Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ كتاب الحج فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ إِ لهَمُحْمَرُّ الوَجِهِ، وَهُوَ يَغِظُ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: ((أَينَ الذَّي سَأَلَ عَنِ العُمْرَةِ؟)) فَأُتَي بِرَجُلٍ، فَقَالَ: ((اغْسِلِ الطَّيبَ الذِي بِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَانْزِعْ عَنْكَ الجُبَّة، وَاصْنَعْ في عُمْرَتِكَ كَما تَصْنَعُ في حَجَّتِكَ)). قُلتُ لِعَطَاءِ: أَرَادَ الإِنْقَاءَ حِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ ثَلَاثَ مرَّاتٍ؟ قالَ: نَعَمْ. [الحديث ١٥٣٦ - أطرافه في: ١٧٨٩، ١٨٤٧، ٤٣٢٩، ٤٩٨٥]. ١٥٣٦ - قوله: (وهو متضمخ بطيب)، وهو محمولٌ على طيب الإِحرام، فإنه لا بأس بالتضمخ بطيبٍ قبل الإِحرام على ما علمت. وقد كان يختلجُ في صدري أن العربَ كانوا يحجون من زمن الجاهلية، ولم يُعلم من حالهم التفريطُ في أمر الحج، نعم، كان فيهم بعض تعمق وإفراط، حيث كانوا يطوفون بالبيت عُراةً، زعمًا منهم أن الطوافَ إنما يليق في ثياب لم تتلوث بمعاصيهم، فإذا كان حالهم هذا، فكيف فَرَّط بهذا الرجل، وتطيَّبَ في الإِحرام؟ ثم رأيتُ في كلام القاضي أبي بكر بن العربي (١): أنهم كانوا يُفرِّطون أيضًا، لكنه كان في العمرة دون الحج. وذلك لكونها من أفجر الفجورِ في زمنٍ الحج عندهم. والله تعالى أعلم بالصواب. قوله: (وهو يغط) - لمبى لمبی سانس لی رهی تھی. (١) قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذه المسألة جرت بالجعرانة بقسم غنائم خيبر عام الفتح في شوال سنة ثمانٍ. وقد قال له النبيُّ ◌َّر: ((ما كنت صانعًا في حجَّتِها فاصنعْه في عمرتها)). فقال: كنت أغسل هذا، وأخلع هذا. وهو دليلٌ على أنَّ خلعَ الثياب ونبذ الطيب، كان أصلًا عندهم في الجاهلية للحاج، وكانوا يستسهلون ذلك في العمرة، فأخبرهم النبيُّ ◌َ أنَّ مجراهما في ذلك واحد. اهـ. ص ٦٠-ج٤، هكذا في ((عمدة القاري)» ص ٥١٠- ج٤. قلت: ويوضّحُه سياقُ حديث يَغْلى بن أمية قال: كنا عند النبي ◌َّ بالجعرانة. إذ جاءه رجل أعرابيّ عليه جُبة. وهو مُتضمِّخْ بالخلوق، فقال: يا رسول الله، إني أحرمتُ بالعمرة، وهذه عليَّ، فقال: ((أما الطيب الذي بك فاغسِله ثلاثَ مرات، وأما الجُبة فانزِعها، ثم اصنع في عمرتك كما تصنعُ في حجك)) - متفق عليه - . قال الشيخ في ((اللمعات)): قيل: كان الرجل عالمًا بأحكام الحج، ولم يكن عالمًا بأن العمرة كالحج، والمرادُ التشبيه في أحكام الإِحرام، وما يجتنب فيه، كما يدل عليه السياق، لا أنَّ العمرة كالحج في جميع الأحكام والأركان، لأنه ليس في العمرة الوقوف بعرفة إلا الطواف والسعي. انتهى. ولعلك علمتَ أنَّ التقصيرَ منه إنما كان لكونه معتمرًا؛ وكان هذا التقصير عندهم معروفًا، ولذا جاء محرِمًا بالعمرة والجُبة عليه، ففي هذا السياق لفظ الخَلُوق، وأنه كان في المعتمر، وأن القِصة في الجعرانة. أما شمُّ الرَّياحين، فكما ذكره العيني، أن الأصحَّ تحريمُ شمِّها. وأبو حنيفة، ومالك، يقولان: يحرُم، ولا فدية، كذا يُعلم من ((عمدة القاري)» ص ٥١٥- ج٤. أما أكلُ الطيِّب، فذكر الخَطَّابي في ((المعالم، أن المُحرِمِ مَنهيّ عن استعمال الطيب في بدنه، وفي معناه الطيبُ في طعامه، لأن بغيةَ الناس في تطيب الطعام، كبغيتهم في تطييب اللباس . هـ : ص ١٧٦ - ج٧ ثم قال الخَطّابي في لُبْس المرأة القفازين: إن بعضهم ذهبوا إلى أنه لا شيء عليها، وعلل حديث ابن عمر، فإنه من قول ابن عمر. وعلق الشافعي القولَ في ذلك. انتهى. ١٨٢ كتاب الحج قوله: (وانزع عنك الجبة) (١)، وقد علمتَ أن الثوبَ المخيطَ من محظوراتِ الإِحرام، ابتداءً وبقاءً. ١٨ - بابُ الطِّيبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ وَما يَلْبَسُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ وَيَتَرَجْلُ وَيَدَّهِنَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَشَمُّ المُحْرِمُ الرَّيحَانَ، وَيَنْظُرُ في المِرآةِ، وَيَتَدَاوَى بِمَا يَأْكُلُ: الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ. وَقَالَ عَطَاءٌ: يَتَخَتَّمُ وَيَلْبَسُ اْلِهِمْيَانَ. وَطَافَ ابْنُ عُمَرَ : (١) قال الخَطّابي في ((معالم السنن)): وفيه من الفقه: إنْ أحرم وعليه ثيابٌ مخيطَّةٌ من قميص وجُبة ونحوهما لم يكن عليه تمزيقُه، وأنَّه إذا نَزَعه من رأسه لم يلزمه. وقد رُوي عن إبراهيم النَّخَعي أنه قال: يَشُقُّه. وعن الشَّعبي قال: يمزق ثيابه، وهذا خلاص السنة، لأن النبيَّ ◌َّ أمره بخلع الجُبة، وخَلَعَها الرجلُ من رأسه، فلم يوجب عليه غرامةً. قلت: وكأنه يُشير إلى ما رواه أبو داود في قِصته بلفظ: ((اخلع عنك الجُبة))، فخلعها من قِبَلٍ رأسه. وقد نهى رسول الله ◌َله عن إضاعة المال. اهـ. ص ١٧٥ - ج٢. قلت: وملخص ما ذكره ((العيني): ص ٥١٠- ج٤ أن أبا صالح، وسالمًا ذهبا إلى أنه يخلعه من قبل رجليه، وعن جعفر بن محمد بن علي رضي الله عنه إذا أحرم، وعليه قميص لا ينزعه من رأسه، بل يَشُقُّه، ثم يخرُجُ منه، كما في ((مصنف ابن أبي شيبة)) وذكر علي: ٥٢٢-ج٤ أنه لا يجبُ قطع القميص والجُبة على المحرم إذا أراد نزعها، بل أن ينزع ذلك من رأسه، وإن أدى إلى الإِحاطة برأسه، خلافًا لمن قال: ((يَشْقُّه، وهو قول الشَّعبي: والنَّخَعي. ويُروى ذلك عن الحسن، وسعيد بن جُبير. وذهب الجمهورُ إلى جوازٍ نزع ذلك من الرأس. وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي؛ والحديث حجةٌ لهم، ولو ارتدى القميص لا يضرُّه. اهـ . فأخرج الطحاوي في باب: الرجل يحرم وعليه قميص، من ((معاني الآثار)) عن جابر بن عبد الله، قال: كنت عند النبي ◌ََّ جالسًا في المسجد، فقدّ قميصه من جَيْبِه، حتى أخرجه من رجليه، فنظر القومُ إلى النبي، فقال: ((إني أمرتُ بِيُذْني التي بعثتُ بها أن تَقَلِّد اليوم وتشعر على كذا وكذا، فلبستُ قميصي، ونسيتُ، فلم أكن لأخرج قميصي من رأسي))، وكان بعث ببُذنه، وأقام بالمدينة. قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: لا ينبغي للمحرم أن يخلعه، كما يخلع الحلال قميصه، لأنه إذا فعل ذلك غطى رأسه، وذلك عليه حرام، فأمر بشقه لذلك. وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل ينزعه نزعًا، ثم ذكر الحديث الوارد فيه. ثم توجه إلى بيان النظر فيه، فقال: رأينا المحرم نُهِي عن لُبس القَلَآنِس، والعمائم، والبرانس، فنُهي أن يُلبِسَ رأسُه شيئًا، كما نُهي أن يلبس بدنه القميص. ورأينا المحرم لو حمل على رأسه شيئًا، ثيابًا، أو غيرها لم يكن بذلك بأسّا، ولم يدخل ذلك فيما قد نُهي عن تغطية الرأس بالقلانس وما أشبهها، لأنه غير لابس، فكأن النهي إنما وقع من ذلك على تغطية ما يلبسُه الرأس، لا علی غیر ذلك مما یغطی به. وكذلك الأبدان نُهي عن إلباسِها القميص، ولم ينه عن تجليها بالأزر - ولعله تجللها -، فلما كان ما وقع عليه النهي من هذا في الرأس إنما هو الإلباس لا التغطية التي ليست بإلباس، وكان إذا نزع قميصه، فلاقى ذلك رأسه، فليس ذلك بإلباس منه رأسه شيئًا، إنما ذلك تغطية منه لرأسه. وقد ثبت بما ذكرنا أن النهي عن لبس القلانس لم يقع على تغطية الرأس، وإنما وقع على إلباس الرأس في حال الإِحرام، ما يلبس في حال الإحلال، فلما خرج بذلك ما أصاب الرأس من القميص المنزوع من حال تغطية الرأس المنهي عنها، ثبت أنه لا بأس بذلك قياسًا، ونظرًا على ما ذكرنا. وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد رحمهم الله تعالى اهـ . ١٨٣ كتاب الحج رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَقَدْ حَزَمَ عَلَى بَطْنِهِ بِثَوْبٍ، وَلَمْ تَرَ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِالتِّبَانِ بَأُسًا لِلَّذِينَ يُرَحِّلُونَ هَؤْدَجَها . لعله أشارَ إلى مُوَافقةِ الحنفية والشافعية في مسألة التَّطُّبِ قبل الإِحرام. أما الشَّمُّ فهو مكروهٌ عندنا، ويُجاز للتداوي. وكذا يجوزُ شدُّ الِهِمْيَان، ولبس المخيط على غير هيئتِهِ، كما إذا ارتدى بالقميص. ولا يجوزُ عندنا التطيب بالزيت، لكونه أصلَ الطيب، وإن جاز أكله. ١٥٣٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ قالَ: كانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَدَّهِنُ بِالزَّيتِ، فَذَكَرْتُهُ لِإِبْرَاهِيمَ، فقالَ: ما تَصْنَعُ بِقَولِهِ : ١٥٣٧ - قوله: (وكان ابن عمر) ... إلخ، فلم يكن يستعمل الطيب قبل الإِحرام، ولا بعدَه. فمذهبُه أضيقُ من مالك أيضًا، ومذهب إبراهيم كمذهبنا . قوله: (كأني أنظر إلى وبيص الطيب) ... إلخ، دل على جواز بقاءٍ جِرْم الطيب بعد الإِحرام. ١٥٣٨ - حَدَّثَنَي الأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصٍ الطِّيبِ في مَفَارِقٍ رَسُولِ اللَّهِ بِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ. [طرفه في: ٢٧١]. ١٥٣٨ - قوله: (كنت أطيب) ... إلخ، استدل منه النووي على أن ((كان)) لا تستدعي الاستمرارَ، لكونها واقعةً واحدةً لههنا. وقال الشيخ ابن الهُمَام: إنه كذلك سيما إذا كان خبرُه مضارعًا. قلتُ: وهو صحيح لغةً، غير أنه في العرفِ للاستمرار، وهو مستقيمٌ هُهنا أيضًا بحذف فعلِ الاتصاف، ولا ريب أنَّ اتصافها بذلك دائمٌ. قوله: (ولحله قبل أن يطوف) ... إلخ، قيل: إن المحلل عندنا هو الحلق. وإنَّما يظهرُ تحليله في حق الجماع بعد طواف الزيارة. وقيل: بل المحلل اثنان: الحلق، والطواف؛ فالأول: محللٌ لجميع المحظورات غير الجماع؛ والثاني: محللٌ للجماع. وكيفما كان يَحِلُّ له بعد الحلق كل شيء، إلا الجماع. وقيل: إلا الجماع، والطيب، وهو رواية شاذة. ١٥٣٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجِ النَّبِيِّ وَّهِ قَالتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ الإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلُّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوَفَ بِالبَيتِ. [الحديث ١٥٣٩ - أطرافه في: ١٧٥٤، ٥٩٢٢، ٥٩٢٨، ٥٩٣٠]. ١٩ - باب مَنْ أَهَلَّ مُلَبِّدًا ١٥٤٠ - حدّثنا أَصْبَغُ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ يُهِلُّ مُلَبِّدًا. [الحديث ١٥٤٠ - أطرافه في: ١٥٤٩، ٥٩١٤، ٥٩١٥]. ١٨٤ كتاب الحج ٢٠ - بابُ الإِهْلَالِ عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الحُلَيفَةِ ١٥٤١ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا مُوسى بْنُ عُقْبَةَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. ح. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مِالِكِ، عَنْ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ سمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: ما أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ وََّ إِلَّ مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ، يَعْنِي: مَسَّجِدَ ذِي الحُلَيفَةِ. ٢١ - بابُ(١) ما لاَ يَلبَسُ المُحْرِمُ مِنَ النِّيَابِ ١٥٤٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخِبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَجُلًا قالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ما يَلْبَسُ المُحرِمُ مِنَ الغِّيَاب؟ قالَ رَسُولُ اللّهِوَلِّ: ((لَا يَلْبَسُ القُمُصَ وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ، فَلَيَلْبَسْ خُفَّيْنٍ، وَلَيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَينِ، وَلَا تَلْبَسوا مِنَ الغِّيَاب شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، أَوْ وَرْسٌ)). [طرفه في: ١٣٤]. وذكر ضابطةً في (كتاب المناسك)) أنَّ كل ثوبٍ مخيطٍ مُستَمسِكٍ على الجسد إذا نُبس بطريقه المعروف، کانت جنایةً عندنا . ١٥٤٢ - قوله: (ليقطعهما أسفل من الكعبين)، وهو واجبٌ عند الثلاثة، ومستحبٌ عند (١) واعلم أن القاضي أبا بكر بن العربي قد تكلم على المسألة كلامًا مليحًا، قال في باب ما لا يلبس المحرم من ((العارضة)). وفي الحديث فوائد: الأولى: أن النبي ◌َّ سُئل عما يلبس المحرم؟ فأجاب بما لا يلبس، وذلك لما كان أقل وأحقر، ما نقول له أخصر، وذلك غاية البيان ونهاية الفصاحة . والثانية: قوله: ((من الثياب)) يريد من أنواع الثياب، كما يقال: ما يأكل الإنسان من الطعام، يريد من أصنافه وأنواعه . الثالثة: قوله: ((لا تلبسوا القميص، ولا السراويل، ولا البَرَانِس»، فنهاه عن أصولٍ أنواع المخيط، فللمطلوب أصلٌ فيما يعمُّ البدن من المخيط وستره، والسراويل أصلٌ فيما يعمُّ العورةَ من المخيط، والبرنس أصلٌ فيما يحل على المنكبين مخيطًا. الرابعة: قوله: ((ولا العمائم)). وذلك أصلٌ في كشف الرأس عن كل نوع يستره. الخامسة: قوله: ((ولا الخفاف)) وذلك أصلٌ فيما يستُرُ الرِّجلين عن الغسل. السادسة: قوله: ((ولا تلبسوا من الثياب ثوبًا فيه زعفران، أو ورس))، كان ذلك أصلاً في اجتناب الثياب المصبغة بالطيب. وما يُشمُّ فهو الطيب، فإِنَّ الزعفران أطيب. والوَرْس - وإن لم يكن طيبًا - فله رائحة طيبة، فأراد النبي ◌َّل أن يبين الطيب المحظور، وما يُشبِهُ الطيب في ملاذ الشم واستحسانه يكون الحج شَعِثًا تَفِلا لساعة الإِحرام، وتفله لشيء من ذلك، كان قبل الإِحرام، كما يدفنُ الشهيد بدمه، من جرح القتل، ويُغسَلَ دٌّ، وبولٌ، وعَذِرَةً كانت قبل الإِحرام، أو من غير ذلك الدم. ثم ذكر في قوله: ((وليقطعه أسفل من الكعبين))، حتى يكشف رجليه، فإنَّ الله يبعثُ الخلق حفاة عراةً ... إلخ. ١٨٥ كتاب الحج الحنابلة، لأن بعض الرواة لم يذكروه. قلنا: إنه ساكت، فيحمل الساكت على الناطق. ثم الكعبَ في الحج هو العظمُ النابتُ في وَسَط القدم، وخَلَطَ من نقله في الوضوء. قوله: (مسه الزعفران)، قال الحنفية: إن المحظور في الإِحرام هو الطيب، وفي الإِحداد اللون، وإنما يُكره الطيبُ فيه لأجلِ الزِّينة (١). قوله: (لا يحك جسده)، وهو جائز عندنا . قوله: (ويلقي القمل)، وهكذا عندنا، ويتصدَّق فيه دون البَقِّ، لكون القملِ متولدةً من جسده، دون البق. ثم اعلم أنه يجوزُ له لُبس السراويل بعد فتقِهِ، وإلا تكون جنايةٌ، فَإِن لبسه عند الحاجة وجب عليه الدم، ولا يأثم، وهذا من خصائص الحج، أن المعذورَ يرخصهُ الشرعُ بأشياء، ثم يوجِبُ عليه الدم، كحلق الرأس عند التأذِّي، هكذا ذكره الطحاوي. ٢٢ - بابُ الرُّكُوبِ وَالارْتِدَافِ في الحَجِّ ١٥٤٣، ١٥٤٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ الأَيْلِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ أُسَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كانَ رِدْفَ النَّبِيِّ وَه مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الفَضْلَ مِنَ المِزْدَلِفَةِ إِلَى مِنَّى، قالَ: فَكِلَاهُما قالَ: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ وَ يُلَبِّي حَتَّى رَمى جَمْرَةَ العَقَبَةِ. [الحديث ١٥٤٣ - طرفه في: ١٦٨٦]. [الحديث ١٥٤٤ - أطرافه في: ١٦٧٠، ١٦٨٥، ١٦٨٧]. ٢٣ - بابُ ما يَلبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ وَالأَرْدِيَةِ وَالأَزِّرِ. وَلَبِسَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا الِّيَابَ المُعَصْفَرَةَ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ، وَقَالَتْ: لا تَلَثَّمْ، وَلَا تَتَبَرْقَعْ، وَلَا تَلْبَسْ ثَوْبًا بِوَرْسٍ، وَلَا زَعْفَرَانٍ. وَقَالَ جابِرٌ: لَا أَرَى المُعَصْفَرَ طِيبًا . وَلَمْ تَرَ عِائِشَةُ بَأُسًا بِالحُلِيِّ، وَالثَّوْبِ الأَسْوَدِ، وَالمُوَرَّدِ، وَالْخُفِّ لِلمَرْأَةِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : لَا بَأْسَ أَن يُبْدِلَ ثِيَابَهُ . ١٥٤٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكرِ المُقَدَّمِيُّ: حَدَّثَنَا فُضَيلُ بْنُ سُلَيمَانَ قالَ: حَدَّثَنِي مُوسى بْنُ عُقْبَةَ قالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: انْطَلَقَّ النَّبِيُّ ◌َّهُ مِنَ المَدِينَةِ، بَعْدَ ما تَرَجَّلَ وَاذَهَنَ، وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيءٍ مِنَ الأَرْدِيَةِ وَالأُزرِ تُلبَسُ، إِلَّ المُزَعْفَرَةِ الَّتِي تُرْدَعُ عَلَى الجِلدِ، فَأَصْبَحَ بِذِي (١) قال العلامة المارديني: وروى أبو داود بسند صحيح عن أم سلمة عن النبي وعليه، قال: ((المتوفى عنها زوجها لا تَلْبَس المُعَصْفر من الثياب)) ... الحديث؛ وقد ذكره البيهقي، فيما بعد في باب الأعواد، وفيه دليلٌ على أن العُصْفُر طيبٌ، ولذلك نهيت عن المعصفر، إذ لو كان النهي لكونه زينةً، لنُهيت عن ثوب العَصْب، لأنه في الزينة فوق المعصفر، كذا قال الطحاوي. والعَضْب: برودُ اليمنِ تُعصبُ غَزْلُها، أي تطوي، ثم تصنع مصبوغًا، ثم تُنسج. وفي ((الصحيحين)) أنه عليه الصلاة والسلام استثنى من المنع ثوب العصب ... إلخ: الجوهر النقي)). ١٨٦ كتاب الحج الحُلَيفَةِ، رَكِبَ رَاحِلَتَه، حَتَّى اسْتَوَى عَلَى البَيداءِ أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ، وَذلِكَ لِخَمْسٍ بَقينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ، فَقَدِمَ مَكَّةَ لأَرْبَعَ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الحَجَّةِ، فَطَافَ بِالبَيتِ وَسَعِىّ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ أَجْلَ بُدْنِهِ، لأَنَّهُ قَلَّدَهَا، ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الحَجُونِ، وَهُوَ مُهِلٌّ بِالحَجِّ، وَلَّمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطَّوَّفُوا بِالبَيتِ وَبَيْنَ الصَّفَّا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُؤُوسِهِمْ ثُمَّ يَحِلُّوا، وَذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا، وَمَنْ كانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَهِيَ لَّهُ حَلَالٌ، وَالطِّبُ وَالثِّيَابُ. [الحديث ١٥٤٥ - طرفاه في: ١٦٢٥، ١٧٣١]. قوله: (الثياب المعصفرة)، ونهى عنها الحنفية أيضًا. قوله: (ولا تتبرقع) إذا مس وجهها، أما إذا كان مُجَافيًا لا يمسُّ وجهها، فلا بأس به. قوله: (بالحليِّ)، وهي مكروهةٌ تنزيهًا عندنا، كما في ((البدائع))، ويشهد له حديث أبي داود، غير أنه اختُلف في وقفه ورفعه، وجنح المصنف إلى وقفه. وعمل به الحنفية، فحملوه على الكراهة تنزيهًا . ١٥٤٥ - قوله: (انطلق النبي ( 8* من المدينة بعدما ترجّل، وادّهن، ولبس إزاره، ورداءه) ... إلخ، هذا بيان لإِعداده للإِحرام، ولم يكن أحرم بَعدُ، لأنه جامَعَ بعدَه. ولبس الإِزارِ، والرداء لم يكن لكونه مُحرِمًا، بل لكون ذلك لباس العرب. وإنما يتبادَرُ منه الإِحرام، لكونه لُبْسة المحرم في عرفنا. قوله: (إلا المزعفرة)، قال الطحاوي: إن المزعفرة إذا لم ينفض اللونَ جاز، واستدلَ بروايةٍ فيها يحيى بن حميد الحماني، وهو الأزدي، من علماء الكوفة، وكان يحيى بن مَعِين يوثقه حتى الموت، وتردد فيه بعضهم، ولعله لا ذنب له: غير أنه حنفيٌّ، وإن من الذنوب ما لا يغفَرُ عند بعضهم. واعلم أن الراوي لم يتعرض إلى طَوَافه بَّهِ النَّفل، مع ثبوته في الخارج، لأنه كان بالليل. وإنما لم يَطْف النبي ◌َّ بالنهار، مع كونه أفضل العبادات في تلك البقعة الشريفة، مخافةً أن يقعَ الناسُ في مَغْلَطة. مسألة: قال الحنفية: إن الحاج يقطعُ التلبيةَ عند رمي الجمار (١). والظاهر أنَّ التلبيةً لما كانت للبيت، ينبغي أن تنقطعَ عند البيت. قلتُ: والسِّر في ذلك أن التلبيةَ إعلانٌ بالإِجابة (١) قال الخَطَّابي: ذهب عامةُ أهل العلم في هذا إلى حديث الفضل بن عباس رضي الله عنه، دون حديث ابن عمر، وقالوا: لا يزال يُلبي حتى يرمي جمرة العَقَبة، إلا أنهم اختلفوا. فقال بعضهم: يقطعُها مع أول حِصاة، وهو قول سُفيان الثوري، وأصحاب الرأي، وكذلك قال الشافعي. وقال أحمد، وإسحاق: يُلبي حتى يرمي الجمرة، ثم يقطعها. وقال مالك: يُلبي حتى تزولَ الشمس يوم عرفة، فإذا راح إلى المسجد قَطَعها. وقال الحسن: يُلبي حتى يُصلي الغَدَاة من يوم عرفة، فإذا صلى الغَدَاة أمسك عنها. وكره مالكٌ التلبيةَ لغير المحرم، ولم يكرهها غيره. اهـ . ١٨٧ كتاب الحج والحضور. وذا لا يناسبُ له، وهو قائمٌ بين يدي الجِمار، فناسب قَطْعَها عندها، فإذا انقطعت عندها لهذا المعنى انقطعت بعدها رأسًا، على أن معاملة المحرم إلى الجمار كانت مع الجماعة، ثم صارت آحاديًا وانفراديًا، فيأتي بها الحاجُ متى شاء، مع الجماعة أو قبلها، أو بعدها، فانقطعت تلبيتُه أيضًا . ٢٤ - بابُ مَنْ بَاتَ بِذِي الحُلَيفَةِ حَتَّى أَصْبَحَ قالَهُ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ. ١٥٤٦ - حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيج: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكْدِرِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: صَلَّى النَّبِيُّ وَلَ بِالمَدِيْنَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الحُلَيفَةِ رَكْعَتَينٍ، ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ بِذِي الحُلَيفَةِ، فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ أَهَلَّ. [طرفه في: ١٠٨٩]. ١٥٤٧ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَة، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ وَهِ صَلَّىَ الظُّهْرَ بِالمدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى العَصْرَ بِذِي الَخُلَيفَةِ رَكْعَتَينٍ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ بَاتَ بِها حَتَّى أَصْبَحَ. [طرفه في: ١٠٨٩]. فكأنه من المُستَحَبَّات، ولم يعدها الحنفية مُستحبًا . ٢٥ - بابُ رَفعِ الصَّوْتِ بِالإِهِلالِ ١٥٤٨ - حدّثنا سُلَيمانُ بْنُ حَرْبٍ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: صَلَّى النّبِيُّ ◌َّهِ بِالمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيفَةِ رَكْعَتَيْنٍ، وَسمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا. [طرفه في: ١٠٨٩]. والرفعُ مطلوبٌ بشرطِ التحرُّزِ عن الإِفراط . ١٥٤٨ - قوله: (سمعتهم يصرخون بهما جميعًا)، وهذا حالُ بعض الصحابة، وفيه حجةٌ للحنفية على ما لا يخفى. ٢٦ - باب التَّبِيَةِ ١٥٤٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ تَلِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ: ((لَبَّيَكَ اللَّهُمَّ لَبَّيكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَّبَّيكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ)). [طرفه في: ١٥٤٠]. ١٥٥٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا سُفِيَانُ، عَنِ الأَعمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالَتْ: إِنِّي لأَعْلَمُ كَيفَ كانَ النَّبِيُّ وَ يُلَبِّي: ((لَبِّيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيكَ، لَبَّيكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ)). تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ ١٨٨ كتاب الحج الأَعْمَشِ. وَقالَ شُعْبَةُ: أَخْبَرَنَا سُليمانُ: سَمِعْتُ خَيثَمَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا . واعلم أن الإِحرامَ عندنا قوليٍّ وفعليٍّ. ونعني بالقولي التلبية، فإِذا لبىَّ ناويًا. فقد أحرم، وبالفعلي أن يسوقَ الهذي ناويًا، فعلم أن المرء لا يصير مُحرمًا بمجرد النية، ما لم يقترن معها قولٌ، أو فعل مخصوص بالحج. ثم لا يُشترط ذكر النسك أو النسكين في التلبية، بل كفى له النية. وصرَّح علي القاري أنّه يُستحب الوقوفُ في كلمات التلبية في أربعة مواضع: لبيك اللهم لبيك، لبّيك لا شريكَ لك لبيك، إن الحمد والنعمةَ لك والملك، لا شريكَ لك. والأفصحُ فيها: ((إن)» بالكسر(١)، كما هو مروي عن محمد، ورُوِي عن أبي حنيفة الفتح. وهو مخالفٌ للذوق، فاغتممتُ لها حتى رأيت في ((الكشاف)) أن فيه روايتين عنه - الفتح، والكسر - فعلمتُ أن الفتحَ محمولٌ على الجوازِ، والكسرَ على الاختيار؛ وحينئذ زال الاضطراب. والأولى أن لا يزيدَ على تلك الكلمات، وإن أبى إلا أن يفعَلَها، ففي آخرها، كما رُوِي عن ابن عمر . ٢٧ - بابُ التَّحْمِيدِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ، قَبْلَ الإِهْلالِ، عِنْدَ الرُّكُوبِ عَلَى الدَّابَّةِ ١٥٥١ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِوَّةِ، وَنَحْنُ مَعَهُ، بِالمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالعَصْرِّ بِذِي الِحُلَيفَةِ رَكْعَتَينٍ، ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى البَيْدَاءِ، حَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّرَ، ثُمَّ أَهَلَّ بِجَجِّ وَعُمْرةٍ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا، أَمَرَ النَّاسَ فَحَلُّوا، حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهَّلُوا بِالحَجِّ. قَالَ: وَنَحَرَ النَّبِيُّ ◌َّهَ بَدَنَاتٍ بِيَدَهِ قِيَامًا، وَذَبَحَ رَسُولُ اللّهِ وَلَهَ بِالمَدِينَةِ كَبْشَيْنٍ أَمْلَحَينٍ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قالَ بَعْضُهُمْ: هذا عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَنَسٍ. [طرفه في: ١٠٨٩]. ولا يمنعُ الحاجُ عن الأذكار كلها، وإن كان الفضلُ في الوظيفةِ الوقتية، وهي التَّلبية. ١٥٥١ - قوله: (ثم أهل بحج وعمرة)، وفيه حجةٌ صريحة للحنفية. قوله: (وأهل الناس بهما)، وفيه توسع. والمعنى أنَّهم أهلُّوا بهما، ولو بتخلُّلٍ حِلِّ. (١) قال الخَطَّابي: فيه وجهان: كسر ((إن))، وفتحها، وأجودهما الكسر. أخبرني أبو عمر، قال: قال أبو العباس أحمد بن يحيى: من قال: ((إن)) - بكسر الألف - فقد عَمَّ، ومن قال: ((أن)) - بفتحها فقد خص . اهـ، وقال ابن العربي: فإذا كُسِرت كانت ابتداءَ كلام، لمَّا قال: لبيك، استأنف كلامًا آخر، توحيدًا، فقال: إن الحمد والنعمة لك. ووجْهُ الفتح، فإنه يقول: أجبتُك، لأن الحمد والنعمة لك في كل شيء، وفيما دعوت إليه، وألزمت ... إلخ ((العارضة)). ١٨٩ كتاب الحج قوله: (ونحر النبي ◌َّه)، واعلم أن بَدَنات النبي ◌ََّ التي كان أهداها ثلاثٌ وستون؛ وجاء عليٍّ بسبعٍ وثلاثين، فتلك مائة. والنُّكْتَةُ(١) في العدد المذكور أنَّ ذلك كان عُمُر النبي ◌َّرُ فأهدى من كل سّنة بَدَنة، ولعل عليٍّ نحر منها ثنتين وثلاثين، وأظن أن ذلك عُمُره، بقيت منها خمس، فنحرها النبي ◌َّ في وقت آخر، وهي التي ذكرها الراوي لههنا. وحينئذٍ لا حاجةَ إلى إعلال رواية أبي داود: أنَّ النبي ◌ََّ نحر خمسًا منها، فإِنها كانت من بَقَايا هَدَايا عليٍّ، نحرها في مجلس آخر. قوله: (وذبح رسول الله ◌َّ بالمدينة كبشين)، وهذه قِطعة من حديث آخر في الأُضحية، ولا تعلقَ لها بحدیثِ الحج. ٢٨ - بابُ مَنْ أَهَلَّ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً ١٥٥٢ - حدّثنا أَبُو عاصِم: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيج قالَ: أَخْبَرَنِي صَالِحُ بْنُ كَيسَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عُنْهُمَا قَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ ◌َّهِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قائمَةٌ. [طرفه في: ١٦٦]. ٢٩ - بابُ الإِهْلَاَلِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ ١٥٥٣ - وَقَالَ أَبُو مَعْمَرِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعِ قالَ: كانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهِ عَنْهُمَا إِذَا صَلَّى بِالغَدَاةِ بِذِي الحُلَيفَةِ، أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ رَكِبَ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ قائمًا، ثُمَّ يُلَبِّي حَتَّى يَبْلُغَ المَحْرَمَ، ثُمَّ يُمْسِكُ، حَتَّى إِذَا جَاءَ ذَا طُوَّى بَاتَ بِهِ حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ اغْتَسَلَ. وَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بََّفَعَلَ ذلكَ. تَابَعَهُ إِسْماعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ: في الغَسْلِ. [الحديث ١٥٥٣ - أطرافه في: ١٥٥٤، ١٥٧٣، ١٥٧٤]. ١٥٥٤ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيع: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِعِ قالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِذَا أَرَادَ الخُرُوجَ إِلَى مَكّةً أَذَهَنَ بِدُهْنِ لَيْسَ لَهُ رَائحَةٌ طَيْبَةٌ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ الحُلَيفَةِ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَرْكَبُ، وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُّهُ قائمَةً أَحْرَمَ، ثُمَّ قالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَُِّّ يَفْعَلُ. [طرفه في: ١٥٥٣]. ٣٠ - بابُ التَّبِيَةِ إِذَا انْحَدَرَ في الوَادِي ١٥٥٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قالَ: حَدَّثَني ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ (١) قال القاضي أبو بكر بن العربي في ((العارضة)) ص ١٤٤- ج٤: وقد ثبت أن النبي ◌ُّ نحر ثلاثًا وستين بدنة، ساقها بعضهم أنه قصد بها سني عمره، وهي ثلاث وستون، والله أعلم، وما أظنه كذلك، والله أعلم، اهـ . قلت: وهكذا ذكره علي القاري في ((المرقاة))، بل ذكر نحوه في نحر علي أيضًا، فراجعه من قصة حجة الوداع، من حديث جابر الطويل. ١٩٠ كتاب الحج مُجَاهِدٍ قالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ، أَنَّهُ قالَ: ((مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَينَيهِ كافِرٌ)). فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: لَمْ أَسْمَعْهُ، وَلكِنَّهُ قالَ: ((أَمَّا مُوسى: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيهِ، إِذَا انْحَدَرَ في الوَادِي يُلَبِّي)). [الحديث ١٥٥٥ - طرفاه في: ٣٣٥٥، ٥٩١٣]. ١٥٥٥ - قوله: (مكتوب بين عينيه: كافر)، تردد الشيخُ الأكبر في صورة ما يكون بين عيني الدَّجَال، هل هي بصيغة الماضي أو بصيغة اسم الفاعل؟ قلتُ: وفي تلك الرواية دليل الثاني . قوله: (وأما موسى) ... إلخ، والسرُّ فيه أنه عليه الصلاة والسلام لعله لم يحجّ في حياته، وكذا عيسى عليه السلام، ولذا يحجُّ بعد نزوله. وقد ثبت حج أكثر الأنبياء عليهم السلام. ثم تلك الوادي هي: الأزرق. واعلم أنهم اختلفوا في تحقيقِ نسبة الدنيا مع الآخرة، فقيل: كنسبة الروح مع البدن، وليست كنسبة الدرة بالحقة، ولا كنسبة أحد المنفصل بالمنفصل الآخر. وقيل: كنسبة الشجرةِ بالبَذْر، فتنشقُّ الدنيا عن الآخرة، كما ينشقُّ البَذرُ عن الشجرة. وعندي نسبتُها كنسبة الظاهر بالباطن، والغيب إلى الشهادة، فإِذن لا فرق بحسَب العالم والحيِّز، بل باعتبار النظرِ والبصر. فلو قوي البصرُ الآن لرأى الآخرة والنار والجنة، ولكن الأبصارَ عامةٌ ضعيفة، فلا ترى ما يراه حديد البصر. فالأنبياءُ عليهم الصلاة والسلام يرون الجنة والنار في حياتهم أيضًا. أما العوام فسيرونَها بعد الحشر حتى يصير البصرُ حديدًا، قال تعالى: ﴿فَصَرْكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [قَ: ٢٢]. ٣١ - بابٌ كَيفَ تُهِلُّ الحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ أَهَلَّ: تَكَلَّمَ بِهِ، وَاسْتَهْلَلْنَا وَأَهْلَلنَا الهِلَالَ، كُلُّهُ مِنَ الظُّهُورِ، وَاسْتَهَلَّ المَطَرُ: خَرَجَ مِنَ السَّحَابِ. ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣]. وَهُوَ مِنِ اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ. ١٥٥٦ - حدّثنا عبْد اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ: حَدَّثَنَا مالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيرِ، عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجِ النَّبِّ وَّةِ، قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ يَِّ فِي حَجَّةٍ الوَدَاعِ، فَأَهْلَلنَا بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ قالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلِيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ العُمْرَة، ثُمَّ لَاَ يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا)). فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حائِضٌ، وَلَمْ أَطْف بِالبَيتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ فَقَالَ: ((انْقُضِيٍ رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالحَجِّ، وَدَعِي العُمْرَةَ)). فَفَعَلتُ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الحَجَّ، أَرْسَلَنِي النَّبِيُّ ◌َلهَ مَعَ عَبْدٍ الرَّحْمُنِ بْنِ أَبِيٍ بَكْرٍ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرْتُ، فَقَالَ: ((هذِهِ مَكانُ عُمْرَتِكِ)). قالَتْ: فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بَالعُمْرَةِ بِالبَيَتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنَّى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا . [طرفه في: ٢٩٤]. واعلم أنَّ الحُيَّضَ والنُّفَسَاء لسنَ بمحجوراتٍ عن شيء من مناسك الحج غيرَ الطواف، ١٩١ كتاب الحج والسعي. أما الطوافُ، فلكونه في المسجد(١)؛ وأما السعيُ فلكونه مترتبًا عليه، فعليهن أن يغتسلنَ لدفع الأذى، وتحصيلِ النظافة، وتخفيف النجاسة، ثم يفعلن كما يفعل الحاج، غير أنهنَّ لا يَطُفنَ بالبيت. ومن لهُهنا تبين نوع آخر من الغُسل، وهو ما لا يفيدُ الطهارةَ غير النظافة، فلا يُباح لهنَّ بهذا الغُسل مسُ المصحف وغيره. قوله: (وما أهل لغير الله به)، وراجع الفرق بينه وبين قوله: وأهلّ به لغير الله من ((تفسير ابن كثير)». ١٥٥٦ - قوله: (فأهللنا بعمرة)، هذا حال المتمتعين فقط، لا حالُ الجميع. قوله: (انقضي رأسك، وامتشطي، وأهلي بالحج، ودعي العمرة)، قال الشافعية: إن أم المؤمنين عائشة كانت قارنةً، فَوَرَدَ عليهم الامتشاط. فقالوا: إنه محمولٌ على الامتشاط بالتخفيف، بحيث لا يؤدي إلى نقض الأشعار، وكذا أوّلوا قوله: ((ودعي العمرة))، وقالوا: معناه: اتركي أفعال العمرة لا إحرامها. وقال الحنفية: إنها كانت معتمرة، فأمرها النبي ◌َّ حين حاضت أن تخرجَ مِن عمرتها، وتفعل ما يفعلُه الحلال، فأمرها بالامتشاط، فهو صريح في نقض الإِحرام. ومما يدلّك على أن الامتشاط عندهم كان معهودًا للإِحلال، ما أخرجه البخاري عن أبي موسى في الباب التالي، قال: ((فأحللتُ، فأتيت امرأةً من قومي فَمَشَطَتْني)) ... إلخ، فإن كان امتشاطُه للإِحلال، فكذلك امتشاطُ عائشة، وحملُه على غير ذلك تكلُّفٌ بارد. ومما يدل على رفضٍ عمريِّها، أمرُ النبي ◌َّ إياها بعد الفراغ عن الحج، أن تعتمرَ عمرةً أخرى مكان المفروضة. وحملَه الشافعية على أن أمره كان لتطييب خاطرها، وسيجيء الكلام. قوله: (وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة)، وسيجيء ما لَه وما عليه عن قريب. صَلَىاللّه وسلم ٣٢ - بابُ مَنْ أَهَلَّ في زَمَنِ النَِّيِّ ◌ِِّ كَإِهْلَاَلِ النَّبِيِّ قالَهُ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ. ١٥٥٧ - حدّثنا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ جُرَيجِ، قالَ عَطَاءٌ: قالَ جابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَمَرَ النَّبِيُّ ◌ََّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ. وَذَكَرَ قَوْلَ سُرَاقَةً. [الحديث ١٥٥٧ - أطرافه في: ١٥٦٨، ١٥٧٠، ١٦٥١، ١٧٨٥، ٢٥٠٦، ٤٣٥٢، ٧٢٣٠، ٧٣٦٧]. قيدُ(٢) ((في زمن النبي ◌َُّ)) اتفاقيٍّ وليس مَحَطًا للحكم. ومُحصَّلُ كلامه تحقيقُ التعليق في (١) قلت: وهذا على المشهور، وإلا فالمختار عند الشيخ أنَّ المنعَ لفُقدان الطهارة، وهي من واجبات الطواف عندنا. فلو فرضنا جوازَ الطوافِ من خارج المسجد، فالمنعُ لهؤلاء بحالِهِ، فانكشف أن المَنَاطَ هذا لا ذاك. (٢) قال الحافظ: فجاز الإِحرامُ على الإِبهام، لكن لا يلزمُ منه جوازُ تعليقه، إلا على فعلٍ مَنْ يتحقق أن يعرفَه، كما وَقَعَ في حديثي الباب. وأما مطلقُ الإِحرام على الإِبهام فهو جائزٌ، ثم يصرِفُه المحرم كما شاء، لكونه ◌َُّ لم ينه عن ذلك، وهذا قول الجمهور. وعن المالكية: لا يصح الإِحرام على الإِبهام، وهو قول الكوفيين. قال ابن المُنَيِّر: وكأنه مذهب البخاري، لأنه أشار بالترجمة إلى أن ذلك خاصٌّ بذلك الزمن، لأن عليًا، وأبا موسى لم= ١٩٢ كتاب الحج الإِحرام، أي إذا هلَّ كإِهلال فلان هل يصيرُ بذلك مُحرمًا أو لا؟ فنسب النووي إلينا: أنه لا يكون محرمًا عندنا، وهو سهوٌ، فإنَّه يصح عندنا(١)، غيرَ أنه يجبُ عليه أن يعين إحدى العبادتين: الحج، أو العمرة، قبل الدخول في الأفعال. والنووي لم يحقق مذهبَ الحنفية، حتى أظن أنه غَلِطَ في نقل مذهبنا في نحو مائة مسألة. بخلاف الحافظ ابن حجر، فإني لا أذكر خطأه في ذلك إلا في مسألة - من باب الزكاة - وعند الشافعية يصيرُ محرمًا بعين ذلك الإِحرام. فالفرق بيننا وبينهم أنه يصيرُ بالتعليق محرِمًا بأصل الإِحرام عندنا، فله أنْ يُعيِّن قبل الدخول ما شاء، وعندهم يصيرُ محرمًا بعين ذلك الإِحرام. وتمسكوا بإِحرام علي، قلنا: فماذا تقولون في إحرام أبي موسى، فإِنه كان أهلَّ كما أهلَّ به علي، ثم أمره النبي ◌َِّ أن يُحل؟ وأما عليٍّ فإنَّما لم يأمُرْه النبي پ ر به لمكان الهَدْي عنده. ١٥٥٨ - حدّثنا الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الخَلَّالُ الهُذَلِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ: حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ قالَ: سَمِعْتِ مَرْوَان الأَصْفَرَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَدِمَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَلَى النَّبِيِّ وََّ مِنَ الَمَنِ، فَقَالَ: ((بِمَا أَهْلَلتَ؟)) قالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ ◌َِّ، فَقَالَ: ((لَوْلَا أَنَّ مَّعِي الهَدْيَ لأَخْلَلتُ)). وَزَادَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ: قالَ لَهُ النَّبِيُّ ◌َ: ((بِمَا أَهْلَلتَ يَا عَلِيُّ؟)) قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ وَلَّهَ، قَالَ: ((فَأَهْدِّ، وَامْكُتْ حَرَامًا كما أَنْتَ)). ١٥٥٩ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: بَعَثَنِي النِيُّ نَّهَإِلَى قَوْمٍ بِاليَمِّنِ، فَجِئْتُ وَهُوَّ بِالبَطْحَاءِ، فَقَالَ: ((بِمَا أَهْلَلتَ؟)) قُلتُ: أَهْلَلتُ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ وََّ، قَالَ: ((هَل مَعَكَ مِنْ هَدْي؟)) قُلت: لَا، فَأَمَرَنِي فَطُفتُ بِالبَيتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ أَمَرَنِي فَأَحْلَلتُ، فَأَتَيتُ امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِي، فَمَشَطَتْنِي، أَوْ غَسَلَّتْ رِأُسِي. فَقَدِمَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهِ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمامِ، قالَ اللَّهُ: ﴿وَأَنِفُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلِّ ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَإِنْ نَأُخُذْ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ وَّةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَحِلََّ حَتَّى نَحَرَ الهَدْيَ. [الحديث ١٥٥٩ - أطرافه في: ١٥٦٥، ١٧٢٤، ١٧٩٥، ٤٣٤٦، ٤٣٩٧]. يكن عندهما أصلٌ يرجعان إليه في كيفية الإِحرام، فأحالاه على النبي ◌َّ. وأما الآن فقد استقرت الأحكام، وعُرِفت = مراتبُ الإِحرام، فلا يصح ذلك. والله أعلم. وكأنه أخذ الإشارة عن تقييده بزمن النبي بَّ. اهـ. قلت: ففي عبارة الحافظ تصريحٌ بأن مذهبَ الكوفيين عدمُ صحة الإِحرام على الإِبهام، فإن كان المراد منهم أبو حنيفة، ومن تبعه، فهو خلاف الواقع، وإن كان غير هؤلاء، فهو أعلم به . (١) قال الخَطَّابي: وفيه - أي إحرام علي - دليلٌ على أنَّ الإِحرامَ مُبهمًا من غير تعيين، جائزٌ، وأن صاحِبَهُ بالخيار، إن شاء صَرَفه إلى الحج والعمرة معًا، وإن شاء صَرَفه إلى أحدهما دون الآخر. وأنه ليس كالصلاة التي لا تُجزىء إلا بأن يُعيِّن مع العقد والإِحرام. اهـ . ١٩٣ كتاب الحج ١٥٥٨ - قوله: (لولا أن معي الهدي لأحللت) فيه دلالة على أن المانعَ من إحلاله ◌َّ لم يكن إحرامه للقِرَان، كما قلنا، بل كان وجودَ الهَدْي، وهو المنقولُ في عذرٍ عدم إحلاله وَّه عامة. والمناسبُ على نظر الحنفية أن يقول: لولا أني جمعت بين الحج والعمرة لأحللت، فإنَّ المؤثّرَ حقيقةً عندنا هو إحرامُه للقِرَان، فإنَّه لو لم يكن ساق الهَدْي لما أحلَّ أيضًا. والجواب: أنه اعتذرَ بِالسَّوْق، ليتَّضحَ عذرُه لمن لم يكن أهدَى، ليعلموا أنه منَعَه عن الإِحلال الهَذْي، ولا شك أنَّ له مدخلًا أيضًا، وأنه لولاه لوافَقَهم في الحِلِّ(١). ومن لههنا ظهر الجواب عما تمسك به الحنابلة، حيث قالوا: إن النبي وقَّر وإن كان قَارِنًا، لكنه تمنى أنْ لو كان متمتعًا، ولا ريبَ أنَّ الفضلَ يكونُ فيما تمناه، وذلك أنه تمنى التمتعَ ليكون موافِقًا لهم في الإِحرام، فلا يَعسُرُ عليهم الحِلُّ في البَيْنِ، لا لكونه أفضلَ عنده، فقم بالفرقِ بين المقامين، ولا (٢) تعجل(٢) . قوله: (قال عمر: أن نأخذ بكتاب الله، فإنه يأمرنا بالتمام، قال تعالى: ﴿وَأَنْقُوْ اْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ◌ِّهِ﴾) تفرَّق الناسُ في بيان مرادٍ عمر. وتقرير كلامِهِ على آراء. فقال قائل: إنه كان ينهى عن فسخ الحج إلى العمرة، كما هو مذهب الجمهور، فإنَّه كان مخصوصًا بتلك السنة، کما يدل عليه ما رُوي عن أبي ذر، عند مسلم: ((أنه كان خاصًا بذلك العام، ولم يكن للأبد)). وأجاز أحمد لمن بعده أيضًا. وشدد فيه الحافظ ابن تيمية وتلميذه، فاختارا الوجوب، حتى ذَكَر أن الحجَّ ينفسخُ إلى العمرة بمجرد رؤية البيت، أراد أو لم يرد. وهذا كما قال ابن تيمية في شرح قوله وَّه: (إذا أقبل الليل من لههنا، وأدبر النهار من لههنا، فقد أفطر الصائم))، أي حُكمًا من جهة الشرع، سواء أفطرَ أو لم يُفطر، فكذلك الحاجُ إذا دخل مكة شرَّفَها الله تعالى، ووقع بصره على البيت، فقد انفسخَ حجُّه وصار عمرةً. وحينئذٍ فتقريرُ كلامه أن الله تعالى يأمرنا بالتمام، أي بعدم فسخ الحج، على خلاف مذهب أحمد. وهذا هو الذي فهمه أكثر الشارحين وذهب جماعةٌ: منهم النووي، أنه كان يَنهى عن القِرَان والتمتع، (١) قلت: أي مَنَعَه عن الحِلِّ أمران: وأظهرهما السَّوْق، فإنَّه محسوسٌ مُبْصَرٌ. والثاني: إحرامُه للقِرَان، وهو أمر باطني، يعلُمه المُحرم نفسُه لا غيره، فكّرِه أن يحل، وهو يسوق الهَذْي أيضًا، فإنَّه هيئةُ المناقِض فعلَه، فلم يكن يليقُ بشأنه العظیم. (٢) قلت: قال الخَطَّابي: ويحتمل أن يكون معنى قوله: ((لأهللت بعمرة))، أي لتفردت بعمرة، أكون بها متمتعًا، يُطيِّبُ بذلك نفوسَ أصحابه الذين تمتعوا بالعمرة إلى الحج، فتكون دلالته على معنى الجواز، لا على معنى الاختيار: ((معالم السنن))، وقال في شرح قوله وَللر: ((لو استقبلت من أمري ما استدبرت)) ... إلخ: إنما أراد بهذا القول - محرمٌ، ولم يعجبهم أنْ يرغبوا والله أعلم - استطابَة نفوسهم، وذلك أنه كان يشقُّ عليهم أن يُحِلَّوا ورسول الله بأنفسهم عن نفسه، ويتركوا الائتساءَ به، والكونَ معه، على كل حال من أحواله، فقال عند ذلك هذا القول، لئلا يجدوا في أنفسهم من ذلك، وليعلموا أن الأفضلَ لهم ما دَعاهم إليه، وأمرَهم به، وأنه لولا أن السنةَ مَنْ ساقَ الهَذْي أن لا يَحلّ حتى يبلغَ الهَذِي مَحِلَّه، لكان أسوتهم في الإِحلال يُطيِّبُ بذلك نفوسهم، ويحمدُ به صنیعُهم وفعلُهم. اهـ . ١٩٤ كتاب الحج وكان يأمرُهم بالإِفراد، وحينئذٍ فمحظُ الإِتمام النهيُ عن هذين، كأنه رآهما خلافَ الإِتمام. قلتُ: والذي ظَهَر لي أن الأمر ليس كما فهمه الشارحون، ولا كما زعمه النووي، بل أراد عمرُ أنْ لا يصيرَ البيتُ مهجورًا، فإِن في القِرَان والتمتُّع أداءً للنُّسُكين في سفرٍ، سواء تحلل في البين أو لا. وذلك يوجبُ أن لا يتردد الناسُ إليه بخلافهم في الإِفراد، فإنَّه يجبُ عليهم العوْدُ إليه ثانيًا للعمرة، فأحبَّ أن يزارَ البيتُ مرةً بعد أخرى. وحينئذ فتقرير كلامه، حسَبَ مُرَامه، ما ذكره عبد الله بن عمر، عند الطحاوي، قال: ((إتمام العمرة أن تُفْرِدُوها من أشهر الحج، والحج أشهرٌ معلومات، فأخلِصُوا فيهنَّ الحجَّ، واعتمروا فيما سواهُنَّ من الشهور))، فأراد عمر بذلك تمامَ العمرة، لقول الله عز وجل: ﴿وَيِقُواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ اهـ. وعلى هذا، معنى الإِتمامُ أنْ لا يعتمرَ في أشهر الحج، وأن يفصِل بينهما، كما عند الطحاوي عن عمر: ((أَفْصلُوا بين حجكم وعمرتكم. فإنَّه أتمُّ لحجكم، وأتمُّ لعمرته أن يعتمرَ في غير أشهر الحج)) . اهـ . ثم اعلم أن الإِفراد على نوعين: الأول ما هو المشهور. والثاني: ما ذكره محمد في ((موطئه)): وهو الإِفراد في السفرين. ولا ريب أنَّ الثاني أفضلُ من القِرَان، صرح به محمد، ولم يَنْقل فيه خلافًا عن الشيخين، فهو المذهب عندي. أما الخلاف في المفاضلة بين الإِفراد والقِرَان والتمتع، فهو بمعناه المشهور، أما في المعنى الذي ذكرناه، فلا خلاف فيه، وهذا الذي أحبَّهُ عمر، وأراده من إفراد الحج، ولا خلافَ فيه لأحدٍ، كما علمت هذا في نهيه عن القران . بقي نهيُه عن التمتع، فلعله كان مفضولًا عنده، لأنه يوجبُ التحلُّل في البين، مع أن المطلوبَ تمادي الإِحرام. وهذا هو الذي كرهه الصحابة حين أمرهم النبي ◌َّر، أن يتحلَّلوا ويفسخوا حجَّهم إلى العمرة، كما يدل عليه قولهم عند مسلم: ((ومَذَاكِيرُنا تقطر المنيَّ)) أي كيف نتحللُ، ونجامعُ نساءَنا، ونحن على شرف الحج، فأيُّ حلِّ هذا؟ فالكراهة لهذا، لا كما ذكره الشارحون، كما يدل عليه ما عند مسلم، والنسائي فقال عمر: قد علمت أن النبيَّ ◌َّ قد فعله، ولكن كرهتُ أن يظلوا معرِّسين بهنَّ في الأرَاك، ثم يَرُوحوا بالحج تقطُرُ رؤوسهم. وبالجملة: نهيُّه عن التمتع كان لكراهةِ الحِلِّ، وانقطاع الإِحرام، وحينئذٍ فتقريرُ كلامه ﴿وَيْقُوْ اَلْحَجَّ﴾ ... إلخ، أي لا تُحِلوا في البين، فعبّر عن الحل في التمتع بعدم الإِتمام. وصار الحاصل: أن لا تمتعوا، لأنه يوجبُ انقطاعَ الإِحرام المستلزِم لعدم الإِتمام. وتحصل من مجموع الكلام: أن القِرَان والتمتعَ يوجبان تركَ الإِتمام. أما القِرَّانُ فلأن الإِتمامَ عبارةٌ عن إفراد الحج في أشهر الحج، والقرانُ يخالفه. وأما التمتعُ، فلكونه موجِبًا للحل في البين. فإن قلتَ: فلم أمر النبي ◌َّ آلافًا من الصحابة رضي الله تعالى عنهمٍ بالتحلل مع كونه مكروهًا؟ قلتُ: ردًا لأمر الجاهلية، وتشريعُهِ عَمَلًا، وتوكيدُه فعلًا وقولًا، فإنَّه كان أواخِرَ أوانِهِ في الدنيا، فأراد أنْ يجعلَ شعائرَ الجاهليةِ كلَّها تحت قدميه، ويَرى الناسُ عِيَانًا أنَّ التمتعَ جائزٌ ١٩٥ كتاب الحج في أشهر الحج، وليس كما تزعُم العرب: أن العمرةَ فيها من أفجرِ الفجور. ثم استقر اجتهاد عمر رَضي الله تعالى عنه على فضل الإِفراد، كما مر تقريره(١). والذي يفيدُ ثلجَ الصدر في هذا المقام، أن عمر لم يكن ينهى عن القِرَان. ما رواه الطحاوي عن ابن عباس، قال: يقولون: إن عمر رضي الله تعالى عنه نَهى عن المُتعة، قال عمر: لو اعتمرتُ في عام مرتين، ثم حججتُ لجعلتها مع حجَّتي. اهـ. أي لو وقع في نفسي أنْ أعتمرَ عُمرتين، لجعلت إحداها مع حجتي، فأحرمت بالقِرَان، وهذا صريح في كون القِرَان أحبُّ عنده من الإِفراد في سفر. ثم الظاهرُ أن نهي عثمان أيضًا كان من هذا القبيل. ولا نرى به أن يكونَ نهيٌّ عن أمرٍ قد فعله النبي ◌ٍَّ، كيف! وأن عليًا لم يَتَّبِعْه في ذلك، وأبى إلا أنْ يفعلَ ما رآه النبي ◌َّ يفعله(٢). (١) قلت: هذا غايةُ ما فهمتُ بعد تفكيرٍ بالغ، ثم لا أثقُ بنفسي، على أني أدركتُ حقيقةَ المراد، فإنّ أخذتُ ما أخذت من مضبطي، وكان فيها سقطات، ومحوّ وإثبات، فعليك أنْ تحررَ الكلام. والله أعلم. (٢) قلت: وملخص ما دار بينهما من الكلام: أن عثمانَ كان يراهما جائزين، وإنما نَهى عنهما ليُعمل بالأفضل، لكن خشي على أن يَحمِلَ غيره النهيَ على التحريم، فأشاع جوازَ ذلك، وكل منهما مجتهدٌ، مأجورٌ. انتهى ما قاله الحافظ ملخصًا . قلتُ: نعم، ذلك هو الظن بعثمان، غير أني لم أر أحدًا منهم أتى عليه برواية، كما أتوا به في قصة عمر، فجلَّ الخطبُ لذلك. وجزى الله تعالى عنا علامة العصر الشيخ شَبيِّر أحمد دام ظله، وقد جزى، حيث أبرزَ لنا روايةٌ واضحةً في ذلك، فلم يترك موضعَ رَيبٍ لمرتابٍ، ووضَّح الأمرَ بعدها على جليته . قال الحافظ ابن القيم في ((إعلام الموقعين)): والصواب - إعلام الموفقين - المطبوع مع كتاب ((حادي الأرواح)): قال محمد بن إسحاق: حدثني يحيى بن عبَّاد عن عبيد الله بن الزبير، قال: إنا والله مع عثمان بن عفان بالجُخفة إذ قال عثمان - وذُكِرَ له التمتع بالعمرةِ إلى الحج -: ((أتموا الحج، وأخلصوه في أشهر الحج، فلو أخرتُم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيت زورتين، كان أفضل، فإنَّ الله قد أوسع في الخير))، فقال له علي: «عمدتَ إلى سنة رسول الله ◌َّةٍ ، ورخصةٍ رخّص الله بها في كتابه تضيّقُ عليهم فيها، وتنهى عنها))، وكانت لذي الحاجة، والنائي الدار، ثم أهل عليٍّ بعمرة وحج معًا، فأقبل عثمان بن عفان على الناس، فقال: أَنهيتَ عنها؟ إني لم أنه عنها، إنما كان رأيًا أشرتُ به، فمن شاء أخذه، ومن شاء تركه. قلت: الآن انبلج الفجرُ لكلٍ ذي عينين، وتحقق أنه لم يُرد في ذلك غير ما أراده عمر، بل تبعه فيه. وقد ذكر الحافظ في باب من لبى بالحج وسماه: أن عمرَ هو أول من نَهَى عنه، وكان مَنْ بعدَه كان تابعًا له في ذلك. ففي مسلم أيضًا أنَّ ابن الزبير كان ينهى عنها، وابن عباس يأمر بها، فسألوا جابرًا، فأشار إلى أنَّ أولَ من نهى عنها عمر . قلت: ورواية ((الإِعلام)) فيه عبيد الله بن الزبير، والظاهرُ أنه عبد الله بن الزبير، ولعله تعلم النهيَ عن عثمان، كما مر قصته معه. وهكذا وجدناه في نسخة الشيخ العلامة المذكور مصححًا عبد الله بن الزبير، ولمّا علمتَ من مداركٍ الخلفاءِ، فانظر إلى مقالة محمد، حيث استحب الإِفراد في سفرين، وجعله أفضلَ المناسك، وحينئذ لا تملك نفسكَ إلا أنْ تُجريَ لسانكَ بأنه كان رجلًا يملأُ العينَ والقلب، قاله الشافعي فيه. ويؤيد ما ذكره ابن القيم في ((الإعلام)) ما أخرجه الحافظ عن النسائي عن سعيد بن المُسيَّب بلفظ: ((نهى عثمان عن التمتع))، وزاد فيه: ((فلبَّى عليٍّ وأصحابهُ بالعمرة، فلم ينههم عثمان»، فقال له علي: ((ألم تسمع رسول الله مَالية: تمتع)»؟ قال: ((بلى))، ففيه دليل على أنَّ نهيَه لم يكن تحريمًا، بل كان مشورةً لهم. وحمله السُّنْدِي على الرجوع، ولیس بجید . = ١٩٦ كتاب الحج ثم اعلم أنَّ العمرةَ عندنا سنةٌ في المشهور (١)، وفي قول: واجبةٌ. ويردُ على الأول أنَّ النصَّ لم يفرق بين الحج والعمرة، وأمر بإِتمامهما. وأجيبَ أنَّ المأمور به الإِتمامُ بعد الشروع، ولا خلاف فيه، فإنَّها تجبُ عندنا بعد الشروع مطلقًا، وهو حكم سائر التطوعات. ٣٣ - بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَ الْحَجّ فَلَ رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا حِدَالَ فِىِ الْحَيْ﴾ [البقرة: ١٩٧] ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيْثُ لِلنَّاسِ وَالْحَجّ﴾ [البقرة: ١٨٩]. وَقالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَشْهُرُ الَحِجِّ: شَوَّالٌ، وَذُو القَعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الحجَّةِ. وَقالَ ابْنُ عَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يُحْرِمَ بِالحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَكَرِهَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمانَ. ثم وجدت مثله عند الخَطَّابي في ((معالمه))، قال: قد رُوي عن عمر أنه قال: ((أُفْصُلوا بين الحج والعمرة، فإِنه أتمُّ لحجكم وعمرتكم))، ويُشبه أن يكون ذلك على معنى الإِرشاد، وتحرِّي الأجر، ليكثرَ السعيُ والعمل، ويتكرز القصدُ إلى البيت. كما رُوي عن عثمان أنه سُئل عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال: ((إنَّ أتمَّ الحج والعمرة أن لا يكونا في أشهر الحج، فلو أفردتم هذه العمرة حتى تزوروا هذا البيت زورتين، كان أفضل». قلت: ومن ههنا فليعتبر المُعتَبِرِ أن دَرْك مذاهب الصحابة ليس بهينٍ، وذلك لكون أكثرِها تنقلُ مجملةٌ، فيبقى الأمرُ فيها على الإِبهام، نعم، من اتصلَ به العملُ، وتناوله الناسُ، وتَدَاوَلوه، وفَحَصُوه، ونقَّحوه، يظهرُ حال مذهبِهِ لهذه المُمارسة، ألا ترى أن ابن عباس نُسب إليه جوازُ متعة النكاح، حتى صار في الأشعار، والأمثال! فإذا فُتِّشَ عنه ظهرَ خلافُه، وإن كان بقي فيه بعضُ تفردٍ بعدُ، فإنَّه قال: إنه كالميتة للمضطر، ولا اضطرارَ فيه عند غيره، فإِنَّ له أن يصومَ والصومُ له وِجَاءٌ. وکنسبة عدم جوازِ التيمم للجُنُب إلى ابن مسعود، وعمر كشفه مناظرته مع أبي موسى، ولا يُبعدُ أن يكونَ من هذا الباب نِسَبة التطبيق إليه. وكذا ما نُسب إليه في الموقف مع الإِمام، ولا غَرْو أن يكونَ ما نُسب إلى أبي ذرٍ في تعريف الكنز من هذا القبيل. وبالجملة رأينا عمرَ، وعثمان قد تفردا في النهي عن التمتع، ثم إذا حققنا الحال، علمنا أنهما لم يتفردا في شيء، غير أنهما أشارا بالناس ما رأيا فيه نصحًا لهم، وفي ذلك عبرةٌ لأولي الأبصار، فينبغي لمن كان فيه خير أن لا يتبادر في الطعن على الصحابة بنسبتهم إلى التفرّدٍ، والشذوذ بمجرد ظنه، وخَرْصِه، ولو لم يظهر له أمرٌ لوجَبَ عليه أن يتوقّفَ فيه، حتى يظهرَ حالُه. إنما أريدَ به الردّ على من جعلوا يعدِّدون تفردات ابن مسعود، لأنهم رأوه لم يوافقهم فيما اختاروه، هيهات هيهات، فعليهم إما أن يقلدوه، أو يتركوه على أُسوَيِّهِ من النبي ◌ََّ، ليتبعه مَنْ شاء الله أن يتبعه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وإنما أطنبتُ فيه الكلام، لتحفظه كالضابِطَةِ، ولتكون على ذكرٍ منه، عند نقل مذهب السلف. والله تعالى أعلم. (١) قال العلامة المارديني: إتمامُ الشيءِ إنما يكونُ بعد الدخول فيه. وعند خصومهِ إذا دخل فيهما، وجبا. وفي ((الاستذكار) ورُوي عن ابن مسعود قال: ((الحجُّ فريضةٌ، والعمرةُ تطوعٌ)). وهو قول الشَّعْبي، وأبي حنيفة، وأصحابه، وأبي ثور، وداود. ومعنى الآية عندهم وجوب إتمامهما على مَنْ دخلَ فيهما، ولا يقال: أتم إلا لمن دخل في العمل. ويدل على صحة هذا التأويل، الإِجماعُ على أنَّ مَنْ دخل في حجةٍ أو عمرةٍ مفترضًا أو متطوعًا، ثم أفسد، أنه يجبُ عليه إتمامهما، ثم القضاء. وهذا الإِجماعُ أولى بتأويل الآية، ممن ذهب إلى إيجاب العمرة. اهـ. ((الجوهر النقي)). ١٩٧ كتاب الحج هذا الباب في الميقاتِ الزماني، كما أن الباب السابق كان في الميقات المكاني. وهي عند فقهائنا: شوال، وذو القَعدة، وعشرُ ليالٍ من ذي الحجة. فمن وقفَ ليلةَ النحرِ بعرفة، فقد أدرك الحجّ ومن فات عنه الوقوف من تلك الليلة أيضًا، فقد فات عنه الحج، ولذا قال تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَ الْحَجَّ﴾، ولم يقل: فمن حج فيهن، فإنَّ افتراضَ الحجِّ يتعلق بهنَّ فقط، وإن كان بعضُ المناسكِ، كالرمي وغيره، بعد تلك العشر أيضًا. والمراد من العشرةِ عند الشافعية عشرةُ أيام. وقد مر أنَّ المرادَ عندنا الليالي. وأما عند مالك، فذو الحِجة بتمامها، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿أَشْهُرٌ مَّعْلُومَتٌ﴾ فإنه أقلُّ الجمع، ولعله أخَذَها بتمامِهَا لكون الأضحية تصحُّ عندَه، إلى آخر الشهر. فلمّا بقيَ بعضُ أحكامِهِ إلى آخر الشهر، اعتبر كلَّ الشهر من أشهر الحج. قيل في توجيه الجمع على مذهب الجمهور: إن معناه الحج في أشهرٍ معلوماتٍ، فلم يقتض الاستيعابَ فرقًا بين حذف ((في))، وذكرها، كما ذكروه في قوله: أنت طالقٌ غدًا، وفي غدٍ. ثم إن قول ابن عمر: عشر من ذي الحجة، بدون التاء، يوافقنا. ولو كان المراد به الأيام لأتى بالتاء، قال تعالى: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةً أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧] ثم إن الرَّفَثَ والفسوقَ، وإن كان ممنوعًا في سائر الأيام، غير أنه في تلك الأيام أشد، كذا في ((المدارك)). قوله: (وقال ابن عباس) من السنة أن لا يُحرِم بالحج إلا في أشهر الحج، وهي مسألة كراهية تقديم الإِحرام على الميقات الزماني. قوله: (وكره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان) ... إلخ، وقِصَّتُه أنَّ عامِلَه كان نذر لئنْ فتحَ اللهُ عليه كَرْمان ليحجنَّ إلى بيت الله محرِمًا، ففتح اللهُ تعالى له فأوفى بنذره، وأحرم من كرمان، فَعَاب ذلك عثمان، وقال: ((إنك جاهدت في سبيل الله وغزوت، ثم صَغَّرْت أمر الحج))، ومراده أنك أحرمتَ من بُعدٍ بعيد، وما خشيت الجنايات في الحج. وحينئذٍ تبين لي أن نهيَه إنما كان من أجل مخافة الجنايات، وراجع ((الأسماء والكنى)) للدُّولابي(١). وحرر ابن أمير الحاج أنَّ التمتعَ قد يفضُلُ القِرَان بالعوارضِ، كما في هذه القِصة، فإنَّ المتمتعَ يُحِلُّ بعد العمرة، فيأمنَ عن الجِنَايات، بخلاف القارن، فإنَّه لتمادي إحرامه لا يأمنُ عنها. والاحترازُ من الجناياتِ أحبُّ من التمادي في الإِحرام. (١) قلت: أما قصته فقد أخرَجها الحافظ من ((تاريخ مرو))، قال: لما فتحَ عبدُ الله بن عامر خُراسان، قال: لأجعلن شكري لله أنْ أخرجَ من موضعي هذا محرمًا، فأحرم من نيسابور، فلما قَدِمَ على عثمان لامه على ما صَنَعَ. وأخرجها عن عبد الرزاق، قال: أحرم عبد الله بن عامر من خُرَاسان، فقدِمَ على عثمان فلامَهُ، وقال: ((غزوتَ وهانَ عليك نُسُكك)). وقد كشفَ الشيخ ما المرادُ من هَوانِ الحج. وأما مناسبةُ هذا الأثر، فقال الحافظ: إنَّ بين خُرَاسان ومكة أكثرُ من مسافة أشهُرِ الحج، فيستلزمُ أن يكونَ أحرمَ في غير أشهر الحج، فكرِه ذلك عثمان، وإلا فظاهره يتعلَّقُ بكراهة الإِحرام قبل الميقات، فيكونُ من متعلّق الميقات المكاني لا الزماني. هذا ما عند الحافظ، أما عند الشيخ فقد علمت أنه لا يتعلق بمسألة الميقات مطلقًا، وإنْ كان فباعتبارٍ لزوم الچِنَايَات. ١٩٨ كتاب الحج ١٥٦٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ قالَ: حَدَّثَنِي أَبُوِ بَكْرِ الحَنَفِيُّ: حَدَّثَنَا أَفَلَحُ بْنُ حُمَيدٍ: سَمِعْتُ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ فِي أَشْهُرِ الحَجّ، وَلَيَالِي الحَجِّ، وَحُرُمِ الحَجِّ، فَنَزَلْنَا بِسَرِفَ، قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: ((مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌّ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا غُمْرَةً فَلْيَفعَل، وَمَنْ كانَ مَعَهُ الهَدْيُ فَلَا)). قالَتْ: فالآخِذُ بِهَا وَالتَّارِكُ لَهَا مِنْ أَصْحَابِهِ، قالَتْ: فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّه وَرِجالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَكَانُوا أَهْلَّ قُوَّةٍ، وَكَانَ مَعَهُمُ الهَدْيُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى العُمْرَةِ، قالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ بَ لهِ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: ((ما يُبْكِيكِ يا هَنْتَاهُ؟)) قُلتُ: سَمِعْتُ قَوْلَكَ لأَصْحَابِكَ، فَمُنِعْتُ العُمْرةَ، قالَ: ((وَمَا شَأُنُكِ؟)) قُلت: لَا أُصَلِّي، قَالَ: ((فَلَا يَضِيرُكِ، إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنَ بَنَاتٍ آدَمَ، كَتَبَ اللَّهُ عَلَيكِ ما كَتَبَ عَلَيهِنَّ، فَكونِي في حَجَّتِكِ، فَعَسى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا)). قالَتْ: فَخَرَجْنَا في حَجَّتِهِ حَتَّى قَدِمْنَا مِنَّى، فَطَهَرْتُ، ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ مِنْى، فَأَفَضْتُ بِالبَيتِ، قالَتْ: ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ في النَّفر الآخِرِ، حَتَّى نَزَلَ المُحَصَّبِ، وَنَزَلْنَا مَعَهُ، فَدَعا عَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: ((اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنَ الحَرَمِ، فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ افرُغا، ثُمَّ ائِيَا هَا هُنَا،َ فَإِنِّي أَنْظُرُكُمَا حَتَّى تَأْتِيَانِي)). قالَتْ: فَخَرَجْنَاً، حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ، وَفَرَغْتُ مِنَ الطَّوَافِ، ثُمَّ جِثْتُهُ بِسَحَر، فَقَالَ: ((هَلَ فَرَغْتُمْ؟)) فَقُلتُ: نَعَمْ، فَأَذَنَ بِالرَّحِيِل في أَصحَابِهِ، فَارْتَحَلَ النَّاسُ، فَمَرَّ مُتَوَجِّهَا إِلَى المَدِينَةِ. ضَيْرَ: مِنْ ضَارَ يَضِيرُ ضَيْرًا، وَيُقَالُ: ضَارَ يَضورُ ضَوْرًا، وَضَرَّ يَضُرُّ ضَرًّا. [طرفه في: ٢٩٤]. ١٥٦٠ - قوله: (فنزلنا بسرف، قالت: فخرج إلى أصحابه، فقال: ((من لم يكن منكم معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل))) ... إلخ، وقد كان النبي ◌َّله خيَّرهم في أول أمرٍهم، ثم أمرَهم ثانيًا قبل شروعهم في الأفعال حين بلغَ مكةَ شرَّفها الله تعالى، فلم يعمل به أحدٌ منهم، فلما رآهم امتنعوا عنه غَضِبَ عليهم، وعزمَ عليهم حين صعد المروةَ. وإنما غضبَ عليهم لأنهم أَبَوا أن يأتوا بما كان أمرَهم به، وتنزَّهُوا عن رخصتِهِ. وفي مثله وردَ الغضبُ. كما وقع في بعض من أرادوا أن يمتنِعُوا عن النكاح، ويخرجوا إلى الصُّعُدات، فقال لهم: (أنا أخشاكم لله وأتقاكم))، وكما غضب على من صام في السفر، فقال: ((ليس من البر الصيام في السفر))، وكما غَضبَ على أمهاتِ المؤمنين في الاعتكاف، حين رأى خيمتين في المسجد، فقال: ((آلْبِرَّ تُرِدْنَ؟!)). فقد يحل الغضب على ترك الرخصةِ أيضًا، فإنْ قلتُ: كيف يلتئم قوله في هذه الرواية: ((فالآخذ بها والتارك لها))، مع ما ورد في بعض الروايات: ((لم يعمل به أحد)»؟ قلتَ: كانت تلك معاملة ألوفٍ من الصحابة، وفي مثلها تأتي الاعتبارات كلها . قوله: (فلم يقدروا على العمرة) أراد بها العمرةَ المنفصلةَ عن الحج، بحيث يتخلل الحِلُّ بينهما، وإلا فلا ريبَ أنَّ القارنين كلهم قد أتوا بأفعال العمرة. وتوضيحه: أنَّ الرواة إنما يعتدون بالعمرة التي يعقُّبُها الحل، وما لا حلَّ بعدها لا يعبرونَ عنها بالعمرة، لكونها غير معتذَّةٍ عندهم، وذلك لأن العمرة إذا صادَفها الحلُّ تميزت عن الحج ١٩٩ كتاب الحج حِسًا، بخلاف ما إذا لم يصادفها حِلٌّ، فإنَّها لا تتميزُ عنه كذلك، وإن كانت معتبرةً عند الفقهاء، فإنها إذا تميزت عن الحج بحلٌّ، لم يسع لهم إخمالها، وإذا لم تتميز جاز لهم أن يغمِضُوا عنها في العبارة، وهو الملحَظُ في قولهم: ((إنهم طافوا طوافًا واحدًا))، لأن طوافَهم للعمرة إذا لم يتميز عن طوافِهم للحج بحلِّ في البيْنِ، لقُوهما في عبارة واحدة، وعبَّرُوا عنهما بطوافٍ واحد. وقد مر غير مرة أن الرواةَ يعتبرون بالْحِسِّ، ولا بحثَ لهم عن الأنظار المعنوية، على عكس أنظارِ الفقهاء، فإنَّ موضوعَهم كشفُ الملاحظ. قوله: (فمنعت العمرة)، قد علمتَ الخلافَ بيننا وبين الشافعي في إحرام عائشة، فإنَّها كانت معتمرةً عندنا، وقارنةً عندهم، وأنها كانت رفضتْ عمرتُها عندنا، ولم ترفض عندهم. ويؤيدنا اللفظ المذكور، وكذا قوله رَّ لها: ((كوني في حجتك)) ... إلخ، وقوله ◌َُّ: ((عسى الله أن يرزقكيها»، وقوله: ((هذه مكان عمرتك))، وقوله: ((وهي عمرتك وانفضي رأسك، وامتشطي))، وكذلك قول عائشة: ((لم أطف بين الصفا والمروة))، تشكو حُزنها وبثَّها إلى رسول الله وَّر، وكذلك قولها: ((يرجع الناسُ بحجةٍ وعمرةٍ، وأرجع بعمرة فقط)) !! ففي كلها آياتٍ بيناتٌ، على أنها لم تأت بأفعال العمرةٍ، ولكنها أفردتْ بالحج، ثم أتت بالعمرة قضاءً مما كانت رفضتها، وأنَّ طوافها للحج لم يُحسَبْ عن طوافها للعمرة. فإن قلنا: إنها كانت قارنةً، وأن طوافها للحجِّ حُسِبَ عن طوافِها للعمرة، كما يقول الشافعي بتداخل العمرة في الحج، لما كان لهذه الأقوال معنىٌ صحيحٌ . فالعجبُ أنَّها تبكي، وتشكو بثَّها، وتُظهِرُ جَزَعها لعدم عمرتِها، وتضطربُ لفواتها، ثم لا يقول لها النبي ◌َّ: ما هذا الاضطراب، وما هذه الشكوى، فإنَّ عمرتَك قد أديت في الحج، مع أنها ألحت عليه ثلاث مرار في سَرِفٍ، وفي مكة قبل الطواف، وفيها بعد الحجِّ عند العزمِ بالرجوع، ومع ذلك لم يُعْلمها النبيُّ رَّةُ أنَّ القارنَ لا يحتاج إلى الاعتمار مستقلًا . ثم العجب من مثلٍ عائشة رضي الله عنها، أنها اضطربت لأمرٍ لم يفعلْه النبي ◌َّ أيضًا، وإنما كان هذا محلُّ افتخارٍ وابتهاج، أنها وافقت النبيَّ ◌َُّ في الأفعال، فإنْ لم يكن النبي ◌َّ طاف لهما طوافين، ولم يسع سعيين، فعلى أي أمرٍ كانت تتحسَّر؟ أعلى أمرٍ لم يفعله رسول الله وَّ؟! فدل على أنَّها كانت ترى الناس فائزين بالطوافين، كما نطقت به أيضًا، حيث قالت: ((يرجع الناس بحجةٍ وعمرة)» ... إلخ، ونفسها خائبة عن إدراك طواف العمرة، فتحسرت لذلك. (١) قال العلامة المارديني: وقول عائشة: ((ترجع صواحبي بحج وعمرة، وأرجع أنا بالحج))، صريح في رفضٍ العمرة، إذ لو أدخلت الحجَّ على العمرة لكانت هي وغيرها في ذلك سَوَاء، ولما احتاجت إلى عُمرة أخرى بعد العمرة والحج اللذين فعلتهما. وقوله ◌َّه عن عمرتها الأخيرة: ((هذه مكان عمرتك، صريح في أنها خرجت من عُمرتها الأولى، ورفضتْها، إذ لا تكون الثانية مكان الأولى إلا والأولى مفقودة. وفي بعض الروايات: ((هذه قضاء عن عمرتك)). وسيأتي في باب العمرة قبل الحج ما يقوي ذلك. وقال القُدُوري في ((التجريد)»: ما ملخصه: قال الشافعي: لا يعرفُ في الشرع رفضُ العمرة بالحيض. قلنا: ما رفضتها بالحيض، ولكن تعذرت أفعالها، وكانت ترفضها بالوقوف، فأمرها بتعجيل الرفض. اهـ. ((الجوهر النقي)). ٢٠٠ كتاب الحج ولأجلِ ذلك أمرَها النبيُّ ◌ََّ بعد الحج أن تعتمرَ من التَّنْعِيم، تلافيًا لما فاتها، وجبرًا الانكسارها، ولو كان المقصودُ منه تطييبُ خَاطِرِها فقط، لما احتاج إلى هذا التطويل، واكتفى بتعليم المسألة إياها فقط، أو بإخبارها عن نفسه أنه لم يؤد أفعالها مستقلة أيضًا. ولو أخبَرَها أنه لم يَطَف للعمرة أيضًا، كما أنها لم تطف لها لطابتْ نفسًا، ولآثرت موافقتها إيَّاه في الأفعال على ألف عمرة، ولم يرفع إليها رأسًا أصلًا، فهذه قرائن أو دلائل على أنها كانت مفردةً قطعًا، ولم تكن قارنةً إن شاء الله تعالى. ٣٤ - بابُ التَّمَتُّعِ وَالإِقْرَانِ وَالإِفرَادِ بِالحَجِّ، وَفَسْخِ الحِجِّ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ ١٥٦١ - حدّثنا عُثْمانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عائشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ نَّ وَلَا نُرَى إِلَّا أَنَّهُ الحَجُّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا بِالبَيتِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ بَّهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقُ الهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ، فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الهَدْيَ، وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ فَأَحْلَلنَ، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فحِضْتُ، فَلَمْ أَطف بِالبَيتِ، فَلَمَّا كانَتْ لَيلَةُ الحَصْبَةِ، قالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَرْجِعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجَّةٍ؟ قالَ: ((وَمَا طُفتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكَّةَ؟)) قُلتُ: لَا، قالَ: ((فَاذْهِبِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ مَوْعِدُكِ كَذَا وَكَذَا)). قالَتْ صَفِيَّةُ: ما أُرَانِي إِلَّ حابسَتَهُمْ، قَالَ: ((عَقْرَىَّ حَلقَى، أَوَمَا ◌ُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟)) قالَتْ: قُلتُ: بَلَى، قالَ: ((لَا بَأْسَ انْفِرِي)). قالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فَلَفِيَنِي النَّبِيُّ ◌ِِّ، وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكَّةَ وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا، أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ وَهُوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا. [طرفه في: ٢٩٤]. أحال الفصل على الناظرين. ١٥٦١ - قوله: (لا نرى إلا الحج)، مع أنها قالت من قبل: ((خرجنا مع النبي وَلّ حَجَّة الوداع، فأهللنا بعمرة، كما مر في: باب كيف تهل الحائض، وكلاهما صحيحان. فإنها كانت تريدُ الحجَّ بعد العمرة، أو قولُها: ((لا نرى إلا الحج))، بيانٌ لحالهم إلى ذي الحُلَيفة، فإذا بلغوا ذا الحُلَيفة افترقوا على أحوال. على أنَّ الحصر فيه بالنسبة إلى الأفعال الأخر، لا بالنسبة إلى التمتع والقِرَان، أي ما كنا نريد الدنيا وزينَتَها، إنَّما كنا نريدُ الحج، لأنَ الموسم كان له، وهذا عرفٌ جيد (١)، وهو العرفُ في الهند، فإنَّ الناس إذا خرجوا لزيارة البيت لا يقولون إلا: إنا نريد الحج، وإن كانت من نيتهم العمرة، أو القِرَان، أو الإِفراد، فكأن الحج عندهم في مرتبة المقْسَم، والتمتع وغيره من أقسامه. أو لكونه متبُوعًا، والعمرة تابعة له. (١) يقول العبد الضعيف: ويشهد له ما أخرجه أبو داود في: باب إفراد الحج من حديث جابر: ((فأهللنا مع رسول الله نَّلهم بالحج خالصًا لا يخالِطُه شيء)).