Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
كتاب الزّكاة
حَوَّتْهَاَ أيدينا، وَوَجبَ فيها الخُمُس، لزمَ أن يجبَ الخُمُس فيما خلق فيها أيضًا، لأنها غنيمةٌ بما
فيها، فالمناط مشتركٌ. هذا هو نظرُ الحنفية.
أما الشافعية ففرَّقُوا بينهما مع تسليم المناط، بأن الدَّفينَة تكونُ من جِهتهم، فيكونُ حكمُها
حكم سائر أموالهم من وجوب الخُمُس فيها، بخلاف المَعْدِن، فإنَّه ليس من جهتهم، بل مخلوقٌ
من الله تعالى، فكأن المناط لم يتحقق فيه عندهم. وعندنا تحقق في الموضعين، فوجب الخُمُس
مطلقًا، فلا فرق في تحقيق المناط، بل في تحقّقِه.
قوله: (وأخذ عمر بن عبد العزيز) ... إلخ؛ وهذا مُوَافقٌ للشافعية، فإنَّه لم يأخذ منه
الخُمُس .
قوله: (وقال الحسن) ... إلخ، وهذا أقربُ إلى الحنفية، لأنه أوجبَ الخُمُس في الرِّكَاز
مطلقًا، وما فرق به يوجب الخمسَ في مَعْدِن دار الإِسلام أيضًا. فإنَّ الأراضي لتقادم العهد
بالكفر كانت للكافرين، ثم تحولت إلى مِلك المسلمين، فحكمُها يكون كحكم الغنيمةِ، وإنْ وُجدَ
فيها المَعْدِن في دار الإِسلام.
قوله: (فعرفها سنة) ... إلخ، أي إن ظن أن مالكَه مؤمنٌ. والحاصل أن الحسنَ لم يفرِّق
بين ما يوجد في ظاهر الأرض، وما يوجد في باطنه، كما هو المذهب عندنا .
قوله: (وقال بعض الناس) ... إلخ، واعلم أن هذا أول موضع استعمل المصنف فيه هذا
اللفظ، ولم يرد به أبا حنيفة في جميع المواضع، كما زعم، وإن كان المراد ههنا هو الإِمام
الهُمَام، بل المراد في بعضها: عيسى بن أبان، وفي بعضٍ آخر الشافعي نفسه، وفي آخر محمد.
ثم لا يستعمله المصنف للرد دائمًا، بل رأيته قد يقول: بعض الناس، ثم يختاره، وقد يتردد فيه.
وذكر المصنف في ((كتابه)) مالكًا باسمه، وكذا الشافعي، فإن المراد بابن إدريس ههنا هو
الشافعي. ولم يسمّ أحمد إلا في موضعين، وابن مَعِين في موضع .
وحاصل إيراده أن أبا حنيفة استدل على مذهبه بالاستعمال اللغوي، فإنَّه يقال: أركَزَ
المعدن فثبت منه إطلاق الرِّكَاز على المَعْدِن لغةً. وإذا ثبت كون المعدن ركازًا باللغة ثبت وجوبُ
الخُمُس فيه بالنص، لقوله مَّر: ((وفي الركاز الخمس)). قال البخاري: ولو سلمناه لزمَ أن يجبَ
الخُمُس في المالِ الموهوب والثمار والربح أيضًا بعين هذا البيان، فإنَّ الرجلَ إذا وهب مالًا أو
ربح فيه أو كثرت ثماره، يقال له: أرْكَزت، فأُطلق فيه الرِّكَاز على المال المذكور أيضًا، ولم
يذهب أحد إلى وجوب الخُمُس في المال المذكور.
وأما تقرير المناقضة، فبأنه قال هذا البعض أولًا: إن الخُمُس واجبٌ في المَعْدِن، لأنه
رِكاز، وفي الرِّكَاز الخُمُس، ثم قال: لا يؤدي الخُمُس من الرِّكَاز، ولا بأس بكتمانه. والرِّكَاز
عنده متناوِلٌ للمعدن، فصار مآله، إلا أنه لا يؤدي الخمس من المعدن.

١٦٢
كتاب الزّكاة
قلتُ: وقد أجاب عنه العيني، فراجعه(١)؛ وأجاب ابن بَطَّال عن المناقضة: إن الذي أجازه
أبو حنيفة كتمانه فيما إذا كان محتاجًا إليه، وتأوَّل أنَّ له حقًّا في بيت المال، ونصيبًا في الفيء،
فأجاز له أن يأخذ الخُمُس لنفسه عِوضًا عن ذلك، لا أنه أسقط الخمس عن المعدن بعد ما
أوجبه .
وقال الطحاوي(٢): إن الواحد إن زعم أنه من مُستحقِّي الخُمُس، وإن رَفَعَه إلى بيت المال
لا يُعطى منه، وَسِعَ له أن يصرفه إلى نفسه، وكذا في فقه الحنفية: إن المال الذي يُرفع إلى بيت
المال إذا تعين له المصرفُ، وقد علم أنه لا يُصرفُ إليه، وَسِع له كِتمانه، وصرفُه إليه بنفسه،
فليس هذا مناقضة. بل نقل جزء من باب إلى باب آخر. وقد مر مني أنه يجوزُ للمجتهد، فإِن
الجزءَ الواحدَ قد يندرجُ تحت أبوابٍ شتى، فيدرِجُه المجتهد تحتَ باب منها باجتهاده.
ولنا حديث أخرجه أبو يوسف في ((كتاب الخَرَاجِ)) إلا أن في سندِه عبد الله بن سعيد
المقْبُري، وهو ينسب إلى الضَّعْف. وأيضًا أخرج محمد في ((الموطأ)) وفيه: فتلك المعادن إلى
اليوم لا تؤخذ منها إلا الزكاة. قال محمد :... قال ◌َل﴾: ((وفي الركاز الخمس، قيل: يا
رسول الله، وما الرِّكَاز؟ قال: المال الذي خلق الله يوم خلقها)) ... إلخ. ففسر فيه الركاز
بالمعدن، ((وفي الركاز الخمس)) بالنص، فثبت الخمس في المعدن أيضًا. ولنا أيضًا ما عند أبي
داود: في كتاب اللقطة عن عبد الله بن عمرو بن العاص في حديث: ((وما كان في الخَرَاب،
يعني وفيها وفي الرِّكَاز الخُمُس)). انتهى. حيث أوجب فيه الخمس في ظاهرها وباطنها،
والمسألة عندي من باب التفقُّه، والنص المذكور فيها ليس نصًا لأحد من الطرفين (٣).
(١) ومُلخّصُه أنه لم يستدل أبو حنيفة، ولا أحدٌ من أصحابه بالاستدلال المذكور، فهو إذن من باب بناءِ الفاسد على
الفاسد، ولو سلمناه فلم نجد أحدًا من أصحاب اللغة قالوا: أركزت، في الصور المذكورة. ولكنهم قالوا: أَرْكَز
الرجُلُ، أي صار ذا رِكاز من قطع الذهب، ولا يقال إلا بهذا القيد، أعني من قطع الذهب، ولا يقال: أَرْكَز
الرجلُ مطلقًا، كما نقله.
وبالجملة لم ينقل عنهم: أَرْكَزِ المَعْدِن، وإنما قالوا: أركز الرجل، ثم لم يريدوا منه إلا كونه صار له ركاز من قطع
الذهب، وقطع الذهب يعم المعدن، فلا إيراد علينا. وراجع التفصيل من ((العيني)) ص ٤٥٤ - ج٤.
(٢) ولفظه على ما نقله الحافظ عن ابن بَطَّال: وإنما أجاز له أبو حنيفة أن يكتُمَه إذا كان محتاجًا، بمعنى أن يتأول أن
له حقًّا في بيت المال، ونصيبًا في الفيء، فأجاز له أن يأخذَ الخُمُس لنفسه عِوضًا عن ذلك، لا أنه أسقط الخمس
عن المَعْدِن. اهـ. وتعقب عليه الحافظ. وأراد الانتصار للبخاري. فراجعه من ((فتح الباري)) ص ٢٣٤- ج٣،
وأجاب عنه ((العيني)) ص ٤٥٤- ج٤.
(٣) قلت: قال أبو عُبيد القاسم بن سلام في ((كتاب الأموال)) ص ٣٤٠ بعد ما أطال الكلام في المسألة: إن قول
الحنفية هو الأشبه بالصواب، وهذا نصه: وأما الآخرون فيرون المَعْدِن رِكَازًا ويجعلون فيه الخُمُس بمنزلة المغْنَم.
قال أبو عُبيد: وهذا القولُ أشبهُ عندي بتأويل الحديثِ المرفوع الذي ذكرناه عن عبد الله بن عمرو: ((أن النبيَّ ◌َِّة.
سئل عن المال الذي يُوجد في الخراب العادي. فقال: فيه وفي الركاز الخمس)).
وقال أبو عبيد: فقد تبين لنا الآن أنَّ الرِّكاز سِوى المالِ المدفون، لقوله: ((فيه وفي الرِّكَاز))، فجعل الرِكَازَ غير
المال، فَعُلم بهذا أنه المَعْدِن. وقد رُوي عن علي بن أبي طالب: أنه جَعَلَ المعدن رِكازًا في حديث يُروى=

١٦٣
كتاب الزكاة
[التوبة: ٦٠]
٦٨ - بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا﴾
وَمُحَاسَبَةِ المُصَدِّقِينَ مَعَ الإِمامِ
١٥٠٠ - حدّثنا يُوسُفُ بْنُ مُوسى: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حُمَيدِ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ نََّ رَجُلًا مِنَ
الأَسْدِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيم، يُدْعِى ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ، فَلَمَّا جاءَ حاسَبَهُ. [طرفه في: ٩٢٥].
وهم من مصارِفِ الزكاة أيضًا، ثم هل يُشترط كونهم مفلسين أو لا؟ اختُلف فيه.
قوله: (محاسبة)، وهو موضع الترجمة، والذي يظهرُ أنْ تكونَ ترجمتهُ هكذا: ومحاسبة
الإِمام مع المصدقين. لأن لفظ ((مع)) يُستعمل في التابع دون المتبوع، والمصنف عكس فيها،
فاستعمل (مع)) للمتبوع، وقال: محاسبة المصدقين مع الإِمام.
٦٩ - بابُ اسْتِعْمَالِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَأَلْبَانِهَا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ
١٥٠١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيى، عَنْ شُعْبَةَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنِ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ: أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ، اجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَّةِ،
فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ، فَأُتِيَ
بِهِمْ، فَقَطَّعَ أَيدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ، وَتَرَكَهُمْ بِالحَرَّةِ يَعَضُّونَ الحِجَارَةَ. تَابَعَهُ أَبُو
قِلَابَةَ، وَحُمَيدٌ، وَثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ. [طرفه في: ٢٣٣].
يعني هل يجوز أن يسقي أبناءَ السبيل من ألبان إبل الصدقة، وأن يعطيهم ظَهْرَها؟ ولعل
الحنفية لا يمنعون عنها أيضًا. أما إذا وهبها لهم فلا نزاع في جواز هذه الأشياء، ولم يتوجه إلى
هذه المسألة أحدٌ غير الإِمام المصنف.
عنه مفسرًا. ثم أخرجَ عنه بعد سردِ القِصة فيه، وفيها: فأتى عليًا - يعني علي بن أبي طالب - فقال: إن أبا الحارث
=
أصاب مَعْدِنًا فأتاه علي، فقال: أين الرِّكَاز الذي أصبت؟ فقال: ما أصبتُ رِكَازًا، إنما أصابه هذا، فاشتريت منه
بمائة شاة متبع، فقال له علي: ما أرى الخمس إلا عليك، قال: فخمس مائة شاة.
قال أبو عُبيد: هكذا هو في الحديث، وإنما هو المائة شاة. قال أبو عبيد: أفلا ترى عليّا قد سمَّى المعدنَ رِكازًا،
وحكم عليه بحكمه، وأخذ منه الخمس؟، وكذلك كان رأي الزَّهري، وهو يُحدِّث عن النبيِّ ◌َّ بحديث الرِّكَاز:
((أن فيه الخمس)). ثم أجاب أبو عُبيد عن حديث ربيعة الذي رواه في القبيلة أنه ليس له إسنادًا، ومع هذا لم يذكر
فيه أن النبيَّ ◌َّ أمر بذلك، إنما قال: فهي تؤخذ منها الصدقة إلى اليوم. ولو ثبت هذا عن النبي وبيّ كان حجةً لا
يجوز دفعها. انتھی بحذف.
قال الزَّيْلعي في (شرح الكنز)) ص ٢٨٨- ج١: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ◌َّر: ((في الركاز الخمس؛
قيل: وما الرِّكاز يا رسول الله؟ قال الذهب الذي خلقه الله تعالى في الأرض يوم خُلِقت)) رواه البيهقي، وذكره في
((الإمام))، ولم يتكلم عليه، فدل على صحته. وفي ((الإِمام)) أنه عليه الصلاة والسلام، قال: ((وفي السيوف الخُمُس،
والسيوف عروق الذهب، والفضة التي تحت الأرض)). اهـ .

١٦٤
كتاب الزّكاة
٧٠ - بابُ وَسْمِ الإِمامِ إِبِلَ الصَّدَقَةِ بِيَدِهِ
١٥٠٢ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍوِ الأَوْزَاعِيُّ:
حَدَّثَنِي إِسْحاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلِحَةَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالُ:
غَدَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلحَةَ لِيُحَنِّكَهُ، فَوَافَيتُهُ فِي يَدِهِ المِيسَمُ، يَسِمُ
إِيلَ الصَّدَقَةِ. [الحديث ١٥٠٢ - طرفاه في: ٥٥٤٢ - ٥٨٢٤].
وكان وسْمُ عمر: ((الوقف لله)) كما في ((الفتح)). فدل على جواز الكتابة بنحو هذا على
الدواب. وفي ((شرح الجامع الصغير)) للعزيزي الشافعي أن الكتابة على الثبور(١)، لا تجوز عند
أبي حنيفة، وما في كتبنا فهو خلافُه. والله تعالى أعلم بالصواب.
٧١ - بابُ فَرْضٍ صَدَقَةِ الفِطْرِ
وَرَأَى أَبُو العَالِيَةِ، وَعَطَاءٌ، وَابْنُ سِيرِينَ: صَدَقَةَ الفِطْرِ فَرِيضَةً.
١٥٠٣ - حدّثنا يَحْيى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَم: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ،َ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ:
فَرَضَِ رَسُولُ اللَّهِنَ﴿َ زَكاةَ الفِظْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرِ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ،
وَالذَّكَرِ وَالأُنْثى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيْرِ، مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ
إِلَى الصَّلَاةِ. [الحديث ١٥٠٣ - أطرافه في: ١٥٠٤، ١٥٠٧، ١٥٠٩، ١٥١١، ١٥١٢].
ويقال لها بالفارسية: سرسايه، فانكشف منه حقيقة قولهم: رأسٌ يَمُونُه ويلي عليه.
واختُلِف في فرضيتها ووجوبها، والمصنف جزم بالأول، ولم يشترط لها نصابًا، وهو مذهب
الشافعي، خلافًا لأبي حنيفة فيهما، فهي واجبة عنده، وكذا يشترط لها النِّصاب عنده(٢). غير
أن بين نصابها ونصابِ الزكاة فرقًا، فإنَّ النماء ليس بشرط في نِصَاب صدقة الفِطر، بخلاف
الزكاة .
قلتُ: لا ريب أن الظاهر ما ذهب إليه الشافعي، لأن الأحاديثَ عامةٌ، لا تعرُّضَ فيها إلى
نِصَابٍ. نعم، لنا استنباطاتٌ، كإِطلاق الزكاة على صدقة الفطر في غير واحد من الأحاديث،
(١) الثبور: هكذا في الأصل، ولم أفهمه (المصحح).
قلت: وقد يخطرُ بالبال أن حديثَ أبي داود عن عبد الله بن ثعلبة عن أبيه في صدقة الفطر يُشير إليه، وفيه في
آخره: ((أما غنيكم فيزكيه الله، وأما فقيركم فيرد عليه، أكثر ما أعطاه))، ففرَّقَ بين الغني والفقير، ثم جعل الصدقةً
تزكيةً للغني، وأما الفقير فلما لم تجب عليه الصدقةُ لم يذكر فيه التزكية، ووعده بالأجر. ثم المعتبر في الغناء هو
الشرعي، وهو النِّصاب. والله تعالى أعلم.
(٢)

١٦٥
كتاب الزّكاة
ويتبادَرُ من إطلاق الزكاة عليها، أن يشترطَ لها أيضًا ما يشترطُ للزكاة، فيثبت لها النِّصَابُ من
هذا الطريق. لكن لما كان باب صدقة الفطر بابًا مستقلًا، ناسب أنْ تتعرضَ الأحاديثُ إلى
نِصَابها أيضًا كذلك. والتمسكُ لها من الإِطلاقات والعُمُومَات لا يكفي، وجرُّ أحكام بابٍ إلى
باب لا يشفي. فالأولى عندي أن يكون المختارُ في العمل مذهب الشافعي، فإنَّه لا بأسَ بأداء
الصدقة عند أحد، وهو الذي ينبغي في الأضحية.
٧٢ - بابُ صَدَقَةِ الفِطْرِ عَلَى العَبْدِ وَغَيرِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ
١٥٠٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِِّ فَرَضَ زَكاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرِ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى
كُلِّ حُرِّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى، مِنَ المُسْلِمِينَ. [طرفه في: ١٥٠٣].
واختلف فيها العلماء على ثلاثة أقوال:
الأول: أنها تجبُ على المؤلى عن عبده.
والثاني: أنها تجب على العبد، إلا أنَّ مَوْلاه مأمورٌ أن يُمكِّنَ عبده على أدائها، وهو
مذهب أهل الظاهر.
والثالث: أنها واجبة على العبد، لكنَّ مَوْلاه يؤديها عنه.
ثم إن المولى هل يخرِجُها عن عبيده المسلمين فقط، أو الكافرين أيضًا؟ فقال الشافعي
بالأول، واحتج بحديث الباب. والجواب عنه: أما أولًا: فبأن مالكًا تفرَّدَ فيه بقيد ((من
المسلمين)) كما ذكره الترمذي. قلتُ: ولكن الشيخَ أخرِجَ له متابعات في ((الإِمام))(١). وأما ثانيًا:
فبأن القيدَ المذكورَ راجعٌ إلى المَوَالي(٢) . وأما ثالثًا: فبأن رواية ابن عمر ومذهبه، إخراج
الصدقةِ عن العبيد مطلقًا .
وأما البخاري فزعم بعضهم أنه اختار مذهب الشافعية نظرًا إلى هذه الترجمة. قلتُ: لا دليلَ
فيها على ما راموه، بل هو متردد فيه، أو هو موافق للحنفية، ولذا حذف القيدَ المذكور من
الترجمة الآتية، وإنما ذكره في الترجمة الأُولى نظرًا إلى لفظ الحديث، للإشارة إلى عبرته، ولذا
حذفه من الترجمة الثانية، كأنه أشار بذلك إلى أنه ينبغي أن يُمعِنَ النظرَ في أن هذا القيدَ اتفاقي،
(١) قال الطحاوي في «مشكله)) ص ٣٤٨- ج٤: أو تابع مالكًا على هذا الحرف - يعني ((من المسلمين)) - أحدٌ ممن
رواه عن نافع، فكان جوابُنًا له في ذلك بتوفيق الله تعالى وعونه، أنه تابعه على ذلك عبيد الله بن عمر، وعمر بن
نافع، ويونس بن يزيد، ثم سردها بأسانيدها .
(٢) قال الطحاوي في ((مشكله)) ص ٣٤٩- ج٤: فقد بان بما ذكرنا، فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل
وعونه أن العبدَ لا فرضَ عليه في نفسه، إذ لا مال له، وإنما الفرضُ على مَؤلاء فيه، وإذا كان ذلك كذلك، رجع
قوله عليه الصلاة والسلام ((من المسلمين)) إلى الموالي لا إلى العبيد. ثم أخرج عن أبي هريرة، وعطاء، وعمر بن
عبد العزيز، أنهم اختاروا أداءها عن العبيد مطلقًا، وساق أسانيدها.

١٦٦
كتاب الزّكاة
أو مدارٌ للحكم. وإنما قلنا: إن الظاهر أنه وافقَ الحنفية لا لكونه تلميذ إسحاق بن راهُویه،
ومذهبُه كمذهب الحنفية، وهو مذهب ابن عمر، وهو راوي الحديث، كما في ((الفتح)) وقد أقر به
الحافظ أيضًا، ولمّا علمنَا مذهبَ شيخه ناسبَ أن نحمل ترجمته أيضًا على مذهب شيخه، ومن
لههنا اندفع التكرارُ، وظهر الوجهُ، لوضع الترجمة الثانية.
وقال ابن المُنَيِّر: إن المصنف توجّه في الترجمة الثانية إلى مسألةٍ أنها تجبُ عليه أو عنه؛
وقد علمت الاختلافَ فيها، والفرقَ بينها .
قلتُ: وليس الأمرُ كما زعمه، فإنَّه ترجم بصدقةِ الفطرِ على الصغير والحر والمملوك، فدلَّ
على أنه لم يتعرَّض إلى بيان هذا الفرق. فالظاهرُ أنه ذهب إلى وجوبها عن العبد مطلقًا، مسلمًا
كان، أو كافرًا. والله تعالى أعلم بالصواب.
٧٣ - بابٌ صَدَقَةُ الفِطْرِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ
١٥٠٥ - حدّثنا قَبِيصَةُ: حَدَّثَنَا سُفِيَانُ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ،
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كُنَّا نُطْعِمُ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ شَعِيرِ. [الحديث ١٥٠٥ - أطرافه
في: ١٥٠٦، ١٥٠٨، ١٥١٠].
٧٤ - بابُ صَدَقَةِ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ (١)
١٥٠٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحِ العَامِرِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدِ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُوَّلُ:
كُنَّا نُخْرِجُ زَكاةَ الفِظَّرِ، صَاعًاً مِنْ طَعَامِ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا
مِنْ أَقِطِ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ. [طرفه فيّ: ١٥٠٥].
قال الشافعي: إن المراد من الطعام هو البرُ، فيُخرج منه صاعًا كالشعير. قلتُ: كيف! وأن
أبا سعيد قد صرح أن طعامَنا يومئذ لم يكن غير الشعير، والزبيب، والأقط، والتمر، كما يأتي
في البخاري في هذه الصفحة من باب الصدقة قبل العيد. وأين كان البرُّ في زمنه وَّ﴾، ليكون
طعامَهم؟ وإنما كثُرَ في زمن معاوية، كما في البخاري من الباب الذي بعده: فلما جاء معاوية
وجاءت السمراءُ؛ قال: أرى مُدًا من هذا يعدِلُ مدين . اهـ .
ومن ههنا ظهر السر، لاختلافهم في البُر أنَّ الواجبَ منه صاعٌ أو نصفُ صاع، وذلك لأنه
كان قليلًا في زمن النبي ◌َّ، فلم يخرج أمرُه من الخاصة إلى العامة. ومن هذا الباب اختلافهم
في زكاة الحُلِي والخيل، فإنَّهما أيضًا كانا قليلين، فلم يشتهر أمرُهما على وجهه. فقال قائل
(١) قلت: ومن أراد الاطلاع على تمام البحث في تلك المسألة، فليراجع ((مشكل الآثار)) من ص ٣٣٧، إلى:
ص ٣٤٨ من المجلد الرابع، فإنه بَسَطَ المقامَ بما لا مزيد عليه، وأتى على جوانب المسألة، ولم أقدر على
تلخيصه، وإنما رقَّمت لك الصفحة، لعدم كونه على ترتيب الأبواب الفقهية، فيتعسرُ إخراج الباب أيضًا .

١٦٧
كتاب الزّكاة
بوجوب الزكاة فيهما، وأنكرها آخرون. ولنا عمل الخلفاء الأربعة، كما في ((العيني))، وكفى به
قُدوة.
٧٥ - بابُ صَدَقَةِ الفِطْرِ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ
١٥٠٧ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ نَافِعِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قالَ: أَمَرَ
النَّبِيُّ نَّهُ بِزَكاةِ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
فَجَعَلَ النَّاسُ عِدْلَهُ مُدَّينٍ مِنْ حِنْطَةٍ. [طرفه في: ١٥٠٣].
٧٦ - بابُ صَاعٍ مِنْ زَبِيبٍ
١٥٠٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ: سَمِعَ يَزِيدَ العَدَنِيَّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيدِ بْن
أَسْلَمَ قالَ: حَدَّثَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ قَالَ: كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمانِ النَّبِّ ◌َّهِ صَاعًا مِنْ طَّعَامِ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرِ، أَوْ صَاعًا مِنْ
شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمَّا جاءَ مُعَاوِيَةُ، وَجاءَتِ السَّمْرَاءُ، قَالَ: أُرِّى مُدًّا مِنْ هذا
يَعْدِلٌ مُدَّينٍ. [طرفه في: ١٥٠٥].
والمشهور عندنا أنه كالبر، فيُخرج منه نصفُ صاعٍ، وفي رواية غير مشهورة أنه كالشعير،
فيخرج منه صاعًا. قلتُ: وهو المختار عندي.
أما الجواب عن حديث أبي سعيد الخدري، قال: «كنا نعطيها في زمان النبيِّ وَلَّه صاعًا
من طعام ... وزبيب)). اهـ. فبأنه لا دليل فيه على أن إخراجَهم القدرَ المذكورَ كان لكون القدر
الواجب ذلك فإنَّه قد يجوز أن يكون تحريًا للفضل، فإنَّهم لما أخرجُوا من سائرِ الحبوب صاعًا،
أخرجوا من الزبيب أيضًا نحوه. وعند الطحاوي. وأبي داود ما يشير إليه أيضًا. قال أبو سعيد:
((أما أنا فلا أزال أُخرجُ كما كنت أخرج))؛ ولفظ أبي داود: ((لا أُخرج أبدًا إلا صاعًا)). اهـ .
وكأن هذا من دأب الصحابة، أنهم إذا عَمِلوا بأمر في زمن النبيِّ ◌َّر ثابروا عليه. قلنا: أما
أبو سعيد، فله أن يُنفقَ مالَه كله في سبيل الله، فما بالصاع، ولكن الفاصل أنَّ الصاعَ المذكورَ
كان واجبًا عليهم أولًا، ولا يثبتُ ذلك من القول المذكور.
٧٧ - بابُ الصَّدَقَةِ قَبْلَ العِيدِ
١٥٠٩ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا حَفصُ بْنُ مَيسَرَةَ: حَدَّثَنَا مُوسى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ
ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ أَمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلى الصَّلاَةِ.
[طرفه في: ١٥٠٣].
١٥١٠ - حدّثنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ، عَنْ زَيدٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ وَّ

١٦٨
كتاب الزّكاة
يَوْمَ الفِظْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَكانَ طَعَامنَا الشَّعِيرَ وَالزَّبِيبَ، وَالأَقِطَ
وَالتَّمْرَ. [طرفه في: ١٥٠٥].
٧٨ - بابُ صَدَقَةِ الفِطْرِ عَلَى الحُرِّ وَالمَمْلُوكِ
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ، في المَمْلُوكِينَ لِلتِّجَارَةِ: يُزَكِّي في التِّجَارَةِ، وَيُزَكِّي في الفِظْرِ.
١٥١١ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ اِبْنِ
عَمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: فَرَضَ النَّبِيُّ نَّهِ صَدَقَةَ الفِطْرِ - أَوْ قالَ: رَمَضَانَ - عُلَى الذَّكَرِّ
وَالأُنْثِى، وَالحُرِّ وَالمَمْلُوكِ، صَاعًا مِنْ تَمْرِ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ
صَاعٍ مِنْ بُرِّ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يُعْطِي الثَّمْرَ، فَأَعْوَزَ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنَ الثَّمْرِ،
فَأَعْطِّ شَعِيرًا. فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي عَنِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، حَتَّى إِنْ كانَ يُعْطِي عَنْ بَنِيَّ .
وَكَانَ ابْنُ عَمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَعْطِيْهَا الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا، وَكانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ
يَوْمَينٍ. [طرفه في: ١٥٠٣].
١٥١١ - قوله: (وكانوا يعطون) ... إلخ، واعلم أن تقسيمَ صدقة الفِطر كان إلى الأمراء.
وقد ثبت في زمن النبيِّ بَّأنَّ الناس كانوا يبعثُونَ بصدقاتِهم إلى النبي ◌َّ، ثم إنه كان يقسِمُها
حسَبَ ما يراه الله عز وجل. وهو معنى قوله: ليجمع، أي ليجمع للإِمام ليصرفها في مصارفها
من تعارفه، كالزكاة، فلما علمنا من عمل السلفِ هذا، ناسبَ أن نحملَ عملَ ابن عمر أيضًا على
ذلك.
٧٩ - بابُ صَدَقَةِ الفِطْرِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ
١٥١٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيى، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ
رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ وَيْهِ صَدَقَةَ الفِظْرِ، صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ
تَمْرٍ، عَلَى الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، وَالحُرِّ وَالمَمْلُوكِ. [طرفه في: ١٥٠٣].
قوله: (قال أبو عمرو) ... إلخ، وليست هذه القطعة في الشرحين. وهو مذهب الشافعي.
وأما عندنا فلا زكاة في مال اليتيم، وهو مذهب ابن مسعود. وليراجع ألفاظ هذه الآثار أيضًا،
لينجلي لك الحال (١).
(١) قلت: وفي ((العيني)) ورُوي مذهبُنا عن عمر، وابن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وبه قال
سعيد بن المسيب، وسعيد بن جُبير، وعطاء، ومحمد بن سيرين، وجابر بن زيد، ومجاهد، والزُّهري، وطاوس،
وميمون بن مِهْرَان، وعمر بن عبد العزيز. ثم عدَّد أسماء غيرهم، وبَسَطَ الكلام في المسألة، فليراجع.

١٦٩
كتاب الحج
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
٢٥ - كتابُ الحَجِّ
١ - بابُ وُجُوبِ الحَجِّ وَفَضْلِهِ
وقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُ الْبَيْتِ مَنِ اُسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ
غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].
ولنقدم قبل الخوضِ في المقصود جُمَلًا:
الأولى: أن العلماءَ اختلفوا في السنة التي فرض فيها الحج على أقوال: فقيل: سنة
خمسٍ، حكاه الوَاقِدي. وقيل: سنة ست. وقيل: ثمان. وقيل: سنة تسع، ولكل منهم مُسْكة
تمسكّوا بها، فليطالعها في مواضعها من شاء.
الثانية: اختلف الناسُ في وجوب الحج، هل هو على الفور أو على التراخي؟ وكيف ما
كان، التسارع إليه مطلوبٌ، وحينئذٍ يُشكل حجُ النبي ◌َّ في العاشرة مع فرضيته في الأعوام
الماضية على اختلافها. فقيل في الجواب: إن النبيَّ ◌ََّ كان يترقَّبُ أن تعودَ الأيامُ على هيئتها،
وقد كانت العربُ خلطتها لمكان النسيئة(١) عندهم، فلم تكن أشهر الحج في محلها، فإذا عادت
ذو الحجة في موضعها عَزَمَ على الحج(٢)، ونادى بين الناس.
(١) قلت: قال الزمخشري في ((تفسيره)): النسيء: تأخيرُ حرمةِ الشهرِ إلى شهرٍ آخر، وذلك أنهم كانوا أصحابَ
حروبٍ وغارات، فإذا جاء الشهر الحرام، وهم محارَبون شق عليهم تركُ المحاربة، فيُحلّونه ويحرمون مكانه شهرًا
آخر، حتى رفضوا تخصيصَ الأشهر الحرم بالتحريم، فكانوا يحرمون من شق شهور العام أربعة أشهر، وذلك قوله
تعالى: ﴿لِيُّوَاِقُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٠٧] أي ليوافقوا العِدَّة التي هي الأربعة، ولا يخالفوها، وقد
خالفوا التخصيصّ الذي هو أحد الواجبين، وربما زادوا في عدد الشهور، فيجعلونَها ثلاثة عشرًا، وأربعة عشرًا،
ليتسع لهم الوقت. ولذلك قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾، يعني من غير زيادة
زادوها. اهـ . قلت: ولعل تحريفهم كان بالنوعين.
(٢) واعلم أن هذا التأويلَ قد ذكره غيرُ واحدٍ من العلماء، لكنهم استشكلوا أمر النبيِّ ◌َّ أبا بكر بالحج في السنة
التاسعة، لأن النبيَّ ◌َّ لم يكن ليأمرَ بالحج في غير وقته، فوجب أن يقال: إن ذا الحجة كانت في تلك السنة
على الحساب القويم، كما ذكره بعض العلماء، وحينئذٍ يعودُ الإِشكال في تأخير النبيِّ ◌َّ في حجه. فأجاب عنه
الحافظُ فضل الله التُّورِبِشْتي في ((شرح المصابيح))، وهذا نصه: وأما وجه استينائه بالحج إلى السنة العاشرة - والله
أعلم - أنه لم ير أن يحضرَ الموسم، وأهل الشرك حضورٌ هناك، لأنه لو تركهم على ما يتديَّنُون به من هديهم
المخالفُ لدين الحق، لكان ذلك وهْنًا في الدين، ولو منعهم لأفضى ذلك إلى التشاغُلِ، إلى ما أرادُوه من النُّسُك
بالقتال، ثم إلى استحلال حُرمةٍ الحرم. وكان قد أخبر يوم الفتح أن حرمتها عادت إلى ما كانت عليه، وأنه لم=

١٧٠
كتاب الحج
قوله: (ومن كفر) ... إلخ، أي لم يحج، وإنما عبَّرَ عنه بالكفر تهويلًا، وعلى تعبير القرآن
جاء حديث ابن ماجه: ((فليس على الله أن يموتَ يهوديًا أو نصرانيا)).
١٥١٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيِمَانَ بْنِ
يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: كَانَ الَفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴾
فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ ◌َِّ يَصْرِفُ
وَجْهَ الفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ في الحَجِّ
أَذْرَكَتْ أَبِيَ شَيخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قالَ: ((نَعَمْ)). وَذلِكَ في
حَجَّةِ الوَدَاعِ.
١٥١٣ - قوله: (فجعل الفضل ينظر إليها)، واعلم أن الحجابَ عندنا داخلُ الصلاة
وخارِجُها سواءً فجاز كشفُ الوجه والكفين عند أجنبي، بشرط الأمن من الفتنة. واختلف في
الرِّجلين، والفتوى على الحجاب مطلقًا، وذلك لانقلابِ الزمان، وظهورِ الفتن. وإنَّما صرفَ
النبيُّ وَّر وجه الفضل احتياطًا، كما هو المذكور في الحديث.
قوله: (إن فريضة الله على عباده في الحج قد أدركت شيخًا كبيرًا)، واعلم أنهم اختلفوا
في وجوب الحج على المعْضُوب. فقيل: يجبُ عليه إذا مَلك الزادَ والراحلَة، ومُؤنَة من يرفعُه
ويضعُه ويقودُه إلى المناسك. وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة. وهو قول الشافعي. وقيل: لا
يجبُ وهو المشهور عن إمامنا. فقيل(١): معنى الحديث: أن الحج فرضٌ على الناس، فأدرك
أبي أيضًا زَمَنَ افتراض الحج. وراجع التفصيل من ((فتح القدير)).
يحلّ له إلا ساعة من النهار، فرأى أن يبعث الناس إلى الحج. وينادي في أهل الموسم أن لا يَحُجّ بعد العام مشرك،
=
ليكون حجّه خاليًا عن العوارض التي ذكرناها. وقد ذكرنا لذلك وجوهًا غيرها في ((كتاب المناسك))، واكتفينا ههنا
بالقول الوجيز إيثارًا للاختصار ((من باب قصة حجة الوداع)).
قلت: لعل التخليطَ إذا بلغَ مبلغًا، لا يمكنُ رفعُه، وعمت به البلوى، فالمرجو من الله تعالى أن يعتبره أيضًا
نحوًا من الواقع، فإنَّ فقهاءنا قد اعتبروا بالشهادة على الوقوف، قبل يوم عرفة. وأما إذا شهدوا بالوقوف بعد
يوم عرفة فلم يعتبروها، وذلك لأن التلافي ممكن في الصورة الأولى، دون الثانية. ومن هذا الباب قوله ◌َله:
(وجبت وجبت)) في الجنازتين، مرتا عليه واحدة بعد أخرى، فكأن شهادةً الصحابة اعتُبرت فيهما على أي
وجه كان الميتان، وقد مر تقريره. وحينئذ لو التزمنا أن ذا الحجة لم تكن في التاسعة على محلها، ثم أمر
النبيُّ بَ﴿َ أبا بكر أن يَحُجِّ بالناس لم يلزم عليه محذورٌ، فإنَّ ذا الحجة من تلك السنة وإن كانت على
زعمهم، فإنَّ الشرعَ قد أقام لهم الواقع - بحسب زعمهم - مُقَام الواقع في نفس الأمر. وإنما أراد النبيُّ ◌ِه
لنفسه ما كان أحرى له، فانتظر إلى أن يُستدار الزمان إلى هيئته بالأمس، وعليه نبه في خُطبته. والله تعالى
أعلم.
(١) قال الخَطّابي: وقد يتأول بعضهم قولها: إن فريضة الله أدركت أبي شيخًا، فقال: معناه أنه أسلم، وهو شيخ
كبير ... إلخ: ص ١٧١ - ج٢.

١٧١
كتاب الحج
٢ - بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَأْتُوَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ
لِيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٨]
٣٧
ضَامِرٍ يَأْنِينَ مِن كُلِّ فَّ عَمِيقٍ
﴿فِجَاجًا﴾ [نوح: ٢٠]: الطُرُقُ الوَاسِعَةُ.
١٥١٤ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عِيسى: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ: أَنَّ
سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَّا قالَ: رَأَيْتُ رَسُوَّلَ اللَّهِ لَّهَ يَرْكَبُ
رَاحِلَتَهُ بِذِي الحُلَيفَةِ، ثُمَّ يُهِلُّ حَتَّى تَسْتَوِيَ بِهِ قَائِمَةٌ. [طرفه في: ١٦٦].
١٥١٥ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ موسى: أَخْبَرَنَا الوَلِيدُ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ: سَمِعَ عَطَاءً
يُحَدِّثُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ إِهْلَالَ رَسُولِ اللَّهِ يَّهُ مِنْ ذِي الْحُلَيفَةِ،
حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ. رَوَاهُ أَنَسٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
١٥١٤ - قوله: (يركب راحلته)، والخلافُ فيه في الأفضلية، ووافقنا ابن عباس، كما عند
أبي داود.
٣ - بابُ الحَجِّ عَلَى الرَّحْلِ
وهو شرطٌ عندنا إن كانت المسافةُ مسافةَ الرَّحل، وأما الشغدف والهودج فلا .
١٥١٦ - وَقَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا مالِكُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهَ بَعَثَ مَعَهَا أَخَاهَا عَبْدَ الرَّحْمُنِ، فَأَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ، وَحَمَلَهَا
عَلَى قَتَبِ. وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: شُدُّوا الرِّحالَ فيَ الحَجّ، فَإِنَّهُ أَحَدُ الجِهَادَينِ. [طرفه
في: ٢٩٤].
١٥١٦ - قوله: (قال عمر)، أراد به الإعداد للحج والاهتمام به.
١٥١٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ المُقَدَّمِيُّ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع: حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ
ثَابِتٍ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: حَجَّ أَنَسٌِ عَلَى رَحْلٍ، وَلِّمْ يَكُنْ شَحِيحًا،
وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نََّ حَجَّ عَلَّى رَحْلٍ، وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ.
١٥١٧ - قوله: (زاملته)، وهي الراحلة التي عليها الزاد. وفي ((الفتح)) عن ذي النورين أنه
كان يحجّ على البعير، وكان يحمل عليها الحبوب، ثم يقعد عليها، فدل على جواز القُعود على
الحبوب .
١٥١٨ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا أَبُو عاصِم: حَدَّثَنَا أَيمَنُ بْنُ نَابِلِ: حَدَّثَنَا
القَاسِمُ بْنُ محَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قالَتْ: يَا رَسُولَ اللّهِ، اعْتَمِّرْتُمْ وَلَمْ
أَعْتَمِرْ، فَقَالَ: ((يَا عَبْدَ الرَّحْمُنِ، اذْهَبْ بِأُخْتِكَ، فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ)). فَأَحْقَبَهَا عَلَى نَاقَةٍ،
فَاعْتَمَرَتْ. [طرفه في: ٢٩٤].

١٧٢
كتاب الحج
١٥١٨ - قوله: (ولم أعتمر)، واعلم أن الحنفية والشافعية اختلفوا فى أمر عائشة، فقال: إنها
كانت معتمرةً، فلما دنت أيام الحج، ولم تخرج عن حيضها أَمرَها النبيُّ ◌ٍَّ أن تخرجَ عن عمرتها،
وتفسخها إلى الحج، ثم تقضيها. وأنكره الشافعية. وهذا اللفظُ ظاهرٌ للحنفية، وسيجيءُ تفصيله.
قوله: (فأعمرها من التنعيم)، ومن لهُهنا قلنا: إن الحاج يُهلّ من الحَرَم، والمعتمر من
الحِلِّ ولا فرق بينهما عند المصنف. والحديثُ حجةٌ عليه، لأنه لو جاز للمعتمر أن يُهلَّ من
الحرم لما بعثها إلى التنعيم.
٤ - بابُ فَضْلِ الحَجِّ المَبْرُورِ
١٥١٩ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ وَّهِ: أَيُّ الأَعْمَالِ
أَفْضَلُ؟ قَالَ: ((إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ)). قِيلَ: ثُمَّ ماذَا؟ قالَ: ((جِهَادٌ في سَبِيلِ اللَّهِ)). قِيلَ:
ثُمَّ ماذَا؟ قالَ: ((حجٌّ مَبْرُورٌ)). [طرفه في: ٢٦].
١٥٢٠ - حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ المُبَارَكِ: حَدَّثَنَا خالِدٌ: أَخْبَرَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ،
عَنْ عائشَةَ بِنْتِ طَلحَةَ، عَنْ عَائِشَةً أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
نَرَى الجِهَادَ أَفضَلَ العَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قالَ: ((لَا، لَكِنَّ أَفضَلَ الجِهَادِ حَجِّ مَبْرُورٌ)).
[الحديث ١٢٥٠ - أطرافه في: ١٨٦١، ٢٧٨٤، ٢٨٧٥، ٢٨٧٦].
١٥٢١ - حدّثنا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الحَكَم قالَ: سَمِعْتُ أَبَا
حازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّه يَقُولُ: ((مَنْ حَجَّ لِلَّهِ،
فَلَمْ يُّرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمٍ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ)). [الحديث رقم ١٥٢١ - طرفاه في: ١٨١٩، ١٨٢٠].
وهو ما لا جِنَاية فيه. أما الحجّ الأكبرُ المشهور بين الناسِ. وهو الحج الذي يكون يومَ
الجمعة، فلا أصلَ له في الشرع، وهو في القرآن بمعنى آخر. ثم إنه مكفرٌ للصغائر والكبائر
جميعًا، أو للأولى فقط، فرجَّح ابن نُجيم الثاني، ومال الأكثرون إلى الأول (١).
٥ - بابُ فَرْضِ مَوَاقِيتٍ(٢) الحَجِّ وَالعُمْرَةِ
١٥٢٢ - حدّثنا مالِكُ بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قالَ: حَدَّثَني زَيدُ بْنُ جُبَيرٍ: أَنَّهُ أَتَى
(١) مع اتفاقهم في عدم تكفيره المظالم، وحقوق العباد، هكذا أفاده العلماء. وكذا الشيخ رحمه الله نفسه. ثم في
(العرف الشذي - من أمالي الشيخ على جامع الترمذي)) عكس ما نسب إلى ابن نُجيم صاحب ((البحر)) نعم، بالقطع
في تكفير الصغائر، وبالظن في تكفير الكبائر، فليرجع إليه (المصحح البنوري).
(٢) قال الخَطَّابي: معنى التحديد في هذه المواقيت: أن لا تتعدى ولا تتجاوزَ إلا باستصحاب الإِحرام. وقد أجمعُوا
أنه لو أحرم دونها حتى يوافيّ الميقات مُحرِمًا أجزأه. وليس هذا كتحديد مواقيت الصلاة، فإنها إنما ضُرِبت حدًا،
لئلا تُقدَّمَ الصلاةُ عليها ... إلخ ((معالم)) ص ١٤٧- ج٢. قلت: وهذه النُّكْتة أوفق بنظرِ الحنفية في لزوم الإِحرام
على من مر عليها مطلقًا، أراد الحج والعمرة، أو لم يُرد.

١٧٣
كتاب الحج
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي مَنْزِلِهِ، وَلَهُ فُسْطَاطٌ وَسُرَادِقٌ، فَسَأَلْتُهُ: مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ
أَنْ أَعْتَمِرَ؟ قالَ: فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَيَ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَلأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيفَةِ،
وَلأَهْلِ الشَّأُمِ الجُحْفَةَ. [طرفه في: ١٣٣].
وادَّعى الشافعيةُ أنَّ فرضيةَ المواقيتِ كانت قُبيل حجة الوداع. وادَّعى الحنفيةُ أنها كانت
قَبْلها بكثير، لما سيجيء. ثم إن تلك المواقيت كلها وقَّتَها النبيُّ وَلٍّ أو لا؟ فقيل: نعم؛ وقيل:
غير ذات عِرْق، فإنَّها وقّتها عمر (١). والصوابُ هو الأول. نعم، اشتهرت بعضها في زمن عمر،
فنُسبت إليه.
٦ - بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿ وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]
١٥٢٣ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بِشْرِ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: كانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَحْجُوَنَ وَلَّا يَتَزَوَّدُونَ،
وَيَقُوَّلُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَّوَّدُواْ
فَإِنَ خَيْرَ الزَّادِ النَّغْوَ﴾. رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ: مُرْسَلًا.
١٥٢٣ - قوله: (﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَ﴾)، وفسره السيوطي بما يُتقى به من
السؤال، وهو المال. وليس بمرادٍ عندي، بل التقوى على معناه المعروف (٢). والمراد أنه الزاد
الحِسِّي، فقد علمتم أنه لا بد لكم، فسوف تأخذونه، ولكن ههنا زاد آخر أقومُ وأهم منه، وهو
التقوى، فهو زادٌ معنوي فلا تَنْسَوه، واجعلوه أيضًا من زادكم، فإنَّه خيرُ زادٍ لمن تزوَّدَه. ويؤيِّدُه
ما عند أبي داود، أنَّ رجلا سأل النبي بَيرِ الزاد، فقال: ((زوّدك الله التقوى)). وإنما أوَّل به
السيوطي، لأن تعليل قوله: (﴿وَتَزَّوَّدُواْ﴾) بقوله: (﴿وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَىَ﴾) بظاهره
غیرُ مستقیمٍ .
قلتُ: حرف ((إن)) في كلامهم لا يجيءُ بمعنى العلة المنطقية، بل لمجردِ التناسُبِ بين
(١) وفي ((التمهيد)) قال قائلون: عمر رضي الله عنه هو الذي وقت العقيق لأهل العراق، لأنها فتحت في زمانه، قال
آخرون: هذه غَفْلةٌ من قائل هذا القول، لأنه عليه الصلاة والسلام هو الذي وقَّت لأهلِ العراق ذات عِرْق
والعقيق، كما وقَّت لأهل الشام الجُحْفَةَ، وكلها يومئذٍ دارُ كفر، كالعراق. فوقت المواقيت لأهل النواحي، لأنه
علم أنَّ الله سيفتح على أمته الشام والعراق وغيرهما، ولم يفتح الشام والعراق إلا على عهد عمر رضي الله عنه،
بلا خلاف. وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((منعت العراق درهمها، ودرهمها)) ... الحديث، معناه عند أهل
العلم: ستمنع ... إلخ: ص ٣٣٢ ((الجوهر النقي)). قلت: وهكذا في ((عمدة القاري)) ص ٤٩٩ - ج٤، وله
حديث عند أبي داود عن الحارث بن عمرو، وفيه تصريح أن النبيَّ ◌َّ هو الذي وقَّته لأهل العراق.
(٢) قلت: ويؤيده ما أخرجه الحافظ عن ابن أبي حاتم، قال مقاتل بن حيان: لما نزلت قام رجلٌ فقال: يا رسول الله
ما نجد زادًا، فقال: ((تزود ما تُكِفُّ به وجهك عن الناس، وخير ما تزودتم التقوى)) ... إلخ. ص ٢٤٦- ج٣.

١٧٤
كتاب الحج
الأمرين. والتناسب بين الزَّادين ظاهرٌ، فالمقصود منه الأمر بهذا وهذا. أي تزوّدوا للحج واتقوه
أيضًا، فأبرَزَه في شاكلةِ التعليل، لا أنه تعليل منطقي، فإنَّ المقصودَ فيه لا يكون إلا أمرًا واحدًا،
والتعليل يكون لتقريره فقط. وههنا المقصود أمران، وقد فصلنا الفرقَ بينهما في رسالتنا ((فصل
الخطاب))، فإنهم حَمَلُوا قوله ◌َّ: ((فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ)) ... إلخ، على التعليل المنطقي،
فناقض أوَّلَ الحديث آخره، وكان محل ((إن)) لمجرد التناسب، ولكنهم لم يحملوه عليه. ثم قيل:
إن الظاهر: التقوى خير الزاد، مكان (﴿خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَى﴾)، فراجع للفرق بينهما كلامَ
الزَّمَخْشَري .
٧ - بابُ مُهَلِّ أَهْلِ مَكَّةَ لِلحَجِّ وَالعُمْرَةِ
١٥٢٤ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ: حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ وَقَّتَ لأَهْلِ المدِينَةِ ذَا الحُلَيفَةِ، وَلأَهْلِ الشّأُمِ الجُحْفَةَ،
وَلَأَهْلِ نَجْدٍ قَّرْنَ المَنَازِلِ، وَلأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلُمَ، هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَّى عَلَّيهِنَّ مِّنْ غَيرِ هِنَّ،
مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُوَنَ ذلِكَ فَمِنْ حَيثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةً مِنْ مَكَّةَ.
[الحديث ١٥٢٤ - أطرافه في: ١٥٢٦، ١٥٢٩، ١٥٣٠، ١٨٤٥].
قد علمت أنَّ المصنفَ لم يفرق بين ميقات الحج وميقات العمرة، ولا شيءَ عنده غير
العمومات، وقد علمت المسألة عندنا .
١٥٢٤ - قوله: (ممن أراد الحج والعمرة) تمسك به الشافعية على أن الإِحرام إنما يجبُ
على مَنْ دخل مكة معتمرًا أو حاجًا، أما مَنْ لم يردهما، بل أرادَ التجارةَ أو غيرها، فليس عليه
إحرام. ويجبُ عليه الإِحرام عندنا مطلقًا، لأنه لتعظيم البقعة المباركة، فيستوي فيه الحاجُ
وغيره، فكأن الإِحرام عندنا لازمٌ لمن دَخَلها. وأما عند الشافعية فموقوفٌ على إرادته إحدى
العبادتين. وقوله: ((فمن أراد الحج والعمرة)) نص لهم.
قلنا: إن التمسك به يتوقف على مقدمةٍ أخرى، وهي كون تلك الإِرادة غير لازمةٍ عليه، فإن
قلنا: إن إرادة إحدى العبادتين واجبةٌ عليه، فلا تمسُّك لهم فيه. وقد علمت أن وِزانَه وِزانُ لفظ
الخير، وهذا يستعمل في الفرائض أيضًا، ولا دليل في لفظ الإِرادة فإِنها كما تكون في
المُستحبَّات تكون في الفرائض. فإنَّها مما لا بد منه في جميع الأفعال الاختيارية.
وبعبارة أخرى نقول: إن مَنْ مرّ بالمواقيت يجبُ عليه أن يرِيدَ إحدى العبادتين عندنا، وعند
الشافعية هو مخيّر، إن أراد أن يفعل فعل، وإلا لا. وفهموا أنَّ الحج والعمرة إذا توقف على
إرادته لا يكون واجبًا أصلًا. قلنا: إنما يتم ذلك لو ثبت أن الإرادة لا تُستعملُ إلا في الجائزات،
وليس بثابتٍ، فإنَّها تُستعمل في الواجبات، كلفظ الخير(١). وليس مرادُنا من الأفعال الاختيارية
(١) قلت: ومن نظائره قوله وقلير: ((من أراد الحج فليعجل)). وقوله ◌َّطاهر: ((من أراد فليغتسل)). وقوله وَّل: ((وإذا دخل
العشر وأراد بعضكم أن يضحى فلا يمس من شعره)) على مذهب الحنفية. وقوله الله: ((من أراد منكم الصوم فلا=

١٧٥
كتاب الحج
ما هي في اختيارنا من جهة الشرع، فإنَّ الواجبات تجبُ علينا، ولكن المرادَ منها الاختيارية لغةً
ولا شك أن الواجبَ الشرعي أيضًا اختياري بحَسَب اللغة، بمعنى أن الوجوبَ لا يَسْلُبُ الاختيار
عن المكلف.
ثم إنَّ هذه المسألةَ عندنا في الآفاقي، أما من كان يسكن داخل الميقات، فله أن يدخُلَها
بدون إحرام لرفع الحرج عنه، وهذه هي الحيلةُ لمن أراد أن يدخلَ مكة بدون إحرام، أن ينوي
عند مروره بالميقاتِ موضِعًا(١) في داخل الميقات، ولا ينوي البيت، وحينئذٍ لا يجبُ عليه
الإِحرام، لأنه لم ينو الموضعَ الذي يجبُ عليه الإِحرام لأجله، فإذا دخله يلحقُ بأهله، فيكونُ له
حكم داخلِ المواقيت، ويسقط عنه الإِحرام. ثم المسألةُ فيمن يقعُ في طريقه الميقاتان، أن يحرم
من أولاهما، فإن أحرم من الثانية له ذلك، ولا يجبُ عليه شيءٌ بمرورٍ أوْلى الميقاتين بدون
إحرام، ولم أجد تلك المسألة إلا عند محمد في ((موطئه)) فليحفظ.
٨ - بابُ مِيقَاتِ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَلاَ يُهِلُّونَ قَبْلَ ذِي الحُلَيفَةِ
١٥٢٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
يمنعه أذان بلال)» - أو كما قال - على خلاف فيه من الشيخ. ونظائره في القرآن أيضًا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ
=
وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم ◌َشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩] وقوله تعالى: ﴿فَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَاءَ رَبِهِ.
فَلَيَعْمَلْ عَبَلًا صَلِحًا﴾ [الكهف: ١١٠] وقال أيضًا في ((سورة الفرقان)): ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ اَلَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةٌ لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ
يَذَكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢] فليست الإِرادة في تلك المواضع بخيرته .
أما الإِرادة في قوله ◌َّة: ((من أراد منكم الصوم)) فلأن أذانَ بلال كان في رمضان خاصة، كما مر تقريره. وحينئذ لا
تكون إرادة الصوم إلا في رمضان، وإذن لا يكونُ إلا واجبًا، وإنما يبرز في التعبير هكذا، لكونه في اختياره حِسًا لا
شرعًا، فالواجبات جملة في خيرته بحسب اللغة والحس، وعليه دار العرف. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ
اَلَخِرَةَ﴾ ... إلخ، فجعلها تحت إرادته، بمعنى أن الله تعالى لما جعله مختارًا في أفعاله، خاطبه بما لا يناقض
ذلك، فهو نحو إرخاءٍ للعِنان فقط، لا أن إرادة الآخرة موكولة إلى المرء، بمعنى كون الجانبين جائزين له، بل عليه
أن يريد الآخرة، ولكن تلك لما كانت في اختياره، ومن اختياره، خاطبه كذلك.
يقول العبد الضعيف: وقد يخطر بالبال أنَّ الإرادةَ في الحديث المتنازَع فيه على معنى منع الخلو، فعلى المرءِ أن
يريدَ، إما الحج، أو العمرة، فحملُوه على الاختيار في نفس الإِرادة، فكان الاختيارُ بين العبارتين، فجعلوه بين نفسٍ
العبادة وعدمها، فتلك اعتباراتٌ وملاحظُ تتأتى على المذهبين. أعني أنَّ الجملةَ المذكورة ليست نصًا لهم، كما
زعموه، بل تأتي على المذهبين باعتبار المَلْحظين، فصارت المسألة اجتهاديةً، كلٌّ فيها على خيرِ وسَعة، بلا ضرب
ولا طرد. ويمكن أن يقال: إن القيد اتفاقي، لأن دخولَ الآفاقي عامة لا يكون إلا للحج، أو العمرة. وسيجيء
جواب آخر في: باب دخول الحرم، ومكة بغير إحرام)) ألطف من هذا. والله أعلم.
(١) قال ابن قُدَامة: أما المجاوزُ للميقاتِ ممن لا يريدُ النّسك، فعلى قسمين: أحدهما: لا يريد دخول مكة، بل يريدُ
حاجةً فيما سواها، فهذا لا يلزمه الإِحرام، بلا خلاف. الثاني: من يدخلُ دخولَ الحرم، إما إلى مكة أو غيرها،
فهم على ثلاثة أضرب: أحدها: من يدخلها لقتالٍ مباح، أو من خوفٍ، أو لحاجة متكررةٍ، كالحشَّاش،
والحطاب، وغيرهما، فهؤلاء لا إحرام عليهم ((عيني)) ص ٤٩٩- ج٤ بغاية تلخيص. قلت: ولم يحسن الكلام في
التقسيم، فإنَّ مكة صارت حرامًا إلى الأبد، فلا يحل فيها القتال لأحد.

١٧٦
كتاب الحج
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهَ قالَ: ((يُهِلُّ أَهْلُ المدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيفَةِ، وَأَهْلُ
الشَّأُمِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرٍْ)). قالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قالَ:
((وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ)). [طرفه في: ١٣٣].
واعلم أن المواقيتَ عند فقهائنا على نحوين: ميقاتٌ زماني، وميقاتٌ مكاني. أما الأول:
فهو أشهر الحج. وأما الثاني: فما فضَّلُوه من البُقَع. وقالوا: لا يُقدَّمُ الإِحرام على الأول،
ويستحب له أن يُقدِّمه على الثاني. فيستحب أن يُهل أهل المدينة قَبْلَ ذي الحُلَيْفة، فإنها ميقاتهم،
وأنكره البخاري، ولذا قال: لا يهلوا قَبْلَ ذي الحُلَيْفة، وإنما خصَّصَ أهلَ المدينة بالذكر مع كون
المسألة عامةً، لكون ميقاتهم أقربَ المواقيت، فإذا وجبَ عليهم أن يخرجوا إلى ميقاتهم ويُهلوا
منها، فغيرهم ممن كانت مواقيتهم على بعد، أولى أن يُحرموا منها .
قلتُ: أما المسألة في أهل المدينة خاصة، فينبغي أن تكون كذلك عند الحنفية أيضًا،
وأرجو أن لا تكون خلافًا لمسائلهم، فإنَّ أهلَ المدينة لما كان ميقاتُهم أمامَهم، فلا حاجة لهم
إلى تقديم الإِحرام، مع أن في إحرامِهم بميقاتهم تأسي بالنبيِّ وَِّ، بخلاف غيرهم، فإنَّ لهم
في التقديم عملاً بالعزيمة، وتماديًا في الإِحرام، مع أنه لا يلزمُ عليهم مخالفة للسنة أيضًا،
فافترقا .
٩ - بابُ مُهَلِّ أَهْلِ الشَّأْمِ
١٥٢٦ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ وَيَ لأَهْلَ المَّدِينَةِ ذَا الحُلَيفَةِ، وَلَّأَهْلِ الشَّأُمِ
الجُخْفَةَ، وَلَأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَّ، فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَّى عَلَيَهِنَّ مِنَّ
غَيِرِ أَهْلِهِنَّ، لِمَنْ كانَ يُرِيدُ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلَّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَاكَ حَتَّى أَهْلُ
مَكَّةً يُهِلَّونَ مِنْهَا. [طرفه في: ١٥٢٤].
١٠ - بابُ مُهَلِّ أَهْلِ نَجْدٍ
١٥٢٧ - حدّثنا عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ: حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ :
وَقَّتَ النَّبِيُّ أَلِّ. ح.
١٥٢٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ
سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ لَّهُ يَقُولَّ: ((مُهَلُّ أَهْلِ
المَدِيَنَةِ ذُو الحُلَيفَةِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الشَّأُمِ مَهْيَعَةُ، وَهِيَ الجحْفَةُ، وَأَهْلِ نَجْدٍ قُرْنٌ)). قالَ ابْنُ
عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: زَعِمُوا أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ: ((وَمُهَلُّ أَهْلِ اليَمَنِ
يَلَمْلَمُ)). [طرفه في: ١٣٣].

١٧٧
كتاب الحج
١١ - باب مُهَلِّ مَنْ كانَ دُونَ المَوَاقِيتِ
١٥٢٩ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِّ بَّهَ وَقَّتَ لأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الخُلَيفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّأُمَ الجَّحْفَةَ، وَلأَهْلٍ
اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيهِنَّ مِنْ غَيرٍ أَهْلِهِنَّ، مِمَّنْ كانَّ
يُرِيدُ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كانَ دُونَهُنَّ فَمِنْ أَهْلِهِ، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ مَكَّةً يُهِلُّونَ مِنْهَا. [طرفه في:
١٥٢٤].
وقد مر أنَّ إطلاقَ الحديثِ يقتضي التسويةَ بين مُهَلِّ الحج والعمرة، وإنما قلنا بالفرق بينهما
لما قام عندنا من الدليل عليه من الخارج.
١٢ - باب مُهَلِّ أَهْلِ اليَمَنِ
١٥٣٠ - حدّثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهَ وَقَّتَ لأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلِّيفَةِ، وَلأَهْلِ
الشَّأْمِ الجُحْفَةَ، وَلَأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لأَهْلِهِنَّ، وَلِكُلِّ آت
أَتَى عُلَيهِنَّ مِنْ غَيرِهِمْ، مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كانَ دُونَ ذلِكَ فَمِنْ حَيثُ أَنْشَأَ،
حَتَّى أَهْلُّ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةً. [طرفه في: ١٥٢٤].
قد علمتَ من عادة المصنفِ، أنَّ الحديث إذا كان عنده بطرقٍ عديدة، يُخرجْه مرةً بعد مرة
بتراجمَ عديدةٍ وفوائدَ جديدة.
١٣ - بابٌ ذَاتُ عِرْقٍ لأَهْلِ العِرَاقِ
١٥٣١ - حدّثني عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيرٍ: حَدَّثَنَا عُبَيد اللَّهِ، عَنْ
نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَاً قالَ: لَمَّا فُتِحَ هذانِ المِصْرَانِ، أَتَوْا عُمَرَ، فَقَالُوا: يَا
أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَّ حَدَّ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ
أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا. قالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنَّ طَرِيقِكُمْ. فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ.
قوله: (فانظروا حذوها من طريقكم)، دلّ على جوازِ الإِحرام إذا مرّ بحذائِها، ولا يشترط
المرورُ عليها خاصة.
١٤ - بابٌ
١٥٣٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَل﴿ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ بِذِي الحُلَيفَةِ، فَصَلَّى بِهَا، وَكَانَ عَبْدُ
اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَفْعَلُ ذلِكَ. [طرفه في: ٤٨٤].

١٧٨
كتاب الحج
١٥ - بابُ خُرُوجِ النَِّيِّ ◌َ﴿ عَلَى طَرِيقِ الشَّجَرَةِ
١٥٣٣ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِع،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فَ﴿ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طِرِيقِ الشَّجَرَّةِ،
وَيَدْخُلُ مِنْ طَرِيقِ المُعَرَّسِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿َ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ يُصَلِّي في مسْجِدٍ
الشَّجَرَةِ، وَإِذَا رَجَعَ صَلَى بِذِي الحُلَيْفَةِ، بِبَطْنِ الوَادِي، وَبَاتَ حَتَّى يُصْبِحَ. [طرفه في: ٤٨٤].
واعلم أنَّ الشجرةَ صارت اسمًا بالغلبةِ لذي الحُلَيْفة. ويقال لها الآن: بئر علي. وهذا غير
علي بن أبي طالب. ولفظ الراوي يُشعرُ بالتغاير بين الشجرة، وذي الحُليفة. ثم المُعَرَّسُ موضعٌ
قريب منها، ولكن لا تتميزان لاندراس الرسوم والمعالم. والذي يُظن أن أولها ذو الحُلَيْفة، ثم
المُعَرَّس، ثم العقيق - وادي - . وتلك المواضعُ كلها متقاربةٌ، كما ذكره السَّمْهُودي في ((الوفا)).
ثم اعلم أن النبيَّ وَلَّ خرج من المدينة يوم السبت بعد الظهر(١)، لخمسٍ بَقَيْنَ من ذي
· القعدة، وكان الشهر تِسعًا وعشرين، ودخلَ مكةَ يوم الأحد، لأربع ليالٍ خَلَونَ من ذي الحجة،
فتلك تسعة أيام. وبعد حذفٍ يومي الدخولِ والخروج، تبقى سبعة أيام، لسفره ◌َ ل.
١٦ - بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ◌ََّ: ((العَقِيقُ وَادٍ مُبَارَك))
١٥٣٤ - حدّثنا الحُمَيدِيُّ: حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، وَبِشْرُ بْنُ بَكْرِ التِّنِّيسِيُّ قالا: حَدَّثَنَا
الأَوْزَاعِيُّ قالَ: حَدَّثَنِي يَحْيِىٍ قَالَ: حَدَّثَنَي عِكْرِمَةُ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َّه ◌ِوَادِي العَقِيقِ يَقُولُ: ((أَتَانِي
اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِي فَقَالَ: صَلِّ في هذا الوَادِي المُبَارَكِ، وَقُل: عُمْرَةً في حَجَّةٍ)). [الحديث:
١٥٣٤ - طرفاه في: ٢٣٣٧، ٧٣٤٣].
(١) قال الحافظ في شرح حديث ابن عباس من باب ما يلبس المحرم من الثياب والأردية الأزر، الآتي بعد عدة
أبواب.
قوله: ((وذلك لخمسٍ بَقَيْنَ من ذي القعدة، فقدِمَ مكةَ لأربع ليالٍ خَلَوْنَ من ذي الحجَّة)»، أخرج مسلم مثله من
حديث عائشة رضي الله عنها. احتج به ابن حَزْم في ((كتاب حَجَّة الوداع)) له على أن خروجه ◌َّ من المدينة كان يوم
الخميس، قال: لأن أول ذي الحجة كان يوم الخميس بلا شك، لأن الوقفةَ كانت يوم الجمعة، بلا خلاف، وظاهر
قول ابن عباس: لخمس، يقتضي أن يكون خروجه من المدينة يوم الجمعة، بناءً على ترك عدّ يوم الخروج. وقد
ثبت أنه ◌َيّ صلى الظهر بالمدينة أربعًا، كما سيأتي قريبًا من حديث أنس، فتبيَّنَ أنه لم يكن يوم الجمعة، فتعيَّن أنه
يوم الخميس. وتعقّبهُ ابن القيم بأن المتعيَّنَ أن يكونَ يومُ السبت، بناءً على عدٌ يوم الخروج، أو على ترك عده،
ويكون ذو القعدة تسعًا وعشرين يومًا. اهـ .
ويؤيده ما رواه ابن سعد، والحاكم في ((الإكليل)): أن خروجَه ◌َّر من المدينة كان يوم السبت، لخمس بَقَيْنَ من ذي
القعدة. وفيه ردّ على منع إطلاق القول في التاريخ، لئلا يكون الشهر ناقصًا، فلا يصح الكلام، فيقول مثلاً: ((خمس
إن بقين، بزيادة أداةً الشرط. وحجةُ المُجيز أن الإِطلاقَ يكونُ على الغالبِ، ومقتضى قوله: إنه دخل مكة لأربع
خلون من ذي الحجة، أن يكون دخلها صُبْحُ يوم الأحد، وبه صرح الواقدي. اهـ : ص ٢٦٢ - ج٣ ((فتح الباري)).

١٧٩
كتاب الحج
١٥٣٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: حَدَّثَنَا فُضَيلُ بْنُ سُلَيمانَ: حَدَّثَنَا مُوسى بْنُ عُقْبَةَ
قالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ: أَنَّهُ رُبِيَ وَهُوَ
مُعَرِّسٌ بِذِي الحُلَيِفِةِ، بِبَطْنِ الوَادِي، قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ. وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ،
يَتَوَخَّى بِالمُنَاخِ الذَّيِ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُنِيخُ، يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسولِ اللَّهِ ◌َ، وَهُوَ أَسْفَلُ مِنَ
المَسْجِدِ الذَّيِ بَبَطْنِ الوَادِي، بَينَهُمْ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ وَسَطٌّ مِنْ ذلِكَ. [طرفه في: ٤٨٣].
١٥٣٤- (وقل: عمرة في حَجّة)، وهذا نصٌّ للحنفية أن النبيَّ ◌َلّ كان قارنًا من أول
إحرامه، فإنَّ وادي العقيق عند ذي الحليفة، وهي ميقات أهل المدينة.
وبالجملة قد ثبت قِرَانُهُ وَِّ ثبوتًا لا مردّ له، وإنما اختلف الصحابة في نقل حجه ◌ِّمَ(١)،
(١) قلت: وقد ذكر القوم في سر اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في إحرام النبي ◌َ لّ وجوهًا، نذكر منها ثلاثة:
أحراها عندي ما ذكره الشاه ولي الله قُدْس ◌ِرُّه، قال الشيخ ولي الله المحدث الدِّهلوي في ((المسوى شرح
الموطأ»: التحقيق في هذه المسألة أنَّ الصحابة لم يختلفوا في حكاية ما شاهدوه من أفعال النبي بَّ، من أنه
أحرم من ذي الحليفة، وطاف أولَ ما قَدِم، وسعى بين الصفا والمروة، ثم خرج يومَ التروية إلى مِنَى، ثم وقف
بعرفات، ثم بات بمزدلفة، ووقف بالمشعر الحرام، ثم رجع إلى منى، ورمى، ونحر، وحلق، ثم طاف طواف
الزيارة، ثم رمى الجمار في الأيام الثلاثة، وإنما اختلفوا في التعبير عما فعل باجتهادِهم وآرائهم. فقال بعضهم:
كان ذلك حَجًا مفردًا، وكان الطوافُ الأول للعمرة، كأنهم سَمَّوا طوافَ القدوم والسعيَ بعده عمرةً، وإن كان
للحج. وقال بعضهم: كان ذلك قِرَانًا، والقِرَانُ لا يحتاجُ إلى طَوَافين وسعيين، وهذا الاختلاف في الاجتهاديات،
أما إنَّه سعى تارةً أخرى، بعد طواف الزيارة، فإنَّه لم يثبت في الروايات المشهورة، بل ثبت عن جابرٍ أنه لم يَسْع
بعده. انتهى .
والثاني: ما ذكره ابن العربي في الجزء الرابع من شرحه، المسمى بـ: ((العارضة)) قال: وأكثر مَنْ روى الإِفراد في
الإِحرام، يرجعُ حديثُه في آخر الأمر إلى أنه كان قارنًا، أو متمتعًا. ودارت الروايات على عَشَرة من أصحاب
رسول الله مَّة، وهم: عمر، وابن عمر، وعلي، وعائشة، وحفصة، وأنس، وجابر، وابن عباس، وأبو موسى،
وأسماء. وقد رُوي أيضًا في ((الصحيح)) عن عمر. وفي الأحاديث اختلافٌ عظيم في ((الصحيح)) لا يعلمه إلا الله
والراسخون في العلم، جَعَلنا الله منهم برحمته. قال الطبري: جملة الحال أنَّ النبيَّ يٍَّ لم يكن مُحِلاً، لأنه قال:
((لو استقبلت من أمري ما استَذبرتُ ما سُقتُ الهدى، ولا جعلتُها عمرة))، ولو كان مفردًا كان معه واجبًا، كما
قال(*) وذلك لا يكونُ إلا للقارن، ولأن الروايات الصحيحة قد تكاثرت، فإن لبى بهما جميعًا، فكان من زاد
أولی.
ووجه الاختلاف أنَّ النبيَّ وَّ لما عقد الإِحرام، جعل يُلبي تارةً بالحج، وتارةً بالعمرة، وتارة بهما جميعًا، لعله أن
يَبينُ له واحدةً منهما، وهو في ذلك كله يقصدُ الحج ويطلب كيفية العمل، حتى نزل عليه جبريل في وادي العقيق،
وقال له: قل: عمرة في حجة؛ فانكشف الغطاء، وتبين المطلوب: ص ٣٦، و ٣٧- ج٤.
قلت: جواب القاضي أيضًا لطيفٌ، فإنَّه جعله من باب قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ فَلَتُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةً
تَرْضَهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] فكان النبيُّ نَّه يترقّبُ ويتحرى في أمر حجه أن يُعينَ له إحرامًا من قبل الوحي. حتى قيل
له: قل: حجة في عمرة، فحينئذ قرن به، على ما هو نظر الحنفية، كثرهم الله تعالى. كما أنه انتظرَ أنْ تحوَّلَ قِبلتُه
إلى البيت، فنزل الوحي به ((التنبيه)). قوله: ((ولا جعلتها عمرة)) هكذا وجدناه في الأصل، ولكن الصواب ((لجعلتها
عمرة)»، وفي عبارته بعض سهو من الناسخ بعد.
==

١٨٠
كتاب الحج
لأنه كان معاملةَ ألوف من الصحابة، فنقل كلٌّ منهم حَسَبَ ما سمع من تلبية النبي ◌َّ. وأنت
تعلَمُ أن القارن له أن يُلبي كيف شاء. فمن سمع منه: لبيك بحجة زَعَمَ أنه مفرد، وأصاب حَسَب
زعمه، وكذلك من سمع: لبيك بعمرة، ظنَّ أنه متمتِّع، والأمر ما قررنا. وإنما لم نبسط في إثبات
قِرَانِه ◌َهِ، لأنَّ علماءَ المذاهب الأربع، كادوا أن يتفقوا على ذلك، بل قد اتفقوا مع اختلافٍ
بينهم، في أنه كان معتمرًا في أول أمره، ثم قَرَن، أو كان قارنًا من أول الأمر. وراجع
((الطحاوي)) فإنَّه قد بَسَطَ الكلامَ في المسألة بما لا مزيد عليه. ونقل القاضي عِيَاض أنَّه صنف في
إثبات قِرَانِهِ مَِّ ألفَ ورقةٍ. وأرى أنَّ للمالكيّة اعتناءً بتصانيف الطحاوي أزيدَ من الحنفية.
١٧ - باب غَسْلِ الخَلُوقِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِنَ النِّيَاب
واعلم أنَّ الخَلُوق اسم لنوع من الطيب، يُجعل فيه الزعفران، والزعفرانُ مباحٌ أكلًا،
ومحرم تطيًُّا لأجل اللون، لا أريد للمحرم، بل للرجل في سائر أحواله. ثم إنَّ من تطيِّبَ قَبْل
الإِحرام(١)، وبقي أثره، أو عينُه بعده جاز عندنا، وإنما محذورُ إحرامه أن يتطيَّبَ بعد الإِحرام
بخلاف اللباس، فإنَّ المحظورَ منه محظورٌ ابتداءً وبقاءً. وقالت المالكية: إن الباقي إن كان أثرًا
للطیب، فجائزٌ، وإن كان عليه فلا .
١٥٣٦ . قَالَ أَبُو عاصِمٍ: أَخْبِرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى
أَخْبَرَهُ: أَنَّ يَعْلَى قالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَرِنِي النَّبِيَّ ◌ََِّ حِينَ يُوحِى إِلَيهِ. قَالَ: فَبَينَما
النَّبِيُّ وَّهَ بِالجَعْرَانَةِ، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيفَ تَرَى
فِيَ رَجُلِ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ بَ سَاعَةٌ، فَجَاءَهُ الوَحْيُ،
فَأَشَارَ عُمِّرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى يَعْلَى، فَجَاءَ يَّعْلَى، وَعَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَِّ ثَوْبٌ قَدْ أُظلَّ بِهِ،
والثالث: ما ذكره الخطابي، قال: إن الشافعي قد أنعم بيان هذا المعنى، أن المعلومَ في لغة العرب جوازُ إضافةٍ
=
الفعل إلى الآمر به، كجواز إضافته إلى الفاعل له. وكان أصحاب رسول الله ◌َّي. منهم المفرد، والقارن،
والمتمتع، فجاز أنْ تضاف كلها إلى رسول الله وَّةٍ. ويحتملُ وجهًا آخر، وهو أن يكونَ بعضُهم سمعه يقول: لبيك
بحج، فحكى أنه أفرَدَها، وخَفي عليه قوله: وعمرة، فلم يحك إلا ما سمع، ووعى غيره الزيادة، فرواها، ولا تنكّرُ
الزيادات في الأخبار، كما لا تنكر في الشهادات. وقد يحتمل أيضًا أن يكون الراوي سمع ذلك، يقوله على سبيل
التعليم لغيره. وهذه الروايات على اختلافها في الظاهر، ليس فيها تكاذبٌ. ولا تهاترٌ، والتوفيق بينهما ممكن. انتهى
(معالم) ص ١٦٢ ج ـ ٢. مختصر.
(*) قوله: ((كان معه واجبًا)) كذا في الأصل المنقول، والمنقول عنه، ولينظر فيه (المصحح).
(١) قلت: ولعل هذا الطيب كان هو الخَلُوق، وهو ممنوعٌ مطلقًا، سواء كان قبل الإِحرام، أو بعده كما يظهرُ من
تبويب البخاري. وحينئذٍ يخرج الكلامُ عما نحن فيه، فإنَّه لا تكون فيه مسألة الطيب في الإِحرام، بل ترجع إلى
استعمال الخلوق، هكذا يُستفاد من بعض ما كُتِب عن الشيخ. ويدل عليه ما قال الخَطَّابي: ص ١٧٥ - ج٢: وقد
يَتَوهم من لا ينعم النظر أنَّ أمرَهُ إياه بغسلٍ أثرِ الخلوق والصفرة، إنما كان من أجل الإِحرام، لا يجوز له أن
يتطيِّبَ قبل الإِحرام. بما يبقى أثره بعد الإِحرام، وليس هذا من أجل ذلك، ولكن من التَّضمُّخ بالزعفرانِ حرامٌ
على الرجل، في حَرَمه وحلُّه. اهـ .