Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ كتاب الزكاة قوله: (فأخذوا قصبة يذرعونها) ... إلخ، وذلك بعد ما خرج من عندهن(١)، ولو كان بين يديه لما كان فيه قلق أيضًا، فإنَّ المقصودَ كان هو الإِخفاء، والإِبهام على السنة في مثل تلك الأبواب، فطاح ما كفر به هذا اللعين، فإنَّ من أصوله أن الأنبياء عليهم السلام قد لا يفهمون ما يُوحى إليهم أيضًا والعياذ بالله. نعم، هذا من دَجَلِهِ، والذي ينبغي عليه الاعتقاد أن أنباءهم لا يشوبها كذب، فلا يغلَطُون فيها، ولا يُغالَطُون، وإنما هو طريق من لا يخبر إلا بالدَّخ، فيخلِطُ معه ألف كذبة من عند نفسه، فإنْ وجدتَ في موضع نقصًا أو زيادةً من أخبار الرسل، فإنما هو من جهة الرواة، ولكونها منقولة بطريق خبر الآحاد، فلا يُؤْمَنُ بكونها من لفظ النبي ◌َّر، لا أن أخبار الأنبياء عليهم السلام قد تشتمل على الغلط، ونعوذُ بالله من الزَّيغ، وأن هدمَ القطعيات بالظنيات ليس من دأب الإِنسان. وأما قصة الحُدَيْبِيَة فهي أيضًا مما تمسك بها على كفره، مع أنه لم يزد فيها توقيت، ولا أنه سافر لذلك. وأما الرجاء والقصد، فليس من الأخبار في شيء، فإنَّ النبيَّ ◌َّ أخبر أبا بكر رضي الله عنه بغلبة الروم، فرجا أبو بكر رضي الله عنه أن يكون هذا في المدة التي مادَّها، ثم لم تُغلب الروم فيها. ولذا قال له عمر رضي الله عنه: ومتى قال النبيُّ بَّر: إنها تكون في تلك السنة؟، فالأخبارُ عن الأنبياء عليهم السلام لا تحملُ الغلط أصلًا، نعم، الرجاء والقصد أمر آخر، فإنَّ بناءهما يكونُ على الأسباب الظاهرة. والحاصل: أن الأمة كافة إذا أجمعتْ على صِدق أخبار الأنبياء عليهم السلام، فخلافُه بنوعٍ من الحيل، والتمسك بالمحتَمَلات كفرٌ بحتٌ. ١٣ - بابُ صَدَقَةِ العَلَاَنِيَةِ وقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُم ◌ِلَيْلِ وَالنَّهَارِ سِنَّا وَعَلَانِيَةً﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤]. (١) قلت: فقد أخرج الطحاوي رحمه الله في ((مشكله)): حدثنا يحيى بن إسماعيل البغدادي أبو زكريا بن حلزية: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال النبي وَال الأزواجه: ((يتبعني أطولكن يدًا)) قالت عائشة: وكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة النبي ◌َّ نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلا نزالُ نفعلُ ذلك حتى تُوفيت زينب ابنة جحش ابن رباب، زوج النبي ◌ََّ، وكانت امرأةً قصيرةً رضي الله عنها، ولم تكن أطولنا يدًا، فعرفنا حينئذٍ إنما أراد النبي ◌َّ: الصدقة. قالت: وكانت زينبُ امرأةً صناعة اليد، تذيع الخيرَ، وتجوز، وتتصدق به في سبيل الله، ففي تلك الرواية دليلٌ على أنَّ قِصة تطاولٍ الأيدي لم تكن بحضرته وَّله، بل ولا في حياته أيضًا، فاعلمه. وفي نفس تلك الرواية دليلٌ على أنَّ النبي ◌َِّ كان أعرفُ بمعنى ما يخبر به، حيث قالت عائشة رضي الله عنها: فعرفنا حينئذ إنما أراد النبي نَّر ... إلخ، ولم تقل: وحينئذ تبين المراد منه، على خلاف ما كان النبي ◌َّ يفهمه والعياذ بالله، فانظر الفرق بين من يُؤتى فهمًا سليمًا، وبين من يُطبع على الكفر، نعم، كانت تلك المقالة أولى بشأن الدَّجال، فتفوه بها، فإنَّ الإِناء يترشَّح بما فيه، لعنه الله، وملأ حفرته نارًا . ١٠٢ كتاب الزّكاة ١٤ - بابُ صَدَقَةِ السِّرِّ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ: ((وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمالُهُ ما صَنَعَتْ يَمِينُهُ)). وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا هِىّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. بحث العلماءُ في المفاضلة بين صدقةِ العلانية والسر، وكذا في الجهر بالقرآن والإِسرار به. وفي الفقه أن الأفضل في الزكاة والفرائض أن يجهرَ بها، وفي النافلة أن يسر بها. قلتُ: ليس لها ضابط كليُّ، والأقرب أن يقسم على الحالات، فتارة كذا، وتارة كذا، ((حتى لا تعلم شماله))، وعند مسلم: ((حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله))، وهو قلبٌ من الراوي قطعًا. ١٥ - بابٌ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ وهو معتبر عندنا أيضًا بشرطِ التَّحري. وتمسك له البخاري رحمه الله بقصة رجلٍ من بني إسرائيل، وهذا طريقه فيما قصها الله علينا من أمورهم، كما في ((الحسامى))، أن شرائعَ مَنْ قبلنا حجةٌ، بشرط عدم النَّسخ، بل طريقة تمسُّكه أوسع منه، فيتمسك بالعمومات والإِطلاقات كثيرًا، بل لا بأس عنده من التمسك بالوجوه الفاسد المذكورة في كتب الأصول. ثم إن مسألة الحنفية في الزكاة، ولا يعلم لههنا أنها كانت زكاةً أو صدقةً نافلة، والمصنف رحمه الله لرفعه محله لا يُبالي بهذه الأمور، فيتمسك بالنافلةِ للفرض، وبالعكس، لما علمت أن طريق الاستدلال عنده أوسعُ من الكل. ١٤٢١ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ إِ لَقالَ: ((قَالَ رَجُلٌ: لأَتَصَدَّقَّنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ! فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَّك الحَمْدُ، لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا في يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَّكَ الحَمْدُ، عَلَى زَانِيَةٍ؟ لأَنَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ، فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَلَى غَنِيٌّ! فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، عَلَى سَارِقٍ، وَعَلَى زَانِيَةٍ، وَعَلَى غَنِيٍّ، فَأُتِيَ: فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ: فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ: فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الغَنِيُّ: فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ، فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ)). ١٤٢١ - قوله: (أما صدقتك على سارق، فلعله أن يستعف عن سرقته، وحاصله أنه كَفى للصدقةِ وِجْهتُه من الخير، ولا يشترط أن يكون خيرًا من كل جهة. ١٦ - بابٌ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى ابْنِهِ وَهُوَ لاَ يَشْعُرُ ١٤٢٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ: حَدَّثَنَا أَبُو الجُوَيرِيَةِ: أَنَّ مَعْنَ بْنَ ١٠٣ كتاب الزّكاة يَزِيدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ قالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِوَِّ أَنَا وَأَبِي وَجَدِّي، وَخَطَبَ عَلَيَّ فَأَنْكَحَنِي، وَخَاصَمْتُ إِلَيهِ: وكانَ أَبِي يَزِيدُ أَخْرَجَ دَنَانِيرٍ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ في المَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُه بِهَا، فَقَالَ: واللَّهِ ما إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَىْ رَسُولِ اللَّهِنَّهِ، فَقَالَ: ((لَكَ مَا نَوَيتَ يَا يَزِيدُ، وَلَكَ ما أَخَذْتَ يَا مَعْرُ)). وفي ((الهداية)): أن التصدق على ابنه لا يُعتبر، وراجع كلامَه للفرق بين الغني، والابن. والفرقُ عندي أنهم أداروا الفقر والغنى، على العلم فقط، دون الواقع بخلاف تحقيق الأصول والفروع، فإنهم فهموا أنه لا تعسُّر في معرفتهم، فينبغي أنْ يُدار على الواقع، وإنما يُقطعُ النظرُ عن الواقع، ويُدار على العلم فيما تعسر الاطلاع على حقيقته. ولما كان المتصدَّقُ عليه ابن الرجل، أو أباه لم يتعسر له تحقيق الواقع؛ فأديرَ الأمرُ عليه، ولذا لم يعتبروه إذا ظهر أنه ابنه. أما المصنف رحمه الله فذهب إلى الاطلاق، فلعله لا فرقَ عنده في الصورتين. أما الحديث فلا يردُ على الحنفية، لأنه لا دليلَ فيه على أن صدقته كانت فريضة، أو نافلة، فإن كان الثاني فلا نُنكره أيضًا، كما عرفت آنفًا. ثم لا بد له أن يعتبرَ التَّحري، وإن لم يذكره في اللفظ، فإن إضاعَته تُوجب إلغاءَ قيد الفقر المنصوص، فإنَّه إن كان التصدقُ جائزًا على الغني تحرى بكونه فقيرًا، وإلا لزمَ أن لا يكون الفقرُ شرطًا، وتصح الزكاة للفقير وغيره سواء، وهذا باطلٌ قطعًا، فقيدُ التَّحري وإن لم يكن مذكورًا في عبارة المصنف رحمه الله، لكنه لا بدَّ منه. والحاصل: أن المصنف رحمه الله ذهب إلى التوسيع، ولم يفرق بين الغني، وبين الأصول والفروع، ثم ينبغي للأصوليين أن يُمعِنُوا أنظارهم في هذا الحديث، أنه هل يفيدُ جواز المشي على التَّحري عند إبهام الحال أم لا؟ واختلفوا في القبلة عند عدم التَّبيُّن، أنها جهة التَّحري، أو الكعبة شرفها الله تعالى. وثمرتُه تظهرُ فيما إذا ظهر الخطأَ بعد الصلاة، فذهب جماعة ممن قال: إنها الكعبة شرفها الله تعالى، إلى أنه يُعيدها، ومن قال: إنها جهة التَّحري، ذهب إلى أنه لا يعيدها، والأول منسوب إلى المالكية. ١٤٢٢ - قوله: (لك ما نويت) فيه تقسيمه على الجهات، كما فعل في التصدق على القريب، حيث اعتبر فيه الجهتان، فجعل فيه أجران: أجرُ التصدق، وأجرُ صِلة الرَّحم، وهذا من علوم النُّبوة. ١٧ - بابُ الصَّدَقَةِ بِاليَمِينِ ١٤٢٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنِي خُبَيبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ حَفص بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِّ ◌َ قَالَ: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِيَ ظِلِّهِ يَوَّمَ لَا ظِلُّ إِلَّا ظِلَّه: إِمامٍ عَدْلٌ، وَشَابٌ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلِبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابًّا في اللَّهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)). [طرفه في: ٦٦٠]. ١٠٤ كتاب الزّكاة ١٤٢٤ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قالَ: أَخْبَرَنِي مَعْبَدُ بْنُ خالِدٍ قالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبِ الخُزَاعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َلَ يَقُولُ: ((تَصَدَّقُوا، فَسَيَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمانٌ، يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْس لِقَبِلتُهَا مِنْكَ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهَا)). [طرفه في: ١٤١١]. ١٨ - بابُ مَنْ أَمَرَ خادِمَهُ بِالصَّدَقَةِ وَلَمْ يُنَاوِل بِنَفْسِهِ وَقَالَ أَبُو مُوسى، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ: ((هُوَ أَحَدُ المُتَصَدِّقَيْنِ)). دخل في آداب الصدقة. قوله: (أحد المتصدقين) وهذا اللفظُ لا يُوجب مساواةَ الأجر بينهما، وإن أمكن التساوي أيضًا في بعض المحال، بحسبٍ تفاوت النيات والإِخلاص. ١٤٢٥ - حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَيهِ: ((إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا، غَيرَ مُفسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلخَازِنِ مِثْلَُ ذلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيئًا)). [الحديث ١٤٢٥ - أطرافه في: ١٤٣٧، ١٤٣٩، ١٤٤٠، ١٤٤١، ٢٠٦٥]. ١٤٢٥ - قوله: (غير مفسدة)، أي لا تريدُ إفسادَ مال الزوج. قوله: (لا ينقص بعضهم أجر بعض)، وهذا أيضًا لا يستلزمُ المساواةَ، بل معناه أنه يوفر لكلٍ مقتضى عمله . ١٩ - بابٌ لاَ صَدَقَةَ إِلاَّ عَنْ ظَهْرٍ غِنَّى وَمَنْ تَصَدَّقَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ، أَوْ أَهْلُهُ مُحْتَاجٌ، أَوْ عَلَيْهِ دَيٌ، فَالدَّينُ أَحَقُّ أَنْ يُقْضى مِنَ الصَّدَقَةِ وَالعِثْقِ وَالهِبَةِ، وَهُوَ رَدِّ عَلَيْهِ، لَيِسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ أَمْوَالَ النَّاسِ. قَالَ النَّبِيُّ ◌َِلِّ: (مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِثْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ)). إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالصَّبْرِ، فَيُؤْثِرُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَوْ كَانَ بِهِ خَصَاصَةٌ، كَفِعْلٍ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ تَصَدَّقَّ بِمَالِهِ، وَكَذلِكَ آثَرَ الأَنْصَارُ المُهَاجِرِينَ، وَنَهى النَّبِيُّ بََّ عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ. فَلَيْسَ لَه أَنْ يُضَيِّعَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِعِلَّةِ الصَّدَقَةِ. وَقَالَ كَعْبٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ وَ، قَالَ: «أَمْسِكْ عَلَيكَ بَعْضَ مالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)). قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيِبَرَ. ١٤٢٦ - حدّثنا عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَّمَ قَالَ: ((خَيرُ الصَّدَقَةِ ما ١٠٥ كتاب الزّكاة كانَ عَنْ ظَهْرٍ غِنَّى، وَابْدَأُ بِمَنْ تَعُولُ)). [الحديث ١٤٢٦ - أطرافه في: ١٤٢٨، ٥٣٥٥، ٥٣٥٦]. أي ينبغي له أن يتصدَّق، ويتركَ الغنى خلفه، وليس له أن يتصدقَ بكله، هكذا فهمه الشارحون. أقول: وله معنى آخر أيضًا، وهو أن للرجل استظهارًا بالمال وإعانةً منه، فينبغي أن يتصدقَ بحيث لا يفوتُ عنه هذا الاستظهار(١) . قوله: (وهو رد عليه)، فالمصنف رحمه الله ردًّ جميعَ تصرفاتِ المديونِ من العتق، والهبة، والصدقة إذا لم یقض دينه. قلتُ: إن كان مرادُه بالردِّ عدم القَبُول، فهو من باب الآخرة، فلا يكونُ في كلام المصنف دليلًا على بطلان تلك التصرفات، فيجوز كون بعضها صحيحًا في الدنيا، مع كونه مردودًا في الآخرة، نعم إن كان مراده الردَّ باعتبار عدم الصحة، ففيه دليلٌ على بطلانها عنده لأن الصحةً والبطلانَ من أحكام الدنيا، وفضَّل فيها إمامنا رحمه الله أيضًا، فراجعه من الفقه. قوله: (يريد إتلافها)، يعني إنَّ السخاوةَ مع ركوب الديون ليس من النية الصحيحة في شيء، وإنما السبيل أن يقضي دَيْنه أولًا، ثم ينفقُ ما شاء. قلتُ: وهذا أيضًا ليس بمطّردٍ، فإنَّ التصدقَ بجميع المال قد يعد محبوبًا، كما تصدق أبو بكر رضي الله عنه بجميع ماله، وإن كانت الضابطةُ العامةُ هي التصدق عن ظهر غنىً. قوله: (إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله)، ولعله استشارةٌ لا نذر . ١٤٢٧ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَكِيمٍ بْنِ حِزَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قالَ: ((اليَدُ العُليَا خَيرٌ مِنَ اليَدِ السُّفلَى، وَابْدَأُ بِمَنْ تَعُوَّلُ، وَخَيرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرٍ غِنّى، وَمَنْ يَسْتَعْفِفِ يُعِقَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ)). ١٤٢٨ - وَعَنْ وُهَيبٍ قالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: بِهذا. [طرفه في: ١٤٢٦]. (١) وقد فسَّره الخَطَّابي، فقال: أي عن غنىَ يُعتمد عليه، ويستظهرُ به على النوائب التي تنوبه، بقوله في حديث آخر: ((خير الصدقة ما أبقت غنىَ)). قال التُّورِبِشْتي: إنه عبارة عن تمكنِ المتصدقِ عن غنىّ. وذلك مثل قولهم: هو على ظهرِ سيرٍ، وراكبٌ منَ السلامة، وغير ذلك من الألفاظ التي يُعبر بها عن التمكن من الشيء. وإنما قلنا: عن غنى إما لمجيئه منكَّرًا، وإنما لم يأت به معرَّفًا ليفيدَ أحد المعنيين في إحدى الصورتين، إما استغناؤه عما بُذل بسخاوة النفس، وقوة العزيمة ثقة بالله سبحانه، كما كان من أبي بكر رضي الله عنه، وإما استغناءً بالعَرَض الحاصل في يده، فبَيَّن النبيُّ وَّر بقوله هذا: إنه لا بد للمتصدق من أحد الأمرين: إما أن يستغني عنه بماله، أو يستغني عنه بحاله، وهذا أفضل اليسارين، وإنما الغنى غنى النفس. انتهى مختصرًا. ١٠٦ كتاب الزّكاة ١٤٢٩ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ أَيُّونَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ وَلّهِ (ح). وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنِ مالِكِ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّقالَ، وَهُوَّ عَلَى المِنْبَرِ، وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعقُّفَ وَالمَسْأَلَّةَ: ((اليَدُ العُليَا خَيْرٌ مِنَ الَيَدِ السُّفَلَى، فَاليَدُ العُلَيَا هِيَ المُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ)). ١٤٢٧ - قوله: (اليد العليا خير من اليد السفلى). وفي شرحهما أقوال: فقيل: المتعففة والسائلة. وقيل: المعطية والآخذة. وقيل: الأُولى يد الله، والثانية يد المخلوق. والأحاديث وردت بكل منها، إلا أنَّ الرواةً قد وقع منهم الخلطُ في بعض المواضع، فذكروا أحدهما موضع الآخر، كما في الرواية الآتية، فجعل اليد العليا المعطية، والسفلى السائلة، مع أنه رُوعي فيه الطباق، والمنفقة تقابلُها الآخذة، كما أن السائلَة تقابلُها المتعففة. ثم الذي يخطرُ بالبال أن الثالثَ ليس شرحًا للحديث، بل هو مضمون مستقل، أدرجه الشارحون في جملة الشروح، نظرًا إلى مجردٍ لفظ اليد. والله تعالى أعلم بالصواب. قوله: (ومن يستعفف يعفه الله) أي من يتكلف العِفَّة، جعلها الله له مَلَكَة. ولهُهنا بحث للعقلاء: أن الأخلاق والمَلَكات هل تكون فطريةً، أو مكسوبةً؟ وبحث عليه الدَّوَّاني أيضًا. والذي يظهر أنها فطريةٌ، كما يدل حديث وفد عبد القيس، لما تسارع شُبَانهم إلى النبي ◌َّـ وتركوا رَوَاحِلَهم غير معقولة، وتخلف عنهم رئيسهم الأشَج، فعقل رِكابهم، واغتسل، ثم حضرَ مجلس النبي ◌َّةِ، فبشَّرَه النبيُّ وَّر بالخصلتين: الحلم. والأناة، وأخبر أنهما فطريتان فيه. قلتُ: ونقلُ الجبل عندي أهون من تغير الجِبِلَّة، اللهم إلا أن يكون من الألوف واحدٌ ذو حظِ، ممن أكرمه الله فتغيرت جِبِلتُه برياضات ومجاهدات، وقليلٌ ما هم. ٢٠ - بابُ المَنَّانِ بِمَا أَعْطى لِقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنَّا وَلَا أَذْىٌ﴾ [البقرة: ٢٦٢] الآيَةَ. ولما كان من دأب المُعطِي أنَّه قد يَمن بما أعطى على مَنْ أعطى، وذلك يُحبِطُ أجره. فأصلحه الشرع، ونبه عليه لئلا ينقُّضَ غَزْلَه. ٢١ - بابُ مَنْ أَحَبَّ تَعْجِيلَ الصَّدَقَةِ مِنْ يَوْمِهَا ١٤٣٠ - حدّثنا أَبُو عاصِم، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنٍ أَبِي مُلَيكَةَ: أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ الحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ قالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ◌َيْهِ العَصْرَ، فَأَسْرَعَ ثُمَّ دَخَلَ البَيتَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ، فَقُلتُ، أَوْ قِيلَ لَه، فَقَالَ: ((كُنْتُ خَلَّفْتُ في البَيتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ، فَقَسَمْتُهُ)). [طرفه في: ٨٥١]. ١٠٧ كتاب الزّكاة ١٤٣٠ - قوله: (كنت خلفت في البيت تبرًا من الصدقة) وإنما تسارع إلى إنفاقه، مع أنه لم يكن من مال نفسه، لئلا يمضي عليه اليوم، فيكون عنده من الدنيا شيء. والنهار الشرعي ينتهي بالعصر. ولذا تتعاقبُ فيه الملائكة، والتفصيل مر من قبل. ٢٢ - بابُ التَّحْرِيضِ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالشَّفَاعَةِ فِيهَا ١٤٣١ - حدّثنا مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا عَدِيٌّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهِ عَنْهُمَا قالَ: خَرَجَ النَّبِيُّنَّهَ يَوْمَ عِيدٍ، فَصَلَّى رَكْعَتَينٍ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلُ وَلَاَ بَعْدُ، ثُمَّ مالَ عَلَى النِّسَاءِ، وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلِقِي القُلبَ وَالخُرْصَ. [طرفه في: ٩٨]. وهذا أيضًا بابٌ يختلفُ باختلاف الأزمان، فالأولى في بعضها عدم التحريض. ١٤٣١ - قوله: (فصلى ركعتين لم يصل قبلُ ولا بعدُ) وهو المذهب عندنا، واعتَرضَ عليه مولانا عبد الحي رحمه الله أنه لا دليل فيه للحنفية، لأنه يدل على نفي الصلاة لا على نفي جوازها . قلتُ: كيف! ولما احتمل عدم صلاته نفيها اتفاقًا، ونفيها على أنها ليست بجائزة، جاز للمجتهد أن يحملَه على أحدهما، ولا محذورَ في ترجيح المجتهد لأحد الاحتمالين في النص، ولا يجبُ إقامةُ الدليل على ترجيح المحتملات، فإنه يكفي له اجتهاده أيضًا، ولا يعد هذا خلافًا للنص قطعًا. كيف! والنص قد احتَمَله فحمَلَه عليه، وإنما يتردد فيه من لا يفرق بين المنصوص والاجتهاديات. ١٤٣٢ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ: حَدَّثَنَا أَبُوِ بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسى، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِنَّهِ إِذَا جاءَهُ السَّائِلُ، أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ، قالَ: ((اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ وَِّ مَا شَاءَ)). [الحديث ١٤٣٢ - أطرافه في: ٦٠٢٧، ٦٠٢٨، ٧٤٧٦]. ١٤٣٢ - قوله: (اشفعوا) ... إلخ، وأصوب الشروح: أن اشفعوا أنتم، ولا تترقبوا أن أقضي على وَفْق شفاعتكم، فإنَّ الله يقضي على لساني ما شاء، فقد أخالفكم أيضًا، ولكن لكم أجرُ الشفاعة في الصورتين، فلا تضيعوه، وقد جعل بعضهم قوله: (ويقضي الله) ... إلخ، جملة مستأنفَة، بمعنى أن ما يُجري الله على لساني يكون صوابًا كله، وهذا مرجوح. ١٤٣٣ - حدّثنا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ فاطِمَةَ، عَنْ أَسْماءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ◌ََِّّ: ((لَا تُوكِي فَيُوكى عَلَيَكِ)). [الحديث ١٤٣٣ - أطرافه في: ١٤٣٤، ٢٥٩٠، ٢٥٩١]. حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبَةً، عَنْ عَبْدَةَ، وَقَالَ: ((لَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيكِ)). ١٤٣٣ - قوله: (لا توكي فيوكى عليك)، ولا بد فيه من لِحاظ الشرائط والموانع، إلا أن ١٠٨ كتاب الزّكاة استيفاء الشرائط، واستقصاء الموانع ليس من سُنة أبوابٍ الترغيب والترهيب. ٢٣ - بابُ الصَّدَقَةِ فِيمَا اسْتَطَاعَ ١٤٣٤ - حدّثنا أَبُو عاصِم، عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ. ح. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيم، عَنْ حجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِّ جُرَيَجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيِكَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبَّدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبِّيرِ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَسَّمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّها جاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ◌َهُ فَقَالَ: ((لَا تُوَعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيكِ، ارْضَخِي ما اسْتَطَعْتِ)). [طرفه في: ١٤٣٣]. ٢٤ - بابٌ الصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ ١٤٣٥ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ،ٍ عَنْ حُذَيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنَّهُ: أَيُّكُمْ يَحْفَظَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ بِهِ عَنِ الفِتْنَةِ؟ قالَ: قُلتُ: أَنَا أَحْفَظُهُ كما قالَ. قالَ: إِنَّكَ عَلَّيْهِ لَجَرِيٌ، فَكَيفَ قالَ؟ قُلْتُ: فِتْنَةُ الرَّجُلِ في أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَجارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالمَعْرُوفُ - قالَ سُلَيمَانُ: قَدْ كانَ يَقُولُ: الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ - قالَ: لَيسَ هذهِ أُرِيدُ، وَلكِنِّي أُرِيدُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ البَحْرِ، قالَ: قُلتُ: لَيسَ عَلَيكَ بِهَا - يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ - بَأْسٌ، بَينَكَ وَبَيْنَهَا بَابٌ مُغْلَقٌ، قالَ، فَيُكْسَرُ البَابُ أَوْ يُفتَحُ؟ قالَ: قُلتُ: لَا، بَل يُكْسَرُ، قالَ: فَإِنَّهُ إِذَا كُسِرَ لَمْ يُغْلَقْ أَبَدًا. قالَ: قُلتُ: أَجَلِ. قَالَ: فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ مَنِ الْبَابُ؛ فَقُلنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلَهُ، قَالَ: فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قالَ: قُلنَا: فَعَلِمَ عُمَرُ مَنْ تَعْنِي؟ قالَ: نَعَمْ، كما أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيلَةً، وَذلِكَ أَنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيسَ بِالأَغالِيطِ. [طرفه في: ٥٢٥]. ١٤٣٥ - قوله: (فتنة الرجل في أهله وماله) أي بسبب أهله وماله، كقوله اَّ: ((دخلت امرأة النار في هرةٍ ربطتها)) ... الحديث - بالمعنى -، أي دخلتها بسبب هرة. ٢٥ - بابُ مَنْ تَصَدَّقَ في الشِّرْكِ ثُمَّ أَسْلَمَ ١٤٣٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ حَكِيم بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ، كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، مِنْ صَدَقَةٍ، أَوْ عَتَاقَةٍ، وَصِلَةِ رَحِم، فَهَل فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((أَسْلَمْتَ عَلَى ما سَلَفَ مِنْ خَيرٍ)). [الحديث ١٤٣٦ - أطرافه في: ٢٢٢٠، ٢٥٣٨، ٥٩٩٢]. وقد مرّ مني الالتزام بعبرة طاعات الكفار وقُرُبَاتِهم، وإن لم تكن مُنْجيةً لهم، أما عباداتهم فلا عبرةَ بها أصلًا، والأحاديث كلها وردت في القُرُبَات. 1 ١٠٩ كتاب الزّكاة ١٤٣٦ - قوله: (أسلمت على ما سلف من خير) أي إنما تشرَّفتَ بالإِسلام، لمَلَكاتٍ كانت في نفسك من قبل، فلتلك الملكات مدخلٌ في إسلامك. وراجع أبا داود كتاب الجهاد من حدیث صخر. (والمعروف) ... إلخ، واعلم أن المعروفَ والمنكَر لم يحددهما الشارع، وتركهُمَا على العُرْف، فالمعروف [بهلا ما نسى]، والمنكر [إيذادهي]. ٢٦ - بابُ أَجْرِ الخَادِمِ إِذَا تَصَدَّقَ بِأَمْرٍ صَاحِبِهِ غَيرَ مُفسِدٍ ١٤٣٧ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ تَّهِ: (إِذَا تَصَدَّقَّتِ المَزَّأَةُ مِنْ طَعَامِ زَوْجِهَا، غَير مُفسِدَةٍ، كانَ لَهَا أَجْرُهَا، وَلِزَوْجِهَا بِمَا كَسَبَ، وَلِلخَازِنِ مِثْلُ ذلِك)). [طرفه في: ١٤٢٥]. ١٤٣٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسى، عَنِ النَّبِيِّ وََّ قَالَ: ((الخَازِنُ المُسْلِمُ الأَمِينُ،َ الَّذِي يُنْفِذُ - وَرُبما قالَ: يُعْطِي - ما أُمِرَ بِهِ، كَامِلًا مُؤَفَّرًا، طَيِّبٌ بِهِ نَفسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ، أَحَدُ المُتَصَدِّقَينِ)). [الحديث ١٤٣٨ - طرفاه في: ٢٢٦٠، ٢٣١٩]. ٢٧ - بابُ أَجْرِ المَرْأَةِ إِذَا تَصَدَّقَتْ أَوْ أَطْعَمَتْ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيرَ مُفسِدَةٍ ١٤٣٩ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ وَالأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ وََّ، يَعْنِي: ((إِذَا تَصَدَّقَتِ المَرْأَةُ مِنْ بَيتِ زَوْچِھَا». ح. ١٤٤٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفصٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قالَ النَّبِيُّ ◌َّهَ: ((إِذَا أَظْعَمَتِ المَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا، غَيرَ مُفسِدَةٍ، لَهَا أَجْرُهَا، وَلَهُ مِثْلُهُ، وَلِلخَازِنِ مِثْلُ ذلِكَ، لَهُ بِمَا اكْتَسَبَ وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ)). [طرفه في: ١٤٢٥]. ١٤٤١ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ يَحْيى: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيتِهَا، غَيرَ مُفسِدَةٍ، فَلَهَا أَجْرُهَا، وَلِلزَّوجِ بِمَا اكْتَسَبَ، وَلِلخَازِنِ مِثْلُ ذلِكَ)). [طرفه في: ١٤٢٥]. ولا يذهب أحدٌ من لفظ المثْلِ إلى المساواة فإن أجر كل منهم بحسَبٍ عملِهِ، ولما كان الفعلُ من جنسٍ واحدٍ جُوزيَ كلٌّ منهم من أجرِ ذلك الجنس. ولكنه على قدر عملِهِ. وقد سبرتُ . ١١٠ كتاب الزّكاة الشرعَ فعلمتُ أن الفعلَ الواحدَ إذا تقوّم من متعدد، فإنه يُطلق على كلِّهم اسمًا واحدًا، كما مر في الحديث السابق. ((فهو أحد المتصدقين)). فجعل الخازن أيضًا متصدقًا . إنصات المقتدي خلف الإمام وهو معنى قول صاحب ((الهداية)): إن حظ المقتدي من القراءة هو الإنصات - يعني أن القراءةَ فعلٌ واحدٌ يتقوَّمُ من الجماعة - بمعنى أنه لا بد له لتكميله شيءٌ من الإِمام، وشيء من المقتدین . ثم يتم هذا الفعل من المجموع، فالقراءة تكونُ من الإِمام. ولكنها لا تتم ما دام يقرأ المقتدي، فعليه أن ينصتَ ليتمكن الإِمامُ من قراءته، بدون مُنازعة، فالقراءة فعلٌ واحدٌ يتحصَّلُ من المجموع، فهذا قارىءٌ، وهذا منصت لقراءته، فكأن إنصاتَه استظهارٌ لها. فحظّ المقتدي منها هو الإِنصات، فالقراءة على ما هي عليه، إنما تتحصَّلُ من المجموع من حيث المجموع، وهي من هذه الحيثية فعلٌ واحد، وإن تركَّبَ من الفعلين عند التحليل، أعني قراءةَ الإِمام، وإنصاتَ المقتدي، إلا أنها عند التركيب فعلٌ واحد، وعلى هذا النظر، لو شئتَ سميتَ المقتدي أيضًا قارئًا، إلا أن حظّهُ منها هو الإِنصاتُ، فافهم، ولا تعجل في الردّ والقَبُول. ٢٨ - بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنََّى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَأُسْتَغْنَى فَسَنْيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى الجَم ٨ [الليل: ٥ - ١٠] فَسَنْيَسِرُ لِلْعُسْرَى ٩ وَكَذَّبَ بِاْحُسْنَى (اللَّهُمَّ أَغْطِ مُنْفِقَ مالٍ خَلَفًا)). ١٤٤٢ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قالَ: حَدَّثَني أَخِي، عَنْ سُلَيمانَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ أَبِي الحُبِابِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِِّ قالَ: ((ما مِنْ يَوْم يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانٍ يَنْزِلَانٍ، فَيَقُولُ أَحَدُهُما: اللَّهُمَّ أَغْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولٌ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا)). قوله: (﴿فَسَنُسِرُ لِلْعُسْرَى﴾) ... إلخ، واعلم أنك قد عرفتَ منا فيما سبقَ أنَّ الكفرَ قد يُزاد على الكفر المكتسب نِقمةً وعذابًا، فكذلك الحسناتُ أيضًا، يمكن أن تُزاد عليها جزاءً ورحمة، فإنَّ العبد إذا أحسنَ طاعة ربه، فالله يزيدُ له حسنًا على حُسْنِهِ، ويوفقه لليسرى والحسنات الأخرى. ولا بُعد أن تكونَ في تلك الآية إشارةٌ إليه. ثم يدخل فيها مسألة التقدير، وأجاد فيه الشاه عبد القادر رحمه الله في ((الفوائد))، فراجعها من الكهف، من قوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِهُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]. والذي نلقي عليك شطرًا مما سَنَحَ لنا، أن الأسبابَ والمُسيَِّات كلها إنما هي باعتبار حسنا وحِسْبَتِنا في ذلك العالم، فهذا مؤثرٌ، وهذا متأثرٌ، أما بالنظر إلى عالم الغيبْ . فلا مؤثِّر إلا هو، إلا أن مشاهدتنا لمّا اقتصرت على هذا العالم فقط، ولم تتجاوز إلى عالم الغيب وإنما عرَّفَناه من ١١١ كتاب الزّكاة جهة الشرع فقط - نزل التكليف أيضًا بحسب ذلك العالم، فالعالم الذي فيه التكليف فيه التأثير، والتأثر أيضًا، وما ليس فيه تأثيرٌ إلا للَّه الواحد القهار، ليس فيه تكليفٌ، فمن أتى بأحكام أحد العالَمين على الآخر، فقد ضلّ وغوى. ومن أظلم ممن خَرَقَ العالمَ المشهودَ، وجعل يبحثُ فيه عن أحكام الرب الودود. فالإِيرادات التي تعرِض على مسألة التقدير، كلَّها نقضٌ لمشاهدة نفسه عند التحقيق. ألا ترى أن الرجلَ لا يتعطّلُ عن الأسباب لدُنياه، فإذا عرضت له الآخرة تمسَّك بالتقدير، وخَرَق ما شاهده من تأثير الأسباب، ودخل في عالم آخر، وإلى بما فيه، وتعلَّل منه، مع كونه في هذا العالم، وصدق الله العلي العظيم: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]، فلو فعل مثلَه في دُنياه، فلم يأكل، ولم يشرب، ولم يكتسب مالًا، ولم يرفع إلى الأسباب رأسًا، لكان لنا محل صبر، ولكنه لمَّا تظهر له الدنيا، يرى أن الأسباب هي المؤثرة الحقيقية، وإذا لاح له من أمر الآخرة شيءٌ زَعَمها معطلةً لا تأثيرَ فيها، فيا لجَوْرِهِ: أصم عن الشيءِ الذي لا أُريدُه وأسمعُ خلقَ اللهِ حينَ أُريدُ فيرى الأسبابَ أكسدُ شيءٍ لعُقباه، وأنفق شيءٍ لدنياه، فيا ويلاه ويا ويلاه. قوله: (اللهم أعط منفق مالٍ خلفًا) أي بدلًا عنه. ١٤٤٢ - قوله: (اللهم أعط ممسكًا تلفًا) أي اجعل التَّلفَ في ماله، فلا يحصل له غير النقصان. ٢٩ - بابُ مَثَلِ المُتَصَدِّقِ وَالبَخِيلِ ١٤٤٣ - حدّثنا مُوسى: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ: حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالمُتَصَدِّقِ، كَمَثَلِ رَجُلَّينٍ، عَلَيهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ)). ح. وَحَدَّثَنَا أَبُو الْيَمانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيبَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمْنِ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ بَ لَ يَقُولُ: ((مَثَلُ البَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ، كَمَثَلِ رَجُلَينٍ، عَلَيهِمَا جُبََّانِ مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ تُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّ المُنْفِقُ: فَلَا يُنْفِقُ إِلَّا سَبَغَثَّ، أَوْ وَفَرَتْ عَلَى جِلدِهِ، حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ، وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ. وَأَمَّا الْبَخِيلُ: فَلَا يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلا لَزِقَتْ كُلُّ حَلقَةٍ مَكانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلَا تَتَّسِعُ)). تَابَعَهُ الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ: في الجُبَّتَين. [الحديث ١٤٤٣ - أطرافه في: ١٤٤٤، ٢٩١٧، ٥٢٩٩، ٥٧٩٧]. ١٤٤٤ - وَقَالَ حَنْظَلَةُ، عَنْ طَاؤُسٍ: جُنَّتَانِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرٌ، عَن ابْنِ هُرْمُزَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهِ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَّ: جُنَّتَانِ. [طرفه في: ١٤٤٣]. ٣٠ - بابُ صَدَقَةِ الكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِّنَ اُلْأَرْضِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أَنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. ١١٢ كتاب الزّكاة قوله: (وتعفو أثره)، أي تمحو آثار أقدامه، قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ والظاهر أنها التجارة، ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِّ﴾ [البقرة: ٢٦٧] كالعُشْرِ وغيره. ثم إن القرآن عمّم مما خرج من الأرض، ولم يُشر إلى نصابٍ فيه، فدل على مسألةٍ الحنفيةِ من وجوبِ العُشر في كل ما خرج، قليلًا كان أو كثيرًا. ولذا صرَّح ابن العربي أن الأسعدَ بالآية في هذا الباب هم الحنفية(١). (١) واعلم أن الشيخ رحمه الله أجملَ الكلامَ في هذا الموضع، وتجدُه مفصلًا في موضع آخر من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. وكنت أريدُ أن أعلق تلك الحاشية هناك، غير أني لا أذكرُ ذلك الموضع، فأردتُ أن أُلحقها ههنا . فاعلم أن توضيحَ كلامِهِ، وتنقيح مرامه على وجه التفصيل لا يتحصَّلُ إلا بعد تمهيدٍ مقدمة، وهي أن ههنا مسألتين نبه صاحب ((الهداية)) على الفرق بينهما: الأولى: في وجوب العُشر في كل ما يخرج من الأرض: الخضراوات وغيرها سواء. والثانية: في اشتراط النّصاب؛ فالحاصل أن الخلاف في موضعين: الأول: فيما يجبُ فيه العُشر. والثاني: في قَدْرٍ يجبُ فيه العشْر، فذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى العموم فيهما، واختار العمومَ في الأجناس، والعمومَ في المقدارِ كليهما، فيجب العُشر عنده في الأجناس كلها، في قليلها وكثيرها، بدون اشتراط نصاب، إلا ما استثناه أصحابنا، بدليل لاح لهم، وقد بَسَطّه صاحب ((الهداية)) فراجعه. إذا عرفت هذا، فاعلم أن الحنفيةَ استدلوا من القرآن، وقالوا: إن قوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] يُشعر بالعموم في الطرفين، فإنَّ النص لم يفرق في وجوب العُشر بين ما يخرجُ من الأرض، ولا أشار إلى اشتراطِ نصابٍ فيه. وزعموا أن القاضي أبا بكر بن العربي مع كونه مالكيًا قد وافقهم أيضًا، والشيخ رحمه الله لم يُنَازع في تمسكهم بالنص، وإنما خالفَ فيما فهموه من مراد القاضي، نعم، تلك أذواقٌ، فبعضُ الناس يغمض عن الظفَرِ بالمقصود، والآخرُ يحقّق المقام، ولا يُبَالي بموافقة أحدٍ، ولا بمخالفتِهِ، فإنه قد يعودُ من باب توجيه القائل بما لا يَرْضی به قائلُه. فها أنا آتيك أولاً بعبارتِهِ التي ذكرها في ((شرحه للترمذي))، وهي التي فهمها الحنفية أنها لهم، والثانية: ما ذكرها في تفسيره المعروف بـ: ((أحكام القرآن)) وهي التي دعا الشيخ رحمه الله إلى تحقيق المَقَام على خلاف ما زعموه. فأقول: إن القاضي رحمه الله ذكرها في موضعين: الأولى، وهي الأصرح عندهم: في باب زكاة الخضراوات ... إلخ، وهذا نصه: قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى أَنْشَأَ جَّتٍ مَّعْرُوشَتٍ وَغَّرَ مَعْرُوشَتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْلِمَا أُكُلُهُ وَالزَّتُونَ وَالرُّنَّانَ﴾، إلى قوله: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهُ﴾ [الأنعام: ١٤١] فامتنَّ الله على خلقه في إنبات الأرض، ثم قال لهم: كلوا مما أنعمت به عليكم، وآتوا حقَّهُ إذا جمعتموه بأيديكم، وآويتُموه إلى رِحَالِكم، فكما خَلَقه نعمةً، ومكْن منه نِعمةَ، أوجب فيه الحق. قال مالك: الحق ههنا الزكاة، وصَدَقَ. ومن قال غير هذا فقد وَهِمَ، وتعينَ حملُ هذا على عمومه، إلا ما خصَّهُ دليلٌ يصحُ تخصيصُه هنالك، حسب ما ذكرناه وحققناه هناك. فأما مَنْ حمله على عمومه، فاستثنى الحطب، والقصب، والحشيش، فلا يقال: إنه تخصيص، لأنه قال: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُوا حَقَّهُ﴾، فإنَّما أوجبَ إيتاءُ الحق فيما يُؤكل، وإلى هذا النحو أشار حمَّاد، وعليه دار من قال: مالُه ثمرةٌ باقية، ولكنه خصه بالمُقْتَات، بإشارة قوله: ﴿يَوْمَ حَصَادِ﴾ وكأنه أشار بيوم الحصاد إلى يوم يرفع إلى الجَرِين. ١١٣ كتاب الزّكاة يقول العبد الضعيف: وهذه العبارة كلها - كما ترى - في العموم في الخارج من الأرض، لا في حق العموم في = المقدار، فإنه لم يتعرض فيها إلى العموم الثاني، ولو بحرف، ألا ترى أنه يذكره في باب زكاة الخضراوات وغيرها، وهو العموم الأول دون الثاني، وكذلك استثناؤه للحطب والقصب، يُعيِّنُ مراده في المستثنى منه، وهو العموم في الأجناس والأنواع دون المقدار. ثم صرح بعد ذلك بتقويته مذهب الحنفية، فأخذتهم عجلةً، كما تأخذ المرء عند الظَّفَرِ بالمقصود، فحملوها على العموم في المقدار، وزعموا أنه يُؤيدُهم في مسألة اشتراط النصاب أيضًا، مع أنه لم يتكلم في تلك المسألة بحرف. وأقوى المذاهب في المسألة مذهب أبي حنيفة رحمه الله دليلاً. وأحوطها للمساكين. وأولاها قيامًا بشكر النعمة، وعليه يدل عموم الآية، والحديث، أي ((فيما سقت السماء والعيون العُشر)) ... إلخ. وقد رَام الجُويني على تحقيقه أن يُخرِجَ عمومَ الحديث من بين يدي أبي حنيفة رحمه الله، بأن قال: إن هذا الحديث لم يأت للعموم، وإنما جاء بتفصيل الفرق بين ما تقلُ مُؤْنَّتُه وتكثُر، وبدأ في ذلك وأعاد، وليس يمتنعُ أن يقتضي الحديثُ الوجهين: العموم، والتفصيل، اهـ . وعبارته من الموضع الثاني ذكرها في باب صدقة الزرع والتمر والحبوب وهذا نصه: إن في قوله: ((فيما دون خمسة أوسق)» دليلٌ على أن وجوبَ الصدقة في كل شيءٍ يجري فيه الوَسْق والصاع، قال الله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ﴾ ، وقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةً﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: ((ليس فيما دون خمسة أوسقٍ صَدَقة)) فخرج ما دون النصاب من الآية ... إلخ، وهذا وإن كان فيه نحو تعرض إلى مسألة النصاب، إلا أن الآية فيه ليست التي ذكرها في باب زكاة الخضراوات، والبحث إنما هو في عمومِها، هل هو في حق الأنواع والنصاب كليهما، أو في حق الأنواع فقط؟ ثم لا يذهب عليك أنه ذكر العمومَ في الآية، والحديث كليهما. ثم رد على الجُوَيْني في إخراجِهِ عمومَ الحديث فقط من يد أبي حنيفة رحمه الله، ولم يتعرض فيه إلى عموم القرآن أصلاً، كما يظهر من تقريره، فاحفظه، فإنَّه قد يسري إلى الوهم أن رده على من أراد أن يخرج من يده عموم الآية، وليس فيه ذلك، ولا لوم فيه، فإنه من سجية الإنسان أنه إذا ظَفِرَ بمقصوده تأخذه عجلةٌ تمنعه عن الفحص والإمعان، فهذه عبارته من ((شرحه للترمذي)). أما عبارته في «تفسيره))، فمن تفسير تلك الآية، وقد أفادت هذه الآية: ﴿وَهُوَ اَلَّذِىّ أَنْشَأَ جَّتٍ مَعْرُ وشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَتٍ ﴾ [البقرة: ٢٦٧] إلخ وجوب الزكاة فيما سمَّى الله سبحانه، وأفادت بيانُ ما يجب فيه من مُخرَجَات الأرض التي أجملها في قوله: ﴿وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِّ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وفسرها ههنا، فكانت آية البقرة عامةً في المخرج كله، مجملةً في القَدْر، وهذه خاصة في مُخْرَجَات من الأرض مجملةٌ في القدر، فبينه رسول الله وَّةِ، الذي أمر بأن يُبينَ للناس ما نُزْل إليهم، فقال: ((فيما سقت السماء العُشْر، وما سقي بنَضْح أو دالية نصفُ العُشْر)) فكان هذا بيانًا لمقدار الحق المجمل في هذه الآية، وقال أيضًا بََّ: ((ليس فيما دون خمسةٍ أوْسقٍ من حَبِّ أو تمرٍ صدقة)) خرجه مسلم وغيره، فكان هذا بيانًا للمقدار الذي يُؤخذ منه الحق، وهو الذي يُسمَّى في ألسنةِ العلماء نصابًا. اهـ . فهذه العبارة كما ترى تنادي بأعلى نداءٍ: أنه لم يعتبر العموم في قوله: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ في حق النصاب، وإنما أجراه في مُخرَجاتٍ من الأرض. فتلك من مُبدِعَات الشيخ رحمه الله، حيث كان الناسُ يفرحونَ ويفتخرون بتأييد القاضي لهم، فلما أبرزه الله على وجه الأرض، جاء وكشف عن حقيقة الحال من غير مرية، ولا دعوةِ نزال، فإنْ كنتَ ربَّ هذه الضَّالة فخذها مِنْ مُنشِدٍ غير ممتنٍ، وإلا فسوف يأخذها ربَّها إن شاء الله تعالى. ١١٤ كتاب الزّكاة ٣١- باب عَلَى كُلِّ مُسْلِمِ صَدَقَةٌ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلَيَعْمَلِ بِالمَعْرُوفِ ١٤٤٥ - حدّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ بََّ قالَ: ((عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ)). فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ؟ قالَ: ((يَعْمَلُ بِيَدِهِ، فَيَنْفَعُ نَفسَهُ وَيَتَصَدَّقُ)). قَالُوا: فَإِن لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: ((يُعِينُ ذَا الحَاجَةِ المَلهُوفَ)). قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قالَ: ((فَلَيَعْمَل بِالمَعْرُوفِ، وَلَيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ)). [الحديث ١٤٤٥ - طرفه في: ٦٠٢٢]. ١٤٤٥- قوله: (ليمسك عن الشر) يعني إن عَجَزَ أن يأتي بصدقة وُجُودية، فلا يعجِزُ عن سلبية، وفيه تنزيل من فن البديع، كما في قوله : وخيل قد دلفت لهم بخيل تحية بينهم ضربٌ وجيعُ ليس فيه تشبيه الضرب الوجيع بالسلام، بل فيه تنزيله مكان السلام، وعليه قوله وَ الله : ((منْ لم يتغن بالقرآنِ فليس مِنَّا))، يعني مَنْ لم يجعل القرآنَ مكان غنائه، فهو كذا، فينبغي للإِنسان أن يريحَ قلبَهُ بالقرآن، مكان الغناء، فإنَّ من سجية الإِنسان أنه إذا ضَجِر يُسلي همومَه بنحو الغناء، فعلَّمَه الشرعُ أن الذي يَليقُ به أن يطلبَ سكون قلبِهِ وراحته من القرآن، مكان الغناء، وسمَّاه بعضهم ادّعاءً، وليس بجيد، ولو سَمَّاه قيام الشيء مَقَام غيره لكان أدلّ على مراده . ٣٢ - بابٌ قَدْرُ كَمْ يُعْطِي مِنَ الزَّكَاةِ وَالصَّدَقَةِ، وَمَنْ أَعْطَى شَاةً ١٤٤٦ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنْ خالِدِ الحَذَّاءِ، عَنْ حَفْصَةً ◌ِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: بُعِثَ إِلَّى نُسَيبَةَ الأَنْصَارِيةِ بِشَاةٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِنْهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((عِنْدَكُمْ شَيءٌ؟)) فَقُلتُ: لَا، إِلَّا ما أَرْسَلَتْ بِهِ نُسَيبَةٌ مِنْ تِلكَ الشَّاةِ، فَقَالَ: ((هَاتِ، فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا)). [الحديث ١٤٤٦ - طرفاه في : ١٤٩٤، ٢٥٧٩]. قوله: (ومن أعطى شاة) ... إلخ، إنما ذكرها تبعًا للحديث على عادة المصنف رحمه الله، في تراجمه. وكَرِه الحنفية أن يعطيَ أحدًا قَدْر النِّصابِ، وراجع تفصيله من الفقه، فقد بلغت مَحِلَّها، فهو على وزان قوله تعالى: ﴿حَّ بَلُغَ الْهَدْىُ مَعِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] يعني أن تلك الشاة قد قطعت المسافة التي وجبتْ لها . وحاصله: أنك أديتَ زكاته، وما جاء قبلنا فهو هدية. وفيه دليلٌ على أنَّ تبدلَ المِلك يُوجبُ تبدل العين، ولكنه ليس بمطَّردٍ، وفيه استثناء. ففي (البداية)) من البيوع الفاسدة: أن المشتري لو ربح بالمبيع في البيع الفاسد لا يَطيبُ له نفعه، بخلافِ البائع فيما ربح في الثمن، فإِنه يطيب له، ثم ذكر الفرق بينهما. وراجع ترجمة الشاه ولي الله ((للموطأ)) من البيوع، فإنه حرَّر ١١٥ كتاب الزّكاة هناك أصولًا لعلها تنفعك في مواضع. وأما أنا فلا أدخل في هذا الباب، ولا أتعرضُ إلى بيانٍ الضوابط من قبلي. واعلم أنه ما من فنٍ إلا ولي فيه رأيٌ غير الفقه، فإني فيه مقلدٌ صِرْفٌ، ولا أرى فيه حقًا، إلا لمن حصل له الاجتهاد. ٣٣ - بابُ زَكاةِ الوَرِقِ ١٤٤٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدِ الخُدْرِيَّ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: ((لَيسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ مِنَ الإِبِلِ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيسَ فِيما دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ)). حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قالَ: حَدَّثَنِي يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ قالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو: سَمِعَ أَبَاهُ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّ: بِهذا. [طرفه في: ١٤٠٥]. ٣٤ - بابُ العَرْضِ في الزَّكاةِ وَقَالَ طَاوُسٌ: قالَ مُعَاذْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لأَهْلِ اليَمَنِ: اثْتُونِي بِعَرْضٍ، ثِيَابٍ خَمِیصٍ أَوْ لَبِيسٍ، في الصَّدَقَةِ، مَكانَ الشَّعِيرِ وَالذَّرَةِ، أَهْوَنُ عَلَيَكُمْ، وَخَيرٌ لأَضْحَابِ النَّبِيِّ ◌َِ بِالمَدِينَّةِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َه: ((وَأَمَّا خَالِدٌ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ). وَقالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ خُلِيْكُنَّ)) - فَلَمْ يَسْتَثْنِ صَدَقَةَ الفَرْضِ مِنْ غَيْرِهَا - فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلقِي خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا. وَلَمْ يَخُصَّ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ مِنَ العُرُوضِ. ١٤٤٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِيِ قالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ: أَنَّ أَنَسَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كَتَبَّ لَهُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ نَّهِ: ((وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتْهُ بِنْتَ مَخَاضٍٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَيُعْطِيهِ المُصَدِّقُ عِشْرِيَنَ دِرْهَمًا أَوَّ شَاتَينٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا، وَعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَلَيْسَ مَعَهُ شَيءٌ)). [الحديث ١٤٤٨ - أطرافه في: ١٤٥٠، ١٤٥١، ١٤٥٣، ١٤٥٤، ١٤٥٥، ٢٤٨٧، ٣١٠٦، ٥٨٧٨، ٦٩٥٥]. ١٤٤٩ - حدّثنا مُؤَمِّلٌ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحِ قالَ: قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ لَصَلَّى قَبْلَ الَخُطْبَةِ، فَرَّأَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَأَتَاهُنَّ، وَمَعَهُ بِلَالٌ نَاشِرٌ ثَوْبَهُ، فَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلُقِي، وَأَشَارَ أَيُّوبُ إِلَى أُذُنِهِ وَإِلَى حَلقِهِ. [طرفه في: ٩٨]. ١١٦ كتاب الزّكاة واعلم أن أداءَ السِّنِّ المُسمَّى في الشرع صحيح بالإِجماع، وإنما الخلافُ في دفع القِيَم، فجاز عندنا الاستبدال بالقيمة، إلا في الهدايا والضحايا، كما في ((الكنز))، وذلك لأن المقصودَ لههنا الإِراقة، وذا لا يحصل بالقيمة. وإليه مال البخاري كما صرح به ابن رشيد في تراجمه، والشيخ ناصر الدين بن المُنَيِّر، والحافظ في ((الفتح)). قوله: (قال معاذ لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب: خميص، أو لبيس ((پهناوا)) في الصدقة مكان الشعير والذرة) قال الحافظ: إنه لم يكنْ زكاة: بل كان جِزْية. قلتُ: بل ذِكرُ الشعير والذرة تُشعِرُ بكونها مسألة العُشْر دون الجِزْية، ومسألة العُشْر والزكاة عندنا واحدة. والظاهرُ أنها كانت صدقةُ الفِظْرِ، ولا بأس بها عند المصنف رحمه الله على ما علمتَ من توسُّعِهِ في الاستدلال، فساغ له أن يتمسك من الاستبدال في صدقة الفِظْر على جَوَازِ الاستبدال في الزكاة أيضًا. قوله: (وأما خالد فقد احتبس أدراعه) وهذه القِصة طويلة، وفيها وقْفُ المنقولِ، فيُحمل على ما اختارَه محمدٌ: أنه صحيح بشرائطه في الفقه. أو يقال: إنه إرصاد، وهو غير الوقف، ثم الإِرصاد وإن لم يبوِّبوا له، لكنه مذكورٌ في ذيل المسائل، ومعناه حبسُ شيءٍ لمصالح، كالخيل وغيره. ثم ليس فيه ما يدلُ على أنَّ الوقفَ عدَّ من زكاته أولًا، بل فيه أن خالدًا ليس عنده شيء تجبُ عليه الزكاة، فلم تطلبون منه الزكاة؟ لا أنه كان وَقَفَ مالَه فاعتد عن زكاته، فإِنها مسألة أخری، لم يبحث عنها هُهنا . (ولم يستثن) ... إلخ، أي لم يفصل، وجعلها كلها سواءً. ثم إن المصنف أخرج حديثًا يدلُ على الاستبدال صراحةً، ولكنه لا يردُ على الشافعية: فإِنَّهم قالوا: إن هذا الاستبدال جائز لورودِ النص به، وإنما أنكروا في غير ما ورد به النص، فأوجبوا فيه العَين خاصَّةً، ولم يجيزوا بالاستبدال، إلا أن المصنف تمسك به على العموم. ثم إن حديث محمد بن عبد الله هذا عن أبيه، أخْرَجَه المصنفُ، ولم يخرجه مسلم، لأن عبد الله بن المثنى الأنصاري منسوبٌ إلى سوء حِفْظِهِ، وهو من أخصِّ تلامذة زُفَر، فيمكنُ أن يكونَ قويًا عنده، أو يكون اعتمد على فقاهتِهِ. ١٤٤٨ - قوله: (عشرين درهمًا أو شاتين)، وثبت من تلك المُعادلة أنَّ الحسابَ فيه تقريبي . ٣٥ - بابٌ لاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرَّقٍ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَينَ مُجْتَمِعٍ وَيُذْكَرُ عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ وَلَهِ: مِثْلُه. ١٤٥٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ قالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ: أَنَّ أَنَسَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ لَهُ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ مَّهِ: ((وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ)). [طرفه في: ١٤٤٨]. ١١٧ كتاب الزّكاة ٣٦ - بابٌ ما كانَ مِنْ خَلِيطَينِ، فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَينَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ وَقَالَ طَاوُسٌ وَعَطَاءٌ: إِذَا عَلِمَ الخَلِيطَانِ أَمْوَالَهُمَا، فَلَا يُجْمَعُ مالُهُمَا. وَقَالَ سُفْيَانُ: لَا يَجِبُ حَتَّى يَتِمَّ لِهِذا أَرْبَعُونَ شَاةً، وَلِهِذا أَرْبَعُونَ شَاءً. ١٤٥١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَني أَبِي قالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ: أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَتَبَ لَهُ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((وَما كانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ، فَإِنَّهُمَا يَتَرَّاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ)). [طرفه في: ١٤٤٨]. قال الجمهور (١): إن المرادَ من المتفرقِ والمجتمعِ بحَسَب المكان، أي ما كان متفرقًا في (١) قلت: ولم أر أحدًا بسط الكلام في شرح هاتين الجملتين، كما بسطه أبو عبيد، فألحقتُه، إيضاحًا للبيان، ولم أخش من التطويل والإِسهاب، وأتيت بغُرر النقولِ من غيره أيضًا، فإن المقامَ مَزَالُّ الأقدام، ولا تجدها في غير هذا التعليق إن شاء الله تعالى. قال أبو عبيد: وقد تكلمت العلماء في تفسير الجمع بين المتفرق، والتفريق بين المجتمعِ قديمًا، فمنهم الأوزاعي، وسفيان، ومالك بن أنس، والليث بن سعد. قال: فحدثني هشام بن إسماعيلِ الدمشقي، عن محمد بن شعيب، عن الأوزاعي، قال: قوله: ((لا يفرق بين مجتمع، يقول: لا ينبغي للمُصْدِقَ إذا كان نفرٌ ثلاثة، لكل واحدٍ منهم أربعونَ وشاةً، وهم خُلطاءَ أن يأخذَ منهم أكثر من شاةٍ واحدةٍ، ولا يفرق بينها ثم يأخذ من كل أربعين واحدةً. ثم قال: وقوله: ((ولا يُجمع بين متفرق)) يقول: إذا كان لكلٍ رجلٍ أربعون شاة على حدة، فلا ينبغي لهم أن يجمعوها، فيجِدُها المُصَّدِق مجتمعة، فلا يأخذُ منها إلا شاةً، والواجب عليهم فيها ثلاث. هذا قول الأوزاعي. قال: وأخبرني ابنُ بكير عن مالك بن أنس، في قوله: ((لا يجمع بين متفرق)) مثل قول الأوزاعي سواء، وخالفه في الوجه الآخر. قال: وقوله: ((لا يفرق بين مجتمع)) هو أن يكونَ الخليطان لهما مائتا شاةٍ وشاة، فيجبُ عليهم في ذلك ثلاثُ شياه، فيفرقان غنمهما حتى لا يجبُ على كل واحد منهما إلا شاة، فهذا قول مالك. وأما سفيان بن سعيد، فالذي يروي عنه أصحابنا - وهو المعروف من قوله - أنه قال في قوله: ((لا يجمع بين متفرق)) مثل قول الأوزاعي، ومالك سواء، لم يختلفوا في هذه الخَلَّة. قال: وأما قوله: ((لا يفرق بين مجتمع)) فإنَّه أن يكون عشرون مائة شاة لرجل واحدة، فلا ينبغي للمُصَّدِق أن يُفرّقها ثلاث فِرق، ثم يأخذ من كل أربعين شاة؛ ولكن يأخذ منها جميعًا شاةً واحدة، لأنها مِلك لإِنسانٍ واحد؛ فهذا قول سفيان - وعليه أهل العراق .. قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد، قال: قوله: ((لا يفرق بين مجتمع)) هي أن تكون أربعون شاة بين خليطين، فلا يُفرَّقُ بينهما في الصدقة؛ ولكن تؤخذ منهما شاة، لأنهما خليطان. قال أبو عبيد: وأحسَبُه قال في قوله ((لا يجمع بين متفرق)) كقول الآخرين، فاجتمعوا أربعتهم: الأوزاعي، وسفيان، ومالك، والليث، في تأويل الجمع بين المتفرق؛ واختلفوا في التفريق بين المجتمع. فذهب مالكٌ وحدَه إلى أن النهي في الخلتين جميعًا، إنما وقع على أربابِ المال، وتأولهما الآخرون. إن إحداهما لرب المال، والأخرى للمصدق. قال أبو عبيد: والوجه عندي في ذلك ما اجتمع عليه هؤلاء، لأن العُذوان لا يُؤمَنُ من المُصَّدِق، كما أنَّ الفِرَار من الصدقة لا يُؤْمَنُ من رب المال، فأوعز النبي ◌َّ إليهما جميعًا؛ وهو بَين في الحديث الذي ذكرناه عن سويد بن غَفَلَة حين حدث عن مُصدِّق النبي ◌َّ أنه قال: ((إن في عهدي أن لا أفرق بين مجتمعٍ ولا أجمعَ بين متفرِق))، فقد أوضح لك هذا: بأن النهي للمُصَّدِق. = ١١٨ كتاب الزّكاة المكان، لا ينبغي له أن يُجمعَ في مكان واحد، وكذلك ما كان مجتمعًا في مكان لا ينبغي له أن وقوله: حذار الصدقة: يبين لك أن النهي لأرباب المال، فإذا كانت الماشية بين خليطين، فإنّ فيها بين أهل = الحجاز، وأهل العراق، والشام اختلافًا في التأويل، وفي الفُتْيًا، مع آثار جاءت بتفسيرها . قال: حدثنا أبو الأسود عن ابن لهيعة، قال: كتب إليَّ يحيى بن سعيد: أنه سمع السَّائبَ بن يزيد يُحدثُ عن سعد عن النبي بَّرَ، قال: ((الخليطان ما اجتمع على الفحل والمرعَى والحوض)). قال أبو عبيد: قال أبو الأسود: وكل شيء حدث به ابن لھیعة عن یحیی، فإنّما هو کتاب گتب به إلیه. قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يحيى بن سعيد، قال: ((الخليطان ما اجتمع على المرعى والحوض والفحل))، ولم يُسنده الليث. قال: وحدثنا هشام بن إسماعيل، عن محمد بن شُعيب، قال: سمعت الأوزاعي يقول: إذا جمعهما الراعي، والفحل، والمُرَاح فذلك الخليطان. قال: وحدثنا يحيى بن بُكير، عن مالك بن أنس، قال: ((الخليطان أن يكونَ الراعي واحدًا، والفحلُ واحدًا، والمراح واحدًا»؛ قال: والخليطان في الإِبل مثل ذلك. قال أبو عبيد: وهذا كله قول أهل الحجاز. وأهل الشام: إن الخليطين يُجمع ما لهما في الصدقة. وتفسير ذلك: أن تكون ثمانون شاة بين نفسين أو خليطين، أو يكون عشرون ومائة شاة بين ثلاثة نفر، وهم خلطاء في المرعى، والفحل، والمورد، فليس يكون فيها كلها عندهم إلا شاةً واحدةً، يَلزمُ كلّ واحدٍ منهم سهمٌ من قيمة تلك الشاة، على قدر حصته من عدد الغنم، فهذا عندهم هو تأويل قوله: ((لا يفرق بين مجتمع))، وتأويل قوله: ((وما كان من خليطين فإنَّهما يتراجعان بينهما بالسَّوية)). وخالفهم سفيان، وأهل العراق في التفسير، فقالوا: إنما التفريقُ بين المجتمع، والجمعُ بين المتفرق على المِلك، لا على المخالطة، فقالوا: في ثمانين شاة - بين خليطين - شاتان؛ وفي عشرين ومائة - بين ثلاثة خلطاء - ثلاث شياه. قال أبو عُبيد: والذي عندي في ذلك ما تأوله أولئك للحديث الذي ذكرناه عن ابن لّهِيعة مرفوعًا، مفسرًا، في المرعى، والحوض، والفحل، مع ما فسره يحيى بن سعيد، والأوزاعي، ومالك والليث؛ ويصدِّق ذلك كله الحديث الذي يحدثه معاوية بن حَيْدة عن النبيِّ ◌َّ. قال: حدثنا ابن أبي زائدة، عن بَهْز بن حكيم بن معاوية، عن أبيه، عن جده: أنه سمع رسول الله بَّر، يقول: ((في كل إبل سائمة، في كل أربعين منها ابنة لَّبُون، لا تفرق عن حسابها)). قال أبو عُبيد: فإذا كانت هذه الأربعون من الإِبل بين خُلطاءٍ ثمانية، لكل واحد منهم خمس، فإنَّ الذي يجبُ عليها . في قول من نظر إلى المِلك - ثمانٍ من الغَنَم عن كل رجلٍ شاة. وقد قال النبيُّ ◌َّرَ: ((في كل أربعين بنت لَبُون، لا تفرق عن حِسابها)) فأيُّ تفريقِ أشدُ من نقلها من أسنان الإبل إلى الغنم؟ وهو ◌َُّ لم يشترط في حديثه: إذا كانت مِلك واحدٍ، ولا أكثر منه، إنما ذكرَ عددها مجتمعةً؛ وإنما ذهب من نظر في المِلك تشبها بصدقةٍ الذهب، والوَرِقٍ، والحبِّ، والثمارِ، وقد جاءت السنة في الماشية بخصوصية لها دون غيرها. ألا تَرَاه ◌ِيَّة لم يشترط النهي عن الجمع بين المتفرق، والتفريق بين المجتمع، ولم يأمر بتراجع الخليطين إلا في المواشي خاصة، فإذا صيرت سننها كسنة غيرها بطل شرطه فيها. ولما كان لما سَنَّ من ذلك معنى؛ وليس لأحدٍ إيطالُ هذا القول من سنته، ولا تقاسُ السننُ بعضها ببعض؛ ولكن تمضي كل سنة على جهتها. قال أبو عُبيد: وكل هذا الذي حكينا عنهم في أمر الخُلطاء، فإنّما ذلك أن يكونَ كلُ واحدٍ من الخليطين مالكًا الأربعين شاة فصاعدًا، فأما إذا كان أحد الخليطين لا يبلُغ مِلكه أربعين، فإنَّ الأوزاعي، وسفيان، ومالك بن أنس اجتمعوا على أنه لا صدقة عليه. قالوا: وتكون الصدقةُ على الآخر المالكِ للأربعين، فما زادت، ولا مرجعَ له على الآخرِ بشيءٍ في قولهم. وخالفهم الليثُ بن سعيد؛ فقال: إذا كَمُلت الأربعون بين خليطين، ففيها شاة عليهما؛ = ١١٩ كتاب الزّكاة يُفرِّقه في أمكنته. وذلك لأن الجمعَ والتفريقَ بحسَبَ الأمكنة مؤثرٌ عندهم في زيادة الواجب ونقصانه . قال: وهو تأويلُ قولٍ رسول الله وَ لير: ((لا يفرق بين مجتمع))، وتكون هذه الشاة بينهما على قدر حصصهما من = الغنم. قال أبو عُبيد: وتفسير ذلك أن يكونَ لأحدهما ثلاثون شاة - وللآخر عشر، فتجبُ عليهما شاةٌ، ثم يتراجعان، وهو أن يَرجِعَ صاحب العُشْر على ربِّ الثلاثين بِرُبْع قيمة الشاة، حتى يكونَ إنما يلزمه رُبْعها، ويَلْزِمُ الآخر ثلاثةُ أرباعِهَا، على قَدْر أموالهما؛ فإن كانت الشاةِ المأخوذةُ في الصدقة من مال صاحب العُشْر رَجَعَ على صاحب الثلاثين بثلاثة أرباع قيمتها، وإن كانت من مال صاحب الثلاثين رجع على صاحب العُشْر برُبْع قيمتها في مذهب الليث وتفسيره. فهذا وما أشبهه تأويل قولِهِ: ((وما كان من خليطين فإنَّهما يتراجعان بينهما بالسوية)) في مذهب قول الليث. وأما الأوزاعي، ومالك فذهبا إلى أنَّ معنى هذا: إنما هو إذا بلغ مِلك كل واحدٍ منهما أربعين فزائدًا؛ وذلك كخليطين بينهما مائة شاة، لأحدهما ستون، وللآخر أربعون، ففيها على قولهما شاة واحدة، يكون على صاحب الأربعين خمساها، وعلى رب الستين ثلاثة أخماسها؛ وقال سفيان: وأهلَ العراق سوى ذلك كله في المسألتين جميعًا، قالوا في الأربعين - بين خليطين -: لا شيء على واحدٍ منهما، فخالفوا الليث في هذا الموضع، وقالوا في المائة - بين الخليطين -: فيها شاتان، على صاحب الأربعين واحدةٌ، وعلى صاحب الستين أخرى؛ وتركوا التراجع بينهما، فخالفوا الأوزاعي، ومالكًا ههنا. قال أبو عُبيد: وأنا مبيِّنٌ مذهب كل واحدٍ منهما إن شاء الله: أما قول الأوزاعي، ومالك، فإنهما نظرا في الأربعين، فما دونها. إلى الملك، ولم يعتدًّا بالمخالطة، ونظرًا في الزيادة على الأربعين إلى المُخالطة، ولم يعتدا بالملك؛ وفي هذا القول ما فيه. وأما أهل العراق، فقولهم يشبه أولُه آخره في نظرهم إلى المِلك، وتركهم الاعتداد بالمُخالطة، إلا أنَّ في ذلك إسقاطُ سنة رسول الله مَّة، وقول عمر بن الخطاب في التراجع بين الخليطين، وليس لأحدٍ تركُ السنة. وأما قول الليث، فإنه عندي متَّبعٌ للحديث في مراجعة الخليطين؛ وهو مع هذا يُوَافقُ قوله بعضه بعضًا، ولا يتناقصُ بتركه النظر إلى المِلك في قليل ذلك وكثيره، واعتماده على المخالطة والاجتماع في الأربعين، فصاعدًا. ومما يُحسِّنُ قوله: ما ذكرنا عن عمر في صدقة الغنم. حين أَمَرَ أن يعتدَّ عليهم بالبَهْمَة، لما يدع لهم من الماخض، والربى، والفحل، وشاة اللحم؛ فرأى أنه يلزمهم التغليظ، كما كانت لهم الرخصة. يقول الليث، أو من احتج له: فكذلك الخليطان، إذا كانت بينهما أربعون، لزمها التغليظ، فكانت عليهما الصدقة، كما تكون لهما الرخصة في ثمانين شاة بينهما. ثم لا يكون عليها فيها إلا واحدة، وكذلك عشرون ومائة بين ثلاثة خُلطاء، لا يكون عليهم فيها إلا شاة، على كل واحد منهم ثلثها، فيكون هذا بذاك. وقد رَوي عن طاوس وعطاء قولٌ سِوَى ذلك كلّه. قال: حدثني حَجَّاج، عن ابن جُرَيج، قال: أخبرني عمرو بن دينار، عن طاوسٍ. قال: ((إذا كان الخليطان يعلمان أموالَهما، لم يُجمع مالُهما في الصدقة)) قال: فذكرته لعطاء فقال: ما أرَاه إلا حقًّا. قال أبو عُبيد: وتأويل ذلك: في أربعين شاة تكون بين اثنين، يقولون: فإن كانا شريكين، وكانت الغنمُ بينهما شائعةً غير مقسومةٍ فعليهما الصدقة، لأن مالَ كل واحدٍ منهما ليس بمعلوم من مال شريكه، فإذا كان المالان معلومين، وهما مع هذا خليطان، فلا صدقةً عليهما، ففرَّقًا الحكم فيما بين الشركاءِ والخلطاء. ولا أعلم أحدًا يقول اليومَ بهذا. ١٢٠ كتاب الزّكاة وتفصيله: أن أربعينَ شاةً لو كانت بين رجلين مناصفةً تجبُ عليها شاةٌ واحدةٌ عند قال أبو عُبيد: وقد قال بعض أهل العراق بسوى ما اقتصصنا. قال الخليطان: هما الشريكان بأعيانهما اللذان لا = يُعرف هذا ماله من مال صاحبه، وذلك كعشرين ومائة شاة بين نفسين لأحدهما ثلثاها، وللآخر ثلثها، وهي مُشَاعةٌ بينهما غير مقسومَةٍ، فإنَّ المُصَّدِقَ يأخذُ منها شاتين، فيرجع صاحب الثلثين - لأنه مالك لثمانين شاة - على صاحب الثلث، لأن مِلكه إنما يكون أربعين شاة، فيأخذُ منه ثلاثَ شِيَاه، وذلك أنه يقول: قد أخذ من مالي شاةً وثلث، وأخذ منك ثُلثا شاة، فالواجب عليكَ مثل الذي يجب عليَّ سواء، إنما هو شاة عليَّ، وشاة عليك، فلهذا يرجعُ عليه بالثلث [من ص ٣٩٣ إلى ص ٤٠٠ ((كتاب الأموال))]. قال الخَطَّابي: وقد اختلف في تأويله، فقال مالك: هو أن يكون لكلِ رجلٍ أربعون شاة، فإذا أظلهم المُصَّدِقَ جمعوها لئلا يكون فيها إلا شاة واحدة ((ولا يفرَّقُ بين مجتمع)) أن الخليطين إذا كان لكلٍ واحد منهما مائة شاة وشاة، فيكون عليهما فيه ثلاثُ شياه، فإذا أظلهما المُصَّدِق فرَّقا غنمهما، فلم يكن على كل واحد منهما إلا شاة. وقال الشافعي: الخطاب في هذا خطاب للمُصَّدِّقِ ولرب المال معًا. وقال: الخشيةُ خشيتان: خشيةُ الساعي أنْ تَقِلَّ الصدقة، وخشيةُ رب المال أن تكثر الصدقة، فأمر كلَّ واحد منهما أن لا يُحدث في المال شيئًا من الجمع والتفريق، خشية الصدقة . قوله: ((وما كان من خليطين فإنَّهما يتراجعان بينهما بالسّوية فمعناه أن يكونا شريكين في إبلٍ يجبُ فيها الغنم، فوجد الإِبلَ في يدي أحدهما، فتؤخذُ منه صدقتها، فإنه يرجع على شريكه بحصته على السوية. وفيه دلالة على أن الساعي إذا ظلمه فأخذّ منه زيادةً على فرضه، فإنَّه لا يرجعَ بها على شريكه، وإنما يَغرمُ له قيمةُ ما يخُصُّه من الواجب دون الزيادة التي هي ظلمٌ، وذلك معنى قوله: ((بالسوية)). وقد يكون تراجعهما أيضًا من وجه آخر، وهو أن يكون بين رجلين أربعونَ شاة لكله واحدٍ منهما عشرون، وقد عَرَف كلَّ واحدٍ منهما عينَ ماله، فيأخذ المُصَّدِّق من نصيب أحدهما شاةً، فيرجعُ المأخوذُ من مالِهِ على شريكه بقيمةِ نِصفِ شاة؛ وفيه دليل على أن الخُلطة تصح مع تميَّز أعيان الأموال. وقد رُوي عن عطاء وطاوس أنهما قالا: إذا عرفَ الخليطان كلَّ واحدٍ منهما أموالهما فليسا بخليطين. وقد اختلف مالك، والشافعي في شرط الخُلطة، فقال مالك: إذا كان الراعي والفحل والمراح واحدًا فهما خليطان، وكذلك قال الأوزاعي. وقال مالك: فإنَّ فرَّقَهُما المبيتُ، هذه في قريةٍ وهذه في قرية، فهما خليطان. وقال الشافعي: إن فرِّق بينهما في المراح فليسا بخلطين، واشترطَ في الخُلطة المُرَاحَ والمسرحَ والسقيَ، واختلاط الفحولة. قال: إذا افترقا في شيء من هذه الخِصال فليسا بخليطين، إلا أن مالكًا قال: لا يكونان خليطين حتى يكونَ لكلٍ واحدٍ منهما تمام النّصاب. وعند الشافعي إذا تمَّ بماليهما نصاب، فهما خليطان، وإن كان لأحدهما شاة واحدة. انتهى: (ص ٢٨- ج٢ ((معالم السنن))). قال ابن الهُمَام: وقد اشتمل كتابُ الصِّدِيق، وكتاب عمر على هذه الألفاظ. وهي: ما كان من خليطين فإنَّهما يتراجعان بالسوية، ولا يُجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع مخافة الصدقة، ولا بأس ببيان المراد، إذا كان مبنى بعض الخلاف، وذلك إذا كان النصاب بين شركاء، وصحت الخُلطة بينهم باتحاد المسرح، والمَرْعى، والمُرَاحِ، والراعي، والفحل، والمحلب، تجب الزكاة فيه عنده، لقوله ◌َّر: ((لا يُجمع بين متفرق)) ... الحديث. وفي عدم الوجوبِ تفريقُ المجتمع . وعندنا لا تجب، وإلا لو وجبت على كل واحدٍ فيما دون النصاب لنا هذا الحديث، ففي الوجوب الجمع بين الأملاك المتفرقة، إذ المراد الجمعُ والتفريق في الأملاك، لا الأمكنة، ألا ترى أن النّصاب المفرّقُ في أمكنة مع وحدة المِلك تجب فيه؟. =