Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ كتاب البيوع القبض بالبَرَاجم، فإن ذلك في الصَّرْف. وفَهِمَ الناسُ أن معنى الدَّيْن عدم كونه موجودًا في مَجْلِسِ العقد، وإن كان موجودًا في الخارج. والحاصلُ: أن الشرطَ في الأموال الرِّبَوِيَّة التعيينُ من الجانبين، وهو المراد من قوله: (هاءَ، وَهَاءَ))، لِمَا عند مسلم في حديث عُبَادة: ((عينًا بعين))، بدل: ((هاء، وهَاءَ)). وإنما يُشْتَرَطُ التَّقَابُض في بيع الصَّرْف، لأن الأثمان لا تتعيَّن بالتعيُّن، فلا بُدَّ له من القبض، بخلاف العروض. وقد وقع ههنا سَهْوٌ من بعض مُحَشِّي ((الهداية))، فاختلط عليه باب السَّلَم من باب الربا، فإنهم قالوا في السَّلَم: إنه لا يُصِحُّ إلَّ في أربعة أشياء: مَكِيلٍ، ومَوْزُونٍ، ومَذْرُوعٍ، وعدديٍّ مُتَقَارِبٍ. ثم قالوا: إن الرِّبا يَحْرُم في كلِّ مكيلٍ، أو موزونٍ. فَالْتَّبَسَ عليه الأمر، فجعل السَّلَم في الأموال الرِّبَوِيَّة فقط، وهو غلطٌ فاحشٌّ، فإن الرِّبا لا يجري في المَذْرُوعَات والعدديات، بخلاف السَّلَم. ثم المفهوم من كلام المتأخِّرين جواز السَّلَم في غير الأربعة المذكورة أيضًا، فإن الاستنصاعَ أيضًا بيعُ معدومٌ. وإن لم يسمُّوه سَلَمًا، فاعلمه. ٧٥ - بابُ بَيعِ الزَّبِيبِ بِالزَّبِيبِ وَالطَّعَامِ بِالطَّعَامِ قوله: (الطّعَام بالطّعَام)، وإنما زَادَه بعد ذِكْرِ الزَّبيب، لأن له أحكامًا على حِدَة عند الشافعية، بخلافه عند الحنفية. فإنهم وإن ذكروا للمَكِيل والمَوْزُون أحكامًا، لكن ليس عندهم النوع الطعام بخصوصه أحكام. ٢١٧١ - حدّثنا إِسْماعِيلُ: حَدَّثَنَا مالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّنَهِى عَنِ المُزَابَنَةِ، وَالمُزَابِّنَةُ: بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كِيلًا، وَبَيعُ الزَّبِيبِ بِالكَرْمِ كَيلًا. [الحديث ٢١٧١ - أطرافه في: ٢١٧٢، ٢١٨٥، ٢٢٠٥]. ٢١٧١ - قوله: (نهى عن المُزَابَنَةِ)، وهي المُخَادعة لغةٌ. وفي العُرْف: بيعُ الثمر على النخيل بتمرٍ مَجْذُوذٍ. ولا بُدَّ في التمر أن يكون مَكِيلًا، أمَّا ما على الشجرة، فيكون مَخْرُوصًا، لا مَحَالة، وهو معنى قوله: ((أن يَبِيعَ التمر بكيلٍ))، أي بشرط كيلٍ، لا أنه ثمن. ٢١٧٢ - حدّثنا أبو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهُ نَهى عَنِ المُزَابَنَةِ. قالَ: وَالمُزَابَنَةُ: أَنْ يَبِيعَ الثَّمَرَ بِكَيلٍ: إِنْ زَادَ فَلِي وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ. [طرفه في: ٢١٧١]. ٢١٧٢ - قوله: (إن زاد فَلِي(١) وإن نَقَصَ فَعَليَّ)، أي إن زاد فيكون مِلْكًا لي، وإن نَقَصَ (١) قال الشيخُ في ((اللمعات)): إن كان ضميرُ - ((زاد)» - راجعًا إلى ما على رؤوس النَّخْل، فهو قول المشتري وهذا أنسب. انتهى بتغييرٍ. قلتُ: يَحْتَمِلُ أن يكونَ مقولةً للبائع أو المشتري، فمعناه على الأول: إن زاد التمر الذي أَعْطَيْتِنِيهِ أيها المشتري على ما في رؤوس الأشجار يكون مِلْكًا لي، وإن نَقَصَ فعليَّ، ولا ضمانَ عليك. وعلى الثاني معناه: إن زاد ما في رؤوس الأشجار على هذا التمر الذي أَعْطَيْتُكَ أيها البائع، فيكون مِلْكًا لي، وإن نَقَصَّ فعليَّ نقصانه، ولا أَسْأَلُكَ شيئًا غيره وحينئذٍ فَلْيَنْظُر ما في كلام الشيخ رحمه الله، فإن مذكرتي المكتوبة وقت الدرس كانت غير واضحةٍ، ولم آمَنْ فيها من الغلط والخطأ . ٤٦٢ كتاب البيوع فعليَّ إِيفاؤه وإعطاؤه، ولم يَذْكُر فيه العِوَض ما هو. ٢١٧٣ - قالَ: وَحَدَّثَنِي زَيدُ بْنُ ثابِتٍ: أَنَّ النَّبِيَّ وَرَخَّصَ في العَرَايا بِخَرْصِهَا . [الحديث ٢١٧٣ - أطرافه في: ٢١٨٤، ٢١٨٨، ٢١٩٢، ٢٣٨٠]. ٢١٧٣ - قوله: (رخّصَ في العَرَايا) يَخْرُصها. والأحاديثُ في العَرَايا على خمسة أنواع، والباء في قوله: ((بِخَرْصتها)) للتصوير، دون العِوَض. فإن أخذناها للعِوَض، فالعِوَضُ مَكِيلٌ، وليس بمَخْرُوصٍ، فتعيَّن أن تكونَ للتصوير. قوله: (فَتَراوَضْنا) أي (هم نى بات جيت کی). ٧٦ - بابُ بَيعِ الشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ ٢١٧٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مالِكِ بْنِ أَوْسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ الْتَمَسَ صَرْفًا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَدَعانِي طَلحَةُ بْنُ عُبَيَدِ اللَّهِ، فَتَرَاوَضْنَا حَتَّىَ اضْطَّرَفَ مِنِّي، فَأَخَذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ ثُمَّ قالَ: حَتَّى يَأْتِيَ خِازِنِي مِنَ الغَابَةِ، وَعُمَرُ يَسْمَعُ ذلِكَ، فَقَال: وَاللَّهِ لا تُفَارِقُهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَ: ((الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ)). [طرفه في: ٢١٣٤]. ٧٧ - بابُ بَيعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ ٢١٧٥ - حدّثنا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيِى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بَنُ أَبِي بَكْرَةً قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَهَ: ((لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَالفِضَّةَ بِالفِضَّةِ إِلَّ سَوَاءٌ بِسَوَاءِ، وَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالفِضَّةِ، وَالفِضَّةَ بِالَذَّهَبِ، كَيفَ شِئْتُمْ)). [الحديث ٢١٧٥ - طرفه في: ٢١٨٢]. ٧٨ - بابُ بَيعِ الفِضَّةِ بِالفِضَّةِ ٢١٧٦ - حدّثنا عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا عَمِّي: حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمِّهِ قالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَهُ مِثْلَ ذلِكَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللّهِ بِهِ، فَلَقِيَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنُ عُمَّرَ، فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، ما هذا الَّذِي تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَسِهِ؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: في الصَّرْفِ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَه يَقُولُ: ((الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالوَرِقُ بِالوَرِقِ مِثْلًا بِمِثْلٍ)). [الحديث ٢١٧٦ - طرفاه في: ٢١٧٧، ٢١٧٨]. ٢١٧٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنا مالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ٤٦٣ كتاب البيوع الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِن ◌َِّ قالَ: ((لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَاً غائِبًا بِنَاجٍِ)). [طرفه في: ١٧٦ ) ٧٩ - بابُ بَيعِ الدِّينَارِ بِالدِّينَارِ نَسَاءًا ٢١٧٨، ٢١٧٩ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيج قالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: أَنَّ أَبَا صَالِحِ الزََّّاتَ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُذّرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَم، فَقُلتُ لَّهُ: فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَا يَقُولُهُ! فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَأَلتُّهُ، فَقُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّنَّهِ، أَوْ وَجَدْتَهُ في كِتَابَ اللَّهِ؟ قالَ: كُلُّ ذلِكَ لَا أَقُولُ، وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِنََّ مِنِّي، وَلكِنَّنِي أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ: أَنَّ النَّبِيَّوََّ قالَ: ((لا رِبًا إِلَّا في النَّسِيئَةِ)). [طرفه في: ٢١٧٦]. واعلم أن رِبَا الفَضْل كان جائزًا عند ابن عباس، تمسُّكًا بقوله ◌َّمَ: لا رِبَا إلَّ في النَّسِيئة)»، فلما لَقِيَه أبو سعيد، وأخبره عن حُرْمتِهِ رَجَعَ عنه. وأمَّا شرحُ الحديث المرفوع: فأحدها ما ذكره الراوي، والثاني: أن نفيه من غيره على معنى تنزيل (١) الناقص منزلة المعدوم. فإن رِبًا الفضل (١) قال الحافظ ابن القيم في ((أعلام الموفقين)): اعلم أن الرِّبا نوعان: جليٍّ، وخَفِيٍّ. فالجليُّ حَرُم لِمَا فيه من الضرر العظيم، والخفيُّ حَرُم لأنه ذريعةٌ إلى الجليِّ. فتحريمُ الأول قصدًا، وتحريمُ الثاني وسيلةً. فأمَّا الجليُّ فربا النسيئة، وهو الذي كانوا يَفْعَلُونه في الجاهلية، مثل أن يُؤَخِّرَ دينه، ويَزِيدَه في المال، وكلَّما أخّره زاد في المال، حتى تَصِيرَ المائة عنده آلافًا مؤلَّفةً. وفي الغالب لا يَفْعَلُ ذلك إلا مُعْدَمٌ محتاجٌ، فإذا رأى أن المستحق يُؤَخّرُ مطالبته، ويَصِبرُ عليه بزيادة في بذلها، تكلف بذلها، ليفتدي من أسر المطالبة والحبس، ويدافع من وقتٍ إلى وقتٍ، فيشتدُّ ضرره، وتَعْظُم مصيبته، ويَغْلُوه الدينُ حتى يَسْتَغْرِقَ جميع موجوده. فَيَرْبُو المال على المحتاج من غير نفعٍ يَحْصُلُ، ويزيد مال المُرّابي من غير نفعٍ يَحْصُل منه لأخيه، فيأكلُ مال أخيه بالباطل، ويَحْصُل أخوه على غاية الضرر. فمن رحمة أرحم الراحمين، وحكمته، وإحسانه إلى خلقه، أن حرَّم الربا، ولعن آكلَه، ومُوكِلَه، وكَاتِبَه، وشَاهِدَه، وآذَنَ من لم يَدَعهُ بحربه وحرب رسوله. ولم يجىء مثل هذا الوعيد في كبيرةٍ غيره، ولهذا كان من أكبر الكبائر. وسُئِل الإِمام أحمد عن الربا الذي لا شك فيه، فقال: هو أن يكونَ له دينٌ، فيقول له: أتقضي أم تُزبي، فإن لم يَقْضِهِ زاده في المال، وزاده هذا في الأجل. وقد جَعَلَ الله سبحانه وتعالى الربا ضد الصدقة، فالمُرَابي ضد المتصدِّق، قال الله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْيَوْ وَيُرْبِ الصَّدَقَتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَيْتُم مِّنْ زِبًا ◌ِيَرَّبُواْ فِىَ أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَ يَّرَبُواْ عِندَ اللَّهِ وَمَآ ءَانَيْتُم مِّنِ زَّكَوْمَ ثُرِيدُونَ وَبْدَ الَّهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ﴾﴾ [الروم: ٣٩]. فنهى الله سبحانه وتعالى عن الربا الذي هو ظلمٌ للناس، وأمر بالصدقة التي هي إحسانٌ إليهم. وفي ((الصحيحين)) من حديث ابن عباس، عن أسامة بن زيد: ((أن رسولَ اللهَّ قال: «إنما الرِّبا في النَّسِيئة)». وأما ربا الفضل، فتحريمُه من باب سدِّ الذرائع، كما صرَّح به في حديث أبي سعيد الخُدْرِيِّ، عن النبيِّ ◌ََّ: ((لا تبيعوا الدِرْهَمَ بالدرهمين، فإني أخاف عليكم الرما)»، والرما هو الربا. فمنعهم من ربا الفضل، لما يخافه عليهم من ربا النسيئة. وذلك أنهم إذا بَاعُوا دِرْهمًا بدرهمين - ولا يُفْعَلُ هذا إلاَّ للتفاوت الذي بين النوعين، إما في الجَوْدَة، = ٤٦٤ كتاب البيوع وإن كان ربًا وحرامًا، لكنه يَقْتَصِرُ على تلك المعاملة، ثم ينتهي، فمضرَّته أهون. بخلاف رِبَا النَّسِيئة، فإنه يجري، ثم يُضَاعف أضعافًا مضاعفةً، فمضرَّته أشدُّ وأَلْزَمُ، وهو الذي يَذَرُ البلاد بلاقع، فكأنه الفرد الكامل منه. والأليقُ بأن يسمَّى ربا، على أنا لم نَرَ أحدًا يَبِيعُ الفضة بالفضة، والذهب بالذهب بزيادةٍ، فلا يتحقَّق فيه ربا الفضل، وإنما يُعْرَفُ فيه من ربا النَّسِيئَة. نحو: أن لا يكونَ عند رجلٍ فضةٌ، وهو يحتاج إلى شراء الفضة والذهب، فيذهب ويشتريه نَسِيئَةً، فهذا هو الربا الذي يجري فيما بين الناس، ولذا خصَّه بالذكر. وهذا التوجيه أَوْلَى مما ذكره الراوي. والحاصلُ: أن في قوله: ((لا ربا إلَّا في النسيئة))، وإن كان عمومًا، لكنه عموم غير مقصود، والمراد ما قلنا إن شاء الله تعالى. واعلم أن الغزالي تكلّم في حُرْمة النَّسِيئَة في النقدين، ولعلَّ في باب الحلال والحرام؛ وقال: إن الأثمانَ كانت كالمعاني الحرفية، لا تُرَادُ لذواتها، فهي آلةٌ للغير، وليست كالاسم، والفعل. وفي ذيله شرح قول النحاة في تعريفها ((معنى في نفسه)) و((معنى في غيره)). فليراجعه، فإنه أجاد فيه، وذكر ما لم يَذْكُره النحاة. وملخّصُه: أن المرادَ من المعنى هو الغرضُ، والغرضُ يكون في نفس الاسم والفعل، بخلاف الحرف، فإنه آلةٌ فقط، ولا غرضَ منه غير الآلية. فالذي فيه الغرضُ هو الاسم والفعل، بخلاف الحرف، فإن الغرضَ منه أيضًا لا يَظْهَرُ إلَّا فيِ الاسم. وهذا معنى قولهم: إن الحرف، يَدُلُّ على معنىٌ في غيره، بخلاف أَخَوَيْهِ، فإنهما يَدُلَّان على معنىَّ في أنفسهما، لا في غيرهما . والحاصلُ: أن الأثمانَ كانت كالحروف، أعني الغرض منها يكون في الغير، وهو العروض، فإذا ربى فيها الناس، وأَرْبَى، فقد جعلوها عروضًا، مع كونها أثمانًا، فحرَّفوا طباعها(١). وإمَّا في السّكّة، وإما في الثقل والخِفّة، وغير ذلك - تدرَّجوا بالربح المعجَّل فيها إلى الربح المؤخّر، وهو عينُ ربا = النسيئة، وهذه ذريعةٌ قريبةٌ جدًا فمن حكمة الشارع أن سَدَّ عليهم هذه الذريعة، ومنعهم من بيع درهم بدرهمين نقداً ونسيئةً. انتهى مختصرًا. وقال الشيخُ ولي الله في ((حجة الله البالغة)): اعلم أن الرِّبا على وجهين: حقيقيٍّ، ومحمولٌ عليه. أمّا الحقيقيُّ: فهو في الديون. وقد ذكرنا أن فيه قلبًا لموضوع المعاملات، وأن الناسَ كانوا مُنْهَمِكِين فيه في الجاهلية أشد انهماك، وكان حَدَثَ لأجله مُحَارَباتٌ مُسْتَطِيرَةٌ. وكان قليلُه يدعو إلى كثيره، فَوَجَبَ أن يُسَدَّ بابُه بالكلية، ولذلك نزّل القرآن في شأنه ما أَنْزَل. والثاني: ربا الفضل، والأصلُ فيه الحديث المستفيض: ((الذهب بالذهب)) ... الحديث. وهو مسمَّى بربا تغليظًا وتشبيهًا له بالربا الحقيقيِّ، وبه يُفْهَمُ معنى قوله ◌َّهِ: ((لا ربا إلاَّ في النسيئة))، أي القرض والدين. ثم ذُكِرَ في الشرع استعمال الربا في هذا المعنى، حتى صار حقيقةً شرعيةً فيه أيضًا، والله تعالى أعلم. انتهى ما في ((التعليق الصحيح)) مختصرًا. (١) قلتُ: ولم يكن عندي من كلام الغزالي الإِيماء إليه، فبسطته على ما ظَهَرَ لي مراده. فليُرَاجع إلى الأصل، ليتبيَّن حقيقةُ الحال. ولم أجد فرصةً لمراجعة كلامه، لأنقله بتمامه، فعليكَ به. ٤٦٥ كتاب البيوع فائدة: واعلم أن (الزيوف) معناه (كهتيا) أي الناقص قيمة، و(البنهرجية) معناه (كهوتا) أي المَغْشُوش، وقد الْتَبَسَ على بعضهم، فَيُتَرْجِمُون الزيوف بمعنى البنهرجية، مع أنه غلطٌ، فاعلمه. ثم اعلم أن لفظَ البيع صار عُرْفًا عامًّا في مُبَادَلَةِ المال بالمال مطلقًا، سواء تحقَّق بصورة البيع الشرعيٍّ، أم لا. وعلى هذا، فليس النهيُ في قوله: ((لا تَبِيعُوا الذهبَ بالذهب)) عن البيع خاصةً، بل عن مطلق المُبَادلة، سواء تحقَّق بطريق الإِيجاب والقبول المعتبران في البيع أو غيره. فالحديثُ وَرَدَ على الحرف، والنهي عن مطلق المُبَادلة. فطاح ما شَغَبَ به عبد اللطيف في ((رسالته)): إن المنهيَّ عنه في الحديث هو البيعُ، ولا بيعَ في الرِّبا المعروف في زماننا، فينبغي أن يكونَ جائزًا، وذلك لأنه لم يَقْدُم على فَهْم المراد. أَلَّا ترى أنه لا إيجابَ، ولا قَبُولَ في باب التعاطي، لكنه إذا كَتَبَ به يَكْتُبُ أن فلانًا باع بكذا، أو فلانًا اشترى منه بكذا، بصورة الإِيجاب والقَبُول، مع انتفائهما في الخارج. وهذا الذي مشى عليه الحديث، فإنه حَكَى عن المُبَادلة في الخارج بلفظ البيع، كالشراء والبيع في صورة التعاطي، فأهل العُرْف لا يعبِّرون عن المُبَادلة إلَّا بالبيع. فالمذكورُ هو هذا، والمقصودُ ذلك، فاعلمه. ٨٠ - بابُ بَيعِ الوَرِقِ بِالذَّهَبِ نَسِيئَةً ٢١٨٠، ٢١٨١ - حدّثنا حَفصُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قالَ: أَخْبَرَنِي حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قالَ: سَمِعْتُ أَبَا المِنْهَالِ قالَ: سَأَلتُ البَرَاءَ بْنَ عازِبٍ وَزَيدَ بْنَ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، عَنِ الصَّرْفٍ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ: هذا خَيرٌ مِنِّي، فُكِلَاهُما يَقُولُ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ عَنْ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالوَرِقِ دَيْنًا. [طرفه في: ٢٠٦٠]. ٨١ - بابُ بَيعِ الذَّهَبِ بِالوَرِقِ يَدًا بِيَدٍ ٢١٨٢ - حدّثنا عِمْرَانُ بْنُ مَيسَرَةَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ العَوَّامِ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: نَهَى النَّبِيُّ ◌َّهِ عَنِ الفِضَّةِ بِالفِضَّةِ، وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، إِلا سَوَاءٌ بِسَوَاءٍ. وَأَمَرَنَا أَنْ نَبْتَاعَ الذَّهَبَ بِالفِضَّةِ كَيفَ شِئْنَا، وَالفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كَيفَ شِئْنَا. [طرفه في: ٢١٧٥]. ٨٢ - بابُ بَيع المُزَابَنَةِ، وَهيَ بَيعُ الثَّمَرِ بِالثَّمْرِ، وَبَيعُ الرَّبِيبِ بِالكَرْمِ، وَبَيُ العَرَايا قالَ أَنَسُ: نَهى النَّبِيُّ ◌ََّ عَنِ المُزَابَةِ وَالمُحَاقَلَةِ. والمُحَاقلة في الحبوب كالمُزَابنة في التمر. ٢١٨٣ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلِ قالَ: ((لَا ٤٦٦ كتاب البيوع تَبِيعُوا الَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ)). [طرفه في: ١٤٨٦]. ٢١٨٣ - قوله: (لا تَبِيعُوا التمرَ حتى يَبْدُو صَلَاحُهُ) ... إلخ، وسيجيء الكلامُ فيه. ٢١٨٤ - قالَ سَالِمٌ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ زَيدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَُّ رَأَخَّصَ بَعْدَ ذلِكَ في بَيعِ العَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي غَيرِهِ. [طرفه في: ٢١٧٣]. ٢١٨٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنا مالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَّ نَهى عَنِ المُزَابَنَةِ. وَالمُزَابَنَّةُ: اشْتَرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيلًا، وَبَيعُ الكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيلًا. [طرفه في: ٢١٧١]. ٢١٨٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الحُصَينِ، عَنْ أَبِي سُفيانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُوَلَ اللَّهِ وَّ نَهِى عَنِ المُزَابَةِ وَالمُحَاقَلَةِ. وَالمُزَابَنَةُ: اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ فِي رُؤُوسِ النَّخْلِ . ٢١٨٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الشَّيبَانِيِّ، عَنْ عِكْرمَةَ، عَنِ ابْنٍ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: نَهى النَّبِيُّ نَّهِ عَنِ المُحَاقَّلَةِ وَالمُزَابَةِ. ٢١٨٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ: حَدَّثَنَا مالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ زَيدِ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّ أَرْخَصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا. [طرفه في: ٢١٧٣]. ٢١٨٤ - قوله: (رَخَّصَ بعد ذلك في بيع العَرِيَّة بالرُّطَبِ، أو بالتَّمْرِ) ... إلخ. والظاهرَ أنه لا فائدةَ في بيع الرُّطَب بالرُّطَب، لأنه إذا كان عنده رُطَبٌ، فقد استغنى عن بيع العَرِيَّة، فإنه لأجل احتياجه إلى الرُّطَب، وهي عنده من قبل. نعم إذا كان بالتمر، ففيه تَحْصِيلٌ للمرغوب. فليسأل الشافعيةَ أنهم هل يجوِّزُون العَرِيَّة في الرُّطَب والأنواع كلِّها، فإن قالوا به، فذاك. وإلَّا فلفظُ الراوي بالرُّطَب، إمَّا لغوٌ، أو حَشْوٌ. واعلم أن الأحاديثَ في باب العَرَايا على عدة أنحاء: الأول، كما مرَّ في باب بيع الزبيب بالزبيب قال: ((أن يَبِيعَ التمر بكَيْلٍ: إن زَادَ، فلي، وإن نَقَصَ فعليَّ)). والظاهر أن قوله: ((إن زاد فلي)) ... إلخ، فيه من مقولة البائع، دون المشتري. وهذا التفسير لا يَرِدُ علينا أصلًا، لأنه لا ذِكْرَ فيه للعِوَض، هل هو من جنس النقدين أو غيره؟ فإن كان النقدين، فذا جائزٌ عندنا وعند غيرنا، فإنه لا بأس بشراء الرُّطَب، أو التمر بالنقدين، كَيْلًا كان، أو جِزَافًا. نعم يحتاج هذا التفسير إلى تنقيرٍ في علَّة النهي ما هي. والثاني: ما عن ابن عمر من طريق سالم: ((رخّص بعد ذلك في بيع العَرِيَّة بالرُّطَب، أو بالتمر ... إلخ، وهذا هو المشهور فيما بينهم. والثالث: ما في آخر الباب: ((رخَّص لصاحب العَرِيَّةِ أن يَبِيعَها بِخَرْصها))، اهـ. ولا ذِكْرَ فيه للعِوَض، فيجوز أن يكونَ العِوَضُ النقدين، فلا يُخَالِفُنَا أيضًا. والرابع: ما ذكره في الحديث الأول من الباب الآتي، ففيه استثناءُ العَرَايا من ٤٦٧ كتاب البيوع البيوع المَنْهِيَّة، وليس فيه تفسيرٌ للعَرَايا، مع إبهام الحكم أيضًا. ثم اعلم أنهم اخْتَلَفُوا في المُسْتَثْنَى، هل فيه حكمٌ، أو لا؟ والسِّرُّ فيه أن الحكم يكون فيه بينهما، فَذَهَبَ بعضٌ إلى الإِثبات، وبعضٌ آخر إلى النفي. قال الشيخُ ابن الهُمَام: إن الحُكْمَ فيه في مرتبة الإِشارة. وقال صدرُ الشريعة: بل يكون مَنْطُوقًا، وإن لم يكن مَسُوقًا له. أما إن الإِشارةَ هل تكون منطوقًا، أو لا؟ فذلك اختلافٌ آخرَ بين الشيخ، وصدر الشريعة. كيفما كان، لكن الشيخ أَثْبَتَ فيه الحكم في مرتبة الإِشارة. والخامس: ما في الحديث الثاني من الباب الآتي، وفيه: ((رخّص في بيع العَرَايا))، بدون حرف الاستثناء، وبدون ذكر العِوَض أيضًا، فهذه خمسةُ أنواعٍ، ولم يَخْرُجْ منها تفسيرٌ يُخَالِفُنَا، إلَّا ما في حديث سالم عن ابن عمر. ٨٣ - بابُ بَيعِ الثَّمَرِ عَلَى رُؤُوسِ النَّخْلِ بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ ٢١٨٩ - حدّثنا يَحْيى بْنُ سُلَيمانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، عَنْ عَطَاءٍ وَأَبِي الزُّبَيرِ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: نَهِى النَّبِيُّ وَ عَنْ بَيعِ الثَّمَرِ حَتَّىَّ يَطِيبَ، وَلَا يُبَاعُ شَيءٌ مِنْهُ إِلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَم، إِلَّ العَرَايا. [طرفه في: ١٤٨٧]. ٢١٩٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ قالَ: سَمِعْتُ مالِكًا، وَسَأَلَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّبِيعِ: أَحَدَّثَكَ داوُدُ، عَنْ أَبِي سُفيَانَ، عَنَ أَبِي هرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِ رَّخَّصََ في بَيعِ العَرَايا في خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ، أَوْ دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ؟ قالَ: نَعَمْ. [الحديث ٢١٩٠ - طرفه في: ٢٣٨٢]. ٢١٩١ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ قالَ: قالَ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ: سَمِعْتُ بُشَيْرًا قالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ نَهى عَنْ بَيعِ الثَّمَرِ بِالشَّمْرِ، وَرَأَخَّصَ في العَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا، يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا. وَقَالَ سُفِيَانُ مَرَّةً أُخْرَىَ: إِلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ في العَرِيَّةِ يَبِيعُهَا أَهْلُهَا بِخَرْصِهَا يَأْكُلُونَهَا رُطَبًا، قَالَ: هُوَ سَوَاءٌ، قالَ سُفْيَانُ: فَقُلتُ لِيَخْيِى وَأَنَا غُلَامٌ: إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ رَخَّصَ لهم في بَيعِ العَرَايِا! فَقَالَ: وَما يُدْرِي أَهْلَ مَكَّةَ؟ قُلتُ: إِنَّهُمْ يَرْؤُونَهُ عَنْ جابِرٍ، فَسَكَتَ. قالَ سُفيَّانُ: إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّ جَابِرًا مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ. قِيلَ لِسُفْيَانَ: وَلَيسَ فِيهِ: نَهِى عَنْ بَيعِ الثَّمَرِ حتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ؟ قالَ: لَا. [الحديث ٢١٩١ - طرفه في: ٢٣٨٤]. ٢١٩١ - قوله: (ورخَّص في العَرِيَّة أن تُبَاع بِخَرْصِهَا، يأْكُلُها أهلها رُطَبًا) ... إلخ، والباء فيه للتصوير عندنا. أمَّا قولُه: يأكلها فَبيانٌ للغرضَ، ولا ذِكْرَ فيه للعِوَض أيضًا. ولكن الشافعيةَ يَحْمِلُون المواضعَ كلَّها على أن العِوَضَ فيها هو التمر. قوله: (فَقُلْتُ لِيَحْيَى) ... إلخ. وحاصلُه: الفرق بين رواية أهل مكة، وجابر من أهل المدينة في إفراد لفظ العَرِيَّة، وجمعه، فأهل مكة يَذْكُرُونها مفردًا، وأهل المدينة جمعًا. ٤٦٨ كتاب البيوع ٨٤ _ بابُ تَفسِيرِ العَرَایا وَقَالَ مالِكٌ: العَرِيَّةُ أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ النَّخْلَةَ، ثُمَّ يَتَأَذَّى بِدُخُولِهِ عَلَيهِ، فَرُخِّصَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْهُ بِتَمْرٍ. وَقَالَ ابْنُ إِذْرِيسَ: العَرِيَّةُ لَا تكونُ إِلَّا بِالْكَيلِ مِنَ النَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ، لَا يَكُونُ بِالجِزَافِ. وَمِمَّا يُقَوِّيهِ قَوْلُ سَهْلٍ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: بِالأَوْسُقِ المُوَسَّقَةِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ في حَدِيثِهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كانَتِ العَرَايا أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ في مالِهِ النَّخْلَةَ وَالنَّخْلَتَينِ. وَقَالَّ يَزِيدُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَينِ: العَرَايا نَخْلٌ كانَّتْ تُوهَبُ لِلْمَسَاكِينِ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْتَظِرُوا بِهَا، رُخِّصَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوهَا بِمَا شَاؤوا مِنَ الثَّمْرِ . ٢١٩٢ - حدّثنا مُحَمَّدٌ - هُوَ ابْنُ مُقَاتِلٍ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بنُّ المبارَكِ: أَخْبَرَنَا مُوِسى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ زَيدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ رَخَّصَ في العَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيلًا. قَالَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ: وَالعَرَايا نَخَلَاتٌ مَعْلُوماتٌ تَأْتِيهَا فَتَشْتَرِيهَا . [طرفه في: ٢١٧٣]. واعلم أن معاملات العرب بالعَرَايا كانت على عِدَّة أوجه، ذكرها الحافظُ في ((الفتح))، وثلاثٌ منها مختاراتٌ للأئمة أيضًا. فعند الإِمام الأعظم العَرِيَّةُ: اسم لعطية ثمرة النخل على عادة العرب، فإن أهل النخل منهم كانوا يَتَطوَّعُون على من لا ثمَرَ له في الموسم، ثم إذا كانوا يتأذُّون من دخول المُعْرَى له عليهم يَعْطُونَهم تمرًا آخر مكانه، ليُخَلِّي ثماره للمُعْرِي خاصةً. وأما عند مالك، فعنه تفسيران: أحدهما: ما عن الإِمام الأعظم بعينه، إلَّا أنه خالفه في تخريجه، وجعل المُبَادلَة المذكورةَ بيعًا، واعتبره إمامُنا هِبَةً. ثم إن المُعَامَلَةَ المذكورةَ تَقْتَصِرُ عنده بين المُعْرِي والمُعْرَى له، ولا تجري بين غيرهما. وثانيهما: ما في ((موطئه))، وهو أن تكون لرجلٍ عدَّةُ نخلٍ في حديقةِ رجلٍ، فتحرَّج صاحبُ البستان من دخوله في الموسم، واصطلح أن يبيع ثمرة نخيله منه بكذا من التّمر، لتخلص له ثمرة البستان كلِّه. وحاصلُه: أن العَرِيَّةَ بيعٌ عنده على التفسيرين. وقال الشافعيُّ: إن الناس كانوا فقراء، ليست عندهم دَرَاهِمَ ولا دنانير، فإذا جاء الموسمُ شَكُوا إلى النبيِّ وَّر مما رابهم. فلمَّا رأى النبيُّ ◌َّرَ اشتياقَهم إلى الرُّطَب، ولا ثمنَ عندهم لِيَشْتَروا به، أباح لهم أن يَشْتَرُوا الرُّطَبَ بالتمر، ولما كانت الحاجةُ تندفع بخمسة أَوْسُق خصَّصه بها. ولذا قال الشافعيةُ: إن العَرِيَّةَ لا تجوز إلَّا في هذا المقدار، أو أقل. ولا تجوز فيما زاد على ذلك،، إلَّا أن تكونَ بصفقاتٍ. فإذا كانت بصفقاتٍ، فتَجُوزُ عندهم، ولو في ألوفٍ من الأَوْسَاقِ. ثم إنهم يَشْتَرِطُوا الكَيْلَ في التمر، والخَرْصَ في الثمر. وذلك لأن الكَيْلَ إذا فَاتَ عنهم في الثمر، لكونه على رؤوس الأشجار، عَدَلُوا إلى الخَرْصِ، لِيَقْرُبَ إلى الواقع شيئًا، ولا يبقى جِزَافًا مَحْضًا. لأن التمرَ بالرُّطَب مُزَابنةٌ عندهم، وهي حرَامٌ بالنصِّ. وإنما أَبَاحَها الشرعُ لهم في خمسة أَوْسُقٍ خاصةً، فضيَّقُوا فيه. ثم إن هذه المعاملة في هذا المقدار تجري بين كل ٤٦٩ كتاب البيوع رجلين، ولا اختصاصَ لها بالمُعْرِي والمُعْرَى له، كما هو عند مالك. هذا هو تفصيل المذاهب، وتفسير العَرَايا . أما الترجيحُ لمذهبنا، فمن أوجهٍ: الأول: أنه اتفق أهلُ اللغة كافةً، على أن العَرِيَّةَ من العَارِيَّةِ: اسم لهبة ثمار النخيل. وَوَافَقَنَا عليه صاحب: ((القاموس)) أيضًا، مع كونه شافعيًا متعصِّبًا، فإنه يُرَاعي مذهبه في بيان اللغة أيضًا. نعم هو مُعْتقِدٌ لأبي حنيفة أيضًا، وقد كان بعضُ أهل زمانه كَتَبَ رسالةً في مثالب أبي حنيفة، ونَسَبَها إليه. فلمَّا بلغ أمرها إليه، تبرَّأ منه، وقال: إنها افتراءٌ عليّ، وأنا أخضع دون جلالة قدره، وأمر بحرقها. والأسفُ كل الأسف على أن داهيةً التعصُّب قد أَلَمَّت في باب الجرح والتعديل أيضًا، فَيُسَامِحُون عمَّن وافقهم في المذهب، ويُمَاكِسُون فيمن خالفهم. كالذهبيِّ، فإنه يُرَاعي الحنبلية، ولا يَغْفِرُ للأشعرية. وأمَّا الحافظُ، فإنه لا يُغْمِضُ عن الحنفية، وكأنها عنده ذنبٌ ليس فوقها ذنبٌ. وبعد، فإنهم لمعذورون، لأنه من يسمع يُخِلُّ، فإذا لم يَبْلُغْهُمْ من الحنفية إلَّا أنهم أصحاب بدعةٍ وقياسٍ، وأُشْرِبَ به قلوبهم، لم يتكلَّموا إلَّا ما ناسب بما أُخْبِرُوا به، ولم يتحمَّلوه إلَّا ما حمِّلَ إليهم. ولكن من جرَّب الحال منهم، وحقَّق الأمر، فحاشاه أن يُطِيلَ لسانه في شأنهم. وكفاك محمد، وأبو يوسف من تلامذته. فأمَّا محمد، فهو الذي تخرَّج عليه الشافعيُّ، وقال فيه : إنه كان يَمْلأُ العينَ والقلبَ. وكان إذا تكلّم فكأنما نَزَلَ الوحيُّ. وأمَّا أبو يوسف، فأمرُه معروفٌ، وقد قدَّمنا بعض الكلام في أوائل كتاب العلم. وبالجملة: إن انتهى الأمرُ إلى اللغة، فهي للحنفية خاصةً، وليس لغيرهم فيها حَظّ. وراجع ما عندهم من أنواع الهِبَةُ، فإنهم سَمُّوا هِبَةَ الحيوان الحلوب: منحةً، وهِبَة الثمار: عَرِيَّةً، إلى غير ذلك. وقد نقل الطحاويُّ بيتًا عن شعرائهم يَمْدَحُ الأنصار، يَدُلُّ على كونها هِبَةً، وفي النسخة سقط من الكاتب، وأنقله بعد التصحيح: ولكن عَرَايا في السنين الجوائح وليست بسَنْهَاءَ ولا رَجَبيَّةٍ يقول: إن أشجارَهم ليست بسنهاء التي تُثْمِرُ في سنةٍ مرةً، وليست مما تُلْقَى حولها الشِّيَاك أيضًا، ولكنها عَرَايا تُوهَبُ للمساكين عند حاجتهم، فكأنه عنى بها التصدُّق، والهِبة. ولو كانت العَرِيّةُ بیعًا، لم یکن فیھا مدحٌ لهم. ولنا أيضًا أثرُ زيد بن ثابت، أخرجه الطحاويُّ، قال: ((رخّص في العَرَايا في النخلة، والنخلتين تُوهَبَان للرجل، فيبيعها بِخَرْصِها تمرًا))، فَأَخْبَرَ بأن العَرِيَّة هِبَةٌ. وزيدُ بن ثابتٍ، وما زيد بن ثابت هو مدنيٍّ، ومن أصحاب النخيل، وهو أعلم بالعَرَايا، لأن صاحبَ البيت أَدْرَى بما فيه. أمَّا غيرُه ممن ليسوا بأصحاب النخيل، كابن عمر، فإنهم لا يُوَازُونَه في هذا الباب. ولا أُنْكِرُ تفاسيرهم، فإنها كلَّها مَرْوِيَّةٌ عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. أمَّا المرفوعَ فلا مَزِيَّةً فيه لأحدهما على الآخر، فقد عَلِمْتَ أن الباء في قوله ◌َّ: ((بمثل خَرْصِها)» للتصوير عندنا، وللعِوَض عندهم. فقالوا: معناه العَرَايا هي بيعُ التمر عوض الرُّطَب المَخْروصَةِ بمثلها. وقلنا: معناه هو البيعُ، بأن يَخْرُص الرُّطَب، فيبيعها خَرْصًا. أمَّا العِوَض، ٤٧٠ كتاب البيوع فلم يُذْكَر في الحديث، فإن كان نقدًا، فلا خلافَ فيه لأحدٍ. وعند الترمذيِّ في حديث العَرِيَّة: (ونهى عن بيع كل ثمرٍ بِخَرْصِها))، مع أنه لو كان بالدينار والدراهم، جاز إجماعًا. فالنهيُّ فيه للشفقةِ بالاتفاق، فلم يَخْلُصْ الحديثُ لأحدٍ، وتُوزَنا فيه وزنَ المثقال. ونقول أيضًا: إن التمرَ والرُّطَبَ من الأموال الرَّبَوِيَّة، ويُنَاسِبُ فيها الإِطلاق، فَقُلْنا بالحرمة مطلقًا، ولم نُجِرْ فيها التخصيص. وعلى هذا، فأحاديثُ النهي عن المُزَابنة على عمومها عندنا، بلا تخصيصٍ، والاستثناءُ فيها منقطعٌ، لعدم دخول العَرَايا في المُسْتَثْنَى منه. ويَلْزَمُ على الشافعية مخالفةُ اللّغة، ومخالفةُ ما عند شعرائهم فيه، ومخالفةُ أعلم رجلٍ في هذا الموضوع، وإجراءُ التخصيص في الأموال الرِّبوية. فإن قلتَ: يَرِدُ عليكم استثناء العَرَايا من البيع، فإن ظاهرَه كونها بيعًا، وثانيًا الرجوع في الهِبَة، وثالثًا لا معنى لتخصيص خمسة أَوْسُق على مذهبكم، فإن هِبَةَ الخمسة والرجوعَ عنها، كهبة ألف أَوْسُقٍ، والرجوع عنها. قلتُ: أمَّا ما قُلْتَ من استثناء العَرَايَا من البيع، فقد سَمِعْتَ آنفًا أنه استثناءٌ منقطعٌ عندَنَا، ونزيدك إيضاحًا، فنقول: إن العَرِيَّةَ على مذهب الحنفية استردادٌ للهبة الأولى، واستئنافٌ في الهبَة الثانية. ولكنه تخريجٌ ونظرٌ، وليس في الظاهر إلَّا استبدال الرُّطَب بالتمر، ولا رَيْبَ أنه بيع حِسًّا، وإن عبَّرناه استردادًا، واستئنافًا على الأصل. وحينئذٍ لا بِدَعَ في كونها مستثناةً من البيع، ولا حَجْر في التعبيرات والعبارات، فإنها تأتي مبنيةٌ على الحسِّ. وقد نبَّهناك مِرَارًا أنه ليس على الرُّواة إخراج العبارات كاشفةً عن تخريج المسائل أيضًا. وإنما هم بصدد النقل المجرَّد، فَيُخَرِّجُون عباراتهم على ما سَنَحَ لهم في ذلك الحال. وعلى هذا فالأشجار بعد العَرِيَّة إذا نُسِبَتْ إلى المَعْرَى له، كأنها مِلْكُهُ، ثم ردَّها المُعْرَى له إلى المالك، بعوضٍ من التمر، كأنه يبيعها منه، صارت صورتُها صورةً البيع قطعًا، سواء سمَّيته استردادًا، أو هِیةً، أو ما بدا لك. فإن الراوي لا بحث له من أن تخاریجك فيه ماذا. ومن لههنا انحلت عُقْدةٌ أخرى في حديث جابر عند البخاري، قال جابر، في بيان صفة صلاته وَّ في الخوف: ((كان للنبيِّ وَّل أربعٌ، وللقوم ركعتان)). اهـ. وهذا لا يَصِحُ على مذهب الحنفية، وحَمْلُه على حال الإِقامة باطلٌ، كما ذكرناه في تقرير الترمذي. وجواب الطحاويِّ نافذٌ. والجواب على ما ظَهَرَ لي: أن النبيَّ ◌َّ صلَّاها في ذات الرِّقَاع على الصفة المختارة عند الشافعية، فصلَّى بطائفةٍ ركعةً، ثم ثَبَتَ قائمًا حتى أَتَمُّوا لأنفسهم، وجاءت الأخرى، فصلَّى بهم كذلك، فاعتبر الراوي ركعته وَّل ركعةً، ومُكْثَهُ بقدر ما أَتَمُّوا لأنفسهم ركعةً أخرى، فعبَّر عنه بالركعتين. وكانت الركعتان في الحقيقة لمن خلفه وَّ، وإنما نَسَبَهُمَا إليه أيضًا لتأخيره بتلك المدَّة، ومُكْثِهِ فيها، فإذا تضمَّنت ركعته وَّ لركعتيهم، تضمَّنت ركعتاه لأربعهم لا مَحَالة. وهذا وإن كان يرى تأويلًا في بادىء النظر، لكنه مُؤَيَّدٌ بما يُرْوَى عن جابر في عين تلك القصة. فقد أخرج البخاريُّ: عنٍ صالح بن خَوَّاتٍ، عمن شَهِدَ مع رسول الله وَّ يوم ذات الرِّقَاع صلاةَ الخوف: ((أن طائفةً صفَّت معه، وطائفةً وِجَاه العدو، فصلَّى بالتي معه ركعةً، ثِم ثَبَتَ قائمًا، وأتمُّوا لأنفسهم. ثم انصرفوا، فصفُّوا وِجَاه العدو. وجاءت الطائفةُ الأخرى، فصلَّى بهم ٤٧١ كتاب البيوع الركعةَ التي بقيت من صلاته، ثم ثَبَتَ جالسًا، وأتمُّوا لأنفسهم، ثم سلَّم بهم)). اهـ . فهذا صريحٌ في أن القومَ فَرَغُوا بعد ركعتين ركعتين، وأمَّا النبيُّ ◌َّهِ فلم يَفْرُغ عن صلاته حتى فَرَغُوا جميعًا. فكانت لهم ركعتان ركعتان، وكانت للنبيِّ نَّ أيضًا ركعتان، كما ذكره الراوي لههنا، إلَّا أنه لمَّا مَكَثَ بعد ركعةٍ بقدر ركعةٍ، وانتظر القوم عبَّرِ عنه الراوي هناك بالركعة، وعَدَّ له أربع ركعات بهذا الطريق. ولا بُدَّ، فإن الواقعةَ واحدةٌ، فلعلَّك عَلِمْتَ الآن حال تعبير الرواة أنه لا يُبْنَى على مسألةٍ فقهيةٍ فقط، بل يأتي على عبارات وملاحظ تَسْنَح لهم عند الرواية. وأمَّا الجوابُ عن الرجوع في الهِبَةِ، فنقول: إن القبض من شرائط تمامية الهبة، وهو في باب الهبة بالجذاذ، وإن كان في باب البيع بالتخلية فقط، فجاز فيها الرجوع، فإنه رجوع قبل القبض، وقبل تمامية الهبة، والدليلُ على أنه لا بُدَّ في قبض الثمار من الجِذَاذِ ما رواه الطحاويُّ: ((أنه لمَّا احْتَضَرَ أبو بكر قال: إني قد كنتُ أَعْطَيْتُكَ ثمارًا في الغابة، فلو كنتَ جَذَذْتُها لكانت لك، إلَّ أنك ما جَذَذْتَهَا إلى الآن، فهي حينئذٍ ميراثٌ للورثة)) بالمعنى -. وبه أَفْتَى عمر. فَدَلَّ على أن الهِبَةَ لا تَتِمُّ إلَّا بالقبض، وأن الثمارَ لا قبضَ فيها إلَّ بالجذاذِ. أما قولك: إنه لا معنى لتخصيص خمسة أَوْسُق على مذهبكم، فنقول: أمَّا أولًا فكما ذكره الطحاويُّ: أنه ليس فيه ما ينفي أن يكونَ حكمُ ما هو أكثر من ذلك، كحكمه في خمسة أَوْسُق. وإنما يكون ذلك لو قال رسولُ اللهِوَّ: لا تكون العَرِيَّة إلَّ في خمسة أَوْسُقَ، أو فيما دون خمسة أَوْسُق. فإذا كان الحديثُ: ((أن رسولَ الله وَّ رَخَّص في بيع العَرَايا(١) في خمسة أَوْسُقٍ، أو فيما دون خمسة أَوْسُقٍ))، فذلك يحتمل أن يكونَ النبيُّ ◌ََّ رخَّص فيه لقوم في عَرِيَّةٍ لهم، هذا مقدارها. فنقل أبو هُرَيْرَة ذلك، وأخبر الرُّخْصَة فيما كانت. ولا ينفي ذلك أنّ تكونَ تلك الرخصة جاريةً فيما هو أكثر من ذلك . اهـ . وأمَّا ثانيًا، فعلى ما أقول: إن المعاملةَ المذكورةَ لمَّا كانت بيعًا حِسًّا ناسب فيها التضييق، لئلا تقوم أصلًا للمعاملات الرِّبَوِيَّة. فإن الشافعيةَ أيضًا قَصَرُوها على خمسة أَوْسُقٍ، غير أنهم جعلوها استثناءً من معاملة الرِّبا حقيقةً. ونحن قَصَرْنَاها على المقدارِ المذكور لمظنّة جریان الربا فيما عَدَاها. ثم لو سَلَّمْنَا أن العَرِيَّةَ هي البيعُ دون الهِبَةِ، فقد أُخْرِجَتْ لها صورة الجواز على مسائلِ الحنفية أيضًا، وهي: أن بيع العرِيَّة على نحوين: الأول: أن يقولَ: بِعْتُ ثمارَ هذه الشجرة التي أَخْرُصُهَا خمسة أَوْسُق، بدل كذا من التمر. والثاني: أن يقولَ: بِعْتُ خمسة أَوْسُقٍ من ثمار هذه الشجرة، بدل كذا من التمر. والأول لا يجوز، بخلاف الثاني، وهو المحمل عندي . والفرق أنه باع على الأول ثمارها خَرْصًا، فإن خرجت خمسة أَوْسُقِ فذاك، وإلا فلا ضمان عليه، لأنه لم يبع خمسة أوسق، ولكنه باع ثمارها، سواء خرجت بهذا المقدار، أو لا، (١) قلتُ: وإطلاقُ البيع على العَرَايا في هذه الرواية لعلَّه مأخوذٌ من استثنائها من البيع، فإنه ليس من النبيِّ وَّه. وإنما هو من لفظ الراوي، يحكي عن رُخَصِهِنََّ فِي العَرَايا. فاعلمه. ٤٧٢ كتاب البيوع والخرص لا يطابق الواقع دائماً، ففيه احتمال الربا، لأنه بيع التمر بالتمر، ولا بد فيه من التساوي، وذلك معدوم في هذا الفصل، بخلاف الثانى، فإنه عقد على خمسة أوسق، وليس الخرص فيه إلا في الذهن، فإنه خرصها في ذهنه أن ثمار هذه الشجرة تكون خمسة أوسق، ثم باعها منه. فليس الخَرْصُ في الخارج، وهو لحفظه في ذهنه فقط. فإذا أَسْلَمَ إليه يَكِيلُها لا مَحَالة، ليُسْلِمَ إليه خمسة أَوْسُق، فلا احتمال فيه للربا. وعلى هذا لم يَرِد العقدُ على المَخْرُوص، بل وَقَعَ على المعَيَّن، ولا بأسَ بكون هذا المعيّن مَخْرُوصًا في أول الأمر في ذهنه، بل هو مفيدٌ. أمَّا في الخارج، فلا يسْلِمُ إليه إلَّ مكيلة. ثم الكيلُ وإن لم يكن معروفًا في الرُّطَب فيما بينهم لتعسُّره فيها، ولكنه إذا تحمَّله على نفسه والتزمه وَجَبَ عليه أن يَكِيلَها. حينئذٍ جَازَت العَرِيَّةُ بيعًا على مسائلنا أيضًا. وجملةُ الكلام: أن المبيعَ في العَرِيَّة عندهم مَخْرُوصٌ أولًا وآخرًا، وعندنا مخروصٌ أولًا، وفي الذهن فقط، ومعيَّنٌ آخِرًا، وعند التسليم. فإن ادَّعَيْتَ بجوازها، لم يُخَالِف مسائلنا بشيءٍ . ثم اعلم أن تلك عند أبي عُبَيْد هي التي اسْتُثْنِيَت في باب الزكاة في قوله مَّه: ((ليس فيما دون خمسة أَوْسُقٍ صَدَقةٌ بعينها)) فيكون عنده تفسيرًا لأربعًا(١). (١) قلتُ: وكان شيخي يَنْقُلُه عن أبي عُبَيْد، إلَّا أن كتابَه المعروف ((بكتاب الأموال)) لم يكن طُبعَ يومئذٍ، فلم أكن أَحْصُل منه غير الطَّلِّ. حتى إذا جاءنا مطبوعًا بعد وفاة الشيخ. فَرَاجَعْتُ كلامَه، فانكشف الحال على جليته. قال أبو عُبَيْد: وأمَّا تفسيرُ الآخر، فهو: أن العَرَايا هي النخلات يَسْتَثْنِيها الرجلُ من حائطه إذا باع ثمرته، فلا يُدْخِلُها في البيع، ولكنه يُبْقِيها لنفسه وعِيَاله. فتلك الثُّنيا لا تُخْرَصُ عليه، لأنه قد عُفِي لهم عمّا يأكلون تلك الأيام. فهي العَرَايا سُمِّيَت بذلك في هذا التفسير، لأنها أُعْرِيَتْ من أن تباعَ، أو تُخْرَصَ في الصدقة. فَأَرْخَصَ النبيُّ ◌ٍَّ لأهل الحاجة والمسكنة، الذين لا وَرِقَ لهم، ولا ذهب، وهم يَقْدِرُون على التمر: أن يَبْتَاعُوا بتمرهم من ثمار هذه العَرَايا بِخَرْصِهَا. فعل ذلك بهم النبيُّ ◌َ﴿ ترفُقًا بأهل الفاقة الذين لا يَقْدِرُون على الرُّطَب ليُشَارِكُوا الناسَ فيه، فيصيبوا منه معهم. ولم يرخّص لهم أن يَبْتَاعُوا منه ما يكون لتجارةٍ، ولا لادخارٍ. قال أبو عُبَيْد: فهذا التأويلُ أَصَحُّ في المعنى عندي من الأول، لأن له شَاهِدَيْن في الحديث. أمَّا أحدهما، فشيءٌ كان مالك يُحَدِّثُهُ عن داود بن الحُصَيْن، عن أبي سُفْيَان - مولى ابن أبي حمد - وفي نسخةٍ : - مولى ابني أحمد - عن أبي هُرَيْرَة: ((أن رسولَ الله ◌َّ أَرْخَصَ فِي العَرَايا بِخَرْصِهَا، خمسة أَوْسُقٍ، أو ما دون خمسة أَوْسُقٍ)). كان مالك يقول: الشّكُّ من داود، حذَّثنيه ابن بُكَيْر عنه. قال أبو عُبَيْد: وأَخسِبُ أن المحفوظَ منهما إنما هو ما دون خمسة أَوْسقٍ، لأن توقيتَه ◌َّرِ ذلك، وتركه الرُّخصة في خمسة أَوْسُقِ تبيِّن لك أنه إنما أَذِنَ في قدر ما لا يَلْزَمه الصدقة. لأن سنته «أن لا صدقةً في أقلّ من خمسة أَوْسُقٍ، وأن لا صَدَقَةً في العَرَايا)) فهذه تلك بعينها. والحديث يُصَدِّقُ بعضُه بعضًا. وتقليله ذلك يُخْبِرُك أنه إنما أَرْخَصَ لهم في قدر ما يأكلون فقط، فهذا أحد الشّاهِدَيْن ... إلخ، ولعلَّ في الجملة الأخيرة سَقْطٌ، فتبيَّن منه أن ما دون الخمسة في العَرِيَّة هي التي عفا عنها في باب الزكاة عنده. وحينئذٍ ظَهَرَ لك وجهٌ لسقوط الصدقة عمّا دون خمسة أَوْسُقٍ في باب الزكاة، وهو: أنه كان هذا المقدار مشغولاً بحوائجهم يَخْفَظُونَهُ لأنفسهم، وعِيَالهم، ولمن نزل عليهم. لا أن الصدقةَ لا تَجِبُ فيه، وأن لها نِصَابًا عند الشرع لا تَجِبُ إلاَّ عند وجوده. فالصدقةُ واجبةٌ في كل ما خَرَجٌ من الأرض عندنا، إلاَّ أن قدر خمسة أَوْسُق يكون مشغولاً بحوائجهم، مهَيّأ لأكلهم وضيفهم، فَسَقَطَتْ عن هذا المقدار. وقد قال الخطابيُّ نحوه بعينه في شرح حديث= ٤٧٣ كتاب البيوع هذا الذي أردنا إلقاءه عليك من تفسير العَرَايا، وما يتعلَّق بها، والآن نشرح ألفاظ الترجمة . قوله: (وقال ابنُ إذْرِيس) المراد منه الشافعي. قوله: (العَرِيَّةُ لا تكونُ إلَّا بالكَيْلِ من التمر، يَدًا بيدٍ، ولا تكُون بالجِزَاف)، يعني به أن التمر يُعْطَى للمُعْري، ويكون مَقْبُوضًا. أمَّا الثمارُ، فلا سبيلَ فيها إلَّا بالتَّخْلِيةَ. قوله: (بالأَوْسُقِ المُوَسَّقَةِ) ... إلخ، وهو كقوله: ﴿وَالْقَتَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ﴾ [آل عمران: ١٤]، ففيه معنى التأكيد. ومُقْتَضَى اللفظ كونه معاملةً من الطرفين، نحو كون الكَيْلِ من طرفٍ، والخَرْصُ من طرفٍ آخر، فحصلت التقوية، كما أراده المصنّف. قوله: (العَرَايا نخلٌ) ... إلخ، والمراد به ثمار النخل. ٢١٩٢ - قوله: (رَخَّصَ في العَرَايا أن تُبَاعِ بِخَرْصِها كَيْلًا)، والبائعَ عند الشافعيِّ: هو صاحبُ النخل المُعْرِي. وعند أبي حنيفة، ومالك: المُعْرَى له، غير أن بيعَه للمُعْرِي بيعٌ حقيقةً عند مالك، ومبادلةٌ، واستبدالٌ فقط عند أبي حنيفة. فيكون بيعًا صورةً لا غير، على ما عَلِمْتَ تفصيله. وقد مرَّ أيضًا: أن الباء في قوله: ((بِخَرْصِها)) للتصوير عندنا، والبدلُ غير مذكورٍ، فيمكن أن يكونَ الدراهمَ والدنانيرَ، كما يُؤَيِّدُه ما عِند النَّسائي. وهي عند الشافعيِّ للبدل، فيكون المَخْرُوصُ عِوَضًا، وبَدَلًا. وقد ذكرنا شيئًا يتعلَّق به في آخر كتاب المساقاة أيضًا، فراجعه (١). أبي داود مرفوعًا: ((أمرنا رسولُ الله ◌َّرَ: إذا خَرَصْتُم فَجُذُوا ودعوا الثُّلث، فإن لم تدعوا أو تَجُذُّوا الثُّلث، فدعوا = الربع» . اهـ . قال الخطّابيُّ: قيل: اتركوا لهم ذلك ليتصدَّقوا منه على جيرانهم، ومن يَطْلُبُ منهم. لا أنه لا زكاةً عليهم في ذلك . اهـ . فإذا جَازَ استثناء الثلث، والربع الذي قد يزيد على خمسة أَوْسُق بمراتب، فالخمسة أَوْسُق لا تُسْتَثْنَى في باب الزكاة لعين تلك العلَّة. والله تعالى أعلم. (١) قلتُ: وأحسنُ ممَّن رأيتُ قرَّر مسألة العَرِيَّة، ونبَّه على الفروق بين المذاهب مع بيان عُمْدَةِ كلِّ، هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القُرْطبي في ((بداية المجتهد)): اختلف الفقهاءُ في معنى العَرِيَّة، والرُّخْصَة التي أتت فيها في السُّنة. فحكى القاضي أبو محمد عبد الوهاب المالكي: أن العَرِيَّة في مذهب مالك هي: أن يَهَبَ الرجلُ ثمرةَ نخلةٍ، أو نَخَلات من حائطه لرجلٍ بعينه. فيجوز للمُعْرِي شراءها من المُعْرَى له بِخَرْصِها تمرًا على شروط أربعة: أحدها: أن تُزْهى. والثاني أن تكونَ خمسة أوسُق فما دون، فإن زادت فلا يجوز. والثالث: أن يعطيه التمر الذي يشتريها به عند الجُذَاذ، فإن أعطاه نقدًا لم يَجُزْ. والرابع أن يكونَ التمر من صنفِ ثمر العَرِيَّة ونوعها . فعلى مذهب مالك: الرُّخْصَة في العَرِيَّة إنما هي في حقِّ المُغْرِي فقط. والرخصة فيها إنما هي استثناءها من المُزَابنة - وهي بيعُ الرُّطَبِ بالتمر الجافُ الذي وَرَدَ النهيُّ عنه - ومن صنفي الرِّبا أيضًا - أعني التفاضل والنَّسأ - وذلك أن بيعَ ثمرٍ معلومِ الكَيْلِ بثمرٍ معلومٍ بالتخمين، وهو الخَرْصُ، فَيَدْخُلُه بيع الجنس الواحد متفاضلاً، وهو أيضًا ثمرٌ بثمرٍ إلى أجلٍ. فهذا هو مذهب مالكٌ، فيما هي العَرِيَّة؟ وما هي الرخصة فيها؟ ولمن الرخصة فيها؟. وأمَّا الشافعيُّ، فمعنى الرخصة الواردة عنده فيها ليست للمُعْرِي خاصةٌ، وإنما هي لكلِّ أحدٍ من الناس أراد أن يشتري هذا القدر من الثمر، أعني الخمسة أَوْسُق، أو ما دون ذلك بتمرٍ مثلها. وروى: أن الرُّخْصَة فيها إنما هي= ٤٧٤ كتاب البيوع معلّقةٌ بهذا القدر من التمر لضرورة الناس أن يأكلوا رُطَبًا، وذلك لمن ليس عنده رُطَبٌ ولا تمرٌ يشتري به الرُّطَب. = والشافعيَّ يشترط في إعطاء التمر الذي يُبَاعُ به العَرِيَّة أن يكونَ نقدًا، ويقول: إن تفرَّقا قبل القبض فَسَدَ البيع. والعَرِيَّةُ جائزةٌ عند مالك في كل ما يَيْبَسُ، ويُدَّخَرُ. وهي عند الشافعي: في التمر والعنب فقط. ولا خِلَافَ في جوازها فيما دون الخمسة الأَوْسُق عند مالك، والشافعي. وعنهما الخِلاَفُ، إذا كانت خمسة أَوْسُقٍ، فرُوِي الجوازُ عنهما والمنع. والأَشْهَرُ عند مالك الجواز. فالشافعيُّ يُخَالِفُ مالكًا في العَرِيَّةِ في أربعة مواضع: أحدها: في سبب الرُّخصة، كما قلنا. والثاني: أن العَرِيَّةَ التي رخّص فيها ليست هِبَةً، وإنما سُمِّيَتْ هبةً على التجوُز. والثالثُ: في اشتراط النقد عند البيع. والرابع: في محلها، فهي عنده، كما قلنا، في التمر والعنب فقط، وعند مالك في كل ما يُدَّخَرُ ويَنْبَسُ. وأمَّا أحمد بن حنبل، فَيُوَافِقُ مالكًا في أن العَرِيَّةَ عنده هي الهِبَةُ، ويُخَالِفُهُ في أن الرُّخصةَ إنما هي عنده فيها للموهوب له، أعني المُغْرَى له لا المُغْرِي. وذلك أنه يَرَى أن له أن يَبِيعَها ممن شاء بهذه الصفة، لا من المُعْرِي خاصةً، كما ذهب إليه مالك. وأما أبو حنيفة، فَيُوافِقُ مالكًا في أن العَرِيَّةَ هي الهِبَةُ، ويُخَالِفُه في صفة الرُّخصة. وذلك أن الرُّخصةَ عنده فيها ليست هي من باب استثنائها من المُزَابنة، ولا هي في الجملة في البيع، وإنما الرُّخصةُ عنده فيها على باب رجوع الواهب في هبته، إذا كان الموهوب له لم يَقْبِضْها. وليست عنده ببيع، وإنما هي رجوعٌ في الهِبَةِ على صفةٍ مخصوصةٍ، وهو أن يُعْطِي بدلها تمرًا بِخَرْصِهَا. وعُمْدَةُ مذهب مالك في اَلْعَرِيَّة: أنها بالصفة التي ذَكَرَ سُنَّتَها المشهورةَ عندهم بالمدينة، قالوا: وأصلُ هذا أن الرجل كان يَهَبُ النَخَلات من حائطه، فَيَشْقُّ عليه دخول الموهوب له عليه، فأُبِيحَ له أن يشتريها بِخَرْصِهَا تمرًا عند الجُذَاد. ومن الحُجَّة له في أن الرُّخصةَ إنما هي للمُعْرِي: ((حديث سَهْل بن أبي حَثْمة: أن رسولَ الله ◌َِّ نَّهَى عن بيع الثمر بالرطب. إلاّ أنه رخّص في العَريَّة أن تُبَاعِ بِخَرْصِهَا، يَأْكُلُهَا أَهْلُها رُطَبًا)). قالوا: فقوله: ((يَأْكُلُهَا رُطَبًا)»: دليلٌ على أن ذلك خاصٍّ بمُعْرِيها، لأنهم في ظاهر هذا القول أهلها. ويمكن أن يُقَالَ: إن أهلها هم الذين اشتروها، كائناً من كان، لكن قوله: رطباً هو تعليل، لا يناسب المعري، وعلى مذهب الشافعي هو مناسب، وهم الذين ليس عندهم رُطبّ ولا تَمْرٌ يشترونها به، ولذلك كانت الحُجَّة للشافعيِّ. وأمَّا أن العَرِيَّة عنده هي الهِبَةُ، فالدليلُ على ذلك من اللغة، فإن أهلَ اللغة قالوا: العَرِيَّةُ هي الهِبَةُ. واختلفوا في تسميتها بذلك، فقيل: لأنها عَرِيَتْ من الثمن، وقيل: إنها مأخوذةٌ من عَرَوْتُ الرجل أعْروه، إذا سألته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَلْعِمُواْ الْقَائِعَ وَالْمُعْثَّ﴾ [الحج: ٣٦] وإنما اشترطَ مالك نقد الثمن عند الجُذَّاذِ - أعني تأخيره إلى ذلك الوقت ـ لأنه تمرّ وَرَدّ الشرطُ بِخَرْصِهِ، فكان من سُنَّته أن يتأجَّلَ إلى الجُذاذ، أصلُه الزكاة، وفيه ضعفٌ، لأنه مصادمةٌ بالقياس لأصل السُّنة. وعنده أنه إذا تطوَّعَ بعد تمام العقد بتعجيل التمر جَازَ. وأمَّا اشتراطُه جوازها في الخمسة الأَوسُق، أو فيما دونها، فلِمَا رواه عن أبي هُرَيْرَة: ((أن رسولَ الله ◌ِّهِ أَرْخَصَ في بيع العَرَايا بِخَرْصِها فيما دون خمسة أَوْسُقٍ، أو في خمسة أَوْسُقٍ)). وإنما كان عن مالك في الخمس الأَوْسُق روايتان، للشَّكُّ الواقع في هذا الحديث من الراوي. وأمَّا اشتراطُه أن يكونَ من ذلك الصنف بعينه، إذا يَبِسَ، فَلِمَا رُوِيَ عن زيد بن ثابت: ((أن رسولَ الله ◌َِّ رِخْص لصاحب العَرِيَّة أن يَبِيعَها بِخَرْصِهَا تمرًا»، أخرجه مسلم. وأما الشافعيُّ فعمدته حديث رافع بن خَدِيج، وسَهْل بن أبيٍ حَثْمَة، عن النبيِّ وَّةِ: ((أنه نَهَى عن المُزَابنة التمر بالتمر))، إلاَّ أصحاب العَرَايا، فإنه أَذِنَ لهم فيه، وقوله فيها: ((يَأْكُلُهَا أَهْلُها رُطَبًا)). والعَرِيَّة عندهم هي اسمُ لِمَا دون الخمسة الأَوْسُق من التمر، وذلك أنه لمَّا كان العُرْف عندهم أن يَهَبَ الرجلُ في الغالب من نَخَلاته هذا القدر فما دونه، = ٤٧٥ كتاب البيوع ٨٥ - بابُ بَيعِ الثِّمارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلاَحُهَا ٢١٩٣ - وَقالَ اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: كانَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ يُحَدِّثُ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ الأَنْصَارِيِّ، مِنْ بَنِي حَارِثَةَ: أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ زَيدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَّهَ يَتَبَايَعُونَ الثِّمَارَ، فَإِذَا جَدَّ النَّاسُ وَحَضَرَ تَقَاضِيهِمْ، قَالَ المُبْتَاعُ: إِنَّهُ أَصَابَ الثَّمَرَ الدُّمَانُ، أَصَابَهُ مُرَاضٌ، أَصَابَهُ قُشَامٌ، عاهَاتٌ يَحْتَجُونَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ لَمَّا كَثُرَتْ عِنْدَهُ الخُصُومَةُ فِي ذلِكَ: ((فَإِمَّا لَّا، فَلَا تَتَبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُ الثَّمَرِ)). كالمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا لِكَثْرَةِ خُصُومَتِهِمْ. وَأَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ زَيدَ بْنَ ثَابِتٍ لَمْ يَكُنْ يَبِيعُ ثِمَارَ أَرْضِهِ حَتَّى تَظْلُعَ الثُّرَيًّا، فَيَتَبَيَّنَ الأَصْفَرُ مِنَ الأَحْمَرِ. قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ بَحْرٍ: حَدَّثَنَا حَكّامٌ: حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ سَهْلٍ، عَنْ زَيْدٍ . ٢١٩٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ نَهى عَنْ بَيعِ الثِّمارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهى البَائِعَ وَالمُبْتَاعَ. [طرفه في: ١٤٨٦]. ٢١٩٣ - قوله: (فَإِمَّا لا)، وهي: إن: شَرْطِيَّةٌ، وما: زائدةٌ للتأكيد، ولا: نافيةٌ، وصرَّح النحاةُ لهُهنا بالإِمالة في حرف النهي. وحاصلُ معناه: أنكم لا تترُكُوا هذه الخصومات، فلا تَبْتَاعُوا ... إلخ. خَصَّ هذا القدر الذي جاءت فيه الرُّخصة باسم الهِبَة، لموافقته في القدر للهبة . = وقد احتجَّ لمذهبه بما رَوَاهُ بإسنادٍ مُنْقَطِع عن محمود بن لَبِيد، أنه قال لرجلٍ من أصحاب رسول الله وَّة، إمَّا زيد بن ثابت، وإما غيره: «ما عَرَايَاكم هذه؟ قال: فسمَّى رِجَالاً مُخْتَاجِين من الأنصار، شَكُوا إلى رسول اللهلََّ أن الرُّطَب أتى، وليس بأيديهم نقدٌ يَبْتَاعُون به الرُّطَب، فَيَأْكُلُونَه مع الناس، وعندهم فَضْلٌ من قوتهم من التمر، فرخَّص لهم أن يَبْتَاعُوا العَرَايا بِخَرْصِهَا من التمر الذي بأيديهم، يَأَكُلُونَها رُطَبًا))، وإنما لم يُجِزْ تأخيرَ نقد التمر، لأنه بيعُ الطعام بالطعام نَسِيئةً . وأمَّا أحمد، فحُجَّتُهُ ظاهرُ الأحاديث المتقدّمة: ((أنه رخّص في العَرَايا))، ولم يَخُصَّ المُغْري من غيره. وأمَّا أبو حنيفة، فلمَّا لم تَجُزْ عنده المُزَابنة، وكانت أن جُعِلَتْ بيعًا نوعًا من المُزَابنة، رأى أن انصرافَها إلى المُغْرِي ليس هو من باب البيع. وإنما هو من باب رجوع الواهب فيما وَهَبَ بإِعطاء خَرْصِهَا تمرًا، أو تسميته إياها بيعًا عنده مُجَاز. وقد الْتَفَتَ إلى هذا المعنى مالك في بعض الروايات عنه، فلم يُجِزْ بيعَها بالدراهم، ولا بشيءٍ من الأشياء سوى الخَرْص، وإن كان المشهور عنه جواز ذلك. وقد قِيلَ: إن قول أبي حنيفة هذا هو من باب تغليب القياس على الحديث، وذلك أنه خَالَفَ الأحاديثَ في مواضع: منها: أنه لم يُسَمِّهَا بيعًا، وقد نصَّ الشارعُ على تسميتها بيعًا. ومنها: أنه جاء في الحديث: ((أنه نَهَى عن المُزَابنة، ورخّص في العرايا)». وعلى مذهبه لا تكون العَرِيَّةُ استثناءً من المُزَابنة، لأن المُزَابنةَ هي في البيع. والعجب منه أنه سَهُلَ عليه أن يستثنيها من النهي عن الرجوع في الهِبَة التي لم يَقَعْ فيها الاستثناء بنصِ الشرع، وعَسُرَ عليه أن يستثنيها مما استثنى منه الشارع، وهي المُزَابنة. والله أعلم. قلتُ: أمَّ الجوابُ عمَّا تكلّم على أبي حنيفة، فقد ظَهَرَ من كلام الشيخ . ٤٧٦ كتاب البيوع قوله: (كالمَشُورَةِ يُشِيرُ بها)، وهذا يُفِيدُنا، فإنه يَدُلُّ على أن النهيَ عن بيع الثمار قبل البُدُوِّ للإِرشاد. وحمله الطحاويُّ على السَّلَم. ولا يَجُوزُ السَّلَم عندنا أيضًا إلَّا إذا سَلِمَ من العاهات، وهو بعد البُدُوِّ لا غير. قوله: (حتى تَظْلُعَ الثُّرَيًّا)، ومن عادة العرب أنهم إذا ذَكَرُوا طلوعَ نجم، أرادوا به طلوعه المقارن للفجر، وطلوع الثُّرَيًّا يكون في الشهر المشهور في الهندية (أساره). ثم إن الحافظَ ذكر لهُهنا روايةً عن عطاء: ((إذا طَلَعَ النجم - أي الثَُّيًّا - رُفِعَت العاهةُ عن الثمار ... )) إلخ، وهي من ((مسند أبي حنيفة))، فَدَلَّ على اعتماده عليه، ولذا استعان به. فاحفظه، وراجع ما قاله المُحَشي بين السطور - أي في النسخة الهندية -. ٢١٩٥ - حدّثنا ابْنُ مُقَاتِلٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا حُمَيدٌ الطَِّيلُ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ نَّهِ نَهَىْ أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةُ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ. قالَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يَعْنِي حَتَّى تَحْمَرَّ. [طرفه في: ١٤٨٨]. ٢١٩٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَلِيم بْنِ حَيَّنَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِيناءَ قالَ: سَمِعْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: نَهَى النَّبِيُّ وَّرِ أَن تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُشَفِّحَ. فَقِيلَ: ومَا تُشقِّحُ؟ قالَ: تَحْمَارُّ وَتَصْفَارُ وَيُؤْكَلُ مِنْهَا. [طرفه في: ١٤٨٧]. ٢١٩٥ - قوله: (حتَّى تَحْمَرَّ)، وفي روايةٍ: ((تَحْمَارٌ))؛ ومعنى الأول: أن تَظْهَرَ فيه الحُمْرَة. ومعنى الثاني: كادت أن تَحْمَرَّ. نبّه أبو حَيَّان (سرخ کشته باشدو مائل بسرخی کشته باشد). واعلم أن أرباب الصَّرْف لم يُحِيطُوا بخواصِ الأبواب كلِّها، وإنما ذَكَرُوا شطرًا منه، وكان مهمًا. والكُتُبُ المصنَّفةُ فيها لم تُطْبَعْ. وأمَّا من أراد الآن أن يَتَتَبَّعَهَا، فطريقُه أن يُطَالِعَ ((البحر المحيط)) لأبي حَيَّن. ومن دَأْبه أنه إذا مرَّ على بابٍ من القرآن ذكر خواصَّه أيضًا، واستوعبها. فمن أراد ترتيب الخواصِّ، فهذه طريقته . ٨٦ - بابُ بَيعِ النَّخْلِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلاَحُهَا(١) ٢١٩٧ - حدّثني عَلِيُّ بْنُ الهَيثَم: حَدَّثَنَا مُعَلَّى: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ: أَخْبَرَنَا حُمَيدٌ: حَدَّثَنَا (١) قال الشيخ ابن الهُمَام في ((الفتح)): لا خِلَاف في عدم جواز بيع الثمار قبل أن تَظْهَرَ. ولا في عدم جوازه بعد الظهور، قبل بُدُوِّ الصلاح بشرط الترك. ولا في جوازه قبل بُدُوِّ الصلاح، بشرط القطع فيما يُنْتَفَعُ به. ولا في الجواز بعد بُدُوِّ الصلاح. لكن بُدُوَّ الصلاح عندنا: أن تُؤْمَنَ العاهة والفساد. وعند الشافعيِّ هو: ظهور النضج، وبُدُوُّ الحلاوة. والخلافُ إنما هو في بيعها قبل بُدُوِّ الصلاح على الخلاف في معناه، لا بشرط القطع، فعند مالك، والشافعيَّ، وأحمد رحمهم الله تعالى: لا يجوزُ. وعندنا - إن كان بحالٍ لا يُنْتَفَعُ به في الأكل، ولا في علف الدواب - خلافٌ بين المشايخ، قيل: لا يَجُوز، ونّسَبَهُ قاضيخان لعامة مشايخنا. والصحيحُ أنه يَجُوزُ، لأنه مالٌ مُنْتَفَعٌ به في ثاني الحال إن لم يكن مُنْتَفَعًا به في الحال. وقد أشار محمد في كتاب الزكاة إلى جوازه، فإنه قال: لو باع الثمار في أول ما تَطْلُع، وتركها بإذن البائع حتى أدرك، فالعُشْرُ على المشتري. فلو لم يكن جائزًا، = ٤٧٧ كتاب البيوع أَنَسُ بْنُ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ: أَنَّهُ نَهى عَنْ بَيعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَعَنِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ. قِيلَ: وَمَا يَزْهُو؟ قالَ: يَحْمَارُّ أَوْ يَصْفَارُ. [طرفه في: ١٤٨٨]. أي ثمار النخل. قوله: (حدَّثنا مُعَلَّى بن منصور) تلميذٌ لأبي يوسف. واعلم أن بيعَ الثمار إمَّا أن يكونَ قبل البُدُوِّ أو بعده، وكلٌّ منهما إمَّا يكون بشرط القطع، أو بشرط الترك، أو بشرط الإِطلاق، فتلك ستُّ صُوَرٍ. فذهب الشافعيُّ إلى جوازه بعد البُدُوِّ في الصُوَرِ الثلاث مطلقًا، كما هو مقتضى مَفْهُوم الحديث. وإلى عدم جوازه قبل البُدُوِّ، كما هو مقتضى مَنْطُوقِهِ، إلَّا إذا كان بشرط القطع، فإنه بعد القطع لا يبقى محلًا للنزاع، فهو مستثنى عقلًا . والحاصلُ: أنه عَمِلَ بمجموع المَفْهُومِ والمَنْطُوقِ، وخصَّص من المنطوق صورةً واحدةً بدلالة العقل : وأمَّا مذهبُ الحنفية على ما فصَّله صاحب ((الهداية))، فهو: أن البيعَ بشرط القطع جائزٌ في الفصلين، كما أن البيعَ بشرط الترك فاسدٌ في الفصلين. أمَّا إذا كان بشرط الإِطلاق، فهو جائزٌ في الصورتين، إلّا أن البائعَ إن أمر المشتري بقطع ثماره وَجَبَ عليه قطعه، وتفريغ مِلْكه على لم يُوجِب فيه العُشْر على المشتري. وصحةُ البيع على هذا التقدير، بناءً على التعويل على إذن البائع، على ما ذكرنا = من قريب، وإلاَّ فلا انتفاع به مطلقًا، فلا يَجُوزُ بيعه. والحِيلَةُ في جوازه باتفاق المشايخ: أن يَبِيعَ الكُمْثرى أول ما تَخْرُجُ مع أوراق الشجر؛ فَيَجُوزُ فيها تَبَعًا للأوراق، كأنه وَرَقْ كلُّه. وإن كان بحيث يُنْتَفَعُ به، ولو عَلَفا للدَّوَاب، فالبيعُ جائزٌ باتفاق أهل المذهب إذا باع بشرط القطع، أو مطلقًا، ويَجِبُ قطعه على المشتري في الحال. فإن باعه بشرط الترك: فإن لم يكن تَنَاهِى عِظَمُهُ، فالبيعُ فاسدٌ عند الكلّ، وإن كان قد تَنَاهى عِظمُهُ، فهو فاسدٌ عند أبي حنيفة، وأبي يوسف، وهو القياس. ويجوز عند محمد استحسانًا، وهو قولُ الأئمة الثلاثة، واختاره الطَّحَاوِيُّ لعموم البلوى. وفي ((المنتقى)) ذكر أبو يوسف مع محمد. اهـ . وقال الشيخُ النووي: إن باع الثمر قبل بُدُوِّ صلاحها - بشرط القطع - صحَّ بالإِجماع. قال أصحابنا: ولو شرط القطعَ، ثم لم يَقْطَع فالبيع صحيحٌ، ويُلْزِمُه البائعُ بالقطع، فإن تَرَاضَيًا على بقائه جاز. وإن باعها - بشرط التبقية - فالبيعُ باطلٌ بالإجماع، لأنه ربَّما تَلَفتِ الثمرةُ قبل إدراكها، فيكون البائعُ قد أُكَلَ مالَ أخيه بالباطل، كما جاءت به الأحاديث. وأما إذا شرط القطعَ فقد انتفى هذا الضرر. وإن باعها مطلقًا بلا شرط، فمذهبنا، ومذهب جمهور العلماء: أن البيعَ باطلٌ لإطلاق هذه الأحاديث. وإنما صحَّحناه بشرط القطع للإِجماع، فخصَّصنا الأحاديث بالإجماع فيما إذا شرط القطع. ولأن العادةَ في الثمار الإبقاءُ، فصار كالمشروط. وأما إذا بِيعَت الثمرةُ بعد بُدُوّ الصلاح، فيجوز بيعها مطلقًا وبشرط القطع، وبشرط التبقية لمفهوم هذه الأحاديث، ولأن ما بعد الغاية يُخَالِفُ ما قبلها إذا لم يكن من جنسها، وأن الغالبَ فيها السلامةُ، بخلاف ما قبل الصلاح. ثم إذا بِيعَت بشرط التبقية، أو مطلقًا يُلْزِمُ البائع تبقيتها إلى أوان الجُذَاذ، لأن ذلك هو العادةُ فيها. هذا مذهبُنا، وبه قال مالك. وقال أبو حنيفة: يَجِبُ شرط القطع - بعده بياض في النسخ قلتُ: ونحوه ذكر الخطابيُّ في ((معالم السنن)). ٤٧٨ كتاب البيوع الفور. وحينئذٍ يَلْغُو قيد قبل البُدُوِّ في النصِّ، ولا تَظْهَرُ له فائدةٌ. فإن الحكمَ عند وجوده، وعدمه سواء عندنا من غير فرقٍ. فَوَرَدَ علينا الحديثَ مفهومًا ومنطوقًا. وما أَجَابَ به بعضُهم: أن المفهومَ ليس بحُجَّةٍ عندنا، ليس بشيءٍ، لما مرَّ منا تحقيقُ الكلام في المفهوم، فإنه يَحْتَاجُ إلى بيان نُكْتَةٍ لا مَحَالة، وإن لم يكن مَدَارًا للمسألة. وقد أجاب عنه الطَّحَاويُّ بنحوين: أما الأول، فحاصله: أن الحديثَ لم يَرِدْ في تلك التفاصيل، فإنه وَرَدَ في النهي عن البيع قبل البُدُوِّ شفقةً، وإن جاز شرعًا في بعض الصُّوَرِ، لأنه قد يُفْضِي إلى تلف مال المشتري، فيقوم بلا مالٍ ولا مبيع. كما أنه لو باعه قبل البُدُوِّ وأصابته عاهةٌ، فَاجْتَاحَت الثمار، بقي المشتري ولا مالَ له ولاً ثمارَ، فنهى عنه لذلك. فليس هذا الحديث مُتَعَرِّضًا إلى الصُوَر المذكورة، فَلْيَكِلْها إلى الاجتهاد أو غيره. وأما الثاني، فبيانه: أن الحديثَ ورد في السَّلَم، ذلك لأن أهل المدينة قبل مقدمه ◌َّ كانوا يُسْلِفُون في الثمار لسنةٍ أو سنتين، فنهى عن ذلك، إلَّا أن يُسْلِفُوا في كَيْلٍ معلومٍ، ووزنٍ معلوم، إلى أجل معلوم. ويُشْتَرَط في بيع السلم وِجْدَانُ المبيع من حين العقد إلى وقت التسليم عندناً أيضًا، فلا بُدَّ أنّ يكونَ بعد البُدُوِّ، والأمن عن العاهات. والحاصلُ: أن النهي عن البيع قبل البُدُوِّ ليس في البَيَاعَات العامة، بلٍ في السَّلَم خاصةً. ولا نُنْكِرَ فيه بمَنْطُوقِ الحديث، ولا بمفهومه، فكأن الحديثَ من بابٍ، وحَمَلُوه على بابٍ، فَأَوْجَبَ فساد المعنى. هذا، والذي ظَهَرَ لي في جوابه على ما قرَّره صاحب ((الهداية)) من المذهب: أن البيعَ بشرط القطع خارجٌ عن مدلول الحديث، فإن البائِعَيْن إذا رَضِيَا بأمرٍ لم يَدْخُل فيه الشارعُ، ولا تعرَّض إليه. فبقيت فيه أربع صُوَرٍ: بشرط الإِطلاق، وبشرط الترك قبله، أو بعده. أمَّا البيعُ بشرط الإِطلاق، فهو راجعٌ إِلى القسم الأول، أي البيع بشرط القطع، لأنه إطلاقٌ في اللفظ فقط. ولا يكون في الخارج إِلَّ القطع أو الترك، فإن أَمَرَهُ البائعُ وَجَبَ عليه القطعُ، على ما مرَّ، فَيَرْجِعُ إلى القسم الأول، وإلّا يَنْدَرِجُ في الثاني. أمَّا البيعُ بشرط الترك، فهو غير جائزِ في الفصلين، وذلك لاشتماله على شرطٍ فيه نفعٌ لأحد المُتَعَاقِدَيْن، وكلُّ شرطٍ كذلك، فهو مُفَّسِدٌ للبيع، فهذا أيضًا مُفْسِدٌ له، سواء كان قبل البُدُوِّ أو بعده. بقي قيد: ((قبل البُدُوِّ)) في الحديث، فنقول: إنه ليس بِمَنَاطِ للحكم. ولكن المعروفَ عندهم في بيع الثمار كان قبل البُدُوِّ، فجاء تَبَعًا للواقع، لا لكونه مَدَارًا. وأما الجوابُ على ما ذهب إليه السَّرَخْسِيُّ، وغيره من الفصل في صورة الإِطلاق، فالجوابُ: أن البيعَ بشرط القطع، فهو مستثنىَ عقلًا، كما أقرَّ به الشافعيُّ أيضًا. وأمَّا البيعُ بشرط الترك، فغيرُ جائزٍ لأن النبيَّ ◌َّ: (نهى عن بيعٍ وشرطٍ)). بقي البيعُ بشرط الإِطلاق، فهو جائزٌ بعد البُدُوِّ لا قبله، وهو محمل الحديث، فقدّ علمْنا بمَنْطوقِهِ ومفهومه أيضًا . وحاصلهُ: أن الصورةَ الواحدةَ، وهي صورة القطع، مستثناةٌ عقلًا بلا نزاع بين الفريقينِ. أمَّا صورةُ الترك، فادَّعَيْنَا استثناءها من أجل الحديث: ((نهى عن بيع وشرطِ))، فلم تَبْقَ تحته إلَّا صورةٌ واحدةٌ، واشتركنا فيها معهم في الحكم مَنْطُوقًا ومفهومًا. وهي التي تُنَاسِبُ أن تكونَ ١ ٤٧٩ كتاب البيوع محملًا للحديث، لأن المعروفَ في البيوع هو الإِطلاق، أما التركُ والقطعُ فمفروضان، وحَمْلُه على المعروف أَوْلَى من حمله على المفروض. قال صاحبُ ((الهداية)): إن باعه بشرط الإطلاق، وأجاز بعده بالترك، طاب الفَضْل للمشتري. وقال الشاميُّ: إنما يَطِيبُ له ذلك إذا لم يكن التركُ مشروطًا في العقد، ولا معروفًا بين الناس، وإلَّا فالمعروف كالمشروط. قلتُ: وتفصيل الشاميِّ ليس بمختارٍ عندي، فيجوز له الفَضْلُ، وإن كان الترك معروفًا، ولا يكون كالمشروط. وإنما دعاني إلى ترك تفصيله ما حرَّره ابن الهُمَام في ذيل سؤالٍ وجواب من هذا المقام. ويَظْهَرُ منه كونه طيبًا بدون فصلٍ، فراجعه من هذا الباب. وكذا نقل الحافظُ ابن تَّيْمِيَة، عن أبي حنيفة في ((فتاواه)) ما حاصله ما في ((الهداية))، فتفصيلُ الشاميِّ غيرُ مختارٍ عندي . والحاصلُ: أن الشرطَ إذا لم يكن في العقد، ولم يأُمُرْه البائعُ بالقطع طاب له تركه، سواء كان معروفًا أو لا. ولا ألتفتُ إلى ما قاله الشاميُّ: إن المعروفَ كالمشروط بعد ما وجدتُ روايةً عن الإِمام عند الحافظ ابن تيمية في ((فتاواه)). والله تعالى أعلم(١). ٨٧ - بابٌ إِذَا بَاعَ الثِّمَارَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاَحُهَا ثُمَّ أَصَابَتْهُ عاهَةٌ فَهُوَ مِنَ البَائِعِ ٢١٩٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ حُمَيدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّهِ نَهى عَنْ بَيع الثِّمارِ حَتَّى تُزْهَى، فَقِيلَ لَهُ: وَما تُزْهى؟ قالَ: حَتَّى تَحْمَرَّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: «أَرَأَيْتُ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مالَ أَخِيهِ؟)). [طرفه في: ١٤٨٨]. ٢١٩٩ - وقالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ ثَمَرًا قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، ثُمَّ أَصَابَتْهُ عَاهَةٌ، كانَ مَاَ أَصَابَهُ عَلَى رَبِّهِ. أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ قالَ: ((لَا تَتَبَايَعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَاَ، وَلَّا تَبِيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ)). [طرفه في: ١٤٨٦]. (١) قلتُ: وفي مذكرةٍ للشيخ ما نصّه: أحاديثُ النهي عن بيع الثمار قبل بُدُوِّ الصلاح يمكن أن تُحْمَلَ على مطلق البيع، لا على السَّلَم عند الحنفية أيضًا بادِّعاء أن العادةَ لم تَجْرِ ببيعها بعد البُدُوِّ. وُوَافِقُهُ حينئذٍ قول زید: (كالمَشُورَةِ))، يُشِيرُ بها لكثرة خصومتهم عند البخاريِّ وإن لم يُلَائمه فعله المذكور هناك. ويكون النهيُّ عن الإِبقاء، ولا إبقاءَ بعد البُدُوِّ معتبرٌ، إذ هو في صدد الجُذَاذ. ثم رأيتُ في ((فتاوى ابن تيمية)) وما يتعلَّق به، و((الأم): وعليه فالمحمل حملها على البيع إطلاقًا لا بشرط الإِبقاء، والمثار الجائحة، ولا تكون بعد بُدُوِّ الصلاح. وحمل في ((العُمْدَة)) على محمل آخرَ، فراجع ((حاشية الصحيح). وإلى ما ذَكَرْنا جَنَحَ البخاريُّ، كما في الفتح وقرَّره في ((الفتح)». ٤٨٠ كتاب البيوع هو مذهبُ (١) الشافعيِّ. ومن جوَّز من الحنفية بيعَ الثمار قبل البُدُوِّ، فقد فَصَلَ فيه، وقال: إن هَلَكَتْ بعد التَّخْلِية بين الثمار والمشتري، هَلَكَتْ من مال المشتري. وإن هَلَكَتْ قبلها، هلكت من مال البائع. وقال مالك في ((موطئه)): والجائحةُ التي تُوضَعُ عن المشتري الثُّلُث فصاعدًا، ولا تكون فيما دون ذلك جائحةً . اهـ. فجعل الثُّلث على المشتري، ودونه على البائع. وعند أبي داود: عن يحيى بن سعيد أنه قال: لا جائحةَ فيما أُصِيبَ دون ثُلُث رأس المال. قال يحيى: وذلك في سُنَّة المسلمين . اهـ . فراجع الطحاويّ. ٨٨ - بابُ شِرَاءِ الطَّعَامِ إِلَى أَجَلٍ ٢٢٠٠ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفصِ بْنِ غِيَاتٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قالَ: ذَكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ في السَّلَفِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيّ إِلَى أَجَلٍ، فَرَهَنَهُ دِرْعَهُ. [طرفه في: ٢٠٦٨]. يعني اشترى طعامًا، ولم يُؤَدِّ ثمنه، فهو بيعٌ مطلقٌ، لا أنه سَلَمٌ، كما فُهِمَ. ٨٩ - باب إِذَا أَرَادَ بَيعَ تَمْرٍ بِتَمْرٍ خَيرٍ مِنْهُ ٢٢٠١، ٢٢٠٢ - حدّثنا قُتَيبَةُ، عَنْ مالِكِ، عَنْ عَبْدِ المَجِيدِ بْنِ سُهَيلٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَّ اسْتَعَمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ فَجَاءَهُ بِتَمْرِ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟)) قالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّاَ لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هذا بِالصَّاعَينِ، وَالصَّاعَينِ بِالثَّلَاثَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَا تَفْعَل، بِع الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ اَبْتَعْ بِالدَّرَاهِم جَنِيبًا)). [الحديث ٢٢٠١ - أطرافه في: ٢٣٠٢، ٤٢٤٤، ٤٢٤٦، ٧٣٥٠]. [الحديث ٢٢٠٢ - أطرافه في: ٢٣٠٣، ٤٢٤٥، ٤٢٤٧، ٧٣٥١]. ٢٢٠١ - ٢٢٠٢ - قوله: (بع الجَمْعَ) ... إلخ، أي التمر المختلط. واعلم أنه لا عِبْرَةَ باختلاف الأصناف في الأموال الرَّبَوِيَّةِ، فجيدها ورديئها سواء. ثم في الحديث دليلٌ على جواز الحِيَل ونفاذها، مع أنه قد وَرَدَ عنها النهي أيضًا. والصواب: أن فيها تقسيمًا على الحالات، فَيَجُوزُ البعض دون البعض. (١) قال الحافظُ في ((الفتح)): قال مالك: يَضَعُ عنه الثُّلثُ. وقال أحمد، وأبو عُبَيْد: يَضَعُ الجميع. وقال الشافعيُّ، والليثُ، والكوفيون: لا يَرْجِعُ على البائع بشيءٍ. وقالوا: إنما وَرَدَ وَضْعُ الجائحة فيما إذا بِيعت الثمرةُ قبل بُدُوِّ صلاحها بغير شرط القطع. فَيُحْمَلُ مطلق الحديث في رواية جابر على ما قُيِّدَ به في حديث أنس، والله أعلم . اهـ .