرٍ صَعْبٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهُ لِعُمَرَ: (بِعْنِيهِ)). فَابْتَاعَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: (هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ)). [طرفه في: ٢١١٥]. عاد المصنِّفُ ثانيًا إلى أن قَبْضَ الأمانة، هل يُغْني عن قَبْض الهِبة أم لا؟ فراجع تفصيله في الفقه . ٢٧ - بابُ هَدِيَّةٍ ما يُكْرَهُ لُبْسُهَا ٢٦١٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: رَأَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ حُلَّةٌ سِيَرَاءَ عِنْدَ بَّبِ المَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اشْتَرَيتَهَا فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَلِلوَفِدِ، قالَ: ((إِنَّمَا يَلْبَسُهَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ في الآخِرَةِ)). ثُمَّ جاءَتْ حُلَلٌ، فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِنَّةِ عُمَرَ مِنْهَا حُلَّةً، وَقالَ: أَكَسَوْتَنِيهَا، ٦٤ كتاب الهبة وَقُلتَ في حُلَّةِ عُطَارِدٍ ما قُلتَ؟ فَقَالَ: ((إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا)). فَكَسَا عُمَرُ أَخَا لَهُ بِمَكَّةً مُشْرِكًا. [طرفه في: ٨٨٦]. ٢٦١٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ أَبُو جَعْفٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيلٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ نَافِع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: أَتَى النَّبِيَُّ نَّهِ بَيتَ فاطِمَةَ بنْتُهُ فَلَمْ يَدْخُل عَلَيهَاً، وَجَاءَ عَلِيٍّ فَذَكَرَتْ لَهُ ذلِكَ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ وَ قَالَ: ((إِنِّي رَأَيْتُ عَلَى بَابِهَا سِتْرًا مَوْشِيًّا)). فَقَالَ: ((مَا لِي وَلِلدُّنْيا)). فَأَتَاهَا عَلِيٍّ فَذَكَرِ ذلِكَ لَهَا، فَقَالَتْ: لِيَأْمُرْنِي فِيهِ بِمَا شَاءَ، قالَ: نُرْسِلُ بِهِ إِلَى فُلَانٍ، أَهْلِ بَيْتٍ بِهِمْ حَاجَةٌ. ٢٦١٤ - حدّثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَيسَرَةَ قالَ: سَمِعْتُ زَيدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: أَهْدَّى إِلَيَّ النَّبِيُّ ◌َِّ حُلَّةً سِيَرَاءَ، فَلَبِسْتُهَا، فَرَأَيتُ الغَّضَبَ في وَجْهِهِ، فَشَقَقْتُهَا بَيْنَ نِسَائِي. [الحديث ٢٦١٤ - طرفاه في: ٥٣٦٦، ٥٨٤٠]. واعلم أن التمليكَ والثَّملُّك يَعْتمد على كَوْن الشيء مُتقومًا، لا على جواز الاستعمال وعدمه، وإنما يراعيه مَنْ يقبله. ٢٦١٣ - قوله: (تُرْسِل به إلى فُلانٍ، أَهُل بيتٍ بهم حاجةٌ) ... الخ، أي لِيفعلُوا فيه ما شاؤوا، فيخرجوا له طريق استعماله، حَسَب ما يليقُ بهم من البيع أو غيره. ٢٨ - بابُ قَبُولِ الهَدِيَّةِ مِنَ المُشْرِكِينَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّّ: ((هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِسَارَةَ، فَدَخَلَ قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ أَوْ جَبَّارٌ، فَقَالَ: أَعْطُوهَا آجَرَ)). وَأُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ◌َِّ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ. وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: أَهْدَى مَلِكُ أَيلَةَ لِلنَّبِّ وَّهِ بَغْلَةً بَيضَاءَ، وَكَسَاهُ بُرْدًا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِبَحْرِهِمْ. ٢٦١٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ وَّ جُبَّةُ سُنْدُسٍ، وَكَانَ يَنْهِى عَنِ الحَرِيرِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ: ((وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ في الجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هذا)). [الحديث ٢٦١٥ - طرفاه في: ٢٦١٦، ٣٢٤٨]. ٢٦١٦ - وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: إِنَّ أُكَيدِرَ دُومَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ وَلٍِّ. [طرفه في: ٢٦١٥]. ٢٦١٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتِ النَّبِيَّ ◌َّهُ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا، فَقِيلَ: أَلَّا نَقْتُلُهَا؟ قالَ: ((لَا)). فَما زِلتُ أَعْرِفُهَا في لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ مَِّ. ٦٥ كتاب الهبة ٢٦١٨ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عُثْمانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ نَّهِ ثَلَاثِينَ ومِائَّةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((هَلَّ مَعَ أَحَدٍ مِنْكُمْ طَعَامٌ؟)). فَإِذَا مَعَ رَجُلٍ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نَحْوُهُ، فَعُجِنَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ، مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ، بِغَنَمْ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ( بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً؟))، أَوْ قالَ: ((أَمْ هِبَةً؟)). قالَ: لَا، بَلَ بَيْعٌ، فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً، فَصُنِعَتْ، وَأَمَرَ النَّبِيُّ ◌َ بِسَوَادٍ البَظْنِ أَنْ يُشْوَى، وَايُ اللَّهِ، مَا فِي الثَّلَاثِينَ والِمِائَةِ إِلَّ وقَدْ حَزَّ النَّبِيُّ وَِّ لَهُ حُزَّةً مِنْ سَوَادٍ بَطْنِهَا، إِنْ كانَ شَاهِدًا أَعْطَاهَا إِيَّاهُ، وَإِنْ كانَ غائِبًا خَبَأَ لَهُ، فَجَعَلَ مِنْهَا قَصْعَتَينِ، فَأَكَلُوا أَجْمَعُونَ وَشَبِعْنَا، فَفَضَلَتِ القَصْعَتَانِ، فَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْبَعِيرِ، أَوْ كما قالَ. [طرفه في: ٢٢١٦]. ٢٦١٧ - قوله: (لَهِواتِ رَسُول الله مَّةٍ) ... الخ. وهو من باب قوله: إذا أنه عبد القفا واللهازم وكنت أرى زيدًا - كما قيل سيدًا وقد ذكر الشاه عبد القادر في سرِّ الشهادتين أنَّ الشهادة(١) الظاهرة لما لمْ تَقدَّر له، المصالحَ يعْلَمُها الله، قُدِّرت له الشهادةُ المعنويةُ. ٢٩ - بابُ الهَدِيَّةِ لِلمُشْرِكِينَ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَّا يَنْهَكُ اَللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوَكُمْ فِ اُلِّينِ وَلَمْ يُخْرِ جُوكُمْ مِّن دِيَزِّكُمْ أَنْ (١) يقول العبد الضعيف: ولعل ذلك لأن القتل لا يليق بالخاتم، وكان عيسى عليه الصلاة والسلام خاتم أنبياء بني إسرائيل، فلم يقتل، وسيموت حتف أنفه بعد ما ينزل إلى الأرض، ويدفن، وكان النبي و لير خاتماً على الإطلاق، فلم تناسب به الشهادة الظاهرية، لأن الخاتمية تقتضي التمامية، والكمال، كما أوضحه بتشبيه اللبنة، والقتل يؤذن بنوع من البتر، والنقصان، فيتناقضان، ولذا قال تعالى: ﴿يَعِيسَىّ إِّ مُتَوَفِيكَ﴾ حين أرادوا أن يقتلوه، أو يصلبوه، فمكروا به، وأرادوا بتر سلسلة بني إسرائيل، ومكر الله، وأراد أن يوفيها، كأني أريد أنه استعمل لفظ التوفي، إيذاناً، بأنه سيستوفي عمره، ويتوفى بأجله، ولا يقتل بأيديهم، وهو الذي يليق إيذانه عند مكر اليهود، فلم يقدروا، وأخذلهم، إلا على قول القتل، وخابوا وخسروا، قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَثَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أي لم يوجد منهم غير قول القتل، واستحقوا على ذلك اللعن، إما القتل، أو شيء من مبادئه ما يكون من جنس الأفعال، فلم يوجد منه شيء، كيف! ولو تحقق لكان أولى بالذكر، عند سرد موجبات اللعن، ألا ترى أن الله تعالى لما أراد ذكر شناعتهم، عدد جملة ما صدر عنهم من موجبات اللعن، فكيف يمكن أن يذكر الأخف، ويسكت عن الأشد لو صدر منهم. ثم إن قوله تعالى: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَآءُ بِغَيْرِ حَقٍ﴾ يدل على أن تلك السنة، وإن جرت على من قبله من الرسل، إلا أنه لا يليق بالخاتم، خاتم بني إسرائيل، ولذا اشتد عليهم غضب الله، وقام في نحورهم مكر الله، فرفعه إلى السماء، كما قال: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ وتواترت به الأحاديث تواتراً يفوق على عدد سائر التواتر، والأحاديث فيه تزيد على السبعين، جمعها الشيخ في صورة رسالة إرغاماً للطائفة الملعونة القاديانية، ومن ههنا تبين السر في نزوله بخصوصه، دون سائر الرسل، وهو أنه خاتم، فناسب نزوله تحت خاتم على الإطلاق، وسنوضحه إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم. ٦٦ كتاب الهبة * [الممتحنة: ٨]. ٨ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُ الْمُقْسِطِينَ ٢٦١٩ - حدّثنا خالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ: حَدَّثَنَا سُلَيمانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: رَأَى عُمَرُ حُلَّةً عَلَّى رَجُلِ تُبَاعُ، فَقَالَ لِلنَِّيِّ ◌َّ: ابْتَعْ هذهِ اَلحلَّةَ تَلْبِسْهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَإِذَا جاءَكَ الوَفْدُ. فَقَالَ: ((إِنَّمَا يَلْبَسُ هذا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ». فَأَتِيَ رَسُولُ اللّهِ بَ ◌َّ مِنْهَا بِحُلَلٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ مِنْهَا بِحُلَّةٍ، فَقَالَ عُمَرُ: كَيفَ أَلَبَسُهَا وَقَدْ قُلتَّ فِيهَا ما قُلتَ؟ قالَ: (إِنِّيّ لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلَبَسَهَا، تَبِيعُهَا أَوْ تَكْسُوهَا)). فَأَرْسَلَ بِهَا عُمَرُ إِلى أَخِ لَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ. [طرفه في: ٨٨٦]. ٢٦٢٠ - حدّثنا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهْيَ مُّشْرِكَةٌ، في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، فَاسْتَفْتَبِتُ رَسُولَ اللَّهِ وََّ، قُلتُ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قالَ: ((نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ)). [الحديث ٢٦٢٠ - أطرافه في: ٣١٨٣، ٥٩٧٨، ٥٩٧٩]. وهي جائزةٌ، كما في ((السَّير الكبير))، إلا ما أعدَّ للحَرْب في أوانِ الحَرْب. ٣٠ - بابٌ لاَ يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَرْجِعَ في هِبَتِهِ وَصَدَقَتِهِ ٢٦٢١ - حدّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ وَشُعْبَةُ قالا: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ لَهَ: ((العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كالْعَائِدِ في قَيْئِهِ)). [طرفه في: ٢٥٨٩]. ٢٦٢٢ - حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ المُبَارَكِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ ◌ِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: ((لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الَّذِي يَعُودُ في هِبَتِهِ، كَالكَلبِ يَرْجِعُ في قَيْئِهِ)). [طرفه في: ٢٥٨٩]. ٢٦٢٣ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ قَزَعَةَ: حَدَّثَنَا مالِكٌ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: حَمَلتُ عَلَى فَرَسٍ فيَ سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ بَائِعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذلِكَ النَّبِيَّ ◌ََِّه فَقَالَ: ((لَا تَشْتَرِهِ وَإِنْ أَعْطَاكَّهُ بِدِرْهَمْ وَاحِدٍ، فَإِنَّ العَائِدَ فِيَ صَدَقَتِهِ كَالكَلبٍ يَعُودُ فِي قَيِهِ». [طرفه في: ١٤٩٠]. ٣١ - بابٌ ٢٦٢٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسى: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ: أَنَّ ابْنَ جُرَيج أَخْبَرَهُمْ قالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيكَةَ: أَنَّ بَنِي صُهَيبٍ مَوْلَى ابْنِّ جُدْعانَ، ادَّعَوْا بَيْتَينٍ وَحُجْرَةٌ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ أَغْطَى ذلِكَ صُهَيْبًا، فَقَالَ مَزْوَانُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكُمَا ٦٧ كتاب الهبة عَلَى ذلِكَ؟ قالُوا: ابْنُ عُمَرَ، فَدَعاهُ، فَشَهِدَ لأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ صُهَيْبًا بَيْتَينِ وَحُجْرَةً، فَقَضى مَرْوَانُ بِشَهَادَتِهِ لَهُمْ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ(١) ٣٢ - بابَُ ما قِيلَ في العُمْرَىَ وَالرُّقْبَى أَعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهِيَ عُمْرَى: جَعَلْتُهَا لَهُ. ﴿وَاسْتَعْمَرَّكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]: جَعَلَكُمْ عُمَّارًا . (١) قال القاضي أبو المحاسن في ((المعتصر)): وروي عن جابر عن النبي ◌َ الر، قال: لا تعمروا ولا ترقبوا، فمن أعمر شيئاً، أو أرقبه فهو للوارث إذا مات، وعن ابن عمر مرفوعاً: لا عمرى، ولا رقبى، فمن أعمر شيئاً، أو أرقبه فهو له حياته ومماته، وعنه نهى رسول الله ◌َ لا عن الرقبى، وقال: من أرقب رقبى، فهي له فيه، إن الرقبى تكون لمن أرقبها. وإن الشرط باطل لا معنى له، والمسألة مختلف فيها، فقال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن: هي قول الرجل للرجل: قد جعلت داري هذه رقبى لك، إن مت قبلي، فهي لي، وإن مت قبلك، فهي لك، وهي كالعارية عندهما، وذكر عبد الرحمن بن القاسم جواباً لأسد، لما سأله عن قوله مالك إن مالكاً لم يعرفها، ففسرها بالتفسير المذكور، فقال: لا خير فيها، والذي ذكرناه عنهما عن مالك ليس بصحيح عندنا، لأنه كان ينبغي لهم أن يجروها مجرى الوصية للمرقب، لأن الوصية كذلك تكون: وقد حكى القاضي أبو الوليد أن مذهب مالك، وأصحابه أنها معتبرة من الثلث، وفي ((المدونة)) على خلاف هذا التفسير، لذلك قال: لا خير فيها، وقالت طائفة، منهم: الثوري، وأبو يوسف، والشافعي: هي أن يقول: قد ملكتك داري هذه، على أن نتراقب فيها، فإن مت قبلي رجعت إلى، وإن مت قبلك سلمت لك، فيكون التراقب حينئذٍ في الرجوع إلى صاحبها، أو الذي أرقبها، لا في نفس التمليك، فتكون للمرقب غير راجعة إلى المرقب في حال، وهذا أولى القولين، عندنا: ص ٢٥٦ (م)، وفي شرح ((الوقاية)) ص٢٨٨، وجازت العمرى للمعمر له، حال حياته، ولورثته بعده، وهي جعل داره له مدة عمره، فإذا مات ترد عليه، أي العمرى جعل الدار له مدة عمره، مع شرط أن المعمر له إذا مات ترد على الواهب، وهذا الشرط باطل، كما جاء به الحديث، وبطل الرقبى، وهي إن مت قبلك فهو لك، والرقبى - اسم من الرقوب - هو الانتظار، فكأنه ينتظر إلى أن يموت المالك، وهي باطلة عند أبي حنيفة، ومحمد، لأنه تعليق التمليك بخطر، وعند أبي يوسف تصح، لأنه قوله: داري لك رقبى، أي داري لك، وأنا أنتظر موتك لتعود إلي، فتصح، ويبطل الشرط، كالعمرى، فالاختلاف مبني على تفسيرها، قال المحشي: اعلم أن في تفسير الرقبى اختلاف، واختلاف، التفسير يرجع إلى الاختلاف في الحكم، فقال أبو حنيفة: الرقبى، أي داري لك حال حياتك، وأما بعد موتك فهي لي، باطلة لما رواه ابن ماجة، قال رسول الله ◌َاليه: لا رقبى، فمن أرقب شيئاً فهو له حياته ومماته، وزعم أبو يوسف أنه كعمرى، تفسيراً وحكماً، وله حديث رواه ابن ماجة، قال رسول الله له: العمرى جائزة لمن أعمرها، والرقبى جائزة لمن أرقبها، ففي الحقيقة لا اختلاف، أي باعتبار تفسيره، وفي الظاهر اختلاف، أي باعتبار لفظه. وفي حاشية ((الكنز)) اعلم أن الخلاف بينهما، وبين أبي يوسف لفظي، فقول أبي يوسف: تجوز الرقبى بناء على أنها تمليك للحال، واشتراط الاسترداد بعده عدة، وقولهما بعدم صحة الرقبى بناء على أن التمليك مضاف إلى زمان، فلا يصح لعدم التمليك، كذا في ((الدر)) فحاصلة أنه متى وجد التمليك في الحال، واشترط الرد في المآل يجوز بالإجماع لما بينها، أن الهبة لا تبطل بالشرط، بل الشرط يبطل، ومتى كان التمليك مضافاً إلى زمان في المستقبل، لا يجوز بالإجماع، فكان الخلاف مبنياً على تفسير الرقبى، فمن قال: إنه تمليك في الحال أجازه، ومن قال: إنه مضاف لم يجزه: وبالجملة قد ورد في ((العمرى، والرقبى)) أخبار كثيرة بعضها بالمنع، وبعضها بالجواز، وبالحمل على ما حملناه يحصل التوفيق، كذا في ((الزيلعي)) اهـ. ٦٨ كتاب الهبة ٢٦٢٥ - حدّثنا أَبُو نُعَيم: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَضى النَّبِيُّ ◌ََّ بِالعُمْرَى، أَنَّهَا لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ. ٢٦٢٦ - حدّثنا حَفصُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قالَ: حَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ قالَ: ((العُمْرَى جائِزَةٌ). وَقَالَ عَطَاءٌ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّّرَ: نَحْوَهُ. واعلم أنهم اختلفوا في قوله: دَارِي لك عُمري، هل يُفيدُ تمليك المنفعة. أم تمليكَ العَيْن؟ والمشهورُ عندنا أن العمْرى هِبةٌ، أما الرُّقبى، فينتظِرُ أحدُهما موتَ الآخر، ولا تكون هبة بالفعل، وهذا الذي يُستفاد من الأحاديث أن العُمْرى قويةٌ، والرُّقبى ضعيفةٌ، والسِّرُّ في انتشارِ الروايات من هذا الباب، أنَّ النَّاوي إنْ نوى به الارتقابَ فهو عارِيَّة. ثم هي أيضًا على خَطَر؛ وإنْ نوى به الرَّقبةَ بمعنى المِلْك، فهو هبةٌ، وراجع اختلافَ الرواياتِ فيه من ((كتاب النسائي)) وتفاصيل الفقهاء في ((شرح الوقاية)). والجوابُ عن أحاديث الخُصُوم عندي أنه كان ذلك في العرْف في عهد النبيِّ وَّرَ، ولعله تَغَيَّر في عهد أبي حنيفة، والشيء إذا كان مبنيًا على العُرْف يتبدَّل حُكْمِه بتبدُّلِ الْعُرْف لا محالة. ٣٣ - بابُ مَنِ اسْتَعَارَ مِنَ النَّاسِ الفَرَسَ ٢٦٢٧ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كانَ فَزَعٌ بِالمَدِينَةِ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ ◌ََّ فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلحَةَ يُقَالُ لَهُ المَنْدُوبُ فَرَكِبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ قالَ: ((ما رَأَيْنا مِنْ شَيءٍ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْرًا)). [الحديث ٢٦٢٧ - أطرافه في: ٢٨٢٠، ٢٨٥٧، ٢٨٦٢، ٢٨٦٦، ٢٨٦٧، ٢٩٠٨، ٢٩٦٨، ٢٩٦٩، ٣٠٤٠، ٦٠٣٣، ٦٢١٢]. لما فَرَغَ المصنِّفُ من باب الهِبة وملحقاتِهِ، دخل في باب العارِيَّة لكونها تمليكًا للمنافع. كما أن الهِبةَ تمليكٌ للعين؛ وإنما أدخله في تضاعيف أبواب الهبة، لأنه أرادَ من الهبةِ اللغوية، سواء كانت للمنافع أو الأعيان. قوله: (وإن وجدناه) وکان کذلك فيما بعد. ٣٤ - بابُ الاسْتِعَارَةِ لِلعَرُوسِ عِنْدَ البِنَاءِ ٢٦٢٨ - حدّثنا أَبُو نُعَيم: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ قالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قالَ: دَخَلتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَعَلَيْهَا دِرْعُ قِظْرٍ، ثَمَنُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، فَقَالَتِ: ارْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى جَارِيَتِي انْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهَا تُزْهِى أَنْ تَلَبَسَهُ فَيِ البَيتِ، وَقَدْ كَانَ لِي مِنْهُنَّ دِرْعٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَّةَ، فَمَا كانَتِ امْرَأَةٌ تُقَيَّنُ بِالمَدِينَةِ إِلَّا أَرْسَلَتْ إِلَيَّ تَسْتَعِيرُهُ. وهذا مِن مراسمِ النَّاس، أَنَّ المُفْلِسين منهم يستعيرُونَ الأشياء للعَرُوس، إذ لا يَقْدرون على أن يَشْتَرَوْها من أموالهم. ٦٩ كتاب الهبة ٢٦٢٨ - قوله: (تُقَيَّنُ) (دولهن ينائي جاتی تھی). قوله: (تُزْهى) ((اتراتی هی)). ٣٥ - باب فَضْلِ المَنِيحَةِ ٢٦٢٩ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا مالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِرَقالَ: ((نِعْمَ المَنِيحَةُ اللِّقْحَةُ الصَّفِيُّ مِنْحَّةٌ، وَالشّاةُ الصَّفِيُّ، تَغْدُو بِإِنَاءٍ وَتَرُوحُ بِإِنَاءٍ)). حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَإِسْمَاعِيلُ، عَنْ مالِكِ قالَ: ((نِعْمَ الصَّدَقَّةُ ... )). [الحديث ٢٦٢٩ - طرفه في: ٥٦٠٨]. ٢٦٣٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنٍ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُّونَ المَدِينَةَ مِنْ مَّةَ، وَلَيسَ بِأَيْدِيهِمْ، يَعْنِي شَيْئًا، وَكَانَتِ الأَنْصَارُ أَهْلَ الأَرْضِ وَالعَقَارِ، فَقَاسَمَهُمُ الأَنْصَارُ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ ثِمَارَ أَمْوَالِهِمْ كُلَّ عام، وَيَكْفُوهُمُ العَمَلَ وَاَلمَؤُونَةَ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمُّ أَنَسِ أُمُّ سُلَيم، كانَتْ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلِحَّةَ، فَكَانَتْ أَعْطَتْ أُمُّ أَنَسِ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَعِذَاقَاً، فَأَعْطَاهُنَّ النَّبِيُّ ◌ََّ أُمَّ أَيمَنَ مَوْلَاتَهُ أُمَّ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ. قالَ ابْنُ شِهَّابٍ: فَأَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ نََّ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قَتْلِ أَهْلٍ خَيْبَرَ، فَانْصَرَفَ إِلَى المَدِينَّةِ، رَدَّ المُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمُ الَّتِي كانُوا مَنَحُوَهُمْ مِنْ ثِمَارِهِمْ، فَرَدَّ النَّبِيُّ وَّهَ إِلَى أُمِّهِ عِذَاقَهَا، وَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ وََّ أُمَّ أَيمَنَ مَكانَهُنَّ مِنْ حَائِطِهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ: أَخْبَرَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ: بِهِذا، وَقالَ: مَكَانَهُنَّ مِنْ خالِصِهِ. [الحديث ٢٦٣٠ - أطرافه في: ٣١٢٨، ٤٠٣٠، ٤١٢٠]. ٢٦٣١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا عِيسى بْنُ يُونُسَ قالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، عَن أَبِي كَبْشَةَ السَّلُولِيِّ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((أَرْبَعُونَ خَصْلَةٌ، أَعْلَاهُنَّ مَنِيحَةُ العَنْزِ، مَا مِنْ عامِلِ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجاءَ ثَوَابِهَا، وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا، إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهَا الَجَنَّةَ)). قالَ حَسِّانُ: فَعَدَدْنَا مَا دُونَ مَنِيحَةِ العَنْزِ، مِنْ رَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَإِماطَةِ الأَذى عَنِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ، فَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةٌ. ٢٦٣٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءٌ، عَنْ جابِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَتْ لِرِجَالٍ مِنَّا فُضُولُ أَرَضِينَ، فَقَالُوا: نُؤَاجِرُهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعّ وَالنِّصْفِ، فَقَالَ النَّبِيُّ وََّ: (مَنْ كانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلَيَزْرَغْهَا، أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبِىّ فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ)). [طرفه في: ٢٣٤٠]. ٢٦٣٣ - وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ: حَدَّثَني الزُّهْرِيُّ: حَدَّثَني ٧٠ كتاب الهبة عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ قالَ: جاءَ أَعْرَابِيٍّ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ فَسَأَلَهُ عَنِ الهِجْرَةِ، فَقَالَ: ((وَيَحَكَ إِنَّ الهِجْرَةَ شَأْنُهَا شَدِيدٌ، فَهَل لَكَ مِنْ إِيلٍ؟)) قالَ: نَعَمْ، قالَ: ((فَتُعْطِي صَدَقَتَهَا؟)) قالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((فَهَل تَمْنحُ مِنْهَا شَيئًا؟)) قَالَ: نَعَمْ، قالَ: ((فَتَحْلُبُهَا يَوْمَ وِزْدِهَا؟)) قالَ: نَعَمْ، قالَ: ((فَاعْمَل مِنْ وَرَاءِ البِحَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ لْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا)). [طرفه في: ١٤٥٢]. ٢٦٣٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ: حَدَّثَنَا أَيُّوبٍُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسِ قالَ: حَدَّثَنِي أَعْلَمُهُمْ بِذَاكَ - يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّ خَرَجَ إِلَى أَرْضِ تَهْتَزُّ زَرْعًا، فَقَالَ: ((لِمَنْ هذهِ؟)) فَقَالُوا: اكْتَرَاهَا فُلَانٌ، فَقَالَ: ((أَمَا إِنَّهُ لَوْ مَنَحَهَا إِيَّاهُ، كانٌّ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيهَا أَجْرًا مَعْلُومًا)). [طرفه في: ٢٣٣٠]. وقد مرَّ أن للهبة أسماء عند أصحاب اللغة، فهبة الحيوان الحلوب ليشرب من لبنه، تسمى منحة، كما أن هبة الأشجار تسمى عرية. ٢٩٢٩ - قوله: (نِعِم المَنِيحةُ اللِّقْحة الصَّفِيُّ مِنْحَةً) ... الخ. ((فنِعْم)) من أفعال المَدْح، ((والمنيحة)) فاعِلُه، و((اللِّقْحة)) مخصوصٌ بالمدح، ومنحةً تمييزُ له، واللام على المِنْحة للجنس دون الاستغراق، كما اختاره الأَشْمُوني، ثُم إنَّ النّحاةَ تحيَّروا في مفاد قوله: نِعْم الرجلُ زيدٌ، فإِنَّه لا يظهَرُ للتخصيص بَعْد التعميم لهُهنا معنىَ، ويُتوهَّم أنه إْنابُ، قلت: ومحَصَّله عندي أن زيدًا رجلٌ حَسَنٌ من جِنْس الرجال، فاللام فيه للجِنْس، ومَنْ جعلها للاستغراق فقد غَلِط . ٢٦٣١ - قوله: (فما اسْتَطَعْنا أَنْ نَبْلُغَ خَمْسَ عشرة خَصْلَةً) أي كانت تلك الخصالُ أَربعينَ، فَجَعلْنا، نُعدِّدها فلم نستطع أن تعدِّدها إلا بهذا القَدْر، وقد ذكرها أربابُ الشُّروح بتمامِها . ٢٦٣٢ - قوله: (فُضُوُلُ أَرَضِين) "بجى هوئی زمينين" . ٣٦ - بابٌ إِذَا قالَ: أَخْدَمْتُكَ هذهِ الجَارِيَةَ، عَلَى مَا يَتَعَارَفُ النَّاسُ، فَهُوَ جَائِزٌ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هذهِ عاريةٌ، وَإِن قالَ: كَسَوْتُكَ هذا الثَّوْبَ، فَهَذِهِ هِبَّةٌ. ٢٦٣٥ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شعَيبٌ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بِ قالَ: ((هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ، فَأَعْطَّوْهَا آَجْرَ، فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ: أَشَعَرْتَ أَنَّ اللَّهَ كَبَتَ الكافِرَ، وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً؟)) وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ: ((فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ)). [طرفه في: ٢٢١٧]. والظاهر أَنَّ المصنِّف لم يَحْكُم في لفظ الإِخدام بشيء، وتركه على العُرْف، فإِنْ كان عُرْفُهم أنه الهِبةُ، فهو هبةٌ، وإن كان أنه العارِيةُ فعلى ما تعارفوه. قوله (وقال بعضُ الناس: هذه عاريةٌ، وإنْ قال: كَسَوْتُك هذا الثَّوْبَ، فهذه هِبَةٌ) والمُرادُ به ٧١ كتاب الهبة لههنا أبو حنيفة؛ وقد مرَّ أن المصنّف لا يريدُ به الرَّد دائمًا، والأقربُ أنه اختارَ تفصيلَ الإِمام الأعظم، لأنه أيضًا فَوَّضَه إلى العُرْف، ولما كان العرف في لفظ الخدمة. أنه للعارية بخلاف الكُسوة، ظهر وَجْهُ الفَرْق بينهما، ولعلَّ أهلَ العُرْف حملوا الكِسوة على الهبة. لأن الثَّوْب يَبْلَى ويخلق، فلا يكونُ المرادُ من كِسوته إلا الإِعطاءَ، والهِبةَ، وإنما قلنا: إنّه وافقنا في المسألة. لأنه لو أرَادَ الخِلافَ لأَخْرَجَ حديثًا يؤيد مَرَامَه، كما هو دَأبُه، وإنْ سلمناه، فَرُه ضعيفٌ جدًا . لِوُضُوحِ الفَرْق بين اللَّفظين، كما عرفت آنِفًا . ٢٦٣٥ - قوله: (أَخْدَمَ وَلِيدَةً) (١) ولعلّ لَفظ الخدمة في أَصْلِ الوَضْع للعارِيَّة، واستُعْمِل في الحديث للهِبة توسُّعًا، وقد ذكرَه الفقهاءُ أيضًا من ألفاظ العارية والهِبة معًا، وذلك لأجل اختلافٍ العُرْف فيه؛ على أَنَّ كَوْنَ تلك الوليدةِ هبةً لم يُفْهم مِن لَفْظ الإِخدام، بل مِن قوله: «فأَعْطَوها أَجْرًا))، كما ذكره ابنُ بَطَّال، وراجع الحاشية. ٣٧ - بابٌ إِذَا حَمَلَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ، فَهُوَ كالعُمْرَى وَالصَّدَقَةِ وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا . ٢٦٣٦ - حدّثنا الحُمَيدِيُّ: أَخْبَرَنَا سُفيانُ قالَ: سَمِعْتُ مالِكًا يَسْأَلُ زَيدَ بْنَ أَسْلَمَ قالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَمَلتُ عَلَى فَرَسِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَرَأَيْتُهُ يُبَاعُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللّهِ بَ ◌ّهِ، فَقَالَ: ((لَا تَشْتَرِهِ، وَلَا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ)). [طرفه في: ١٤٩٠]. ولا يتعينُ أنه أراد به خلافَ الإِمام الأعظم، بل يمكنُ أن يكونَ على طريقٍ نَقْل إحدى الجائزات، ولذا لم يشددْ في الكلام، وكأنه رآه مُحتمِلًا أيضًا، والله تعالى أعلم بالصواب. (١) قلت: وهاجر لم تكن وليدةً، كما قال مُقاتِل، كانت هاجَرُ عليها السلام مِن ولدٍ هود عليه السلام. قال الضَّحَّاك: كانت بِنْتَ مَلِك مِصْر، وكان ساكنًا بمنف، فغلبه مَلِكٌ آخَرُ، فقتله، وسبى ابنتَهُ، فاسترَّقَّها ووهبها لسارة، ثُمَّ وَهبت سارةَ لإِبراهيم عليه السلام، فواقعها، فولدت إسماعيلَ، ثم حمل إبراهيم عليه الصلاة والسلام إسماعيل عليه الصلاة والسلام، وأُمَّه هاجَرَ إلى مكة، اهـ ((عُمدة القاري)). وإنَّما اعتنيثَ بهذا النقلِ لكونِها من جَدَّاتٍ نبيِّنَا وَّة، وكان خيرَهم نَسَبًا وحسبًا، وقد نَقل الشيخُ فيه تحقيقًا آخَرَ، أجود وأحسنَ. وقد مرَّ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٥٢ - كِتَابُ الشَّهَادَاتِ قال الفقهاء: إنَّ إثباتَ الحقِّ على الغير يُسمَّى دَعْوى، وإثباتَ حقِّ الغيرِ على نَفْسه يُسمَّى إقرارًا، وإثباتَ حقِّ الغير على الغير يُسمَّى شهادةً. ١ - بابُ ما جَاءَ في البَيِّنَةِ عَلَى المُدَّعِي لِقَوْلِهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَنَّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَائِبُ بِالْعَدْلِّ وَلَا يَأْبَ كَاتِبُ أَنْ يَكْثُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئً فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِلْعَدْلَّ وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمٌّ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا اُلْأُخْرَىَّ وَلَا يَأْبَ الثُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلَا تَنَّمُواْ أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ، ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَ أَلَّا تَرْتَابُوَّأَ إِلَّ أَنْ تَكُونَ تِجَرَةَّ حَاضِرَةٌ تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحُ أَلَّا تَكْتُبُوهَاً وَأَشْهِدُوَاْ إِذَا تَايَعْتُمَّ وَلَا يُضَارَ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقُ بِكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ الَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (َ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿﴿ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَقٍ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَفْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّا فَلَ ﴾ [النساء: ١٣٥]. ١٣٥ تَتَّبِعُواْ اُلْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا قد مرَّ أن المصَنِّف وافق فيه أبا حنيفة، فلم يُجعل اليمينَ على المُدَّعِي في صورةٍ، ولكن عليه البينةُ فقط، وأَصْرَح منه ما قاله في المجلد الثاني، كما سيجيء في مَوْضعه، وهو ظاهِرُ القرآنُ، فإِنَّ الله تعالى قال: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَأَمْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولم يذكر للشهادةِ صورةً غيرَهما، وقولُه: ((قضى بشاهد، ويمين))، حكايةُ حالٍ لا عمومَ لها؛ وهو عندي من باب المقاضاةِ، لا مِن باب القضاء، وفَصْل الخُصومات، ونظيرُه عند أبي داود، وسنقرره فيما يأتي إن شاء الله تعالى. ٢ - بابٌ إِذَا عَدَّلَ رَجُلٌ أَحَدًا فَقَالَ: لاَ نَعْلَمُ إِلَّ خَيرًا، أَوْ قالَ: ما عَلِمْتُ إِلاَّ خَيرًا وَسَاقَ حَدِيثَ الإِفِكِ، فَقَّالَ النَّبِيُّ ◌َِّ لِأُسَامَةَ حِينَ اسْتَشَّارَهُ قَالَ: ((أَهْلَكَ، وَلَا نَعْلَمُ إلَّا خَيرًا)». ٧٢ ٧٣ كتاب الشهادات ٢٦٣٧ - حدّثنا حَجَّاجٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيرِيُّ: حَدَّثَنَا ثَوْبَانُ. وَقَالَ اللَّيثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبِيرِ وَابْنُ المُسَيَّبِ وَعَلقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عبدِ اللهِ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، وَبَعْضَ جَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا، حِينَ قالَ لَهَا أَهْلُ الإِفِكِ مَا قَالوا: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَ عَلِيًّا وَأُسَامَةً، حِينَ اسْتَلِبَثَ الوَحْيُ، يَسْتَأْمِرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، فَأَمَّا أُسَامَةُ فَقَالَ: أَهْلُكَ وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيرًا، وَقالَتْ بَرِيرَةُ: إِنْ رَأَيتُ عَلَيهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّها جارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينٍ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ: «مَنْ يَعْذِرُنَا في رَجُلِ بَلَغَنِي أَذَاهُ في أَهْلِ بَيْتِي، فَوَاللَّهِ ما عَلِمْتُ مِنْ أَهْلِي إِلَّا خَيرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيهِ إِلَّا خَيرًا)). [طرفه في: ٢٥٩٣]. أي هل يكفي التعديلُ بهذا القَدْرِ؟ فقال: يُعتبرِ به، ثم التزكيةُ في الفِقه على نَحوْين: التَّزكيةُ سِرًا، وهذه تكون خفيةً، والتَّزكيةُ جَهْرًا، وهذه تكونُ في مَجْلِس القضاء. ٣ - بابُ شَهَادَةِ المُخْتَبِي وَأَجَازَهُ عَمْرُو بْنُ حُرَيثٍ قالَ: وَكَذلِكَ يُفعَلُ بِالكَاذِبِ الفَاجِرِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ: السَّمْعُ شَهَادَةٌ. وَقَالَ الحَسَنُ: يَقُوَّلُ: لَمْ يُشْهِدُونِي عَلَى شَيءٍ، وَإِنِّي سمِعْتُ كَذَا وَكَذَا . ٢٦٣٨ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: قالَ سَالِمٌ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ وَأَبَيُّ بْنُ كَعْبِ الأَنْصَارِيُّ، يَؤُمَّانِ النَّخْلَ الَّتِي فِيهَا ابْنُ صَيَّدٍ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَه ◌َطَفِقَ رَّسُولُ اللَّهِ وَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، وَهُوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ اِبْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، وَابْنُ صَيَّادِ مُضْطَجِعْ عَلَى فِرَاشِهِ في قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْرَمَةٌ، أَوَ زَمْزَمَةٌ، فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادِ النَّبِيَّ ◌َِ وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، فَقَالَتْ لإِبْنِ صَيَّدٍ: أَي صَافِ هذا مُحَمَّدٌ، فَتَنَاهِى ابْنُ صَيَّادٍ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه: (لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ)). [طرفه في: ١٣٥٥]. يعني إذا اختبأ الرجلُ، وَنَظر إلى المشهودِ عليه، وهو لا يَشْعُر به، فهل يُعْتَدُّ بشهادته؟ قوله: (السَّمْعُ شَهادةٌ) يعني إنْ سَمِع كلامَ أحدٍ يجوزُ له أن يَشْهد به، ولا يجب له الإِشهاد أيضًا، كما في الشَّهادةِ على الشهادة، أما الشهادة بالتسامع فهي شيءٌ آخرٌ، ومعناها أنه لم يَسْمع كلامًا، ولم يرَ شيئًا، ولكنه سَمِع النَّاس يقولون شيئًا أفواهًا، فَشَهِد بهِ، ولم يعتبره الحنفيةُ إلا في ستةِ مواضع، ذُكِرت في ((الكنز))؛ وأضاف عليها أصحابُ الشُّروح أَمورًا إلى تسعةٍ، والشهادةُ بالسَّمع غيرُ الشهادةِ بالتسامع، والأولى جائزةٌ مُطْلقًا . فإِن قلت: إنَّ الصوتَ يُشْبِهِ الصوت؟ قلت: نعم، ولكنهم اعتبروا القرائنَ، فإذا تبيَّن بالقرائِن أنه صوتُ فلان، جاز له أَن يَشْهد به، وقد مر معنا أن قولهم: الخَطّ يُشْبِهِ الخَطّ، إنما ٧٤ كتاب الشهادات يجري في باب الدَعاوَى، أما في غيرها فقد اعتبروا بالخطّ إذا حصل اليقينُ بكونِهِ خَطَّ فلان. وكان الحسن يقول: الخ، وهذه شهادةٌ بالتسامع، وهي غيرُ معتبرةٍ عندنا . ٢٦٣٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا سُفِيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: جاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ القُرَظِيِّ النَّبِيَّ ◌َِّ فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَأَبَتَّ طَلَاقِي، فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ الزُّبَيرِ، إِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُذْبَةِ الثَّوْبِ، فَقَالَ: ((أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةً؟ لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسِّيلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيلَتَكِ)). وَأَبُو بَكْرِ جَالِسٌ عِنْدَهُ، وَخالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ العَاصِ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلاَ تَسْمَعُ إِلَى هذهِ ما تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ وَلِّ؟. [الحديث ٢٦٣٩ - أطرافه في: ٥٢٦٠، ٥٢٦١، ٥٢٦٥، ٥٣١٧، ٥٧٩٢، ٥٨٢٥، ٦٠٨٤]. ٢٦٣٩ - قوله: (فقال: يا أبا بَكْرٍ، أَلا تَسْمَعُ إلى هذه ما تَجْهِرُ به عند النبيِّ وََّ؟)، فاعتمد على الصوتِ، لأن هذا الصحابيُّ كان على الباب، قلت: إنَّ البُخاري تمسّك بقصةِ ابن صَيَّاد، وهذه القِصُ مع كونِها من الأمور البَيْنِيَّةِ، وكثيرًا ما يحتجُّ بها المصنّف على مسائلِ القضاء والحُكْم، ولا يُفَرَّق بينهما . ٤ - بابٌ إِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ أَوْ شُهُودٌ بِشَيءٍ، فَقَالَ آخَرُونَ: ما عَلِمْنَا ذلِكَ، يُحْكَمُ بِقَوْلٍ مَنْ شَهِدَ قالَ الحُمَيدِيُّ: هذا كما أَخْبَرَ بِلَالٌ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َيِّ صَلَّى فِيِ الكَعْبَةِ، وَقَالَ الفَضْلُ: لَمْ يُصَلِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِشَهَادَةِ بِلَالِ. كَذلِكَ إِنْ شَهِدَ شَاهِدَانٍ: أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَشَهِدَ آخَرَانِ بِأَلْفٍ وخَمْسِمِائَةٍ، يُقْضى بِالزِّيَادَةِ. ٢٦٤٠ - حدّثنا حِبَّانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَينٍ قالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيِكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ: أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لأَّبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: قَذَّ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِيَ تَزَوَّجَ، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَغْتِنِي وَلَا أَخْبَرْتِنِي، فَأَرْسَلَ إِلَى آلٍ أَبِي إِهَابٍ يَسْأَلُهُمْ، فَقَالُوا: ما عَلِمْنا أَرْضَعَتْ صَاحِبَتَنَا، فَرَكِبَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِّ بِالمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ، فُقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ((كَيفَ وَقَدْ قِيلَ؟». فَفَارَقَها وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ. [طرفه في: ٨٨]. وهي مسألةٌ عندنا إنْ بلغت الشهادةُ نِصَابها . قوله: (إِنْ شَهِد شاهِدَان: أن لِفُلانٍ على فلانٍ ألف دِرْهم، وشَهِد آخَرانِ بألفٍ وخَمْس مائة، يُقْضى بالزِّيادة)، وإذا اختلفت الشهادتانِ، بأَنْ شَهِد اثنانٍ على كذا، واثنان آخَرَان على كذا، يُقْضَى بالقَدْرِ المُشْتَرَك، وما ذكره صاحِب ((الهداية)) من التفصيل، فهو عند اختلافٍ الشاهدين فيما بينهما، فَتُرَدُّ في بعض الصُّوَر؛ وراجع تفصيله منه . ٧٥ كتاب الشهادات ٥ - بابُ الشُّهَدَاءِ العُدُولِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، و﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ٢٦٤١ - حدّثنا الحَكَمُ بْنُ نافِعِ: أَخْبَرَنا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي حُمِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُثْبَةَ قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: إِنَّ أُنَاسًا كانوا يُؤْخَذُونَ بِالوَحِي فِي عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ لَهَ، وَإِنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وَإِنَّمَا نَأُخُذُكُمُ الآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَاَ مِنْ أَغّمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ، وَلَيسَ إِلَيْنا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيءٌ، اللَّهُ يُحَاسِبُهُ في سَرِيرَتِهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوءًا لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وَإِنْ قالَ إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ. والعبرةُ في العدالة أَنْ يكون ذا خِصال شريفةٍ، ومروءةٍ فَحَسْب، فإِنه لو شُدِّد فيها لانسَدَّ على النَّاس طريقُ فَضْلٍ خصوماتهم، فإنه يَعِزُّ وجودُ الجامع بين أوصاف العدالة. ٢٦٤١ - قوله: (وإنَّ الوَحْي قد انقطع، وإنَّما نأخُذُكم الآنَ بما ظهر لنا مِن أعمالِكُم) دلَّ على أن القَطْع هو الوَحْي فقط. وما قال بعضُ العلماءِ: إِنَّ الكَشْفَ أيضًا قَطْعِيُّ، فليس بصحيحٍ. وأما ما يُظَنَّ من التخليط في بعض أخبار الوحي. فباطلٌ، لأنه لا تخليط فيه أصلًا. وهي صِدْقٌ كُلّها، وإنما يَحْدُثُ التخليطُ في النَّقل، والطريق، فيحدُث ما يحدث من جهته، ولم يُوَفِّق لهذا الفَرْقِ مسيلمة الفنجاب فَحَمَلها على صاحب الوَحْي - ما أَكْفَرَه - فَجوَّز الغَلَط في وحي الأنبياء عليهم السلام أيضًا، وجعل يتمسَّك بالاغلاطِ التي وقَعت من تلقاء الرُّواةِ. هم نقلوا عني الذي لم أفهْ به وما آفةُ الأخبار إلَّا رُواتُها ولم ينظر إلى أنَّ النَّاسَ مع عِلْمهم وشَرَفِهم قد يَغْلَطُون اليوم أيضًا في نَقْل الأشياء كثيرًا؛ فما الاستبعادُ إنْ وقعت الأغلاطُ في نقل الرواياتِ عن النَّقلةِ الأَثْبات، ثم الجاهلُ قد يتضرَّرُ به من طَرَفٍ آخر، فَيَزْعُمُ أن الأغلاط إذا وقَعت عن الرُّواةِ ارتفع الأمانُ عن الدِّين، ولم يَدْر أنَّ الله تعالى خلق له رجالًا يُميِّزون المَخيضَ عنِ الرغوة، فيجمعون الظُرُقَ، وينظرونَ في الأسانيد، ويبحثون عن العِلل: ﴿فَأَمَّا الزََّدُ فَيَذْهَبُ جُفَلَهُ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ اُلْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧] ونعوذ بالله من الزَّيْغ والإِلحادِ، وسوء الفَهْم، وفَرْط الوَهم. ٦ - بابُ تَعْدِيلِ كَمْ يَجُوزُ ٢٦٤٢ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ ثابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ بَّهُ بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيهَا خَيرًا، فَقَالَ: ((وَجَبَتْ)). ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيهَا شَرًّا، أَوْ قالَ غَيْرَ ذلِكَ، فَقَالَ: ((وَجَبَتْ)). فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ لِهذا وَجَبَتْ وَلِهذا وَجَبَتْ؟! قالَ: ((شَهَادَةُ القَوْم، المُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ اللَّهِ في الأَرْضِ». [طرفه في: ١٣٦٨]. ٧٦ كتاب الشهادات ٢٦٤٣ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الفُرَاتِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيدَةَ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قالَ: أَتَيتُ المَدِينَةَ، وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ، وَهُمْ يَمُوتُونَ مَوْتًا ذَرِيعًا، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَمَرَّتْ جَنَازَةٌ فَأَثْنِيَ خَيرٌ، فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ خَيْرًا فَقَالَ عمرُ: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِئَةِ فَأَثْنِيَ شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ، فَقُلتُ: وما وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ قالَ: قُلتُ كما قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيرِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ)). قُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟ قالَ: ((وَثَلَاثَةٌ)). قُلتُ: وَاثْنَانٍ؟ قالَ: ((وَاثْنَانِ)). ثُمَّ لَمْ نَسْأَلُهُ عَنِ الوَاحِدِ. يعني أنَّه هل يُشْتَرطُ العددُ في المُزَكَّى، أم لا؟ فقال الحنفيةُ: يُشترط له أَحَدُ شَطْري الشهادة: إما العددُ، أو العدالة. ٢٦٤٢ - قوله: (المؤمنونَ شُهَداءُ اللهِ في الأَرْض) وقد مرَّ الكلامُ فيه في كتاب ((الجنائز))؛ وذكر الشيخُ الأكبرُ أنَّ الرزق إنما نيط بالأسباب، ليُعلم حالُ الشقاوة والسعادة بالمقايسة؛ فإِنها أيضًا من تلقاءِ الأسباب؛ وعادةُ الله قد جرَت في هذا العالم بتعليقِ الأسباب بالمُسَبِّبات، فكلُّ مُسبَّبِ مَنُوظٌ بسَببه، إلى أن ينتهيِ الأَمْرُ إلى ربِّ الأرباب: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنَهَى﴾ [النجم: ٤٢] فلا تأثيرَ في الحقيقةِ في هذا العالم إلَّ لله تعالى، فهو مُسَبِّبُ الأسباب، إلا أنَّ القدرةَ الأزلية مستورةٌ تحت حُجُب الأسباب، فيرى في الظاهر أن التأثيرَ لها، مع أنه لا تأثير إلا لله، وفي المثل السائر؛ قالت الجدارُ الوَتدِ: لم تَشُقُّني؟ قالت: سَلْ مَنْ يدُقُّني، فزِمامُ الأسباب كلِّها إلى اللهِ سبحانه، لا إله إلَّا هو. ٧ - بابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الأَنْسَابِ، وَالرَّضَاعِ المُسْتَفِيضِ، وَالمَوْتِ القَدِيمِ وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ تُوَيِبَةُ)). وَالتَّثَبّتِ فِيهِ. وهي من الجزئيات التي اعتُبِرت فيها الشهادةُ بالتسامع عندنا، وكذلك الموت القديم، إما الرَّضاعُ المستفيضُ فليس منها . ٢٦٤٤ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَة: أَخْبَرَنَا الحَكَمُ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مالِكِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ فَلَمْ آذَنْ لَهُ، فَقَالَ: أَتَحْتَجِبِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمُّكِ؟ فَقُلتُ: وَكَيفَ ذلِكَ؟ فقالَ: أَرْضَعَتْكِ امْرَأَةُ أَخِي بِلَبَنِ أَخِي. فَقَالَتْ: سَأَلْتُ عَنْ ذلِكَ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّهِ فَقَالَ: ((صَدَقَ أَفَلَحُ، اتْذَنِي لَهُ)). [الحديث ٢٦٤٤ - أطرافه في: ٤٧٩٦، ٥١٠٣، ٥١١١، ٥٢٢٩، ٦١٥٦]. ٢٦٤٤ - قوله: (فَلم آذَنْ لَهُ) وكانت تقول: إنما أرضعتني المرأةُ دون الرَّجل، فالحُرْمةُ ٧٧ كتاب الشهادات أيضًا ينبغي أن تكونَ من قِبَلها، لا مِن قِيَله: ويقال لتلك المسألةِ: لبن الفَحْل، والجمهور على أن الرجل الذي من إحبالِهِ ذلك اللَّبن أَبٌّ للرَّضيع، والمرأةَ أُمّ له، وإذن تَسْري الحُرْمةُ إلى الرَّجلِ، والمرأةِ سواء، فإِنَّ اللَّبن من إحْبَالِه. ٢٦٤٥ - حدّثِنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْراهِيمَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ جابِرِ بْنِ زَيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قالَ النَّبِيُّ ◌َ فِي بِنْتِ حَمْزَةَ: ((لَا تَحِلُّ لِي، يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعةَ ما يَخْرُمُ مِنَ النَّسَبِ، هِيَ بِنْتُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ)). [الحديث ٢٦٤٥ - طرفه في: ٥١٠٠]. ٢٦٤٥ - قوله: (يَحْرُمُ منِ الرَّضاعة ما يحرُمُ من النَّسَب) ... الخ، وقد وقع هُهنا سَهْوٌ من الشيخ ابنِ الهُمام حيث قال: إنَّ امرأةَ ابنه من الرَّضاع حرامٌ على الأب، وعلى قضيةِ الحديث يَلْزمُ أن لا تكونَ حرامًا، لأن حُرْمة ابنه من جهة المصاهرة لا من جهة النَّسبِ، ودلَّ الحديثُ على أنَّ المحرمات مِن الرضاعة هي المحرماتُ من النَّسب فقط؛ وهذه ليستَ محرمة النَّسَبِ، فينبغي أن تكون حلالاً . ٢٦٤٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ: أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجَ النَّبِيِّ ◌َلَ أَخْبَرَتْهَا: أَنَّ رَسولَ اللَّهِ وَلَ كَانَ عِنْدَهَا، وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُرَاهُ فُلَانًا - لِعَمِّ حَفصَةً مِنَ الرَّضَاعَةِ - فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هذا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ في بَيْتِكَ، قالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: ((أُرَاهُ فُلَانًا)) - لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ - فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا - لِعَمِّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ - دَخَلَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: (نَعَمْ، إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ ما يَحْرُمُ مِنَ الوِلَادَةِ)). [الحديث ٢٦٤٦ - طرفاه في: ٣١٠٥، ٥٠٩٩]. ٢٦٤٦ - قوله: (لو كان فلانٌ حَيًّا، لعمها من الرَّضاعة - دخَل عليَّ) قلت: لا تناقُضَ بين حديثٍ الباب، وبين ما مرَّ آنِفًا، أنه استأذنها وهو حيٍّ، لتعدُّدِ الواقعتين. قلت: وقد سها فيه الشيخ؛ ومنشؤه أنهم ذكروا الصورةَ المذكورة في باب المصاهرة، فظنَّ أن الحرمةَ فيها من قِبَل الصَّهْر فقط، مع أن النَّسب أيضًا دخيلٌ فيها، كما تدل عليه إضافة المرأة إلى الابن، فحرمةُ زوجةِ الأبِ على الابن، لكونِها امرأةً لأبيه أيضًا، ففي إضافةِ المرأةِ إلى الابن والأَب إشعارٌ بأن النَّسب أيضًا مراعيٍّ في هاتين الحُرْمتين، فانحل الإِشكالُ بلا قيلٍ وقال. ٢٦٤٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ: أَخْبَرَنَا سُفيَانُ عن أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ: أَنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ◌َِّهِ وَعِنْدِي رَجُلٌ، قالَ: (يَا عَائِشَةُ مَنْ هذا؟)) قُلتُ: أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ، قالَ: ((يَا عَائِشَةُ، انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ، ٧٨ كتاب الشهادات فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ المَجاعَةِ)). تَابَعَهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ. [الحديث ٢٦٤٧ - طرفه في: ٥١٠٢]. ٢٦٤٧ - قوله: (فَإِنَّما الرَّضاعةُ من المَجاعةِ)، واعلم أنهم اختلفوا في مُدة الرَّضاعة، فذهب الجمهور إلى أنها حَوْلانِ، مع تفصيل قليلٍ فيما بينهم؛ وعندنا هي ثلاثونَ شَهْرًا. وأصلُ الكلام في القرآن، فإِنَّه تعرَّض إلى مدة الرَّضاعة نصًا، أما الحديثُ فلم يتعرَّض له إلى حَدٍّ، كما ترى في قوله: ((إنَّما الرَّضاعةُ من المجاعة))، ولعلَّك عَلِمت منه أن مدَة الرَّضاعة لو كانت هي الحَوْلين في نظر صاحب الشرع لَنوَّر بها الحديث، واستعملها، وذكر تفاصيلها، وبنى عليها في كلامه، وإذ لم نر فيه عباءةً بها، عَلِمنا أن القرآن اعتبر فيها اعتبارًا، لا أنها تمامُ المدة التي لا وكس فيها، ولا شَطَط. وسيأتي الكلام فيها في موضعه إن شاء الله تعالى. ٨ - بابُ شَهَادَةِ القَاذِفِ وَالسَّارِقِ وَالزَّانِي ) إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ ٤ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَ نَقْبَلُوْ لَهُمْ شَدَةً أَبَدًّا وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَِقُونَ بَعْدٍ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور: ٤ -٥]. وَجَلَدَ عُمَرُ أَبَا بَكْرَةَ وَشِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ وَنَافِعًا بِقَذْفِ المُغِيرَةِ، ثُمَّ اسْتَتَابَهُمْ، وَقَالَ: مَنْ تَابَ قَبِلتُ شَهَادَتَهُ. وَأَجَازَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَعِكْرِمَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ، وَشُرَيحٌ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةً. وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: الأَمْرُ عِنْدَنَا بِالمَدِينَةِ: إِذَا رَجَعَ القَاذِفُ عَنْ قَوْلِهِ، فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ: إِذَا أَكْذَبَ نَفسَهُ جُلِدَ، وَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: إِذَا جُلِدَ العَبْدُ ثُمَّ أُغْتِقَ جَازَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنٍ اسْتُقْضِيَ المَحْدُودُ فَقَضَايَاهُ جَائِزَةٌ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ القَاذِفِ وَإِنْ تَابَ، ثُمَّ قَالَ: لَا يَجُوزُ نِكَاحٌ بِغَيرٍ شَاهِدَينٍ، فَإِنْ تَزَوَّجَ بِشَهَادَةِ مَحْدُودَينِ جَازَ، وَإِنْ تَزَوَّجُ بِشَهَادَةِ عَبْدَينٍ لَمْ يَجُزْ، وَأَجَازَ شَهَادَةَ الَمَحْدُودِ وَالعَبْدِ وَالأَمَةِ لِرُؤْيَةِ هِلَاَلِ رَمَضَانَ. وَكَيفَ تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ. وَقَدْ نَفَى النَّبِيُّ ◌ََّ الزَّانِيَ سَنَةً. وَنَهى النَّبِيُّ نَ ◌ّهُ عَنْ كَلَامِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبَيهِ حَتَّى مَضى خَمْسُونَ لَيلَةً. ٢٦٤٨ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ: أَنَّ امْرَأَةٌ سَرَقَتْ فِي غَزْوَةِ الفَتْحِ، فَأَتِيّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ وَ، ثُّ أَمَرَ فَقُطِعَتْ يَدُهَا، قَالَتَْ عَائِشَةُ: فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذلِكَ، فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَرَ. [الحديث ٢٦٤٨ - أطرافه في: ٣٤٧٥، ٣٧٣٢، ٣٧٣٣، ٤٣٠٤، ٦٧٨٧، ٦٧٨٨، ٦٨٠٠]. ٢٦٤٩ - حدّثنا يَحْيى بْنُ بُكَيرِ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلٍ، عَن ابْنِ شِهَابِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ زَيدِ بْنِ خَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ أَنَّهُ أَمَّرَ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بِجِلدٍ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبٍ عامٍ. [طرفه في: ٢٣١٤]. ٧٩ كتاب الشهادات وهي جائزةٌ عند الشافعية بعد التوبةِ، وحُسْنِ الحالِ؛ وردّها الحنفيةُ مُظْلقًا، وعَدُّوه من تمام الحَدِّ، وأصلُ النزاع(١) في القرآن؛ فَمَنْ ذهب إلى أن قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ﴾ [النور: ٤]، استثناءُ من قوله: ﴿وَلَا نَقْبَلُواْ لَمْ شَهَئِدَةً أَبَدًّا﴾ [النور: ٣] قَبِلها بعد التوبةِ، ومنْ جعله استثناءً مِن الفسْق لم يَقْبَلْها وإنْ تاب، فالأبدُ عندنا على معناه بخلافه عند الشافعية، وقد بُحث في الأصول أَنَّ الاستثناء إذا وقع بعد عدة أمور، هل يرجع الأقرب، أم إلى الجميع؟ فليراجع. قوله: (وَجَلَدَ عُمرُ أبا بَكْرةَ، وشِبْلَ بْنَ مَعْبِد) .... الخ، وقِصَّتُه أن المغيرةَ بن شُعْبة كان واليًا بالعراق، وأبا بكرة بالكوفةِ؛ وكان المغيرةُ من دُهاةِ العرب، حتى قال الحسنُ البصري: أَفْسد الناس اثنان: المغيرةُ وعَمْرو بنُ العاص، وإنما كان عمرُ، وَلَّاه على العراق، لأن أمورَ الولاية لا تَنْتَظِم، إلَّا مِن الفَطِن الذكي، المقذف في الأمور، فكان زُهاد الصحابةِ عن سخطة منه: منهم أبو بكرة؛ فاتفق يومًا أن المغيرةَ خرج من بيته بِغَلَسَ، فدخل بيت امرأة، فلم يستطع أبو بكرة أن يَصبرَ عليه، فذهب وجاء بثلاثةِ شهداء، فشاهدوه يُجامعها، فلما بلغ أمْرُه إلى عمر، دعا: اللهم أَنْقذ المغيرةَ من الحدِّ، فَشَهِد منهم ثلاثةُ بلفظٍ صريح، أما الرابع فقال: إنَّه رأى حركةً(٢) رِجْليه لا غير، فدرأ عنه الحدَّ، وشكر الله تعالى، وجلد هؤلاء حَدَّ الفِرْية. قلت: أما وَجْهُ دخولِ المغيرةَ في بيت امرأةٍ، فما علمت بعد تَفَخُّص بالغ أنه كان نَكحها نِكَاحِ السرِّ، فكان يذهبُ إليها ويجامِعُها، وإنما لم يعتذر به عند عُمَر، لأنه كان نّهى عنه، وأعلنَ أنه لا يَسْمَع بعد ذلك أحدًا يفعله إلَّا تَخُلُّ به العقوبةُ، فخاف أن يبوءَ به. قوله: (مَنْ تابَ قَبِلْتُ شَهادَتَه)، وهذا بِمَحْضَرٍ من الصحابةِ، فلا ريبَ فيِ كونه قويًا، وهو مَذْهبُ أكثرِ الصحابة، ولعلَّ مَلْحَظ الإِمام الأعظم أنه لا معنى للتوبةِ عنه، إلّا أن يُكذِّب نَفْسَه، وذا لا يمكنُ من رَجُلٍ صادقٍ، فإِنه كيفَ يُكَذِّب نَفْسه، وقد رآه بعينيه، أما الحدُّ على (١) قال ابنُ رُشْد: والسبب في اختلافهم، هل الاستثناءُ يعودُ إلى الجملةِ المتقدمة، أو يعودُ إلى أقرب مذكور، فَمَن قال بالثاني، قال: التوبةُ تَرْفع الفِسْق، ولا تقبل شهادته؛ ومَنْ رأى أن الاستثناءَ يتناولُ الأَمْرين جميعًا قال: التوبةُ تَرْفَعُ الفِسْق، وردَّ الشهادةَ، لأَنَّ الفِسْق متى ارتفع قُبِلت الشهادةُ. اهـ مختصرًا ص ٣٨١ - ج٢ ((بداية المجتهد»، ونحوه ذكر العَيْني ص ٣٣٩ - ج٦ وراجع من ص ٢٤١، وص ٢٤٢ - ج٦. قلت: ونقل المارديني عن ((التمهيد)) أَنَّ مِمَّن قال: إنَّ الاستثناء يعودُ إلى الجملةِ الأخيرة الحَكَمُ، ومعاويةُ بن قُرَّة، وحمادُ بنُ أبي سُليمان، ومَكْحوُل، وهو رواية عن ابن المُسيَّب، وعِكْرة عن الزُّهري وإليه ذهب أكثرُ أهلِ العراق، وفي ((المُحلَّى)) لابن حَزْم عن ابن شِهاب: شهادةُ القاذف لا تجوزُ، وإن تاب وصَحَّ نَحْوُه عن الشعبيّ في أَحْد قَوْليه، والنَّخَعي، وابن المسيب في أحد قَوْليه، والحسن البصري، ومجاهد في أحد قَوْليه، ومَسْروق، وعِكْرمة في أحد قوليه، وشُريح. ثم قال المارديني: إنَّ ابن المسيِّب الذي روى عن عمر قَبولَ شهادتِه خالفه في ذلك؛ ثم أخرجه عن ابن أبي شَيْبة بسندٍ على شَرْط مسلم، وأخرج بسندٍ فيه حَجَّاجُ مرفوعًا: المسلمونَ عدولٌ بَعْضُهم على بعض، إلا محدودًا في فزية. أهـ والحجَّاج أخرج له مسلمٌ مقرونًا بآخر، اهـ ص ٢٤٥ - ج٢ ملخصًا: قلت: وقد حسِّن الترمذيُّ حديثَ حجاج في نحو عشرين موضعًا. (٢) أخرج العيني تلك القِصَّة من وجوه متعددة، ففي بعضها: ((رأيتُ منظرًا قَبِيحًا))؛ وفي بعضها: سمعتُ نفسًا عاليًا، ورأيتهما في لحاف، اهـ ص ٣٤٠ - ج٦. ٨٠ كتاب الشهادات ظهره، فذلك لِقُصُورٍ في الشهادة، وهو أَمْرٌ أَخَر، ألا ترى أن أبا بكرة لم يرجع عن قوله حتى مات . وحينئذٍ يُشْكِل قولُ عمرَ: مَنْ تاب قَبِلْت شهادته، ماذا معناه؟ هل يريدُ بذلك أن يَحْمِلَهم على أن يُكذُّبوا أنفسهم، فإِنه لا معنى لِتَوْبَتِهم إلَّ ذلك، فيه ترغيبٌ لهم على الكذب، قلت: ولعلَّه أراد به الإِغماضَ عما رآه بقولٍ مُبْهم، والتوبةُ مجملةٌ، دون الرُّجوع عما رآه بعينه بصريح اللفظ. وبالجملة لما تعذرت منهم التوبةُ، لأنها تكذيبُ للنفس والعين، بقي حُكْم ردِّ الشهادةِ إلى الأبد(١) والله تعالى أعلم. قوله: (وقال الثَّوْري: إذا جُلِدَ العَبْدُ، ثُم ◌ُعْتِقَ جَازَت شهادَتُه)؛ قلت: وهي مسألةٌ أُخرى ليست من باب قبول شهادةِ القاذف، لأن العبد ليست له ولايةٌ، فإِذا عَتق حَصَلت له الولايةُ على نفسه، وإذن لا بأس بعبرةٍ شهادتِهِ . قوله: (وقال بعضُ الناس) وحاصلُه أن الإِمام أبا حنيفة رَدَّ أَوّلًا شهادةَ المحدود، ثُم ناقَضَه واعتبرها في النكاح: قلت: ليس الأَمرُ كما فَهِم المصنّف، فإِنَّ الإِمام رَدَّها للتُّبوتِ، وقَبِلها للانعقاد، وبينهما فَرْقٌ لا يخفى، ثم إنه ليس مِن عقدٍ يحتاجُ إلى الاستشهادِ غير النِّكاحِ، بخلاف سائر العقود، فإنها تحتاج إلى الشهادة، للثبوت فقط، والنكاح للانعقاد أيضًا، وإنَّما يكفي حضورُ الشاهدَين المحدودَين للانعقاد، لأن الشهادة للانعقاد تعتمدُ الولايةَ، ولا قُصور فيهما لوجودِ الولاية فيهما؛ نعم لا تَقْبل شهادَتُهما عند القاضي للقُصور في الأداء، فالردُّ في باب، والقَبول في باب آخر، فأين التناقضُ، وماذا التهافُتُ؟ قوله: (لرؤيةٍ هِلالِ رمضان) ... الخ، ولا مناقَضَةَ فيه أيضًا، فإِنَّ الحنفية لا يُسمُّونه، شهادةً، بل هو إخبارٌ مجرَّدٌ عندهم، ولذا لا يُشترط فيه لَفْظُ الشهادة؛ نعم يُشْترطُ في هلال الفِطر، وذلك أيضًا لكونه مُتضمَّنًا لمعنى الحَلِف، فإِنَّ الفقهاء ذكروا لَفْظ: أَشْهد، في ألفاظ اليمين أيضًا، وزعم الْبَعْضُ أنه لا بُدَّ فيه لفظ: ((أَشْهد بِعَينه؛ ولا تكفي تَرْجمتُه، وليس بصحيح، (١) قلت: ولم أفهم المَرَام على التمام؛ ولعلَّ حاصِلَه أن المتدين إذا قذف أحدًا، ثُم رُدَّت شهادتُه لِفقدان شرْطِ، فَحُدَّ، فإِنَّ شهادته لا تُقَبل، أبدًا، لأنه لا يُمكن منه أن يتوب أبدًا، لأنه لا معنى للتوبة إلَّ تكذيبُ نفسه، وذا لن يفعله رجلٌ متدينٌ، ثم إنه وإن كان في نَفْسه صادقًا، لكنه كاذبٌ عند الله، كما في النصِّ، فأولئك عند الله هم الكاذبون، فإذا كانوا كاذبين لا بدَّ لهم من التوبة، ليرتفعَ عنهم میسمُ السوء فإِذا تعذّرت تَوْبتُهم لکونھم صادِقین في زعمهم، بقي عليهم ما كان من عهدة الكذب - أعني ردَّ الشهادة - ثُم مَن كان عند الله كاذبًا. لا يصيرُ صادقًا بتكذيب نَفْسه، ولعلَّ رَدَّ الشهادة جزاءً للكذب، لا جزاءٌ لِلِفْسق فقط، والتوبةُ تَرْفع الفسق، أما الكذب فذلك مِن صفة القَوْل، ولا تَعلق له بارتفاع الإِثم، فهو بحالِه بعد التوبة أيضًا، ولما كان رَدُّ الشهادةِ من لوازمه، بقي حُكمه إلى الأبد، وذلك في القَذْف خاصَّةً، لِعَظَمةِ أَمْره، وفخامة شأنه، وحينئذٍ يَنْدفع ما ذكره ابنُ رُشدُ، أَنَّ ردَّ الشهادة مع ارتفاع الفسق غيرُ معقولٍ، وذلك لأن رَدَّها عُدَّ من تماميةِ الحدِّ، لكونِ الكذب في هذا الباب أُشْنَعَ، بخلافِه في سائر الأبواب، فليس الردُّ جزاءً لِلِفِسْق فقط، ليعودَ الأمرُ إلى ما كان، والله تعالى أعلم بالصواب.