Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ كتاب الصّوم يدُلُّ عليه ما أخرجه أبو داود في حديث أحوال الصلاة والصيام عن مُعَاذ، قال: ((فإن رسول الله وَل﴿ كان يَصُومُ ثلاثةَ أيام من كل شهرٍ، ويَصُومُ يوم عَاشُورَاء، فَأَنْزَل الله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ مِنْكُم مَّريضًا أَوْ عَلَى أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ ١٨٣) الصِيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، فكان من شَاءَ أن يَصُوم صام، ومن شاءَ أَن يُفْطِرَ ويُطْعِمَ كل يوم مسكينًا أَجْزَأَهُ ذلك، فهذا حول، فأنزل الله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنْزِلَ فِيهِ اُلْقُرْءَانُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبِّيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمَّةٌ وَمَن كَانَ مَرِيضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَنَّامٍ أُخَرُّ﴾ [البقرة: ١٨٥] فَثَبَتَ الصيامُ على من ثَبَتَ الشهر، وعلى المسافر أن يقضي، وثَبَتَ الطعامُ للشيخ الكبير والعجوز اللذين لا يستطيعان الصوم)). اهـ . فهذا نصٌّ في أن تلك الآيات في حقِّ الأيام البيض، وإنما افْتُرِضَ صيامُ رمضان من قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ .. إلخ. ومن هُهنا ظَهَرَ وجهُ قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ فإن ذلك الصيام كان في الأمم السالفة أيضًا. بخلاف رمضان. وحينئذٍ لا حاجةً إلى التأويل في آية الفِدَاء، كما قال قائلٌ، بحذف حرف النفي. أي معناه: لا يُطِيقُونَه. قلتُ: وهو سفسطةٌ، فإنه يُوجِبَ رفع الأمان عن الكلام، حيث يتعذَّر الفرق بين المُثْبَت والمنفي، أو يتعسَّر، فإنَّا لا ندري أَمُثْبَتُ هو أم مَنْفي؟ فإذا حَكَمْنا بكونه مُثْبَتًا ربما أمكن أن يكون مَنْفِيًّا بتقدير ((لا)) فإذن لا يمكن الجزم بكونه مُثْبَتًا أو مَنْفِيًّا، وهو كما ترى. وحاشا النحاة أن يتكلَّموا بمثله، وإنما ذَكَرُوا تقدير حرف النفي فيما إذا كان جواب القَسَم فعلًا مضارعًا مُثْبَتًا، ولا يكون هناك من طلائع القَسَم، كما في قوله تعالى: ﴿قَالَّهِ تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] أي لا تَفْتَأُ، وليس لهُهنا شيءٌ منهما. ثم هذا أيضًا ليس بمرضيٍّ عندي، وإنما يُؤْخَذُ النفيُّ في الصورة المذكورة من صورة الإِكفار، لا أنها محذوفةٌ، فيَذْكُرُون الفِعْلَ مُثْبَتًا، ويُؤْخَذُ منه النفيُّ بصورة الإِكفار، فإن المراد منه النفيُّ. ولو تنبَّه النحاةُ على محاورة اللُّغات الأخرى لتركوه على أصله، ولم يَذْهَبُوا إلى التقدير. فإن التقديرَ بمثله يَمْحَقُ بهاء الكلام ورَوَاءَه لا سِيَّما في قوله: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ فإنه مُسْتَبْشَعٌ جدًا. ثم إنهم تعلَّموا هذا الجواب من ((الكشاف))، ولم يُذْرِكُوا مرادِهِ، فحرَّفوه إلى ما ترى. قال الزَّمَخْشَرِيُّ ما حاصله: إن فِعْلَ الإِطاقة بمادته لا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فيما يُتَعَذَّرُ أو يُتَعَسَّرُ، فإنك تقول: إني أُطِيقُ أن أَحْمِلَ هذا الحجر الثقيل، أو أن أَسْرُدَ في الصيام، أو أن أُصَلِّي الليلة كلَّها مثلًا. ولا تقول أبدًا إنك تُطِيقَ أن ترفعَ اللُّقمةَ إلى فِيكَ، أو هذا القلم إلى أُذُنِكَ، أو نحو ذلك مما لا عُسْرَ فيه. إذا عَلِمْتَ هذا، فاعلم أن الله تعالى لمّا ذكر الذين يُطِيقُون الصيامَ، عَلِمْنَا أنهم هم المعذورون الذين تعذّر عليهم الصيام(١)، أو تعسَّر إلَّا بشِقِّ الأَنْفُس، وكأنهم سُلِبَتْ عنهم الطاقة. (١) فقد روى الطحاويُّ عن ابن عباس في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾: قال الذي يَتَجَشَّمُونَهُ، ولا يُطِيقُونَهِ - يعني إلَّا بالجهد - الحُبْلَى، والكبير، والمريض، وصاحب العُطَاس. اهـ. ((مشكل الآثار)). وعن سعيد بن جُبَيْر: ((أن ابن عباس كانت له جاريةٌ تُرْضِعُ، فَجَهَدَتْ، فقال لها: أفْطِري، فإنك بمنزلة الذين يُطِيقُونَه)) . اهـ ، قلت: والعُطَاس ـ بالسين المهملة - وهو داءٌ يكون في الصبيان. ٣٢٢ كتاب الصّوم فنفي الطاقة مرادٌ بهذا الطريق، لا أنه ذهب إلى تقدير حرف النفي، فإنه لا يقوله عاقلٌ، فكيف بمن كان فردًا في البلاغة. وإذن، حاصل الآية: أن الفِذْية أيضًا كانت مشروعةً يومئذٍ، بشرط أن يَشُقَّ عليهم صيامها، فكانت الفِذْيةُ في تلك الأيام، فنقلُوها إلى رمضان، ثم تأوَّلُوا بكلِّ نحوٍ. نعم يُخَالِفُهُ ما عند البخاريِّ عن سَلَمَة بن الأكوع، فإنه يَدُلُّ على أن الفِذْيَة كانت في رمضان في أول الإِسلام، ثم نُسِخَت. قلتُ: إن وقع التعارُض بين مُعَاذ، وسَلَمَة، ولم يرتفع، فاتباعُ مُعَاذ أولى، فإنه كان أعلم بالحلال والحرام بنصِّ الحديث. ولا نُبَالي في كون حديثه في أبي داود بعد صحته، وكون حديث سَلَمَة عند البخاريِّ، وإنما يَنْحَصِرُ الترجيح باعتبار الأسانيد فقط عند من لا يُرَاعي الوجوه الأُخر. وقد نبَّهناك فيما أسلفنا أن الأسانيدَ طرقٌ لتمييز كلام النبيِّ وٍَّ من غيره فقط، ولولا ذلك لَمَا عَبِئْنَا بها، فالطريقُ أن لا يَعَضَّ بها حتى تُفْضِي إلى ترك كثيرٍ من الأحكام. فإذا صَحَّ الحديث، فَلْيَضَعْهُ على الرأس والعين، ولْيَعْمَلْ به على أنه يمكن تأويله أيضًا، بأن يُقَال: إنه كان ذلك حكم رمضان قبل الهجرة وبعدها بنحو سنة ونصف، فلمَّا فُرِضَ رمضان في الثانية، ونزل قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ ... إلخ، نُسِخَ ذلك. لا يُقَال: ينبغي التناسُب بين العِلَّة والحكم، مع أن الفِذْيَة لا تَرْتَبِطُ بوصف الطاقة، لأنا نقولُ: معناه ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ ولم يَصُومُوا ﴿فِدّيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، وإنما حذف المعطوف لكونه غير مرضيٍّ عند الله، فإن المطلوبَ هو الصيام، فإذا كرِهَهُ صَفَحَ عن ذكره أيضًا . قوله: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ﴾ [البقرة: ١٨٤]، أي فمن زَادَ في الطعام على قدر الواجب، فله في ذلك فضلٌ. إلَّا أن الفضلَ كلَّ الفضل في الصوم، وإن جازت الفِذْيَةُ أيضًا، ولذا قال: ﴿وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمَّ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ أَلَّذِىّ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ﴾ إلى قوله: ﴿فَلْيَصُمّةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]. ومن ههنا بُدِيء ذِكرُ رمضان وافتراضه، كما علمت ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضَّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِذَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرُّ﴾ [البقرة: ١٨٥] كرَّره لئلا يُتَوَهَّم نسخ الحكم بالقضاء بنسخ الأيام البِيضَ، فصرَّحَ بأن المريضَ والمسافرَ على رخصتهما كما كانا قبل افتراض رمضان. ولم يَذْكُر الافتداءَ في رمضانَ، لأنه كان حين كانت الفريضةُ الأيامَ البِيضِ، وبهذا اندفع التكرارُ المُسْتَبْشَعُ في نظامِ واحدٍ . واعلم أن النَّسْخَ عند السلف أكثرُ كثيرٍ، وذلك لأنهم أَظْلَقُوه على تقييد المُظْلَقِ، وتخصيص العامُّ أيضًا، فَكثر النسخُ عندهم لا مَحَالة. ثم جاء المتأخِّرون من الأصوليين فنقَّحُوه، وقالوا: إن النَّسْخَ عبارةٌ عن رفع المشروعية. فَقَلَّ عندهم بالنسبة إلى السلف، حتى إن السيوطيٍ صرَّحَ في (الإِتقان)) بنسخ إحدى وعشرين آية فقط، ثم جاء قدوة المُحَقِّقِينَ الشاه ولي الله، فحقَّقه في ستة آياتٍ فقط، وفسَّر سائر الآيات بحيث صارت مُحْكَمَة، ولم تَفْتَقِرْ إلى القول بالنسخ. ومن هُهنا فَلْيُفْهَم معنى التفسير بالرأي. أَما رأيتَ أنهم كيف فسَّرُوها من آرائهم، حتى إن بعضَهم جَعَلُوها منسوخةً، وآخرون مُحْكَمَةً، ثم لا يكون هذا عندهم تفسيرًا بالرأي. فالذي يُمْكِنُ في بيان مراده - وإن لم يَكُنْ وافيًا - هو أن تحريفَ الكَلِم عن مواضعها. وبيانَ مرادها حتى ٣٢٣ كتاب الصّوم يُوجِبَ تغييرًا لعقيدة السلف، هو الذي يُعَبَّر عنه بالتفسير بالرأي. وإلَّ فإن كُنْتَ عَارِفًا باللغة. وبالأدوات التي لا بُدَّ منها لبيان مراد القرآن، فَلَكَ أن تفسِّره بما رَأَيْتَ، ما لم يُؤَدِّ إلى تغييرٍ في عقيدةٍ، أو تبديلٍ في مسألةٍ مُسَلَّمةٍ. هذا، فإذا رأيتَ أنهم سَلَكوا هذا المسلك أنكرتَ النَّسْخَ رأسًا. واذَّعَيْتَ أن النَّسْخَ لم يَرِدْ في القرآن رأسًا - أعني بالنسخ: كون الآيةُ منسوخةً في جميع ما حَوَتْهُ بِحيث لا تَبْقَى معمولةً في جزئيٍّ من جزئياتها - فذلك عندي غير واقع. وما من آيةٍ مَنْسُوخَة إلَّ وهي معمولةٌ بوجهٍ من الوجوه، وجهةٍ من الجهات، وإليه أشار مُعَادُ(١) في آخر حديثه المارِّ بقوله: ((وثَبَتَ الطعامُ في الشيخ الكبير ... )) إلخ، أي إن حكم الفِذْيَة في حقِّ هؤلاء إنما هو تحت هذه الآية. قلتُ: والفِذْيَةُ عندنا باقيةٌ في ست مسائل، ذكرها الفقهاءُ. وبالجملة إن جنسَ الفِذْيَة لم يُنْسَخْ بالكُلِّية، فهي باقيةٌ إلى الآن في عِدَّة مسائل. وليس لها مَأْخَذٌ عندي غير تلك الآية، فدَلَّ على أنها لم تُنْسَخْ، بمعنى عدم بقاء حكمها في محلٌّ ونحوه. وقد فسَّرْنَا بقيةَ الآيات أيضًا: ﴿وَلِتُكَبِرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] إلخ، إشارة إلى تكبيرات العيدين. ونقل الطحاويُّ عن السلف: أنهم كانوا يَجْهَرُون بالتكبير في عيد الفِطْرِ أيضًا، وإن لم يكن في كُتُب الفِقْه. فاحْتَوَتِ الآيةُ على ما فسَّرْنَاها: على الحكم في الأيام المعدودات، وبيان الرُّخْصَةِ فيها بالفِذْيَةِ، ومسألةِ المريض والمسافر، وافتراضٍٍ رمضان، وبقاءِ الرُّخْصَةِ للمريض والمسافر، مع عدم بقاء الفِذْيَةِ للمُطِيقِ، وسُنَّةِ التكبير عندَ الذهاب إلى المُصلَّى، أو مطلقًا، فاحفظه. فإن المُفَسِّرين أطالوا الكلامَ فيها، فإنه أَشْكَلَ عليهم حكمُ الفِدَاء للمُطِيقِ، وتكرار الآية، فاضْطَرُّوا إلى التوجيهات. وفيما قرَّرنا لك غُنْيَةٌ عنها . ١٨٩١ - قوله: (فَأَخْبَرَهُ رسول الله ◌َّهُ بشرائعَ الإِسْلامِ)، قد مرَّ الكلامُ فيه في (كتاب الإِيمان)» مبسوطًا، فراجعه. ٢ - بابُ فَضْلِ الصَّوْمِ ١٨٩٤ - حذّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَ قالَ: ((الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُتْ وَلَا يَجْهَل، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ، فَلَيَقُل: إِنِّي صَائِمٌ، مَرَّتَينٍ، وَالذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَم الصَّائِمِ أَظْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ المِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِيَ، الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا)). [الحديث ١٨٩٤ . أطرافه في: ١٩٠٤، ٥٩٢٧، ٧٤٩٢، ٧٥٣٨]. (١) وعند الطحاويِّ في ((مشكله))، عن ابن عباس يقول: ((﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ليست بمنسوخةٍ، وهو الشيخُ الكبيرُ، والمرأةُ الكبيرةُ، لا يستطيعان أن يَصُوما، فَيُطْعِمَان مكان كل يوم مسكينًا)). اهـ. وهكذا قال ابن العربي في ((العارضة)). ٣٢٤ كتاب الصّوم ١٨٩٤ - قوله: (الصِّيَامُ جُنَّةٌ)، ويتَضِحُ مراده مما رواه ابن حِبَّان في ((صحيحه))، وأحمد في «مسنده): ((أن الميتَ إذا أُقْبِرَ في حُفْرَته، تأتيه الصلاةُ عن يمينه، والصيامُ عن شماله، والقرآنُ من قِبَل رأسه، والصدقةُ من رِجْلَيْهِ ... )) إلخ - بالمعنى -. وحينئذٍ تبيَّن أن كونه جُنَّةً ليس بمعنى المحافظ فقط، فإن الصلاة أيضًا تَحْفَظه، فلم تظهَرْ فيه خاصةً. بل بمعنى أنه يكون وقايةً له من العذاب، ويكون في شماله، كما أن الجُنَّةَ تكون فيها، فكأنه يتمثَّل جُنَّةً له. وجعله عند مسلم: ((ضياء))، فلم تَنْكَشِفْ منه تلك الحقيقة. والأَرْجَحُ عندي لفظُ الترمذيِّ، والبخاريّ: ((إن الصومَ جُنَّةٌ))، وهذا الذي يُؤَدِّي خاصته وحقيقته، فعليه الاعتمادُ. وإذن تكون الصلاةُ كالبرهان على إيمانه، لأن البرهانَ يكون في اليمين، فهي كالشاهد للمدَّعي، وكالسيف للمُبارِز. أمَّا الصيامُ فهو كالحَلِف للمدَّعَى عليه. والجُنَّةِ للقرين يُفِيدُ الاتقاء، وبراءة الذمة. وحينئذٍ تبيَّن أن كون الصلاة برهان، والصيامَ جُنَّة ليس جِزاف، ومجاز بنوع تَخَيُّلِ فقط، بل الصلاة أَوْلَى أن تُسَمَّى بالبرهان، والصيامُ بالجُنَّةِ للمعنى المختصِّ بهما. فَرَاعه، ولا تَعُدَّه تافهًا ، فإن الحديث قد أدَّى فيه سرًا عظيمًا. وعند النَّسائي: ((الصومُ جُنَّةٌ ما لم يَخْرِفْهَا)). أمَّا قوله: ((فإن امرؤٌ قَاتَلَهُ، أو شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ: إني صائمٌ)) مرتين، فهو صورةٌ لحفظ صومه، لئلا يَخْرِقَ مِجَنَّهُ، وهذا القولُ إمَّا بالقلب، أو اللسان. قوله: (ولا يَجْهَلْ) الجهلُ قد يكون مُقَابِلًا للعِلْم، وقد يكون مُقَابِلًا للحِلْم، ويَصِحُ بالمعنیین . قوله: (لَخلُوفُ فَمِ الصَّائِم)، لا دليلَ فيه للشافعية على كراهة السِّوَاك بعد الزوال. كما أنه لا دليلَ في حديث وزنَ ماء الوضوء على كراهة استعمال المنديل، فإنه يُوزَن حيث كان، وهو مختار المصنّفِ، كما يَتَّضِحُ من تراجمه. وإليه مال النَّسائي، ولعلَّه تعلَّمه من شيخه، فترجم بالرُّخْصَةِ في السِّوَاك بالعشي. قوله: (الصِّيامُ لي وأنا أَجْزِي به) ... إلخ، قد مرَّ تحقيقُ معناه مبسوطًا. وحاصله: أن الحديثَ له عِدَّة سياقات. ففي لفظِ: ((كلُّ عمل ابن آدم يُضَاعَفُ: الحسنةُ بعشرة أمثالها إلى سبع مائة ضِعْفٍ. قال الله عزّ وجلَّ: إلَّا الصومَ فإنه لي، وأنا أجْزِي به)). وعند البخاري في آخره: (لكلِّ عملٍ كفَّارةٌ، والصوم لي، وأنا أَجْزِي به)) وفي لفظ: ((كل عمل ابن آدم له إلَّا الصومَ، فإنه لي، وأنا أَجَّزِي به))(١). (١) وفي تقرير الشيخ عند الفاضل عبد العزيز: أنه تبيَّن لي أن الاستثناءَ فيه مُذْرَجٌ، فلا أَتَعَرَّضُ إلى الإِيرادات التي تَرِدُ بعد لحاظ الاستثناء المذكور. نعم أَذْكُرُ وجهًا لكون الصومُ له تعالى دون سائر العبادات، وقد قَرَأَهُ بعضُهم: ((وأنا أُجزي به)» - مجهولًا - وحينئذٍ يكون كنايةً عن رؤيته تعالى. وقد نظمه الشيخ يعقوب الكَشْمِيرِي تلميذ التلميذ للعارف الجامي، وتلميذ الحافظ ابن حَجَر المكي الشافعي، في الحديث: (جودر روزه إمساك ازماسوا است، جزائش أكرحق بود خودسرا است)، انتهى تعريبه. وقد مرَّ تفصيلُ الكلام. ٣٢٥ كتاب الصّوم والجملة المذكورة: ((الصوم لي ... )) إلخ، وقعت في كلِّها محلَ الاستثناء، فينبغي أن يُراعَى حال ما قبله أيضًا. والذي ظَهَرَ لي أن هذه القطعات كلَّها صحيحةٌ، وليست من باب الرواية بالمعنى. بل من باب حفظ كل ما لم يَحْفَظْهُ الآخر. والترتيبُ الصحيحُ ما في السياق الآخر. وقد نبَّهناك مفادَ جملة السياق، وما فيها من التَّغايُر، فيما مرَّ . أما وجهُ اختصاص الصِّيام بكونه له دون سائر العبادات، فهو ما عند البخاريِّ في نفس الحديث، وهو: ((أنه يَدَعُ طعامَه وشرابَه وشهوته من أجلي)»، وهذا مما لا يتحقَّق بالذات إلَّا في الصوم. أما الصلاةُ، فإن مَنَعَتْ عنها أيضًا، لكنها لا تُوجِبُ فواتها، فإن لك أن تَأْكُلَ وتَشْرَبَ شرابَك، وتُخَالِطَ حَلِيلَتَكَ بعدها. بخلاف الصِّيام، فإنه يَسْتَلْزِمُ الفوات نهارًا، فهذا معنىً في الصوم ليس في غيره. ٣ - بابٌ الصَّوْمُ كَفَّارَةٌ ١٨٩٥ - حدّثنا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا جامِعٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيفَةَ قالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَنْ يَحْفَظُ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ نَّهُ فِي الْفِتْنَةِ؟ قَالَ حُذَيفَةُ: أَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمالِهِ وَجارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلاةُ وَالصِّيامُ وَالصَّدَقَةُ)). قالَ: لَيسَ أَسْأَلُ عَنْ ذِهْ، إِنَّمَا أَسْأَلُ عَنِ الَّتِي تَمُوجُ كما يَمُوجُ الْبَحْرُ. قالَ: وَإِنَّ دُونَ ذلِكَ بَابًا مُغْلَقًا، قالَ: فَيُفتَحُ أَوْ يُكْسَرُ؟ قَالَ: يُكْسَرُ، قَالَ: ذَاكَ أَجْدَرُ أَنْ لَا يُغْلَقَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلَهُ أَكانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ البَابُ؟ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: نَعَمْ، كما يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدِ اللَّيلَةَ. [طرفه في: ٥٢٥]. وفي هذا الحديث تصريحٌ بأن الصومَ أيضًا يُؤْخَذُ في الكفَّارة، إلا أن الظاهرَ أن هذه حقوق العباد، فلعلَّه لا يُؤْخَذُ في حقوق الله تعالى. ٤ - باب الرَّيَّانِ لِلصَّائِمِينَ ١٨٩٦ - حدّثنا خالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ: حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ بِلَالٍ قالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حازِمِ، عَنْ سَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ نَّم قالَ: ((إِنَّ في الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُون، فَيَقُومونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلِ مِنْهُ أَحَدٌ)). [الحديث ١٨٩٦ - طرفه في: ٣٢٥٧]. واعلم أن في الجنَّة أبوابًا باعتبار الأعمال، فمن يَعْمَلْ في الدنيا عملًا يَدْخُل الجنةَ من باب ذلك العمل. ومراد الحديث بيان قدر العمل الذي يَصْلُحُ به للدُّخُول في الجنة، فعيَّنه الشارعُ: أن العبدَ إذا أتى من جنس ذلك الفعل مرتين صَلَحَ للدُّخُول فيها، فكان ذلك ميزانًا للدُّخول. ومن ٣٢٦ كتاب الصّوم هُهنا ظَهَرَ وجهُ إنفاق الزَّوْجَيْن، كما سيجيء(١). ١٨٩٧ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قالَ: حَدَّثَنِي مَعْنٌ قالَ: حَدَّثَني مالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَه قالَ: (مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَينٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هذا خَيرٌ، فَمَنْ كانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابٍ الجِهَادِ، وَمَنَّ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصيامَ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ)). فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، ما عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَل يُدْعِى أَحَدٌ مِنْ تِلكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ فقالَ: (نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ)). [الحديث ١٨٩٧ - أطرافه في: ٢٨٤١، ٣٢١٦، ٣٦٦٦]. ١٨٩٧ - قوله: (من أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سبيل الله، نُودِيَ من أبواب الجَنَّة)، والمعنى في إنفاق الزَّوْجَيْن: الفرقُ بين العادة والعبادة، فَإنه إذا أَنْفَقَ شيئًا مرَّةً، لم يَدُلَّ على أنه أَنْفَقَه عادةً، فإذا أَنْفَقَهُ ثانيًا عُلِمَ أن من عادته الإِنفاق، فاغْتُبِرَ به، وعُدَّت له عبادة. ثم إن الإِنفاقَ مَرَّتين وإن لم يَدُلَّ على كونه عادةً له في نفس الأمر، إلَّا أنه اكتفى به رحمةً على عباده، فكأنه إذا تكرّر عنه الفعل، فقد دَخَلَ في حد العادة. والمرء إذا اعتاد الإنفاق في سبيل الله، تأكدت جهةُ عبادته. فإنه يدل على الاعتياد بها، فَيَحْصُلُ له الأجرُ تامًّا. ومن ههنا ظَهَرَ وجهُ كونه ميزانًا للدُّخول في الجنة. قوله: (فَهَلْ يُدْعَى أحدٌ من تلك الأبْوَابِ) ... إلخ، واعلم أن من كان فيه خُصُوصِيَّةٌ ظاهرةٌ في عملٍ، فهو اليوم أيضًا كثيرٌ. أمَّا من كان جامعًا للخصائص، ومُبَارِزًا في كل ميدان، فذلك قليلٌ أو أَقلُّ قليلٍ. فهذا الذي أراده أبو بكر. والله تعالى أعلم بالصواب. ٥ - بابٌ هَل يُقَالُ: رَمَضَانُ أَوْ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَمَنْ رَأَى ذلك كُلَّهُ وَاسِعًا وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّهِ: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ)). وَقَالَ: ((لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ)). ١٨٩٨ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سُهَيلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ ﴿ قَالَ: ((إِذَا جاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ)). [الحديث ١٨٩٨ - طرفاه في: ١٨٩٩، ٣٢٧٧]. (١) قلت: ويفسِّرُه ما عند النَّسائي عن أبي ذَر، قال: ((قال رسول الله ◌ِ﴾: ((ما من مسلم يُنْفِقُ من كلِّ مالٍ له زَوْجَيْن في سبيل الله، إلَّا استقبلته حَجَبَةُ الجنة، كلهم يَدْعُوه إلى ما عنده. قلت: وكيفَ ذلك؟ قال: إن كانت إبلا فبعيرين، وإن كانت بقرةً فبقرتين)). اهـ. وقال الحافظ التُّورِبِشْتي: فَسَّرَ قوله: ((زوجين)): بدِرْهَمَين، أو دِینَارَیْن، أو مُذَّيْن من طعام، وبما يُضَاهي تلك الأشياء. قلت: ويُحْتَمَلُ أن يُرَادَ به تكرار الإِنفاق مرَّةً بعد مرَّةٍ، ففسَّر الإِنفاقَ بما يُنْفِقُهُ. لأنه إذا أَنْفَقَ درهمًا في سبيل الله، ثم عاد فَأَنْفَقَ آخر يَصِيرُ زَوْجَيْن. ومعنى الكلام: الإِنفاقُ بعد الإِنفاق، أي يتعوَّدُ ذلك ويتَّخِذُه دَأْبًا. انتهى من باب فضل الصدقة من ((شرح المصابيح)). قلت: وهذا الثاني هو الذي أراده الشيخُ رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم. ٣٢٧ كتاب الصّوم ١٨٩٩ - حدّثني يَحْيى بْنُ بُكَيرِ قالَ: حَدَّثَنِي الليثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي أَنَسٍ، مَوْلَى الثّيمِيِّينَ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلسِلَتِ الشَّياطِينُ)). [طرفه في: ١٨٩٨]. ١٩٠٠ - حدّثنا يَحْيى بْنُ بُكَيرٍ قالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ قالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَّ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: سَمِعْتُ رَسُوَّلَ اللّهِ وَ يَقُولُ: ((إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفِطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ)). وَقَالَ غَيْرُهُ، عَنِ اللَّيثِ: حَدَّثَنِي عُقَيلٌ وَيُونسُ: لِهِلَالِ رَمَضَانَ. [الحديث ١٩٠٠ - طرفاه في: ١٩٠٦، ١٩٠٧]. تَرْجَمَ ناظرًا إلى حديث ضعيفٍ وَرَدَ في النهي عنه: ((لا تَقُولُوا: رمضان، فإنه من أسماء الله تعالى)) - بالمعنى - فيُضَافُ إليه لفظ الشهر لدفع الالتباس. ووسَّعَ فيه المصنِّفُ لضَعْف الحديث، هكذا قالوا. وعندي تَرَكَهُ المصنِّفُ على اللغة. صَرَّح ابن الحاجب: أن الشهرَ لا يُضَافُ إلَّا إلى ما قبله راء، وهو رمضان، والربيعان، ولا يجوز في غيرها . إلَّا الذي في أوَّلِهِ راءُ لا تَضِيفُ لفظَ شهرٍ بشهرٍ ١٨٩٩ - قوله: (وسُلْسِلَتِ الشَّياطِينُ) وعند الترمذي: ((مَرَدَةُ الجن)»، فلا يَلْزَمُ تسلسل الجميع. على أن وقوعَ المعاصي لا يَنْحَصِرُ على الشَّيَاطِينِ، فإن نفسَ المرء أكبرُ أعدائه. على أنه لا رَيْبَ في أن كثرةَ الطاعات، وقِلَّة المعاصي مُشَاهَدٌ فَي هذا الشهر المبارك. وكان عثمان يُعْطِي وظيفة شهرين في هذا الشهر. وراجع له ((الطَّحَاوي))، فلا إشكال. ٦ - بابُ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَنِيَّةً وَقَالَتْ عائشَةٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ وَّرَ: ((يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ)). ١٩٠١ - حدّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهَ قالَ: (مَنْ قَامَ لَيلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاخْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)). [طرفه في: ٣٥]. ٧ - بابٌ أَجْوَدُ ما كانَ النَّبِيُّ: ﴿ِ يكُونُ في رَمَضَانَ ١٩٠٢ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ : أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كانَ النَّبِيُّ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالَخَيرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ ما يَكُونُ فِي رَمَّضَانَ، حِينَ يَلقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ وَّرِ القُرْآنَ. فَإِذَا لَقِيَّهُ جِبْرِيلِ عَلَيهِ السَّلَامُ، كانَ أَجْوَدَ بِالخَيرِ مِنَ الرِّيحِ المُرَسَلَةِ. [طرفه في: ٦]. ٣٢٨ كتاب الصّوم ٨ - بابُ مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ في الصَّوْمِ ١٩٠٣ - حدّثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِياسٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِّ ◌َ﴾: ((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيسَ للَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ)). [الحديث ١٩٠٣ - طرفه في: ٦٠٥٧]. ١٩٠٣ - قوله: (مَنْ لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعَمَلَ به، فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طِعامَهُ وشَرَابَهُ» وهو من باب الاختلاف في الوظائف، فلا صومَ له باعتبار وظيفة الحديث، ولا قَضَاءَ عليه باعتبار وظيفة الفقيه، لِمَا قامت عنده من الدلائل: أن النبيَّ ◌ٍَّلم يأمره بالإِعادة. فلا تَنَاقُضَ بينهما، فاعلمه. ٩ - بابٌ هَل يَقُولُ إِنِّي صَائمٌ إِذَا شُتِمَ ١٩٠٤ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسى: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ جُرَيج قالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ، عَنْ أَبِي صَالِحِ الزَّيَّاتِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنَّهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَّهِ: ((قالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّ الصِّيامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمٍ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلَيَقُل: إِنِّي امْرُؤْ صَائِمٌ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَم الصَّائم أَظْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ. لِلصَّائمِ فَرْحَتَانِ يَفرَحُهُمَا: إِذَا أَفَطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَّقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ)). [طرفه في: ١٨٩٤]. ١٠ - بابُ الصَّوْمِ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ العُزُوبَةَ ١٩٠٥ - حدّثنا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلقَمَةَ قالَ: بَينَا أَنَا أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ◌َفَقَالَ: ((مَنِ اسْتَطَاعَ الباءَةَ فَلَيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلِبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَليهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)). [الحديث ١٩٠٥ - طرفاه في: ٥٠٦٥، ٥٠٦٦]. ١٩٠٥ - قوله: (فإنَّه له وِجَاءٌ» ((الوجاء)»: رَضُّ العروق و ((الخِصَاء)»: إخراج الخُصْيَتَيْنِ. ١١ - بابُ قَوْلِ النَِّيِّ وَّ: ((إِذَا رَأَيْتُمُ اْلِهِلَاَلَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا)) وَقَالَ صِلَّةُ، عَنْ عَمَّارٍ: مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكّ فَقَدْ عَصى أَبَا القَاسِمِ وَّ. ١٩٠٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عِبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ إِ ذَكَرَ رَمَضَانَ، فَقَالَ: ((لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ)). [طرفه في: ١٩٠٠]. ٣٢٩ كتاب الصوم ١٩٠٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ: حَدَّثَنَا مالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِرَله قالَ: ((الشَّهْرُ تِسْعُ وَعِشْرُونَّ لَيلَةً، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ)). [طرفه في: ١٩٠٠]. ١٩٠٨ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيم قالَ: سمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذًّا)). وَخَسَ الإِبْهَامَ في الثَّالِثَةِ. [الحديث ١٩٠٨ - طرفاه في: ١٩١٣، ٥٣٠٢]. ١٩٠٩ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ قالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّرَ، أَوْ قَالَ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ نَّهُ: ((صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفِطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثينَ)) . ١٩١٠ - حدّثنا أَبُو عاصِم، عَنِ ابْنِ جُرَيِج، عَنْ يَخِيِىِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَيفِيّ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيِّنَُّ آَلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشَرُونَ يَوْمًا غَدَا، أَوْ رَاحَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ حَلَفتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ شَهْرًا! فَقَالَ: ((إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا)). [الحديث ١٩١٠ - طرفه في: ٥٢٠٢]. ١٩١١ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ حُمَيدٍ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: آلَى رَسُولُ اللَّهِ نَّهُ مِنْ نِسَائِهِ، وَكَانَتِ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ، فَأَقَامَ في مَشْرَبَةٍ تِسْعًا وَغْشِرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آلَيتَ شَهْرًا! فَقَّالَ: ((إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ)). [طرفه في: ٣٧٨]. قوله: (من صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ، فقد عَصَى أبا القاسم) ... إلخ، والمشهورُ أنه مكروهٌ عند مالك، وأبي حنيفة، والشافعيِّ. ومُسْتَحَبٌّ عند أحمد. واستدلَّ أحمدُ بآثارٍ كثيرةٍ رُويَتْ عن الصحابة في هذا الباب: أنهم كانوا يَصُومُون يومَ الشَّكِّ. وتمسَّك الجمهورُ بما رُوي عن عمَّار، وسَلَكَ فيه مسلكًا آخر. قلتُ: ينبغي أن يُعَدَّ أبو حنيفة مع أحمد، لا مع الجمهور، كما قرَّروا. وقد صرَّح صاحب ((الهداية)): استحباب الصوم عنده للخواصِّ. وعن أبي يوسف: أنه أفتى الناسَ بالفِطْرِ، مع أنه كان صائمًا بنفسه، كما في ((البحر)). فإذا ثَبَتَ أن الصَّومَ مُسْتَحَبٌّ عندنا أيضًا، فلا علينا أن نقول: إن الحنفيةَ مع أحمد. وحينئذٍ لا تَرِدُ علينا الآثار التي تَدُلُّ على استحباب هذا الصوم، وتَنْقَلِبُ حُجَّةً لنا بعد ما كانت حُجَّةً علينا. بقي حديث عمَّار، فهو محمولٌ على ما إذا شَكَّ النَّاسُ في الصَّحْوِ بلا وجهٍ وجيهٍ. قال ابن تَيمية: إن يوم الشَّكِّ ليس هو يومُ الغيم، فإنه يُسْتَحَبُّ فيه الصوم، وإنما هو يومٌ تردّد فيه النَّاسُ بلا وجهٍ وجیه. فالحاصل: إني اقْتَدَيْتُ بالصحابة الكرام في استحباب صوم يوم الشِّكِّ في الغَيْم، فإن يوم . ٣٣٠ كتاب الصّوم الشَّكِّ عندنا يومُ غَيْمِ، الْتَبَسَتْ فيه الغُرَّةُ فقلتُ: يُسْتَحَبُّ في الصوم، واقْتَدَيْتُ بالحديث فيما إذا كان الشَّكُّ بلا وجهٍ وَجيهٍ، وبهذا الطريق حَصَلَ الائتساءُ بالصحابة، والعملُ بالحديث كلاهما . وبعبارةٍ أخرى: إن يومَ الشَّكِّ عندنا يومُ غَيْمِ الْتَبَسَتْ فيه الغُرَّةُ، وصومُه مُسْتَحَبٌّ عندنا للخواصِّ، وهم الذين لهم تمييزٌ في النِّيَّة، وإن كان مكروهًا للعوامٌّ. فجعل عامتُهم الكراهةَ أصلًا ومذهبًا، واسْتَثْنَوا منه الخواصَّ، وجعلتُ هؤلاء أصلًا، والعوامَّ مستثنىَ عن حكمهم. فهذا تغييرٌ في التعبير لا غير، وحينئذٍ لا تَرِدُ علينا الآثارُ. وهذا كما غيَّرْتُ تعبيرَهم إلى أن للمدينة حَرَمًا. إلَّا أن أحكامَه ليست كأحكام حرم مكّة، فلم تَرِدْ علينا الأحاديثُ التي فيها صَدْعٌ بكون الحرم للمدينة أيضاً. فهكذا قلتُ في صوم يوم الشَّكِّ أيضًا، لأنه لما كان مُسْتَحَبًّا للخواصِّ على المذهب، فلا بِذْعَ في أن نُقَرِّرَ مذهبنا بالاستحباب، ثم نجعله مكروهًا للعوامٌّ، لئلا تَرِدَ علينا تلك الآثار. بقي الحديثُ المرفوعُ، فلنا أن نَحْمِلَهُ فيما إذا شَكَّ الناسُ في يوم الصَّحْو، وهو يوم الشَّكِّ عند ابن تَيْمِيَة. ١٩٠٦ - قوله: (فإن غُمَّ عليكم فاقْدُرُوا له) فالفطرُ والصومُ عندنا يَدُورُ بالرؤية حقيقةً، أو نقلها المعتبر شرعًا. ولا عِبْرَةَ عندنا بالتقويم، واعْتَبَرَهُ أحمد. وعلى هذا قُلْنَا: إن معنى قوله: ((فَاقْدُرُوا له)»، أي أَكْمِلُوا عِدَّته ثلاثين، كما في الرواية الأخرى. وقال أحمد: معناه اعْمَلُوا بالتقويم. قلتُ: وقال ابن وَهْبَان بعبرة التقويم أيضًا، إذا كان حسابُه صحيحًا لا يُخْطِىءُ عمَّا في الخارج. ١٩١١،١٩١٠ - قوله: (أَلَى من نِسَائِهِ) ... إلخ، وهو إيلاءٌ لُغَوِيٌّ، وكفَّارَةُ النبيِّ وَّل لم تكن لإِيلائه، فإنه برَّ فيه، ولم يَحْنَثْ. وإنما كان عن تحريم العسل، وهو يمينٌ عندنا. فإن قُلْتَ (١): كيف آلى النبيُّ وَ﴿ من نسائه شهرًا مع النهي عن مُهَاجَرَة مسلم فوق ثلاث؟ قلتُ: كانت أزواجه وَلّ تسعةً، والمُهَاجَرَة بكلِّ منهنَّ ثلاثًا بالترتيب، كانت ركيلة، فَهَاجَرَ كلَّهنَّ بهذا الحساب معًا، فَحَصَلَ بضرب الثلاثة في التسعة شهرٌ. قوله: (الشَّهْرَ يكون تِسْعًا وعِشْرِين)، أي قد يكون تِسْعًا وعشرين، ولهذا قدَّم الشَّهْرَ. وراجع ((دلائل الإِعجاز)) من فوائد تقديم المسند. ١٢ - بابٌ شَهْرا عِيدٍ لاَ يَنْقُصَانِ قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ إِسْحَاقُ: وَإِنْ كانَ نَاقِصًا فَهُوَ تَامٌ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجْتَمِعَانِ كِلاهُما نَاقِصٌ. ١٩١٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قالَ: سَمِعْتُ إِسْحاقَ، يعني ابنَ سُويدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ. ح. وَحَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، (١) وفي تقرير الفاضل عبد العزيز: أن الشيخ ابن الهُمَامِ صرَّح بجواز المُهَاجَرَة في أقلّ من مدَّة الإيلاء، فاسْتَرَحْنَا عن الجواب. قلت: وقلَّبْتُ الأوراق من هذا الباب، فلم أجده فيه. ولعلَّه من سَبقَه القلم، أو من خطأ نظري، فلينظره من باب القَسَم. ٣٣١ كتاب الصّوم عَنْ خالِدِ الحَذَّاءِ قالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّقَالَ: ((شَهْرَانِ لَا يَنْقُصَانِ، شَهْرَا عِيَدٍ: رَمَضَانُ وَذُو الحَجَّةِ)). قال أحمد في («تفسيره)): أي لا يَنْقُصَان عددًا في سنةٍ واحدةٍ. فإن نَقَصَ هذا. تَمَّ هذا، وإن تَمَّ هذا نَقَصَ هذا. وردَّ عليه الطَّحَاوِيُّ (١)، وقال: هو خلافُ الواقع، فإنه وَقَع مرَّةً نحوه في عهده، فَنَقَصَ كلاهما معًا. قلتُ: وحينئذٍ يُحْمَلُ قول أحمد على الأكثر. وقال إسحاق: معناه لا يَنْقُصَانِ بِحَسَب الأجر، فالشهرُ الناقصُ منهما كالتامِّ منهما. ويُرَدُّ عليه أن هذا معقولٌ فِي رمضان، لأن وظيفةَ الصِّيَام تَسْتَوْعِبُه، فيمكن أن يكونَ تسعٌ وعشرون منه كالثلاثين في الأجر. إلّا أنه لا يُعْقَلُ في ذي الحِجَّةَ، فإنه لا عبادةَ في النصف منه. نعم يَصِحُّ عند مالك، لأن الأضْحِيَةً عنده جائزةٌ إلى آخر الشهر في روايةٍ. وقال السيوطي: إن الأشهرَ أوتارٌ وأشفاعَ. فالأوتارُ منها تكون تسعًا وعشرين، والأشفاعُ ثلاثين، هكذا عند علماء الحساب. وأمَّا ما يُوجَدُ خلافه، فهو من الخطأ في الرُّؤْية. فكأن النبيَّ ◌َّأَخْبَرَ بما في الواقع، لا أنه ذكر حكمًا شرعيًا. فلا يمكن أن يَنْقُصَ شهر رمضان، وذي الحِجَّة كلاهما، فإن الأوَّلَ من الأَوْتَار، والثاني من الأَشْفَاعِ، فلا بد أن يَنْقُصَ الأوَّل، ويتِمَّ الثاني، فصَحَّ قوله: ((شهرا عيدٍ لا يَنْقُصَان)). قلتُ: وراجعت له الزيج، فتبيَّن منه أن الأشفاعَ والأوتارَ من مصطلحاتهم باعتبار فنّهم، فاعتبروها ناقصةٌ وتامةً بحَسَبِ موضوعهم، لا أنها كذلك عندهم في الخارج، والواقع. ثم إن ستة أشهرٍ تكون تسعًا وعشرين، وستةً منها ثلاثين عند علماء الحساب. ولا يُشْتَرَطُ عندهم التَّوَالي، ويمكن أن تتوالى ثلاثةُ أشهرٍ منها ناقصةً، وحينئذٍ جواب السيوطي، كما ترى. وقد أجاب عنه الطِيبِيُّ أيضًا، وأجاد، وحاصله: أن العيدَ من ذي الحِجَّة، وإن كان في العاشرة خاصةً، إلَّا أنه اشتهر في العُرْفِ وصفُ هذا الشهر كلِّه بالعيد، وإن لم نُدْرِكْ وجهه. وهذا كما أن عيدَ الفِطْرِ في أول يوم من شوال، إلَّا أنه نُسِبٍَ إلى رمضانَ لمناسبةٍ، فَعَدَّ رمضانَ أحد شهري عيدٍ، فكما أن كون يومًا من شوال عيدًا تناول الشَّهْرَ كلَّه، كذلك صار ذو الحِجَّة كلُّ عیدًا بیومٍ واحدٍ (٢). (١) قال الطحاويُّ في ((مشكله)): حدثنا إبراهيم بن أبي داود: حدثنا فَرْوَة بن أبي المَغْرَاء: حدثنا القاسم بن مالك المُزَني، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَّةِ: ((كلُّ شهرٍ حرامٍ ثلاثون يومًا، وثلاثون ليلةً))، فكان هذا عندنا ليس بشيء، إذ كان عبد الرحمن بن إسحاق لا يُقَاوِمُ خالد الحَذَاء في إمامته في الرواية، ولا في ضبطه فيها، ولا في إتقانه لها. وأيضًا كان العِيَان قد دفع ذلك، وبالله التوفيق . (٢) قلتُ: ولا أدري بالضبط ماذا ألقى علينا الشيخُ من مراد الطيبي، وماذا كتبْتُ؟ فرأيتُ أن أَنْقُلَ عبارته من نسخة قلمية، مع سَقْطٍ فيها من الناسخ، وهذا نصّه: قيل: فيه وجوه: فمنهم من قال: لا يَنْقُصَان معًا في سنةٍ واحدةٍ، حَمَلُوه على غالب الأمر. ومنهم قال: إنه أراد بفضل العمل في العشر من ذي الحِجَّة في الأجر والثواب من شهر رمضانَ. ومن قائلٍ ثالثٍ: إنهما لا يكونان نَاقِصَيْن في الحكم، وإن نقصا في العدد، أي لا يَعْتَرِضُ في قلوبكم شَكٌّ إذْ صُمْتُم تسعة وعشرين يومًا، وأن يقع في شهر الحجّ خطأ، لم يكن في نُسُككم هو نقصٌ. = ٣٣٢ كتاب الصّوم قلتُ: إن أخذت تماميتهما باعتبار الأجر، فله وجهٌ أيضًا. أمّا في رمضان، فظاهرٌ. وأمَّا في ذي الحِجَّة، فلأن العبادةَ في العشر منها منصوصٌ. وما عُلِمَ بعد السَّبْرِ أنها هي التكبيرُ، والصِّيَام. وأمَّا للحاجُّ فله ما وُّفَ له في تلك الأيام. فإذا عَلِمْتَ أن أفضلَ عبادتها الصيامُ، تَبَيِّنْتَ أن إطلاق العشرة لا يَصِحُّ عليها. فإن الصِّيَامَ وإن كان مُسْتَحَبًّا في تسعةٍ منها، لكنه في العاشرة حرامٌ، فما وجهُ إطلاق العشر؟ والذي ظَهَرَ لي: أن الإِمساكَ إلى الزوال - وهو وقتُ أكله من أضحيته - مستحبُّ في العاشرة أيضًا. فهذا الصومُ الناقصُ اعتبره الشرعُ تامًا، فصَحَّ أن أقول: وظاهرُ سياق الحديث في بيان اختصاص الشهرين عزيمةٌ ليست في سائرها. وليس المرادُ أن ثوابَ الطاعة في = سائرها قد يَنْقُض دونهما. فينبغي أن يُحمَلَ على الحكم، ورفع الجُنَاحِ، والحرجِ ممَّ عسى أن يَقَعَ فيه خطأ في الحكم لاختصاصهما بالعيدين، وجواز احتمال الخطأ فيهما. ومن ثم لم يَقُلْ: شهرُ رمضانَ، وذي الحِجَّة. انتهى. فلْيُصَحِّح الناظرُ عبارتَه، ثم ليُمعِن النظرَ في مراده. والذي فَهِمْتُه من ظاهر عبارته: أن في الشَّهْرَين معنىّ ليس في غيرهما، وهو العِيدِيَّة، وربَّما يقعُ فيها الخطأ عند اختلاف الأَمِلْة. فنبَّه على أن هذين الشهرين لا يَنْقُصَان أجرًا، وإن وَقَعَ الخطأُ فيهما. وهو الحكم في سائر الأشهر، إلاَّ أنه خصَّص رمضانَ، وذا الحِجَّة بالذكر لاشتمالهما على عبادةٍ مخصوصةٍ، وعيد المسلمين والناسُ يتساءلون فيهما عن الأَمِلَّة، وتَذْهَبُ الأوهامُ إلى نُقْصَان الأجر فيهما عند اختلاف الأَمِلَّة، فالدخيل في عدم النقصان هو العِيديَّة. ولعلَّ هذا الذي أراده الشيخُ مع بيان النُّكْتَةِ لكون رمضانَ وذي الحِجَّة شهري عيد. والله تعالى أعلم. قلت: وقد تكلّم عليه الطحاويُّ أيضًا في ((مشكله))، ولعلَّه أيضًا يَؤُولُ إليه مع بعض تَغَايُرٍ. قال: فاحتجنا إلى معنى قوله: ((شهرا عيدٍ لا يَنْقُصَان))، ما هو؟ فوجدنا هذين الشهرين، وهما: رمضان، وذو الحِجَّة، تبينان عمَّا سواهما من الشهور، لأن أحدهما الصِّيَامَ، وليس في غيره من الشهور، فكان موهومًا أن يَقَعَ في قلوب قومٍ، أنهما إذا كانا تسعًا وعشرين، نَقَصَ بذلك الصومُ الذي في أحدهما، والحجُّ الذي في الآخر عمَّا يكونان عليه إذا كانا ثلاثين ثلاثين. فأعلمهم رسولُ الله ◌َّةٍ أنهما لا يَنْقُصَان، وإن كانا تسعًا وعشرين، غير ما يكون فيهما من هاتين العبادتين، وأن هاتين العبادتين كاملتين فيهما، وإن كان في العدد كذلك، ككمالهما فيهما إذا كانا ثلاثين ثلاثین ... إلخ. قلت: ولكنه لم يَظْهَرْ من كلامه معنى نقصان الحجّ، إذا كان الشهر تسعًا وعشرين. أما الصِّيامُ في رمضانَ، فظاهرٌ. وقد ظَهَرَ من كلام الطيبي: أن الخطأ فيه يمكن أن يكون باعتبار يوم الحجّ، والله تعالى أعلم بالصواب. ثم ظَهَرَ من مراد الطيبي أن لهذين الشهرين خصيصة ليست لغيرهما من الشهور، وهي العِيدِيَّة، فإِنها في هذين فقط، وإذَا لا بُدَّ أن يكونَ الحديثُ راجعًا إلى معنى المختصِّ بهما، وهو أن أوهامَ الناس إنما تتوجَّه إلى نُقْصَان في هذين، لمكان العيدين فيهما، فَيَزْعُمُون: لعلّهم غَلِطُوا في عيدهم، لمكان اختلاف الأَهِلَّة، فهداهم الشرعُ أن لا نقصّ في هذين الشهرين، وليس هذا النقص راجعًا إلى عدد الأيام، بمعنى أن تِسْعًا وعشرين منهما يساوي ثلاثين في الأجر، بل إلى نُقْصَانٍ في عيدهم. فإِذن هو على حدٍّ قوله ◌َِّ عند الترمذيّ، عن أبي هريرة مرفوعًا، قال: ((الصومُ يوم تَصُومُون، والفِطْرُ يوم تَفْطِرُون، والأَضْحَى يوم تُضَحُون)). قال الترمذيُّ: وفسّر بعضُ أهل العلم هذا الحديث، فقال: إنما معنى هذا: الصومُ والفِطْرُ مع الجماعة، وعِظَم الناس . اهـ . قلت: فالمعنى أن التردُّدَ، وإجراءً الوساوس في باب العيدين غَلَطّ، فنفي النقصان عن هذين، على معنى النقص في نفس العِيدِيَّة لا غير. والله تعالى أعلم بمراد عباده. ٣٣٣ كتاب الصّوم عاشرة ذي الحِجَّة أيضًا لا تَنْقُصُ عند الله تعالى، مع نقصانها في الحِسِّ، ويُعْطي له أجرَ الصومِ التامِّ. ١٣ - بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ وَجَ: «لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ)) ١٩١٣ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيسٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ وَ﴿ِ أَنَّهُ قالَ: ((إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا)). يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةٌ وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلاثِينَ. [طرفه في: ١٩٠٨]. ١٤ - بابٌ لاَ يَتَقَدَّمَنَّ رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ وَلاَ يَوْمَينِ ١٩١٤ - حدّثنا مُسْلم بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: حَدَّثَنَا يَحْيى بن أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قالَ: ((لَا يَتَقَدّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمٍ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَينٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلَيَصُمْ ذلِكَ الْيَوْمَ)). وهُهنا حديثٌ آخر. أخرجه الترمذيُّ: ((إذا بقي نصفٌ من شعبان، فلا تَصُومُوا))، وقد حَمَلَ الترمذيُّ النهيَ في الحديثين على النهي لحال رمضان، ويَرِدُ عليه: أنه لا يَظْهَرُ على هذا التقدير لتخصيص يوم أو يومين وجهٌ. قلتُ: وإنما أَفْرَزَهُ من حديث نصف شعبان لكونه كثيرَ الوقوع، فإن أكثرَ ما يتقدَّمه الناسُ الحال رمضان يومٌ أو يومان، فكأنه خصَّصه لمزيد الاعتناء به. ولذا قال صاحبُ ((الهداية)): إن تقدَّمه بثلاثة أيام لا يُكْرَهُ، فَقَصَرَ النهيَ على اليومين. ثم ذكر نَكْتَتَهُ الشيخ سعد الله في ((حاشية العناية)): إن الالتباس في غُرَّة رمضان لا يزيد على يوم أو يومين، فلا يتقدَّمونه إلّا بصوم يوم أو يومينٍ، يَقْصِدُون به أن لا يَفُوتَ عنهم من رمضانَ شيء. ولمَّا كان هذا الاحتياط لغوًا(١)،َ إلَّا أنهم أُمِرُوا أن يَصُومُوا لرؤيته ويُفْطِرُوا لرؤيته، نهاهم عنه (٢). (١) أخرج الطحاويُّ عن ابن عباس يقول: ((إني لأَغْجَبُ من الذين يَصُومُون قبل رمضان، إنما قال رسولُ الله ◌ِّ : ((إذا رأيتم الهلال فصُومُوا، وإذا رأيتموه فأُفطِرُوا، فإِن غُمَّ عليكم. فَعُدُّوا ثلاثين ((مشكل الآثار)). (٢) قلت: ومن ههنا عَلِمْتَ أنه ليس مراد الترمذيِّ من قوله: لمعنى رمضان، أو لحال رمضان. وحاصلُه على هذا التقدير: أن النبيَّ ◌َلّ نهى عن تقدُّم رمضانَ بيوم أو يومين لتعظيم رمضان، وإذا هو ليس في شيءٍ من التعظيم شرعًا، فلا ينبغي له أن يتقدَّمَ رمضانَ بصومٍ. وَالصوابُ أن مرادَ الترمذيِّ منه أن يتقدَّم برعاية رمضان، فإِن التخليطَ في الأَمِلَّة لا يكونُ إلَّا بيوم أو يومين، ويَشُقُّ على العامة أن يَقُوتَ عنهم صومٌ من رمضان، فيتقدَّمونه بيومٍ أو يومين، ليُدْرِكُوا جميعه. فأخبر أن هذا التقديمَ ليس بشيءٍ، وأمرهم بأن يَصُومُوا لرؤيته، ويُفْطِرُوا لرؤيته. وكم من فرقٍ بين المعنيين: فإن معنى التعظيم: أن رمضانَ أمامك، فَتُحِبُّ أن تُعَظّمَهُ وتستقبله بصوم يوم أو يومين، تعظيمًا له. بخلاف رعاية رمضان، فإِنه بالنظر إلى أن لا يَقُوتَ عنك صومٌ من رمضان، فَتَحْطَاطَ فيه، وتتقدّمه بصوم يومٍ أو يومين لتستوفي جميعَ أيامه، ولا تَتْرُكُ منها شيئًا، فهذا هو الذي نهى عنه صاحبُ الشّرْعِ. والرعايةُ من قِبَله بدوّن أمرٍ منه، حمقٌ وغباوةٌ. = ٣٣٤ كتاب الصّوم قلتُ: والنهيُ عندي في الحديث الأوَّلِ لمعنىَ شرعيٍّ، وفي الحديث الثاني إرشادًا وشفقةً فقط. فإن رمضانَ أمامه، فَلْيَتَأَهَّبْ له، ولْيَتْرُكُ الصِّيَامَ لئلا يَضْعُف قبل رمضان. بخلاف الأول، فإن الناسَ اعتادوا به. ويَصُومُونَهُ، وهذا يُوجِبُ هَذْرَ حدود الشرع والتخليط بينها. فأَحَبَّ أن يبقى الفرضُ متميِّزًا عن النفل، فنهى عن صوم يوم أو يومين قبله . وحاصلهُ: أن النهيَ عن التقدُّم بيوم أو يومين مُؤكَّدٌ، بخلاف النهي عن الصوم من نصف شعبان، فإنه بالنظر إلى أَهْبَتِهِ لرمضان. وذلك لأن ليلةَ القدر، وإن كانت في رمضانَ، إلَّا أنه يُعْلَمُ من بعض الروايات أنها في النصف من شَعْبَان. والوجهُ عندي أنها في رمضانَ. نعم بعض متعلقاتها وتمهيداتها من نصف شعبان، فيُمْكِنُ أن يَصُومَ أحدٌ من نصف شعبانَ لهذا، فنهاه شفقةً، ليستقبلَ شهر رمضان. وإنما كان النبيُّ نَل ◌َوْ يَصُومُ شعبانَ كلَّه، أو أكثره لتتمكن نساؤه بقضاء صيامهن، قبل أن يَهْجُمَ عليهنَّ رمضانُ، كما في الحديث. وهُهنا حديثٌ ثالثٌ في النهي عن صوم يوم الشَّكِّ، وهو أيضًا يُوجِبُ التقدُّم في بعض الصور، نحو أن يَظْهَرَ أن هذا اليوم كان من شعبانَ مثلًا. إلَّا أنا قُلْنَا باستحبابه للخواصِّ، لأن هذا الصوم لمعنىّ صحيح، فإنهم في غيم، ويُمْكِنُ أن يكونَ هذا اليوم من رمضان، كما أنه يُمْكِنُ أن يكونَ من شعبان، لكِّن صومَ يومٍ منَ شَعْبَانَ أَوْلَى من إفطار يوم من رمضان. بخلاف الصوم لحال رمضان، فإن بناءه على الشكّ من جهة الوساوس فقط وليس بوجهٍ وجيهٍ، فافترقا، فلذلك نهى عن التقدُّم، واستحبَّ له صوم يوم الشَّكِّ. ١٩١٤ - قوله: (إلَّا أن يكونَ رجلٌ كان يَصُومُ صَوْمَهُ) ... إلخ، ووسَّع له صاحب ((الهداية)) أيضًا . ١٥ - بابُ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أُحِّ لَكُمْ لَيْلَةًّ اُلْصِيَاءِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسُ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْعَنَ بَشِرُوهُنَّ وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ [البقرة: ١٨٧]. لَكُمَّ﴾ ١٩١٥ - حدّثنا عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ، عَنِ البَرَاءِ ألا ترى أنه لم يأمره إلاَّ بالصَّوْم عند الرؤية، فإِذا رأى الهلالَ يَصُومُه، فإِن ظَهَرَ الاختلاطُ في الأَمِلَّة، يقضي يومًا = عن رمضانَ إن فاته. فهذا الذي علَّمه الشرعُ، لا أن يتقدَّم بصوم يومٍ، أو يومين. ولذا أجازه لمن كان يَعْتَادُ صوم ذلك اليوم، فإنه ليس صومه لرعاية رمضان، بل من حيث كون عادته بالصوم في ذلك اليوم، فَيَصُومُه، ولا يُكْرَهُ له. أمَّا من صامه للرعاية المذكورة فقط، كُرِهَ له ذلك. وهذا هو الذي أراده صاحبَ ((الهداية))، وعليه تأتي نكتة الدَّيْري. أمّا على تقدير معنى التعظيم، فلا تَجْري فيه ما ذكره من النكتة. هكذا أفاده شيخُنا في درس الترمذيّ، وإنما خَلَطْتُ في هذا الموضع بين تقريره في الترمذيّ والبخاريٍّ، ورتبته من عندي، وأوضحته من نفسي، لكون ما ضبطته من هذا المقام غيرَ واضحٍ، وغيرَ كاملٍ، فلا آمَنُ من تحريف المراد، والله تعالى أعلم. ٣٣٥ كتاب الصّوم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدِنَّةٍ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائمًا، فَحَضَرَ الإِفِطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفطِرَ، لَمْ يَأْكُلِ لَيَلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيسَ بْنَ صِرْمَةَ الأَنْصَارِيَّ كانَ صَائمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الإِفِطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ لَهَا: أُعِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لَا، وَلكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَظْلُبُ لَكَ، وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قالَتْ: خَيْبَةً لَكَ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهُ، فَذُكِرَ ذلِكَ لِلنَّبِّوَلَّ فَنَزَلَتْ هذهِ الآيَةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةً اُلْصِيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَفَرِحوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا، وَنَزَلَتْ: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَّ يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. [الحديث ١٩١٥ - طرفه في: ٤٥٠٨]. ١٦ - بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ اُلْفَجْرِّ ثُمَّ أَتِفُواْ الْصِيَامَ إِلَى الَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. فِيهِ الْبَرَاءُ عَنِ النَّبِّ ◌َُّ . ١٩١٦ - حدّثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ قالَ: أَخْبَرَنِي حُصَينُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿حَتَّى يَتَبَّنَ لَكُ اُلْخَيْطُ الْأَنْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ، فَجَعَلتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي، فَجَعَلتُ أَنْظُرُ في الليلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي، فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولٍ اللَّهِ وَّهِ فَذَكَرْتُ لَهُ ذلِكَ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا ذلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ)). [الحديث ١٩١٦ . طرفاه في: ٤٥٠٩، ٤٥١٠]. ١٩١٧ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ. ح. وحدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، قالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حِازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أُنزِلَتْ: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُ الْخَيْطُ اَلْأَنْيَضُ مِنَ الْخَطِ اُلْأَسْوَدِ﴾ وَلَمْ يَنْزِلَ ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾. فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ في رِجْلِهِ الخَيطَ الأَبْيَضَ وَالخَيطَ الأَسْوَدَ، وَلَمْ يَزَلَ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي اللَّيلَ وَالنَّهَارَ. [الحديث ١٩١٧ - طرفه في: ٤٥١١]. أخرج البخاريُّ في حديث سَهْل بن سَعْدٍ: ((أن رِجَالًا كانوا إذا أرادوا الصَّوْمَ رَبَطَ أحدُهم في رِجْلِهِ الخيط الأبيضَ، والخيطَ الأسودَ، إلى قوله: فأنزل اللهُ بعدُ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾. اهـ. وهذا يَدُلُّ على أن ما فعله عَدِيُّ بن حاتم لم يكن خطأً محضًا، بل كان عليه العملُ إلى زمانٍ، إلَّا أنه لم يَبْلُغْهُ النَّسْخُ، فَعَمِلَ به بعده أيضًا، ولذا قال النبيُّ نَّهِ ما قال، هكذا قرَّره الطحاويُّ. وسَهَا من زَعَمَ أن قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ ﴾ نَزَلَ في واقعة عَدِي. ثم هل المراد من التبيُّن تبيُّنه كل التبيُّن، أو نفسه؟ فمن أراد الأول ذهب إلى جواز الأكل ٣٣٦ كتاب الصوم بعد الفجر، كما في ((قاضي خان)). إن الناسي لو أكل بعد الفجر، فصومه تامُّ. وعامّتُهم إلى أن المرادَ هو الثاني، فَيَفْسُدُ صومه بأكله بعد الفجر. سواء تبيَّن أو لا أقولُ: ولا يُمْكِنُ الفصل فيه، لأنه من باب تعيين المراتب مع العمل باللفظ قلت: والذي ينبغي العملُ به هو نفسِ التبيّن. نعم إن أكل أحدٌ بعد الفجر، ولم يُسْفِرِ الفجرُ بَعْدُ، لا أقول: إنه يُكَفِّرُ، بل يقضي فقط (١). ١٧ - بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ (لاَ يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلاَلٍ)) ١٩١٨، ١٩١٩ - حدّثنا عُبَيدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ بِلَالًا كانَ يُؤْذِّنُ بِلَيْلٍ، فَقَالَ رَّسُولُ اللَّهِ مَّهَ: ((كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكتُومٍ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ)). قالَ القَاسِمُ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا إِلَّ أَنْ يَرْقَى ذَاً وَيَنْزِلَ ذَا. [طرفه في: ٦١٧، ٦٢٢]. ١٨ - بابُ تَأْخِيرِ السُّحُورِ ١٩٢٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْن عُبَيدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي حازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كُنْتُ أَتَسَخَّرُ في أَهْلِي، ثُمَّ تَكُونٌ سُرْعَتِي أَنْ أُدْرِكْ السُّجُودَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ لَّ. ١٩ - بابُ قَدْرِ كَمْ بَينَ السُّحُورِ وَصَلاَةِ الفَجْرِ ١٩٢١ - حدّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ زَيدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: تَسَخَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ◌ََّ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلاةِ، قُلتُ: كَمْ كانَ بَينَ الأَذَانِ وَالسُّحُورِ؟ قالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً. [طرفه في: ٥٧٥]. معنى التعجيل السرعة فيه، أي يَفْرُغُ عن سحوره بالعَجَلَةِ، ولا يطوِّل فيه، وليس مقابلًا للتأخير. فلا يَرِدُ أن التأخيرَ مُسْتَحَبٌّ، فإن التعجيلَ هُهنا باعتبار سرعة الأكل، والتأخيرَ هناك بِحَسَبٍ وقت الشُّحُور، فاعلمه. (١) قلت: وقد مرَّ من قبل: أن الحافظَ استشكل قوله بَّهَ: ((حتى يُؤَذِّنَ ابنُ أمِّ مَكْتُوم))، ولم يكن يُؤَذِّن حتی یُقَالَ له: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ، فإذا كان غاية الأكلِ أذانُهُ، دلَّ على جواز الأكل بعد نفس التبيُّن أيضًا. وهناك حديثٌ آخر عند أبي داود قد مرَّ من قبل، وفيه أيضًا دليلٌ على ذلك. وروايةٌ أخرى عند الطحاويِّ من أن النبيَّ وََّ كان يُحَرِّمُ الطعامَ بعد ما يَخْرُجُ إليهم في المسجد، وذلك بعد الأذان قبل الصلاة. وروايةٌ أخرى عند الترمذيِّ ما يَدُلُّ على جواز الأكل إلى الأحمر، وهو بعد بعد الفجر. فكلُّ ذلك أَوْجَبَ شبهةً في الكفَّارة فَدَرَأْنَاهَا. وقد بَسَطَ الكلام عليه الشيخُ في درس الترمذيِّ. ٣٣٧ كتاب الصّوم ٢٠ - بابُ بَرَكَةِ السُّحُورِ مِنْ غَيرِ إِيجَابٍ لأَنَّ النَّبِيِّ نَّهُ وَأَصْحَابَهُ وَاصَلُوا وَلَمْ يُذْكَرِ السُّحُورُ. ١٩٢٢ - حدّثنا موسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا جُوَيرِيَةُ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهَ وَاصَلَ فَوَاصَلَ النَّاسُ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَنَهَاهُمْ، قَالُوا: إِنَّكَ تَوَاصِلُ! قالَ: ((لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَظَلُّ أُطْعَمُ وَأُسْقَى)). [الحديث ١٩٢٢ - طرفه في: ١٩٦٢]. ١٩٢٣ - حدّثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِياسٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ صُهَيبٍ قالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّرَ: ((تَسَخَّرُوا، فَإِنَّ في السَّحُورِ بَرَكَةً)). واعلم أن الحافظَ ابن تَيْمِيَة ذهب إلى استحباب الوِصَال من السَّحَر إلى السَّحَر، معناه أن لا يُفْطِرِ بعد الغروب، بل يُواصِلُ إلى السَّحَر. والوِصَال المنهي عنه أن لا يأكلَ السَّحُورَ أيضًا، ويُواصِلُ بين الصومين، أو أكثر. والمواصلةُ المذكورةُ ليست بشيءٍ عند الجمهور قلتُ : والأحاديثُ وَرَدَتْ بالنحوين. ثم إن التتابعَ في الصوم أن يُفْطِرَ بعد الغروب، ويَصُومَ متواليًا . وأخطأ في - ((العالمَكِيرِيَّة)) - حيث لم يُفَرِّق بين الوِصَال والتَّتَابُع، وجعلهما واحدًا. وكذا وقعت أخطاءٌ في المسائل من باب الحظر والإِباحة كثيرًا، نعم مسائلها في المعاملات مُعْتَمَدٌ عليها، فاعلمه . ٢١ - بابٌ إِذَا نَوَى بِالنَّهَارِ صَوْمًا وَقَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِنْ قُلنا: لَا، قالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ يَوْمِي هذا. وَفَعَلَهُ أَبُو طَلحَةَ، وَأَبُو هُرَيْرَة، وَابْنُ عَبَّاسٍ وَحُذَيفَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. ١٩٢٤ - حدّثنا أَبُو عاصِم، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ بَعَثِ رَجُلًا يُنَادِي فَي النَّاسِ يَوْمَ عاشورَاء: (إِنَّ مَنْ أَكَلِّ فَلَيُتِمَّ، أَوْ فَلَيَصُمْ، وَمَنْ لَمْ يَأْكُل فَلَا يَأْكُل)). [الحديث ١٩٢٤ - طرفاه في: ٢٠٠٧، ٧٢٦٥]. وقد احتجَّ الطحاويُّ بحديث الباب على عدم اشتراط التبييت في صوم رمضان، والنَّذر المعيّن، والنفل، لكون الأول معيَّنًا من جهة الشرع، والثاني من جهة العبد، فلا مُزاحمة. وإنما النَّة لتعيين المُسَمَّى، وقطع المُزَاحمة. قال الطَّحَاويُّ: إن عَاشُورَاءَ كان فرضًا قبل رمضانَ، كما مرَّ. وفي أمر النبيِّ رَّ إياهم بصومه بعد ما أصبحوا، دليلٌ على أن من كان في يومٍ عليه صومه بعينه، ولم يَكُنْ نَوَىَ صومه من الليل، أن تجزئه نيَّةُ صومه بعد ما أصبح ... إلخ. وَالعجبُ من الحافظ حيث قال: لو كان صومُه فرضًا لأَمَرَ من لم يصُمْه بالقضاء. قلتُ: نعم قد أَمَرَهُمْ به، كما عند أبي داود في باب فضل صومه، قال: ((فَأَتِّمُّوا بقيةَ يومكم، واقْضُؤُه)). قال أبو داود: يعني يوم عَاشُورَاء . اهـ . ٣٣٨ كتاب الصّوم ٢٢ - بابُ الصَّائِمِ يُصْبِحُ جُنُبًا ١٩٢٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامِ بْنِ المُغِيرَةِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَبِي حِينَ دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةً وَأَمِّ سَلَمَةَ (ح). ١٩٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُوٍ بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ: أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الرَّحْمُنِ أَخْبَرَ مَرْوَانَ: أَنَّ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتَاهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ كَانَ يُدْرِكُهُ الفَجْرُ، وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. وَقَالَ مَرْوَانُ لِعَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الحَارِثِ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتُقَرِّعَنَّ بِهَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَمَرْوَانُ يَوْمَئِذٍ عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ أَبُوَ بَكْرٍ: فَكَّرِهَ ذلِكَ عَبَّدُ الرَّحْمُنِ، ثُمَّ قُدِّرَ لَنَا أَنْ نَجْتَمِعَ بِذِي الحُلَيفَةِ، وَكَانَتْ لأَبِي هُرَيْرَةَ هُّنَالِكَ أَرْضٌ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ لأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أَمْرًا، وَلَوْلًا مَرْوَانُ أَقْسَمَ عَلَيَّ فِيهِ لَمْ أَذْكُرْهُ لَكَ، فَذَكَرَ قَوْلَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَّةَ، فَقَالَ: كَذلِكَ حَدَّثَنِ الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَعْلَمُ. وَقَالَ هَمَّامٌ وَابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: كَانَ النَّبِيُّ بَ يَأْمُرُ بِالفِظْرِ، وَالأَوَّلُ أَسْنَدُ. [الحديثان ١٩٢٥، ١٩٢٦ - أطرافهما في: ١٩٣٠، ١٩٣١، ١٩٣٢]. قلتُ: وَرَدَ فيه النهيُّ بإِسنادٍ قويٍّ ((من أصبح جُنُبًا (١) فلا صِيَام له))، مع أنه قد ثَبَتَ عنِ النبيِّ وَّ أنه أصبح صائمًا وهو جُنُب. وجوابه يقتضي تمهيدُ مقدمةٍ، وهي: أن الطهارةَ مطلوبةٌ عندي في العبادات كلُّها: أمَّا في الصلاة فهي من شرائطها عند الأئمة كلِّهم. وأمَّا في الحجِّ فهي من الواجبات، على ما مرَّ. بقي الصومُ، فأدَّعِي من قِبَلِ نفسي أنها مطلوبةٌ فيه أيضًا. فإن التَّلَبُّسَ بالنجاسات مكروهٌ عامّةً، فكيف في حال العبادة؟ فمن يَصْبِحُ جُنُبًا، فلعلَّه يَدْخُلُ نقيصةٌ في صيامه في النظر المعنوي، وإن تمَّ حِسًّا. أعني به: أن للصوم حكمًا وحقيقةً، كما أن للإيمان حقيقةً وحكمًا. والتي جِيءَ بها عند شَقِّ صدره وَّر في طَسْتٍ مُلِئَتْ إيمانًا وحكمةً، كانت هي الحقيقة. وتلك الحقيقة تَنْقُصُ وتَزِيدُ، كما مرّ في باب الإِيمان. وهكذا للصوم حقيقةٌ، وهذه تَنْتَقِصُ عند التَّلَبّس بالنجاسات، فليست تلك النقيصة حكمًا مِن الشرع، بل بحَسَب حقيقته. وهذه النقيصة تَدْخُلُ من الحِجَامة أيضًا، ولذا قال النبيُّ وَّ: (أَفْطَرَ الحَاجِمُ والمَحْجُومُ))، لأن الحجامةَ أيضًا تُوجِبُ التلُّخ بالدماء، والتلُبُّس بالنجاسة. وهذا (١) قال الخَطَّبيُّ: أحسنُ ما سَمِعْتُ في تأويل ما رواه أبو هُرَيْرَة في هذا: أن يكون ذلك محمولًا على النَّسْخِ، وذلك أن الجِمَاعَ كان في أول الإِسلام محرَّمًا على الصائم في الليل بعد النوم، كالطعام والشراب. فلما أَبَاحَ الله تعالى الجِمَاعَ إلى طلوع الفجر، جاز للجُنُب إذا أصبح قبل أن يَغْتَسِلَ أن يَصُومَ ذلك اليوم، لارتفاع الحظر المتقدُّم. فيكون تأويل قوله: ((من أَصْبَحَ جُنُبًا فلا يَصُومُ)): أي من جَامَعَ في الصوم بعد النوم. فلا يُجْزِئُهُ صوم غَدِه ... إلخ - ((معالم السنن)) -. ٣٣٩ كتاب الصوم وإِن لم يَقُلْهُ أحدٌ من الفقهاء، لكني أخذته من الأحاديث. وقد مرَّ التنبيهُ على أن التعارض بين الأَدِلَّة قد يُوجِبُ التخفيف في المقام. فإذا وَرَدَ النهيُ عنها في قوله: ((أَفْطَرَ الحَاجِمُ والمَحْجُومُ»، مع ثبوتها عن النبيِّ وَلَّ، أَوْرَثَ التخفيف، ودَلَّ على ثبوت المراتب. وأن المرادَ من الإِفطار هو الإِفطارُ في النظر المعنويِّ، كما في الغِيبة، فإن الشَّرْعَ سمَّاها أكلا، قال تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ﴾ [الحجرات: ١٢]. ثم لم يَحْكم الفقهاءُ أن صومَ من اغتاب فاسدٌ، فكذلك في الحِجَامة. ولو لم يَثْبُت عندنا خلافه لقُلْنَا بفساده من الحِجَامة، كما ذَهَبَ إليه أحمد. وفي ((حاشية ما لا بُدَّ منه)) - رسالةٌ للقاضي ثناء الله المحدث الفاني فتى - عن ((جامع الفتاوى)): أن الصَّوْمَ حال الجنابة مكروهٌ. ولم أره في غيرها، ولعلَّ المرادَ منها الكراهة بحَسَب الحقيقة، دون الكراهة عند الشرع. كيف! وقد ثَبَتَ عن النبيِّ وَّر أنه أصبح جُنُبًا، وصام. وقد استدلَّ عليه محمد في ((موطئه)) من قوله تعالى: ﴿فَالْقَنَ بَشِرُوهُنَّ وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمَّ وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ حَتَّى يَبيَّنَ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلخ، حيثٍ رخّص فيه بالجِمَاع وغيره إلى طلوع الفجر، ومن لوازمه صومُه مع الجَنَابة، فإنه لا يَغْتَسِلُ إذن إلَّا بعد الفجر، والشرع لم يُكَلِّفْهُ بالغُسْل قبله. ٢٣ - بابُ المُبَاشَرَةِ الصَّائِمِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: يَحْرُمُ عَلَيْهِ فَرْجُهَا . ١٩٢٧ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَّتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يُقَبَّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانٌ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ. وَقَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: ﴿مَارِبُ﴾ [طه: ١٨]: حَاجَةٌ. وقَالَ طَاؤُسٌ: ﴿أُوْلِى اُلْإِرْبَةِ﴾ [النور: ٣١]: الأَحْمَقُ لَا حَاجَةً لَهُ فِي النِّسَاءِ. [الحديث ١٩٢٧ - طرفه في: ١٩٢٨]. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ : إِنْ نَظَرَ فَأَمْنَى يُتِمُّ صَوْمَهُ. ٢٤ - بابُ القُبْلَةِ لِلصَّائِمِ ١٩٢٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بِّهِ (ح). وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ بِهَ لَيُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ ضَحِكَتْ. [طرفه في: ١٩٢٧]. ١٩٢٩ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيِىٍ، عَنْ هِشَام بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةٍ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: بَينَمَا أَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهَ فِي الحَمِيلَةِ، إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلتُ، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِي، فَقَالَ: ((ما لَّكِ أَنْفِسْتِ؟)) قُلتُ: نَعَمْ، فَدَخَلتُ مَعَهُ فِي الحَمِيلَةِ، وَكَانَتْ هِيَ وَرَسُولُ اللَّهِ ◌ِ﴾ يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِد، وَكَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ. [طرفه في: ٢٩٨]. ٣٤٠ كتاب الصوم ٢٥ - بابُ اغْتِسَالِ الصَّائِمِ وَبَلَّ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ثَوْبًا فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ وَهُوَ صَائِمٌ. وَدَخَلَ الشَّعْبِيُّ الحَمَّامَ وَهُوَ صَائِمٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَعَّمَ القِذْرَ أَوِ الشَّيءَ. وَقَالَ الحَسَنُ: لَا بَأْسَ بِالمَضْمَضَةِ وَالتَّبَرُّدِ لِلصَّائِمِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِذَا كَانَ صَوْمُ أَحَدِكُمْ فَليُصْبِحْ دَهِينًا مُتَرَجِّلًا. وَقَالَ أَنَسٌ: إِنَّ لِيَ أَبْزَنّا أَتَقَخَّمُ فِيهِ وَأَنَا صَائِمٌ. وَيُذْكَرُ عَنِ النَّبِيِّ وَلِّ أَنَّهُ اسْتَاكَ وَهُوَ صَائِمٌ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَسْتَاكُ أَوَّلَّ النَّهَارِ وَآخِرَهُ، وَلَا يَبْلَعُ رِيقَهُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: إِنِ ازْدَرَدَ رِيقَهُ لَا أَقُولُ يُفطِرُ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا بَأْسَ بِالسِّوَاكِ الرَّظْبِ، قِيلَ: لَهُ طَعْمٌ، قَالَ: وَالمَاءُ لَهُ طَعْمٌ، وَأَنْتَ تُمَضْمِضُ بِهِ. وَلَمْ يَرَ أَنَسٌ وَالحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمُ بِالكُحْلِ لِلصَّائِمِ بَأْسًا . ١٩٣٠ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ عُرْوَةً وَأَبِي بَكْرٍ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: كَانَ النَّبِيُّ وَّهِ يُدْرِكُهُ الَفَجْرُ جُنُباً فِي رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ حُلَمٍ، فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. [طرفه في: ١٩٢٥]. ١٩٣١ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامِ بْنِ المُغِيرَةِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ: كُنْتُ أَنَا وَأَبِي، فَذَهَّبْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَنَا عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مََّ إِنْ كَانَ لَيُصْبِحُ جُنْبًا، مِنْ جِمَاعٍ غَيرِ احْتِلَامِ، ثُمَّ يَصُومُهُ. ١٩٣٢ - ثُمَّ دَخَلنَا عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ مِثْلِ ذَلِكَ. [طرفاه في: ١٩٢٥، ١٩٢٦]. قوله: (وَبَلَّ ابْنُ عُمَرَ) ... إلخ، ولا بأس به عندنا أيضًا. قوله: (وقال ابنُ عبّاسٍ: لا بَأْسَ أن يَتَطَعَّمَ القِدْرَ) ... إلخ، وهو جائزٌ عندنا أيضًا إذا كان زوجها فظًا غليظًا. وقال ابنّ سِيرِين: لا بأس بالسِّوَاكِ الرَّطْبِ. قيل: له طَعْمٌ، قال: والماءُ له طَعْمٌ. والعطفُ فيه كما في قوله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ، يَرَبِّ﴾ [الزخرف: ٨٨] وقد تحيَّر فيه المفسِّرُون. وترجمته (بانى كيلنى بهى مزاهى)، وهو العطفُ في قوله تعالى: ﴿إِّ مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَ﴾ [آل عمران: ٥٥] إلخ. يعني: "وفاة دونكا أور رفع بهى كرونكا". وأوضحته في رسالتي ((عقيدة الإِسلام»، فراجعها . ٢٦ - بابُ الصَّائمِ إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا وَقَالَ عَطَاءٌ: إِنِ اسْتَنْثَرَ فَدَخَلَ الْمَاءُ فِي حَلقِهِ لَا بَأْسَ بِهِ إِنْ لَمْ يَمْلِكْ. وَقَالَ الحَسَنُ: إِنْ دَخَلَ حَلقَهُ الذَّبَابُ فَلَا شَيءَ عَلَيهِ. وَقَالَ الحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ: إِنْ جَامَعَ نَاسِيًا فَلَا شَيءَ عَلَيهِ. ١٩٣٣ - حدّثنا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: حَدَّثَنَا ابْنُ سِيرِينَ، عَنْ