Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ كتاب الحج عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ وَّه بِالبَيتِ عَلَى بَعِيرِ، كُلَّمَا أَتَىَ الرُّكْنَ أَشَارَ إِلَيهِ بِشِّيءٍ كَانَ عِنْدَهُ وَكَبَّرَ. تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْن طَهْمَانَ، عَنْ خَالِدٍ اُلْحَذَّاءِ. [طرفه في: ١٦٠٧]. ٦٣ - بابُ مَنْ طَافَ بِالبَيتِ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى بَيتِهِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَينٍ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا ١٦١٤، ١٦١٥ - حدّثنا أَصْبَغُ، عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ قَالَ: ذَكَرْتُ لِعُرْوَةَ، قَالَ: فَأَخْبَرَتَنِي عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ أَوَّلَ شَيءٍ بَدَأَ بِهِ - حِينٍ قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ه - أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً. ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مِثْلَهُ. ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَأَوَّلُ شَيءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ. ثُمَّ رَأَيتُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ يَفَعَلُونَهُ، وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي: أَنَّهَا أَهَّلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبَيرُ، وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلَّوا. [الحديث ١٦١٤ - طرفه في: ١٦٤١]. [الحديث ١٦١٥ - طرفاه في: ١٦٤٢، ١٧٩٦]. ١٦١٦ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قالَ: حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ أَنَسِّ قالَ: حَدَّثَنَا مُوسى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ كَانَ إِذَا طَافَ فِي الحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، أَوَّلَ ما يَقْدَّمُ سَعِى ثَلَاثَةَ أَظْوَافٍ، وَمَشى أَرْبَعَةٌ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَينِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. [طرفه في: ١٦٠٣]. ١٦١٧ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضِ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ وَ كانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيتِ الطَّوَافَ الأَوَّلَ، يَخُبُّ ثَلَاثَةً أَطْوَافٍ، وَيَمْشِي أَرْبَعَةً، وَأَنَّهُ كانَ يَسْعى بَطْنَ المَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. [طرفه في: ١٦٠٣]. ١٦١٤ - قوله: (ذكرت لعروة) ... إلخ، وفي لفظ الحديث اختصارٌ مخِلٌ، توجه إليه الشارحون. وحاصله: التعريضُ بمذهب ابن عباس، وكان مذهبُه أنَّ الحاج إذا وقعَ بصرُه على البيت انفسخ إحرامُه للحج من غير اختيارٍ منه، فإنْ بَدَا له أن يحجَّ فقط، فعليه أن لا يشاهدَ البيت، ويذهبُ كما هو إلى عرفاتٍ، فيقِفُ بها (١). (١) قلت: وفيما ضبطه صديقنا مولانا عبد العزيز الكاملفوري من كلام إمام العصر رحمه الله هكذا: قال ابن عباس: من كان أحرم بالحج، ولم يَسُقِ الهَذي، فإذا طافَ بالبيت انفسخَ حجُّه إلى العمرة، وتمتْ عمرتُه قبل أنْ يَسعى لها ويحلق. وأما الجمهور فلا بد عندهم لإِتمام العمرة من أربعة أمور: الإِحرامُ، والطواف، والسعي، والحلق. اهـ . فبينَ هذا وبينَ ذاك فرقٌ، فليرجع إلى الشروح، وليُحرر مذهب ابن عباس. (من المصحح البنوري). ٢٢٢ كتاب الحج قوله: (فأخبرتني عائشة)، قلتُ: وهذا لا يردُ عليه، لأنَّ كلامَه في المفرد، وهذا للقَارِن. فإنَّ النبيَّ ◌َه كان قارنًا، ولكن السَّلفَ لم يكونوا يتعمقون هذا التعمق. وكان من دأبهم أنهم إذا وجدوا فعلًا في الباب عن النبي ◌َّالر أتوا به، وإن غاير يسيرًا. قوله: (ثم لم تكن عمرة) أي مُتميِّزة عن الحج. وقد مرّ مني التنبيهُ على أنَّ الرواة يعتبرونها عند تميُّزِها من الحج، والحِل بعدها . قوله: (فلما مسحوا الركن حلوا) ... إلخ، ولا دَخْل لهذه القطعة في رد ابن عباس، إنما ذكرها استطرادًا. ثم هُهنا إشكالٌ، بأن الحِلَّ لا يكون بعد المسح، بل بعد السعي. وأجاب عنه الجمهور أنَّ المعطوفَ محذوفٌ، أي مسحوا الركن وسعوا. قلتُ: مسحُ الركنِ كنايةٌ عن الفَرَاغ، کما يدل عليه قوله : ومسح بالأركان من هو ماسح ولما قضينا من منى كل حاجة ولم ينظر الغادي الذي هو رائح وشدت على دهم المهارى رحالنا وسالت بأعناق المطي الأباطح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ٦٤ - بابُ طَوَافِ النِّسَاءِ مَعَ الرجالِ ١٦١٨ - وَقَالَ لي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا أَبُو عاصِمٍ: قَالَ ابْنُ جُرَيج: أَخْبَرَنَا عَطَاءٌ - إِذْ مَنَعَ ابْنُ هِشَامِ النِّسَاءَ الطَوَافَ مَعَ الرِّجالِ - قالَ: كَيفَ يَمْنَعُهُنَّ، وَقَدْ طَافَ نِسَاءُ النَّبِيِّ وَِّ مَعَ الرِّجَالِ؟! قُلتُ: أَبَعْدَ الحِجَابِ أَوْ قَبْلُ؟ قالَ: إِي لَعَمْرِي، لَقَدْ أَدْرَكْتُهُ بَعْدَ الحِجَابِ. قُلتُ: كَيفَ يُخَالِظْنَ الرِّجَالَ؟ قالَ: لَمْ يَكُنَّ يُخَالِظْنَ، كانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَطَّوفُ حَجْرَةً مِنَ الرِّجالِ، لَا تُخَالِطُهُمْ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: انْطَلِقِي نَسْتَلِمْ يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: عَنْكِ، وَأَبَتْ، فَكُنَّ يَخْرُجْنَ مُتنكِّراتٍ بِاللَّيلِ فَيَطُفنَ مَعَ الرِّجَالِ، وَلكِنَّهُنَّ كُنَّ إِذَا دَخَلنَ البَيتَ قُمْنَ حَتَّى يَدْخُلنَ، وَأُخْرِجَ الرِّجالُ.َ وَكُنْتُ آتِي عَائِشَةَ أَنَا وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيرٍ، وَهِيَ مُجَاوِرَةٌ في جَوْفٍ ثَبِيرٍ، قُلتُ: وَمَا حِجَابُهَا؟ قالَ: هِيَ في قُبَّةِ تُرْكِيَّةٍ، لَهَا غِشَاءٌ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذلِكَ، وَرَأَيْتُ عَلَيْهَا دِرْعًا مُوَرَّدًا . ١٦١٩ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قالَ: حَدَّثَنَا مالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ، عَنْ زَينَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوَّج النَّبِّ ◌َِّ، قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ◌َّهِ أَنِّي أَشْتَكِي، فَقَالَ: ((ُطُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنَتِ رَاكِبَةٌ)). فَطُفتُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﴾ِ حِينَئِذٍ يُصَلِّي الصُّبْحَ إِلَى جَنْبِ البَيتِ، وَهْوَ يَقْرَأَ [الطور: ١ - ٢]. [طرفه في: ٤٦٤]. ﴿وَأْتُرِ وَكِتَبٍ مَسْطُورٍ ! يعني لم يكن بين طوافِ الرجال والنساء امتيازٌ باعتبار الوقت، بل كان باعتبار المكان، فكان الرجال يطوفونَ بالبيت قريبًا منه، وكانت النساء يطفن مِنْ حولهم. وإذن دائرتُهنَّ تكون أوسع. ٢٢٣ كتاب الحج ١٦١٨ - قوله: (رأيت عليها درعًا موردًا) أي وقعَ بصري عليها اتفاقًا، فرأيتها كذلك. وفي كتب الطحاوي أنَّ حجابَ أمهاتِ المؤمنين بعد نزول الآية كان بالشخص، بخلاف العامة، فإنّ النظرَ إلى الوجه والكفين يجوزُ فيهن بشرطِ الأمن. ٦٥ - بابُ الكَلَامِ في الطَّوَافِ ١٦٢٠ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: أَنَّ ابْنَ جُرَيجِ أَخْبَرَهُمْ قالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيمانُ الأَحْوَلُ: أَنَّ طَاوُسًا أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَّا: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َُّ مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ رَبَطَ يَدَهُ إِلَى إِنْسَانٍ بِسَيْرٍ أَوْ بِخَيطٍ أَوْ بِشَيءٍ غَيرِ ذلِكَ، فَقَطَعَهُ النَّبِيُّ ◌َّهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قالَ: ((قُدْهُ بِيَدِهِ)). [الحديث ١٦٢٠ - أطرافه في: ١٦٢١، ٦٧٠٢، ٦٧٠٣]. أشار إلى حديث الترمذي: أن الطواف بالبيت، وإنْ كان صلاةً، إلا أنَّ الكلامَ في خلاله جائز، وكذا الأفعالِ الأخر، كما أنَّ النبيَّ نَُّ قطعَ خيطًا رَبَطَه إنسانٌ، وهو يطوف. ٦٦ - باب إِذَا رَأَى سَيرًا أَوْ شَيئًا يُكرَهُ في الطَّوَافِ قَطَعَهُ ١٦٢١ - حدّثنا أَبُو عاصِم، عَنِ ابْنِ جُرَيج، عَنْ سُلَيمانَ الأَحْوَلِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ كَّهُ رَأَى رَجُلًا يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ، بِزِمامٍ أَوْ غَيرِهِ، فَقَّطَعَهُ. [طرفه في: ١٦٢٠]. ٦٧ - بابٌ لاَ يَطُوفُ بِالبَيتِ عُزْيَانٌ، وَلاَ يَحُجُّ مُشْرِكٌ ١٦٢٢ - حدّثنا يَحْيى بْنُ بُكَيرِ قالَ: حَدَّثَنَا اللَّيِثُ: قالَ يُونُسُ: قالَ ابْنُ شِهَابِ: حَدَّثَنِي حُمَيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرِ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنَّهُ، بَعَثَهُ - في الحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ عَلَيها رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ قَبْلَ حَجَّةِ الوَدَّاعِ - يَوْمَ النَّحْرِ، في رَهْطِ يُؤَذِّنُ في النَّاسِ: أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ العَام مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالبَيتِ عُرْيَانٌ. [طرفه في: ٣٦٩]. وسترُ العورة، وإنْ كان فرضًا في الخارج، إلا أنَّه في الحج من الواجبات، فهو من واجب الشيء مع كونه الشيءَ الواجب (١). ٦٨ - بابٌ إِذَا وَقَفَ في الطَّوَافِ وَقَالَ عَطَاءٌ، فِيمَنْ يَطُوفُ فَتُقَامُ الصَّلَاةُ، أَوْ يُدْفَعُ عَنْ مَكانِهِ: إِذَا سَلَّمَ يَرْجِعُ إِلَى حَيثُ قُطِعَ عَلَيهِ. وَيُذْكَرُ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. (١) لعل المراد أنه من واجبات الشيء مع كونه واجبًا من قَبْلُ في نفسه، فاتصف بالوجوبٍ من جهتين. (المصحح البنوري). ٢٢٤ كتاب الحج وهو مذهب أبي حنيفة، فلو أقيمت الصلاة خلالَ الطواف يتركه، ثم يَبْني، ويُتمُّ ما بقي (١)، لأنَّ الصلاة ليست بأجنبية. وكذا يجوزُ مرور الطائف أمام المصلي. ٦٩ - بابٌ صَلَّى النَّبِيُّ وَّ لِسُبُوعِهِ رَكْعَتَينِ وَقَالَ نَافِعٌ: كانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُصَلِّي لِكُلِّ سُبُوعِ رَكْعَتَينٍ. وَقالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ: قُلتُ لِلْزُّهْرِيِّ: إِنَّ عَطَاءٌ يَقُولُ: تُجْزِئُهُ المَكْتُوبَةُ مِنْ رَكْعَتَيِ الْطَّوَافِ؟ فَقَالَ: السُّنَّةُ أَفضَلُ، لَمْ يَطْفِ النَّبِيُّ وَّرَ سُبُوعًا فَظُ إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَينِ. ١٦٢٣ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ عَمْرٍو: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَيَقَعُ الرَّجُلُ عَلَى امْرَأَتِهِ في العُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ؟ قالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ، فَطَافَ بِالبَيتِ سَبْعًا، ثُمَّ صَلَّى خَلفَ المَقَامِ رَكْعَتَينٍ، وَطَافَ بَينَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَقالَ: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ١٦٢٤ - قالَ: وَسَأَلتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقَالَ: لَا يَقْرُبِ امْرَأَتَهُ حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. [طرفه في: ٣٩٦]. وقال نافع: كان ابن عمر يُصلي لكل سُبُوع ركعتين - يعني لم يكن يجمعُ بين الأطْوِفَة، ثم بركعتيها - ولكن كان يطوف، ثم يُصلي له، وكذلك يطوفُ آخر. ويصلي له، فلم يكنْ يجمعُ بين ركعتيها مرةً واحدة. ١٦٢٣ - قوله: (سألنا ابن عمر) ... إلخ. يُشير إلى مذهب ابن عباس، وصرح به جابر. ٧٠ - بابُ مَنْ لَمْ يَقْرُبِ الكَعْبَةَ، وَلَمْ يَطْفَ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى عَرَفَةَ وَيَرْجِعَ بَعْدَ الطَّوَافِ الأَوَّلِ ١٦٢٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنَا فُضَيلٌ قالَ: حَدَّثَنَا مُوسى بْنُ عُقْبَةً قالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيِبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َ مَكَّةَ، فَطَافَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلَّمْ يَقْرُبِ الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ. [طرفه في: ١٥٤٥]. وفيه تصريح أنَّه ◌َل طاف طوافين: الأول عند القدوم، وهو عندنا للعمرة. والثاني بعد عرفة. ولم يثبت في تلك الأيام طوافُه للنفلِ إلا بالليل، كما عند البيهقي، وذلك لئلا تتشوَّشَ على الناس مناسِكُهم، فيختبطُوا فيها . (١) هذا إذا طاف أكثر الأشواط. وإن طاف أقلَّ وبقي أكثر، فيستأنف الطواف بعد الصلاة، راجع ((شرح المناسك)) للقاري (المصحح البنوري). ٢٢٥ كتاب الحج ٧١ - بابُ مَنْ صَلَّى رَكْعَتَي الطَّوَافِ خَارِجًا مِنَ المَسْجِدِ وَصَلَّى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خارِجًا مِنَ الحَرَمِ. ١٦٢٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بَهِ. ح. وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّاءَ الغَسَّانِيُّ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجِ النَّبِيِّ مَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَ قالَ، وَهُوَ بِمَكَّةَ، وَأَرَادَ الخُرُوجَ، وَلَمْ تَكُنْ أُمُّ سَلَمَةَ طَافَتْ بِالْبَيتِ، وَأَرَادَتِ الخُرُوجَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللّهِ وَله: ((إِذَا أَقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ فَطُوفِي عَلَى بَعيرِكِ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ)). فَفَعَلَتْ ذلِكَ، فَلَمْ تُصَلِّ حَتَّى خَرَجَتْ. [طرفه في: ٤٦٤]. قال الحنفية: إن الأفضلَ أنْ يُصليها عند المقام إن تيسر، وإلا ففي المسجد الحرام حيث شاء، وإلا ففي الحرم، فإنْ صلاها خارج المسجد أجزأه أيضًا . قوله: (وصلى عمر خارجًا من الحرم) أي بذي طُوى. وإنَّما فعلَ ذلك لأنَّه طافَ بعد الصبح وكان لا يرى النفلَ بعده مُطلقًا حتى تطلعَ الشمس، كما قلنا. وقد بوّب عليه الطحاوي أيضًا . ١٦٢٦ - قوله: (فطوفي على بعيرك) ... إلخ، أي من وراء الناس. قوله: (فلم تصل حتى خرجت) ... إلخ، لا أدري ماذا أراد به، خروجَها من الحرم، أو مكة، أو المسجد الحرام، ولو تعيَّنَ لنفعنا في مسألة الأوقات المكروهة، لكونها بين يدي النبيِّ أێڑ. ٧٣ - بابُ الطَّوَافِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالعَصْرِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُصَلِّي رَكْعَتَي الطَّوَافِ ما لَمْ تَظْلُعِ الشَّمْسُ. وَطَافَ عُمَرُ بَعْدَ الصُّبْحِ، فَرَكِبَ حَتَّى صَلَّى الرَّكْعَتَينِ بِذِي ◌ٌّوَى. ١٦٢٨ - حدّثنا الحَسَنُ بْنُ عُمَرَ البَصْرِيُّ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ نَاسًا طَفُوا بِالبَيتِ بَعْدَ صَلَاةِ الْصُبْحِ، ثُمَّ قَعَدُوا إِلَى المُذَكِّرِ، حَتَّى إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قامُوا يُصَلُّونَ، فَقَالَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: قَعَدُوا، حَتَّى إِذَا كانَتِ السَّاعَةُ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ، قامُوا يُصَلُّونَ. ١٦٢٩ - حدثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ: حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ: حَدَّثَنَا مُوسى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَلَ يَنْهى عنِ الصَّلاةِ: عِنْدَ طُلُوعٍ الشَّمُسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا. [طرفه في: ٥٨٢]. ١٦٣٠ - حدّثَنِي الحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، هُوَ الزَّعْفَرَانِيُّ قالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيدٍ قالَ: ٢٢٦ كتاب الحج حَذَّثني عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ رُفَيع قالَ: رَأَيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَطُوفُ بَعْدَ الفَجْر، وَيَصَلِّ رَكْعَتَينِ. ١٦٣١ - قالَ عَبْدُ العَزِيزِ: وَرَأَيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيرِ يُصَلِّ رَكْعَتَينٍ بَعْدَ العَصْرِ، وَيُخْبِرُ أَنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حَدَّثَتْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ لَمْ يَدْخُلِ بَيْتَهَا إِلَّا صَلَّاهُمَا. [طرفه في: ٥٩٠]. ونَقَل فيه آثارًا متعارضةً، ولعل المرجّح عنده ما ذهب إليه عمر على ما أظن. ثم إنه لم يزد لفظ «نحوه)) لههنا، وزاد بعد العصر في باب المواقيت، لأنه لما ثَبَتَ عنده الركعتان بعد العصر عن النبيِّ رَّة، وإن اختلف الناس في تخريجها، أراد أن يُدرجَها في هذا اللفظ، بخلاف الصبح، فإنَّه لم يَعْبأ بما في السنن، وذهب إلى المنع مطلقًا، ولعل عائشة كانت تجوزها مع کراهتها إيّاها . ولا بُعْد أنْ يكون البخاري وافقنا في المسألة. أما عُمر فأثَرُه موافقٌ لنا قطعًا، بخلاف أثر ابن عمر. أما حديث عائشة، فلا حجةً لنا فيه، فإنه راجعٌ إلى التشفيعِ على الصلاة في نفسٍ الطلوع والغروب، وهذا مما لا نِزَاع فيه لأحد. ٧٤ - بابُ المَرِيضِ يَطُوفُ رَاكِبًا ١٦٣٢ - حدّثني إِسْحاقُ الوَاسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنَا خالِدٌ، عَنْ خالِدِ الحذَّاءِ، عنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ يََّ طَافَ بِالبَيتِ، وَهُوَ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيءٍ فِي يَدِهِ، وَكَبَّرَ. [طرفه في: ١٦٠٧]. ١٦٣٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ: حَدَّثَنَا مالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَينَبَ ابْنَةٍ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ نَّهُ أَنِي أَشْتَكِي، فَقَالَ: ((طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ)). فَطُفتُ وَرَسُولُ اللَّهِ وَقَِّ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ البَيتِ، وَهُوَ يَقْرَأْ بِالْطُورِ وَكِتَابٍ مَسْطورٍ. [طرفه في: ٤٦٤]. واعلم أن المشي في الطواف واجبٌ عندنا، ولا جَزَاء إن تركه من عذر، غير أني أتردّدُ في المسألة، كما قال صاحب ((الهداية)) - عند شرح قول القُدُوري: ويلزمُه السهو إذا زاد في صلاته فعلًا من جِنْسها، ليس منها -: إن هذا يدل على أنَّ سجدةَ السهو واجبةٌ، وهو الصحيح، لأنَّها تجبُ لجبر نقصانٍ ممكنٍ في العبادة، فتكونِ واجبةً كالدِّماء في الحج، وإذا كان واجبًا لا يجبُ إلا ترك الواجب ... إلخ. ففيه إيماءٌ إلى أنَّ النقصانَ يعتري في الحج بترك الواجب، ثم يجبَرُ بالدم، ولا تفصيل فيه بين عذر وعدمه، فعلم أنه يجبُ الدم بترك واجبٍ من الحج مطلقًا . هكذا يُستفاد من بعض الكتب، وعدَّد في ((البدائع)) ستةً واجبات، ثم قال: لا يلزم بتركها جِنَاية، فتردَّدت أنَّ حكمَ سائرِ الواجبات ذلك، أو هو مقصورٌ على تلك الستة، ولا ورودَ على ٢٢٧ كتاب الحج الركوب في الطواف، فإنَّه من الستة التي صرح ((البدائع)) أنْ لا جِنَاية بتركها. أما المصنف فحمله على المَرَضِ. أما ترجمة المصنف، والحديث الذي أخرج لها ففيه كلامٌ، وهو أن حديثه في حَجَّة الوداع كما جاء مصرحًا عند أبي داود عن ابن عباس: ((أنه طاف في حجة الوداع على بعيرٍ يَستلمُ الركنَ بِمِحْجَن))، وركوبه في تلك الحجة، لم يكن من أجل المرض، بل كان لأَن يَرَاه الناس، وليسألوه عما هم سائلون، كما هو عند مسلم وحينئذٍ لا يُطابق الحديثُ الترجمة، فإنَّها في الركوب من أجل المرض، والحديث في الركوب لرؤية الناس، فاضطر الحافظ لههنا إلى الاستعانة من حديث أبي داود عن ابن عباس، بلفظ: ((قدم النبيُّ وَّر مكة، وهو يشتكي، فطافَ على راحلته)) ... إلخ. قلتُ: وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وفيه لِينٌ، ولذا لم يخرج عنه البخاري. وهذا هو الراوي لحديث البراء في ترك رفع اليدين، وحديث القميص في كفنه ◌َ ثير عند أبي داود، فلمَّا رأيتُ أنَّ ترجمة البخاري تتوقف على حديثه في الطواف راكبًا، قلتُ: إنه لا يكون إلا قوياً، لأنا لو سلمنا ضعفه لزم أن تبنى ترجمته على حديث ضعيف جداً. وذا لا يليقٌ بشأن المصنف، وحينئذٍ وَسِع لي أن أتمسك بحديثه في الترك أيضًا. بالجملة: لمّا اضطر الحافظ إلى إثبات ترجمتِهِ تمسَّك من حديثه، وهذا هو الذي - لما رَوى الترك - تكلم عليه الحافظ، وجهر بضَعْفِه، حتى سمعه من قُربٍ ومن بُعدٍ، فهذا خبرهُم عند الوفاق، وذلك مخْبِرهُم عند الخلاف(١). ٧٥ - باب سِقَايَةِ الحَاجّ ١٦٣٤ - حدّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ: حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: اسْتَأْذَنَ العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَسُوَّلَ اللَّهِ فَلهَ: أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ، لَيَالِيَ مِنَّى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. [الحديث ١٦٣٤ . أطرافه في: ١٧٤٣، ١٧٤٤، ١٧٤٥]. ١٦٣٥ - حدّثنا إِسْحاقُ: حَدَّثَنَا خالِدٌ، عَنْ خالِدِ الحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ◌ِهِ جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ فَاسْتَسْقَى، فَقَالَّ العَبَّاسُ: يَا فَضْلٌّ، اذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ، فَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا. فَقَالَ لَ: ((اسْقِنِي)). قالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيدِيَهُمْ فِيهِ. قَالَ: ((اسْقِنِي)). فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَّى (١) قلت: وأيضًا وجدتُ فيما كتبتُ عن الشيخ أن طوافَه مشتكيًا كان في فتح مكة، أو عمرة القضاء. قلت: وحينئذٍ فترجمتُه تكون ناظرةً إلى هذا الحديث، ولما لم يكن هذا الحديثُ على شرطِهِ لم يخرِّجْه، واكتفى بحديثٍ في حجة الوداع، وإن لم يكن فيه الركوب من أجل المرض. ومثله ربما يفعله المصنف، فيترجِمُ ناظرًا إلى حديث في الخارج، ثم يُخرِجُ حديثًا آخرًا مناسبًا على شرطه، وإن لم يكن صريحًا فيه. أما الحافظ فيظهرُ من كلامه أنه أيضًا في حجة الوداع، لأنه قال: إنه يحتمل أن يكون فعل ذلك - أي الطواف راكبًا - للأمرين، أي للاشتكاء، ولأن يراه الناس. والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٢٨ كتاب الحج زَهْزَمَ، وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا، فَقَالَ: ((اعْمَلُوا، فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلِ صَالِح)). ثُمَّ قالَ: (لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الحَبْلَ عَلَى هذهِ)). يَعْنِي: عاتِقَهُ، وَأَشِّارَ إِلَىَّ عاتِقِهِ. واعلم أنَّ خدمات الحج كانت موزعةً عليهم في الجاهلية (١)، فكان مِفتاحُ البيت في بني شَيْبَة، وهو إلى اليومِ كذلك، وكانت السِّقايَة في بني عبد المطلب، فلما ظهرَ الإِسلامَ وانطمست رسوم الجاهلية، تكفَّل بها العباس، وإن كانت حقًّا لبني عبد المطلب في الجاهلية، فقام بها مدةً عُمُرِهِ، ولذا كان يتعجَّلُ في أيام منى، فكان كذلك إلى زمن عليٍّ، فلما استُخلِفَ عليَّ ادّعى السِّقَاية، وكان أحقَّ بها لكونه مُطَّلِبِيًّا، غير أن ابن عباس لما شهد بأنها كانت انتقلت إلى أبيه العباس، تركها في أيديهم، ولم ينازعهم. ثم إن بني أميةَ بَنوا في زمنهم حوضًا آخر، وكانوا يجعلونَ فيه لبنًا وعسلًا، طمعًا في أن يردَ الناسُ حوضهم، وتكون السِّقَاية لهم، غير أن الناس لزموا حوض ابن عباس، وآثرُوه على اللبن والعسل. ٧٦ - باب ما جاءَ في زَمْزَمَ ١٦٣٦ - وَقَالَ عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: قالَ أَنَسُ بْنُ مالِكٍ: كَانَ أَبُو ذَرّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّمَ قَالَ: «فُرِجَ سَقْفي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ - (١) أخرج أبو عبيد في ((كتاب الأموال)) من لفظ خطبة النبي ◌َّ: ((ألا إن كل دم ومال، ومأثرةٍ كانت في الجاهلية، فهي تحت قدمي، إلا سَدَانة البيت، وسِقَاية الحاج)). قال أبو عبيد: السَّدَانة خدمة البيت. قال المحشي على كتاب ((الأموال)): قال ابن هشام: كان قُصي ــ أول كعب بن لُؤي - أصاب مِلكًا أطاع له به قومُه، فكانت إليه حِجَابة البيت، والسِّقَاية، والرِّفَادة، والندوة، واللواء، فلما كبر ودقَّ عظمُه، وكان عبد الدار يكرهه، وكان عبد مناف قد شَرُفَ في زمان أبيه، وذهب كل مذهب، وعبد العزى، وعبد، فقال قُصي لعبد الدار: أما والله لأُلحِقِنَّكَ بالقوم، وإن كانوا قد شَرُفُوا عليك، لا يدخل رجلٌ منهم الكعبةً حتى تكون أنت تفتحُها له، ولا يَعقِدّ لقريشٍ لواء لحرسها إلا أنت بيدك، ولا يَشْربُ أحدٌ بمكة إلا من سِقَايتك، ولا يأكلُ أحدٌ من أهل الموسم طعامًا إلا من طعامك، ولا تَقطعُ قريشٌ أمرًا من أمرها إلاّ في دارك، فأعطاه دارَ الندوة، والحِجَابة، واللواء، والسِّقَاية، والرِّفَادة. وكانت الرِّفادة خَرْجًا تُخرِجُه قريش في كل موسم من أموالها إلى قُصي، فيصنَع به طعامًا للحاج، فيأكله من لم یکن له سعة ولا زاد. ثم هلكَ قُصي، ثم إن بني عبد مناف أجمعوا وحلفاؤهم أن يأخذوا ما بأيدي بني عبد الدار مما كان قُصي جعل إلى أبيهم، فبينا الناسُ قد أجمعوا للحرب إذ تُدَاعَوا إلى الصلح، على أنْ يُعطوا بني عبد مَنَاف السِّقَاية والرِّفَادة، وأن تكون الحِجَابة، واللواء، والندوة لبني عبد الدار، كما كانت، ففعلوا، ورضي كل واحد من الفريقين بذلك. فلم يزالوا على ذلك حتى جاء الله بالإِسلام، فقال رسول الله ◌َّهُ: ((ما كان من حِلف في الجاهلية، فإنَّ الإِسلام لم يَزِذه إلا شدةً)) اهـ. باختصار ثم كانت السِّقاية يوم الفتح بيد العباس بن عبد المطلب، والسِّدَانة بيد عثمان بن طلحة، فتطاول رجال من بني هاشم لأخذ المفتاح، فردَّهُ رسول الله ◌َّر إلى عثمان بن طلحة، وقال: «خذوها خالدةً تالدةٌ، لا ينزِعُها منكم إلا ظالمٌ». انتهى. ٢٢٩ كتاب الحج ذَهَبٍ، مُمْتَلِىءٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفرَغَها في صَدْرِي ثُمَّ أَظْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَعَرَجَ بي إِلَىَّ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قالَ جِبْرِيلُ لِخازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيا: افتَحْ، قالَ: مَنْ هذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ)). [طرفه في: ١٦٣]. ١٦٣٧ - حدّثنا مُحَمَّدٌ، هُوَ ابْنُ سَلامِ: أَخْبَرَنَا الفَزَارِيُّ، عَنْ عاصِم، عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حَدَّثَهُ قالَ:" سَقَيتُ رَسُولَ اللّهِنَ ◌ّ مِنْ زَمْزَمَ، فَشَرِبَ وَهُوَ قائمٌ. قالَ عَاصِمٌ: فَحَلَفَ عِكْرِمَةُ: ما كانَ يَوْمَئِذٍ إِلَّا عَلَى بَعِيرٍ. [الحديث ١٦٣٧ - طرفه في: ٥٦١٧]. واعلم أنه قد علم العلماء وعلمت الأمة: أنَّ ماءَ زمزم لما شُرِبَ له، فحفِظَه كلٌّ في زمن حجِّه، ودعا بما بلغت إليه أمنيَّتُه، فذكر الحافظ أنه دعا أنْ يُرزَق حفظَ الذهبي، فلما تَشرَّفَ من زيارة البيت ثانيًا، رأى أنَّ حفظَه قد فاق عليه. وكذلك دعا السيوطي أنْ يرزقَ الحَذَاقَةَ في ستة فنون. قلتُ: وتلك الفنون تكون من فنون الدين، وإلا فالفنون العقلية، فإنَّه كان قائلًا بعدم جوازها. وهكذا الشيخ ابن الهُمَام، لمَّا بلَغَه دعا بأن يُرزقَ الاستقامة على الدين، والوفاة على السنة البيضاء، ويا له من دعاءٍ سبقَ الأدعية كلها. أقول: ولعل مراد الحافظ من زيادة الحفظ على الذهبي في حق المتون، والعلل، أما في حقِّ الرجال، فلا أراه فَاق عليه. ثم إن الشيخ ابن الهُمَام كما اقتفى الحافظ في دعائه، كذلك اقتفاه في التصنيف أيضًا، حيث صنَّفَ في سفر الحج رسالةً في أحكام الصلاة سَمَّاها «زاد الفقير، وهي رسالة جيدة في أحكام الصلاة. ولعله قد كان بلغه أنَّ الحافظ أيضًا صنف رسالة في سفره، سماها «نُخْبَة الفِكَر)». ولعل الشيخ استجَازَ من الحافظ كتابته، ولا أراه أنْ يكونَ لقيه، وذلك لأنه نقلَ روايَتَه في ((الفتح)) عن الحافظ، وذكره: عن لفظ شيخنا، فهذا يدل على تلمذةٍ، ولا أقلّ من أنْ تكونَ كتابته، والله أعلم. ١٦٣٦- قوله: (جبرائيل) و((إيل)) بالعبريّة: الله، و((الجبرة)): القوّة، و((الميكاء)): الماء، و((الإسراف)): الصّور. ذكر الشيخ الأكبر أن الله تعالى أسماءً إيلية، وإلهيّة: والإيلية تُستعمل في الملائكة كجبرائيل، وغيره، والإلهية تُستعمل في سائر خلقه . قوله: (ممتلىء حكمة وإيمانًا) ... إلخ، وتلك كانت حقيقةُ الإِيمان على ما مر تحقيقها. ولا ريب أنَّ تلك الحقيقة لا تذهبُ ذرةً منها، إلى جهنم. والله تعالى أعلم بالصواب. ٧٧ - باب طَوَافِ القَارِنِ ١٦٣٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَأَهْلَلنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قالَ: ((مَنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَليُهِلَّ بِالحِجِّ وَالعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يُحِلَّ مِنْهُمَا)). فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَلَمَّا قَضَيْنَا حَجَّنَا، أَرْسَلَنِي مَعَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ إِلَى التَّنْعِيمِ فَاعْتَمَرْتُ، ٢٣٠ كتاب الحج فَقَالَ: بَةٍ: ((هذهِ مَكانَ عُمْرَتِكِ)). فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالعُمْرَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَانُوا طَوَافًا آخَرَ، بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنَى. وَأَمَّا الَّذينَ جَمَعوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا. [طرفه في: ٢٩٤]. ١٦٣٩ - حدّثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، دَخَلَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَظَهْرُهُ في الدَّارِ، فَقَالَ: إِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَكُوِنَ العَامَ بَيْنَ النَّاسِ قِتَالٌ، فَيَصُدُّوكَ عَنِ البَيتِ، فَلَوْ أَقَمْتَ؟ فَقَالَ: قَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ اَلّهِ، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيشٍ بَيْنُه وَبَيْنَ الَبَيتِ، فَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَينَهُ أَفعَلُ كما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ اَّهِ: ﴿لَّفَدْ كَنَ لَّكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ثُمَّ قالَ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ مَعَ عُمْرَتِي حَجًّا، قالَ: ثُمَّ قَدِمَ، فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا. [الحديث ١٦٣٩ - أطرافه في: ١٦٤٠، ١٦٩٣، ١٧٠٨، ١٧٢٩، ١٨٠٦، ١٨٠٧، ١٨٠٨، ١٨١٠، ١٨١٢، ١٨١٣، ٤١٨٣، ٤١٨٤، ٤١٨٥]. ١٦٤٠ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعِ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَرَادَ الحَجَّ عامَ نَزَلَ الحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيرِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ، فَقَالَ: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَّكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ إِذَا أَصْنَعُ كما صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ إِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عُمْرَةٌ، ثُمَّ خَرَجَ، حَتَّى إِذَا كانَ بِظَاهِرِ البَيدَاءِ، قالَ: ما شَأْنُ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ حَجَّا مَعَ عُمْرَتِي، وَأَهْدَى هَذْيًا اشْتَرَاهُ بِقُدَيدٍ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذِلِكَ، فَلَمْ يَنْخَرْ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَلَمْ يَحْلِقْ وَلَمْ يُقَصِّرْ، حَتَّى كانَّ يَوْمُ النَّحْرِ، فَنَحِرَ وَحَلَقَ، وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضى طَوَافَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الأَوَّلِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَذلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ : واعلم أنَّ القارن عندنا يطوفُ طوافين ويسعى سعيين، فإنَّه قد أحرم بإِحرامين، فيطوف لحجه، ويسعى له، وكذلك يطوف لعمرَتِهِ ويسعى لها. غير أنَّ المعتمرَ يتحلَّلُ بعد الفراغ عن أفعال العمرة، وهذا يبقى حرامًا إلى يوم النحر لمكان إحرام الحج، وإن كان فرغ من أفعال العمرة. ولا فرق بعدها بينه وبين المفرد عندنا أيضًا، فيطوف للزيارة طوافًا واحدًا، وللصَّدَر طوافًا واحدًا، ويحلق حلقًا واحدًا، ثم يخرجُ من إحراميه معًا. وإنَّما الكلامُ في تعدُّد الطوافِ والسعي عند دخوله مكة، فحسب، فقلنا: إن عليه طوافين وسعيين. وقال الإِمام الشافعي: إنه يطوف طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا للقُدُوم، ثم يطوف يوم النحر عن حجه وعمرتِهِ طوافًا واحدًا . وبعبارة أخرى إنه لا فرقَ بين القَارِن والمفرِدِ عنده إلا بحَسَب الإِحرام، فإن القارن يُحرم بهما، والمفرد يُحرم بالحج فقط. أما بحسب المناسك فقال: إن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة، يعني به أنَّ أفعالها دخلتْ في أفعال الحج، فطوافُه عن واحدٍ ينوبُ عن آخر. وقلنا: إن دخولَها إنَّما هو في زمان الحج، لا في أفعاله، فيأتي بها منفردًا، وبالحج منفردًا، ولا تتداخل العبادتان من غير الجنس . ٢٣١ كتاب الحج وبعبارة أخرى إن العمرةَ أربعة أفعال: الإِحرام، والإِحلال، والطواف، والسعي. وقد قلنا بتداخل اثنين منها، فإِحرام القارن وإحلاله واحدٌ عندنا أيضًا، ولا تداخُلَ في الطواف والسعي، لأنهُما مقصودان، وقال الشافعية بالتداخل فيهما أيضًا، فلم تبق العمرةُ عندهم إلا كالعنقاءُ(١). إذا علمتَ هذا، فاعلم أنَّ الشافعي تمسك من قوله: ((أما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنَّما طافوا طوافًا واحدًا)) فإنه يدل على أنَّ القارنين طافوا طوافًا واحدًا، وحُسِبَ ذلك عن نُسُكَيْهم الحج والعمرة. قلتُ: وظاهِرُه يخالفُ الأئمة كلهم، بل يخالف الشافعية أيضًا، فإنَّه لا نِزَاع في أن النبيَّ ◌َِّ طاف ثلاثة أطوفة في الحج: طوافًا حين قدِمَ، وطوافًا آخر يوم النحر، ثم طوافًا للصَّدَر، فعلى الشافعية أيضًا أنْ يطلُبُوا له سبيلًا. فقالوا: معناه طوافٌ واحد للحج والعمرة. وقلنا: بل للحِلِّ منهما، وسيأتي تقريره، فإذا ثبت أنَّ النبيَّ زَّ ومن كانوا على إحرامه، لم يكتَفُوا بالطواف الواحد، بل طافوا ثلاثة أطوفة، لم يبق النصُّ حجةً لهم، ونزل الأمر إلى تخاريج المشايخ . فخرَّجَ الشافعية أن طوافه الأول كان للقُدُوم. وقلنا: إنه كان للعمرة، وإنما لم يطف النبي ◌َّه للقدوم، لئلا يزيد عدد أطوفَتِهِ وَُّ على أطوفة سائر الناس الحاجين معه عامئذٍ، فإنَّه كان فيهم مفردُون ومتمتعون، وليس لهم إلا ثلاثة أطوفة، فلو زاد النبي ◌َّ رابعًا لاختل عليهم مناسكهم، فاستحبَّ أنْ تبقى شاكلَتَه، كشاكلة سائر الناس، ولذا لم يطف للنفل إلا في الليل على ما مر من البيهقي، وإن نفاه البخاري، لأنه ليس في النفل استتباع، وإنما هو حاله الانفرادي. ولما كان طواف القدوم سنة لم تجب بتركه جِنَاية عندنا، وأقرَّ به الطحاوي أيضًا أنَّ النبي ◌َُّ لم يطف للقدوم عامئذٍ. وإن حملناه على التداخل بين طواف القدوم والعمرة، فله أيضًا وجه، وإذن لا نحتاج إلى أن ندّعي أن النبيَّ ◌َّ لم يطف للقدوم، بل لنا أن نقول بالتداخل. ولكني لم أجد أحدًا من الفقهاء كتب التداخل، نعم، صرَّحُوا أن تركَ القدوم لا يوجب الدم لكونه سنة، ولا دم بتركها، أما الثاني فهو للزيارة، وعندهم للحج والعمرة، فلا فرقَ إلا في التخريج . فنقول في الجواب: إن الطواف بهذه الصفة بأن يقعَ الواحدُ عن الحج والعمرة معًا ليس إلا واحدًا، لا أريد به النيابة، أو البدلية، بل المرادُ أنَّ المحلَّ كانَ محل طوافين، ثم طاف فيه طوافًا واحدًا، على حد قوله: وخيل قد دلفت لهم بخيل تحية بينهم ضرب وجيع (١) قلت: ومن هُهنا تبيَّنَ لك السرَ في أفضلية القِرَان عندنا، وأفضلية الإِفراد عنده، فإنَّ القِرَان عندنا تَرَفُقٌ بالنُّسُكين، وإتيانٌ بالعبادتين. أما الإفرادُ، فهو عبادة واحدةٌ، فكيف تفضُلُ على عبادة تضمَّنَت عبادتين؟ فإنَّ العَطَايا على متن البلايا. وأما الشافعي، فلما لم يكن عنده بينهما فرقٌ إلا في الإِحرام، لم تبق مزيةٌ للقِرَان على الإِفراد عنده. فساغ له أن يذهب إلى أفضلية الإِفراد، فاعلمه. ٢٣٢ كتاب الحج لا يريد به بدليةَ الضربِ الوجيع، ولا نيابته مكانَ التحية، بل كونه حلَّ محل التحية. وهكذا أقولُ في عدد الأطوفة: إنه كان محل طوافين للحج والعمرة، ولكنه طاف في المحل الذي اقتضى طوافين، طوافًا واحدًا فقط، دون التعرض إلى البدلية والنيابة. وههنا لفظ آخر لابن عمر، وهو قوله: ((طاف لهما طوافًا واحدًا))، وهو أصرحُ لهم، وأدلُّ على مرادهم، بخلاف حديث عائشة، فإنَّه لم يكن في حديثهما لفظ: ((لهما))، وهو يُشير إلى تخريجهم أنَّ الطوافَ الواحد كان للحج والعمرة، وإن كان لغيرهما طواف آخر أيضًا. وجوابه أنه لم لا يجوز أن يكون المرادُ من طواف الحج طوافُه للقدوم، دون الزيارة، كما فهمه الشافعية، وحينئذٍ معناه أنه طاف للقدوم والعمرة طوافًا واحدًا، وذلك صحيحٌ عندنا أيضًا . وفي بعض الروايات عن ابن عمر ما يدل على ذلك، أن التداخل إنما كان بين طوافه للعمرة والقدوم، دون الزيارة، كما في قوله في الحديث الآخر من ذلك الباب، ورأى أنْ قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول، فإنه صريحٌ في أنه جعل طواف القدوم طوافه للحج والعمرة، ونحن نلتزم التداخل بينهما أيضًا. ولنا أن نقول: إن هذا التخريج اجتهادٌ منه فقط، ولا نص عنده، وإنما يقومُ ذلك حجة علينا، إذا ثبت بيانًا من جهة النبي ◌َّه وإلا فكله من مقاييس الرواة. ولا يمكن الاطلاع على نية أحد إلا من جهته، فمن أخبرك أن طوافَه يوم النحر كان لحجته وعمرته، ولم يكن لحجته فقط، فهذا تخريج منه لا غير. نعم، لو أتيت بنص من صاحب الحج أنه كان كذلك لكان لك حجة، ثم إنك إنْ تمسكت من اجتهاد هؤلاء الرواة، فلنا أيضًا أن نحتجَّ باجتهادٍ عليٍّ، أعلم الناس بمناسِك رسول الله ◌ٍَّ وكفانا سلفًا وقدوة. ثم إن قوله: ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول، لا يستقيم على مذهب الشافعية، فإنَّ الطوافَ الأول عندهم للقدوم، ولا دخل للعمرة عندهم فيه، فما هذا التعرُّض إليه، إلا أن يقال: إن طوافَ العمرة يصح أن يدخل عندهم في القدوم أيضًا، كما يصح أنْ يدخل في الزيارة، كما في ((مختصر المُزَني))، وهو - خال الطحاوي - وإن كان في عامة كتبهم أنه لا يدخل إلا في الزيارة. وجملة الكلام: أن النبيَّ ◌ََّأول ما دخلَ مكة بدأ بالطواف، وهذا القدر متفقٌ عليه، ثم هو طوافٌ للقدوم عند الشافعية، وطواف للعمرة عندنا سَوَاء. قلتُ: إن النبيَّ ◌َّترك طواف القدوم ليكون شأنُه وشأن الناس في المناسك سَوَاء، أو التزمت تداخله في العمرة، أو قلت: إن الطوافَ الواحدَ حلَّ محل الطوافين، فذلك كله إليك، فإنَّ المعنى واحدٌ، والاختلافُ في الأنظار لا غير. وأحسن الأجوبة ما أجاب به شيخنا ومولانا محمود الحسن: أن عائشة إنما أرادت من قولها: ((الطواف الواحد))، طافوا طوافًا واحدًا الطواف للحل منهما، ولا ريبَ أنه واحدٌ عندنا أيضًا، لأنَّ إحرامَهُما لمّا كان واحدًا، وجب أن يكون الإِحلال عنهما أيضًا واحدًا، وهو بطواف الزيارة. فالقارن إذا طاف طواف الزيارة، حل من إحراميه، والذي يدلك على هذا المعنى ما ٢٣٣ كتاب الحج روته عائشة في البخاري ومسلم: ((فطاف الذين أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبالصفا، والمروة، ثم حلُّوا، ثم طافُوا، طوافًا آخر، بعد أن رَجَعُوا من مِنىَ لحجهم، وأما الذين كانوا جَمَعوا الحجّ والعمرةَ، فإنما طافوا طوافًا واحدًا)). انتهى. وهذا صريح في أنَّ محظّ كلامها الفرقُ بين القَارِنين، وغيرهم في حق الحِل. تعني به أنَّ المتمتعين حلوا من عمرتهم بطوافِها، ثم حلّوا من إحرام الحج بطوافه، واحتاجوا إلى طوافين: طواف للحِلِّ عن عمرتهم، وطواف آخر للحل عن حجهم. وأما الذين كانوا جَمَعُوا الحج والعمرة، فلم يحلوا منهما إلا بطواف واحد، ولم يطوفوا للحل طوافين، كالمتمتعين. وأصرح منه ما عند مسلم، فقال النبي ◌َّ: ((من كان معه هَدْيٌّ، فليهل بالحج مع عمرتِهِ، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا)). وكذا ما عند البخاري في باب ركوب البدن، ((ثم لم يَحْلِل من شيءٍ حَرُم منه حتى قضى حجه))، وفيه: ((فطاف لهما طوافًا واحدًا، فلم يحلّ حتى حلَّ منهما جميعًا))، كل ذلك دليلٌ على أنَّ المقصودَ الأصلي بيان الحِلِّ دونَ وحدة الطواف أو تعدده، كما فهمه الشافعية. ثم العجب أنهم شرحوا قول ابن عمر: ((ما شأنُ الحجّ والعمرة إلا واحدًا)) أيضًا بمثله، فقالوا: معناه إذا كان التحلل للحصر جائزًا في العمرة - مع أنها غير محدودةٍ بوقتٍ - فهو في الحج أولى بالجواز، ــ كذا قاله القَسْطلَّاني - فإذا كان عندهم شأن الحج والعمرة واحدًا - يعني في الحِلِ - فكذلك عندنا معنى طوافهما، فإنَّه أيضًا واحدًا - يعني لأجل الحِل منهما - لكنهم نسوه ههنا، أو تناسوه: أصمُّ عن الشيء الذي لا أريدهُ وأسمعُ خلق الله حينَ أُريدُ وعندنا قول ابن عمر في حق المانع، أي ما يمنعُ عن العمرة، فهو يمنعُ عن الحج أيضًا، كما يؤيده السياق. ولنا أنّه ثبت عن علي، وابن مسعود، ومجاهد بأسانيد قوية عند الطحاوي (١): أن القَارِن (١) قال الدارقطني في ((سننه)) حدثنا أبو محمد بن صاعد: حدثنا محمد بن يحيى الأزدي: حدثنا عبد الله بن داود عن شُعبة، عن حميد بن هلال، عن مطرف عن عمران بن حصين أنَّ النبيَّ ◌َّ طاف طوافين وسعى سعيين، ثم قال الدار قطني: يقال: إن محمد بن يحيى حدث بهذا الحديث من حفظِهِ، فَوهِمَ في متنه. والصواب بهذا الإِسناد أنه عليه الصلاة والسلام قَرَنَ الحج والعمرة، وليس فيه ذكر للطواف، ولا للسعي. وقد حدث به محمد بن يحيى على الصواب مرارًا، ويقال: إنه رجع عن ذكر الطواف والسعي. قلت: قوله: حدث به من حفظه، فوهم لم يَنْسِبْه إلى أحد ممن يُعتمد عليه، وكذا قوله: إنه رجع عنه؛ والظاهر أنَّ المرادَ أنه سكت عنه، وإذا ذكر هذه الزيادةَ مرةً وسكت عنها مرة لعذر لا تُترك الزيادة، ولو كان في الحديثِ علةٌ أُخرى غير هذا لذكره الدار قطني ظاهرًا. وفي ((المحلى)) لابن حزم: روينا من طريق حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النَّخَعي أن الصبي بن معبد قَرَنَ بين الحج والعمرة، فطاف لهما طوافين، وسعى سعيين، ولم يحل بينهما، وأهدى، وأخبر بذلك عمر بن الخطاب، فقال: ((هديت لسنة نبيك ◌َّ)). انتهى كلامه. والنَّخَعي وإن لم يُدرك عمر، ولا الصبي، فقد قال أبو عمر في أوائل ((التمهيد): وكل من عُرِفَ، فإنَّه لا يأخذُ إلا عن ثقةٍ، فتدليسُه وترسيلُه مقبولٌ، فمراسيل سعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النَّخَعي عندهم صحاح ... إلخ ((الجوهر النقي). = ٢٣٤ كتاب الحج يطوفُ طوافين، ويسعى سعيين، وهل تعرف عليًا من هو؟ !: قلت: فثبت من كلام العلامة تعدد الطواف والسعي للقارن كلاهما، ولله الحمد، وإنما اكتفينا بهذا القدر لأن لنا = في اقتداء علي، وابن مسعود، كفاية، وأثرهما قد رُوي من غير وجه، بعضه ضعيف، وبعضه قوي، وقد أتى العلامة بأسانيدهما ما لا شك في ثبوتها، فليراجع ((الجوهر النقي)). وعندي مذكرة للشيخ رحمه الله في طواف القارن، وكنت قد نقلتُها من قبل، ووقع في النقل سقط أيضًا، ومع هذا اغتنمت ذكرها هنا بلفظه فليُغتنم، وليستدرك السقط من أمكن له ذلك (*). قال: حديث ابن عمر، ((ثم قدم، فطاف لهما طوافًا واحدًا))، أكثر ألفاظِهِ وطرقِهِ تدل على أنه الطواف عند القدوم، وكان واحدًا لهما، وهو من باب قوله: ((ما شأن الحج والعمرة إلا واحد)»، فكذا إحرامهما، وإحلالهما لا غيرهما، سواء كان للعمرة، واندَرَج فيه القدوم، كما عند الحنفية، أو عكسه كما هو مذهب الشافعية، على ما حُكي عن (مختصر المُزَني))، وكذلك هو في (الأم))، وإنما تركه ليكونَ أمرُ الناس واحدًا في ثلاثة أطواقه. ونظرنا نظير ترجمة البخاري: باب المعتمر إذا طاف طواف العمرة، ثم خرج، هل يجزئه من طواف الوداع، وما عند البخاري: عن ابن عمر أنه طاف طوانًا واحدًا، ثم يقبل، ثم يأتي مِنى - يعني يوم النحر - ودفعه عبد الرزاق، قال: حدثنا عبيد الله( ** )، وما عنده: ٢٤٣، وكان يقول: لا يحل حتى يطوف طوافًا واحدًا يوم يدخل مكة، ظاهر في أنَّه طواف يوم النحر، وعليه مشى في ((الفتح)) ((والإِرشاد))، فعندهم هذا الطواف لهما، وعندنا للجل منهما، وراجع ما نقله في (الفتح)) من طواف القارن عن مالك، وفي ((الأم)) من باب الاضطباع أنه للحل فتوى ابن عباس في خلاف الترتيب من ((الفتح)) تكلم في إسناده هناك، وسكت. وأرجعه محمد في ((الموطأ)) على قول أبي حنيفة، إلى خَصْلة، وهي سُوءُ الترتيب في الحلق، وراجع ((الجوهر النقي)) (وفي كلام الطحاوي أن طواف الزيارة إنما هو في حال الإِحرام)، وعند مسلم في رواية القطان، «ثم طاف لهما طوافًا واحدًا بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم لم يحل منهما حتى أحلّ منهما بحجة يوم النحر))، وفي رواية: وكان يقول: ((من جمع بين الحج والعمرة كفاه طواف واحد، ولم يحل حتى يحل منهما جميعًا))، فهذه على المحمل الأول. والحاصل: أنَّ أكثرَ الروايات على هذا المحمل، ولذا استشكله في ((الفتح))، وما عند البخاري، فلعله على المحمل الثاني. فقد جاءت الروايات على كلا المحملين، ولا يضر الحنفية. ورواية الدَّرَاوَرْدِي عند الترمذي إن كانت كلمة (حتى)) فيها للغاية، فعلى المحمل الأول، وإن كانت بمعنى ((كي)) فعلى المعنى الثاني، ولا يلومُ أنْ تحمل الروايات كلها على معنى. وهذا إنما كان ابن عمر يفعله إذا كان قادمًا، وإذا كان مقيمًا بمكة، فكان يفعل ما في ((الموطأ)) من باب إهلال أهل مكة، ومن بها من غيرهم، وفعل ذلك عبد الله بن عمر، فكان يُهل لهلال ذي الحَجة من مكة، ويؤخر الطوافَ بالبيت، والسعيّ بين الصفا والمروة، حتى يرجع من مِنِىّ. أهـ . فإن قلت: إذا كان الإِجزاء بالطواف الواحد ثبت عن النبي ◌َّ، فما اعتناءُ الرواة بفعل ابن عمر؟ قلت: شاهدوا فعلَه، ومنه أخذوا أنه قال: ((هكذا رأيت رسول الله ◌َ لم يفعله)). اهـ. وقال مالك قبله: وقد فعل ذلك أصحابُ رسول الله ﴿ الذين أهلوا بالحج، فأخَّرُوا الطواف بالبيت، والسعيَ بين الصفا والمروة، حتى رجعوا من مِنْىَ .اهـ . وهذا ردّ على صاحب ((الهدي)) في زعمه أن المتمتعين في ذلك العام لم يسعَوا ثانيًا، وذلك يجوز في رواية عن أحمد. ويرد عليه أيضًا ما عند البخاري عن ابن عباس، وما عند أبي داود، وكذا ما عند الطَّيَالسي من حديث جابر في الطواف الواحد، والسعي الواحد، ولو متمتعًا على رواية أبي داود، فمحمولٌ على معنى أنه لم يسع كلهم على طريق سلبٍ العمومٍ لا عمومه، أي مع الأمير جماعة، بل كل على حِيَاله ارسالاً بعد قطع التلبية، فإنها لا تليقُ عند الجمرة. وكأن القطع عندهما للإشارة إلى الإرسال. = ٢٣٥ كتاب الحج والبيتُ يعرِفهُ والحِلُّ والحَرَمُ! هذا الذي تعرِفُ البطحاءُ وطأَتَه، ثم إن كل من حَمَلَ حديث جابر عند مسلم: ((لم يطف النبي ◌ّ ولا أصحابه بين الصفا والمروة، إلا طوافًا = واحدًا»، طوافَه الأول على السعي، ولم يفرق بين مَنْ كان قارنًا، أو مفردًا، وبين من كان متمتعًا، فكأنه أراد كون السعي لنُسُك واحد واحدًا، أي لا يتكرر السعي لنسك واحد. (وراجع حديث: ((الاستجمارتو، والسعي من النهاية، وتكراره لنسك واحد، غير مشروع عند الحنفية أيضًا، كما في (الدر المختار))، وكذا تكرار الرَّمَل. وراجع ((فتاوى ابن تيمية))، أو يريدُ أنَّ السعيَ كان للحج، فجعله النبي ◌َُّ للعمرةِ بعد ختم الأشْوَاطِ على المروة، إذ ذاك سعيًا. وكان القياس أن يستأنِفَ، ولم يرو نفيُ السعي الثاني في يوم النحر، فما فُعِلَ للحج احتُسِبَ للعمرة، وهو نادر فحكوه، وأرادُوا هذا)، فإذا كان هناك نُسُكان لزم سعيان، كالمتمتع، وبهذه الإرادة يَصدُقُ حديث جابر على كل محرم، ويتعينُ أن يكونَ مرادُهم ذلك، فإنَّ بعضهم، كالبيهقي، على ما في ((الجوهر النقي)) يَحمِلُ الطواف في بعض الروايات على السعي، ويزعم أن هذا كاف في رفع الإشكال، مع إنَّ عندهم يلزمُ السعي الثاني للمتمتع. وهذا قد قاله البيهقي، كابن القيم. في حديث عائشة، ((وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا». اهـ. وراجع ما في ((الفتح)) وما عند مالك في دخول الحائض مكة، وإفراد الحج أيضًا، من البخاري و ((المسند))، وما عند الطحاوي في طواف القارن عن ابن عمر، وإذا لبى من مكة بها، لم يرمل بالبيت، وأخَّرَ الطواف بين الصفا والمروة إلى يوم النحر، وكان لا يرمل يوم النحر. اهـ. وكأنه أخذه من تركه ◌َّ الرَّمَل إذ ذاك، وإنما کان ترکه لکونه طاف راكبًا . وفي ((رد المختار)) عن ((غاية السروجي)) أن القارن لا يَزْمُل ثانيًا، وهو خلاف ما عليه الأكثر أنه في كل طوافٍ بعده سعيّ، وطوافه راكبًا للاشتكاء، كما في ((التخريج))، وخلافه ص ٧٤٩ ج ٢ على خلاف ظاهر هشيم عن يزيد بن أبي زياد في ((المسند)) ص ٢١٤- ج١، وحجامته محرمًا بلحى الجمل، إنما كان في إحدى عمره، كما في ((الهدي)) لا في حجة الوداع، كما في ((الفتح))، وراجعه ص ١٥٥ - ج٤، [كما في ((الأم - والهدي))، وعبد الرحمن بن أذينة عند الطحاوي، ذكره البخاري، وزياد بن مالك في ((الكسائي))، وأبا الفراء السلمي في ((الطبقات)) والمنفعة، ومالك بن الحارث بها، وفي ((التهذيب)) وفي ((اللسان)) من عبد الرحمن، وأبيه أبي نصر بن عمرو)، وما في ((الفتح)) حَلَفَ طاوسٌ ما طاف أحد من أصحاب رسول الله وَّ لحجه وعمرته، إلا طوافًا واحدًا. اهـ. فطاوس ممن يروي أن طوافه ◌َّ للزيارة إنما كان بالليل، ومع هذا يوجه بما مر. وفي ((الجوهر النقي)) عن ((مسند الشافعي)) عن عطاء أنه عليه الصلاة والسلام سعى في عُمَرِه كلهن الأربع بالبيت والصفا والمروة. اهـ. ومثله في ((الفتح)) من حديث أبي سعيد عند الحاكم، بإسقاط عمرة الحُدَيْبِية، ولعل عطاء أرادَ بالعمرة الرابعة حجَته تغليبًا. ورأيته في ((الأم)) ونسخة - الهند، ومصر - من «المسند» بزيادة: إلا أنهم رووه في الأولى والرابعة من الحديبية، ولعله أراد بالأولى والرابعة عُمرة الحديبية، صعودًا وهبوطًا في التعداد. وراجع الروايات، طواف الراكب في ((الأم))، فهي شافية في تعدد سعيه ◌َّر، وص٢١٤ من ((التلخيص))، وأبو الطفيل وُلد عام أحد، ورآه النبي ◌َُّ يطوف على راحلته، وهو غلامٌ شابٌ، كما في «المسند» وأبي داود. واعلم أنَّه كان القياس أن يطوفَ القارِنُ طوافين عند القدوم للعمرة والحج، ولم يقع هناك إلا واحد فحكوه، لا يحتاج إلى اعتبار التداخل أيضًا، بل حكوا ما وقع. وأما المتمتع فانفَصَل فيه أحدهما عن الآخر، وتميّز، فقوله: (كفاه طواف واحد))، أي لم يقع إلا واحدٌ، سواء اعتُبر عنهما، أو عن العمرة فقط. وقولها: ((وأما الذين جمعوا بين الحج، فإنَّما طافوا طوافًا واحدًا)، أي عنهما وعنهما، لا بالإفراد على حدة، كما يقال: لا بد من اثنين واثنين. فقيل: كفى واحد، أي في الموضعين، لا أريد التكرارَ في واحد، إنما أريد تَنَاولَه للاثنين من الطواف ضربة، فالواحدُ مرتين، وفي كل مرة عنهما، ولا تريد الوحدة عددًا. وراجع في عدم الفسخ خلافَه، و((الفتح)) نظيرًا، وراجع ((الفتح))، وفي أطوفته ماشيًا: من ((الصحيح)). = ٢٣٦ كتاب الحج هو العمدةُ والأُسوةُ في هذا الباب، فإنه أحرَمَ بإِحرام النبي ◌َّ، وصاحبه، ورافقه في حَجِّه، فلم يكنْ ليتركَ ما فَعَلَه النبي ◌َّه أو يفعلَ ما لم يفعله وَِّ، ثم لما كان مِن مذهبه ما قد علمت، علم أنه لا بُدَّ أن يكون عنده أسوة من النبي ◌ٍِّ، أو عهد به، فإنَّه إنما تعلَّمَ ما تعلَّم منه، وطاف على طوافه. والحافظ أيضًا أقرَّ بكون أسانيدها صالحة للاحتجاج. ولإِثبات تعدّدِ السعي طريقٌ آخر سَلَكَه العلامة القاضي. ثناء الله الفاني فتى في ((تفسيره))، وقد ذكرناه في درس الترمذي (١). ٧٨ - باب الطَّوَافِ عَلَى وُضُوءٍ ١٦٤١ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عِيسى: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ نَوْفَلِ القُرَشِيِّ: أَنَّهُ سَأَلَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيرِ فَقَالَ: قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ ◌َِّ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّهُ أَوَّلُ شَيءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالبَيتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ. ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيءٍ بَدَأَ بِهِ =(*) ثلاث قطعات من عبارة حضرة الشيخ إمام العصر، كانت مكتوبةً على هامش الأصل من غير تعيينٍ لمواضعها فأدرجتها في الأصل بما سنح لي من المواضع الملائمة لها. وتعيينُ مواضعها باليقين، كان منوطًا بالمراجعةِ إلى ما أحالَ عليه الشيخ، وأنى يتحملُ وقتنا ذلك، وجعلت هذه العبارة المدرجة كل منها بين الخطين - أي حاصرتين .. ويا ليت لو أغنانا فضيلة الجامع عن ذلك؟! (المصحح). ( * *) هكذا في الأصل المنقول من مذكرة الشيخ رحمه الله، وههنا سقط، كما لا يخفى. (المصحح). (١) قلت: وقد ذكر الشيخ ما يتعلق به، ويُوضِحُه زيادة توضيح في باب الزيارة يوم النحر، فأنا آتيك به، ليكون الكلام عندك في موضع واحد. قال: إن الرواة اختلفوا في تعيين مصداق لفظ ابن عمر، فجعله بعضهم طواف القدوم - كما مر -، وبعضهم طواف الزيارة، ولا حجة لهم فيه، ما لم يترجح أحدهما، ولنا أن نقول: إن النبي وَلّ وإن طاف لهما طوافين، إلا أنهما لم يكونا متميزين، أن أيهما للحج، وأيهما للعمرة، وذلك لعدم تخللِ الحِلِّ بينهما، فعبّر عنه الراوي هكذا، كأنه طاف لهما طوافًا واحدًا، أي لكل واحد منهما طوافًا طوافًا، ولكنه جعل الواحدَ عن الاثنين في العبارة، لعدم تمييزهما عنده في الحِسِّ. وبعبارة أخرى: إن طوافَه الواحدَ كان عن الحج والعمرة، لعدم التمييز لا لعدم التعدد، فإن شئتَ اعتبرتَه عن الحج اعتبرت، وإن شئت أن تجعلّه عن العمرة جعلت. والحاصل: أنه طاف لهما ضربةٌ واحدة طوافًا. ونُوضِحُ لك مزيد الإيضاح: أن الذين أهلوا بالعمرة، ثم بالحج، وأحلوا في الوسط كان طوافُهم للعمرة متميزًا عن طوافهم للحج، لتخلل الحِلِّ في البين، فصح أن تقول: إن هذا للعمرة، وهذا للحج، ولا يصحّ فيهم أن تقول: طافوا طوافًا واحدًا، كيف! وقد طافوا طوافين حِسًّا، بخلاف القَارِنين، فإنهم أهلوا للحج والعمرة معًا، ثم دخلوا في الأفعال، ولم يُحلوا حتى طافوا طواف الزيارة، فلم يتميز طوافُهم للحج عن طوافهم للعمرة، وإذا لم يتميز أحدهما عن الآخر في الحِس، عبّر عنه الراوي بالطواف الواحد، فهم فهموا أنه طاف لهما طوافًا واحدًا حقيقةً، ونحن فهمنا أنه طاف لكل منهما طوافًا، إلا أنه عبّر الراوي عنه كذلك، لعدم التمييز حِسًّا، وبعبارة أخرى هم جعلوا الطواف الواحدَ مسألةً، ونحن جعلناه تعبيرًا، لمّا ثبتَ عندنا تعدُّد الأطوفة من الخارج عن القارنين. وبالجملة: إن الواحدَ عندنا في مقابلة الثاني، والمعنى أنه طاف للحج طوافًا واحدًا، ولم يطف له ثانيًا. وكذلك للعمرة فطاف لها واحدًا، ولم يطف لها ثانيًا، فثبت أنه طاف لهما طوافًا واحدًا بهذا المعنى أيضًا. ٢٣٧ كتاب الحج الطَّوَافُ بِالبَيتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عَمْرَةٌ، ثُمَّ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِثْلَ ذلِكَ، ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شَيءٍ بَدَأَ بِهِ الظَّوَافُ بِالْبَيتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ مُعَاوِيَةُ وَعَبْدَّ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيرِ بْنِ العَوَّامِ فَكَانَ أَوَّلَ شَيءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالبَيتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنِ عُمْرَةٌ، ثُمَّ رَأَيْتُ المُهَاجِرِيَنَ وَالأَنْصَارَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيتُ فَعَلَ ذلِكَ ابْنُ عَمَرَ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا عُمْرَةً، وَهذا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ فَلَا يَسْأَلُونَهُ، وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ مَضى، ما كَانُوا يَبْدَؤُونَ بِشَيءٍ، حَتَّى يَضَعُوا أَقْدَامَهُمْ مِنَ الطّوَافِ بِالبَيتِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّونَ، وَقَدْ رَأَيتُ أُمِّي وَخالَتِي، حِينَ تَقْدَمانٍ، لَا تَبْتَدِثَانِ بِشَيءٍ أَوَّلَ مِنَ الْبَيتِ، تَطُوفانِ بِهِ، ثُمَّ لا تَحِلَّانِ. [طرفه في: ١٦١٤]. ١٦٤٢ - وَقَدْ أَخْبَرَتْني أَمِّي: أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا وَالزُّبْيرُ، وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، بِعُمْرةٍ، فَلَمَّا مَسَحوا الرُّكْنَ حَلُّوا. [طرفه في: ١٦١٥]. ٧٩ - باب وُجُوبِ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَجُعِلَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ١٦٤٣ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: قالَ عُرْوَةُ: سَأَلتُ عَائِشَةً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَقُلتُ لَهَا: أَرَأَيتِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَِّرِ اللَّهِ فَمَنْ حَّ الْبَنْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَأَ﴾ [البقرة: ١٥٨] فَوَاللَّهِ ما عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، قالَتْ: بِئْسَ ما قُلتَ يَا ابْنَ أُخْتِي، إِنَّ هذهِ لَوْ كانَتْ كما أُوَّلْتَهَا عَلَيهِ، كَانَتْ: لَا جُنَاحَ عَلَيهِ أَنْ لَا يَتَطَوَّفَ بِهِمَا، وَلكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي الأَنْصَارِ، كانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا، يُهِلُّونَ لِمَنَّةَ الطَّاغِيَةِ، الَّتي كانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ الْمُشَلَّلِ، فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوِفَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا، سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ عَنْ ذلِكَ، قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالِمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآَبِ اللهِ﴾ الآيَةَ. قالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عِنْهَا: وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ ◌ِّ الطَّوَافَ بَينَهُمَا، فَلَيسَ لأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا. ثُمَّ أَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ فَقَالَ: إِنَّ هذا لَعِلمٌ ما كُنْتُ سَمِعْتُهُ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ العِلم يَذْكُرُونَ: أَنَّ النَّاسَ - إِلَّا مَنْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ مِمَّنْ كانَ يُهِلُّ بِمَنَاةَ - كَانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهُمْ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَلَمَّا ذَكِرَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّوَافَ بِالبَيتِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ في القُرْآنِ، قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنَّا نَطُوفُ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ أَنْزِلَ الطَّوَافَ بِالبَيتِ فَلَمْ يَذْكُرِ الصَّفَا، فَهَل عَلَيْنَا مِنْ حَرَج أَنْ نَطَّوَّفَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَِرِ اللهِ﴾ الآيَةَ. قالَ أَبُو بَكْرٍ: فَأَسْمَعُ هذهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الفَرِيقَينِ كِلَيهِمَا، في الَّذِينَ كانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالجَاهِلِيَّةِ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَالَّذِيَنَ يَطُوفُونَ ثُمَّ تَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهِمَا في الإِسْلَامِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالطّوافِ بِالبَيتِ وَلَمْ ٢٣٨ كتاب الحج يَذْكُرِ الصَّفَا حَتَّى ذَكَرَ ذلِكَ بَعْدَ ما ذَكَرَ الطَّوَافَ بِالبَيتِ. [الحديث ١٦٤٣ - أطرافه في: ١٧٩٠، ٤٤٩٥، ٤٨٦١]. والسعي بينهما واجبٌ عندنا، وركنٌ عند آخرين. ١٦٤٣ - قوله: (نزلت في الفريقين كليهما) ... إلخ، وهي ثلاث فرق في سياق مسلم، فيقال إنها نزلت فيهم أجمعين(١). وحاصل الحديث أن عُروة تمسَّك على عدم وجوبه بقوله تعالى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ﴾، وإجابته عائشة ببيانها نُكتة بلاغية فيه، وساقت قِصتَه لإِيضاحها فقط. قوله: (إلا من ذكرت عائشة) ... إلخ، جملة معترضة بين اسم ((إن)) وخبرها. وهذا الاستثناء بعد ما سمعها تقول: ((إن الآية نزلت في رجال من الأنصار خاصة)). ٨٠ - بابُ ما جاءَ في السَّغْيِ بَينَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: السَّعْيُ مِنْ دَارِ بَنِي عَبَّادٍ إِلَى زُقَاقٍ بَنِي أَبِي حَسَینٍ. ١٦٤٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيمُونٍ: حَدَّثَنَا عِيسى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عُمِرَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَر رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه ◌َِّهِ إِذَا طَافَ الطَّوَافَ الأَوَّلَ خَبَّ ثَلَاثًا وَمَّشىَ أَرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعى بَظْنَ المَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. فَقُلتُ لِنَافِعِ: أَكانَ عَبْدُ اللَّهِ يَمْشِي إِذَا بَلَغَ الرُّكْنَ اليَمَانِيَّ؟ قالَ: لَا، إِلَّا أَنْ يُزَاحَمَ عَلَى الرُّكْنِ، فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَدَعُهُ حَتَّى يَسْتَلِمَهُ. [طرفه في: ١٦٠٣]. ١٦٤٥ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللّهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: قالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالبَيتِ في عُمْرَةٍ، وَلَمْ يَطْفَ بَينَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، أَيَأْتِي امْرَأَتُه؟ فَقَالَ: قَدِمَ الَنَّبِيُّ وَجَهَ، فَطَافَ بِالْبَيتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلفَ المَقَامِ رَكْعَتَينٍ، فَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمروَةِ سَبْعًا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَّكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ١٦٤٦ - وَسَأَلِنَا جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَقَالَ: لَا يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. [طرفه في: ٣٩٦]. ١٦٤٧ - حدّثنا المَكْيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ جُرَيجِ قالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ (١) تكلم عليه الحافظ مبسوطًا، وقال في آخره: ويحتمل أن الأنصار في الجاهلية كانوا فريقين، واشتركا الفريقان في الإِسلام على التوقف عن الطواف بينهما، لكونه كان عندهم جميعًا من أفعال الجاهلية، فيجمع بين الروايتين لهذا، وقد أشار إلى نحو هذا الجمع البيهقي. انتهى ملخصًا. ((فتح الباري)). ٢٣٩ كتاب الحج قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َـَّ مَكَّةَ، فَطَافَ بِالبَيتِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَعى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ تَلَا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. ١٦٤٨ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا عاصِمٌ قالَ: قُلتُ لأَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ؟ قالَ: نَعَمْ، لأَنَّهَا كانَتْ مِنْ شَعَائِرِ الجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَتَّ الْبَيْتَ أَوِ أَعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. [الحديث ١٦٤٨ - طرفه في: ٤٤٩٦] ١٦٤٩ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفِيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: إِنَّمَا سَعِى رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ بِالبَيتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، لِيُرِيَّ المُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ. زَادَ الحُمَيدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو قالَ، سَمعتُ عَطَاءً، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِثْلَهُ. [الحديث ١٦٤٩ - طرفه في: ٤٢٥٧]. بوّب المصنِّفُ على كيفيته. فالرَّمَل هو العَدْو، مع هزّ الكتفين. والسعي هو الإِسراع بين الميلين الأخضرين. وقد تعرض الشارحان إلى سدهما . ٨١ - باب تَقْضِي الحَائِضُ المَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَّ الطَّوَافَ بِالبَيتِ وَإِذَا سَعى عَلَى غَيرٍ وُضُوءٍ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ ١٦٥٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حِائِضٌ، وَلَّمْ أَطْفْ بِالبَيتِ، وَلَّا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، قالَتْ: فَشَكَوْتُ ذلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ لِ، قالَ: ((افعَلِي كما يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالبَيتِ حَتَّى تَظْهُرِي)). [طرفه في: ٢٩٤]. ١٦٥١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قالَ: وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ: حَدَّثَنَا حَبِيبٌ المُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ ◌َ﴿ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالحَجِّ، وَلَيسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ ◌ِّ. وَطَلحَةَ، وَقَدِمَ عَلَيٍّ مِنَ اليَمَنِ وَمَعَهُ هَدْيٌ، فَقَالَ: أَهْلِّلتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ◌َّهِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ◌َِّ أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، وَيَطُوفُوا، ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ الهَذِيُ، فَقَالُوا: نَنْطَلِقُ إِلى مِنَّى وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ مَنِيًّا! فَبَلَغَ النَّبِيَّ ◌َلِ فَقَالَ: (لَوِ اسْتَقْبَلتُ مِنْ أَمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيتُ، وَلَوْلا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لأَحْلَلتُ)). وَحاضَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنَّهَا، فَتَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُف بِالبَيتِ، فَلَمَّا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالبَيتِ، قالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَنْطَلِقُونَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَأَنْطَلِقُ بِحَجّ؟ فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ٢٤٠ كتاب الحج أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الحَجّ. [طرفه في: ١٥٥٧]. ١٦٥٢ - حدّثنا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَام: حَدَّثَنَا إِسْماعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ قالَتْ: كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ، فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ، فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِي خَلَفٍ، فَحَدَّثَتْ: أَنَّ أُخْتَهَا كانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ وَ سِهَ، قَدْ غَزَا مَّعَ رَسُولِ اللَّهِ وَله ثِنْتَي عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَكانَتْ أُخْتِي مَعَهُ فيَ سِتُّ غَزَوَاتٍ، قَالَتْ: كُنَّا نُدَاوِي الكَلمى، وَنَقُومُ عَلَى المَرْضى، فَسَأَلَتْ أُخْتِي رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ فَقَالَتْ: هَل عَلَى إِحْدَانَا بَأُسٌ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ، أَنْ لَا تَخْرُجَ؟ قالَ: ((لِتُلبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلبَابِهَا، وَلَتَشْهَدِ الخَيْرَ وَدَعْوَةَ المُؤْمِنِينَ)). فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا سَأَلْنَهَا، أَوْ قَالَتْ: سَأَلْنَاهَا، فَقَالَتْ: وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُ رَسُولَ اللَّهِ بَّهَ إِلَّ قالَتْ: بِأَبِي، فَقُلنَا: أَسَمِعْتِ رَسُولَ اللّهِ وَ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، بِأَبِي، فَقَالَ: ((لِتَخْرُجُ العَوَاتِقُ ذَوَاتُ الخُدُورِ - أَوِ العَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الخُدُورِ - وَالحُيَّضُ، فَيَشْهَدْنَ الخَيْرَ وَدَعَوَةَ المُسْلِمِينَ، وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ المُصَلَّى)). فَقُلتُ: آلْحَائِضُ؟ فَقَالَتْ: أَوَ لَيسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ، وَتَشْهَدُ كَذَا، وَتَشْهَدُ كَذَا؟! [طرفه في: ٣٢٤]. واعلم أن السعي إنَّما شُرِع عَقِبَ الطواف، فإذا حُجِرن هؤلاء عن الطواف للعذر، حُجِرن عن السعي أيضًا، فإنَّ السعي بدون الطواف غير معهود. ولذا نهى النبيُّ ◌َّ عائشة أنْ تسعى بين الصفا والمروة، فإنَّها كانت حائضةً، وهي لا تطوف بالبيت، فحُجِرت عن السعي أيضًا . ١٦٥١ - قوله: (وليس مع أحدٍ منهم هديٌ غير النبي ◌ِّ، وطلحة) ... إلخ، قلتُ: وقد ثبتَ خمسةٌ أو ستةُ نفرٍ غيرِه ◌َّرَ أيضًا الذين كان معهم هَدْي. قوله: (فقالوا: ننطلق إلى منى، وذكر أحدنا يقطر منيًا) ... إلخ، وهذا هو وجه الكراهية التي كنت نبَّهتُ عليه، لا لأنهم كانوا يعدون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور. قوله: (لو استقبلت من أمري) ... إلخ، استدل به الحنابلة على أنَّ التمتعَ أفضلُ، وقد مرّ مني وجه التمني. ٨٢ - باب الإِهْلاَلِ مِنَ البَطْحَاءِ وَغَيرِهَا لِلمَكِّيِّ وَلِلحَاجِّ إِذَا خَرَجَ إِلَى مِنَّى وَسُئِلَ عَطَاءٌ عَنِ المُجاوِرِ يُلَبِّي بِالحِجِّ؟ قالَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُلَبِّي يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إِذَا صَلَّى اَلّهْرَ وَاسْتَوَى عَلَّى رَاحِلَتِهِ. وَقَالَ عَبْدُ المَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدِمْنَا مَعَ النَّبِيِّ نََّ فَأَحْلَلنَا، حَتَّى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ، لَبِّينَاً بِالحَجِّ. وَقَالَ أَبُو الزُّبَيرِ عَنْ جابِرٍ: أَهْلَلنَا مِنَ البَطْحَاءِ. وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ جُرَيجِ لِإِبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: رَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتٌ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الهِلَالَ وَلَمْ تُهِلِّ أَنْتَ حَتَّى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ! فَقَالَ: لَمْ أَرَ النَّبِيَّ نَّهَ يُّهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ.